← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثم إن النبي ﷺ إلى جانب هذه المفاهيم الجديدة التي جاء بها كان معلمًا للأخلاق، يريد أن يثني الناس عن عاداتهم المرذولة القديمة، ويريد أن يهديهم إلى أخلاق كريمة سميت فيما بعد بالأخلاق الإسلامية. وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا الدور الأخلاقي الذي قام به النبي ﷺ اليتيم. فالناس قد ألهاهم التكاثر، يجمع أحدهم المال ويعده عدًّا، لا يكرمون ولا يحاضون على طعام المسكين، يأكلون التراث أكلًا لمًّا، ويحبون المال حبًّا جمًّا١. فالرسول ﷺ يستنكر هذه المادية التي تقتل الروح وتميت نوازع الخير، ويدعوهم إلى البر والتقوى والإنصات إلى النفس اللوامة. ونستيطع أن نتصور المثل الأعلى الذي دعا إليه النبي ﷺ إذا قرأنا الآيات من صدر سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون] . هذه هي المسائل الرئيسية التي دعا إليها النبي ﷺ الناس، فكانت غريبة عليهم حتى قالوا كما عبر القرآن ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص] ٢. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص] . هذا يؤكد لنا أن هذه الأفكار كانت جديدة غير معروفة في المجتمع العربي، وغير معروفة كذلك في الأديان الأخرى، ومن غير شك كان العرب يخالطون أصحاب الديانات الأخرى، بل منهم من دخل فيها، فمنهم تهود، ومنهم من تنصر، وكان أهل مكة يخالطون أهل الديانات في رحلاتهم التجارية نحو الشمال والجنوب ويتعاملون معهم، ومن غير شك عرف المكيون شيئًا عن مبادئ هذه الديانات٣، بل منهم من قرأ الكتب وعلم أهل الكتاب، فلو كانت هذه الأفكار الإسلامية كما صورناها موجودة عند أهل الكتاب لما قال هؤلاء المكيون مقالتهم التي سجلها القرآن، ولو كانت مقالتهم تخالف الواقع لرد القرآن بتكذيبهم وبتأكيد وجود هذه الأفكار، الأمر الذي يقطع بما نتجه إليه٤.

стр. 247

على أن هذه المثل العليا في الإيمان وفي الأخلاق هي أفكار إنسانية لا تزال الإنسانية تنشدها وتعيش عليها منذ بدء الخليقة، ونعني بها الدعوة إلى الفضيلة والنزوع إلى الكمال الإنساني، ولم تفقد جدتها بعد، ولا يتهم صاحبها بأنه اقتبسها أو قلد بها غيره فهي تراث للإنسانية قديم جدًّا، والقول بهذا الاتهام وقوع في خطأ قديم ابتدأ به الوثنيون حيث قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان] .

стр. 248

الدعوة إلى الإسلام ومسايرة التنظيم العربي كانت الدعوة سرية في أول الأمر، وظلت كذلك ثلاث سنين، ثم أصبحت بعد ذلك علنية، وكانت في أول أمرها مقصورة على عشيرة النبي ﷺ الأقربين١ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ [الشعراء] ثم اتجهت إلى الدعوة العامة. والحقيقة أنه لا يوجد فارق حقيقي بين الدعوة السرية والعلنية، فإن طبائع الأشياء لا تكاد تقبل هذا التصوير، فإن رسالة النبي انتشرت منذ البدء وبلغت أهله الأقربين ثم أصدقاءه، وظل الأصدقاء يكتسبون أصدقاءهم، واتسعت الدائرة شيئًا فشيئًا حتى أصبحت الدعوة عامة علنية. وكانت مهمة النبي ﷺ في مكة هي إبلاغ القرآن وتعليمه وتحفيظه، وإمداد المؤمنين بالصبر والاحتفاظ باليقين والصمود للفتنة٢ والسعي لنشر التعاليم الجديدة في المواسم عند اجتماع الناس، والدعوة لها ٣، والقرآن الكريم الذي نزل على النبي ﷺ في هذه الفترة مليء بالدعوة لهذه المبادئ، متعدد النواحي في تبيانها، داعي العقول إلى التفكير فيها واستنباطها، ضارب الأمثلة لها، محذر من عاقبة جحودها والوقوف في وجهها، في أسلوب رائع أخاذ، يأخذ بمجامع القلوب وينفذ إلى أقصى أغوار النفس. وقد سايرت الرسالة في ظروف الدعوة إليها، ظروف التكوين العربي: فقد أمر النبي ﷺ أن يدعو عشيرته الأقربين؛ لأنهم بحكم عصبية القرابة والرحم سيقفون إلى

стр. 249

جانبه ويؤازرونه ويكونون عونًا له وحماية في وجه العصبيات الأخرى، ثم أمر بعد ذلك أن يدعو مكة ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى] وحين نقول مكة نعني بذلك قبيلة قريش؛ فإنها كانت هي الأصل في أهل مكة ومن معها من الناس موال لها أو أتباع. فالانتقال من عصبية العشيرة إلى عصيبة القبيلة أمر جرى عليه التكوين الاجتماعي عند العرب، ثم أمر أن يدعو من حول مكة من قبائل، أي أن ينتقل إلى عصبية التحالف القبلي وعصبية الشعب، وكان من المنتظر أن تؤمن به العشيرة ثم القبيلة، لكن الذي حدث كان غير ذلك، فإن هذه العصبية الرحمية والقبلية قد وقفت في طريقها عصبية أخرى هي عصبية التقاليد والعادات القديمة، وكان الناس في ذلك الوقت يتعصبون تعصبًا شديدًا لموروث عاداتهم وتقاليد آبائهم، ويرونها دينًا من أمر الله ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف] فكانت هذه العصبية للعادات والتقاليد حائلًا بين الناس وبين متابعة النبي ﷺ وحتى بني هاشم بالرغم من وقوفهم إلى جانب النبي ﷺ وحمايته بدافع عصبية العشيرة لم يؤمنوا به وغلبتهم عصبية التقاليد على أنفسهم. وشيء آخر غير العصبية منع قريشًا من متابعة النبي ﷺ وهو حرصها على منزلتها بين العرب، وكانت تخشى أن تذهب الرسالة الجديدة بمكانتها التي وصلت إليها طريق رياستها للدين الوثني ورعايتها للتقاليد العربية. ثم كان زعماء مكة حريصين على مبدأ التناظر بينهم كزعماء، فقد كان يحكم مكة رؤساء العشائر والبطون ويتكون منهم ما عرف بالملأ وهو مجلس الرياسة في قريش، وكان رجال الملأ حريصين على ألا يسودهم أحد ويرون التكافؤ بينهم، فالصفات العامة في أحدهم من الممكن أن ينالها كلهم، أما أن يكون واحد نبيًّا فهذا أمر ليس بمدرك لعامتهم وعند ذلك تكتب له الزعامة بلا منازع، ويرون أنفسهم مضطرين للخضوع له ومتابعته١، ومن أجل ذلك عارضوا محمدًا ونفسوا عليه مقام الزعامة الذي توصله له الرسالة. وكانت معارضة قريش مركزة في رجال الملأ وتابعهم عامة الناس.

стр. 250

لكن زعامة الملأ ونفوذه مهما بلغت قوته لم تكن تستطيع أن تحجر على عقول الناس، ولا على قلوبهم؛ فالمبدأ العام الذي جرى عليه العرب هو مبدأ حرية الرأي، ولم تكن هناك أية قوة تستطيع أن تمنع العربي عن الإفصاح عن رأيه أو التعبير عن إرادته؛ ولذلك عجز رجال الملأ عن أن يحولوا بين الرسالة وبين الوصول إلى قلوب الناس، ووجدت الروح الحائرة ضالتها، فآمن بمحمد ﷺ بعض أهل مكة ممن سمت نفوسهم ونضجت عندهم العاطفة الدينية، كذلك آمن بمحمد ﷺ عدد من الرقيق والموالي رجالًا ونساء، وجدوا في مبادئ الرسالة الجديدة حلًا لمشكلتهم وضمانًا لحريتهم. ولم يحفل زعماء مكة كثيرًا بالرسالة في أول ألامر، واعتبروا أن النبي ﷺ واحدًا من أولئك الباحثين عن دين إبراهيم، أو المتمردين على الوثنية من أمثال: ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعثمان بن الحويرث وغيرهم من متحنفي العرب، لا يلبث أن يخفت صوته ويضيع في ضجة الحياة القائمة في مكة وفيما حولها، والتي تموج بحركة المال وحركة الأدب والشعر في موسم الحج وفي أسواقه. لكن الرسالة مضت قدمًا تشق طريقها وإن كان ذلك في بطء ووجدت قريش نفسها أمام رجل آخر، ودعوة أخرى، وأمام جماعة أخذت تتكون في داخل مكة؛ فإن محمدًا لم يكتف بالتعبد والبحث عن الحنيفية، أو المدارسة الدينية كما يفعل غيره من المتحنفين والمتبرمين بالوثنية والساخطين على الأصنام، وإنما هو يدعو إلى دينه في حماس ومثابرة وإن كان في هدوء وأخذ بالحسنى، وهو يتلو كلامًا بليغًا ينفرد بأسلوب رائع لا يجده المكيون فيما ألفوا من أساليب الشعراء أو البلغاء أو سجع الكهان١، وهو يكتسب كل يوم أتباعًا يؤمنون بأنه رسول الله وأن كلامه ليس من قول بشر، وهو يدعو إلى مبادئ جديدة أخذت في الوضوح والظهور. ثم إن محمدًا ﷺ أخذ يهاجم الدين الوثني هجومًا شديدًا، ويسب الأصنام ويحقرها، ويتهم قريشًا في أحلامها ويسفهها، ويكفر آباءها ويخلدهم في النار، وقد رأت قريش أنه بهذا إنما يهدم مكانتها بين العرب؛ فإنها قد وصلت إلى ما وصلت إليه من الزعامة العربية، بما اشتهرت به من

