← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

محطة تمر بها القوافل ويجد معبدها الاحترام وبخاصة من ملوك التبايعة، حيث تذكر الروايات أن التبع تبان أسعد أبا كرب الحميري كان أول من كسا البيت الحرام وعظمه وأوصى بتعظيمه وكسوته١. وقد كانت القبائل الجنوبية هي أول مَن سكن مكة، وكان لقبيلة خزاعة، التي هي فرع من الأزد دور في عمارة مكة، وتنشيط الحج إلى بيتها الحرام. وفي عهد قريش اتصل أحد رجال مكة وهو المطلب بن عبد مناف بأقيال اليمن الحميريين وعقد معهم اتفاقًا على أن تقوم قريش بالمتاجرة في أرضهم، وقد اتصلت تجارة قريش باليمن منذ ذلك الوقت -حوالي بداية القرن السادس- وسيطرت قوافلها التجارية تمامًا على نقل هذه التجارة. وقد تضاءل شأن تجار اليمن واكتفوا بالتجارة مع قريش، وكان قصاراهم أن يبيعوا بضائعهم لتجار مكة إذا قدموا إلى الشمال. وكما حظيت مكة وبيتها الحرام بنفوذ كبير بين عرب الشمال، كذلك أصبح لها مكانة عظيمة في نفوس عرب الجنوب الذين فقدوا استقلالهم، وتطلعوا بدافع القومية إلى هذا البلد العربي المستقل، حتى لقد غضبوا حين جهز أبرهة حاكم اليمن الحبشي حملة لغزو مكة. وتصدت له بعض القبائل اليمنية وقاتلته، وقد قامت علاقات صداقة ومودة بين زعماء مكة ورجالات اليمن؛ فتحدثنا الروايات عن صداقات عبد الملطب بن هاشم وبعض أقيال اليمن ووفاداته عليهم٢. وقد قدم وفد مكة لتهنئة سيف بن ذي يزن بعد انتصاره على الأحباش. وربما كان قدوم هذا الوفد تعبيرًا عن الابتهاج بهزيمة الحبشة التي كانت قد غزت مكة من قبل، ولكنه كان على كل حال تعبيرًا عن الغبطة بانتصار رجل عربي على أعدائه، ودليلًا على حسن الصلة والمودة. وقد أكرم سيف الوفد وحباه، وحظي عبد المطلب زعيمه بعظيم عطفه وكرمه٣. أما علاقة مكة بالحبشة فإنها بدأت منذ خرجت مكة بتجارتها إلى المجال الخارجي، فإنه في الوقت الذي اتصل فيه المطلب بن عبد مناف بأقيال اليمن، اتصل

стр. 142

أخوه عبد شمس بالنجاشي، وأبرم معه اتفاقًا مماثلًا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الحبشة لقريش وجهًا ومتجرًا١. وكانت الحبشة مصدرًا هامًّا من مصادر التجارة الشرقية، فقد كانت تنتج البخور واللادن والأطياب وريش النعام والعاج والجلود والتوابل. كم كانت منطقتها المصدر الأول لتجارة الرقيق الأسود، وكانت قريش إذ تحصل منها على هذه السلع الهامة تحمل إليها ما تحتاج إليه من حاصلات الشام ومصنوعاته، ومن حاصلات الجزيرة العربية نفسها. ولما استولت الحبشة على اليمن، لم تستطع أن تقوم بدور كبير في التجارة التي أصبحت نقلها يتم على أيدي التجار المكيين، الذين أصبحوا الوسطاء المسيطرين على قوافل التجارة الخارجية، كما كفل قيام البيت الحرام وإقرار هدنة الأشهر الحرم، وقيام الأسواق في منطقة مكة -السيطرة على تجارة شبه الجزيرة العربية الداخلية. وقد فكر حاكم اليمن الحبشي أبرهة أن ينافس مكة في هذه المكانة؛ لعله ينتزع منها التجارة الداخلية، فأقام كنيسة في صنعاء، حرص على أن تكون غاية في الفخامة والروعة؛ ليجلب إليها العرب للحج والمتاجرة٢، ولكن عمله هذا لم يأت بنتيجة؛ وذلك لأن الكتلة العظمى للقبائل العربية كانت وثنية، وقد كانت مكة مأوى أصنام العرب، ثم إن البيت الحرام كان محل تعظيم العرب جميعًا؛ لأنه البيت الذين بناه إبراهيم وإسماعيل اللذان يرد العرب أنسابهم إليهما، فكان اتجاههم إلى مكة يرضي عاطفتهم الدينية والقومية على السواء. وقد دعا الفشل واحتقار العرب للكنسية التي أقامها أبرهه إلى قيامه بحملة ضد مكة لتدمير بيتها الحرام فتسقط بذلك مكانتها الدينية، ومن ثم تذهب مكانتها بين العرب من ناحية، وليسيطر على هذه المحطة التجارية من ناحية أخرى؛ ليتم اتصال الحبشة عبر الطريق البري بحليفتها بيزنطة التي كانت تسيطر على بلاد الشام، والتي ربما كانت من وراء هذا الغزو الحبشي؛ ليصبح هذا الطريق الهام في يدها ويد حلفائها، وإن كانت لم تظهر على مسرح الحوادث في هذا الموضوع٣. وقد فشلت

стр. 143

حملة أبرهة بظروف بعيدة عن عمل المكيين ١؛ فقد تفشَّى المرض في جيش أبرهة وهو على أبواب مكة بعد أن عجزت القبائل عن التصدي لهذا الجيش، كما عجزت مكة عن تهيئة قوة لحربه والوقوف في وجهه، وقد زاد هذا الحادث من مكانة مكة الأدبية، وأكد زعامتها السياسية والروحية. وعلى الرغم من هذا العمل العدواني من جانب الحبشة؛ فإن العلاقات ظلت قائمة بين البلدين؛ لحاجة كل منهما إلى الآخر، ولأن الحبشةلم تفكر بعد ذلك في تكرار هذا العمل العدواني، وبخاصة بعد أن تغيرت الظروف بطردها من اليمن؛ ولأن قريشًا اطمأنت لمركزها بعد تراجع الأحباش عنها وبعد خروجهم من الجزيرة العربية كلها بعد هزيمتهم أمام الفرس. ولم يصبح أمام الحبشة إلا هذا الوسيط العربي الذي يقوم على التجارة، فإنه لم يكن من المستطاع أن تخلق تجارة مع الفرس أعدائها وأعداء حلفائها الروم. وفي أيام البعثة النبوية كانت علاقة مكة مع الحبشة علاقة وطيدة، وكان تجار قريش على صلة دائمة وعلاقات طيبة مع هذه البلاد وعلى معرفة أحوالها؛ الأمر الذي جعل النبي ﷺ يفكر أول ما يفكر في الحبشة حين اضطر إلى أن يشير على أصحابه بالهجرة، فهاجروا إليها ووجدوا فيها ملجأ وحماية، وفي حسن استقبال هؤلاء المهاجرين ورعايتهم، وفي إرسال قريش سفارة قابلت النجاشي وفاوضته في رد هؤلاء المهاجرين ٢ ما يدل على أن العلاقة كانت وطيدة بين البلدين. وقد ظلت العلاقات الطيبة قائمة بينهما بعد ذلك مدة طويلة. ولا بد أن صلة مكة التجارية بالجنوب قد ازدادت بعد قفل طريقها الشمالي إلى الشام بعد هجرة النبي ﷺ إلى يثرب ودخوله في صراع مع قريش، فإن بلدًا مثل مكة لا يقوى على عدم المتاجرة وإلا أكل رءوس أمواله وهدد بالخراب.

стр. 144

علاقة مكة بالشمال: علاقة مكة بالشمال قديمة ترجع إلى أيام النبطيين الذين كانوا يقومون على التجارة في شمال بلاد العرب. والذين امتد سلطانهم إلى شمال الحجاز، وقد عمل الحجازيون على تعظيم شأن الحجاز بين النبطيين فوضعوا في الكعبة تماثيل أربابًا كان يعبدها النبطيون، يعد الرواة منها: هبل. كما استقدموا إلى منطقتها آلهة أخرى منها

стр. 145

اللات ومناة والعزى١، ولا شك أن قصة عمرو بن لحي الذي اتفقت الروايات على أنه نقل الأصنام من بلاد النبط إلى الكعبة إنما هي وسيلة من وسائلهم لتعظيم شأن الكعبة عند أهل الشمال، وإيناسهم بها كلما رحلوا إلى الحجاز، وتقريب ما بينهم وبين شعائر البيت الحرام. ولما قدم قصي إلى مكة وجمع قريشًا ونازع بها خزاعة للاستيلاء على مكة، استعان بقضاعة، وهي إحدى القبائل التي كانت تقيم في بادية الشام، وتخضع للغساسنة الذين كانوا تحت النفوذ البيزنطي. وحين ورثت بيزنطة سلطان الرومان في المشرق ورث معه البيزنطيون رغبة الرومان في الاستيلاء على طريق التجارة عبر الحجاز، إذ إن الطريق عبر العراق كان في يد خصومهم الفرس. وفي الوقت الذي حصلت فيه مكة على عهود من الحميريين والأحباش على غشيان بلادهم للمتاجرة في أرض الدولة البيزنطية٢، ولكن البيزنطيين عملوا -من ناحية أخرى- على أن يضعوا أيديهم على الرأس الجنوبي لهذا الطريق والاتصال مباشرة بمنابع التجارة الشرقية، ولما لم يكن في الإمكان تسيير

