← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إجلاء بني النضير كان بنو النضير أقوى القبائل اليهودية بالمدينة، وكانت حصونهم غاية في المناعة والقوة وكانوا يعتدون بها ويعتقدون أنها قادرة عل حمايتهم، وكان العرب من حولهم يرون أنها أمنع من أن تقتحم، كما كانوا يملكون أفضل الأراضي الزراعية وأفضل النخيل، وكان زعماؤهم قد أظهروا العداوة للنبي ﷺ من يوم قدومه إلى المدينة، وظهر الحسد والبغضاء والإصرار على العداوة منهم١. فلما انتصر المسلمون يوم بدر انطلق شاعرهم كعب بن الأشرف يرسل الأشعار في هجاء المسلمين والتحريض عليهم، وذهب إلى مكة يرثي أصحاب القليب -قتلى قريش- ويحرض قريشًا على المسلمين، حتى فاضت نفوس المسلمين بالغيظ منه والحقد عليه؛ لذلك أمر النبي ﷺ بقتله. ثم إن زعيم بني النضير سلام بن مشكم آوى أبا سفيان في غزوة السويق وأطلعه على أسرار المسلمين، فكأن الخيانة في بني النضير قد ولدت مبكرة حتى إذا ما كانت معركة أحد وهزم فيها المسلمون، وبدأت القبائل العربية تتحرش بهم، حتى استدرجت عددًا منهم، وقتلتهم في الرجيع وبئر معونة -كما سنشير إليه فيما بعد - بدأ يهود بني النضير يدبرون مؤامرة خطيرة للتخلص من النبي ﷺ

стр. 457

والقضاء على الوضع القائم في يثرب كله، مستعينين في ذلك بتلك الجماعة المنافقة بزعامة عبد الله بن أبي، وقد بدأ النبي ﷺ يحس بهذا الموقف في المدينة، لذلك فكر تفكيرًا سياسيًّا بعيدًا عن مرامي الرأي، فرأى ألا شيء خير من أن يستدرجهم ليكشف عن نياتهم. حين قتل عامر بن الطفيل زعيم بني عامر رجال النبي ﷺ الذين ذهبوا إلى منطقة نجد للدعوة إلى الإسلام في بئر معونة -مكان بين حرة بني سليم وبلاد بني عامر شرقي المدينة- نجا منهم رجل هو عمرو بن أمية الضمري الذي قابل في طريقه رجلين من بني عامر فقتلهما ثأرًا بأصحابه، ولم يعلم أن معهما كتاب عهد من رسول الله ﷺ واقتضاه أن يدفع ديتهما. وذهب النبي ﷺ إلى منازل بني النضير- وكانوا حلفاء لبني عامر- في عشرة من كبار أصحابه، وطلب إليهم أن يعاونوا في دفع دية القتيلين، وأظهر اليهود الغبطة لقدومه إليهم، والاستعداد للتعاون، ولكن حين تبسط معهم وجلس إلى جوار بيت من بيوتهم، ائتمروا بينهم أن يصعد أحدهم إلى أعلى الدار فيلقي على النبي ﷺ صخرة تقتله، وأحس النبي بدقة ملاحظته روح التآمر فيهم، فقام يوهمهم أنه ذاهب لبعض حاجته وترك أصحابه وذهب توًّا إلى المدينة، وحين أبطأه أصحابه رجعوا إلى المدينة وقد أدرك اليهود أن تآمرهم قد اكتشف. وما كان النبي ﷺ يصل إلى المدينة ويجتمع بأصحابه حتى أرسل اليهود أحد رجاله وهو محمد بن مسلمة الأوسي يقول لهم: "اخرجوا من بلادي. لقد نقضتم العهد الذي جعلت بينكم بما هممتم به من الغدر بي، لقد أجلتكم عشرًا فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه" وأبلست بنو النضير فلم يجدوا لهذا الكلام دفعًا. لكن عبد الله بن أبي -رأس المنافقين وكبيرهم- أرسل إليهم يقول: "لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين ممن أطاعني من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم". وهنا نقف على أبواب مؤامرة خطيرة يدبرها اليهود والمنافقون في المدينة. ها هم بنو النضير يأتمرون بالنبي ﷺ ليقتلوه غدرًا، فلما انكشفت خطتهم، أعلن المنافقون عن المؤامرة كاملة، فإذا جبهة متكاملة تعلن خروجها، وتستعد للحرب، وتعلن في صراحة أن لديها القوة الكافية من عشائرها ومن غيرها من العرب الآخرين، وأن لديها الحصون والقلاع تحتمي بها، وأنها على استعداد لخوض غمار الحرب حتى الفناء.

