← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من تطور من الوثنية إلى الشرك، ثم اعتبار الشركاء شفعاء عند الله، ومن استنكار العرب لما بين الكتابيين من نزاع وخلاف، وتنديدهم بهم، وتمنيهم أو توقعهم بعثة نبي منهم، وحلفهم الأيمان بأنهم إذا جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم من ظهور طبقة الموحدين الذين أخذوا يشمئزون مما يعبد قومهم، ويطوفون الأرض وينشدون ملة إبراهيم ويتعبدون عليها أو على ما يظنون أنه هي١، ومن اقتباس العرب كثيرًا مما عند الكتابيين وغيرهم من معارف دينية وغير دينية. ونستطيع أن ندرك ما استفادته قريش من هذا الاحتكاك والاتصال بين العرب الوافدين من مختلف الجهات العربية ومنهم من عرف الفرس ومنهم من عرف الروم، ومنهم من كان من اليمن وعرف الأحباش، في تطوير نظمها والأخذ بأسباب التقدم الأدبي والمادي. وكان لأهل مكة خاصة ميزة ومركز يشعرانها بما عليهم من واجبات نحو الكعبة والحجاج؛ فقد كانوا يرون لأنفسهم حق الحرمة والميزة على العرب؛ بسبب اختصاصهم بكرامة البيت الحرام، ويعتبرون أنفسهم أهله وأولياءه٢، كما كانوا يدركون مركز بلدهم وكرامتها وقدسيتها، وجعلها مثابة للناس وأمنًا لا يسفك فيها دم ولا يثار فيها نزاع ولا قتال؛ لذلك كانوا يتضامنون في القيام بواجبهم نحو وفود الحجاج من ترحيب وإكرام وقِرى؛ باعتبارهم ضيوف بيت الله في بلدتهم وهم سدنته الأقربون، وقد اختص بعضهم بسقاية الحاج واختص البعض بعمارة البيت٣، والبعض بالقيام على رفادة الحجاج. ولما كانت مكة بلدًا في وادٍ غير ذي زرع، وأنها تعتمد في حياتها على ما يجلب إليها من الخارج، وما يستطيع أهلها أن يحققوه لأنفسهم من منافع عن طريق البيع والشراء، والتبادل مع الوافدين عليها والمارين بها في رحلات القوافل التجارية, أو القادمين إلى الأسواق التي تقام فيها وحولها، وما يقدمه الحاج إلى بيتها من هدايا

стр. 177

ونذور، فقد كان لا بد أن يضع أهله لهم وللقادمين إليه أنظمة وقوانين؛ لتنظيم الحياة, وتوفير الأمن وحفظ الحقوق وحماية من يفد إليه من الأذى. فالكعبة وهي بيت الله، أرض حرام لا يجوز البغي فيها ولا ارتكاب المعاصي واقتراف الآثام، والمدينة وهي في جوار بيت الله ذات حرمة وقدسية، وسكان البلد الحرام هم في حمى البيت وفي جواره؛ فلا بد من إنصافهم وإحقاق حقهم١. وهذا الإدراك قديم سابق على عهد قريش, فتذكر الروايات أن مضاضَ بن عمرو الجرهمي فكر في حماية التجارة والدفاع عن الأجانب جلبًا للغرباء والتجار، فقال في إحدى خطبه: وقروا حرم الله ولا تظلموا من دخله وجاء معظمًا لحرمته, وآخر جاء بائعًا لسلعته أو مرتغبًا في جواركم٢، كما تروي أن عمروَ بن لحي زعيم خزاعة قد اتخذ من الإجراءات ما يرغب العرب في القدوم إلى مكة والحج إلى بيتها الحرام؛ فجلب الأصنام وأقامها في فناء الكعبة، كما كان يقيم موائد الطعام في موسم الحج حتى لقد قالوا: إنه كان يذبح عشر آلاف بدنة٣. ولما صار الأمر إلى يد قريش بعد خزاعة نظم زعيمها قصي بن كلاب الوظائف المدنية والدينية بالمدينة المكية، وعمل على إنماء المدينة وتقرير كيانها، وتوسعت قريش فلم تكتف بتقرير حرمة المدينة في داخلها، بل جعلت لها مجالًا في خارجها، وجعلت هذا المجال حرمًا كحرمة المدينة نفسها، وأقامت له علامات يعرف بها, أي أنها حرمت المدينة وحفظت لها مجالًا فيما حولها. كما أقرت حقوق المواطنة لأهل هذا الحرم، وسمت المتمتعين بهذا الحق باسم الحمس. ولفظ الحمس جمع مفرده أحمس، ومعناه ابن البلد وابن الحرم والوطني المقيم, والذي ينتمي إلى الكعبة والحرم؛ فهو امتياز لأبناء الوطن وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنيها. فقال القرشيون: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها؛ فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا٤، ثم جعلوا للحمس علامة وهي ألا يعظم الأحمس

стр. 178

شيئًا من الحل -أي الأرض التي وراء الحرم- كما يعظم الحرم، وقالوا: إن فعلتم ذلك استخفت العرب١ بحرمكم؛ ولذلك ترك الحمس الوقوف بعرفة -لأنه خارج عن الحرم- والإفاضة منها مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها ويفيضوا منها ٢ إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم؛ فليس ينبغي أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس والحمس أهل الحرم٣، فأظهروا بذلك شدة تعصبهم لبقعة من الأرض، وترفعوا أن يخرجوا عنها ولو كان في خروجهم إتمام لمشاعر الحج. أقرب قريش هذا التقليد، ويقول ابن إسحاق: إنه لا يدري أكان ذلك قبل الفيل أم بعده٤، والراجح أنه كان قبل الفيل وربما كان في عهد قصي بن كلاب الذي أقر وظائف مكة، وكان له من المنزلة الكبيرة ومن المكانة ما يسمح له بوضع هذا القرار حتى كان أمره كالدين المتبع في حياته وبعد موته. وأدخلت فيه كنانة وخزاعة، ومنحوا هذا الحق لمن ولد من العرب في الحرم، كما منحوه لمن ولد منهم -وقد كانوا يشترطون على من يتزوج منهم أن ينتقل إليهم، يرون أن ذلك لا يحل لهم ولا يجوز لشرفهم حتى يدان إليهم وينقاد ويتبع مبدأهم٥ -وذلك ليوطدوا صلاتهم بأصهارهم وحلفائهم؛ فاستحق الشرف بحق المولد كما استحقته قريش بحق الدم والأصل. وفي القوانين الدولية الخاصة الحديثة من يكتسب حق المواطنة بالدم، ففكرة الحمس إقرار لحق الوطنية بالانتساب للبقعة وامتياز لمن له هذا الحق. وليس معنى التحمس في الدين كما ورد في القاموس، فإن قريشًا تركت فرضًا هامًّا من فروض الحج تعصبًا للحرم مع أن هذا يتنافى مع دين إبراهيم. وإن الحمس قد ابتدعوا أمورًا من الدين تميزهم عن غيرهم، وتشير إلى ارتباطهم بالكعبة، وتؤكد تمسكهم بحرمة البيت الحرام وتعظيم الحج إليه؛ ليزيد ذلك في شرفهم وشرف البيت، وقالوا: لا

стр. 179

ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط ولا يسلئوا السمن، ولا يدخلوا بيتًا من الشعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا١. وهذه الأمور داخلية في باب التزهد؛ إلا أنهم اختصوا أنفسهم بالقباب الحمر تضرب لهم في الأشهر الحرم ٢. وكانت القباب الحمر علامة الشرف والرياسة. وكانت فكرة الحمس صائبة؛ لأنها ترمي إلى إعزاز أهل الحرم، وتضمن سلامة القاصدين إليهم، وتحجز ما بين الأعداء وتشل أيدي المنتقمين والمتربصين فنشأ حق الالتجاء من حق الحمس، فكان الرجل لو جر جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام أو في الحرم لم يتعرض له، وكان الرجل إذا أراد البيت الحرام تقلد من شعر فأحمته أي جعلته حمًى لا يقرب. ثم إن الحمس فرضوا على العرب فروضًا حملوها عليها فدانت لهم بها وأخذت بما شرعوه لهم من ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في الحرم إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس؛ فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها وهو لا أحد غيره أبدًا، وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقي٣. ولكن في أخبار التاريخ ما يدل على أن الطواف مع العري كان مبالغة في التقديس والتطهر، فبنت قريش فرضها هذا الذي فرضته على العرب على تلك العادة القديمة. وما زال حق الحمس يتطور حتى صار دينًا متبعًا. كل هذا يعني أن قريشًا نظمت الحج والقدوم إلى مكة حسب ما تقتضيه مصلحتها الأدبية والمادية، وكانت تبتدع من الأمور ما يحقق لها الاحترام، ولبلدها القدسية عند العرب, وما يحقق لها الكسب المادي.

