← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بأنواعها١، والثياب من الحرير وغير الحرير٢ والجلابيب والخُمر والسراببيل والقمصان والنعال٣: والسلاح من رماح وسكاكين ودروع٤. والسلاسل والأغلال٥. وأدوات الكتابة من قرطاس وقلم ومداد ورقوق٦ والشراب الذي يصنع من ثمرات النخيل والأعناب٧. والمعادن من حديد ونحاس وذهب وفضة والصلصال والفخار٨. وورود هذه الأعيان ومسمياتها وأوصافها ووجوه استعمالها في القرآن، ويدل على أن أهل مكة وأهل الحجاز ومدنه كانوا يستعملونها ويملكونها قبل نزول القرآن، حتى ولو جاء ذكرها في معرض الإخبار والتمثيل ووصف نعيم الجنة؛ لأن القرآن لا يمكن أن يخاطب الناس بما لا يفهمونه ولا يعرفونه. ويضاف إلى هذه الأشياء المكاييل والموازين التي كانت موجودة ومستعملة في البيع والشراء. وواضح أن وجود هذه الأدوات والحاجيات يتطلب وجود طبقة من العمال والصناع: في أعمال البناء ونحت الحجارة، وفي الحدادة والنجارة والتنجيد والصياغة والحياكة والنحاسة والسروجية، وغير ذلك مما تتطلبه حياة المدن مهما كانت درجتها من الحضارة٩. وقد ورد ذكر لأناس كانوا في مكة يقومون بهذه الأعمال، منهم من يقوم بالحدادة أو الصياغة، ومنهم من كان يقوم بالنجارة١٠ أو النسيج أو الخياطة أو الحجامة١١.

стр. 212

ومهما تكن أسفار الحجازيين البرية أو البحرية، ومهما يكن ما يجلبونه من الخارج؛ فليس من المعقول أن يجلبوا كل ما يحتاجون إليه من هذه الأدوات والحاجيات مصنوعًا جاهزًا؛ بل لا بد أن يصنع بعضها إن لم يكن معظمها محليًّا؛ إذ لا يمكن أن يكونوا أو يظلوا عيالًا على الخارج في هذه المواد الكثيرة التي يستعمل كثير منها استعمالًا عامًّا ويوميًّا، ولا سيما وأن المواصلات بينهم وبين البلاد التي تقدمت عليهم في الحضارة، والتي يمكن أن يجلبوا منها احتياجاتهم -غير سهلة ولا قريبة-. كما أنه يوجد من الأشياء ما لا يمكن جلبه من الخارج، كأعمال البناء والنحت والنجارة؛ وإذن فلا بد من وجود طبقة من الصناع والعمال في المدن الحجازية يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأن أهل هذه المدن، وإن اعتادوا أن يجلبوا شيئًا مما يستعملونه من الخارج، فإن هذا الشيء كان مقصورًا على ما لا تستطيع البيئة المحلية إنتاجه، أو لا تستطيع إجادته، وخصوصًا حاجيات الترف الكمالية الدقيقة الصنع، من أدوات الزينة والزخارف والحرير والأواني الدقيقة وبعض أنواع الأسلحة والنسيج. ولقد كان في مكة وفي سائر المدن الحجازية جاليات أجنبية يهودية ونصرانية، سورية ومصرية وحبشية ورومية وعراقية. ومن الراجح أن هؤلاء الأجانب كانوا يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأنهم كانوا نواة ومعلمين لطبقات من الصناع المحليين، وأن منهم من كان يعمل لحسابه الخاص، كما كان الحال في يهود يثرب، ومنهم من كان يعمل لحساب سادته١. وقد أشار أصحاب السير إلى عامل رومي استخدم في بناء الكعبة عند تجديدها، كما أن النبي ﷺ قد وجد في الكعبة صورًا ورسومًا للملائكة والأنبياء، لا بد أنها كانت من صنع أمثال هذا العامل الرومي ومن عمل معه من بني جنسه من النصارى، كما وجدَ بها تمثالًا لحمامة من الخشب؛ الأمر الذي يدل عل وجود صناع يتقنون هذه الأعمال في مكة، وأنهم لم يكونوا من العرب ولكنهم كانوا من الرقيق أو من الموالي الأجانب ٢. كما كان بعض النساء يشتغلن بالأعمال الصناعية وبخاصة صناعة الغزل والنسيج٣.

стр. 213

الحالة الاجتماعية مدخل ... الفصل السابع: الحالة الاجتماعية كان التشكيل الاجتماعي للسكان في مكة هو التشكيل القبلي شأنها في ذلك شأن باقي أجزاء الجزيرة العربية، وكانت القبيلة الأساسية بها منذ منتصف القرن الخامس الميلادي هي قبيلة قريش التي جمعها قصي بن كلاب، وأنزلها مكة بعد إجلائه خزاعة عنها١، وككل تشكيل قبلي، كان سكان مكة يتكونون من حيث التشكيل الاجتماعي من طبقات ثلاث:

стр. 214

١- طبقة الصرحاء: وهم أبناء القبيلة الأصليون، أي كل من ينتمي إلى قريش، وهو فهر بن مالك؛ فإن البطون القرشية التي نزلت مكة كلها تنتمي إليه، ومن مجموعها تكونت القبيلة التي عرفت بهذا الاسم -قريش-. وقد جعل القرشيون من أنفسهم أصل المجتمع المكي، وكل مَن عداهم من العرب الأحرار انضم إليهم عن طريق التبعية بالحلف أو بالجوار، فهم أصل المجتمع في مكة ومن عداهم من باقي السكان إما موالٍ لهم أو عبيد، وكان أبناء قريش يتمتعون بكل ما نظمه قانون العرف القبلي من حقوق كما كان عليهم كل ما فرضه من واجبات، على أساس من التضامن التام بين الفرد والجماعة في ظل رابطة الدم المشترك. وقد تميزت قبيلة قريش إلى قسمين رئيسيين حسب مساكنها في مكة: فالقسم الذي سكن الوادي بجوار البيت الحرام عرف بقريش البطاح، والقسم الذي سكن على أطراف مكة عرف بقريش الظواهر، وقد كانت قريش البطاح أكثر حضارة من قريش الظواهر التي عاشت شبه متبدية؛ ولذلك استأثرت قريش البطاح بشئون الحكم والرياسة، ووزعت المناصب الدينية والإدارية بين بطونها، ومن ثم فقد

стр. 215

كانت صاحبة الكلمة العليا في مكة وكانت رأس المجتمع المكي. وإنه إن كان أبناء قريش على درجة واحدة من حيث الحقوق والواجبات القبلية العامة؛ إلا أن الاستقرار والثراء الذي أحرزته قريش البطاح، والقيام على شئون الحكم في مكة قد ميزها على غيرها من باقي البطون القرشية, فنالت منزلة اجتماعية أرفع. وقد حظيت قريش بنوع من الاستقرار والأمن لم يتوفر لغيرها من القبائل الأخرى، فقد ضمن لها وجودها بجوار البيت الحرام حرمة عامة في نظر القبائل العربية؛ فسلمت من الغارات القبلية عليها، كما أنه لم تحدث بين بطون قريش اشتباكات تؤدي إلى وقوع الدماء بينها بل حرصت القبيلة دائمًا على حل منازعتها العشائرية سلميًّا، ولكي تقضي على المنافسات العشائرية توسعت في قاعدة الحكم، وارتضت نوعًا من الحكومة نستطيع أن نسميه حكومة النظراء، وهي حكومة الملأ المكون من زعماء العشائر، وعلى ذلك سلمت قريش من التفكك الداخلي؛ فلم يحدث أن خرج عليها أو من دائرتها بطن أو عشيرة من عشائرها إلى دائرة قبيلة أخرى، كما كان يحدث كثيرًا بين القبائل العربية؛ ولذلك أحس أهل مكة بمرارة شديدة حين خرج منها بعض أفرادها فهاجروا إلى أماكن أخرى بعد ظهور الإسلام، وحاولت القبيلة جاهدة منعهم أو ردهم، واتهم القرشيون النبي ﷺ بأنه فرق بين الناس. وكانت وحدة القبيلة القرشية مظهرًا رائعًا في نظر القبائل العربية التي جعلت من قريش موضع إجلالها وقدوتها١. وأصبح كثير من رجالها في مكان الحكام بين المتنازعين من قبائل العرب.