стр. 251

الحلم الذي سادت به القبائل، وها هو محمد ﷺ يسفه أحلامها ويحقر عقولها، ثم هو ينتقص من الدين الذي تقوم على رعايته ومنه أخذت زعامتها الروحية بين العرب، وعلى أساس هذه الزعامة يقوم مركزها الاقتصادي؛ لذلك رأت في الدعوة الجديدة خطرًا يتهدد مركز مكة الأدبي والمادي على السواء، ولم تستطع أن تقتنع بما يقوله محمد ﷺ بأنه جاءهم بخير ما يأتي به رجل قومه، وقالوا كما عبر القرآن: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص] وبالرغم من إحساسهم بأن ما جاء به حق فإنهم لم يطمئنوا إلى هذا الدين الجديد الذي يريد أن يشكل محمد ﷺ المجتمع على أساسه. فالمصلحة المادية كانت عاملًا من العوامل التي دفعت قريشًا إلى الوقوف في وجه النبي ﷺ وكذلك الاستمساك بالقديم سبب آخر دعا قريشًا إلى المعارضة، وأيدها الرأي العام الوثني فجلت فيها. وبالرغم من وقوف العصبية العشائرية لحماية محمد ﷺ ومن آمن به من قريش؛ فإن النبي ﷺ لم يكن يستطيع أن يعتمد على العصبية في دعوته الدينية، لأسباب منها: أن دعوته إنسانية عامة تسمو على التعصب، ولأن التورط في مجال العصبية يجعله يدور في دائرة مقفلة يصعب عليه أن يخرج منها؛ بل هي تحصره في الدائرة القبلية التي كان يريد الخروج منها بطبيعة دعوته االدينية. ولقد لقي النبي ﷺ ومن آمن به عنتًا كبيرًا، وأوذوا في أنفسهم وأموالهم، ودفع بعضهم حياته ثمنًا لعقيدته، فقد عذبت قريش المستضعفين من المسلمين، وحتى من كان له عصبية تحميه وعشيرة يعتز بها لم يسلم من الأذى؛ لأن البطون القرشية كلها اشتركت في محاولة فتنة المسلمين، وأخذت كل عشيرة نفسها بتعذيب من أسلم منها، حتى اضطر النبي ﷺ إلى أن يفكر في مخرج لأصحابه من هذه الفتنة الشديدة، فأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة١. وإذا كانت قريش قد حرصت على ألا تسفك دماء القرشيين حتى لا تقع ثارات فتجر إلى الحرب الداخلية في مكة؛ فإن بعض الموالي فقد حياته تحت التعذيب، فقد مات ياسر والد عمار بن ياسر تحت التعذيب، وقتلت زوجته سمية بطعنة من يد أبي جهل عمرو بن هشام أحد سادات قريش من بني مخزوم، ولقي عمار نفسه من العذاب ما كاد يقضي عليه٢، وكذلك ذاق بلال بن رباح، وغيره من الرقيق الذي أسلم نساء

стр. 252

ورجالًا ألوانًا قاسية من العذاب، حتى دفعت الشفقة أبا بكر بن أبي قحافة الذي لقب بالصديق -وهو أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من رجال قريش وكان تاجرًا موسرًا- إلى أن يشتري بلالًَا وغيره ويعتقهم١. والحقيقة أن صبر المؤمنين وتمسكهم بدينهم واستهانتهم بالتعذيب والموت في سبيله ليعد من أروع مواقف البطولة والتضحية في سبيل المبدأ والعقيدة. والنبي ﷺ نفسه -برغم وقوف أهله إلى جانبه وتصديهم لحمايته- لم يسلم من الأذى حتى تعرضت حياته نفسها للموت. ولقد تحدث العالم الأوربي الدكتور ماركس دودز عن شجاعة النبي ﷺ فقال: إنه لخليق في هذه الفضيلة أن يسامي أوفر الأنبياء شجاعة وبطولة بين بني إسرائيل؛ لأنه جازف بحياته في سبيل الحق، وصبر على الإيذاء يومًا بعد يوم عدة سنين، وقابل النفي والحرمان والضغينة وفقد مودة الأصحاب بغير مبالاة، فصابر على الحملة قصارى ما يصير عليه إنسان دون الموت الذي نجا منه بالهجرة، ودأب مع هذا علي بث رسالته غير قادر على إسكاته وعد ولا وعيد ولا إغراء٢، كما تحدث غيره من مؤرخي العرب مشيدين بشجاعة النبي ﷺ وتضحياته وهو من آمن به من المسلمين الأولين٣.

стр. 253

أساليب قريش لمقاومة الدعوة ولقد اتخذت قريش أساليب مختلفة في مقاومة الدعوة الجديدة: بدأت المقاومة سلبية في أول أمرها، فقد أظهر رجال الملأ عدم الاكتراث بالدعوة الجديدة، ونظروا إليها نظرة استخفاف، فلم تعنهم كثيرًا، وظنوا صاحبها من أمثال ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، من الساخطين على الأصنام، الباحثين عن الحنيفية أو غيرها من الديانات الأخرى، وإن كان يختلف عنهم في أنه يخبر أنه يتلقى الوحي من السماء، وكان يحلوا لهم أن يشيروا إليه كما رأوه: هذا ابن عبد المطلب يكلم من السماء١.

стр. 254

لكنهم ما لبثوا أن أدركوا أن الأمر أخطر مما تصوروا؛ فإن محمدًا يكتسب كل يوم أصحابًا من رجالهم ومواليهم يتابعونه ويؤمنون به نبيًّا ورسولًا، وأن هؤلاء الأصحاب ينشطون معه للدعوة لدينه الجديد١ ثم يرونه يجمع عشيرته من بني هاشم، ويدعوهم إلى الإيمان بما يقول، ويحاول أن يجعل منهم كتلة حوله، ويرون عمه أبا طالب -زعيم البيت الهاشمي- وإن كان لم يتابعه على ما يدعو إليه، فهو يشجعه ويقف إلى جانبه٢؛ ويرون محمدًا يكثر الاجتماع بأصحابه الذين آمنوا به وهم رجال من كل بطون القرشية وهو يتعرض للأصنام يسبها ولقريش يسفه أحلامها ويكفر آباءها. وإذن فهذا أمر يراد بقريش لا يصح السكوت عليه. ولما كان رجال الملأ يدركون قيمة العصبية ويخشون خطرها لو تعرضوا لمحمد بالسوء؛ فقد لجئوا إلى أبي طالب يطلبون إليه أن يتدخل لمنع بن أخيه من التعرض بالمهانة لمقدسات القبيلة وحرماتها، فهم إن صبروا على ما يقول به ويحول أبناءهم إليه، فهم لا يطيقون صبرًا على شتم الآلهة وتسفيه الأحلام وتضليل الآباء. ويلاين أبو طالب قومه ويردهم بالحسنى، ولكنه لا يمنع محمدًا، ولا يتوقف محمدًا عما أخذ فيه. ويعاود رجال الملأ الطلب ويشفعون طلبهم بالعروض، فهم يعرضون أن يتركوا محمدًا وما يدعو إليه على أن لا يتعرض لسب الآلهة وشتم الآباء، ثم يعرضون أن يقدموا رجلًا من خير أبنائهم بديلًا عن محمد ﷺ يتبناه أبو طالب على أن يسلم إليهم محمدًا ليقتلوه إن كان قد عجز عن رده؛ فإنه يدمر وحدة القبيلة ويهدد مكانتها. ويستنكر أبو طالب هذا العرض المنكر؛ فما كان ليسلمهم ابنه ليقتلوه، ويأخذ ابنهم يغذوه٣ لهم، ولكنه يدعو إليه محمدًا يعرض عليه ما طلبت قريش، ويطلب منه أن يبقي عليه وعلى نفسه، ولا يحمله من الأمر ما لا يطيق من عداوة القوم. وظن محمدًا ﷺ أن عمه قد بدا له فيه بداه، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه؛ فقال في إصرار وإباء: "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". وهزت كلمة الابن نفس الشيخ الذي لم يسلم

стр. 255

ووصلت من نفسه إلى مركز الإعجاب فلم يسعه إلا أن يقول: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا١، ومن ساعتها وقف الشيخ حياته على حماية ابن أخيه، فلم يثنه شيء عن الذود عنه. ولقد فكر رجال قريش بحسب ما يفهمون من مثل الحياة عندهم، وظنوها من محمد عملًا للوصول إلى غرض من أغراض الحياة، وحسبوا من وقوف بني هاشم إلى جانب محمد نزعة إلى الزعامة وغاية للرياسة، فاستجابو للاقتراح تقدم به عتبة بن ربيعة -أحد سادات قريش- حيث قال: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فقالوا: بلى يا أبا الويد، قم إليه فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت: من السلطة في الشعيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها، فقال له رسول الله ﷺ : "قل يا أبا الوليد أسمع" قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا في أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. وحيث أتم عتبة كلامه، لم يزد النبي ﷺ على أن تلى عليه آيات من سورة من القرآن ما سمعها الرجل حتى انبهر، وقام وهو مدرك أنه لا سبيل إلى هذا الرجل غير متابعته، أومنابذته حتى يحكم الله بينه وبينهم٢. يئست قريش من إغراء محمد ﷺ فاتخذت طريق الجدال والإنكار والاستهزاء، والتعجيز بالأسئلة، والإلحاح في طلب المستحيل من الأعمال مع التصميم على الإنكار، لكن إيمان محمد ﷺ برسالته وبما يوحى إليه كان أعظم من أن ينال من إنكار المنكرين واستهزاء المستهزئين. عند ذلك لجأت قريش إلى طريقة الاضطهاد والتعذيب للمسلمين حتى تخيفهم؛ فتردهم عن دينهم وتمنع غيرهم من متابعة محمد ﷺ خوفًا

стр. 256

من المشقة والعذاب، فتواصت البطون القرشية بتعذيب من أسلم منها، وألحت على المستضعفين من الموالي والعبيد بالعذاب، كما ألحت على من أسلم من رجالها ونسائها بالأذى، وهي مع كل ذلك تقيم دعاية قوية ضد دعوة محمد ﷺ وتتهمه مرة بالسحر ومرة بالجنون ومرة بالافتراء، وتقف لكل وارد على مكة تحذره من ذلك الرجل الذي يملك من سحر البيان ما يفرق به بين المرء وزوجه والأخ وأخيه، وتتخذ مما يحدث في بيوتها مثلًا تضربه على ما تقول، ثم هي لا تني عن سؤال أهل الكتاب من اليهود والنصارى عما يدعيه محمد ﷺ تريد بذلك أن تقيم حجة على ما تقول، ويقوم بعض رجالها بعقد مجالس يتحدثون فيها إلى الناس بغريب القصص وأساطير الأمم يعارضون بها مجالس محمد ﷺ يريدون بذلك أن يصرفوا الناس عنه، وأن يفهموهم أنه إنما يأتي بمثل هذه الأساطير١. وقد تسرف في تصرفها مع الوافدين على مكة من رجال القبائل، فتتعدى التحذير إلى الإعنات، وقد تبطش بمن لا تؤثر فيه دعايتها ويصر على إعلان إيمانه من الوافدين، ولم يكن يردها عن الفتك به إلا حرصها على علاقتها الطيبة مع القبائل وخوفها على مصالحها التجارية، كما فعلت بأبي ذر الغفاري حين أسلم٢.