стр. 180

والحج وأسواقه كانت حافزًا لنشاط قريش التجاري, إذ هم يضربون في الأرض شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا لحمل التجارة بين هذه الجهات، ولمزاولة التجارة الداخلية في أسواق العرب، وفي موسم الحج في مكة. وإن هذه السنن التي فرضوها على العرب جميعًا هي في الحقيقة متصلة بنشاطهم التجاري؛ فإن الناس يطرحون أزواد الحل قبل الدخول في الحرام، حتى يبتاعوا أزوادهم من أهل مكة. وكذلك عدم السماح لهم بالطواف بأثوابهم وإنما عليهم أن يلبسوا المآزر الأحمسية وذلك حتى يشتروا ما يلزمهم من ذلك من قريش، وبذلك كانت توجد سوق نشيطة في مكة في موسم الحج لبيع الملابس، وتخصص بعض التجار في بيع الأطعمة١. وإذا كانت تضيف الحجاج ثلاثة أيام بمنى فليس ذلك بكافٍ، ثم إن الأغنياء من الحجاج لم يكونوا يشاركون في هذه الموائد العامة التي تقيمها قريش، والكل مضطر لشراء طعامه بعد ذلك. وإذا كان من الناس من يستعير ثياب الحمس أو يهداها؛ فليس الجميع كذلك، وكذلك لم يكن الكثير قادرًا على الاستغناء عن ملابسه لتكون: لقي بعد طوافه، ولا كلهم يرضى بالطواف عريانًا وبخاصة وإن كان منهم من يفعل ذلك؛ على أن قريشًا كانت تأخذ إلى جانب ذلك كله ضريبة تسمى الحريم من كل من نزل عليها، تأخذ بعض ثيابه أو بعض بدنته٢.

стр. 181

الأشهر الحرم وأهميتها في الآيات القرآنية ذكر كثير للأشهر الحرم، ويستدل منها ومن الروايات أنه كان لهذه الأشهر الحرم أثر عظيم في حياة العرب وبخاصة في بيئة مكة قبل البعثة؛ فبينما تكون الحروب مستعرة، والغارات قائمة والناس مندفعين وراء عصبياتهم وثاراتهم، ويقف كل هذا حين حلول هذه الأشهر تعظيمًا لها واحترامًا، ويصبح الناس في هدنة عامة شاملة، ويتلاقى الناس في منطقة الحرم وفي خارجها فلا يكون بينهم شر ولا قتال، بل قد وصل تأثمهم لدرجة الصيد أثناءها؛ لما في ذلك من سفك الدماء. والأشهر الحرم ليست معينة في القرآن بأسمائها، وكل ما ذكرته الآيات أنها أربعة أشهر١. غير أن الروايات المتواترة التي لم تنقطع قد عينتها بصورة يقينية وهي:

стр. 182

رجب، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم١ والأشهر الثلاثة الأخيرة هي أشهر الحج -على الأقل فيما قبل الإسلام- أما شهر رجب فإنه كان يسمى رجب مضر، وهو الذي تسميه مضر الأصم٢ وأنه مشتق من الترجيب أي التعظيم. وقد جاء في طبقات ابن سعد أن أهل مكة كانوا يحتفلون بعيد ديني لهم في رجب، فلا يبعد أن يكون هذا العيد في شهر رجب عيدًا خاصًّا بقبائل مضر أو قبائل الحجاز أو بعضها، وأن يكون هذا أصل حرمته؛ ليتمكنوا من الذهاب والإياب والقيام بمناسكهم في ظل هدنة دينية مقدسة. ولكن ما لبث رجب -في وقت لا يمكن تحديده- أن صار جزءًا لا يتجزأ من الأشهر الحرام٣، وقد ذكرتها الآيات دون تفريق بينها في الحرمة والشمول، وأشارت إلى أربعة أشهر من أشهر السنة بصفة مطلقة وتعميمية، وقد كانت بلاد الحجاز قد صارت مهوى أفئدة العرب ومركز محورهم ومحجهم. وللأشهر الحرم أهيمة كبيرة فرضتها ضرورة البيئة العربية وبخاصة في الحجاز, حيث لم يكن هناك سلطان نافذ وازع، وكانت الغارات بين القبائل متواصلة متبادلة والعصبية على أنواع قوية شديدة، والأنفة والحمية متأصلتين، ولهم في ذات الوقت حاجات كثيرة: تجارة لا بد لها من مشترين ومستهلكين وزراع لا بد لهم من المبادلة على غلاتهم وثمارهم، وأعراب لا بد لهم من استيفاء حاجاتهم السنوية من ماعون وثياب وقوت، ولا بد لهم من بيع ما عندهم من أنعام وماشية وشعر ووبر وصوف، فماذا تكون حالتهم لو لم يكن هناك وقت يستطيعون فيه التحرك والاتصال والتبادل مطمئنين آمنين؟! وماذا تكون حالهم لو لم يتيسر لهم إقامة أسواقهم العامة وشهودها في ظل الأمن وعدم الخوف؟! من أجل ذلك كانت قيمة هذه الهدنة التي فرضتها الأشهر الحرم عظيمة الأهمية، عبر عنها القرآن الكريم هذا التعبير البليغ الموجز: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ [المائدة] ، ومن أجل ذلك أسبغ العرب على هذه الهدنة صفة قدسية وصبغوها بصبغة دينية، وكانوا

стр. 183

يعتقدون بأن الإخلال بحرمتها وقداستها يجلب عليهم الشر والنحس، وكان الرأي العام العربي يثور لأي خرق لهذه الهدنة التي أصبحت جزءًا من حياة الناس ومن كيانهم الاقتصادي والاجتماعي والأدبي والديني. وليس من اليسير تحديد أولية الأشهر الحرم، وتشير آيات القرآن إلى أنها قديمة سابقة على عهد البعثة بزمن طويل١، والأرجح أن تكون هذه الحرمة قد تقررت بعد وجود موسم الحج وتقاليده وأسواقه، وبعد وجود الموسم الديني لمضر في الحجاز بالنسبة لشهر رجب. والغالب أن يكون ذلك بعد سيادة قريش على مكة وتنظيم موسم الحج بها وتيسيره، أي بعد حكم قصي بن كلاب لمكة في منتصف القرن الخامس الميلادي، ولا بد أن الحج كان قد تعطل قبل ذلك أو ضعف، وحدثت أحداث جعلت أمن الناس غير مكفول, وتحدثنا الروايات عن صراع بين القبائل في مكة أدى إلى دفن بئر زمزم بها٢، كما تحدثنا عن البغي واستحلال الحرمات الذي وقع بمكة، مما أدى إلى ضعف الحج إليها نتيجة للتنافس بين القبائل فيها والضاربة حولها، ونستطيع أن ندرك أن هذه الهدنة؛ لم تكن مرعية قبل حكم قصي، فقد تقاتل قصي بقريش وكنانة مع خزاعة في أيام الحج وفي منطقة الحرم٣، ولم يذكر هذا القتال بالاستفظاع والاستنكار كما ذكرت الحرب التي وقعت بعد ذلك بين قريش وكنانة ضد هوازن وقيس، وعرفت بحرب الفجار نسبة إلى الفجور؛ لوقوعها في الأشهر الحرم ٤، وهذا مما يدل على أن هذه الهدنة لم تكن مرعية تمامًا قبل عهد قصي، وقد أدى صراع القبائل إلى اختلال الأمن وانقطاع وفود الحجيج أو ضعف قدوم هذه الوفود إلى مكة؛ وتعطلت مناسك الحج ومنافع الناس في موسمه وأسواقه، فحفز هذا ذوي السلطان والنفوذ من الزعماء والرؤساء إلى العناية بأمر الحج وتأمينه ففرضوا الأشهر الحرم، والأرجح أن فرض الأشهر الحرم كان من عمل الأحماس، الذين صار لهم بعض الامتيازات الدينية والتشريعية، والذين كان الناس يسيرون على ما يسنونه لهم ويعتبرونه