стр. 216

٢- طبقة الموالي: كانت مكة لحرمتها ووحدة أهلها واستقرار أمورها ملجأ لكثيرين من العائدين المحتمين بحرمها، كما كان في حياتها التجارية مجال لطلاب الكسب، ممن وجدوا في أسواقها وقوافلها فرصة لاستثمار أموالهم في قوافل قريش والاتصال ببيوتها التجارية أو العمل في دوائر أعمالها١؛ ولذلك كثر الموالي في قريش عن طريق الجوار، أو من

стр. 217

الحلفاء من كافة قبائل الجزيرة العربية ممن أقاموا في مكة إقامة دائمة وشاركوا في حياتها العامة مشاركة فعالة١. وقد أتاحت مكة لعدد منهم أن يقتني الثروات الكبيرة. وهيأت لهم الحياة الآمنة المطمئنة. وقد تمتع بعض الموالي بمركز كبير في المجتمع المكي، حتى أصبح مسموع الكلمة مطاعًا بين مواليه مثل الأخنس بن شريق الثقفي، الذي بلغ من أمره أن أثر على حلفائه بني زهرة، فأقنعهم بالرجوع وعدم المشاركة في موقعة بدر -مع إجماع القبيلة على الخروج- فرجعوا؛ فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعًا٢، كما كانت دار بديل بن ورقاء الخزاعي بمكة ملاذ الخزاعيين حين هاجمتهم بنو بكر وأعانها قريش٣، وبديل نفسه كان أحد الثلاثة الذين خرجوا فاتصلوا بالنبي ﷺ حين قدومه لفتح مكة وأعلنوا له تسليم البلد، وأخذوا منه لأهل مكة الأمان، وهم: أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء٤. وقد أفسحت قريش صدرها لهؤلاء الموالي وأحلتهم هذه المنزلة الرفيعة؛ تبعًا لسياسة قريش العامة التي قامت على تنشيط التجارة، وإشراك القبائل العربية فيها والحرص على حسن الصلة معها، ورغبة في أن تبرز حرمة البلد الحرام، وأنه ملجأ العرب ومهوى نفوسهم، وهذا إلى الرغبة في الانتفاع بجهود هؤلاء الموالي وخبراتهم. فطبقة الموالي في مكة كانت أرفع شأنًا وأكثر فاعلية في المجتمع المكي من مثيلتها بين القبائل الأخرى، ولقد أخلص هؤلاء الموالي إخلاصًا شديدًا لقريش وقاتلوا في صفوفها، واعتمدت اعتمادًا كبيرًا عليهم في صراعها ضد يثرب بعد الهجرة النبوية، وإن نظرة إلى قائمة القتلى والأسرى من قريش في يوم بدر لتعطينا فكرة عن مقدار مشاركة هؤلاء الموالي لقريش في هذا الصراع، فإنهم قد تحملوا حوالي ٤٠% من هذه الخسائر ٥. ومن هذه القائمة -ومن قائمة المهاجرين- مع النبي ﷺ إلى يثرب نستطيع

стр. 218

أن ندرك أن هذه الطبقة كانت كبيرة العدد في قبيلة قريش، وأنها كانت تكوِّن نسبة كبيرة من مجموع السكان، فقد بلغ عدد المهاجرين إلى يثرب بعد بيعة العقبة الكبرى ستة وثمانين، كان منهم من صليبة قريش واحد وأربعون، والباقون من الموالي، وكانت غالبية هؤلاء الموالي ممن ارتبطوا بقريش عن طريق الحلف١. أما من ارتبط بالقبيلة عن طريق الجوار؛ فمن المحتمل أن يكون عددهم كبيرًا، إلا أنهم لم يقوموا بدور فعال؛ نظرًا لأن الجوار بطبيعته صلة مؤقتة أدت إليها دوافع وقتية لا تربط صاحبها بالقبيلة ارتباطًا يحمله على المشاركة الشديدة فضلًا عن التضحية بالمال أو بالنفس؛ فإنما هو جاء يطلب الحماية والعون لا أن يبذلها لغيره.

стр. 219

٣- طبقة الأرقاء: كانت هذه الطبقة كبيرة العدد بمكة؛ نظرًا لأعمال أهل مكة التجارية الواسعة، وانشغالهم بها واحتياجهم إلى من يقوم على خدمتهم والاشتغال لصالحهم، سواء في التجارة أو في الرعي أو في الزراعة -حيث كانت لهم بساتين ومزروعات في الطائف- أو في الصناعة التي لا بد كانت موجودة في مكة لسد حاجة هذا المجتمع الذي أخذ بأسباب التحضر، ولما كان تجار مكة قد نالوا حظًّا وافرًا من الثروة، وعاش بعضهم عيشة رافهة بالنسة لغيرهم من المجتمعات القبلية الأخرى في الجزيرة العربية؛ فقد جلبوا كثيرًا من الرقيق للقيام على خدمتهم ولإرضاء نوازع شهواتهم، وقد أغرم المجتمع المكي بالشراب والسمر والمنادمة، ومثل هذا المجتمع يحتاج إلى أعداد من الغلمان والجواري السود والبيض على السواء للخدمة والتسلية وإرضاء الشهوات، وقد بلغ عدد الرقيق في مكة حدًّا كبيرًا، وقد كان أكثر هؤلاء العبيد من السود من أصل أفريقي اشتراهم أثرياء مكة؛ للعمل لهم في مختلف الأعمال ولخدمتهم١، ولعل مما يدل على كثرتهم المفرطة أن هندًا بنت عبد المطلب أعتقت في يوم واحد أربعين عبدًا من عبيدها، كما أعتق سعيد بن العاص مائة عبد، اشتراهم فأعتقهم جميعًا٢. والرقيق في

стр. 220

تلك الأزمنة كان بضاعة ضرورية لا بد منها لأهل المال تدر عليهم أرباحًا عظيمة، فهم آلات ذلك العصر ومصدر من مصادر الاستغلال للحصول على الثروة، كما أنهم سلاح يستخدم للدفاع عن السادة والأثرياء في أيام السلم الحرب. ومكة وهي بلد الأثرياء والتجار في إقليم الحجاز، لا بد لها من استيراد هذه الآلات البشرية للاستفادة منها في تمشية الأعمال، وفي توسيع التجارة وزيادة رءوس الأموال، وقد كان بنو مخزوم من قريش يملكون عددًا كبيرًا من العبيد السود، يستخدمونهم في مختلف الأعمال وفي الحروب، وبخاصة تلك التي خاضتها ضد يثرب١. وقامت بخدمة قريش طائفة أخرى ممن الرقيق، هي أدق عملًا، وأحسن خدمة وأرقى في الإنتاج، من الشمال في بلاد الشام والعراق، هي الأسرى البيض الذين كانوا يقعون في أيدي الفرس والروم أو القبائل المغيرة على الحدود، فيباعون في أسواق النخاسة ومنها ينقلون في أنحاء الجزيرة العربية للقيام بمختلف الأعمال، يضاف إلى هؤلاء الرقيق المستورد من أسواق أوربا لبيعه في أسواق الشرق. وكان هذا الرقيق أغلى ثمنًا من الرقيق الأسود نظرًا لأنه كان أكثر ثقافة وكان يحسن من الأعمال ما لا يحسنه العبيد السود. ومن جملة ما وكل إلى هذا الرقيق الأبيض من أعمال: إدارة المبيعات٢، والقيام بالحرف التي تحتاج إلى خبرة ومهارة وفن، وهي من اختصاص أهل المدن المستقرين مثل أعمال البناء والنجارة الدقيقة، وقد أشار أصحاب السير إلى عامل رومي استخدم في بناء الكعبة حين قامت قريش على تجديدها قبل البعثة٣، كما أشاروا إلى ما وجد بجوفها من صور ورسوم وتماثيل خشبية دقيقة٤، لا بد أنها من عمل هذا العامل ومَن عمل معه من عمال على شاكلته. وكما كان في مكة كثير من الرجال الأرقاء سود وبيض، كذلك كان بها عدد كبير من الإماء: منهن السوداوات اللاتي كن يقمن على الخدمة في البيوت، ومنهن البيضاوات من الروم والفرس وغيرهن، كن يقمن على الخدمة والمنادمة وإرضاء نوازع

стр. 221

النفس ١. وكانت عادة تسري الإماء فاشية، ولم يكن عدد الإماء اللاتي يتسراهن الرجل محدودًا، ينكحهن بدون عقد ولا مهر، وله أن يهب أو يبيع من ينكحها دون طلاق إذا لم تكن قد ولدت له. وكان الإماء مادة البغاء، فكن أكثر تعرضًا له وارتكاسًا فيه، وكان أمرًا مستساغًا بالنسبة لهن، وحين وضع الإسلام عقوبة الزنا جعل على الأَمة نصف عقوبة الحرة٢، إذ إن ارتكاس الإماء في الفاحشة أكثر توقعًا منهن، وتعرضهن للبغاء أكثر احتمالًا، وعارُ ذلك أقل شدة. وقد كان الشباب والفساق وطلاب الشهوة يتعرضون للإماء في الطرقات؛ ولذلك فرض الإسلام على الحرائر أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين٣، بأن يخلط بينهن وبين الإماء في المظهر فيتعرض لهن فينالهن الأذى. وقد ترك هؤلاء الرقيق في نفوس أهل مكة، وفي نفوس العرب الآخرين ممن كان لهم رقيق أثرًا ليس إلى إنكاره من سبيل، وإن المصطلحات الفارسية والرومية والحبشية التي كانت معروفة عند العرب قبل ظهور الإسلام، ولا سيما ما يتعلق منها بالصناعات والأعمال التي يأنف العربي من الاشتغال بها، إنما دخلت لغتهم وشاعت بينهم عن طريق هؤلاء٤.

стр. 222

الجاليات الأجنبية: في كتب التاريخ والسير وأسماء الصحابة عدد غير قليل من الأجانب الذين كانوا في مكة في فترة البعثة النبوية، منهم من كان مملوكًا ومنهم من كان حرًّا؛ فإنه لمركز مكة ونشاطها التجاري وصلاتها الواسعة بالشمال والجنوب توافد عليها كثير من التجار من الخارج من بلاد الشام ومن الروم والفرس وغيرهم، ساكَنوا المكيين وتحالفوا مع أثريائهم، وقد دخل بعضهم في الإسلام من أمثال تميم الداري وكيسان١ كما كان

стр. 223

منهم أصحاب صناعات وحرف كانوا يعملون لحساب أهل مكة أحيانًا ولحسابهم أحيانًا أخرى، ومنهم من كان ذا معرفة متميزة في ثقافته الدينية، ولا يستبعد أن يكون بينهم جماعة من المبشرين. وتشير الآيات القرآنية الكثيرة إلى وجود عدد من الأجانب في مكة وإلى ديانة هؤلاء الأجانب على أنهم من أهل الكتاب، وأهل الكتاب هم النصارى واليهود.