стр. 257

الهجرة في سبيل الدعوة: ولما رأى النبي ﷺ الأذى يشتد بأصحابه، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة: "فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه" فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام١. وفي هجرة المسلمين إلى الحبشة لا بد بعرض سؤال: لماذا فكر النبي ﷺ في الحبشة ولم يفكر في غيرها من أقاليم الجزيرة العربية؟ الواقع أن تفكير النبي ﷺ في الحبشة ينطوي على معرفة كبيرة بالظروف وإلمام تام بأحوال الجزيرة العربية، كما أن فيه لفتة سياسية من جانب النبي ﷺ موجهة إلى قريش.

стр. 258

لم يلجأ المهاجرون إلى قوم من العرب في الجزيرة العربية؛ لأن القبائل العربية كانت مرتبطة بقريش ارتباطًا تجاريًّا ودينيًّا قويًّا، وكان لبعضها محالفات وعقود مع قريش؛ وهي لذلك حريصة على حسن العلاقة مع قريش حرصها على مصالحها المادية؛ فلم تكن لذلك تستطيع إيواء الخارجين عليها، ثم هي تؤمن بزعامة قريش وتخضع لتشريعها الديني، وقد تجلى موقف القبائل واضحًا بعد هجرة النبي ﷺ إلى يثرب، فقد اتخذت جانب قريش في صراعها ضد يثرب وتحرشت بالمسلمين وحاربتهم في صفوف قريش. أما اليمن فكانت الأحوال فيها غير مستقرة، والخلافات الداخلية تمزقها إلى جانب خضوعها للنفوذ الفارسي، ووقوعها في المجال التصارع الدولي الذي تعدى السياسة إلى الدين، فكان التنافس شديدًا بين المسيحية واليهودية فيها، وهي بذلك غير صالحة لأن يجد فيها المهاجرون المأوى الأمين. وكذلك كانت الحال في مملكة الحيرة ومملكة غسان. كما لم تكن مدن الحجاز مهيأة في ذلك الوقت لقبول هجرة المسلمين إليها؛ فيثرب كانت تمزقها الخلافات الداخلية، ويقوم الصراع فيها على أشده بين قبائلها، هذا إلى علاقات قريش التجارية المتينة مع بطونها؛ سواء من اليهود أو من الأوس والخزرج. وخيبر كانت مدينة يهودية، وكانت صلات اليهود عامة طيبة مع قريش، فضلًا عن أن اليهود كانوا منصرفين إلى مصالحهم راغبين عن الدخول في عداء مع القبائل العربية. وإذن فقد كانت بلاد الحبشة هي أقرب إقليم هادئ إلى مكة يمكن أن يجد المهاجرون فيه الأمن على حياتهم، كما يمكن أن يحصلوا فيه على معاشهم فقد كانت الحبشة متجرًا لقريش ووجهًا، وكان القرشيون يغشونها للتجارة فهم على معرفة بها وعلى خبرة بمزاولة العمل فيها. كما كانت تكمن وراء الهجرة إليها حكمة سياسية؛ فإن الحبشة كانت تطمع منذ أجيال في فتح الأقاليم العربية، وكان ملوك الحبشة يراقبون من أجل ذلك أحوال الجزيرة مراقبة شديدة، وقد سبق للحبشة أن أرسلت حملة لفتح مكة، ومع أن الحملة باءت بالفشل، ومع أن الحبشة خرجت من الجزيرة العربية كلها إلى أن الصراع الدولي على امتلاك طرق التجارة لم ينته بعد. فالهجرة إلى الحبشة تؤدي إلى غرضين: الغرض الأول أن المهاجرين يلقون ترحيبًا من ملك الحبشة؛ أملًا في أن يتمكن بمساعدتهم من التدخل في شئون مكة الداخلية، وفعلًا لقي المهاجرون احتفاء وحسن معاملة من النجاشي١.

стр. 259

والغرض الثاني هو لفت نظر قريش إلى أن عدوانها على المسلمين يضطرهم إلى الالتجاء إلى قوة خارجية ربما تتدخل لحمايتهم، فتتعرض مكة لغزو أجنبي أو تتعرض للإضرار بمصالحها الاقتصادية؛ ولذلك فإن مصلحتها أن تهادن المسلمين وتوقف عدوانها عليهم. وقد أوجست قريش خيفة من هذه الرحلة وحسبت لها حسابًا كبيرًا، فسارعت إلى إرسال بعثة إلى النجاشي تحمل الهدايا له ولرجاله وتطلب إليه رد هؤلاء المهاجرين، وربما لتحاول معرفة موقف الحبشة مع الوضع في مكة، مخافة أن تؤدي هذه الصلة الجديدة إلى أن تعاود الحبشة الكرة على مكة مرة أخرى. لكن البعثة فشلت مهمتها، وبقي المسلمون يتمتعون بالحرية والرعاية، فقد لفتت البعثة أنظار النجاشي نحو هؤلاء الفارين بدينهم إلى بلاده؛ فقدر تضحياتهم وعطف على موقفهم، فبذل العون لهم والرعاية١. في هذه الأثناء دخل في الإسلام عناصر قوية من القرشيين فقد أسلم رجلان اشتهرا بالبأس والقوة، هما حمزة بن عبد المطلب٢ وعمر بن الخطاب٣ وكان كلاهما رجلًا قويًّا مرهوب الجانب جريئًا في إظهار رأيه والوقوف في وجه مخالفيه، وكان من اليسير أن يشتبك مع مناوئي الإسلام، فتسيل الدماء وتقع الحرب الأهلية التي كان الملأ حريصًا على عدم وقوعها. ولم يتأن الرجلان عن تحدي قريش، فاشتد بهما ساعد المسلمين وقويت قلوبهم واضطرت قريش إلى أن تهادن بعض الوقت حتى تدبر موقفها إزاء هذا الوضع الجديد، وقد وصلت أخبار هذه المهادنة مسامع المسلمين في الحبشة مبالغًا فيها، حتى لقد قيل: إن قريشًا تابعت النبي ﷺ فعاد بعضهم إلى مكة لكنهم ما كادوا يصلون إليها حتى كانت قريش قد اتخذت لنفسها خطة أشد تجاه المسلمين ومن ينصرهم، فدخل بعضهم مكة في جوار بعض رجال قريش، فقد اعتبرتهم القبيلة خارجين عليها قد خلعوا أنفسهم منها فلم يكن لهم من حماية قبلية إلا في جوار -وعاد بعضهم أدراجه ومعهم عدد آخر أكبر من العدد الأول٤.

стр. 260

أدركت قريش أن ما تقوم به من الأذى للمسلمين لن يحول دون إقبال الناس على الدين الجديد، كما رأت بني هاشم يقومون دون النبي ﷺ فلا تستطيع أن تبلغ به ما تريد؛ لذلك قررت أن توقع على هذا البطن القرشي عقوبة قاسية؛ لعلها تجبره على التخلي عن موقفه في حماية النبي ﷺ وتضطره إلى تسليمه أو الكف عن نصرته، ورأت أن يكون عملها جماعيًّا ترتبط به كل البطون المكية وحلفاؤها، فبعد مشاورة عامة ائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب: على أن لا ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئًا ولًا يبتاعوا منهم؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم١. وحصروا بني هاشم والمسلمين في شعب خارج مكة يسمى شعب أبي طالب، وقامت قريش على هذا الحصار الاقتصادي ثلاث سنين حتى أجهد المحاصرون أيما إجهاد، وكان يسمع صياح أطفالهم من شدة الجوع. ولكن أحدًا لم يضعف، وظل النبي ﷺ يدعو إلى دينه بين العرب. كما حفل القرآن بالآيات التي تشدد النكير على قريش٢. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حلف الفضول الذي عقدته بعض بطون قريش وتعاهدت فيه على منع الظلم في مكة؛ قد تعطل، فلم يتنادى أصحابه بنصرة المظلومين ممن كان يقع عليهم العذاب، ويبدو أن الملأ من قريش كان يخشى أن يطالب بنو هاشم حلفاءهم من أصحاب الفضول بالوقوف إلى جانبهم، ومن أجل ذلك كان حرصهم على الإجماع وعلى التواثق على ذلك في صحيفة مكتوبة، وقد استجابت كل البطون القرشية -ماعدا بني هاشم وبني المطلب الذين وقفوا إلى جانب النبي ﷺ بدافع عصبية العشيرة- لأنهم اعتبروا الدعوة الإسلامية ذات خطر على مكة يهدد الجميع بالخراب، لذلك اجتمعوا وتضامنوا على إيقاف هذا التيار. وكان هذا العمل العدواني فرصة لأن يتسامع العرب في كافة أنحاء الجزيرة العربية بأنباء هذا الدين الجديد، حتى أحست قريش بفشل هذا الحصار، وبأن يوشك أن يؤدي إلى أزمة داخلية في مكة؛ فقد تحركت عاطفة الرحم في بعض القرشيين، فأخذوا يمدون المحصورين ببعض الطعام، ولما حاول زعماء قريش إيقاف هذا المدد حدثت