стр. 184

سننًا دينية واجبة التنفيذ١، ويساعد على تصويب هذا الرأي ما كان لمكة من مركز ديني محترم في نظر سائر العرب، وما كان من اهتمام عظيم لتقرير حرمة الحرم وحرمة الأشهر الحرم عند زعماء مكة وما كانوا يقومون به من أعمال في سبيل رعايتها٢. ويرجح أن السعي الأول كان منهم؛ لأن فوائد الحج تعود في المقام الأول على أهل مكة الذين يقوم البيت في بلدهم وتقوم الأسواق العامة في منطقتهم أو حولها، ثم إن حرمة البيت تكسبهم حرمة ومكانة ممتازة بين العرب، وهذه المكانة هي التي هيأت لقريش الزعامة الدينية والأدبية، كما أنها استغلت هذه المكانة في السيطرة على التجارة بين الشام واليمن، مما عاد عليهم بالثروة الكبيرة والمنزلة الرفيعة، وأصبحت زعامة قريش زعامة حقيقية لا شك فيها قبل الإسلام, وبخاصة بعد فشل الأحباش في غزو مكة وارتداد جيشهم عنها، فقال الناس عنهم: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مئونة عدوهم٣. وأبرز مثل يوضح زعامة قريش، هو أنها حين وقفت موقف المعارضة للنبي ﷺ -لم يجد استجابة لدعوته بين العرب، فلما ألقت قريش لواء المعارضة بعد فتح مكة سنة ٨هـ؛ لم يلبث العرب أن دخلوا في الإسلام طائعين, فلم تأت سنة ١٠هـ حتى كان الإسلام قد انتشر في جزيرة العرب كلها، وحتى كان عمال النبي ﷺ وجباة الزكاة قد انتشروا في كافة أجزاء الجزيرة كلها. وإذا كانت الأشهر الحرم قد سنت للناس، وإذا كانت قريش والرؤساء الذين يعنيهم الأمر قد فكروا في فرض هذه الهدنة على العرب؛ فإنما كان ذلك لدوافع كبيرة وأحداث خطيرة؛ جعلت الرؤساء يستعدون لها ويتخذون الوسائل لدرء ما ينجم عنها من أخطار، ولعل ما أحاط بأطراف الجزيرة العربية من أحداث كتعرض اليمن للغزو الحبشي ثم سقوطها في يد الحبشة، وما تلا ذلك من محاولة الحبشة فرض سلطانها على منطقة الحجاز، ووقوع الأطراف الشمالية والشمالية الشرقية تحت نفوذ الروم والفرس، ونهضة عرب الشمال وقيامهم على التجارة وأخذهم مقاليد الزعامة العربية، كل هذا كان من البواعث والأخطار وأهمها.

стр. 185

وكان من الضروري أن تفرض هدنة يوقف فيها القتال ويأمن الناس فيها على أنفسهم, وتتاح لهم فيها فرصة الانتقال والاجتماع والتعارف للمتاجرة والمعاملة والتبادل الأدبي والمادي، وحل المشكلات المعقدة التي تحتاج إلى أمن واطمئنان لحلها. وقد بدأت حركة تجمع وترابط بين القبائل قبيل الإسلام، وبدأت تتكون المجموعات الكبرى. وهذا التحالف بين القبائل نوع من التعبير عن إحساس القبائل بأنها لا تستطيع أن تعيش في مجالها الضيق، وأنها محتاجة إلى غيرها من القبائل؛ تتحالف معها وتؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها، وكذلك سئم العرب الحروب القبلية، وكانت هدنة الأشهر الحرم استجابة لهذه الرغبة التي بدت بين القبائل. وحالة الهدنة تقتضي تقليل فرصة القتال والتشاحن, وبالتالي إيجاد فرصة أوسع للتآلف والتجمع, وكلما ازدادت هذه الفرصة كان ذلك في مصلحة المجتمع العربي. والراجح أن بدعة النسيء التي ابتدعها العرب كانت لهذا الغرض وهو تطويل مدة السلام١، فإذا لاحظنا أن في أسماء الشهور العربية ما يوحي بأنها وضعت في وقت معين، فمثلًا رمضان أخذ اسمه من الرمضاء٢ وهي الحجارة الحامية من حر الشمس، كان معنى ذلك أنه كان في الصيف, وأن شهري ربيع الأول والثاني ما يوحي بأنهما كانا من أشهر الربيع. وبلاد العرب بلاد حارة يصعب فيها الانتقال والقتال في أشهر الصيف ٣، فإذا

стр. 186

كانت شهور الصيف مانعة للقتال بطبيعتها، وإذا كانت الأشهر الحرم مانعة للقتال كذلك، فإنه يمكن أن يؤلف من هذه الشهور سلسلة مؤلفة من سبعة أشهر يوقف فيها القتال، وإذا كان لا بد من قتال وطلب ثارات بسبب طبيعة الحياة البدوية وعصبيات العرب، ففي الأشهر الباقية من السنة كفاية للتنفيس عن ثورة الغضب والعصبية، على أن في انقطاع الناس عن القتال سبعة أشهر مجالًا طيبًا لحل ما يمكن حله من المشاكل المعقدة وبخاصة في موسم الحج وأسواقه ومجتمعاته. لكن الأشهر العربية القمرية تدور مع الزمن وتصبح أشهر الشتاء منها أشهر صيف، وأشهر الصيف أشهر شتاء، فابتدعت هذه البدعة لمسايرة مواسم السنة والتوفيق بين حساب السنة القمرية والسنة الشمسية حتى تظل أشهر الحج وأسواقه متصلة بأشهر الصيف وتظل الشهور التي يتوقف فيها القتال مستمرة مستقرة. وإذا كانت بعض الروايات ذكرت أن النسيء كان يجري أحيانًا بطلب من الناس ليتسنى لهم متابعة حروب بدءوها أو طلب ثارات ١ لهم، فإن ذلك لم يكن الأصل في الموضوع؛ فإن بدعة النسيء كانت مقررة وكان يتولاها بيوت من العرب معروفة يتوارثونها، وكانت لها من الأهمية والمكانة ما يوجب الفخر بها والاعتزاز بتوليها، وكانت تقليدًا متبعًا يعلن للناس في موسم الحج من كل عام ٢، على أنه يجب ان نضع في الاعتبار أن حروب القبائل لم تكن حروبًا متصلة؛ وإنما كانت عبارة عن أيام بين القبائل تقع على فترات قد تكون متباعدة، فحرب البسوس بين بكر وتغلب التي قالوا: إنها استمرت أربعين سنة، لم تقع فيها المصادمات إلا في سبعة أيام متفرقة على طول هذه المدة٣؛ ولذلك فإنه لا يمكن مسايرة هذه الروايات التي قيلت عن بدعة النسيء، وإنما يجب أن تكون قد وضعت لشيء أهم وأعم وأنفع للناس من مجرد الجري وراء العصبية والثارات. وإذا كان قد أسيء استعمال هذه البدعة مؤخرًا مما استدعى أن يهاجمها القرآن بسبب سوء استعمال الناس لها؛ حتى لا يتجرأ الناس على

стр. 187

انتقاص الحرمات وخرق التقاليد النافعة، فإن الأصل في ابتداعها كان لتحقيق نفع أكبر وغرض أسمى. على أن القرآن لم يهاجم هذه البدعة إلا بعد أن قامت الدولة الإسلامية وأصبح هناك سلطان يردع الظالم ويكف يد المعتدي، وأصبح المجتمع يتجه إلى مثل أخرى غير المثل الجاهلية، ولم تعد هناك ضرورة لاستمرار بدعة تغير من أشهر الحج. وعلى كل حال فإن تقليد الأشهر الحرم كان تقليدًا خطيرًا له أثر كبير في حياة العرب الاجتماعية على تعدد وجوهها، وفيه دلالة كافية على قوة عقول الذين أنشئوها وسعة نفوذهم, وفيه دليل كذلك على نهضة قومية وفكرية أخذت تباشيرها تبدو في الجزيرة العربية بعد الأحداث الجسيمة التي مرت بها، وكان لمنطقة مكة ولقريش بوجه خاص الدور الأول، الأمر الذي هيأها لمركز الرياسة والذي هيأها فيما بعد للقيام بالدور الأول فيما جاء به الإسلام من نهضة عربية شاملة.

стр. 188

الفصل السادس: الحالة الاقتصادية في بداية القرن السادس الميلادي تبدو مكة ممسكة بزمام التجارة في بلاد العرب، تنعقد فيها وحولها أعظم أسواق العرب التجارية والأدبية في موسم الحج من كل عام، وقوافلها التجارية تجوب أطراف شبه الجزيرة العربية، تحمل التجارة بين الشرق والغرب، متجهة إلى اليمن وإلى الحبشة وإلى الشام وإلى العراق. وقد أتاح لها هذه الفرصة موقعها الممتاز في وسط طريق التجارة البري المار بالحجاز، وهو الطريق الوحيد الذي بقي آمنًا في ذلك الوقت١. وقيام البيت الحرام الذي انعقد إجماع العرب على تعظيمه والحج إليه، كما أنها بعدت عن منطقة التصارع الدولي لبعد موقعها؛ فنجت مما أصاب غيرها من أطراف الجزيرة العربية من الوقوع في مجال العراك القائم بين الشرق والغرب -الفرس والروم- في ذلك الوقت، ولبعد موقعها وصعوبة وصول الجيوش إليها احتفظت باستقلالها، كما احتفظت بطابعها العربي الأصيل، والحملة العسكرية الوحيدة التي وجهت إليها هي حملة الأحباش سنة ٥٧٠م, وقد باءت بالفشل، فعزز فشلها مركز مكة عند العرب جميعًا، وأصبحت تتمتع في المجال العربي بتوجيه عام، بعدما أصاب الممالك القائمة في أطراف الجزيرة من انهيار، ووقوعها جميعًا تحت سلطان الدول الكبرى. وقد أتاح لها هذا -كما أتاح لها موقفها الحيادي- أن تمثل دور الوسيط المحايد في نقل التجارة التي كانت ضرورية لكل من الطرفين المتنازعين, وبذلك تمتعت بظروف اقتصادية طيبة من مزاولتها للتجارة بشقيها, الداخلية والخارجية, وقد أجرى رجال مكة الترتيبات المفصلة التي تكفل لهم الانتفاع بهذا الظرف على أكمل وجه، ونجحوا في ذلك إلى حد كبير، وجنوا من وراء ذلك ثروة كبيرة عوضتهم عن فقر البيئة التي تحيط بمكة، وجعلتهم يحتلون مركز الزعامة في الجزيرة العربية كلها في بداية القرن السابع الميلادي.