стр. 146

جيوشهم إليه فقد اتخذوا الحبشة حليفة لهم لتقوم بهذا الدور، واصطنعوا الدين وسيلة لذلك. وحين استطاعت الحبشة الاستيلاء على اليمن، عمل الحليفان على الاتصال عبر هذا الطريق، وبذلا محاولات للسيطرة عليه وإزالة ذلك الوسيط التجاري وهو مكة، ولا شك أن حملة أبرهة كانت إحدى المحاولات العسكرية١. كما بذل الروم محاولة سياسية أخرى لتمليك سيد من العرب على مكة يدين بالولاء لدولة الروم، فارتضى قيصر لملك مكة رجلًا من ساداتها هو عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى القرشي، وكان عثمان ممن تمردوا على الوثنية من حكماء مكة وبحثوا عن ديانة أخرى أفضل منها، وقد قدم عثمان على قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده٢ وملك قيصر عثمان على مكة ومنحه براءة بذلك وكتب له كتبًا يبلغها قومه، فعاد بها, وجمع قومه إليه يرغبهم في حسن الجزاء من قيصر، وينذرهم بسوء العاقبة في الشام إذا هم عصوه وأهون ما هناك أن يغلق قيصر أبواب الشام في وجوههم وهم قد نظموا قوافلهم على الذهاب إليها والمتاجرة فيها في صيف كل عام. قال: يا قوم إن قيصر قد علمتم مكانكم ببلاده وما تصيبون من التجارة في كنفه، وقد ملكني عليكم، وأنا ابن عمكم وأحدكم؛ وإنما آخذ منكم الجراب من القرظ والعكة من السمن والإهاب, فأجمع ذلك ثم أذهب إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام فلا تتجروا به وينقطع مرفقكم منه٣ وقد يبدو الأمر غريبًا أن يملك قيصر رجلًا على مكة وليس للبيزنطيين نفوذ على هذه الجهات، فإن نفوذهم الفعلي لم يتجاوز في وقت من الأوقات أعالي الحجاز, ولكن ذلك لا يمنع من حصول عثمان أو غير عثمان على براءات وأوراق اعتراف من الروم بملك سيد على قبيلة أو أرض ليس للروم عليها سلطان، فقد كان حصول المشايخ والأمراء على أمثال هذه الأوراق وبراءات الاعتراف نوعًا من أنواع الإكرام والتقدير الأدبي يكسب حاملها قوة معنوية، ثم هي تجعله في جملة أصدقاء الروم وحلفائهم والحائزين لتقديرهم ومنحهم، وقد كان الروم يشجعون

стр. 147

علاقة مكة بالفرس والحيرة: في نفس الوقت الذي حصلت فيه مكة على عهود من الروم والحبشة واليمن للمتاجرة في بلادها حصل أحد رجال مكة وهو نوفل بن عبد مناف، على عهد مماثل من كسرى للمتاجرة في بلاد الدولة الفارسية١. وقد اتصلت تجارة مكة بالعراق٢ ولكنها لم تكن بنفس القوة التي كانت عليها بالنسبة للجنوب أو للشمال؛ وذلك لأن الفرس كانوا يتصلون اتصالًا مباشرًا بطريق التجارة الهندية؛ فقد كان الطريق الشمالي يمر ببلادهم، وقد احتكر الفرس التجارة الشرقية المارة ببلادهم وبخاصة تجارة الحرير،

стр. 148

وكانوا يحصلون عليها ضرائب باهظة، ولم يسمحوا بوصولها إلى يد الروم إلا بأثمان غالية جدًّا, وكان احتكار الفرس للتجارة الشرقية ومغالاتهم في قيمة الضرائب ورفع الأسعار من الأسباب التي روجت تجارة مكة وقوت مركزها لدى البيزنطيين، كما أن تجارة الفرس مع الجزيرة العربية كانت بيد الحيرة، التي كانت تتسلمها ثم تجيزها إلى أسواق العرب نظير جعل تدفعه لرؤساء القبائل لحماية هذه التجارة. كما أن ملوك اللخميين كانوا يرسلون متاجرهم إلى أسواق مكة كل عام في حماية بعض رؤساء القبائل العربية١. الأمر الذي جعل تجارة قريش قليلة مع هذه الجهات، ومع ذلك فقد كانت قوافل قريش تتصل بالحيرة. ويقال: إن قريشًا تعلمت الكتابة من الحيرة٢. وقد ازداد نشاط التجارة القرشية نحو هذه البلاد بعد أن تضعضع ملوك الحيرة، وكثرت اعتداءات القبائل على تجارة الفرس المارة عن طريقهم، وعلى تجارة المناذرة أنفسهم، ثم ما تلا ذلك من سقوط سلطان الحيرة بعد مقتل النعمان بن المنذر وهزيمة الفرس أمام العرب في معركة ذي قار٣، وقد حاولت قريش أن تحول نشاطها التجاري ناحية العراق بعد أن توقفت تجارتها نحو الشمال بعد موقعة بدر سنة ٢هـ. فأرسلت قافلة بلغ ثمن ما بها من بضاعة مائة ألف ٤. ولكن المسلمين تصدوا لها واستولوا على القافلة، فلم تستطع قريش أن تفلت من الحصار الذي ضربه عليها المسلمون من الشمال والشرق.

стр. 149

الحج وأثره مدخل ... الفصل الخامس: الحج وأثره اتصلت نهضة مكة بقيام الكعبة فيها, فإن اهتمام العرب بالبيت الحرام وتعظيمهم له والحج إليه هو السبب الأساسي في قيام هذه المدينة وتقدمها، كما أن موقع مكة كان عاملًا قويًّا في ارتفاع شأن البيت الحرام نفسه. الكعبة البيت الحرام: وجد في بلاد العرب بيوت عرفت ببيوت الله أو البيوت الحرام يقصدها الحجيج في مواسم معلومة تشترك فيها القبائل من سكان البقاع العربية ويتعاهدون على المسالمة في جوارها، وكان أشهرها في الجزيرة العربية: بيت الأقيصر, وبيت ذي الخلصة, وبيت صنعاء، وبيت رضاء, وبيت نجران, وأذكرها جميعًا وأبقاها بيت مكة, عدا بعض البيوت الصغار التي تحج إليها القبائل القريبة ولا تقصد من مكان بعيد. وكان بيت الأقيصر في مشارف الشام مقصد القبائل من قضاعة ولخم وجذام وعاملة، يحجون إليه ويحلقون رءوسهم عنده١. وبيت ذي الخصلة كان يسمى الكعبة اليمانية وهو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة - بين مكة واليمن - والذين كانوا يسمونه الكعبة اليمانية كانوا يسمون كعبة مكة الكعبة الشامية, وقد أمر النبي ﷺ -جرير بن عبد الله البجلي بهدمه بعد فتح مكة, فهدمه بعد أن دافعت عنه خثعم دفاعًا شديدًا٢.

стр. 150

وكان بصنعاء "بيت رثام" يحجون إليه وينحرون عنده ويكلمون منه، حتى هدم بعد انتشار اليهودية في اليمن١. ورضاء بيت كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقد هدمه بأمر النبي ﷺ المستوغر بن ربيعة بن سعد ٢. أما كعبة نجران فهي بيعة بنوها على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة لها، وسموها كعبة نجران، ويقول ابن الكلبي: إنها لم تكن بناء؛ وإنما كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن أو طالب الحاجة قضيت حاجته أو المسترفد رفد. وكان فيها أساقفة معتمدون وهم الذين جاءوا إلى النبي ﷺ ودعاهم للمباهلة٣. وقد اجتمع لبيت مكة من بين هذه البيوت الحرام ما لم يجتمع لبيت آخر في أنحاء الجزيرة العربية؛ لأن مكة كانت ملتقى طرق القوافل بين الجنوب والشمال والشرق والغرب، وكان محطة لازمة لمن يحمل التجارة من الشمال إلى الجنوب. وكانت القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها. وقد رغب القبائل فيها أن مكة لم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك القبائل في باديتها أو رحلاتها؛ فليست في مكة دولة كدولة التبابعة في اليمن أو مملكة المناذرة في الحيرة أو الغساسنة في الشام، وليس من وراء أصحاب الرياسة فيها سلطان كسلطان دولة الروم أو الفرس أو الحبشة وراء الإمارات المتفرقة على الشواطئ أو بين بوادي الصحراء، فهي مثابة عبادة وتجارة، وليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش ولا يبالي من عداه، فلم تكن قيصرية, ولا كسروية, ولا نجاشية، وإنما كانت مكة عربية لجميع العرب ولهذا تمت لها الخصائص التي كانت لازمة لمن يقصدونها ويجدون فيها من يبادلهم ويبادلونه على حكم المنفعة المشتركة لا على حكم القهر والإكراه. والكعبة قديمة سابقة لأسفار العهد القديم في التوراة، وقد توارث العرب أن أول من رفع قواعدها هو إبراهيم وإسماعيل ﵉ وتلهم الآية القرآنية:

стр. 151

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران] هذا المعنى؛ كما تلهم أنها نالت قدسية عامة منذ إنشائها. والآيات القرآنية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج] ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة] تلهم أن هذه المنطقة كانت معروفة، وأن الكعبة ربما قامت على أنقاض معبد قديم١، وأنه ربما جرت عليه أحداث تاريخية وجغرافية غيرت من طبيعة المكان وأهمل هذا المعبد، حتى هيئ لإبراهيم أن يرفع قواعده من جديد. وقد ذكرت المصادر القديمة مكة كما تحدثت عن البيت الذي تعظمه العرب في العربية الغربية. لقد كانت الكعبة منذ القدم -كما هي معروفة في عهد قريش- مثابة للناس جميعًا وأمنًا، لا يمنع أحد من التعبد فيها، فقد كانت قريش تسمح لكل الناس على اختلاف نحلهم بالطواف حولها والتعبد فيها على اعتبار أنها بيت الله٢. فالوثنيون على اختلاف أربابهم، واليهود والنصارى والصابئون كان يمكنهم زيارتها والتعبد فيها، تحكمهم في ذلك حكم القبائل البادية التي وجدت فيها محلًا لعبادة أوثانها في مواسم الحج والإحرام٣. ولقد حاولت الدول الكبرى أن تهدم هذا البيت وتحول أنظار العرب عنه فلم تفلح٤، وبقيت للكعبة مكانتها وقداستها كما كانت من أقدم عهودها. والأساس المهم الذي قامت عليه قداسة بيت مكة أن البيت بجملته هو المقصود بالقداسة، غير منظور إلى الأصنام والأوثان التي اشتمل عليها، وربما اشتمل البيت على الصنم أو الوثن تعظمه قبيلة وتزدريه أخرى. فلا ينتقص ذلك من قدر البيت عند المعظمين والمزدرين على السواء. وقد تختلف الدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه أو

стр. 152

وثنه وتختلف الطقوس والشعائر. ولكن لم تختلف شعائر البيت كما يتولاها سادنته المقيمون إلى جواره المتكلفون بخدمته، فكانت قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها من أهل مكة وأهل البادية، وجاز عندهم أن يحكموا بالضلال على أتباع صنم معلوم، ولكنهم يعطون البيت حقه من الرعاية والتقدير١. وعلى هذا كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب يأخذون بأشتات متفرقة من المجوسية واليهودية والمسيحية وعبادات الأمم المختلفة، وما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف عند عرب الجاهلية بلفظها وجملة معناها، كالصلاة والصيام والزكاة والطهارة، ومناطها كلها أنها حسنة عند رب البيت أو عند الله. وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر الغفاري قال له: يا ابن أخي، صليت مرتين قبل مبعث النبي ﷺ فسأله: فأين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني الله، وجاء في البخاري أنهم كانوا يصومون يوم عاشوراء٢، وكان صيامهم من الفجر إلى المغرب الشمس. وكانت لهم بقايا من العبادات التي عرفت بين أهل الكتاب، أو لم تكن معروفة على وتيرة واحدة بين أتباع دين من الأديان، وإنما يرغبهم فيها أنها أعمال ترضي الإله وأنهم يعرفون إلهًا أعظم من سائر الآلهة يتوجهون إليه بالدعاء، وهم حقيقة لا يعتورها الشك؛ لأنهم كانوا يسمون عبد الله ويلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، ولا يدعون أحدًا من الأصنام رب البيت، فإذا قالوا: رب البيت أرادوا به ربًّا فوق كل الأرباب، وهذه الحقيقة هي التي كتبت لبيت مكة التفوق على البيوت كلها في الجزيرة العربية فإنها بيوت أصنام، وكان بيت مكة بيتًا لله الذي يرى فيه العرب الإله الخالق المبدع، وإنما عبادة الأصنام تقربهم إلى الله زلفى٣. وقد عملت قريش على الاستفادة من مكانة البيت الحرام في نفوس العرب، فاستغلت قيامها على أمر البيت لتقوي مركزها الأدبي لدى القبائل العربية، ولتنشيط

стр. 153

تجارتها الداخلية، فأجرت من الترتيبات ما يكفل لها ذلك، وابتدعت من النظم والتقاليد ما يحقق لها السيادة الأدبية والنفع المادي. وأول هذه الترتيبات ما نظمته من السقاية والرفادة؛ فمنطقة مكة حارة شحيحة المياه، وهي لكي تستقبل عددًا كبيرًا من الحجاج لا بد أن توفر فيها المياه بحالة منظمة؛ حتى لا يلقى الحاج من قلة الماء ما يضره إلى الخروج منها أو العزوف عن القدوم إليها؛ لذلك جعلت قريش من عملية توفير الماء للحجاج في موسم الحج وظيفة هامة، بل جعلتها أهم الوظائف في مكة ووكلتها إلى أعظم البيوت القرشية، وقلنا: إن هذه المهمة لا بد كانت موجودة قبل قريش، ولكنها نالت عناية كبيرة وصارت عملًا رسميًّا بعد استيلاء قريش على أمر مكة. فقد جعلها قصي بن كلاب وظيفة مقررة وتولاها بنفسه، وقام بحفر الآبار في منطقة مكة، كما عملت بطون قريش على الإكثار من حفر الآبار لتواجه الزيادة المطردة في عدد الحجيج الوافد على الكعبة١، وأصبحت السقاية من الوظائف التي تفاخر بها وتراها من أجل الأعمال، إلى جانب عمارة البيت الحرام والقيام على سدانته وتنظيفه وإعداده للزائرين، حتى لقد نوه القرآن الكريم بذلك فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة] . كما جعل قصي استضافة الحاج وظيفة هامة أيضًا، وقرر على قريش خرجًا يخرجونه من أموالهم يدفعونه إليه -ثم يدفعونه إلى متولي هذه المهمة بعده- يصنع به طعامًا لفقراء الحجاج؛ استضافة لهم على أنهم ضيفان بيت الله الحرام، وهذا أمر هام في بيئة فقيرة كبيئة الصحراء، وكثير من الحجاج يقدم من بلاد بعيدة ويكابد سفرًا طويلًا يصعب معه حمل الزاد، وقد حافظت قريش على هذه الوظيفة ووكلتها إلى البطون القوية القادرة عليها؛ إذ إن صاحب الرفادة يتحمل جزءًا من ماله الخاص؛ لذلك كان يعهد بالقيام بها إلى الرجال الأغنياء٢، ومهمة الرفادة جلبت لقريش كثيرًا من الفوائد الأدبية والمادية، فالمؤاكلة تعتبر عقد جوار وحلف عند العرب، فوق أن الضيافة وإطعام الطعام كان يعتبر أكبر المحامد في المجتمع العربي، وبإطعام الحاج من كافة قبائل أنحاء الجزيرة العربية تكون قريش كأنما عقدت جوارًا مع هذه القبائل، فوق أنها

стр. 154

نالت احترامًا وفضلًا بينها، هذا مما سهل لما المرور بتجاراتها آمنة بين هذه القبائل التي تعتبر قد ارتبطت معها بهذا الرباط ما دامت قد أكلت من طعامها، وقد استغلت قريش هذه الوظيفة فيما بعد استغلالًا يكفل لها رواج تجارة داخلية هامة في موسم الحج، وهي بيع الطعام للحجاج من غير أهل الحرم، ضمن ما ابتدعت من سنن للاستفادة المادية. والأمر الهام الثاني الذي عملت قريش على إقراره هو توفير الأمن في منطقة مكة، وتوفير الأمن أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات وطلب الثأر، وتعتبر الغارة للحصول على المال وسيلة مشروعة من وسائل العيش مثل البيئة العربية؛ فقد حرصت على إقرار حرمة المنطقة المحيطة بالبيت كأمر لازم لحرمة البيت نفسه وجعله ملاذًا للناس جميعًا وأمنًا١، وقد توسعت قريش فمدت حدود الحرم حتى جعلتها تشمل منطقة مكة كلها، فأصبحت حرمًا آمنًا لا يجوز فيه سفك الدماء ولا طلب الثأر في أي يوم من أيام العام، وجعلت الأمن يشمل كل شيء حتى الوحش والطير والنبات٢. وقد دانت لها العرب كلها بذلك وأقرتها عليه؛ لأن الناس كانوا محتاجين إلى مثل هذه المنطقة الحرام يغشونها لتأدية شعائرهم الدينية، وبخاصة بعد أن ضمت أصنام القبائل كلها إلى البيت الحرام، ولتبادل المنافع العامة من بيع وشراء؛ وخصوصًا بعد أن أصبحت مكة تقوم على أمر التجارة، وبعد أن أصبحت مستودعًا تجاريًّا كبيرًا لحاصلات شبه الجزيرة وللمجلوبات الخارجية، وليجد من تضيق به الحياة ويتعرض للطلب ملاذًا يجد فيه الأمن. كما سنت الأشهر الحرم في موسم الحج لتمكين العرب من القدوم على منطقة مكة للحج وللمتاجرة، وقد قامت في منطقة مكة أو حولها أكبر أسواق العرب في عكاظ ومجنة وذي المجاز. وكل هذه الأشياء كانت مرتبطة بالحج إلى بيت الله الحرام.