стр. 261

مشاحنات واشتباكات كادت تؤدي إلى فتنة١، ثم تحزب بعض الرجال ضد الصحيفة وقاموا على نقضها، ورأى رجال الملأ أن الحصار قد فشل في إجبار المحصورين على التسليم، وأن الفتنة أوشكت أن تحدث في مكة، فاضطروا إلى تمزيق الصحيفة، وعاد بنو هاشم المسلمون إلى دورهم وإلى مزاولة حياتهم العادية٢ في مكة، وإن كانت قريش قد استمرت في سياسة المقاومة والعدوان. لكن النبي ﷺ لم يلبث بعد نقض الصحيفة أن أصيب بصدمة شديدة كان لها وقع شديد الأثر في نفسه، كما كان لها أثر كبير في تغيير اتجاهه في سياسة الدعوة الإسلامية؛ فقد أصيب بفقد زوجته خديجة، تلك الزوجة الصالحة التي كانت ملاذه في شدته، وكانت بإيمانها ومواساتها ملجأه يجد في جوارها راحة نفسه. كما أصيب بموت عمه أبي طالب الذي كان بمثابة الستار الذي يحول بين محمد وبين مواجهة خصومه وجهًا لوجه. وبفقد زوجته فقد التأييد المعنوي النفسي القريب، كما فقد بموت عمه التأييد الأدبي والمادي، وكان فقدهما لذلك عظيم الوقع في نفسه حتى سمي عام موتهما بعام الحزن٣. وبدت بيئة مكة -المتمسكة أشد التمسك بتقاليدها، الحريصة على مصالحها المادية -غير صالحة لنشر المبادئ الجديدة؛ لذلك اضطر النبي ﷺ إلى تخفيف نشاطه في الدعوة بين أهل مكة، وفكر تفكيرًا جديًّا في مكان آخر يكون أصلح للدعوة، وأخذ ينتهز بعد هذا العام كل فرصة من الفرص التي يجتمع فيها الناس في المواسم العامة التجارية والدينية ليعرض على رؤساء القبائل دعوته الجديدة ويدعوهم لقبولها، وليعرض عليهم الانتقال إلى أرضهم٤. ولم يفد محمد ﷺ من عرضه نفسه على القبائل شيئًا، إذ كانت هذه القبائل تحترم قريشًا وتحرص في الوقت نفسه على حسن العلاقة معها حرصًا على مصالحها المادية المرتبطة بتجارة قريش. على أن قريشًا لم تأل جهدًا في الدعاية ضد دعوة محمد ﷺ وكان رجالها يتبعونه في كل مكان، يعارضون دعوته ويحذرون القبائل من

стр. 262

متابعته، وكان لهذا أثره الشديد في منع القبائل من قبوله؛ إذ إنها ظنت أن لو كان فيه خير لتابعه أهله، ونال محمد -صلى الله عليهوسلم- أذى في نفسه وفي أصحابه، وقد تحرج مركزه في مكة حتى إنه حين رفضت قبيلة ثقيف بالطائف -وقد ذهب إليها يعرض عليهم دعوته والانتقال إليهم- لم يستطع حين عاد أن يدخل مكة إلا بجوار المطعم بن عدي زعيم بني نوفل من قريش؛ لأن القبيلة أصبحت تنظر إليه نظرتها إلى رجل ثار عليها وخلع نفسه منها١. ثم عرض النبي ﷺ دعوته على رجال من أهل يثرب -من الأوس- قدموا مكة يلتمسون حلف قريش على قومهم من الخزرج؛ فلم يظفروا بالحلف، وكذلك لم يسلموا٢، ولكنهم حين عادوا إلى بلدهم ذكروا أمر هذا الداعي الجديد، وكان لذكرهم للنبي ﷺ وقع ما لبث أن ظهر أثره في العام التالي؛ فإنه قدم الموسم نفر من الخزرج عددهم ستة رجال، لقيهم النبي ﷺ فعرض عليهم الإسلام فما أبطئوا أن أسلموا، وكان لإسلامهم السريع دوافعه، فلقد كان عرب يثرب يساكنون اليهود، واليهود أهل الكتاب وكان العرب وثنيون فكان اليهود يعيرون العرب وثنيتهم، كما كان العرب ينازعون اليهود الغلب في يثرب ويصارعونهم، وقد عز العرب آخر الأمر، فكان اليهود يهدودنهم بقرب ظهور نبي قد أظل زمانه يتبعونه فيقتلونهم معه قتل عاد وإرم٣. كما أن الخزرج كانوا حديثي عهد بهزيمة حلت بهم أمام الأوس وحلفائهم من قبائل اليهود في يوم بعاث؛ فلما ذكر رجال الأوس ظهور النبي ومحادثته لهم في مكة، خشي الخزرج أن يسبقهم اليهود أو يسبقهم الأوس إليه فيتحقق تهديد اليهود، فلما دعا النبي ﷺ هؤلاء النفر من الخزرج حين لقيهم في مكة قال بعضهم لبضع: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه٤. ولقد أوقف هؤلاء الخزرجيون النبي ﷺ على الحالة في بلدهم ووعدوه بالدعوة للإسلام في يثرب، كما بشروه بالفوز لو قدر له أن تجتمع قبائل يثرب عليه، فقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله

стр. 263

بك، فسنقوم عليه فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك١. وكانت الاستجابة في يثرب سريعة، حتى لم تبق دار من دورها إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ -٢، ولم يكد العام ينصرم حتى وافى الموسم اثنا عشر رجلًا لم يكونوا كلهم من الخزرج بل كان منهم ثلاثة من الأوس، فقد كان التنافس قائمًا بين القبيلتين، وما كانت الأوس لتترك الخزرج تنفرد بالأمر دونها، وكل ذلك بطبيعة الحال في صالح النبي ﷺ . ولقي النبي ﷺ هؤلاء النفر عند العقبة -وهي مكان بين منى ومكة، بينها وبين مكة نحو ميلين٣- فعقد لهم بيعة عرفت بيعة العقبة الأولى، بايعوه على ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم. ولا يعصوه في معروف؛ فإن وفوا فلهم الجنة وإن غشوا من ذلك شيئًا فأمرهم إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذب٤. لم يشترط عليهم عداء أحد ولا منابذته بحرب؛ وإنما كانت كلها شروطًا دينية خلقية، وقد سميت هذه البيعة فيما بعد بيعة النساء؛ لأن النبي ﷺ بايع على نفس هذه الشروط نساء قريش حين أسلمن بعد فتح مكة، وقد وردت صيغة هذه الشروط في القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة] . ولما عاد هؤلاء الرجال إلى بلدهم أرسل معهم النبي ﷺ أحد أصحابه من السابقين إلى الإسلام وهو مصعب بن عمير -وهو فتى من بني عبد الدار، اشتهر بشدة الإخلاص للإسلام، ولقي من خلاف أهله أذى كبيرًا٥- وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ، ويحدثنا ابن إسحاق أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه

стр. 264

بعض١، وهذا يعطينا فكرة عن مقدار الخلاف بين أهل يثرب، وأنهم كانوا في حاجة إلى عنصر خارجي يجتمعون عليه، وهذا ما يسر للنبي ﷺ مهمته في المدينة. وفي المدينة أثبت مصعب بن عمير أنه جدير باختيار النبي ﷺ للقيام بهذه المهمة الخطيرة، فعلى نجاحها أو فشلها يتوقف مصير الإسلام في يثرب التي تموج بالخلافات وتضطرم فيها العصبية، فكان الداعي اللبق الفطن يدعو إلى سبييل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويأخذ الأمر بالأناة والصبر والرفق، وكان فتى اجتمعت فيه خصال قومه الحميدة وأهمها الحلم الذي سادت به قريش العرب. وبمثل هذه الأناة والصبر والموعظة الحسنة استطاع مصعب بن عمير أن ينشر الإسلام في يثرب، وأن يكتسب إلى جانبه أكبر زعيمين في قبيلة الأوس، وهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير اللذان كانا لإسلامهما أثر كبير في دخول بطون برمتها في حظيرة الإسلام، كما كانا بعد ذلك من أشد أنصار النبي ﷺ إخلاصًا وتفانيًا في نصرة الدولة الإسلامية في يثرب٢. وبذلك مهد مصعب السبيل في يثرب لدار يهاجر إليها المسلمون من مكة، ولتكون بعد ذلك دارًا يطمئن فيها الإسلام ويعتز فيه المسلمون، ثم تكون بعد ذلك قاعدة للدولة العربية الموحدة في عهد النبي ﷺ ثم للدولة الإسلامية التي امتد لواؤها في مشارق الأرض ومغاربها في عهد الراشدين من بعده. وبعد عام عاد مصعب إلى مكة ووفد معه في موسم الحج جماعة من المسلمين كان عددهم ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين، التقوا بالنبي ﷺ في إحدى الليالي سرًّا بالعقبة حيث بايعوه بيعة العقبة الثانية، ويحدثنا ابن إسحاق أنه قد حضرها مع النبي ﷺ عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويستوثق له٣، وهذا يدلنا على شدة الرابطة بين بني هاشم والنبي ﷺ بالرغم من دخولهم في الإسلام، هذه الرابطة التي ظلت بعد ذلك قوية وكان لها أثر واضح حين هاجر النبي ووقع الصراع بين مكة والمدينة، ومن أجل ذلك أطلع النبي ﷺ العباس على الأمر، ومن أجل ذلك حضر العباس ليلة العقبة ليستوثق لابن أخيه. وعند العقبة استوثق الطرفان كل لنفسه؛ فأما النبي ﷺ فقد طلب أن يبايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وأما أهل يثرب فقد سألوه: أتراه تاركهم