стр. 189

وقد مرت مكة قبل استقرار أمرها في يد قبيلة قريش بطور من الاضطراب والحروب، والرحلات والغزوات القبلية، والقتال على السيادة، حتى استقر أمر مكة في آخر الأمر في يد قبيلة قريش في منتصف القرن الخامس الميلادي، وعلى يدها نالت كل هذا التوفيق الذي وصلت إليه. وتحدث المصادر عن أن قبيلة خزاعة التي سبقت قريشًا على حكم مكة، والتي كانت لا تزال موجودة حول مكة عند ظهور الإسلام؛ كانت قد قامت بنشاط كبير في الدعاية للحج إليه، واهتمت بتيسير الماء والطعام للوافدين، ومعنى هذا أنها اهتمت بخلق مورد اقتصادي لمكة عن طريق قدوم الحجاج إلى البيت. ولا ندري أكانت خزاعة تقيم أسواقًا لنوع من التبادل التجاري بين الوافدين, أم كانت تكتفي بالهدايا والنذور، وما تحصله من ضرائب على القوافل المارة بها، إلى جانب القيام على الرعي وتريبة الإبل في البادية، وإن كان البيع والشراء أمرًا ضروريًّا في مثل هذه الحال، ولا نستطيع أن نحدد متى نشأت الأسواق التجارية حول مكة، وإن كان من المؤكد أنها نشأت بالتدريج في المنطقة الواقعة بين مكة والطائف نتيجة لنمو المدينتين ونمو الحج إلى بيت مكة. والراجح أن ذلك حدث بالتدريج منذ بداية القرن الخامس الميلادي. ويظهر ذكر عكاظ ومجنة وذي المجاز كأسواق تجارية وأدبية بصورة واضحة في القرن السادس، حين بدأ نفوذ الجنوب ينحسر عن هذه المنطقة من الجزيرة العربية، بعد اضطراب الأحوال في اليمن وتعرضها للغزو الأجنبي١، وظهور قبائل الشمال كعنصر فعال مناهض لنفوذ الجنوب, حتى انتقلت زعامة الشمال إلى الشماليين, وأصبح أهل الجنوب تبعًا لهم كلما وفدوا على الشمال. وقد وافق ظهور هذه النهضة الشمالية قيام قبيلة قريش وسيطرتها على شئون مكة، واهتمامها بالبيت الحرام وتنشيط الحج إليه, وكان هذا عاملًا فعالًا في نهوض المدينة المكية ونهوض هذه المنطقة كلها تبعًا لذلك.

стр. 190

تجارة قريش الداخلية والخارجية * ... تجارة قريش: تاجرت قريش في كل ما تنتجه شبه الجزيرة العربية من عروض, كما كانت تتاجر كذلك في المجلوبات الخارجية من حاصلات الشرق والغرب. قد انتفعت مكة بموقعها الجغرافي في منتصف طريق التجارة, وبوجود البيت الحرام بها. ولما كانت بلدًا غير ذي زرع فقد اعتمدت على التجارة وما يجلب لها من

стр. 191

الخارج، وقد كانت مكة قبل القرن السادس تقتصر على التجارة الداخلية حيث كان النشاط التجاري الخارجي في يد اليمن. وكان أهل مكة يتاجرون في حاصلات الجزيرة العربية, أو ما يصل إلى أيديهم من عروض التجارة الخارجية على يد تجار اليمن، ولم تكن مكة تجني من وراء ذلك أرباحًا كبيرة تمكن أهلها من إحراز ثروة كبيرة، إنما كانت تسمح لهم بالإعاشة. ولكن في بداية القرن السادس كانت حالة اليمن قد تدهورت نتيجة للصراع الداخلي بسبب الخلاف الديني نتيجة لانتشار اليهودية والمسيحية فيها والتنافس بين الدينين؛ ونتيجة لوقوعها في منطقة التصارع الدولي بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية, وقد استخدمت الأخيرة الحبشة حليفتها لإقرار النفوذ الرومي على جنوب بلاد العرب عن طريق غزو اليمن، وتكررت غزوات الحبشة على اليمن حتى سقطت في يدها في النصف الأول من القرن السادس, وقد استمر حكم الحبشة لليمن حتى أخرجهم منها الفرس في حوالي سنة ٥٧٥م ولم تتحرر اليمن من الاحتلال الأجنبي إلا بعد ظهور الإسلام وانضمامها إلى الدولة العربية الإسلامية. وقد أدت كل هذه الظروف إلى أن تفقد اليمن مركزها التجاري. وقد صحب ذلك ظهور نهضة القبائل المضرية في الشمال, والتي ما لبثت أن تحررت من نفوذ الجنوب, بدأت تقوم بدور إيجابي في الجزيرة العربية. ولما كانت مكة في ذلك الوقت قد حظيت بنوع من الاستقرار والتنظيم على يد قبيلة قريش، التي نظمت الحج ونشطت القدوم إلى هذه البقعة المتوسطة، وأقرت حرمتها وحرمة الأشهر الحرم للقدوم إليها والتجمع في أسواقها؛ فقد أخذت قريش تحتل المكانة التجارية التي كانت تحتلها اليمن، وقد ساعدها على أن تنال هذا المركز النزاع الذي احتدم أواره بين الفرس والبيزنطيين في الشمال، وانشغال كل من هاتين الدولتين الكبيرتين بهذا النزاع الدموي، وكذلك ما لحق الممالك العربية على أطراف العراق والشام من تدهور نتيجة لاشتراك المناذرة -ملوك الحيرة- في هذا الصراع إلى جانب الفرس، واشتراك الغساسنة إلى جانب الروم، ثم تغير سياسة الدولتين الكبيرتين تجاه المملكتين العربيتين١ الأمر

стр. 192

الذي أدى: أولًا، إلى قفل طريق التجارة المار بالعراق فمدن الشام، وثانيًا، اضمحلال نفوذ هاتين المملكتين على القبائل البدوية، حتى لم تعد الحيرة قادرة على حماية التجارة الفارسية في بلاد العرب، إلا عن طريق إتاوات تدفعها لهذه القبائل١، لتمرير هذه التجارات وحمايتها، وحتى مع دفع هذه الإتاوات فإن القبائل كانت كثيرًا ما تعتدي على التجارة، وقد تجرأت فدخلت في حرب ضد الدولة الفارسية وهزمت جيوشها وجيوش الحيرة معها في موقعة ذي قار٢ وهي الموقعة المشهورة عند العرب. كذلك اضطربت الأحوال بين الروم والغساسنة حتى لقد أخذت هذه المملكة تهاجم أطراف الدولة البيزنطية مع القبائل البدوية بعد أن كانت تحمي حدودها. وقد استفادت مكة من هذه الظروف كلها لتحتل مركز الوسيط المحايد، لنقل التجارة بين الشمال الجنوب، ولبعد موقعها عن نفوذ الدولتين ولحاجة الدول إلى هذه التجارة العالمية وبخاصة الروم؛ فقد قبلت أن يقوم رجال مكة بهذا الدور، فخرجت مكة عن عزلتها إلى المجال الخارجي، وأخذ رجالها عهودًا من الدول للمتاجرة في أراضيها في نهاية القرن الخامس الميلادي٣ لتسمح لتجار قريش أن يدخلوا بلادها في سلام، وقد قام بهذا الدور أبناء عبد مناف: هاشم وإخوته الذين كانوا أصحاب النفوذ الأقوى في قبيلة قريش٤. وقد كان هاشم رجلًا حكيمًا نشيطًا، واستطاع أن يقوم على ترتيب القوافل التجارية؛ فجعل لها رحلتين في السنة رحلة في أشهر الصيف إلى الشمال، ورحلة في أشهر الشتاء إلى الجنوب، وقد ذكر القرآن خبر هاتين الرحلتين في معرض تعداد فضل الله على قريش٥، وقد عمل على تأمين طرق القوافل بما عقده من محالفات مع