стр. 155

نالت احترامًا وفضلًا بينها، هذا مما سهل لما المرور بتجاراتها آمنة بين هذه القبائل التي تعتبر قد ارتبطت معها بهذا الرباط ما دامت قد أكلت من طعامها، وقد استغلت قريش هذه الوظيفة فيما بعد استغلالًا يكفل لها رواج تجارة داخلية هامة في موسم الحج، وهي بيع الطعام للحجاج من غير أهل الحرم، ضمن ما ابتدعت من سنن للاستفادة المادية. والأمر الهام الثاني الذي عملت قريش على إقراره هو توفير الأمن في منطقة مكة، وتوفير الأمن أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات وطلب الثأر، وتعتبر الغارة للحصول على المال وسيلة مشروعة من وسائل العيش مثل البيئة العربية؛ فقد حرصت على إقرار حرمة المنطقة المحيطة بالبيت كأمر لازم لحرمة البيت نفسه وجعله ملاذًا للناس جميعًا وأمنًا١، وقد توسعت قريش فمدت حدود الحرم حتى جعلتها تشمل منطقة مكة كلها، فأصبحت حرمًا آمنًا لا يجوز فيه سفك الدماء ولا طلب الثأر في أي يوم من أيام العام، وجعلت الأمن يشمل كل شيء حتى الوحش والطير والنبات٢. وقد دانت لها العرب كلها بذلك وأقرتها عليه؛ لأن الناس كانوا محتاجين إلى مثل هذه المنطقة الحرام يغشونها لتأدية شعائرهم الدينية، وبخاصة بعد أن ضمت أصنام القبائل كلها إلى البيت الحرام، ولتبادل المنافع العامة من بيع وشراء؛ وخصوصًا بعد أن أصبحت مكة تقوم على أمر التجارة، وبعد أن أصبحت مستودعًا تجاريًّا كبيرًا لحاصلات شبه الجزيرة وللمجلوبات الخارجية، وليجد من تضيق به الحياة ويتعرض للطلب ملاذًا يجد فيه الأمن. كما سنت الأشهر الحرم في موسم الحج لتمكين العرب من القدوم على منطقة مكة للحج وللمتاجرة، وقد قامت في منطقة مكة أو حولها أكبر أسواق العرب في عكاظ ومجنة وذي المجاز. وكل هذه الأشياء كانت مرتبطة بالحج إلى بيت الله الحرام.

стр. 156

الكعبة البيت الحرام: وجد في بلاد العرب بيوت عرفت ببيوت الله أو البيوت الحرام يقصدها الحجيج في مواسم معلومة تشترك فيها القبائل من سكان البقاع العربية ويتعاهدون على المسالمة في جوارها، وكان أشهرها في الجزيرة العربية: بيت الأقيصر, وبيت ذي الخلصة, وبيت صنعاء، وبيت رضاء, وبيت نجران, وأذكرها جميعًا وأبقاها بيت مكة, عدا بعض البيوت الصغار التي تحج إليها القبائل القريبة ولا تقصد من مكان بعيد. وكان بيت الأقيصر في مشارف الشام مقصد القبائل من قضاعة ولخم وجذام وعاملة، يحجون إليه ويحلقون رءوسهم عنده١. وبيت ذي الخصلة كان يسمى الكعبة اليمانية وهو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة - بين مكة واليمن - والذين كانوا يسمونه الكعبة اليمانية كانوا يسمون كعبة مكة الكعبة الشامية, وقد أمر النبي ﷺ -جرير بن عبد الله البجلي بهدمه بعد فتح مكة, فهدمه بعد أن دافعت عنه خثعم دفاعًا شديدًا٢.

стр. 157

وكان بصنعاء "بيت رثام" يحجون إليه وينحرون عنده ويكلمون منه، حتى هدم بعد انتشار اليهودية في اليمن١. ورضاء بيت كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقد هدمه بأمر النبي ﷺ المستوغر بن ربيعة بن سعد ٢. أما كعبة نجران فهي بيعة بنوها على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة لها، وسموها كعبة نجران، ويقول ابن الكلبي: إنها لم تكن بناء؛ وإنما كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن أو طالب الحاجة قضيت حاجته أو المسترفد رفد. وكان فيها أساقفة معتمدون وهم الذين جاءوا إلى النبي ﷺ ودعاهم للمباهلة٣. وقد اجتمع لبيت مكة من بين هذه البيوت الحرام ما لم يجتمع لبيت آخر في أنحاء الجزيرة العربية؛ لأن مكة كانت ملتقى طرق القوافل بين الجنوب والشمال والشرق والغرب، وكان محطة لازمة لمن يحمل التجارة من الشمال إلى الجنوب. وكانت القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها. وقد رغب القبائل فيها أن مكة لم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك القبائل في باديتها أو رحلاتها؛ فليست في مكة دولة كدولة التبابعة في اليمن أو مملكة المناذرة في الحيرة أو الغساسنة في الشام، وليس من وراء أصحاب الرياسة فيها سلطان كسلطان دولة الروم أو الفرس أو الحبشة وراء الإمارات المتفرقة على الشواطئ أو بين بوادي الصحراء، فهي مثابة عبادة وتجارة، وليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش ولا يبالي من عداه، فلم تكن قيصرية, ولا كسروية, ولا نجاشية، وإنما كانت مكة عربية لجميع العرب ولهذا تمت لها الخصائص التي كانت لازمة لمن يقصدونها ويجدون فيها من يبادلهم ويبادلونه على حكم المنفعة المشتركة لا على حكم القهر والإكراه. والكعبة قديمة سابقة لأسفار العهد القديم في التوراة، وقد توارث العرب أن أول من رفع قواعدها هو إبراهيم وإسماعيل ﵉ وتلهم الآية القرآنية:

стр. 158

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران] هذا المعنى؛ كما تلهم أنها نالت قدسية عامة منذ إنشائها. والآيات القرآنية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج] ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة] تلهم أن هذه المنطقة كانت معروفة، وأن الكعبة ربما قامت على أنقاض معبد قديم١، وأنه ربما جرت عليه أحداث تاريخية وجغرافية غيرت من طبيعة المكان وأهمل هذا المعبد، حتى هيئ لإبراهيم أن يرفع قواعده من جديد. وقد ذكرت المصادر القديمة مكة كما تحدثت عن البيت الذي تعظمه العرب في العربية الغربية. لقد كانت الكعبة منذ القدم -كما هي معروفة في عهد قريش- مثابة للناس جميعًا وأمنًا، لا يمنع أحد من التعبد فيها، فقد كانت قريش تسمح لكل الناس على اختلاف نحلهم بالطواف حولها والتعبد فيها على اعتبار أنها بيت الله٢. فالوثنيون على اختلاف أربابهم، واليهود والنصارى والصابئون كان يمكنهم زيارتها والتعبد فيها، تحكمهم في ذلك حكم القبائل البادية التي وجدت فيها محلًا لعبادة أوثانها في مواسم الحج والإحرام٣. ولقد حاولت الدول الكبرى أن تهدم هذا البيت وتحول أنظار العرب عنه فلم تفلح٤، وبقيت للكعبة مكانتها وقداستها كما كانت من أقدم عهودها. والأساس المهم الذي قامت عليه قداسة بيت مكة أن البيت بجملته هو المقصود بالقداسة، غير منظور إلى الأصنام والأوثان التي اشتمل عليها، وربما اشتمل البيت على الصنم أو الوثن تعظمه قبيلة وتزدريه أخرى. فلا ينتقص ذلك من قدر البيت عند المعظمين والمزدرين على السواء. وقد تختلف الدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه أو

стр. 159

وثنه وتختلف الطقوس والشعائر. ولكن لم تختلف شعائر البيت كما يتولاها سادنته المقيمون إلى جواره المتكلفون بخدمته، فكانت قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها من أهل مكة وأهل البادية، وجاز عندهم أن يحكموا بالضلال على أتباع صنم معلوم، ولكنهم يعطون البيت حقه من الرعاية والتقدير١. وعلى هذا كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب يأخذون بأشتات متفرقة من المجوسية واليهودية والمسيحية وعبادات الأمم المختلفة، وما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف عند عرب الجاهلية بلفظها وجملة معناها، كالصلاة والصيام والزكاة والطهارة، ومناطها كلها أنها حسنة عند رب البيت أو عند الله. وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر الغفاري قال له: يا ابن أخي، صليت مرتين قبل مبعث النبي ﷺ فسأله: فأين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني الله، وجاء في البخاري أنهم كانوا يصومون يوم عاشوراء٢، وكان صيامهم من الفجر إلى المغرب الشمس. وكانت لهم بقايا من العبادات التي عرفت بين أهل الكتاب، أو لم تكن معروفة على وتيرة واحدة بين أتباع دين من الأديان، وإنما يرغبهم فيها أنها أعمال ترضي الإله وأنهم يعرفون إلهًا أعظم من سائر الآلهة يتوجهون إليه بالدعاء، وهم حقيقة لا يعتورها الشك؛ لأنهم كانوا يسمون عبد الله ويلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، ولا يدعون أحدًا من الأصنام رب البيت، فإذا قالوا: رب البيت أرادوا به ربًّا فوق كل الأرباب، وهذه الحقيقة هي التي كتبت لبيت مكة التفوق على البيوت كلها في الجزيرة العربية فإنها بيوت أصنام، وكان بيت مكة بيتًا لله الذي يرى فيه العرب الإله الخالق المبدع، وإنما عبادة الأصنام تقربهم إلى الله زلفى٣. وقد عملت قريش على الاستفادة من مكانة البيت الحرام في نفوس العرب، فاستغلت قيامها على أمر البيت لتقوي مركزها الأدبي لدى القبائل العربية، ولتنشيط