стр. 265

وراجع إلى قومه إن هم فعلوا وأظهره الله، فطمأنهم بأن ذكر صيغة العهد الذي كانت تقولها العرب عند الحلف والجوار: "بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم"١. فلما تمت البيعة طلب النبي ﷺ إليهم أن يُخرجوا له من بينهم اثني عشر نقيبًا؛ ليكونوا على قومهم كفلاء، وهو كفيل على قومه، فأخرجوا له تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس٢. وتسمى هذه البيعة بيعة العقبة الثانية أو بيعة العقبة الكبرى أو بيعة الحرب. وهذه البيعة حددت الوضع القانوني للنبي ﷺ بين أهل يثرب، فهي قد اعتبرت النبي واحدًا من أهل يثرب دمه كدمهم وحكمه كحكمهم، وقضت ضمنًا بخروجه من عداد أهل مكة، فانتقلت بذلك تبعية النبي ﷺ من مكة إلى يثرب، وهذا النوع من تغيير الجنسية في تعبيرنا الحديث، ولهذا أخفى المسلمون أمر هذه الببيعة وأمر هذا الشرط وبخاصة عند قريش؛ لأن الفترة الواقعة بين هذه البيعة وبين وصول النبي إلى يثرب فترة لا يستطيع فيها اليثربيون أن يحموا النبي ﷺ لأنه بعيد عنهم، وقد اشترطوا فعلًا أن تبدأ حمايتهم له بعد وصوله إلى يثرب لا قبل ذلك. وكان في استطاعة أهل مكة بعد أن نبذهم النبي ﷺ وخرج من عدادهم أن ينالوه بأي أذى؛ لأنه خرج عليهم ولأنه أصبح بذلك محرومًا من كل حماية قبلية. وكان لقريش عيون أخبروها خبر البيعة، ولكن أهل يثرب ممن كانوا في موسم الحج ولم يعرفوا خبر العقبة، أكدوا لقريش عدم حدوث مثل هذا الأمر حين جاءت تستوثق مما بلغها، وبذلك استطاع المسلمون من أهل يثرب أن يعودوا إلى بلدهم آمنين؛ إلا أحد النقباء وهو سعد بن عبادة الخزرجي لحقته قريش؛ فقبضت عليه وكادت تبطش به لولا أن أجاره بعض أهل مكة ممن كان يجير لهم تجاراتهم في بلده. ثم تسلل المسلمون من مكة أفرادًا وجماعات مهاجرين إلى يثرب، يستخفي بهجرته من يخشى على نفسه، ويستعلن بها من يجد في نفسه القدرة على التحدي، وحاولت قريش أن ترد من استطاعت رده إلى مكة لتفتنه عن دينه أو لتعذبه وتنكل به، وبلغت من ذلك أنها كانت تحول بين الزوج وزوجه إن كانت المرأة من قريش فلا تدعها تسير معه، وأنها كانت تحبس من لم يطعها وتستطيع حبسه؛ لكنها لم تكن تقدر

стр. 266

على أكثر من ذلك حتى لا تكون حربًا أهلية بين مختلف بطونها إن هي همت بقتل واحد من هذه البطون، وإن كان بعض الموالي لقي حتفه في هذا السبيل. لكن الهجرة مع ذلك تمت وهاجر معظم المسلمين إلا من قدرت عليه قريش١. وبقي النبي ﷺ لا يدري أحد أيبقى هو كما حدث في الهجرة إلى الحبشة، أم يهاجر في هذه المرة مثل أصحابه؟ وهذا الاحتمال الأخير هو الذي أخاف قريشًا، فإنه يستطيع من مهاجره الجديد أن ينظم جماعته، أو ينظم يثرب التي فشا فيها الإسلام بصورة تنبئ عن أنها ستكون مدينة إسلامية بعد وقت وجيز، ولو تم ذلك لهددت مكانة قريش الأدبية والدينية، لقيام هذا الدين الجديد الذي يسعى لتحطيم الوثنية في بلاد العرب، ويقضي بذلك على زعامة قريش الروحية ولهددت تجارة مكة تهديدًا خطيرًا لو وقف منها محمد موقف العداء والمخاصمة، وهو لا بد واقف هذا الموقف إن عاجلًا أو آجلًا، لما ألحقته به وبأصحابه من أذى، ولأنه يسعى لإقرار مبادئ جديدة لا بد لإقرارها من تشكيل جماعي وسياسي جديد، ولا بد أن نمى إليهم أنه يستعد للخروج، إذ كيف يخفى على أهل مكة ذلك مع أن أهل يثرب كانوا يتوقعونه وكانوا -كما تحدث الروايات- يخرجون إلى ظاهر المدينة ينتظرونه حتى تغلبهم الشمس. لذلك مشى رجال قريش إلى بعضهم، وعقدوا اجتماعًا عامًّا في دار الندوة وتداولوا فيه الأمر، واستعرضوا كافة احتمالات الموقف ثم قر رأيهم على ضرورة التخلص من محمد شخصيًّا بالقتل، على أن يكون قتلًا جماعيًّا يشترك فيه كل بطن من بطون القبيلة بفتى يضربه مع الآخرين؛ حتى يتفرق دمه وتعجز عشيرته عن حرب كل البطون فترضى بالدية٢، وتتتخلص قريش من محمد وتنجو مكة من الحرب الأهلية؛ ويعود إليها كل أبنائها المهاجرين وتعود لها وحدتها كما كانت، ثم تسير في تأكيد سيادتها وتحقيق مصالحها٣. لكن النبي ﷺ خرج من مكة قبل أن تستطيع القبيلة أن تحكم استعدادها، وأن تناله بما تريد، واستطاع بمهارة أن يفلت من مطاردة القوم، وكان موفقًا في خروجه توفيقًا كبيرًا، كانت عناية الله فيه من غير شك، فإن قريشًالم تترك وجهًا ولا مظنة اختباء إلا بحثت فيه؛ ولكنه نجا وهو منها قريب وإلى ذلك يشير القرآن الكريم ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ

стр. 267

فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة] . وكان هذا هو الهجرة، وقد نزل القرآن بهذه المناسبة، ففرض على الناس أن يقاوموا الباطل بكل قوة، فإن لم يجدوا مخرجًا؛ فإنه يجب عليهم أن يهاجروا، وعليهم أن يتبعوا مثل النبي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء] ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء] . فالهجرة بهذا أصحبت سنة إسلامية، وكان الناس يتداعون إلى الهجرة أيام النبي ﷺ وبعده، وكانت من نتيجة هجرة النبي ﷺ أن تكونت الدولة الإسلامية الأولى في يثرب، وقد جعل النبي ﷺ الهجرة أساسًا لنيل حق الرعوية لهذه الدولة اليثربية، واستمر هذا الشرط إلى فتح مكة سنة ٨هـ حتى انتهى شرط الهجرة وبقيت اختيارية، وهذا الشرط مذكور في آية قرآنية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال] وبالهجرة بدأ دور جديد في تاريخ الدعوة الإسلامية عرف بالدور المدني، اختلف في ظروفه وآثاره عن الدور المكي.

стр. 268

مدينة يثرب نشأة يثرب مدخل ... الباب الثالث: مدينة يثرب الفصل الأول: نشأة يثرب. الفصل الثاني: التنظيم الداخلي والعلاقة بين السكان. الفصل الثالث: قوة يثرب وعلاقاتها الخارجية. الفصل الرابع: الحالة الاقتصادية. الفصل الخامس: الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية في يثرب

стр. 269

صفحة فارغة

стр. 270

الفصل الأول: نشأة يثرب على بعد حوالي ثلاثمائة ميل في شمال مكة تقع يثرب، وهي واحة خصيبة التربة غزيرة المياه محصورة بين لابتين بركانيتين تعرفان بالحرتين، حرة واقم في الشرق، وحرة الوبرة في الغرب. وتكتنف الوديان الحرتين من الشرق ومن الغرب، وتحيط بالمدينة من جهاتها الأربع. ويقع جبل عير في الجنوب الغربي من يثرب١. والقادم من مكة إلى يثرب -في زمن الهجرة النبوية- كان يمكنه إذا قام بأعلى جبل عير أن يحدد صورة مكتملة لمنطقة يثرب، فوادي العقيق إلى يساره ممتد غربي المدينة فيما وراء حرة الوبرة إلى ما بعد بئر رومة في شمالها الغربي. والعريض وعوالي المدينة إلى يمينه من شرق حرة واقم. وهناك من أقصى الشمال يقوم جبل أحد ثم جبل سلع، وتقع قرية قباء في جنوب المدينة على ميلين منها٢. وبين قباء والمدينة يسير وادي بطحان ووادي رانوناء حيث يتجهان شمالًا فيما بين حرة الوبرة والمدينة. فيتصلان بوادي قناة وهو واد يقع في جنوب أحد وينحدر غربًا بينه وبين جبل سلع حتى يتصل بوادي بطحان، وتلتقي هذه الوديان عند مجتمع الأسيال من رومة، كما يوجد واد مذينب ووادي مهزور في الجنوب الشرقي من المدينة، ويحصران بينهما عوالي المدينة التي كانت زاهرة عامرة، وتبدو أودية المدينة منحدرة من الجنوب إلى الشمال، تسير في انحدارها مياه الأمطار فتجعل منها جنات ذات زرع زاهي الخضرة وبساتين تنبت أشجار الفاكهة والنخيل.