стр. 193

رؤساء القبائل الضاربة على جنبات طرق التجارة، فكان يحمل لهم تجاراتهم دون أجر؛ وبذلك ربط هاشم مصالح القبائل الاقتصادية بمصلحة مكة، وكون بذلك شبكة تجارية تربط مكة بما حولها، وبذلك أخذت قريش تسيطر شيئًا فشيئًا على التبادل التجاري بين الشمال والجنوب، وعظمت قوافلها حتى لتبلغ القافلة الواحدة خمسمائة وألفي بعير تحمل عروض التجارة المختلفة. وقد بلغ قيمة ما تحمله قافلة عدد جمالها خمسمائة وألف بعير خمسين ألف دينار١، وهو مبلغ كبير إذا قِسناه بقيمة العملة في تلك الأيام. وكانت القوافل تحمل حاصلات الجنوب؛ فتحمل من حاصلات الهند المنتجات التي ترد إلى مواني الجنوب، وأهمها الذهب والقصدير والحجارة الكريمة والعاج وخشب الصندل والتوابل والأفاوية كالبهار والفلفل ونحوهما، والمنسوجات الحريرية والقطنية والكتانية والأرجوان والميعة والزعفران والآنية من الفضة والصُّفَّر والحديد. كما تحمل من حاصلات أفريقيا الشرقية العطور والأطياب وخشب الأبنوس وريش النعام والجلود والذهب والعاج والرقيق٢. كما تحمل من حاصلات اليمن البخور واللبان والمر واللادن والعطور والحجارة الكريمة كاليشب والعقيق والجلود ذات الرائحة الطيبة٣. ومن حاصلات جزيرة سقطرة العود والند، ومن البحرين اللؤلؤ. وتحمل من الشمال القمح والدقيق والزيت والخمر ومصنوعات فينيقيا٤. هذا بالإضافة إلى ما تحمله من حاصلات بلاد العرب نفسها من الزيت والبلح والقرظ والصوف والوبر والشعر والجلود والسمن٥. كان تجار مكة يحملون هذه البضائع إلى الشمال والجنوب في رحلات الصيف والشتاء. وكانت البضائع تفرغ في مكة، ثم تخرج منها في القوافل إلى الجهات الأخرى. وقد اعتمد الروم على تجارة مكة إلى حد كبير، وخصوصًا بعد أن احتدم الصراع بينهم وبين الفرس، وأصبح الفرس يسيطرون على التجارة الواردة عن طريق الشمال المار

стр. 194

بخليج العرب ثم العراق، ويمنعونها من الوصول إلى أيدي أعدائهم أو يبيعونها لهم بأثمان باهظة، فكانت بيزنطة تعتمد على تجارة مكة وخاصة الحرير، حتى ليستظهر بعض المؤرخين الغربيين أنه كان في مكة بيوت تجارية رومية تزاول التجارة للروم، كما كان فيها أحباش يرعون مصالح قومهم١. وكانت القوافل التي تقصد الشام تتسوق من أسواق عينتها لها الحكومة البيزنطية؛ لتحصل منها على الضرائب ولتراقب الوافدين الأجانب إلى بلادها، فكانت تنزل أيلة -العقبة- ومنها إلى غزة حيث تتصل بتجار البحر المتوسط، ومن غزة يذهب بعض التجار إلى بُصرى وإلى بيت المقدس٢. كما كان لمكة صلات قوية بالحبشة عن طريق البحر الأحمر، ولا بد أن أهل مكة كانوا يستعملون البحر في نقل متاجرهم إلى الحبشة عن طريق ميناء الشعيبة - وكانت الشعيبة ميناء مكة، إليها ترد السفن قبل جدة، ثم أخذت جدة موضعها في أيام الخليفة عثمان بن عفان٣- أو بعض مواني اليمن القريبة، ويظهر من روايات الأخباريين أن أهل مكة كانوا يستعملون هذا المرفأ والمرافئ القريبة منهم؛ للاتصال بالحبشة والمواني الأفريقية المقابلة لهم، فلا يدفعون ضرائب المرور من أرضين تقع في اليمن وهي منافسة لهم، ولا يحتاجون إلى وضع حماية قوية على القوافل لمرورها بين قبائل عديدة إذا استعملوا مواني اليمن، فتكلفهم أسعارًا مرتفعة. ثم إن اليمن بعد زوال الأحباش عنها كانت في حكم حاكم فارسي، ولا بد أن تتأثر تجارة اليمن بالحبشة بهذا التغير في الحكم، ولا بد أن يؤثر ذلك في المواني اليمنية وهي أبواب التجارة مع أفريقيا٤. أما أهل مكة فكانوا تجارًا محايدين علاقتهم حسنة مع الروم ومع الفرس، وكان من مصلحتهم الوقوف على الحياد، ولهذا كان من مصلحتهم الاستفادة من المواني القريبة منهم في التجارة مع الحبشة، ولا يستبعد استخدام أهل اليمن هذه المواني.

стр. 195

كذلك لحيادها ولبعدها عن النزاع السياسي الذي كان بين الفرس وبين الحبشة وحلفائهم الروم. ولذلك لا تحدثنا الروايات كثيرًا عن قوافل الجنوب، بينما كانت قوافل قريش متصلة دائمًا نحو الشمال، كما تحدثنا عن رحلات بحرية إلى الحبشة التي كانت لقريش متجرًا ووجهًا١. ولعل من مؤيدات اتساع هذا الأفق التجاري البحري الهجرة التي قام بها المسملون إلى الحبشة٢ وليس من المعقول أن يهاجر المكيون إلى بلدلم يكونوا يعرفونه، وهذه المعرفة تدل على أن هذه البلاد التي اتصل بها المكيون في أسفارهم التجارية٣. وفي القرآن ذكر كثير لمصر ونهرها وما يتفرع منه من أنهار. وما يقوم فيها من أهرامات وقصور، وأرض زراعية وعمران٤, وآيات القرآن تلهم أن أهل مكة كانت لهم صلاة بمصر. وأن أسفارهم التجارية قد وصلت إليها وأنها قد رأوها وشاهدوا نيلها وأرضها وآثارها، على أن صلة العرب بمصر قديمة؛ فإنهم كانوا يتاجرون فيها وينقلون إليها حاصلات الجنوب من البخور والمر الذي كان لازمًا لمعابدها، وقد عثر على نقش على تابوت في الجيزة مكتوب بالخط العربي الجنوبي وباللهجة المعينية، وهو مؤرخ بالسنة الثانية من حكم بطليموس بن بطليموس أي سنة ٢٦١ ق. م، ويدل النقش على أن معينيًّا كان يسمى زيد -إل بن زيد، كان يشتغل بالكهانة في أحد المعابد المصرية، كان يستورد المر والزرير -قصب الطيب- Calamus من بلاده للمعبد ويصدر إليها على السفينة التجارية التي يملكها أثوابًا جميلة من البز المصري٥. ولا بد أن هذه التجارة في حاصلات الجنوب التي كانت لازمة لمصر كانت مستمرة بعد ذلك، وأنه بعد انتقال التجارة إلى يد قريش، كان تجار قريش يقومون بنقل قسط من هذه التجارة، وأن منهم من وصل إلى مصر وتاجر فيها، وقد عرف المكيون الأقشمة المصنوعة في مصر، وكانوا يسمونها القباطي.

стр. 196

والآيات القرآنية التي تشير إلى البحر وعواصفه وما يجري فوقه وما يستخرج من جوفه١، والتي يمتاز بوضوحها وجلائها الرائع، ليست إلا صدى للنشاط التجاري والاتصالات البحرية بين الحجاز والحبشة وغيرهما. ومع ما في هذه الآيات من تعدد لنعم الله، إلا أنها بما تحمل من طابع الخطاب القريب تدل على أن الكلام موجه إلى المخاطبين القريبين وهم أهل احجاز وأهل مكة بنوع خاص، وتدل على ما كان لهؤلاء من صلة بالأعمال البحرية المتنوعة، وما كان يقوم في ثغور الحجاز وسواحله من حركة وملاحة، وصيد وغوص، وما كان لأهل الحجاز وبخاصة مدنه وتجاره من منافع عظيمة، وكثرة الآيات وتكرار التعداد وتنوع الأساليب، وهذه الحفاوة القرآنية في الإشارة إلى البحار وما فيها وما يجري فوقها وما يعود منها من المنافع العظيمة يمكن أن تدل على أن حركة الملاحة والصيد والغوص لم تكن ضعيفة٢، وأنها كانت مما يعول عليه أهل الحجاز في معاشهم وحياتهم التجارية والاقتصادية تعويلًا غير يسير، وأنهم كانوا يعرفون البحر وركوبه ويستخدمونه في أغراضهم المختلفة. ولم تكن قريش حين سيطرت على التجارة تملك سفنًا في البحر الأحمر، ولكنها من غير شك كانت تنقل تجارتها من الحبشة وإليها عبر هذا البحر، ولا بد أن أهل مكة كانوا يستخدمون سفنًا تعمل لحسابهم٣. أما صلات قرييش بالفرس فلم تكن على قدر كبير؛ لأن التجارة مع فارس كانت في يد عرب الحيرة الذين كانوا يدبرون أمر وصول هذه التجارة إلى أسواق العرب، وكانوا يحملون لهم من هذه الأسواق ما هم في حاجة إليه من حاصلات الجزيرة العربية، ومع ذلك فقد كانت تجارة قريش تدخل بلاد فارس عن طريق قوافل تخرج من مكة إليها، عبر الطريق الصحراوي المار بشرقي يثرب٤ إلى العراق، وتحدثنا الروايات عن أشخاص من رجال مكة ماتوا في طريق عودتهم من العراق٥.