стр. 160

تجارتها الداخلية، فأجرت من الترتيبات ما يكفل لها ذلك، وابتدعت من النظم والتقاليد ما يحقق لها السيادة الأدبية والنفع المادي. وأول هذه الترتيبات ما نظمته من السقاية والرفادة؛ فمنطقة مكة حارة شحيحة المياه، وهي لكي تستقبل عددًا كبيرًا من الحجاج لا بد أن توفر فيها المياه بحالة منظمة؛ حتى لا يلقى الحاج من قلة الماء ما يضره إلى الخروج منها أو العزوف عن القدوم إليها؛ لذلك جعلت قريش من عملية توفير الماء للحجاج في موسم الحج وظيفة هامة، بل جعلتها أهم الوظائف في مكة ووكلتها إلى أعظم البيوت القرشية، وقلنا: إن هذه المهمة لا بد كانت موجودة قبل قريش، ولكنها نالت عناية كبيرة وصارت عملًا رسميًّا بعد استيلاء قريش على أمر مكة. فقد جعلها قصي بن كلاب وظيفة مقررة وتولاها بنفسه، وقام بحفر الآبار في منطقة مكة، كما عملت بطون قريش على الإكثار من حفر الآبار لتواجه الزيادة المطردة في عدد الحجيج الوافد على الكعبة١، وأصبحت السقاية من الوظائف التي تفاخر بها وتراها من أجل الأعمال، إلى جانب عمارة البيت الحرام والقيام على سدانته وتنظيفه وإعداده للزائرين، حتى لقد نوه القرآن الكريم بذلك فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة] . كما جعل قصي استضافة الحاج وظيفة هامة أيضًا، وقرر على قريش خرجًا يخرجونه من أموالهم يدفعونه إليه -ثم يدفعونه إلى متولي هذه المهمة بعده- يصنع به طعامًا لفقراء الحجاج؛ استضافة لهم على أنهم ضيفان بيت الله الحرام، وهذا أمر هام في بيئة فقيرة كبيئة الصحراء، وكثير من الحجاج يقدم من بلاد بعيدة ويكابد سفرًا طويلًا يصعب معه حمل الزاد، وقد حافظت قريش على هذه الوظيفة ووكلتها إلى البطون القوية القادرة عليها؛ إذ إن صاحب الرفادة يتحمل جزءًا من ماله الخاص؛ لذلك كان يعهد بالقيام بها إلى الرجال الأغنياء٢، ومهمة الرفادة جلبت لقريش كثيرًا من الفوائد الأدبية والمادية، فالمؤاكلة تعتبر عقد جوار وحلف عند العرب، فوق أن الضيافة وإطعام الطعام كان يعتبر أكبر المحامد في المجتمع العربي، وبإطعام الحاج من كافة قبائل أنحاء الجزيرة العربية تكون قريش كأنما عقدت جوارًا مع هذه القبائل، فوق أنها

стр. 161

الحج للحج ارتباط كبير بالحياة الاجتماعية والاقتصادية عند العرب، فقد كان لكثير من تقاليده علاقة قوية بكيان العرب الاجتماعي، وكان له من أجل ذلك أثر كبير في حياتهم الاجتماعية، فقد كان شاملًا للعرب جميعًا على اختلاف عقائدهم وعباداتهم وبيئاتهم، وكانوا يتخذونه وسيلة من وسائلهم الاجتماعية، حيث يفدون إلى منطقة مكة -البيت الحرام- من كل صوب، فيلتقون في موسم الحج وأسواقه في ظل الأشهر الحرم، ويجتمعون فيتعارفون ويتبادلون المنافع من بيع وشراء ومبادلة. ويعقدون المجالس للمفاخرات، والمشاورات وحل المشاكل، وكان كل صاحب فكرة وكل صاحب دعوة يريد أن يعلن عنها يجد له في أسواق الحج مجالًا صالحًا، وحتى المبشرون من المسيحييين وغيرهم كانوا يأتون إلى هذه الأسواق يدعون لديانتهم. حتى لنستطيع أن نقول: إن هذه الأسواق كانت منبرًا عامًّا تلتقي فيه الأفكار من كل لون، وبذلك أصبحت هذه الأسواق مجالًا للنشاط العربي بكل مظاهره، فأتاحت للعرب وبخاصة قبيل البعثة فرصة لحركة أو نهضة قومية وسياسية واجتماعية وفكرية. والحج إلى الكعبة فرض إلهي قديم معترف به وممارس منذ زمن بعيد، يتداول العرب خبر اتصاله بإبراهيم وإسماعيل اللذين قاما ببناء البيت الحرام كما يتداولون خبر حرمته منذ بنائه١. وأن الله جعله مثابة للناس جميعًا وأمنًا. وفي القرآن آيات كثيرة تشير إلى الحج ومناسكه وتقاليده ومنافعه، والكعبة البيت الحرام وحرمتها وأمن منطقتها: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران] وتتضمن هذه الآيات قرينة قوية على أن الحج إلى البيت على المستطيع، هو استمرار لفرض إلهي قديم على الناس معترف به وممارس من بعضهم، فهو أول بيت وضع للناس فيه الهدى والبركة، وأنه من بناء إبراهيم بما فيه من علامات هي مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمنًا، ويلفت النظر كلمة الناس فإنها دلالة قوية على أن الحج كان عامًّا غير مخصص بطائفة معينة، وهذا يدل على أن الحج كان مفروضًا قبل الإسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي

стр. 162

جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج] . هذه الآيات تتضمن دلالة صريحة: -أولًا، على أن العرب جميعهم أو القسم الأكبر منهم، سواء منهم الدانون والقاصون كانوا يأتون إلى مكة ويمارسون مع أهلها طقوس الحج قبل البعثة، وثانيًا، أنهم كانوا يتداولون خبر اتصال الحج ومناسكه بإبراهيم، وقد نزلت هذه الآيات تحمل على المشركين بسبب صدهم عن البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس جميعًا مقيمهم وباديهم منذ بناه إبراهيم، فهم يأتون إليه من كل فج عميق مشاة وركبانًا، رجالًا ونساء؛ ليقوموا بمناسكه ويوفوا ما عليهم من نذور، ويطوفوا بالبيت العتيق، ويشهدوا منافعهم العظيمة في موسمه، والآية: وأذن في الناس بالحج تؤيد بقوة ما ذكرته الروايات من أن الذين كانوا يشهدون موسم الحج لم يكونوا مقصورين على أهل منطقة مكة أو القطر الحجازي، بل منهم من كان يأتي من اليمن ونجد ومشارف الشام ومشارف العراق، كما كان منهم -إلى جانب المشركين- الحنفاء أو الصابئون والنصارى واليهود ١. منهم من يأتي للاتجار ومنهم من يأتي للتبشير، ومنهم من كان يأتي للمفاخرة والخطابة وإنشاد الشعر، ومنهم من كان يأتي بسبب حل مشاكل لا يمكن حلها إلا في ظروف مثل ظروف الحج وموسمه وأمنه، الإضافة إلى

стр. 163

أن الأكثر كان يأتي لزيارة الكعبة وأداء مناسك الحج التي كانت من الحرمات العربية العامة. وقد ظل المشركون من العرب يؤمون المسجد الحرام ويقومون بتقاليد الحج إلى ما بعد فتح مكة استمرارًا لممارستهم السابقة١، وحتى حرم الإسلام الحج على المشركين سنة ٩هـ وحوله إلى حج إسلامي خالص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة] ٢.