стр. 458

إذن فقد كان تقدير النبي ﷺ صادقًا وكانت شكوكه في محلها، أن المدينة مهددة بالحرب الأهلية يثيرها اليهود والمنافقون ومن ينضم إليهم من الأعراب القريبين، وإذن فهو الخطر الداهم الذي لو سكت عليه النبي ﷺ لكان في ذلك القضاء على دولته، فقد أصبح الأعداء يحيطون بها في الداخل والخارج، ولكي يتغلب على هذا الموقف فلا بد من العمل السريع الحاسم، ولا بد من شجاعة وشدة يتذرع بها المسلمون، فقد أخذت اليهود في التجهز للحرب، فرمت حصونها ونقلت إليها الحجارة وشحنتها بالمؤن والذخيرة، واطمأنت إلى قوتها وإلى القوة الخارجية التي يعدها عبد الله بن أبي. وأسرع النبي ﷺ فحاصرهم، واشتبك معهم في القتال عشرين يومًا أظهر فيها اليهود كثيرًا من البسالة، واستماتوا في الدفاع عن حصونهم ودورهم، ولم ينسحبوا من دار إلا بعد أن ييأسوا من الدفاع عنها فيخربوها. وطال حصار الحصون حتى ظن المسلمون استحالة إخراجهم منها، فأمر النبي ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها حتى ييئسهم من فائدة المقاومة أو يضطرهم للخروج لقتال المسلمين في معركة مكشوفة. أما عبد الله بن أبي ومن معه، فقد استطاع النبي ﷺ أن يحول بينهم وبين الاتصال باليهود، فقد أحكم الحصار، فلم يجرؤ عبد الله على التقدم لتنفيذ وعده لليهود، وأذهلته وأصحابه القوة التي واجه بها المسلمون الموقف، وملأ الرعب نفوسهم حينما رأوا النبي ﷺ يأخذ اليهود بالشدة فيحرق بيوتهم ويقطع نخيلهم وينكل بهم؛ لذلك جبنوا عن أن يتقدموا للمشاركة في القتال، بعد أن حيل بينهم وبين الوصول إلى حصون اليهود، ويئس اليهود من عونهم، فطلبوا مصالحة النبي ﷺ فصالحهم على الخروج، لكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال وطعام وشراب ليس لهم غيره. وارتحل اليهود فمنهم من نزل بخيبر ومنهم من ارتحل إلى الشام وتركوا للمسلمين وراءهم مغانم كثيرة من غلال وسلاح، ولكن الأرض التي تركوها كانت أفضل ما غنم المسلمون وأنفع، فقد جعلها النبي ﷺ للمهاجرين دون الأنصار الذين لم يجدوا في صدورهم حرجًا وآثروا بها المهاجرين، وبذلك استغنى المهاجرون عن معونة الأنصار فتحسنت الحالة الاقتصادية عند الطرفين. أما المنافقون، فقد ضعف أمرهم بعد أن انكشف أمرهم ودمغوا بالجبن والعار، ولم يعاقبهم النبي ﷺ ولكنه لم يعد يفكر في أمرهم كثيرًا. وفي شأن بني النضير وتآمر المنافقين معهم نزلت سورة كاملة من سور القرآن هي سورة الحشر.