стр. 197

وكانت التجارة التي تحمل من الجنوب أو من الشمال أو من الشرق تفرغ في مكة، حيث تستهلك البيئة المحلية منها ما تحتاج إليه؛ ثم يحمل الباقي إلى الأماكن المحتاجة إليه، فتحمل حاصلات الجنوب إلى الشمال، كما تحمل حاصلات الشمال إلى الجنوب، فوق ما يحمل معها من حاصلات البادية العربية، مما تجمعه قريش من تجارة أهل البادية والمدن الحجازية، مما يحمل إلى مكة أو إلى الأسواق القريبة منها في عكاظ ومجنة وذي المجاز في موسم الحج. وقد كانت صلات مكة التجارية كبيرة بالطائف التي كانت تنتج مقادير كبيرة من الزبيب والنبيذ الذي كانت تستهلك مكة منه كثيرًا، ومن الجلود المدبوغة، وكان المكيون يشركون أهل الطائف أحيانًا في قوافلهم التجارية١ كما كانت صلات مكة التجارية كبيرة بيثرب، حيث يمتار أهل مكة من تمرها ويشترون كثيرًا مما تنتجه من الحلي والسلاح التي كان اليهود يقومون على صناعتها٢. وكانت في مكة سوق دائمة للتبادل التجاري وبخاصة مع القبائل القريبة منها، حيث تشتري مكة حيوانات الجزيرة ومنتجاتها من جمال وخيل وحمير وسمن وقرظ وجلود، وتبيعه لمن يحتاج إليه من الأعراب٣، كما تبيعهم ما يحتاجون إليه من المجلوبات الخارجية، وكانت تجارة الملابس والأطعمة والشراب رائجة في مكة، وبخاصة في موسم الحج. وصارت مكة تعج بالتجار من كل ناحية وبخاصة من أهل الشام والروم والفرس، فساكنوا المكيين وتحالفوا مع أثريائهم، وقد اتخذوا فيها مستودعات لخزن بضائعهم وتصريفها، وكان تجار الشام خاصة يجلبون القمح والزيوت والخمر الجيدة إلى تجار مكة٤، وقد ورد في كتب السيرة والرجال أسماء بعض هؤلاء ممن كانوا من بلاد الشام في الأصل، ثم سكنوا مكة ودخلوا في الإسلام من أمثال تميم الداري ٥ وكيسان ٦.

стр. 198

وقد ذكر المستشرق أوليري oleary أن مكة أصبحت مركزًا للصيرفة يمكن أن يدفع فيها التجار أثمان السلع التي ترسل إلى بلاد بعيدة، كما كانت عملية الشحن والتفريغ لهذه التجارة الدولية تتم هناك، وكذلك كان يتم التأمين على المتاجر وهي تجتاز الطرق المحففوة بالمخاطر١، وقد كان يساعد قريشًا على تأمين تجارتها ما كانت تتمتع به من حرمة عند العرب، وما كان لها من ارتباطات مع القبائل الضاربة على طول طرق التجارة. ولم تكن قوافل مكة تجارة أفراد؛ وإنما كانت تجارة مدينة، وكانت قريش كلها تشارك فيها، وكان كبار التجار يقومون على هذه القوافل التي تضم أموالًا لأفراد متعددين، منهم من يسافر على تجارته، ومنهم من يستأجر آخرين، ومنهم من يقرض ماله للمتاجرة على النصف، وأحيانًا كانت القافلة تحمل أموالًا لأهل مكة جميعًا٢. ولم تكن التجارة خاصة بالرجال دون النساء، فكان منهن ثريات اشتغلن بالأعمال التجارية، مثل خديجة بنت خويلد التي كانت تتجر بمكة، وكانت تستأجر الرجال للسفر بتجارتها إلى الشام٣، ومثل الحنظلية أم أبي جهل التي كانت تتاجر في العطور تجلب لها من اليمن ٤، وقد أشار القرآن إلى ذلك حيث قال: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء] وكانت المرأة لا تنكح إلا ولها مال٥. وعلى ذلك فتجارة مكة الخارجية ليست تجارة أفراد، وإنما هي تجارة جماعية. وقد أدى نشاط بعض أسر مكة في التجارة إلى حصولها على ثروات طائلة، وقد أسهم رجل واحد من أهل مكة هو أبو أحيحة بن سعيد بن العاص بن أمية بثلاثين ألف دينار في القافلة التي كان يقودها أبو سفيان، وكانت السبب في موقعة بدر سنة ٢هـ ٦، ومبلغ مثل هذا ليس بالشيء القليل بالنسبة للوضع المالي في تلك الأيام. كذلك كان

стр. 199

عبد الله بن جدعان التيمي والوليد بن المغيرة المخزومي من أثرياء مكة، وكان الأول يشرب في كأس من الذهب حتى سمي حاسي الذهب، وقد اشتهر بنو مخزوم بالثروة والمال حتى كان أحدهم -وهو عبد الله بن أبي ربيعة- يلقب بعدل قريش، وقد كان تاجرًا موسرًا، وكان متجره إلى اليمن١. كما كفن أحد الموتى وهو عبد المطلب بن هاشم في حُلل ألف مثقال من الذهب، وطرح عليه المسك حتى ستره.

стр. 200

الربا: كان الربا مظهرًا من مظاهر الحركة الاقتصادية والتجارية، وكان أهل مكة -كما كان أهل الحجاز واليهود- يعولون عليه كثيرًا في تنمية ثرواتهم، وكان الربا أحيانًا يبلغ أضعاف القرض نفسه١، فتؤكل بذلك أموال المدين وتذهب حقوق الأفراد. وفي القرآن آيات كثيرة يستلهم منها أن الربا كان راسخًا رسوخًا شديدًا، وأنه كان جزءًا من الحياة الاقتصادية وبخاصة عند التجار وأهل المدن، وإذا كانت معظم الآيات التي نزلت بشأن الربا نزلت بعد هجرة النبي ﷺ إلى يثرب وقيام الدولة الإسلامية بها٢؛ إلا أن بعضها نزل بمكة أو بعد فتحها٣ مما يدل على أنها كانت موجهة إلى المكيين، وأن الربا كان أمرًا شائعًا عامًّا٤. وقد أعلن النبي ﷺ في حجة الوداع سنة ١٠ هـ إسقاط ربا عمه العباس وكان من أغنياء مكة وتجارها، وتحمل آيتان من سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة] إنذارًا شديدًا لمن يزاولون الربا، مما يدل على رسوخ قدم الربا، وعلى أنه كان يشغل حيزًا كبيرًا من حياة المدن الحجازية الاقتصادية، وأنه لم يكن من السهل القضاء عليه، مما استلزم قوة الإنذار وإعلان الحرب من الله ورسوله.

стр. 201

وإلى جانب الربا كانت المضاربات وبيع البضائع المتوهمة أو البضائع التي لم تصل مكة بعد؛ فلطالما باعوا البضائع قبل وصولها من اليمن أو الشام، وباعوا المحاصيل قبل حلول يوم الحصاد بوقت طويل، فأفلست بيوتات واغتنت أخرى بين عشية وضحاها، ونحا صغار التجار نحو كبارهم في المضاربات فيما بينهم، ولطالما عملوا على غش البدو السذج؛ فاحتقر البدوي الحضريَّ لهذه الصفة، وقد قال أهل البادية: إن قريشًا تصغير قرش وهو سمك القرش المفترس يعبرون بذلك عن افتراسها لغيرها١. وعلى الرغم من ذلك فقد كانوا مجبرين على أن يتعاملوا مع القرشيين لبيع إبلهم وأغنامهم وأصوافهم وحاصلاتهم من البادية٢.