стр. 164

طقوس الحج وتقاليده للحج أشهر معلومات١ تبين بالأهلة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج﴾ [البقرة] ولا يذكر القرآن صراحة أسماء هذه الشهور، غير أن الروايات المتواترة ذكرت أنها ثلاثة أشهر: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم٢. وقد ذكر بعض المفسرين والمحدثين استنادًا إلى بعض الروايات أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة٣. ولكننا نرجح الرأي الأول؛ لأن ذا القعدة وذا الحجة والمحرم هي من الأشهر الحرم. والعرب لم يكن يمكنهم أن يشدوا رحالهم من بلادهم حاجين إلى مكة آمنين مطمئنين إلا في هذه الأشهر الحرم. وقد جعلت أشهر الحج ثلاثة مع أن موسمه وأسواقه لا تستغرق أكثر من شهر وأيام؛ لأن المسافات الشاسعة التي يضطر الحاج إلى قطعها تحتاج إلى مدة كافية يذهب فيها ويعود في ظل الأشهر الحرم. والطواف بالكعبة كان أول تقاليد الحج, وهو ركن من أركان الإسلام. والآية القرآنية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج] تخبر بشيء كان موجودًا ومتعارفًا عليه، مما يدل على أن هذا التقليد كان موجودًا قبل البعثة. والطواف هو أهم مراسم زيارة

стр. 165

الكعبة أو تحتها, وزيارة الكعبة نوعان: زيارة عمرة، وزيارة حج. وقد كانت هاتان الزيارتان رسميتين قبل البعثة. وللحج موسمه المعروف أما العمرة فهي زيارة الكعبة في غير موسم الحج, وكانوا في الجاهلية لا يجمعون بينهما، ويرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور١، حتى جاء الإسلام فجوز الجمع بين الحج والعمرة٢. ولعل قريشًا هي التي سنت منع الجمع بين الحج والعمرة؛ حتى تكثر الزيارة للكعبة فتجني من وراء ذلك فوائد مادية. على أن زيارة الكعبة كانت عملًا واجبًا على كل من يقدم مكة سواء في وقت الحج أو في غير وقته. والطواف في الإسلام هو سبعة أشواط على مدار بناء الكعبة، ويبدأ كل شوط من الركن الذي فيه الحجر الأسود، والطائف يستقبل هذا الركن ويستلم الحجر أو يقبله أو يشير إليه٣.. وليس للحجر الأسود واستلامه أو تقبيله, أو للأشواط السبعة ذكر في القرآن، ولكن ذلك ثابت بالسنة المتواترة التي لم تنقطع. ومن المؤكد أن هذه المراسم قد انتقلت إلى الإسلام على حالها التي كانت عليها من قبل. والحجر الأسود كان مقدسًا قبل البعثة, فأبقيت له في الإسلام حرمته وأبقيت عادة استلامه وتقبيله والبدء بأشواط الطواف من الركن الذي هو فيه. وهو حجر صواني لامع أسود، ويتحدث العرب أنه أنزل من السماء هدية للكعبة. وقد أبقى الإسلام لهذا الحجر حرمته كما أبقى على تقاليد الحج -كما هي في الجاهلية- وذلك لشدة رسوخها واستحالة التخلص منها، وحتى لا تصدم مقدسات العرب فيكون ذلك عقبة في سبيل الدعوة الإسلامية، ثم حولت هذه المراسم إلى غرض أسمى وهو عبادة الله وتعظيمه بزيارة بيته الحرام، كما حول الحج إلى اجتماع إسلامي عام يعقد في كل عام؛ لتبادل الأفكار والمنافع والإحساس بالترابط العام بين المسلمين. والحقيقة أن الكعبة والحج إليها هي البقية الباقية من عبادة الله في الحجاز على الحنيفية دين إبراهيم، فالعرب كانوا يرون الكعبة بيتًا لله ويرون الحج عبادة لله لا تقربًا للأصنام؛ وإنما وضعت الأصنام في الكعبة تكريمًا للأصنام بوضعها في بيت الله الحرام لا تكريمًا للبيت بوضع الأصنام فيه.

стр. 166

ثياب الإحرام: والمسلمون يؤدون الزيارتين المذكورتين للكعبة في ثياب الإحرام، وهي ثياب غير مخيطة، وقد كان لهذا أصل قبل البعثة. فقد ذكرت كتب السيرة والتفسير في صدد تفسير الآية القرآنية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ [الأعراف] أن بعض الحجاج قبل الإسلام كانوا يطوفون حول الكعبة عراة رجالًا ونساء، والآية نزلت بسبيل التنديد بذلك وتقرير وجوب أخذ الناس زينتهم والظهور بمظهر الحشمة والوقار عند كل عبادة ومسجد، بارتداء الملابس التي هي مظهر الزينة والحشمة، وقد كان العرب يكرهون أن يطوفوا بالكعبة وعليهم ثيابهم الاعتيادية؛ حذر أن يكونوا قد اجترحوا من المآثم وهي عليهم، ويطوفون عراة؛ فإذا طافوا بها كانوا يلقونها ثم لا يأخذونها بعد ذلك أبدًا, ويتركونها لا يقربها أحد حتى تبلى. وقد سن لهم الأحماس خلعها والتستر بملابس أحمسية، وهي مآزر كان الأحماس يعدونها خصيصًا للحجاج ويسمونها المآزر الأحمسية، وكان الذين لا يجدون مآزر أحمسية أو لا يقدرون عليها ويضنون بثيابهم أن يفقدوها، يخلعونها قبل الطواف ويطوفون عراة رجالًا ونساء١. وقد ظلت عادة الطواف بالعري إلى ما بعد فتح مكة، حتى أبطل هذه العادة حين أبطل أمر الحمس، وحرم الحج على المشركين حين أعلن للناس بيان براءة في السنة التاسعة من الهجرة٢. والسعي بين الصفا والمروة كان من الطقوس التي يقوم بها الحاج أو المعتمر في الجاهلية، والصفا والمروة هضبتان صخريتان قريبتان من الكعبة وتبعد إحداهما عن الأخرى نحو أربعمائة متر، وكان المشركون قد نصبوا عندهما بعض أصنامهم، وكانوا يقومون عندهما ببعض الطقوس ويقربون القرابين، ومن جملة هذه الطقوس الطواف بهما. وقد تحرج المسلمون من الطواف بهما كما كانوا يفعلون قبل إسلامهم، فنزلت الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ

стр. 167

يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة] تزيل هذا التحرج وتذكر أن الصفا والمروة من شعائر الله. والطواف الإسلامي بهما سبعة أشواط يسمى السعي بين الصفا والمروة، ويبدأ الطواف من الصفا وينتهي إلى المروة١. وقد كان الحال كذلك في السعي بينهما قبل الإسلام٢.

стр. 168

الوقوف بعرفة: وأعظم أيام الحج هو يوم الوقوف بعرفات، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، حيث يجتمع في هذا اليوم كل من أتى الحج في صعيد واحد هو صعيد عرفات. وعرفات منبسط فسيح من الأرض يتسع للألوف المؤلفة من الناس، وهو محاط بالجبال وفي بعض أطرافه صخور وهضاب، وبه سقايات وحياض للإرواء١، ولا يكون الحاج حاجًّا إلا إذا شهد وقوف عرفات٢. وفي الحديث: "الحج عرفة" وقد عبر عنه القرآن بيوم الحج الأكبر: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة] ويستلهم من أسلوب الآية التقريري أن هذه التسمية كانت معروفة قبل الإسلام. وقد كان ليوم عرفات رئيس من بيت معين من بيوتات العرب لا يفيض الناس إلا بعد إفاضته -رجوعه-٣. ولعل الزعماء وأصحاب الشأن من العرب كانوا يتخذون من هذا اليوم المشهود وسيلة لإعلان بعض الأمور وإبلاغها للناس، وكان الناس بعد الفراغ من حجهم يأتون صاحب النسيء ليسمعوا منه ما يعلن عليهم من تقديم أو تأخير في الأشهر الحرم٤. وقد أرسل النبي ﷺ في السنة التالية لفتح مكة أبا بكر الصديق أميرًا على الحج فأقام للناس حجهم، وقد ذكرت الرواية خبرًا هامًّا في بابه وهو أن الناس كانوا -تلك السنة- في منازلهم على الحج التي كانوا عليها في الجاهلية٥، وقد اتخذ النبي ﷺ فرصة هذا اليوم المشهود

стр. 169

وسيلة لإعلان الناس براءة الله ورسوله من المشركين، فأعلن هذا للناس عن طريق أبي بكر في رواية، وعن طريق علي بن أبي طالب الذي أرسله النبي ﷺ خصيصًا لهذا الإعلان في رواية أخرى. ويستأنس من كل ذلك أن يوم عرفات هو يوم الحج الأكبر، وأن هذا اليوم كان يجتمع فيه الناس من كل جهة وكل قبيل، وأنه كان فرصة لقضاء أمور هامة وإعلانها، وأن ما جرى عليه الحج الإسلامي كان استمرارًا لما كان يجري عليه العرب من قبل. وحينما يعود الحجاج من عرفات يأتون إلى مكان يعرف اليوم بالمزدلفة, وكانوا يسمونه جمْعًا وهو المكان الذي سماه القرآن المشعر الحرام١, فيتوقفون عنده إلى الفجر ثم يفيضون منه إلى منى، فقد كانت هناك إفاضتان: إحداهما من عرفات والأخرى من المشعر الحرام، والإفاضة كانت تسمى إجازة، ومعناها أن يجيزهم الرئيس من مغادرة المكان إلى مكان آخر، وكان هناك بعض البطون هم أصحاب الحق في هذه الإجازة؛ بحيث لا يفيض الناس إلا إذا أفاض رئيس هذا البطن، وقد كان يقصد بتوقف الناس عند المشعر الحرام إشعارهم بأنهم قد انتهوا من الواجب الأساسي للحج، وأصبحوا بذلك حجاجًا، وأن لهم الحق في التعييد بعده، وفعلًا فإن الناس بمجرد إفاضتهم من المزدلفة إلى منى يصبحون معيدين عيد الأضحى. وكان للعرب تقليد آخر في منى، وهو عقد مجالس المفاخرة بعد أن يكونوا قد انتهوا من مناسك الحج، وقد ذكر المفسرون هذا التقليد في سياق تفسير الآية القرآنية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة] وقالوا: إن الحجاج كانوا بعد قضاء مناسكهم يعقدون المجالس في منى ليتناشدوا الأشعار ويعددوا مفاخر الآباء والقبائل، والآية تلهم هذا الذي تناقلته الروايات، ولا سيما وأيام منى أيام عيد وأكل وشرب وراحة، فأمرت الآية بذكر الله والتحدث بنعمه بدلًا من المفاخرات الجاهلية التي تزيد من قوة العصبية الضيقة، التي كان النبي ﷺ بحكم دعوته يهدف إلى

стр. 170

إضعافها والخروج من مجالها الضيق إلى مجال الوحدة العربية الشاملة، بل إلى مجال أوسع من ذلك وهو الوحدة الإنسانية١.