стр. 271

والمنطقة بين قباء والمدينة من أخصب مناطقها، بل لعلها أخصبها وهي التي تثمر جل فاكهتها وخضرها، ومن ثم كانت منتزه أهل يثرب ومصحتها في مختلف العصور، يخرج إليها الناس للتريض، ويقيم بها الناقهون استعادة النشاط والقوة. وحرة واقم التي تحد المدينة من الشرق كانت أكثر عمرانًا من الوبرة، وحين هاجر النبي ﷺ إلى يثرب سنة ٦٢٢ م كانت حرة واقم مسكونة بأهم قبائل اليهود من بني النضير وقريظة، وعدد من عشائر اليهود الأخرى، كما كانت تسكنها أهم البطون الأوسية: بنو عبد الأشهل، وبنو ظفر، وبنو حارثة، وبنو معاوية، وفي منازل بني عبد الأشهل كان يقوم حصنهم واقم الذي سميت الحرة باسمه. وقد ترك أصحاب هذه المنازل من اليهود والأوس آثارًا في الحرة تدل على حضارة ونظام، وتركوا بها آثار مصانع وصهاريج مياه لم يبق منها إلا أطلال دوارس ١، ولا عجب، فقد كانت هذه الحرة ميدانًا حرب منذ استقر الإسلام بالمدينة؛ فقد حاصر النبي ﷺ اليهود من بني النضير حتى أجلاهم، ثم حاصر بني قريظة حتى قضى عليهم، وبها وقعت موقعة الحرة في عهد يزيد بن معاوية سنة ٦٣هـ. وحرة الوبرة التي تحد المدينة من الغرب، تبدأ قبالة قباء من الجنوب عند ذي الحليفة ميقات الإحرام لأهل يثرب وأول الطريق إلى مكة. وبأقصى حرة الوبرة من ناحية الشمال بمجتمع أسيال المدينة تقع بئر رومة، وكانت مملوكة لرجل يهودي كان يبيع ماءها للمسلمين فاشتراها منه عثمان بن عفان استجابة لرغبة النبي ﷺ ودفع ثمنها عشرين ألف درهم٢. وتفصل حرة الوبرة بين المدينة ووادي العقيق، وقد كان لهذا الوادي في أنباء التاريخ من الذكر ما جعله وادي النعمة وخفض العيش والترف، حتى إنه إذا ما ذكر العقيق من أودية المدينة نسي الناس كل واد للعقيق سواه، مع أنه توجد أودية كثيرة بهذا الاسم في جزيرة العرب. ولقد كان هذا الوادي الخصيب الدافق بجداول المياه وبالعيون والآبار خاليًا من البناء لما قدم النبي ﷺ إلى يثرب، وعلى شفير العقيق

стр. 272

الغربي تقوم جماوات العقيق، وهي مرتفعات سود كبار دون الجبال وفوق الهضاب. وأقرب هذه الجماوات إلى المدينة جماء تضارع القريبة من بئر عورة، وتجاورها وتكاد تتصل بها من ناحية الشمال جماء أم خالد، وتبعد عن هذه إلى الشمال جماء عاقل. وفي شمال المدينة جبل أحد، يفصل بينها وبينه وادي قناة. وفي جنوب هذا الوادي إلى الشمال الغربي من المدينة يقع جبل سلع، وبه النتوء الذي يعرف بجبل عين، وعليه كان موقف الرماة من المسلمين يوم أحد١. وتاريخ يثرب القديم مجهول، فلا توجد مدونات يمكن الرجوع إليها، وكذلك لم تقم بها أبحاث أثرية يمكن الاستفادة منها، وقد أشار صاحب كتاب آثار المدينة المنورة إلى حدوث حفريات -جرت بغير قصد البحث العلمي- كشفت عن بعض أشياء يمكن أن يستدل منها على أن المدينة الحالية قائمة على أنقاض مدينة أخرى٢؛ لكن الاهتمام العلمي لم يأخذ طريقه حتى الآن إلى مدينة الرسول ﷺ ولعله يأخذ طريقه إليها فيشكف لنا شيئًا يمكن الاعتماد عليه في كتابة تاريخها القديم، وكل ما لدينا من أخبار تاريخ يثرب القديم عبارة عن روايات ذكرها الإخباريون لا يمكن الاعتماد عليها اعتمادًا قاطعًا؛ لأنها لا تستند إلى دليل. ومن المؤكد أن هذه الواحة الخصيبة والتي تقع على طريق التجارة بين اليمن والشام، لا بد أن تكون قد سكنتها القبائل منذ زمن بعيد، إذ لا يعقل أن لا يجذب خصب هذه البقعة وكثرة المياه بها الناس إلى انتجاعها والإقامة فيها، وورود اسم يثرب في الكتابات المعينية يدل على قدمها٣، وعلى أن المعنيين استعمروها فقد كانت لهم مستعمرات على طول الطريق التجاري حتى تخوم الشام، فليس من المحتمل أن يكونوا تجاوزوا يثرب دون أن ينتفعوا بموقعها وخصب أرضها وكثرة مياهها في اتخاذها مستعمرة لهم ومحطة لتجارتهم، وبخاصة أن مستعمراتهم متصلة إلى شماله على طول طريق وادي القرى.

стр. 273

وإذا كان اسم يثرب قد ورد في الكتابات المعينة القديمة فلا بد أنها كانت من الموضع التي سكنتها جاليات من معين، ثم صارت إلى السبئيين بعد زوال مملكة معين، وقد ذكرها بطليموس في جغرافيته باسم Lathriph Lathrippc١ وهي أيضًا Lathrippa polis التي ذكرها اصطيفانوس البيزنطي٢ وعرفت كذلك باسم المدينة من كلمة مدينتا Medinta التي تعني الحمى أي مدينة على رأي المستشرقين الذين يرون أن اليهود المتأثرين بالثقافة الآرمية أو بعض المتهودة من بني إرم الذين نزلوا إلى يثرب هم الذين دعوها مدينتا، ومنها جاءت المدينة. أما كلمة مدينة على أنها اختصار من مدينة الرسول فيرون أنه رأي متأخر قال به العلماء ٣. ويسوق صاحب الرحلة الحجازية رأيًا آخر يعتمد فيه على الرواايت التي تقول بأن موسى حين خرج ببني إسرائيل من مصر، أرسل فرقة من جيشه لقتال العماليق وأن هؤلاء الجنود أقاموا بيثرب بعد أن قضوا على أعدائهم، وأنهم أطلقوا اسم يثرب على المدينة تحريفًا لها من الكلمة المصرية أوسربيس، كما أن اسم طيبة الذي استعمل اسمها للمدينة مأخوذ عن طيبة المصرية٤. وللأخباريين -كعاداتهم- آراء في الاسم: قالوا إنها سميت بيثرب نسبة إلى يثرب بن قاين بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إزم بن سام بن نوح، وكان أول من نزلها فسميت باسمه ٥. وقالوا: بل قيل لها يثرب من التثريب. وزعموا أن الرسول ﷺ لما نزلها كره أن يدعوها يثرب كراهية للتثريب، فدعاها طيبة وطابة ٦ وذكروا لها تسعة وعشرين اسمًا ٧. غير أن هذه الأسماء التي أطلقوها على المدينة صفات أطلقها المتأخرون عليها بعد الهجرة النبوية، وبعد أن أصبحت عاصمة للدولة الإسلامية العربية.

стр. 274

والاسم الذي كان متداولًا قبل الهجرة هو اسم يثرب وقد ورد في القرآن الكريم١، وعلى أنه كان هناك حي من أحياء المدينة يسمى يثرب يقع في الجنوب الغربي من أحد بين سلع ووادي قناة، ويقال: إن هذه المنطقة هي التي كانت عامرة بالناس قبل مجيء اليهود إلى الدينة، ولعل اسم يثرب أخذ من اسم المنطقة من المدينة كما يطلق اسم القاهرة الآن على كل مدينة القاهرة مع أن القاهرة القديمة لا تشمل كل المدينة كما ورد اسم المدينة كذلك في مناسبات عدة في القرآن توحي بأن اسم المدينة هو التسمية الإسلامية لها بعد الهجرة٢. وقد طغت التسمية على الأسماء كلها، وأصبحت يثرب تدعى مدينة الرسول أو المدينة المنورة وهذا الاسم الأخير هو المستعمل اليوم. وتاريخ المدينة الذي يمكن الاعتماد عليه هو تاريخها منذ القرن الذي سبق الهجرة النبوية أي منذ بداية القرن السادس الميلادي، إذ إن هذه الفترة ليست بعيدة بحوادثها وآثارها عن هذه الهجرة وما ترتب عليها من أحداث كبيرة غيرت مجرى التاريخ العربي، بل مجرى التاريخ العام.

стр. 275

سكان المدينة مدخل ... سكان المدينة كانت يثرب عند الهجرة النبوية منقسمة إلى عدة دوائر تسكنها بطون عربية ويهودية، وكل دائرة تابعة لبطن من البطون. وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين: يشتمل القسم الأول على الأراضي الزراعية بمنازلها وسكانها، ويشتمل القسم الثاني على الأطم أو الآطام، وكان البطن يملك أطمًا أو أكثر، وهذه الآطام كانت ملكًا خاصًّا بالأسر العريقة، ورئيس الأسرة هو صاحب السلطان في الأطم كما كان يعتبر زعيمًا من زعماء البطون٢. وكانت الآطام عظيمة الأهمية في يثرب، يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدو٣، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة حين يخرج الرجال للقتال٤ وكانت الآطام تستعمل كمخازن تجمع فيها الغلال والثمار؛ لأنها كانت معرضة في أماكنها المكشوفة للنهب والسلب، وفي الأطم يخزن السلاح وتكنز الأموال٥. وفي كل أطم كان يوجد بئر أو أكثر يستقي منه أهله إذا هاجمهم عدو واضطروا إلى الاحتماء بالأطم٦. كما كانت أطم اليهود تشتمل على المعابد وبيوت المدارس يجتمع فيها الزعماء للبحث والمشاورة حيث يقسمون بالكتب المقدسة حين يهمون بإبرام العقود والاتفاقات٧، على أنه قد وجدت في يثرب بطون لم تكن تملك الآطام، فكانت هذه البطون لذلك تقيم في الأحياء، حيث تحمي البطون الكبيرة مواليها من غارات البطون الأخرى، وكانت الأحياء متضامنة متلاصقًا بعضها ببعض، وإن كان كل حي يهتم بشئونه الخاصة.

стр. 276

ومن هذه الأحياء وتلك الدوائر المحصنة كانت تتكون مدينة يثرب، فهي في الحقيقة مجموعة من القرى تقاربت وتجمعت فتكونت منها المدينة، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك١.