стр. 224

أ- النصارى: وأكثر هؤلاء الأجانب كانوا من النصارى كما يستلهم من الآيات القرآنية، فإن إيراد قصة ولادة يحيى وعيسى وإنكار ألوهية عيسى مما يوحي بأن أكثر المخاطبين من أهل الكتاب كانوا نصارى١، ثم إن خبر انكسار الروم والبشرى بفوزهم مما يدل على أن الكتابيين في مكة كانوا نصارى، فضلًا عن أنه يدل على الصلات القوية بين المكيين والأحداث العالمية الجارية في ذلك الوقت٢، ولقد كانت صلات مكة قوية بالشمال حيث كانت النصرانية هي ديانة أهل الشام، كما كانت منتشرة بين القبائل التي تعيش على تخوم الشام وعلى الطرف الشمالي للعراق٣، كما كانت منتشرة في الحبشة واليمن، وبخاصة في نجران التي قدم منها وفد لمباحثة النبي -صلى الله عليه وسلم٤، ومن هذه الجهات قدم عدد كبير إلى مكة إما بتشجيع بعض القرشيين ليكون عندهم من يقوم بما هم في حاجة إليه من الصناعات، أو بسبب اضطهاد وقع عليهم، فلقوا من زعماء مكة ترحيبًا وتشجيعًا؛ فقد كانت بلاد الشام مسرحًا لكثير من الثورات والاشتباكات والاضطهادات الدينية، ومن المحتمل أن يكون بينهم جماعة من المبشرين، فقد كان المبشرون يطوفون أنحاء الجزيرة العربية للدعوة إلى النصرانية، وقد شجعت حكومة الروم هذا التبشير لمآرب سياسية بعيدة الأهداف، فقد كانت تبغي من وراء ذلك كسب العرب إلى صفها ومحاربة أعدائها الفرس بسلاح الدين. وتشير كتب السيرة إلى أن

стр. 225

شماسًا زار مكة في الجاهلية١، وكان يعيش في مَرّ الظهران راهب مسيحي٢. كما كان في مكة نساء نصرانيات تزوجهن أهل مكة٣. وتلهم الآيات القرآنية أن النبي ﷺ قد اتصل بهؤلاء النصارى ودعاهم إلى التصديق برسالته٤، وأن منهم من كان ذا سعة في المال يمكنه أن ينفق في عمل الخير٥، وأن منهم من كان قوي الشخصية والنفس بحيث لا يبالي بلوم المشركين٦، وعلى ذلك فهم ليسوا بأرقاء، وأن منهم من كان متميزًا في ثقافته الدينية، بحيث كان أهلًا للرجوع إليه والاستشهاد به في أمر الرسالة المحمدية٧، وهذا الفريق لم يكن نكرة في أوساط مكة بل كان موضع ثقة ومرجع استفتاء في أمور الدين والدنيا، وأن منهم من كان مجادلًا حجاجًا بل متطرفًا في جداله. ولكنهم بوجه عام كانوا رقيقي العاطفة دمثي الأخلاق، جريئين في إظهار الحق، لا يبالون أهل مكة وزعماءها الأقوياء. وليس في الإمكان تحديد الزمن الذي نزح فيه هؤلاء إلى مكة واستقروا فيها، ولكن آية النحل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل] تلهم أن بعض هؤلاء كانوا حديثي عهد بمكة، ومن المحتمل أنهم جاءوا قبيل البعثة، فكانوا لا يزالون يتكلمون لغة عربية سقيمة، أو لا تزال لغتهم الأجنبية مستعملة عندهم. وقد كان أثر النصرانية في مكة

стр. 226

أكثر من أثر اليهودية؛ فإن بعض رجال مكة الذين تبرموا بالوثنية وخرجوا عليها تنصروا، أمثال ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث١.

стр. 227

ب- اليهود: وفي السور المكية كذلك آيات كثيرة تتحدث عن موسى وفرعون وأحداث بني إسرائيل، مما يدل على أن رسالة موسى كانت موضع جدل كبير بين مشركي مكة والنبي ﷺ وفي الحفاوة البالغة بهذا ما يدل على وجود صلات قوية بين اليهود وبين المكيين، وكذلك تدل الآيات على وجود إسرائيليين في مكة، وآية الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف] ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء] . تقطعان بذلك إذ إن الأولى تحتوي شهادة واقعية من أحد بني إسرائيل بصحة ما يوحى إلى النبي ﷺ وإيمانه به، كما تقطع الثانية بأن علماء بني إسرائيل يقرون بأن ما جاء به مماثل لما يعلمون. وقد ذكرت كتب السير والتراجم صلة بعض اليهود بالمكيين ومحالفتهم لهم وإقامتهم بمكة للاتجار١. إلا أنه من الراجح أنه لم تكن في مكة جالية يهودية كبيرة؛ حيث لم يذكر القرآن المكي احتكاكًا ولجاجًا بينهم وبين النبي ﷺ كما حدث في يثرب، ومن المحتمل أن المستقرين منهم بمكة كانوا أفرادًا قلائل. ومع وجود عدد كبير من الأجانب في مكة إلا أنهم لم يكونوا يؤلفون كيانًا مكتملًا ذا أثر إيجابي واسع في مكة، والراجح أن عدد الأحرار منهم لم يكن يتجاوز المئات القليلة، وأن تنوع جنسياتهم وحالتهم وظروف هجراتهم وحداثة بعضها لم تكن تساعد على تكوين هذا الكيان المكتمل٢، بدليل أنه لم يكن لهم أثر في حياة مكة السياسية كما كان شأن الإسرائيليين في يثرب.

стр. 228

استعداد العرب للنقلة مدخل ... الفصل الثامن: استعداد العرب للنقلة في نهاية القرن السادس الميلادي كانت مكة تتمتع بمركز رياسي في جزيرة العرب لا شك فيه، فقد كانت هي البلد العربي الوحيد الذي حظي بنوع من الاستقرار والتنظيم، والذي كان يتمتع باستقلاله فلم يخضع لحاكم أجنبي قط، في الوقت الذي كانت الممالك العربية الأخرى قد تدهورت ووقعت تحت الاحتلال أو النفوذ الأجنبي؛ فاليمن فقدت استقلالها منذ نهاية الربع الأول من القرن السادس وسقطت تحت حكم الأحباش ثم حكم الفرس١، وعمها الاضطراب الداخلي، وبذلك فقدت منزلتها، كما فقدت قدرتها على التحكم في التجارة بين الشرق والغرب التي كانت في أيديها منذ آماد بعيدة. وكذلك كانت مملكة الحيرة قد فقدت استقلالها بعد أن غيرت فارس سياستها نحوها بعد أن استنفدت كل طاقتها الحيوية، وجعلت منها إمارة فارسية يحكمها أمير فارسي٢. ومملكة الغسانسة؛ فقدت قوتها كذلك بعد أن غير الروم سياستهم نحوها فاضطربت أحوالها وذهبت وأصبحت في شبه فوضى٣. وقد وافق هذا الوقت بدء نهضة عربية بين قبائل الشمال التي بدأت تتحرر من نفوذ الجنوب، وبدأت تأخذ بيدها أمام حركة التحرر الجديدة التي بدت تباشيرها بالشعور بالذات والإحساس بالقومية العربية التي عبرت عن نفسها في نهاية القرن السادس حين اشتبك العرب مع الفرس في معركة ذي قار وانتصروا عليهم، وحين تمرد الغساسنة على طغيان الروم، وثار اليمنيون على سلطان الأحباش. وإذا كان العرب قد تمردوا على السيادة الأجنبية؛ فإنهم قد تطلعوا إلى منطقة عربية مستقلة تتولى زعامة هذه النهضة العربية وتقودها. ولم تكن هذه المنطقة سوى مكة التي كانت تتمتع باستقلالها والتي فشل الغزو الأجنبي أمام أبوابها؛ حين وجهت الحبشة إليها حملتها في سنة ٥٧٠م. وكانت مكة هي البيئة العربية الخالصة التي

стр. 229

أتيحت لها فرصة التنظيم والاستقرار والتي كانت بعيدة عن مجال التصارع الدولي في ذلك الوقت، وكانت إلى ذلك بعيدة عن التأثر بالحضارات الأجنبية من غير أن تفقد الاتصال بها، فقد كانت مكة على صلة بدول ذلك الزمان من بيزنطيين وفرس وأحباش، وكانت تعرف من أمورها وحضارتها قدرًا يكفي للتعامل معها والاستفادة منها١، ولكنها كانت أبعد عن التأثر بالحضارات المجاورة من لخم وغسان واليمن، وهذه الميزة هي التي جعلت بيئة مكة عربية خالصة قادرة على خلق نهضة تعبر عن روح العروبة تعبيرًا دقيقًا قادرًا على جمع العرب، ولسنا نشترط في هذه البيئة الخالقة أن تكون مغلقة تمامًا أمام كل تأثير أجنبي, مثل هذا الانغلاق لا يتأتى للدول المجاورة للعالم المتحضر، فمكة كانت على اتصال بالبلاد المجاورة بحكم حياتها الاقتصادية, إلا أنهالم تكن تعرف هذه البلاد المعرفة التي تفقدها شخصيتها أو التي لا تترك لها إلا مجال التقليد، وهذا الاتصال المحدود بالعالم الخارجي ميزة جعلت البيئة الحجازية قادرة على الأصالة والحيوية, الأمر الذي لم يكن موجودًا في غيرها من أرجاء الجزيرة العربية؛ ولذلك كانت أصلح بيئة للنهضة بالعرب، وأصلح وسط يستطيع أن يخرج للناس نهضة جديدة ونظامًا جديدًا. وكذلك وجود البيت الحرام في مكة، وقيام قريش على رعايته وتنظيم الحج إليه، وإقامة الأسواق العامة في موسمه وأسواقه كان فرصة لتجمع العرب في بقعة واحدة يزاولون فيها مختلف النشاط الديني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وكان فرصة لتبلور الأفكار وحل المشاكل، ومظهرًا من مظاهر الإحساس بالقومية والترابط. وكذلك أتاحت الظروف الداخلية والخارجية لقريش أن تجمع في يدها التجارة الخارجية، وتقوم على تنظيمها وإعداد القوافل لنقلها بين الجنوب والشمال, مستغلة فرصة التصارع الدولي وانشغال الفرس والروم بذلك الصراع الدموي بينهما، وكذلك مستغلة المركز الأدبي والديني الذي حظيت به بين القبائل العربية؛ الأمر الذي أعانها على القيام على أمر هذه التجارة والنجاح في ذلك، مما أكسب القرشيين ثروة كبيرة، فأصبحوا يتميزون بالثروة إلى جانب الميزة الدينية والأدبية، وبذلك حظيت مكة باحترام عربي عام، وحظيت قريش برياسة عامة بين القبائل العربية، وأصبحت في