стр. 171

الهدي والقلائد: الهدي هو الحيوان الذي يسوقه الحاج معه ليذبحه بعد أداء مناسكه قربان شكر لله، وكان من عادة العرب الحجاج تقليد الهدي بوضع قلادة في عنقه من سيور الجلد أو ألياف الشجر أو فتيل الخيط؛ إعلانًا بأنه هدي فيصبح بذلك محرمًا محترمًا، وكان من عادتهم إشعار البدن أي: جرحها جرحًا خفيفًا من شق سنامها، فيسيل دمها على ظهرها إشارة إلى كونها هديًا، ويسمون البدن المجروحة شعيرة١، ويشير القرآن الكريم إلى الهدي المقلد أو المجروح على أنه من شعائر الله، ومن واجبات الحاج، وأنه واجب الاحترام لا يحل الاعتداء عليه، ويذكر ما للهدي من أهمية عظيمة لما فيه من إقامة أود الناس ولا سيما الفقراء والمساكين والبائسين٣، ومضامين الآيات وأساليبها تلهم بقوة وصراحة أنها كانت من تقاليد العرب قبل البعثة. وقد أقرها الإسلام لما فيها من فوائد عظيمة في ظروف الحج وفي بيئته قبل البعثة وبعدها. وكان العرب يحيطون هذا التقليد بالعناية والحرمة بل بالتقديس والرهبة، حتى ليترك الحاج هديه سائمًا فلا يتعرض له أحد بسوء؛ لأن التعرض له إنما هو تعرض لمال الله. وكان من عادتهم أن يلطخوا جدران الكعبة بدماء الهدي تقربًا إلى الله رب البيت، وقد أبطل الإسلام هذه العادة، ونبه إلى أن الله لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها ولكن الذي يريده من الناس هو التقوى٤ والإخلاص. وكانوا يأثمون من أكل لحوم هديهم ويتركونها للفقراء والمساكين والسباع والجوارح، فأباح القرآن لأصحاب الهدي -إن شاءوا- أن يأكلوا منه وأن يطعموا البائس والفقير والقانع والمعتر، أي المحتاجين سألوا أم لم

стр. 172

يسألوا١. كما كانوا يذبحون الهدي عند الأوثان والأنصاب في فناء الكعبة ويذكرونها في أثناء الذبح، فنهى القرآن عن هذا وأوجب ذكر الله وحده عند الذبح٢. وعادة ذبح القرابين للمعبودات عادة قديمة اشترك فيها جميع البشر في بعض أدوارهم وأطوارهم ومختلف بيئاتهم، غير أن العرب كانوا يرجعون ذبح القرابين إلى إبراهيم الذي امتحن بذبح ولده إسماعيل قربانًا لله ففداه الله بذبح عظيم٣ وكان هذا فيما يتداولونه من الروايات في اليوم العاشر من ذي الحجة. ونرجح أنهم كانوا يعرفون خبر هذه المحنة وينتاقلونها ويعللون ذبح الضحايا في هذا اليوم اقتداء بفداء إبراهيم الذي يردون أولية الحج إليه.

стр. 173

الحلق والتقصير: وقد جاء في القرآن ذكر الحلق والتقصير كعلامة للتحلل من الإحرام عقب أداء المناسك التي من جملتها ذبح الضحية، إلا من كان مريضًا أو به أذى من رأسه فإنه لا يحلق، ويقدم كفارة تعبدية كصدقة أو صيام أو قربان١. والحلق والتقصير كان قبل البعثة من علامات التحلل من الإحرام، وكان الحجاج لا يفعلون ذلك قبل تقديم قرابينهم وقد جرى الإسلام على هذا. وهكذا نرى أن الإسلام قد احتفظ بطقوس الحج وتقاليده، كما هي ولكنه حولها إلى طقوس وتقاليد إسلامية وعفَّى على ذكر الوثنية فيها بذكر الله.

стр. 174

آثار الحج الاقتصادية والاجتماعية: كان للحج آثاره البعيدة المدى من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للعرب بعامة ولمكة بخاصة؛ فقد كانت تقام في موسمه أسواق عامة أهمها عكاظ ومجنة وذو المجاز، وإقامة هذه الأسواق يعد تقليدًا من تقاليد الحج؛ لأنها كانت في

стр. 175

أيام معلومة وأماكن مستقرة، وإذا كانت هذه الأسواق مجالًا لنشاط مكة التجاري؛ فقد كانت من جهة أخرى تقليدًا خطير الشأن جليل النفع، بالنسبة للعرب الذين كان لهم في موسم الحج وأشهره الحرم فرصة الغدو والرواح آمنين مطمئنين، فكانوا يفدون على موسم الحج وأسواقه من كل الجهات: من أطرف الشام والعراق ومن اليمن وتهامة والبحرين، على مختلف القبائل والبيئات والجهات والعقائد، فيلتقون في هذه الأسواق ويتبادلون السلع، ويقيمون أودهم، ويتزودون بما هم في حاجة إليه من العروض كما كانوا يجدون فيها فرصة لإقامة مجال المفاخرة وإنشاد الأشعار والمفاضلة بين الشعراء، ولعقد حلقات السمر, ومجالس القضاء لحل المشاكل والقضايا المعقدة، كما كانت فرصة لبث الأفكار وتسيير الأخبار، وتعارف الزعماء والشعراء والخطباء، كما كانت مجالًا لمزاولة أنواع الرياضة من فروسية وسباق ومصارعة ومناضلة. فهي تشبه "الجمنازيوم" عند الإغريق إلى حد كبير١. وقد استغل النبي ﷺ فرصة هذه الأسواق للقاء وفود العرب وزعمائهم ونبهائهم؛ ليعرض عليهم رسالته ويقرأ عليهم القرآن، وقد تقابل مع وفد يثرب وتم بينهم الاتفاق؛ فكانت الهجرة بعد ذلك وما تلاها من أحداث غيرت وجه التاريخ العربي بل وجه التاريخ العام٢. ونرجح أن الوافدين على هذه الأسواق لم يكونوا كلهم مشركي العرب، بل كان يفد عليها نصارى العرب ويهود يثرب؛ للتبشير والاتجار، ولعل منهم من كان يشترك في مناسك الحج وقد كان قس بن ساعدة الإيادي من نصارى العرب وخطبته في أحد مواسم الحج من الروايات العربية المشهورة٣. كذلك كان للحج آثار اجتماعية وأدبية عظيمة؛ فالعرب يأتون من كل جهة، ثم يتفرقون وقد امتلأت جعباتهم بالأخبار وذاكراتهم بالأشعار والخطب والكلمات الممتازة, واكتظت أذهانهم بمختلف الصور والمشاهد، الأمر الذي ساعد على تقريب العرب بعضهم من بعض واستقرار معنى القومية المشتركة في أذهانهم، وتوحيد اللغة وتصفيتها، وبعث حركة نشيطة بدت تباشيرها وتطورها التقدمي قبل الإسلام, فيما كان

стр. 176

من تطور من الوثنية إلى الشرك، ثم اعتبار الشركاء شفعاء عند الله، ومن استنكار العرب لما بين الكتابيين من نزاع وخلاف، وتنديدهم بهم، وتمنيهم أو توقعهم بعثة نبي منهم، وحلفهم الأيمان بأنهم إذا جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم من ظهور طبقة الموحدين الذين أخذوا يشمئزون مما يعبد قومهم، ويطوفون الأرض وينشدون ملة إبراهيم ويتعبدون عليها أو على ما يظنون أنه هي١، ومن اقتباس العرب كثيرًا مما عند الكتابيين وغيرهم من معارف دينية وغير دينية. ونستطيع أن ندرك ما استفادته قريش من هذا الاحتكاك والاتصال بين العرب الوافدين من مختلف الجهات العربية ومنهم من عرف الفرس ومنهم من عرف الروم، ومنهم من كان من اليمن وعرف الأحباش، في تطوير نظمها والأخذ بأسباب التقدم الأدبي والمادي. وكان لأهل مكة خاصة ميزة ومركز يشعرانها بما عليهم من واجبات نحو الكعبة والحجاج؛ فقد كانوا يرون لأنفسهم حق الحرمة والميزة على العرب؛ بسبب اختصاصهم بكرامة البيت الحرام، ويعتبرون أنفسهم أهله وأولياءه٢، كما كانوا يدركون مركز بلدهم وكرامتها وقدسيتها، وجعلها مثابة للناس وأمنًا لا يسفك فيها دم ولا يثار فيها نزاع ولا قتال؛ لذلك كانوا يتضامنون في القيام بواجبهم نحو وفود الحجاج من ترحيب وإكرام وقِرى؛ باعتبارهم ضيوف بيت الله في بلدتهم وهم سدنته الأقربون، وقد اختص بعضهم بسقاية الحاج واختص البعض بعمارة البيت٣، والبعض بالقيام على رفادة الحجاج. ولما كانت مكة بلدًا في وادٍ غير ذي زرع، وأنها تعتمد في حياتها على ما يجلب إليها من الخارج، وما يستطيع أهلها أن يحققوه لأنفسهم من منافع عن طريق البيع والشراء، والتبادل مع الوافدين عليها والمارين بها في رحلات القوافل التجارية, أو القادمين إلى الأسواق التي تقام فيها وحولها، وما يقدمه الحاج إلى بيتها من هدايا