стр. 277

اليهود كان اليهود جاليات كبيرة العدد متعددة الفروع، منتشرة في أماكن كثيرة من منطقة يثرب والطريق المؤدية إلى الشام. وكانت كتل اليهود الكبرى -على ما يبدو- تتركز في يثرب بالذات، حيث كانت فيها ثلاث قبائل ربما بلغ عدد رجالها البالغين أكثر من ألفين وهي قينقاع، والنضير، وقريظة١، وإلى جانبها كانت توجد بطون وعشائر يهودية متفرقة، ذكر السمهودي أنها كانت أكثر من عشرين بطنًا، منها بنو القصيص، وبنو ناغصة، وبنو مريد، وبنو معاوية، وبنو ماسكة، وبنو محمم -محمر- وبنو زعورا، وبنو زيد اللات، وبنو حجر، وبنو ثعلبة، وبنو الشطبية، وبنو عكرمة، وبنو مراية، وبنو عوف، وبنو عدل -بهدل-٢.هذا إلى أعداد أخرى من اليهود سكنوا في جهات مختلفة من يثرب. وقد عاشت قبائل اليهود الثلاثة الكبرى في مساكنها عيشة التكتل والأحياء الخاصة؛ بينما عاشت البطون الصغيرة منتشرة إلى جوارهم أو إلى جوار البطون العربية في ثرب. وقد ابتنى اليهود الحصون والقلاع والقرى المحصنة، وكانت من القوة والمناعة بحيث ظنوا أنها مانعتهم ممن يريدهم، وبحيث ظن العرب ذلك، ومما لا ريب فيه أن هذه الحصون والقلاع والقرى كانت وسيلة لتوطيد مركز اليهود وإقرارًا لهيبتهم في نفوس العرب. كما كانت دليلًا على ما كانوا عليه من قوة وقد ذكر السمهودي أن آطام اليهود في يثرب كانت تسعة وخمسين أطمًا٣.

стр. 278

وقد سكن اليهود الجهات الخصيبة الغنية في منطقة يثرب؛ فقد أقام بنو النضير بالعوالي في الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مذينب، وأقام بنو قريظة إلى شمالهم على وادي مهزور، أما بنو قينقاع فقد أقاموا عند منتهى جسر وادي بطحان مما يلي العالية، وكان لهم هناك سوق من أسواق المدينة عرفت بهم. أما بقية بطون اليهود فكانت منتشرة في أماكن أخرى متعددة من المناطق الغنية في يثرب، فبنو هذل وبنو عوف كانوا إلى جوار قريظة، ونزل بنو القصيص وبنو ناغصة بقباء، وكان بنو مربد وبنو معاوية وبنو ماسكة في شمال وادي مهزور، وبنو زعورا في منطقة العوالي عند المكان المعروف بمشربة أم إبراهيم، وكانوا بنو عكرمة -عكوة- وبنو مراية على طرف حرة واقم من ناحية الشمال في يماني وشمالي منازل بني حارثة الأوسيين؛ بينما كان بنو ثعلبة وجماعات غيرهم من اليهود بقرية زهرة بناحية العريض وكانت من أعظم قرى المدينة، كما كان يعيش في شمال المدينة بقرب أحد جماعات من اليهود١. وهكذا كان اليهود يعيشون في أخصب مناطق يثرب وأغناها. ويختلف المؤرخون في جنسية يهود يثرب، أهم عرب تهودوا أم هم إسرائيليون نزحوا إلى الأقاليم العربية؟ وعلى الرأي الأول المؤرخ اليعقوبي الذي يرى أن بني النضير وبني قريظة فرعان من قبيلة جذام العربية، تهودوا وسموا باسم المكان الذي نزلوا فيه، فبنوا النضير فخذ من جذام إلا أنهم تهودوا ونزلوا بجبل يقال له النضير فسموا به٢. وبنو قريظة فخذ من جذام إخوة النضير يقال إن تهودهم كان في أيام السموأل، ثم نزلوا بجبل يقال له قريظة، فنسبوا إليه٣. وعلى الرأي الثاني عامة المؤرخين العرب. ومن جهة أخرى تجتهد طائفة من المؤرخين الإفرنج في أن تجد لبعض أسماء القبائل اليهودية اشتقاقًا عبريًّا٤. على أن الاستدلال ببحث لغوي على جنسية اليهود بما توحي إليه الأسماء التي يحملها اليهود قبائل وأفرادًا لا يمكن أن يعتد بها أو يعتمد عليه، سواء أكانت هذه الأسماء عربية أم عبرية، فمن الحق أن بعض أسماء القبائل اليهودية في بلاد العرب عربية محضة

стр. 279

كما يقول اليعقوبي، ولكنها لا تدل على أنها عربية الجنس، إذ يمكن أن تكون جموع اليهود التي هاجرت إلى بلاد العرب قد اتخذت أسماء الأمكنة التي بها أسماء لها، بل الواقع أن اليهود كانوا قد تركوا منذ أمد طويل الانتساب إلى قبائلهم وأصبحوا يعرفون بأسماء المدن والقرى والأقاليم التي جاءوا منها، فكان يقال فلان الأرشليمي أو فلان الحبروني وهكذا١. ثم إن الأفراد الذين تسموا بأسماء عربية كانت أسماء آبائهم عبرانية مثل: عبد الله بن صوريا، وكنانة بن صورياء، ووهب بن يهوذا، وزيد بن اللصيت، ونعمان بن آضا، وثعلبة بن شعيا، والزبير بن باطا، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وسلسلة بن برهام، هناك أسماء عبرية قرنت بآباء أسماؤهم عربية مثل: شمويل بن زيد، والنحام بن زيد، وكروم بن قيس. على أن هناك أسماء عبرية محضة مثل عزال بن شمويل. وهكذا ٢. ويشير إسرائيل ولفنسون إلى آثار اللغة العبرية الظاهرة في أسماء الأماكن التي نزلها اليهود في الحجاز، فيقول: فمع أن أسماء البلدان والأماكن التي سكنها اليهود في الحجاز كانت عربية؛ فقد وجد لبعضها اتصال باللغة العبرية مثل: وادي بطحان، فإن معناه بالعبرية الاعتماد، ووادي مهزور أو محزور معناه مجرى الماء، وقال السمهودي: سمران جبل بخيبر صلى النبي ﷺ على رأسه، والعامة تسميه مسمران، وضبطه بعضهم بالشين المعجمة؛ فإذا علمنا أن بفلسطين جبلًا يسمى شمران، أمكننا أن نستنتج أن شمران هذا؛ إنما هو لفظ عبري أطلقه اليهود على ذلك الجبل بعد نزولهم عنده. ثم بئر أريس نسبة إلى رجل يهودي اسمه أريس بلغة أهل الشام، ولكننا نعتقد أن هذا الاسم في الأصل غير علم، بل هو نكرة يطلق في اللغة العبرية والآرامية على الفلاح الحارث. وبئر روما اشتراها عثمان من يهودي ومعناها البئر العالية٣.

стр. 280

ولكي نعرف جنسية اليهود في بلاد العرب؛ فإنه من الأفضل أن ننظر في الأخلاق والتقاليد واتجاه الأفكار والأعمال. ومن هذا السبيل نستطيع أن نحكم بأن يهود يثرب بخاصة وشمال الحجاز بعامة أقرب إلى العنصر اليهودي منهم إلى العنصر العربي. يحتوي القرآن الكريم معلومات وافية عن اليهود في المدينة ومناطقها، وذلك للموقف الجحودي والحجاجي الذي وقفوه من الدعوة الإسلامية؛ وقد وجه القرآن الخطاب لليهود بتعبير بني إسرائيل، ونعى عليهم موقف اليهود الأقدمين مع موسى والنبيين من بعده، وما كان منهم من إحراج وتعجيز وكفر وتكذيب وغدر ونقض للشرائع وتحريف للكلام عن مواضعه، وقد جعل اليهود المعاصرين والقدماء موضع خطاب وسياق وسلسلة واحدة في كثير من الآيات، حيث يوجه الخطاب إلى بني إسرائيل أو إلى اليهود بصفة المخاطب القريب، فيقص ما كان من الأقدمين مقارنًا إياه بما يقع من المعاصرين، مما يرجح معه الصلة اللاحمة النسبية بين هؤلاء وأولئك مما جعلهم يصدرون عن جبلة واحدة وخصائص واحدة١. وتوجيه الخطاب إلى يهود يثرب بتعبير بني إسرائيل بهذا الإطلاق والشمول مع هذه الصلة اللاحمة التي يجعلها القرآن بين القدماء والمعاصرين منهم يجعلنا نجزم بأن اليهود في الحجاز كانوا طارئين وأنهم إسرائيليون، وأنهم ليسوا قبائل عربية اعتنقت اليهودية كما ذهب إليه بعض المؤرخين؛ بل وليس في الحجاز قبائل عربية يهودية الدين، وأن العرب الذين تهودوا في الحجاز لم يكونوا سوى أفراد، ولم يكونوا جماعة قبلية محسوسة. هذا إلى أن اليهود أنفسهم لم يكونوا يمليون إلى نشر ديانتهم بين الأمم، وفي ذلك يقول إسرائيل ولفنسون: ولا شك أنه كان في مقدرة اليهودية أن تزيد في بسط نفوذها الديني بين العرب حتى تبلغ منزلة أرقى مما كانت عليه لو توافرت عند اليهود النية على نشر الدعوة الدينية بطريقة مباشرة، ولكن الذي يعلم تاريخ اليهود يشهد بأن الأمة الإسرائيلية لم تمل بوجه عام إلى إرغام الأمم على اعتناق دينها، وأن نشر الدعوة الدينية من بعض الوجوه محظور على اليهود٢.