стр. 230

موقف الزعامة والتشريع لهذه القبائل. وهكذا أصبحت أهلًا لأن تكون موضع النواة في قيام نهضة قومية عربية. واطمأنت قريش إلى هذا المركز وعملت على تدعيمه وحرصت على دوامه. لكن مكة -بالوضع الذي كانت عليه قبل ظهور الإسلام- لم تكن تملك إلا أن تبلور الثقافة العربية الجاهلية وتبرزها, على حين كان الروح العربي يتطلع إلى مثل جديدة تساير نهضته الجديدة وتدعمها غير المثل القديمة التي بدءوا يبرمون بها، والتي بدأ التبرم بها يبدو واضحًا في مكة نفسها. والدليل على أن الجاهليين كانوا يتطلعون إلى نظام جديد، أنهم كانوا -حسب تفكيرهم- يتحدثون عن علامات ونذر تنبئ عن قرب ظهور نبي منهم١. وقد روى القدماء معجزاتٍ ونذرًا قالوا: إنها وقعت قبل ظهور الإسلام إرهاصًا به ومنبئة بقرب ظهوره، وتلك الروايات -إن صحت- كانت دليلًا على أن الجاهليين تطلعوا إلى الإصلاح وإلى ظهور مصلح من بينهم، وكان الإصلاح قديمًا لا يأتي إلا على أيدي الحكماء والأنبياء؛ وهذا التطلع الطبيعي في كل جماعة إحساس ضروري يسبق كل حركة إصلاحية ويمهد لها. وعلى هذا الأساس يمكن أن نقرر أن العرب في الجاهلية أحسوا بضرورة الإصلاح؛ وهذا الإحساس هو الذي هيأهم للانتقال من حال إلى حال. وكانت البيئة مستعدة لقبول النظام الجديد؛ لأنها بيئة لها وحدتها المتميزة من الناحية اللغوية ومن ناحية الجنس؛ فالجاهليون كانوا يفهمون لغة واحدة وإن اختلفت لهجاتهم، بدليل قصائد الشعراء الجاهليين التي كان يفهمها العرب جميعًا في الشمال والجنوب، وأما وحدة الجنس فظاهرة في حفظ العرب لأنسابهم وردها كلها إلى أصل واحد، فهم شعب يتصل أفراده بصلة الدم والقرابة أوثق ما يربط الناس من رباط، فالعرب برغم انقسامهم إلى مجموعات كبيرة -قحطانية ومضرية وربيعية- فإن شعورهم بالوحدة والقرابةلم يضعف، فهم كأبناء الأب الواحد اختلفت بيوتهم، وعلى هذين الأساسين القويين في كيان الأمم -اللغة والجنس- بنى الإسلام حين جاء الوحدة الجديدة. وقد عملت هذه الأسس شيئًا فشيئًا على أن يتم العرب وحدتهم؛ فأحسوا بأن المثل القديمةلم تعد معبرة عن أنفسهم، فأخذوا ينتقدونها, وأخذوا يتحولون عنها وينشدون مثلًا جديدة في النواحي الدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

стр. 231

فأما من الناحية الدينية، فإن العرب كانوا وثنيين، فلما اتصلوا بالأمم ذات الأديان الراقية اكتشفوا ما في الوثنية من عجز عن إشباع الغريزة الدينية في الإنسان. والأديان السماوية قد دخلت جزيرة العرب منذ وقت مبكر، فكانت النصرانية منتشرة في شمال شبه الجزيرة وشمالها الشرقي١، وكذلك كانت منتشرة في اليمن، وكان لها مركز هام في نجران٢ وقد اتسع نطاقها بعد الفتح الحبشي٣. وكانت اليهودية معروفة في القسم الشمالي من الجزيرة؛ فيثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى كانت يهودية، وكانت معروفة كذلك في اليمن، وكانت تصارع المسيحية هناك حتى الفتح الحبشي، وعند ظهور الإسلام كانت توجد في اليمن جالية يهودية كبيرة. وكان من المتوقع لو لم يظهر الإسلام أن يدخل العرب في أحد الدينين، لولا أنهم بدءوا نهضة قومية وكانوا ينظرون في الوثنية نظرة خاصة ويعتبرونها رمزًا لقوميتهم -وقد كان من عادة الأمم في تلك العصور أن تعتبر ملتها أو نحلتها موضع كبريائها ورمزًا لشخصيتها وعنوانًا على ثقافتها- وهم لذلك يريدون ديانة تعبر عن روح العروبة وتكون عنوانًا لها، ومن أجل ذلك بحث عقلاؤهم عن الحنيفية دين إبراهيم الذي كانوا يعدونه أبًا لهم٤. هذا إلى ما لحق الديانات الأخرى من تفرق واختلاف بين طوائفها، ولا بد أن العرب كانوا على صلة بأهل هذه الديانات وعلى معرفة بالخلاف بين طوائفها؛ الأمر الذي جعلهم يتندرون بأصحابها وينعون عليهم اختلافهم، ويتطلعون إلى ظهور نبي منهم، ويقسمون أنهم لو جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم٥. وقد ظهرت حركة التحنف قبل الإسلام مباشرة٦, فكانت رمزًا إلى أن الروح العربي كان يتلمس يومئذٍ دينًا آخر غير الوثنية، والإسلام حين جاء كان معبرًا عن شعور

стр. 232

العرب بالوحدة, ومعبرًا عن ميلهم الروحي. وكان دليلًا على نضوج ديني فلسفي استعد له العرب في القرون المتطاولة السابقة. وأما من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فإننا نجد الحجاز قبيل الإسلام يقوم بالتجارة التي كانت تقوم بها اليمن قديمًا، وأصبح الطريق المار بالحجاز هو الطريق البري الهام المأمون في ذلك الوقت. وقامت قريش على تنظيم القوافل بين الشمال والجنوب, واستطاع رجالها أن يكونوا شبكة تجارية تربط جميع قبائل الحجاز بهذه التجارة فجعلوا من الحجاز -بذلك- وحدة اقتصادية متماسكة، وحققوا من وراء ذلك ثروة لا بأس بها، والغنى شرط من شروط النهضات؛ لأن الجماعة لا تنهض إلا إذا كانت قوية سليمة، ومن مقومات السلامة الناحية الاقتصادية, فهذا الثراء كان طرفًا مناسبًا للنهضة العربية. غير أن الثروةلم تكن موزعة توزيعًا عادلًا، فقد كانت الهوة بين الأغنياء والفقراء كبيرة من الناحية الاقتصادية، إذ كان يوجد من يملك الألوف المؤلفة من الدنانير، أو الألوف من الإبل، ومن لا يملك شيئًا على الإطلاق، وبينما يعيش الأغنياء في ترف، كان الفقراء لا يجدون ما يسد حاجتهم الضرورية للحياة، ولم يخفف من هذه الحدة ما كان يفيضه الأغنياء من كرم وسخاء، فإن المروءة وحدها لا تكفي لإيجاد التكافل الاجتماعي وإن كانت تعين عليه، بل قد يزيد ذلك من شدة الشعور بالغبن في مثل هذه البيئة التي كان التعطش فيها شديدًا إلى بعد الصيت والنفور من الضعة، ثم إن التجارة وما كان يصحبها في ذلك الوقت من ضروب الغش والمضاربة والاستغلال والربا، كانت في حاجة إلى تنظيم يحد من جشع التجار، ويقرب بين الطبقات ويوجد التكافل الاجتماعي. ولقد كان التفاوت الطبقي موجودًا, على الرغم من الإحساس بالقرابة ووجود علاقات الحلف والولاء، وعلى الرغم من الإحساس النفسي العام بعدم المساواة، متمثلًا في الفروق الواضحة بين طبقة الصرحاء وطبقة الموالي، ومتمثلًا فيما كانت تكفله الثروة وشرف البيت لصاحبها من تأهيل للدخول في مراكز القيادة والزعامة, ولسنا نعني في هذه الناحية وجود نظام مقرر لتقسيم الطبقات من حيث الثروة كما كان

стр. 233

الحال عند الرومان ١؛ وإنما نعني أنه كان هناك شيء معترف به ومؤثر تقليدي من تمايز الناس بعضهم عن بضع, ووجود طبقات عليا وطبقات سفلى، وطبقات أشراف وطبقات سوقة وعوام. والآيتان من سورة الزخرف ٣١- ٣٢ اللتان نزلتا في صدد استنكار نزول القرآن على محمد الذي كان فقيرًا على الرغم من علو مركزه من ناحية النسب وعدم نزوله على رجل آخر عظيم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّّا﴾ [الزخرف] تساعدان على هذا الفهم، كما أن الآيات الأخرى تسنده وتؤيده٢. وآية سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات] إنما نزلت لتعلن للناس أنهم سواء في أصل الخلق وفي حق الحياة والاستمتاع بالحرية فيها، وأن أكرم الناس المتقون الذين يؤدون واجباتهم الدينية والدنيوية مستشعرين عظمة الله؛ وليسوا هم الكبراء والعظماء وأبناء البيوت الشريفة وأصحاب الثروات الطائلة، بسبب هذا التقليد الطبقي الذي درجوا عليه والذي جاءت الآية لهدمه, وإقرار المساواة بين الناس. وطبيعي أنه لا يمكن أن يقال: إنها استهدفت هدم التفاوت العام الذي كان ولا يزال من سنن الاجتماع البشري، والذي يتمثل في فقر فريق وغنى فريق، وقوة فريق وضعف آخر.