стр. 459

وبخروج بني النضير، ضعف شأن اليهود بالمدينة، ولكن بقيت لهم جولة أخرى يدبرها بنو النضير بتجميع الأحزاب١.

стр. 460

القضاء على بني قريظة: استطاع رجال بني النضير الذين نزلوا في خيبر أن ينالوا منزلة كبيرة فيها، واستطاعوا أن يغزوا قريشًا بحرب النبي ﷺ وأن يجمعوا لها الأحزاب من القبائل العربية، حتى هاجموا المدينة بجيش قوي عدته عشرة آلاف به قوة كبيرة من الفرسان؛ لكن النبي استطاع أن يتجنب القتال المواجه، كما استطاع أن يوقف تقدم العدو بالخندق الذي حفره حول المنطقة التي تمكن منها اقتحام المدينة، وهي الناحية الشمالية والشمالية الغربية والشرقية، أما باقي الجهات فكان حرارًا يصعب منها الهجوم، وأعانت بنو قريظة بما قدمت للمسلمين من أدوات الحفر من مساح وكرازين ومكاتل، وتركت ناحية العوالي لم يخندق من ناحيتها اعتمادًا على الحصون اليهودية بها، إذ إن قريظة بقيت على ولائها ولم يبد منها ما يكشف عن نية سيئة، ولم تستطع جيوش الأحزاب اجتياز الخندق، ولم يكن الوقت يسمح بالحصار الطويل، إذ كان الوقت شتاء باردًا وليس للقبائل المهاجمة من الاستعداد ما تتقي به البرد للقيام على حصار طويل، لذلك تباحثوا في خطة للظفر السريع أو الانسحاب وخاف حيي بن أخطب النضري مجمِّع الأحزاب أن تفشل خطته، فعمد إلى بني قريظة يغريهم بفتح الطريق أمام جيوش الأحزاب ولم يقبل كعب بن أسد زعيم قريظة في أول الأمر أن ينقض عهده مع الرسول ﷺ ولكن حييًّا ما زال به يقول له: "ويلك يا كعب! قد جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أُحد، قد عاهدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه"١. وقال كعب: "جئتني والله بذُل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء! ويحك يا حيي!! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً٢. ولم يزل حيي به حتى نقض كعب عهده مع النبي ﷺ ولكن بعد أن أعطاه حيي عهدًا وميثاقًا لئن رجعت الأحزاب ليدخلن معه حصنه فيصيبه ما أصابه.

стр. 461

خافت قريظة، وبدأت تتحرش بالمسلمين وتتوسل رجالها لإخافتهم وتهديد حصونهم التي كان فيها نساؤهم وذراريهم حتى تشغلهم عن مواجهة العدو١. لكن النبي ﷺ استطاع أن يبث بذور الشك بين رجال الأحزاب وأن يفرق بينهم، وحتى فسدت نفوسهم واضطروا إلى رفع الحصار عن المدينة. وما كاد النبي ﷺ يتأكد من رجوع جيوش الأحزاب حتى أمر رجاله بحصار بني قريظة، واندفع المسلمون يحكمون الحصار عليهم ليوقعوا بهم الجزاء الطبيعي، لقومٍ نقضوا عهدهم واتصلوا بالعدو وعرضوا الدولة للزوال. واعتصم اليهود بحصونهم، فلم يستطيعوا أن يخرجوا منها ولو مرة واحدة للقاء المسلمين، وحاول كعب بن أسد أن يغريهم بقتال المسلمين ولكن نفوسهم كانت قد ضعفت وقلوبهم خلعت، فقد رأوا مصير من كان أقوى منهم من قبائل اليهود، وعرض عليهم أن يسلموا ويبايعوا النبي ﷺ ولكنهم رفضوا وصمموا على النزول على حكم محمد ظنًّا منهم أن حلفاءهم من الأوس لن يسلموهم إن أراد بهم محمد شرًّا، وأنهم لن يكونوا أسوأ حظًّا من غيرهم من بني قينقاع أو بني النضير، وفاتهم أن جنايتهم أكبر من أن تغتفر وأنه لا عقوبة على الخيانة العظمى إلا الإعدام، كما فاتهم أنهم لم يقبلوا نصح الأوس حين ذهبوا إليهم يطلبون منهم التمسك بالعهد، وأنهم أهانوا زعيمهم سعد بن معاذ الذي بلغ به الحقد عليهم أن تمنى على الله ألا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة. وحين نزلوا على حكم النبي ﷺ رضوا بأن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وحين كلم الأوس سعدًا في أن يحسن في مواليه، كما فعل عبد الله بن أبي مع بني قينقاع، قال: "لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم"٢. وأصدر سعد حكمه بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء٣، ونفِّذ حكم سعد فقتل من الرجال كل من بلغ الحلم وسبيت الذراري وقسمت الأموال. وقتل مع القوم حيي بن أخطب الذي وفى لكعب بن أسد بما شرط على نفسه. إن تبعة دم بني قريظة تقع على رأس حيي وعليهم معه، فقد نقضوا العهد