стр. 281

وقد كان اليهود يعتبرون أنفسم شعب الله المختار من بين شعوب الأرض ولا تسمح أنفسهم أن تكون هذه الميزات لشعب آخر ليس منهم١. ومما يؤيد هذا أنه كان إلى جوار اليهود بالمدينة بطون عربية صغيرة قبل مجيء الأوس والخزرج٢، وقد بقيت هذه البطون العربية على أديان آبائها القديمة، ولم تعتنق اليهودية على الرغم من أنها عاشت زمنًا طويلًا مع اليهود وعلى الرغم من أن اليهود كانوا أصحاب الثروة والنفوذ في يثرب. وعند الهجرة النبوية كان المفهوم العام عند العرب واليهود على السواء أن اليهود إسرائيليون. ويشير السهيلي إلى نقطة جديرة بالاعتبار عند مناقشته لمعنى قول النبي ﷺ في مدح مخيرق أحد بني النضير الذي أسلم واشترك في موقعة أحد وقتل فيها: "مخيرق خير يهود". وقال: "مخيرق مسلم" ولا يجوز أن يقال في مسلم هو خير النصارى ولا خير اليهود؛ لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه، فإن قيل: وكيف جاز هذا؟ قلنا: لأنه قال: "خير يهود" ولم يقل خير اليهود، ويهود اسم علم كثمود، يقال: إنهم نسبوا إلى يهوذ بن يعقوب، ثم عربت الذال دالًا، فإذا قلت اليهود بالألف واللام احتمل وجهين: النسب، والدين الذي هو اليهودية، أما النسب فعلى حد قولهم التيم في التيميين، وأما الدين فعلى حد قولك النصارى والمجوس، أعني أنها صفة لا أنها نسب إلى أب. وفي القرآن لفظ ثالث لا يتصور فيه إلا معنى واحد وهو الدين دون النسب، وهو قوله سبحانه ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة] بحذف الياء، ولم يقل كونوا يهود؛ لأنه أراد التهود وهو التدين بدينهم، ولو قال كونوا يهودًا بالتدين لجاز أيضًا على أحد الوجهين المتقدمين، ولو قيل لقوم من العرب كونوا يهود بغير تنوين لكان محالًا؛ لأن تبديل النسب حقيقة محال. وقد قيل

стр. 282

هود جمع هائد وهو في معنى ما قلناه. فلتعرف الفرق بين قولك هودًا بغير ياء، ويهودًا بالياء والتنوين، ويهود بغير تنوين، فإنها تفرقة حسنة صحيحة ١. وإذا تتبعن المصادر في الأقوال التي يشار فيها إلى اليهود المعروفين بإسرائيليتهم؛ وجدنا كلمة يهود هي الكلمة المستعملة، مما يقطع بأن هذا الاصطلاح كان مفهومًا بمعناه المؤدي إلى النسب سواء لدى العرب أو اليهود على السواء٢. هذا إلى أن النسابين العرب لم يذكروا إحدى قبائل اليهود في المدينة أو غيرها من أقاليم الحجاز ضمن الأنساب العربية٣، واليهود أنفسهم لم يحاولوا نسبة أنفسهم إلى قبائل العرب، بل حرصوا على نسبة أنفسهم إلى الإسرائيليين؛ فقد كان بنو قينقاع يدعون أنهم من ذرية يوسف الصديق ٤، وبنو النضير وقريظة يسمون الكاهنين٥ وعلى العكس ذكر النسابون أنساب القبائل المتهودة في اليمن والقبائل المتنصرة في الشام، وهذه القبائل المتهودة أو المنتصرة لم تحاول أن تنسب نفسها إلى الإسرائيليين أو غيرهم من الأمم الأخرى؛ فقد كانت القبائل العربية شديدة المحافظة على أنسابها شديدة الأنفة من أن تدعي نفسها إلى غيرها، وتشير الآية القرآنية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران] إلى أن اليهود كانوا يعتبرون ما دونهم من الأمم أممًا ثانوية ليس عليهم أي تبعة نحوها، ويبيحون لأنفسهم كل شيء معها.

стр. 283

وكلمة الأمين في الأصل كان يطلقها اليهود على الأمم الأخرى، وفي الحجاز أطلقوها على العرب، وتعني غير الكتابيين١، ومما يؤيد هذا أنه لم تكن لليهود في المدينة وفي أقاليم الحجاز عصبية قبلية بين العرب؛ وإنما كانت صلاتهم بالقبائل العربية صلة حلف ومصالح مشتركة؛ ولذلك لم يجدوا من قبائل العرب من يقف إلى جانبهم بدافع العصبية حين حاربهم النبي ﷺ وطرد بعضهم من المدينة وقضى على بعضهم الآخر؛ بل إنهم حين خرجوا من المدينة لم يلجئوا إلى قبائل العرب ينزلون عليها استنادًا إلى رابطة القربى؛ وإنما لجئوا إلى إخوانهم في خيبر وتيماء ووادي القرى، ثم رحلوا إلى الشام٢. وقد ابتنى اليهود الحصون والقلاع والقرى المحصنة ليقيموا فيها ويتحصنوا بها في أوقات الحروب حين يغزوهم الأعراب الطامعون في أموالهم وحاصلاتهم الزراعية. ويرجح أن فكرة إقامة الحصون والآطام على قمم التلال في يثرب وفي شمال الجزيرة العربية إنما أتى به اليهود من فلسطين وطنهم الذي وفدوا منه والذي كثرت في جباله الحصون المنيعة، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يطمئنون كل الطمأنية في المجتمع العربي، فعمدوا إلى اتخاذ القرى والحصون ليقووا فيها على الدفاع عن أنفسهم؛ ولذلك كانوا في سكانهم منعزلين عن العرب يعيشون مع بعضهم عيشة التكتل والأحياء الخاصة على ما جرت عليه عاداتهم منذ القديم. كما يدل هذا أيضًا على أن أحداثًا خطيرة كانت تقع بين العرب واليهود من حين لآخر، اضطرتهم إلى إقامة الحصون، ثم إلى عقد المحالفات مع العرب والاندماج الظاهري في تقاليدهم العصبية الاجتماعية والقبلية. أما لغة اليهود في بلاد العرب فقد كانت العربية بطبيعة الحال؛ ولكنها لم تكن خالصة بل كانت تشوبها الرطانة العبرية٣، لأنهم لم يتركوا استعمال اللغة العبرية تركًا تامًّا، بل كانوا يستعملونها في صلواتهم ودراستهم، فكان من الضروري أن يدخل في عربيتهم بعض العبرية٤. وقد كان لهم في المدينة كيان طائفي وديني، وكان لهم

стр. 284

معابد ومدارس١، وأحبار وربانيون -وكلمة حبر عبرية الأصل معناها الرفيق، وقد كانت في عهد البعثة تطلق على كل متعلم من اليهود٢- وكان لهؤلاء الربانيين والأحبار احترام عظيم وأثر كبير فيهم، وكان من أعمالهم أن يتولوا القضاء ويفصلوا للناس فيما شجر بينهم٣، كما كانوا أصحاب الأمر والنهي في الشئون الدنيوية، كما يقول القرآن الكريم ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة] وقد نشر اليهود عن أنفسهم -على ما يظهر- علمًا واسعًا في الأديان والشرائع وأخبار الأمم وسنن الكون، وكانوا يزهون على العرب بهذا وبالدين السماوي، وكانوا يفخرون ويستفتحون، ويظهرون غرورًا وخيلاء ويزعمون أنهم أولياء الله وأحباؤه٤. ومع ذلك فقد كان لليهود أخلاقهم التي وصفهم القرآن بها، وهي: الأنانية والجشع والبخل٥، والدس والنفاق وإلقاء الشقوق في نفوس الآخرين قصد البلبة والتحكم٦، وتبرير كل وسيلة للوصول إلى الغاية والمنفعة ٧، واستحلال ما في أيدي الغير وعد أنفسهم غير مسئولين عن الأمانة لهم والوفاء بعهدهم ٨ كما كان من خلقهم اللجاج والحجاج والمكابرة، وتلك أخلاق تجعل اللحمة متصلة بين المعاصرين منهم للرسول والقدماء في هذا الخلق. من كل ما سبق نستطيع الحكم بأن يهود الحجاز كانوا إسرائيليين طارئين على هذه الجهات، وإن كان ذلك لا يمنع من وجود عرب تهودوا ولكنهم كانوا قلة قليلة إلى جانب كتل اليهود الكبرى.

стр. 285

أما متى وفد اليهود على يثرب وكيف، فأمر لا يمكن البت فيه برأي قاطع؛ فإن ما لدينا من معلومات هي مجموعة من روايات نقلها أصحاب الأخبار وسردتها المراجع العربية، وهذه الروايات ترجح وصول الإسرائيليين إلى يثرب واستعمارها لها إلى أيام النبي موسى بعد خروج بني إسرائيل من مصر، وخلاصتها أن المدينة كان يسكنها منذ زمن بعيد قوم من الأمم الماضية يقال لهم العماليق، وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل غزو وبغي شديد، وقد ملكوا الحجاز وكان ملكهم به يسمى الأرقم، وكانوا قد ملئوا المدينة، ولهم بها نخل كثير وزرع، وكان موسى بن عمران قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى يغزونهم؛ فبعث إلى العماليق جيشًا من بني إسرائيل وأمرهم أن يقتلوهم جميعًا ولا يستبقوا منهم أحدًا. وأن هذا الجيش بعد أن انتصر على أعدائه قتلهم جميعًا إلا ولدًا للأرقم كان وضيئًا فأشفقوا على شبابه؛ فحملوه معهم ليرى موسى فيه رأيه. وحين عاد الجيش إلى الشام كان موسى قد مات، وعد بنو إسرائيل إبقاء الجيش على الشاب العمليقي معصية، ورفضوا السماح للجيش بدخول الشام، فعاد على تعبئته إلى المدينة حيث أقام بها، وكان ذلك الجيش أول سكنى اليهود بالمدينة١. ويذكر السهيلي هذه الرواية، ويشك في صحتها لبعد عصر موسى ﵇-٢. كما يذكرها ابن خلدون ويضيف إليها أنه يشك في صحتها؛ لأن اليهود لا يعرفون هذه القصة٣؛ ولكنه يحدثنا أن دواد لما خرج عليه ابنه وخلع بنو إسرائيل طاعته فر إلى خيبر وأقام بها إلى أن انتصر على ابنه فعاد إلى وطنه٤. ومثل هذه الروايات لا يمكن الاعتماد عليها؛ لأنها لا تستند إلى دليل، ولأنه لا يوجد في أسفار العهد القديم ما يؤيدها، وفي ذلك يقول الأستاذ النجار: إن مؤرخي العرب لم تكن لديهم كتب لمتقدميهم في ذلك، وهم إنما يعولون على ما رأوا في سفر العدد من
следующие страницы →