стр. 234

وكان العرب يتطلعون إلى مثل جديدة في الأخلاق والاجتماع تساير الطبع العربي بما يحمل في طياته من نواة العدالة الاجتماعية، بما فيه من مروءة وكرم، وإحساس المساواة للفرد وللجماعة، وكانت المثل الجاهلية بما صارت إليه من عصبية ضيقة ومن حمية غير قادرة على إخراج هذه المثل الجديدة التي يتطلعون إليها. وكانوا يتطلبون من القبيلة صاحبة السيادة في ذلك الوقت أن تقودهم إلى هذه المثل الجديدة؛ لكن قريشًا -مع اكتمال الوضع لها- حولت اهتمامها إلى مصالحها الذاتية سواء في ناحية التشريع للحج، وهو المظهر الديني للعرب في ذلك الوقت أو في التشريع الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت تقوم عليه. ومن ثم كانت هي في ذاتها في حاجة إلى إصلاح داخلي حتى يمكن أن تقود حركة الإصلاح التي يتطلبها المجتمع العربي في ذلك الوقت. أما من الناحية السياسية؛ فإن العرب برغم انقسامهم إلى مضريين وربعيين ويمانيين, كانوا يحسون أنهم شعب واحد وأنهم يرتفعون جميعًا إلى أب واحد، وهم لم يعودوا يتمسكون باستقلالهم القبلي تمسكًا مطلقًا, فالربعيون يتعصب بعضهم لبعض, وكذلك المضريون واليمنيون، وقد يتحالف فريق منهم مع فريق آخر، وهذا التحالف الذي اشتدت حركته في النصف الثاني من القرن السادس بين القبائل نوع من التعبير عن إحساس القبيلة بأنها لا تستطيع أن تعيش في مجالها الضيق، وأنها محتاجة إلى غيرها من القبائل تتحالف معها وتؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها. وكذلك سئم العرب الحروب القبلية فسنوا الأشهر الحرم ومنعوا فيها القتال، وجعلوا الكعبة ملجأ للخائف والعائذ. كل هذا يدل على أن العرب كانوا يحسون بأن انقسامهم السياسي والاجتماعي لا يتناسب مع حالهم الجديد ولا مع طريقة تفكيرهم وكذلك كانوا يحسون بأن عدم وجود دولة تجمعهم أمر فيه ذلة وعار على الشعب العربي, فكانوا لذلك يجدون أنفسهم ضئالًا إلى جانب دولتي الفرس والروم الذين أطلقوا عليهما اسم الأسدين. في هذه الظروف المواتية من الناحية الدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ظهرت النهضة العربية، وكانت دينية، والدين كان عاملًا هامًّا من عوامل التطوير والتقدم في العصور القديمة، ولم يتنازل الدين بعض الشيء عن هذه الناحية إلا بانتشار العلوم ووجود العوامل التي تنافس في القيام بهذا الدور في العصر الحديث.

стр. 235

ظهور المصلح النبي في بداية القرن السابع الميلادي كانت بلاد العرب مستعدة لتلقي أكبر انقلاب في تاريخها, بل إنه حين حدث كان أعظم انقلاب في التاريخ الإنساني العام، بما ترتب عليه من تغيير شامل في النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية على السواء، وقد كانت الظروف مواتية لهذا الانقلاب تمام المواتاة. فمنذ منتصف القرن السادس كان قد أخذ يمحى ما بين أقوام العرب من خصام؛ وما بين قبائلهم من تنافس، تجاه الخطر الذي كان يتهددهم في الداخل والخارج: فأما في الداخل فإن الصراع القبلي كان ينهك قوى القبائل ويقضي على أمنها, الأمر الذي حمل الزعماء وأصحاب النفوذ فيهم على العمل للحد من هذا التنازع؛ فكانت سنة الأشهر الحرم لتقليل فرص القتال -كما بينا من قبل- وما استتبع ذلك من تجمعات في الأسواق العامة وفي موسم الحج، مما أدى إلى حل كثير من المشاكل، وإلى تقريب النفوس وقيام التحالفات بين القبائل وأما في الخارج؛ فإن العرب كانوا يشعرون بضرورة الاتحاد، لما رأوا من تهديد الروم في الشمال، وتهديد الفرس في الشرق، وتهديد الأحباش في الجنوب، وكان من نتيجة الحوادث الأخيرة -التي أشرنا إليها- وهي زوال ملك الحيرة واضطراب أحوال الغساسنة وضياع استقلال اليمن، أن أخذت المبادئ القومية تنمو في نفوس العرب إلى حد كبير, وكان على زعمائهم أن ينظموا عناصر المقاومة تجاه هذا الضغط المضاعف، وقد نلمس هذه المقاومة في وقوف القبائل العربية المختلفة في وجه الحملة الحبشية على مكة، وقد يكون هذا عملًا تلقائيًّا، ولكنه يدل على الشعور بالارتباط العام بالإحساس بالمصير المشترك. وحين استطاع الحجاز أن يحبط الحملة الحبشية, كان أكبر قدوة, فاستردت مكة زعامتها التي أريد نزعها منها، وعلت منزلة قريش الأدبية علوًّا كبيرًا واتجهت إليها الأنظار، وعملت هي من جانبها على تدعيم هذا المركز وعلى ربط جميع القبائل حوله. ولم يكن ذهاب عبد المطلب بن هاشم على

стр. 236

ظهور المصلح النبي في بداية القرن السابع الميلادي كانت بلاد العرب مستعدة لتلقي أكبر انقلاب في تاريخها, بل إنه حين حدث كان أعظم انقلاب في التاريخ الإنساني العام، بما ترتب عليه من تغيير شامل في النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية على السواء، وقد كانت الظروف مواتية لهذا الانقلاب تمام المواتاة. فمنذ منتصف القرن السادس كان قد أخذ يمحى ما بين أقوام العرب من خصام؛ وما بين قبائلهم من تنافس، تجاه الخطر الذي كان يتهددهم في الداخل والخارج: فأما في الداخل فإن الصراع القبلي كان ينهك قوى القبائل ويقضي على أمنها, الأمر الذي حمل الزعماء وأصحاب النفوذ فيهم على العمل للحد من هذا التنازع؛ فكانت سنة الأشهر الحرم لتقليل فرص القتال -كما بينا من قبل- وما استتبع ذلك من تجمعات في الأسواق العامة وفي موسم الحج، مما أدى إلى حل كثير من المشاكل، وإلى تقريب النفوس وقيام التحالفات بين القبائل وأما في الخارج؛ فإن العرب كانوا يشعرون بضرورة الاتحاد، لما رأوا من تهديد الروم في الشمال، وتهديد الفرس في الشرق، وتهديد الأحباش في الجنوب، وكان من نتيجة الحوادث الأخيرة -التي أشرنا إليها- وهي زوال ملك الحيرة واضطراب أحوال الغساسنة وضياع استقلال اليمن، أن أخذت المبادئ القومية تنمو في نفوس العرب إلى حد كبير, وكان على زعمائهم أن ينظموا عناصر المقاومة تجاه هذا الضغط المضاعف، وقد نلمس هذه المقاومة في وقوف القبائل العربية المختلفة في وجه الحملة الحبشية على مكة، وقد يكون هذا عملًا تلقائيًّا، ولكنه يدل على الشعور بالارتباط العام بالإحساس بالمصير المشترك. وحين استطاع الحجاز أن يحبط الحملة الحبشية, كان أكبر قدوة, فاستردت مكة زعامتها التي أريد نزعها منها، وعلت منزلة قريش الأدبية علوًّا كبيرًا واتجهت إليها الأنظار، وعملت هي من جانبها على تدعيم هذا المركز وعلى ربط جميع القبائل حوله. ولم يكن ذهاب عبد المطلب بن هاشم على