стр. 202

النقد: كان النقد المتداول هو الدينار والدرهم. والدينار عملة ذهبية والدرهم عملة فضية، وكان التعامل بهما دارجًا في الشام والعراق ومصر. وقد عرفهما أهل الحجاز وتعاملوا١ بهما، وكان أهل مكة يملكون ثروة كبيرة من هذه العملة٢. ولم يكن هذان النقدان حجازيين، ولم يضربا في الحجاز اقتباسًا من الفرس والروم؛ فإنه لم يكن في الحجاز دولة لها سكة خاصة؛ وإنما كان المتعامل به هو الدينار والدرهم الأجنبيين، ولعل في هذا دلالة على صلة الحجازيين بعامة ومكة بخاصة بجيرانهم من الروم والفرس صلة تجارية كبيرة، وليس لدينا ما يثبت أن أهل مكة أو أهل الحجاز كانوا يستصنعون لحسابهم في دور الضرب العراقية أو الشامية الدراهم أو الدنانير. وبلاد العرب كانت تنتج معدن الذهب والفضة، وكانت غنية بهما في العصور القديمة. وقد كان يجري التعامل بهما وزنًا٢، كما ذكر مرارًا في القرآن في معرض

стр. 203

استعمالهما حليًّا وأواني في الدنيا والآخرة١، مما يدل على أن هذين المعدنين كان ينظر إليهما على أنهما مقياس الثروة، كما كان من الملك المحبب المحروص عليه عندهم، شأن البيئات المتحضرة المجاورة، وفي الروايات؛ ما يدل على أن أغنياء مكة استعملوا الذهب كآنية؛ فقد كان ثري مكة عبد الله بن جدعان يشرب في أكواب من الذهب حتى سمي حاسي الذهب٢.

стр. 204

الأعداد والحساب: في القرآن ذكر للأعداد ومضاعفاتها من آحاد وعشرات ومئات وألوف ومئات الألوف، كما ورد ذكر كسور الأعداد من نصف وثلث وربع وخمس وسدس وثمن وعشر١، الأمر الذي يدل على أن العرب بعامة وأهل المدن بنوع خاص كانوا على علم بالأعمال الحسابية من ضرب وقسمة وجمع وطرح وكسور، كما يدل على سعة الأفق والصلات وكثرة التعامل.

стр. 205

المكاييل والموازين والمقاييس: والكيل والميزان والمقياس معروفة عند العرب، وقد ورد ذكرها في القرآن؛ ولكنها ذكرت دون تعيين إلا القنطار والذراع على غموض في مقدارهما١. وقد جاء ذكر الكيل والميزان والقسطاس في مناسبات أكثرها جاء في معرض الأمانة والحث على الاستقامة في الكيل والوزن، مما يدل على أنه كانت توجد مكاييل وموازين، وأن هذه المكاييل والموازين كان بعضها مضبوطًا وبعضها غير مضبوط، والآيات القرآنية تحث على استعمال المضبوط منها؛ مما يدل على أن حيل الغش فيها كانت فاشية، والتجار كانوا يستغلون جهل المتعاملين معهم وبخاصة أهل البادية، فيأخذون منهم وزنًا أوكيلًا

стр. 206

وافيًا ويبيعون لهم بمكاييل وموازين غير وافية١ ويمكن أن نستدل من آيات القارعة ٦ - ٩ أن الميزان المستعمل كان هو الميزان ذا الكفتين٢. كما نعرف من المكاييل الصاع٣. والمد هو ربع الصاع، وأن الصاع وحدة الكيل وأنه يساوي وزن خمسة أرطال وثلث٤، كما كان الرطل مكيالًا أيضًا. كما كانوا يعرفون الأوقية والنش - وهو نصف الأوقية-٥ وأن الأوقية كانت تساوي أربعة وعشرين درهمًا، وأنه كانت توزن بها المعادن كالذهب والفضة، وكذلك المثقال وهو درهم وثلاثة أرباع الدرهم.

стр. 207

النشاط الزراعي والرعوي: إذاكانت منطقة مكة مجدبة غير صالحة للزراعة، فإن المناطق المجاورة لها -وبخاصة منطقة الطائف والوديان الموجودة بين مكة وجدة -كانت تنبت مختلف النباتات، ويلهم ما في القرآن من آيات كثيرة تحتوي أوصافًا للأعمال الزراعية ونتاجها من زروع وكروم ونخيل وزيتون ورمان وفاكهة، والزرع ذو الحب المتراكب كالقمح والشعير - أن هذه الزراعات كانت قائمة، وأن أهل هذه المناطق من الحجاز كانوا متقدمين شوطًا غير قصير في الأعمال الزراعية١. وأن هذه المناطق الزراعية كانت تمون مكة والقرى الأخرى التي لا تستطيع أن توفر حاجاتها الغذائية بنفسها بسبب جدب التربة وشح المياه، وأن أهل مكة أنفسهم كانوا يملكون مزارع وحدائق وآبارًا بالطائف، وتتحدث الروايات عن رجل من العراق اسمه عدَّاس كان خادمًا في بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة بالطائف٢ وربما كان هذا الرجل خبيرًا زراعيًّا جُلب أو اشتري خصيصًا لهذا العمل.

стр. 208

كما أن أهل مكة قد مارسوا تربية الماشية من إبل وغنم وأبقار، وأنهم كانوا يرعونها في الوديان والشعاب المجاورة لمنطقة مكة، والتي كانت تنبت الكلأ والشجيرات الرعوية التي تزدهر في مواسم معينة من السنة١، وقد ورد في كتب السيرة أن النبي ﷺ كان يرعى الغنم في أجياد، وأن عمر بن الخطاب كان يرعى إبل أبيه بجوار مكة٢. ومدينة تجارية مثل مكة كانت تقوم على تجارة القوافل لا بد أن تكون قد اهتمت بتربية الإبل، ولا يمكن أن تكون اعتمدت كلية على ما تستأجره من إبل الأعراب، بل إن أهلها كانوا يملكون ما يعتمدون عليه في نقل متاجرهم يربونه أو يشترونه من الأعراب ٣، كما كانوا يملكون عددًا من الخيل لاستعمالها في ركوبهم وحروبهم، وربما كانوا يبيعون بعضها مبادلة على الإبل التي كانت حاجاتهم إليها أشد ونفعها لهم أكبر٤.كما كانوا يملكون عددًا من الحمير والبغال. وكان لهذه الحيوانات كلها سوق نشيطة في مكة. الصيد: كان الصيد من مشاغل العرب ومعايشهم، بل كان من ضروريات حياتهم المعيشية، وقد ورد في القرآن آيات خاصة بالصيد، سواء منه صيد البر أو صيد البحر١. ويستفاد من هذه الآيات أن العرب في فترة البعثة المحمدية كانوا قد بلغوا شوطًا بعيدًا في فنون الصيد، فكانوا يستعينون عليه بالطيور الجارحة والحيوانات المعلمة كالبزاة والعقبان والصقور والكلاب٢ وكانوا يعلمون هذه الطيور والحيوانات لتقوم بمهمتها

стр. 209

على الوجه الأكمل. وقد تحرج المسلمون من أكل الصيد الذي استعين عليه بالجوارح المعلمة، فأحلَّ الله لهم ذلك على شريطة ذكر اسم الله عند الرمي، أو عند إرسال الجارح. كما أن العرب كانوا يستخدمون الرماح في الصيد كما كانوا يستخدمون النبل أو الشراك١. وكان العرب قبل الإسلام يحرمون الصيد بريًّا وبحريًّا في الأشهر الحرم تبعًا لما كانوا عليه من عادة تحريم سفك الدماء في هذه الأشهر؛ فرفع القرآن عنهم هذا الحرج بالنسبة لصيد البحر؛ وذلك لشدة الضرورة والحاجة المعيشية الماسَّة والخاصة للمسافر بحذاء البحر، وهذا يفيد أن صيد البحر كان مرتزقًا، وضرورة معيشية أوسع نطاقًا من صيد البر. وليس في القرآن تخصيص للذين كانوا يعملون بالصيد، مما يمكن أن يقال معه إن أهل المدن والبدو كانوا يشتغلون به؛ إلا أنه من المتبادر أن البادية أكثر اشتغالًا به، وأن أهل السواحل أكثر اشتغالًا بصيد البحر. وقد شارك أهل مكة في أعمال الصيد، ومنهم من كان يستفيد منه في معاشه وبخاصة قريش الظواهر، كما كان منهم من يتخذه رياضة من سادات مكة٢.