стр. 177

ونذور، فقد كان لا بد أن يضع أهله لهم وللقادمين إليه أنظمة وقوانين؛ لتنظيم الحياة, وتوفير الأمن وحفظ الحقوق وحماية من يفد إليه من الأذى. فالكعبة وهي بيت الله، أرض حرام لا يجوز البغي فيها ولا ارتكاب المعاصي واقتراف الآثام، والمدينة وهي في جوار بيت الله ذات حرمة وقدسية، وسكان البلد الحرام هم في حمى البيت وفي جواره؛ فلا بد من إنصافهم وإحقاق حقهم١. وهذا الإدراك قديم سابق على عهد قريش, فتذكر الروايات أن مضاضَ بن عمرو الجرهمي فكر في حماية التجارة والدفاع عن الأجانب جلبًا للغرباء والتجار، فقال في إحدى خطبه: وقروا حرم الله ولا تظلموا من دخله وجاء معظمًا لحرمته, وآخر جاء بائعًا لسلعته أو مرتغبًا في جواركم٢، كما تروي أن عمروَ بن لحي زعيم خزاعة قد اتخذ من الإجراءات ما يرغب العرب في القدوم إلى مكة والحج إلى بيتها الحرام؛ فجلب الأصنام وأقامها في فناء الكعبة، كما كان يقيم موائد الطعام في موسم الحج حتى لقد قالوا: إنه كان يذبح عشر آلاف بدنة٣. ولما صار الأمر إلى يد قريش بعد خزاعة نظم زعيمها قصي بن كلاب الوظائف المدنية والدينية بالمدينة المكية، وعمل على إنماء المدينة وتقرير كيانها، وتوسعت قريش فلم تكتف بتقرير حرمة المدينة في داخلها، بل جعلت لها مجالًا في خارجها، وجعلت هذا المجال حرمًا كحرمة المدينة نفسها، وأقامت له علامات يعرف بها, أي أنها حرمت المدينة وحفظت لها مجالًا فيما حولها. كما أقرت حقوق المواطنة لأهل هذا الحرم، وسمت المتمتعين بهذا الحق باسم الحمس. ولفظ الحمس جمع مفرده أحمس، ومعناه ابن البلد وابن الحرم والوطني المقيم, والذي ينتمي إلى الكعبة والحرم؛ فهو امتياز لأبناء الوطن وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنيها. فقال القرشيون: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها؛ فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا٤، ثم جعلوا للحمس علامة وهي ألا يعظم الأحمس

стр. 178

شيئًا من الحل -أي الأرض التي وراء الحرم- كما يعظم الحرم، وقالوا: إن فعلتم ذلك استخفت العرب١ بحرمكم؛ ولذلك ترك الحمس الوقوف بعرفة -لأنه خارج عن الحرم- والإفاضة منها مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها ويفيضوا منها ٢ إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم؛ فليس ينبغي أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس والحمس أهل الحرم٣، فأظهروا بذلك شدة تعصبهم لبقعة من الأرض، وترفعوا أن يخرجوا عنها ولو كان في خروجهم إتمام لمشاعر الحج. أقرب قريش هذا التقليد، ويقول ابن إسحاق: إنه لا يدري أكان ذلك قبل الفيل أم بعده٤، والراجح أنه كان قبل الفيل وربما كان في عهد قصي بن كلاب الذي أقر وظائف مكة، وكان له من المنزلة الكبيرة ومن المكانة ما يسمح له بوضع هذا القرار حتى كان أمره كالدين المتبع في حياته وبعد موته. وأدخلت فيه كنانة وخزاعة، ومنحوا هذا الحق لمن ولد من العرب في الحرم، كما منحوه لمن ولد منهم -وقد كانوا يشترطون على من يتزوج منهم أن ينتقل إليهم، يرون أن ذلك لا يحل لهم ولا يجوز لشرفهم حتى يدان إليهم وينقاد ويتبع مبدأهم٥ -وذلك ليوطدوا صلاتهم بأصهارهم وحلفائهم؛ فاستحق الشرف بحق المولد كما استحقته قريش بحق الدم والأصل. وفي القوانين الدولية الخاصة الحديثة من يكتسب حق المواطنة بالدم، ففكرة الحمس إقرار لحق الوطنية بالانتساب للبقعة وامتياز لمن له هذا الحق. وليس معنى التحمس في الدين كما ورد في القاموس، فإن قريشًا تركت فرضًا هامًّا من فروض الحج تعصبًا للحرم مع أن هذا يتنافى مع دين إبراهيم. وإن الحمس قد ابتدعوا أمورًا من الدين تميزهم عن غيرهم، وتشير إلى ارتباطهم بالكعبة، وتؤكد تمسكهم بحرمة البيت الحرام وتعظيم الحج إليه؛ ليزيد ذلك في شرفهم وشرف البيت، وقالوا: لا

стр. 179

ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط ولا يسلئوا السمن، ولا يدخلوا بيتًا من الشعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا١. وهذه الأمور داخلية في باب التزهد؛ إلا أنهم اختصوا أنفسهم بالقباب الحمر تضرب لهم في الأشهر الحرم ٢. وكانت القباب الحمر علامة الشرف والرياسة. وكانت فكرة الحمس صائبة؛ لأنها ترمي إلى إعزاز أهل الحرم، وتضمن سلامة القاصدين إليهم، وتحجز ما بين الأعداء وتشل أيدي المنتقمين والمتربصين فنشأ حق الالتجاء من حق الحمس، فكان الرجل لو جر جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام أو في الحرم لم يتعرض له، وكان الرجل إذا أراد البيت الحرام تقلد من شعر فأحمته أي جعلته حمًى لا يقرب. ثم إن الحمس فرضوا على العرب فروضًا حملوها عليها فدانت لهم بها وأخذت بما شرعوه لهم من ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في الحرم إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس؛ فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها وهو لا أحد غيره أبدًا، وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقي٣. ولكن في أخبار التاريخ ما يدل على أن الطواف مع العري كان مبالغة في التقديس والتطهر، فبنت قريش فرضها هذا الذي فرضته على العرب على تلك العادة القديمة. وما زال حق الحمس يتطور حتى صار دينًا متبعًا. كل هذا يعني أن قريشًا نظمت الحج والقدوم إلى مكة حسب ما تقتضيه مصلحتها الأدبية والمادية، وكانت تبتدع من الأمور ما يحقق لها الاحترام، ولبلدها القدسية عند العرب, وما يحقق لها الكسب المادي.

стр. 180

والحج وأسواقه كانت حافزًا لنشاط قريش التجاري, إذ هم يضربون في الأرض شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا لحمل التجارة بين هذه الجهات، ولمزاولة التجارة الداخلية في أسواق العرب، وفي موسم الحج في مكة. وإن هذه السنن التي فرضوها على العرب جميعًا هي في الحقيقة متصلة بنشاطهم التجاري؛ فإن الناس يطرحون أزواد الحل قبل الدخول في الحرام، حتى يبتاعوا أزوادهم من أهل مكة. وكذلك عدم السماح لهم بالطواف بأثوابهم وإنما عليهم أن يلبسوا المآزر الأحمسية وذلك حتى يشتروا ما يلزمهم من ذلك من قريش، وبذلك كانت توجد سوق نشيطة في مكة في موسم الحج لبيع الملابس، وتخصص بعض التجار في بيع الأطعمة١. وإذا كانت تضيف الحجاج ثلاثة أيام بمنى فليس ذلك بكافٍ، ثم إن الأغنياء من الحجاج لم يكونوا يشاركون في هذه الموائد العامة التي تقيمها قريش، والكل مضطر لشراء طعامه بعد ذلك. وإذا كان من الناس من يستعير ثياب الحمس أو يهداها؛ فليس الجميع كذلك، وكذلك لم يكن الكثير قادرًا على الاستغناء عن ملابسه لتكون: لقي بعد طوافه، ولا كلهم يرضى بالطواف عريانًا وبخاصة وإن كان منهم من يفعل ذلك؛ على أن قريشًا كانت تأخذ إلى جانب ذلك كله ضريبة تسمى الحريم من كل من نزل عليها، تأخذ بعض ثيابه أو بعض بدنته٢.
следующие страницы →