стр. 237

مكة ومن قريش ظهر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم نبيًّا يدعو إلى رسالة جديدة، جوهرها الإقرار بالألوهية لإله واحد، هو الله الخالق المبدع الذي تنزه عن المشاركة والمصاحبة وتفرد بالربوبية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] ونبذ ما عدا ذلك من أصنام وأوثان وكل ما يلقي ظلًّا من المشاركة مع الله. وأن الناس كلهم أبناء أب واحد وأم واحدة، لا فضل بينهم إلا بما يقدم أحدهم من عمل صالح يرضي الله ويعود على الإنسانية بالخير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات] فالناس جميعًا سواء أمام الله مهما اختلفت أجناسهم أو لغاتهم أو مراكزهم الاجتماعية، ويجب لذلك أن يتساووا في الحقوق والواجبات بصفتهم إخوة في الإنسانية، وبصفتهم جميعًا عبادًا لرب واحد, وأن النبي ﷺ جاء ليقر العدالة ويقر مكارم الأخلاق. ومحمد إذ بُعث نبيًّا؛ كانت له صفاته الشخصية التي هيأته للاضطلاع بدور الزعيم النبي ﷺ . وإذا قرأنا كتب السيرة القديمة، وجدنا هذه المصادر تقدم لهذا الدور بنوع من التفسير لعبقرية النبي ﷺ فهم يوردون أخبارًا تدل على اكتسابه نوعًا من الخبرة الني يكتسبها كل إنسان من تجاربه, ثم يوردون أخبارًا أخرى تدل على أن النبي نال من العناية الإلهية والفضل الرباني والعلم اللدني الذي يلقيه الله في نفس العبد بدون واسطة، وأن هذه النفحات الإلهية أتمت للنبي ﷺ شخصيته وأكملت تجاربه. يذكر المؤرخون أن النبي ﷺ شارك في الحياة العامة في مكة منذ طفولته مشاركة كان لها أثر كبير في حياته, فقد شارك في الحياة السياسية في المدينة المكية، فقد اشترك في حلف الفضول، وكان هدف هذا الحلف هدفًا ساميًا لم تألفه القبائل المعتزة بعصبيتها، هذا الهدف هو نصرة المظلوم بصرف النظر عن قرابته وقبيلته١. ومن قبل كان قد اشترك إلى جانب أعمامه من هاشم وقريش في حرب الفجار، وهي حرب وقعت في الأشهر الحرم فسميت بالفجار٢، فاكتسب إلى جانب خبرته السياسية خبرة حربية، ثم إنه اشترك في تنظيم القوافل التي كانت تسيرها قريش إلى الشام، فسافر مع

стр. 238

عمه وهو صبي١، وسافر في تجارة لخديجة وهو شاب٢، كما مارس التجارة في مالها بعد أن تزوجها؛ فاكتسب خبرة بالمعاملات التجارية ومعرفة بطبيعة الإنسان يقدر بها على تقدير قيمة الرجل الأدبية من فور. كما اكتسب خبرة بالبلاد وأحوال الناس، ثم إنه كان قد اشتغل بالرعي حين كان صبيًّا، فأكسبه ذلك صفة خلقية هي التواضع وتمجيد العمل أيًّا كان نوعه٣. ثم إنه اشتهر بصفة خلقية هي الأمانة حتى سمي بين الناس قبل البعث بالأمين٤, فكان له إلى جانب تجاربه، أخلاقه المرتضاة التي كانت تحببه إلى الناس قبل أن يعارض آراءهم. وثمة صفة أخرى اشتهر بها هي صفة القدرة على الحكم وسرعة البديهة في حسم الأمور، يشهد بذلك حكمه بين أهل مكة حين جددت قريش بناء الكعبة, واختلفت بطونها على من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه من البناء، فأظهر من سرعة الخاطر وقوة البديهة ما حسم الموقف وأرضى المتنازعين, كما كشف هذا الموقف عن قيمة محمد ﷺ في الحياة الاجتماعية في مكة بحيث ارتضاه رجال الملأ حكمًا ورضوا بحكمه٥. ثم إنه كان إلى هذا كله يتيمًا فقيرًا ذا طبيعة دينية على ما يمكن أن نستنتج من ميله إلى التحنث -وهو التفكير والتأمل والتعبد- معتزلًا بكهف بالجبل شهرًا من كل عام ٦؛ فالنبي ﷺ رجل اكتسب صفات على نحو ما يكتسبه الناس، وتلقى من الله توفيقات وإلهامات. فهو بشر ارتفع بنفسه على نحو ما يرتفع كبار الفلاسفة بأنفسهم عن مستوى تفكير عامة الناس، إلا أن النبي يرتفع بعقله وقلبه في آن واحد, على حين يرتفع الفيلسوف بعقله فقط. ثم إن النبي ﷺ وجد بعد زواجه من خديجة بنت خويلد -وهي إحدى النساء الغنيات الشريفات في مكة ٧- نوعًا من الراحة النفسية التي يجدها المرء إذا وفق إلى

стр. 239

شريكة توافق ميوله. وقد كان هذا الزواج من العوامل التي جعلته يتخفف من بعض أعباء الحياة ومن بعض عناء السعي؛ فخديجة الغنية بمالها، والتي كانت امرأة نَصَفة قد فارقت عهد الشباب الأول، وكانت لها تجربة إدارة أموالها، كانت أقدر على حياة زوجية هادئة رصينة، هيأت لمحمد ﷺ أن يتخفف من أعباء الحياة لأفكاره الذاتية، ولحياته الداخلية القوية التي تشغل عزلته كلما أمعن في العزلة -والعزلة لا يطيقها إلا الذين حفلت نفوسهم بالأفكار الذاتية- ثم من ناحية أخرى تتصل بهذا، يشهد بها بعض الرواة نقلًا عن زوجته عائشة، وهي أن أول ما بدئ به النبي ﷺ أنه كان يرى الرؤية واضحة كبلج الصبح١. ومعنى هذا أن حياته الداخلية كانت امتدادًا لحياته الخارجية؛ فهو في يقظته وفي نومه يجد نفسه مشغولًا بأمر واحد، وهو أمر الدين الذي يتهيأ لقبوله وتلقيه، والإنذار به والدعوة إليه.

стр. 240

المفاهيم الجديدة في الدعوة: بدأت الدعوة إلى الإسلام ذات صفة دينية في الدور المكي من حياة الرسول ﷺ أما الصفة السياسية فلم تظهر إلا في الدور المدني. وهذا أمر طبيعي؛ إذ إنه لا بد من أن يبدأ بتقرير العقيدة ثم بث المثل العليا في النفوس، حتى إذا ما تهيأت لذلك أمكن تنظيم المجتمع على هذا الأساس. وقدمت هذه الدعوة للعرب مفاهيم جديدةلم يكونوا يعرفونها أولم يكونوا يؤمنون بها. وأول هذه المفاهيم هو المفهوم الجديد للوحدانية. وهذه الوحدانية تظهر للإنسان بالنظر العقلي في إثبات وجود الله ووحدانيته؛ ففي نظام الخلق، وترابط الوجود، وقوانين الطبيعة، وما يقوم على الأرض من إنسان وحيوان ونبات، وفي ذات الإنسان نفسه؛ في خلقه وفي عقله ووجدانه, ما يؤدي بالعاقل المتبصر المتفكر إلى إقرار وجود الله وإقرار وحدانيته، والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تدعو العقل إلى النظر والتدبر ليصل إلى هذه النتيجة١. ومفهوم الوحدانية كما جاء بها الإسلام مفهوم جديد، لا على العرب وحدهم، ولكن على الناس جميعًا. حقيقة إن الأديان السماوية كلها قد دعت إلى الوحدانية،

стр. 241

ولا يمكن أن تكون قد جاءت بغير ذلك؛ إلا أن هذه الفكرة ما لبثت أن تغيرت وشابتها كثير من الشوائب غيرت من صفائها ووضوحها. بما أدخل على ديانات الرسل ودعواتهم من شوائب الوثنية التي كانت تقوم إلى جوارها، والتي كثيرًا ما كانت القوة المادية والسياسية إلى جانبها. فقد كان اليهود دعاة توحيد، لكن هذا التوحيد اليهودي لم يكن توحيدًا مطلقًا فالله عند اليهود هو إله إسرائيل اختارهم لنفسه واختاروه لأنفسهم دون الآلهة الأخرى، فربطوا بذلك ديانة موسى بجنسهم، وهم حين عبدوا إلهًا واحدًا اعترفوا للأمم الأخرى بآلهتها١. وهذا ما لا يقره الإسلام إطلاقًا؛ فالوحدانية الإسلامية وحدانية كاملة مطلقة ليس للوجود جميعًا غير رب واحد، وكل ما يلقي ظلًّا على هذه الناحية غير معترف به من الإسلام. أما المسيحية فإنها تنادي بالتثليث، أي أنها تجعل الإله الواحد ثلاثة أقانيم متساوية في وحدة هي الآب والابن والروح القدس، وهي تؤله المسيح نفسه ٢. والإسلام لا يقر إلا وحدانية مطلقة، وذات الله لا تتعدد ولا تنفصل ولا تشبه الخلق، ولا يشاركه في ملكه أحد ولا يساويه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] . وقد توصل بعض الفلاسفة إلى فكرة الوحدانية، ولكن هذه الفكرة لم تكن واضحة التحديد، ثم إنها لم تجد اعترافًا من العقل الإنساني العام، ومن ثم بقيت فكرة فلسفية وعاش الناس من حولها يحيون حياتهم الدينية الوثنية. والديانات القديمة نادى بعضها بالوحدانية كديانة أخناتون في مصر، ولكن وحدانية أخناتون كانت مشوبة بالوثنية مصورة بمظاهر الطبيعة ٣. ولذلك يمكن القول بأن الوحدانية كما جاء بها الإسلام كانت جديدة كل الجدة على العرب، وهي بمفهومها الإسلامي جديدة كذلك على العالم، ولأول مرة في حياة البشرية تقوم هذه الفكرة وتستقر وتصبح عقيدة عامة ثابتة.