стр. 210

النشاط الصناعي: ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة مكية ومدنية احتوت مسميات كثيرة ومتنوعة لمصنوعات هي من وسائل حياة أهل المدن. فقد ذكرت الآيات البيوت والغرف والحجرات والأبواب والسقوف والقواعد والمعارج١، والخيام التي تصنع من جلود الأنعام، كما ذكرت الأثاث الذي يصنع من الصوف والأوبار والأشعار٢، والأسرَّة والأرائك والنمارق والزرابي والفرش وبطائنها٣. والأواني المتنوعة من قدور وجفان وصحاف وأكواب وأباريق وكئوس٤، ومصابيح ومشاك وزجاج٥. والحلي والزينة

стр. 211

بأنواعها١، والثياب من الحرير وغير الحرير٢ والجلابيب والخُمر والسراببيل والقمصان والنعال٣: والسلاح من رماح وسكاكين ودروع٤. والسلاسل والأغلال٥. وأدوات الكتابة من قرطاس وقلم ومداد ورقوق٦ والشراب الذي يصنع من ثمرات النخيل والأعناب٧. والمعادن من حديد ونحاس وذهب وفضة والصلصال والفخار٨. وورود هذه الأعيان ومسمياتها وأوصافها ووجوه استعمالها في القرآن، ويدل على أن أهل مكة وأهل الحجاز ومدنه كانوا يستعملونها ويملكونها قبل نزول القرآن، حتى ولو جاء ذكرها في معرض الإخبار والتمثيل ووصف نعيم الجنة؛ لأن القرآن لا يمكن أن يخاطب الناس بما لا يفهمونه ولا يعرفونه. ويضاف إلى هذه الأشياء المكاييل والموازين التي كانت موجودة ومستعملة في البيع والشراء. وواضح أن وجود هذه الأدوات والحاجيات يتطلب وجود طبقة من العمال والصناع: في أعمال البناء ونحت الحجارة، وفي الحدادة والنجارة والتنجيد والصياغة والحياكة والنحاسة والسروجية، وغير ذلك مما تتطلبه حياة المدن مهما كانت درجتها من الحضارة٩. وقد ورد ذكر لأناس كانوا في مكة يقومون بهذه الأعمال، منهم من يقوم بالحدادة أو الصياغة، ومنهم من كان يقوم بالنجارة١٠ أو النسيج أو الخياطة أو الحجامة١١.

стр. 212

ومهما تكن أسفار الحجازيين البرية أو البحرية، ومهما يكن ما يجلبونه من الخارج؛ فليس من المعقول أن يجلبوا كل ما يحتاجون إليه من هذه الأدوات والحاجيات مصنوعًا جاهزًا؛ بل لا بد أن يصنع بعضها إن لم يكن معظمها محليًّا؛ إذ لا يمكن أن يكونوا أو يظلوا عيالًا على الخارج في هذه المواد الكثيرة التي يستعمل كثير منها استعمالًا عامًّا ويوميًّا، ولا سيما وأن المواصلات بينهم وبين البلاد التي تقدمت عليهم في الحضارة، والتي يمكن أن يجلبوا منها احتياجاتهم -غير سهلة ولا قريبة-. كما أنه يوجد من الأشياء ما لا يمكن جلبه من الخارج، كأعمال البناء والنحت والنجارة؛ وإذن فلا بد من وجود طبقة من الصناع والعمال في المدن الحجازية يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأن أهل هذه المدن، وإن اعتادوا أن يجلبوا شيئًا مما يستعملونه من الخارج، فإن هذا الشيء كان مقصورًا على ما لا تستطيع البيئة المحلية إنتاجه، أو لا تستطيع إجادته، وخصوصًا حاجيات الترف الكمالية الدقيقة الصنع، من أدوات الزينة والزخارف والحرير والأواني الدقيقة وبعض أنواع الأسلحة والنسيج. ولقد كان في مكة وفي سائر المدن الحجازية جاليات أجنبية يهودية ونصرانية، سورية ومصرية وحبشية ورومية وعراقية. ومن الراجح أن هؤلاء الأجانب كانوا يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأنهم كانوا نواة ومعلمين لطبقات من الصناع المحليين، وأن منهم من كان يعمل لحسابه الخاص، كما كان الحال في يهود يثرب، ومنهم من كان يعمل لحساب سادته١. وقد أشار أصحاب السير إلى عامل رومي استخدم في بناء الكعبة عند تجديدها، كما أن النبي ﷺ قد وجد في الكعبة صورًا ورسومًا للملائكة والأنبياء، لا بد أنها كانت من صنع أمثال هذا العامل الرومي ومن عمل معه من بني جنسه من النصارى، كما وجدَ بها تمثالًا لحمامة من الخشب؛ الأمر الذي يدل عل وجود صناع يتقنون هذه الأعمال في مكة، وأنهم لم يكونوا من العرب ولكنهم كانوا من الرقيق أو من الموالي الأجانب ٢. كما كان بعض النساء يشتغلن بالأعمال الصناعية وبخاصة صناعة الغزل والنسيج٣.

стр. 213

الحالة الاجتماعية مدخل ... الفصل السابع: الحالة الاجتماعية كان التشكيل الاجتماعي للسكان في مكة هو التشكيل القبلي شأنها في ذلك شأن باقي أجزاء الجزيرة العربية، وكانت القبيلة الأساسية بها منذ منتصف القرن الخامس الميلادي هي قبيلة قريش التي جمعها قصي بن كلاب، وأنزلها مكة بعد إجلائه خزاعة عنها١، وككل تشكيل قبلي، كان سكان مكة يتكونون من حيث التشكيل الاجتماعي من طبقات ثلاث:

стр. 214

١- طبقة الصرحاء: وهم أبناء القبيلة الأصليون، أي كل من ينتمي إلى قريش، وهو فهر بن مالك؛ فإن البطون القرشية التي نزلت مكة كلها تنتمي إليه، ومن مجموعها تكونت القبيلة التي عرفت بهذا الاسم -قريش-. وقد جعل القرشيون من أنفسهم أصل المجتمع المكي، وكل مَن عداهم من العرب الأحرار انضم إليهم عن طريق التبعية بالحلف أو بالجوار، فهم أصل المجتمع في مكة ومن عداهم من باقي السكان إما موالٍ لهم أو عبيد، وكان أبناء قريش يتمتعون بكل ما نظمه قانون العرف القبلي من حقوق كما كان عليهم كل ما فرضه من واجبات، على أساس من التضامن التام بين الفرد والجماعة في ظل رابطة الدم المشترك. وقد تميزت قبيلة قريش إلى قسمين رئيسيين حسب مساكنها في مكة: فالقسم الذي سكن الوادي بجوار البيت الحرام عرف بقريش البطاح، والقسم الذي سكن على أطراف مكة عرف بقريش الظواهر، وقد كانت قريش البطاح أكثر حضارة من قريش الظواهر التي عاشت شبه متبدية؛ ولذلك استأثرت قريش البطاح بشئون الحكم والرياسة، ووزعت المناصب الدينية والإدارية بين بطونها، ومن ثم فقد

стр. 215

كانت صاحبة الكلمة العليا في مكة وكانت رأس المجتمع المكي. وإنه إن كان أبناء قريش على درجة واحدة من حيث الحقوق والواجبات القبلية العامة؛ إلا أن الاستقرار والثراء الذي أحرزته قريش البطاح، والقيام على شئون الحكم في مكة قد ميزها على غيرها من باقي البطون القرشية, فنالت منزلة اجتماعية أرفع. وقد حظيت قريش بنوع من الاستقرار والأمن لم يتوفر لغيرها من القبائل الأخرى، فقد ضمن لها وجودها بجوار البيت الحرام حرمة عامة في نظر القبائل العربية؛ فسلمت من الغارات القبلية عليها، كما أنه لم تحدث بين بطون قريش اشتباكات تؤدي إلى وقوع الدماء بينها بل حرصت القبيلة دائمًا على حل منازعتها العشائرية سلميًّا، ولكي تقضي على المنافسات العشائرية توسعت في قاعدة الحكم، وارتضت نوعًا من الحكومة نستطيع أن نسميه حكومة النظراء، وهي حكومة الملأ المكون من زعماء العشائر، وعلى ذلك سلمت قريش من التفكك الداخلي؛ فلم يحدث أن خرج عليها أو من دائرتها بطن أو عشيرة من عشائرها إلى دائرة قبيلة أخرى، كما كان يحدث كثيرًا بين القبائل العربية؛ ولذلك أحس أهل مكة بمرارة شديدة حين خرج منها بعض أفرادها فهاجروا إلى أماكن أخرى بعد ظهور الإسلام، وحاولت القبيلة جاهدة منعهم أو ردهم، واتهم القرشيون النبي ﷺ بأنه فرق بين الناس. وكانت وحدة القبيلة القرشية مظهرًا رائعًا في نظر القبائل العربية التي جعلت من قريش موضع إجلالها وقدوتها١. وأصبح كثير من رجالها في مكان الحكام بين المتنازعين من قبائل العرب.
следующие страницы →