стр. 242

والمفهوم الثاني هو الخاص بفكرة الحساب وما يتصل بالحساب من معانٍ، فالله يعلم الجهر وما يخفى، والإنسان رهين بما كسب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ [المدثر] ١ فإذا جاءت القيامة حوسب المرء على عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُم، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة] . ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء] . ثم إن الله حين وضع الحساب فرض على نفسه هداية الناس: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء] ٢ فأرسل إليهم الرسل رسولًا إثر رسول؛ لأن الله لم يكن ليخلق الناس ويتركهم سدى بدون هداية. ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة] . وهذا الحساب يكون في يوم القيامة بعد البعث، وقد أنكر الجاهليون البعث كما أنكروا الحساب: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون] ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد] ، ويتساءلون في إنكار: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة﴾ [القيامة] . والمهم في فكرة الحساب أنها تجعل المرء من نفسه وازعًا يزعه فيتجه به إلى الخير ما أمكن؛ ففكرة الحساب أساس الأخلاق، وفكرة الحساب معروفة في الأديان الأخرى وحتى في بعض الأديان الوثنية كالديانة المصرية القديمة. ولكن مفهوم البعث والحساب لم يكن معروفًا بالصور التي أقرها الإسلام؛ فكل ما عرف من قبل أنه يوجد بعد الحياة الدنيا حياة أخرى يلقى فيها المرء خيرًا أو شرًّا، وقد لا يجديه العمل الصالح بغير شفاعة الشافعين ووساطة الوسطاء ورضاء الكهنوت. ولكن الإسلام قرر أن الحياة أطوار, من لدن أن يكون الإنسان ماءً دافقًا يخرج من بين الصلب والترائب، إلى أن يكون جنينًا، ثم وليدًا, ثم يجري في طور الحياة الظاهرة إلى أن يموت, فيحيا حياة الروح، ثم يبعث يوم القيامة وقد اكتملت فيه أطوار الحياة فيبعث بجسمه وروحه كما كان خلقه ثم ينال جزاءه حسب عمله. وعمله مسجل عليه في ظاهره وفي باطنه؛ فالإنسان محاسب على الأعمال وما وراء الأعمال من نية وقصد: "إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى". وكل ذلك مجموع له لا تشفع فيه شفاعة الشافعين، ولا

стр. 243

تقوم بين الإنسان وبين الله وساطة، ولا يؤخذ المرء بعمل غيره: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه﴾ [الانفطار] ﴿يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان] . والعدل المطلق هو الذي يحكم, وإلى جانب العدل كانت الرحمة. وأول ما يحاسب عليه الإنسان هو العقيدة؛ فالإيمان بالله أولًا، فإذا وجد جرى الحساب على الأعمال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء] ، وإن لم يوجد فإن الإنسان هالك في النار خالد فيها. وقد صور القرآن الحياة الأخرى تصويرًا ماديًّا واضحًا، فالمؤمنون المتقون يحيون في جنة حوت كل أنواع النعيم، والصورة التي رسمها القرآن للجنة صورة أخاذة رائعة تأخذ بمجامع النفوس وتغري بعمل الخير والسعي نحو الفضيلة. أما الكافرون فمصيرهم إلى نار حامية يلقون فيه ألوانًا من العذاب تقشعر لوصفه الأبدان وتهلع القلوب. وعلى غير هذا المفهوم كانت الديانة اليهودية، فإنها لا تميل إلى تصور العالم الآخر، بل عندهم الجزاء ثوابًا وعقابًا، في هذا العالم، وفيما كانوا يخافونه مما قد يسلطه الله عليهم من أنواع الخوف والجوع وما إلى ذلك من عذاب الدنيا. وفيما أورد القرآن من قصص العهد القديم أمثلة لنزعة الحضارة العبرية نحو مفهومات الجزاء الغيبي، من حيث ارتباطه بمصير المجتمع في حياته الحاضرة، ومن الممكن أن نتبين هذا إذا نظرنا مثلًا في قصة نوح أو قصة لوط وفي غيرها من قصص بني إسرائيل؛ فلم يكن تفكيرهم في اتجاهه العام يهتم بخلود الروح بعد الموت؛ وإنما كان تفكيرهم وثيق الصلة بهذه الحياة لا يكاد يحفل بما وراءها من ظواهر. والأديان الأخرى -إذ كانت تعد الموت انحلالًا جسميًّا خالصًا فكانت تفترض البعث للروح وحدها- لم تقل بأي شأن للحواس في الحياة الآخرة١. وغير هذا أمر الإسلام الذي يقول ببعث الإنسان بعنصريه من كل وجه، وهو إذ يصور نعيم الجنة نعيمًا ماديًّا يجعل أعلى درجات النعيم روحانيًّا؛ فأكرم المؤمنين عند الله من يمتعه الله بالنظر إلى وجهه تعالى غدوًّا وعشيًّا.

стр. 244

والمفهوم الثالث هو ما يختص بفكرة الكتاب المنزل، فالذي يوحى إلى النبي ﷺ كتاب منزل من عند الله وليس من قول البشر: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج] يتكفل الله ببقائه وصيانته وعدم نسيانه، وهو من كلام الله بحروفه ومعناه. لا يزيد النبي ﷺ فيه شيئًا ولا ينقص، فهو كلام مقدس بنطقه ومعناه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة] والنبي ﷺ لا يستطيع أن يتقول على الله شيئًا، وإلا نال من ربه عقابًا شديدًا: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة] . وقد وجدت الكتب السماوية من قبل القرآن، ولكن استقرار أن الكلام بنصه ولفظه من عند الله لم يكن موجودًا في غير القرآن، فالتوراة كتبت من بعد موسى وتضمنت فصولًا كتبت بعد وفاته، كما حوت تاريخًا ونبوءات من قبل موسى ومن بعده، كذلك تعددت ترجمتها والإضافات إليها. والإنجيل كتبه تلاميذ المسيح وضمنوه جملًا من كلام المسيح نفسه، فليس الإنجيل كله كلامًا منزلًا بنصه وحروفه من عند الله١، وحتى كلام المسيح نفسه لا يمكن أن يقال إنه بنصه وحروفه ولكن بمعناه، ولا يخرج الأمر في الإنجيل عن طريق الحديث عند المسلمين؛ ولذلك تعددت كتابة الإنجيل، بل وتعددت الأناجيل لدرجة كبيرة. ولم يجد المسيحيون ولا اليهود حرجًا من ذلك؛ لأن فكرة الكتاب المنسوب بلفظه ومعناه إلى الله لم تكن موجودة من قبل القرآن، وعلى مثل ذلك كانت الحال في الكتب الدينية الأخرى. أما الذي نزل على محمد ﷺ فقد تقيد محمد ﷺ نفسه فيه، بحيث إنه ليس في إمكانه أن يزيد فيه حرفًا أو ينقص حرفًا، وليس في إمكانه أن يأخذ فيه المعنى دون اللفظ، فالله يوحي قوله إلى جبريل، وجبريل يلقيه على محمد ﷺ ومحمد يتلوه على الناس كلامًا مقدسًا كما سمعه. والآيات التي أشرنا إليها آنفًا تقر أن النبي ﷺ ملزم بألا يستعجل فينطق بالوحي قبل أن يستقر بلفظه كما هو مستقر في نفس النبي ﷺ بمعناه، وتشهد بأن النبي ﷺ ليس في إمكانه أن يتقول على الله شيئًا.

стр. 245

وقد كتب القرآن في حياة النبي ﷺ حال نزوله- وكان للنبي ﷺ كتبة مختصون بتسجيل الوحي١- ثم إن النبي ﷺ كان يستعرض القرآن الذي أنزل عليه كل عام مرة٢. وقد نزل القرآن آيات بحسب الحوادث، وكان الوحي يشير إلى النبي ﷺ بوضع كل آية في مكانها من السور، فحتى ترتيب الآيات والسور لم يكن للنبي ﷺ فيه، وإنما هو مكلف بذلك. وعلى هذا الأساس حفظ القرآن الكريم، وعلى هذا الأساس جمع في مصحف واحد هو المتداول في أيدي المسلمين حتى الآن لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف، ولم يدخل أي نوع من التغيير في ترتيب آياته وسوره٣، واستقرت قدسيته على ذلك منذ تلاه محمد ﷺ عن ربه حتى الآن وإلى أن تقوم الساعة. وعلى هذا الأساس نقرر أن مفهوم الكتاب المنزل مفهوم جديد على العالم، وهو بصورة أوضح على العرب؛ فنحن نعرف أن وثنية العرب لم يكن لها كتاب، وهم لم يتقبلوا فكرة الوحي والكتاب المنزل في سهولة، فقال: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء] وقالوا: ﴿افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون﴾ [الفرقان] وقالوا: وقد رد القرآن على ذلك: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل] ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء] وتحدى الناس جميعًا بأن يأتوا بمثله أو بمثل بعضه، ثم دمغهم بالعجز حين أنزل قوله تعالى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء] وهذه الآيات ترينا أن مفهوم الكتاب المنزل كان مفهومًا جديدًا يختلف على صورته التي نعرفها عند الأمم الأخرى، فلم يشهد الناس من قبل تقيدا باللفظ والمعنى كما هو الحال في القرآن، ومن هنا نجد الإنكار والمعارضة، ونجد حتى اليوم من غير المسلمين من يقول بان هذا الكلام من عند محمد، على الأقل بلفظه لأن مفهوم نزول الكتاب بلفظه ومعناه مفهوم جديد لم تعرفه الأمم من قبل الإسلام.

стр. 246

ثم إن النبي ﷺ إلى جانب هذه المفاهيم الجديدة التي جاء بها كان معلمًا للأخلاق، يريد أن يثني الناس عن عاداتهم المرذولة القديمة، ويريد أن يهديهم إلى أخلاق كريمة سميت فيما بعد بالأخلاق الإسلامية. وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا الدور الأخلاقي الذي قام به النبي ﷺ اليتيم. فالناس قد ألهاهم التكاثر، يجمع أحدهم المال ويعده عدًّا، لا يكرمون ولا يحاضون على طعام المسكين، يأكلون التراث أكلًا لمًّا، ويحبون المال حبًّا جمًّا١. فالرسول ﷺ يستنكر هذه المادية التي تقتل الروح وتميت نوازع الخير، ويدعوهم إلى البر والتقوى والإنصات إلى النفس اللوامة. ونستيطع أن نتصور المثل الأعلى الذي دعا إليه النبي ﷺ إذا قرأنا الآيات من صدر سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون] . هذه هي المسائل الرئيسية التي دعا إليها النبي ﷺ الناس، فكانت غريبة عليهم حتى قالوا كما عبر القرآن ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص] ٢. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص] . هذا يؤكد لنا أن هذه الأفكار كانت جديدة غير معروفة في المجتمع العربي، وغير معروفة كذلك في الأديان الأخرى، ومن غير شك كان العرب يخالطون أصحاب الديانات الأخرى، بل منهم من دخل فيها، فمنهم تهود، ومنهم من تنصر، وكان أهل مكة يخالطون أهل الديانات في رحلاتهم التجارية نحو الشمال والجنوب ويتعاملون معهم، ومن غير شك عرف المكيون شيئًا عن مبادئ هذه الديانات٣، بل منهم من قرأ الكتب وعلم أهل الكتاب، فلو كانت هذه الأفكار الإسلامية كما صورناها موجودة عند أهل الكتاب لما قال هؤلاء المكيون مقالتهم التي سجلها القرآن، ولو كانت مقالتهم تخالف الواقع لرد القرآن بتكذيبهم وبتأكيد وجود هذه الأفكار، الأمر الذي يقطع بما نتجه إليه٤.

стр. 247

على أن هذه المثل العليا في الإيمان وفي الأخلاق هي أفكار إنسانية لا تزال الإنسانية تنشدها وتعيش عليها منذ بدء الخليقة، ونعني بها الدعوة إلى الفضيلة والنزوع إلى الكمال الإنساني، ولم تفقد جدتها بعد، ولا يتهم صاحبها بأنه اقتبسها أو قلد بها غيره فهي تراث للإنسانية قديم جدًّا، والقول بهذا الاتهام وقوع في خطأ قديم ابتدأ به الوثنيون حيث قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان] .

стр. 248

الدعوة إلى الإسلام ومسايرة التنظيم العربي كانت الدعوة سرية في أول الأمر، وظلت كذلك ثلاث سنين، ثم أصبحت بعد ذلك علنية، وكانت في أول أمرها مقصورة على عشيرة النبي ﷺ الأقربين١ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ [الشعراء] ثم اتجهت إلى الدعوة العامة. والحقيقة أنه لا يوجد فارق حقيقي بين الدعوة السرية والعلنية، فإن طبائع الأشياء لا تكاد تقبل هذا التصوير، فإن رسالة النبي انتشرت منذ البدء وبلغت أهله الأقربين ثم أصدقاءه، وظل الأصدقاء يكتسبون أصدقاءهم، واتسعت الدائرة شيئًا فشيئًا حتى أصبحت الدعوة عامة علنية. وكانت مهمة النبي ﷺ في مكة هي إبلاغ القرآن وتعليمه وتحفيظه، وإمداد المؤمنين بالصبر والاحتفاظ باليقين والصمود للفتنة٢ والسعي لنشر التعاليم الجديدة في المواسم عند اجتماع الناس، والدعوة لها ٣، والقرآن الكريم الذي نزل على النبي ﷺ في هذه الفترة مليء بالدعوة لهذه المبادئ، متعدد النواحي في تبيانها، داعي العقول إلى التفكير فيها واستنباطها، ضارب الأمثلة لها، محذر من عاقبة جحودها والوقوف في وجهها، في أسلوب رائع أخاذ، يأخذ بمجامع القلوب وينفذ إلى أقصى أغوار النفس. وقد سايرت الرسالة في ظروف الدعوة إليها، ظروف التكوين العربي: فقد أمر النبي ﷺ أن يدعو عشيرته الأقربين؛ لأنهم بحكم عصبية القرابة والرحم سيقفون إلى

стр. 249

جانبه ويؤازرونه ويكونون عونًا له وحماية في وجه العصبيات الأخرى، ثم أمر بعد ذلك أن يدعو مكة ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى] وحين نقول مكة نعني بذلك قبيلة قريش؛ فإنها كانت هي الأصل في أهل مكة ومن معها من الناس موال لها أو أتباع. فالانتقال من عصبية العشيرة إلى عصيبة القبيلة أمر جرى عليه التكوين الاجتماعي عند العرب، ثم أمر أن يدعو من حول مكة من قبائل، أي أن ينتقل إلى عصبية التحالف القبلي وعصبية الشعب، وكان من المنتظر أن تؤمن به العشيرة ثم القبيلة، لكن الذي حدث كان غير ذلك، فإن هذه العصبية الرحمية والقبلية قد وقفت في طريقها عصبية أخرى هي عصبية التقاليد والعادات القديمة، وكان الناس في ذلك الوقت يتعصبون تعصبًا شديدًا لموروث عاداتهم وتقاليد آبائهم، ويرونها دينًا من أمر الله ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف] فكانت هذه العصبية للعادات والتقاليد حائلًا بين الناس وبين متابعة النبي ﷺ وحتى بني هاشم بالرغم من وقوفهم إلى جانب النبي ﷺ وحمايته بدافع عصبية العشيرة لم يؤمنوا به وغلبتهم عصبية التقاليد على أنفسهم. وشيء آخر غير العصبية منع قريشًا من متابعة النبي ﷺ وهو حرصها على منزلتها بين العرب، وكانت تخشى أن تذهب الرسالة الجديدة بمكانتها التي وصلت إليها طريق رياستها للدين الوثني ورعايتها للتقاليد العربية. ثم كان زعماء مكة حريصين على مبدأ التناظر بينهم كزعماء، فقد كان يحكم مكة رؤساء العشائر والبطون ويتكون منهم ما عرف بالملأ وهو مجلس الرياسة في قريش، وكان رجال الملأ حريصين على ألا يسودهم أحد ويرون التكافؤ بينهم، فالصفات العامة في أحدهم من الممكن أن ينالها كلهم، أما أن يكون واحد نبيًّا فهذا أمر ليس بمدرك لعامتهم وعند ذلك تكتب له الزعامة بلا منازع، ويرون أنفسهم مضطرين للخضوع له ومتابعته١، ومن أجل ذلك عارضوا محمدًا ونفسوا عليه مقام الزعامة الذي توصله له الرسالة. وكانت معارضة قريش مركزة في رجال الملأ وتابعهم عامة الناس.

стр. 250

لكن زعامة الملأ ونفوذه مهما بلغت قوته لم تكن تستطيع أن تحجر على عقول الناس، ولا على قلوبهم؛ فالمبدأ العام الذي جرى عليه العرب هو مبدأ حرية الرأي، ولم تكن هناك أية قوة تستطيع أن تمنع العربي عن الإفصاح عن رأيه أو التعبير عن إرادته؛ ولذلك عجز رجال الملأ عن أن يحولوا بين الرسالة وبين الوصول إلى قلوب الناس، ووجدت الروح الحائرة ضالتها، فآمن بمحمد ﷺ بعض أهل مكة ممن سمت نفوسهم ونضجت عندهم العاطفة الدينية، كذلك آمن بمحمد ﷺ عدد من الرقيق والموالي رجالًا ونساء، وجدوا في مبادئ الرسالة الجديدة حلًا لمشكلتهم وضمانًا لحريتهم. ولم يحفل زعماء مكة كثيرًا بالرسالة في أول ألامر، واعتبروا أن النبي ﷺ واحدًا من أولئك الباحثين عن دين إبراهيم، أو المتمردين على الوثنية من أمثال: ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعثمان بن الحويرث وغيرهم من متحنفي العرب، لا يلبث أن يخفت صوته ويضيع في ضجة الحياة القائمة في مكة وفيما حولها، والتي تموج بحركة المال وحركة الأدب والشعر في موسم الحج وفي أسواقه. لكن الرسالة مضت قدمًا تشق طريقها وإن كان ذلك في بطء ووجدت قريش نفسها أمام رجل آخر، ودعوة أخرى، وأمام جماعة أخذت تتكون في داخل مكة؛ فإن محمدًا لم يكتف بالتعبد والبحث عن الحنيفية، أو المدارسة الدينية كما يفعل غيره من المتحنفين والمتبرمين بالوثنية والساخطين على الأصنام، وإنما هو يدعو إلى دينه في حماس ومثابرة وإن كان في هدوء وأخذ بالحسنى، وهو يتلو كلامًا بليغًا ينفرد بأسلوب رائع لا يجده المكيون فيما ألفوا من أساليب الشعراء أو البلغاء أو سجع الكهان١، وهو يكتسب كل يوم أتباعًا يؤمنون بأنه رسول الله وأن كلامه ليس من قول بشر، وهو يدعو إلى مبادئ جديدة أخذت في الوضوح والظهور. ثم إن محمدًا ﷺ أخذ يهاجم الدين الوثني هجومًا شديدًا، ويسب الأصنام ويحقرها، ويتهم قريشًا في أحلامها ويسفهها، ويكفر آباءها ويخلدهم في النار، وقد رأت قريش أنه بهذا إنما يهدم مكانتها بين العرب؛ فإنها قد وصلت إلى ما وصلت إليه من الزعامة العربية، بما اشتهرت به من
следующие страницы →