стр. 462

وعرضوا الدولة للضياع، والمسلمين للفناء، وهو حكم داخل فيما نسميه الآن بالخيانة العظمى، فلم يكن النبي ﷺ قاسيًا عليهم قسوة ليس ما يبررها، ولقد وفَّى لهم بعهدهم من قبل وأحسن إليهم ولو استمروا على الوفاء لما أصابهم ما أصابهم. وبالانتهاء من بني قريظة انتهت كل المشاكل الداخلية في المدينة وأصبح النبي ﷺ يعمل حر الإرادة مطمئنًا إلى سلامة جبهته الداخلية اطمئنانًا يكفل له أن يولي المجال الخارجي كل عنايته. وهكذا انتهى الموقف العصيب الذي واجهته المدينة بنجاح تام غير ميزان القوى تغيرًا تامًّا، وأتاح النبي ﷺ أن يفكر في خطوات يقرر بها مبدأ السلم الذي يسعى إليه.

стр. 463

فتح خيبر والقضاء على قوة اليهود في جزيرة العرب: لقد كان يعادي محمدٌ قوتين كبيرتين تلتف حولهما كل القوى في شبه جزيرة العرب، فأما القوة الأولى فهي قريش في مكة، بما لها من نفوذ أدبي ومادي، وأما القوة الثانية فهي قوة اليهود بما لها من نفوذ وذكاء وقدرة على الدس والوقيعة، وقد اتحدت مصالح القوتين على حربه والقضاء عليه. وقد استطاع محمد أن يثبت أمام القوتين وأن يخرج من حربه معهما -مجتمعينِ- قويًّا، حتى لقد أصبح زمام المبادأة في يده، وقد استطاع ببعد نظره، وحسن سياسته، وما أظهر من مرونة وكياسة أن يعقد مع قريش عهد الحديبية، فأمِن به قريشًا وأمن الجنوب كله؛ لكنه لم يأمن من ناحية الشمال، حيث تجمعت فلول اليهود في خيبر، وأخذت تسعى لتأليف كتلة يهودية منهم، ومن يهود وادي القرى وتيماء لغزو يثرب، وإذا كان اليهود قد استطاعوا تأليف الأحزاب حتى ساقوا لحرب المدينة عشرة آلاف مقاتل في غزوة الخندق؛ فليس ببعيد عليهم ولا ممتنع أن يستعينوا بقبائل الشمال، أو أن يستعينوا بقوى خارجية فارسية أورومية لضرب المسلمين ضربة ساحقة نهائية. واليهود أشد من قريش عداوة لمحمد؛ لأنهم أحرص على دينهم من قريش، ولأنهم أكثر منها مكرًا ودسيسة، وليس من اليسير أن يوادعهم محمد بصلح كصلح الحديبية ولا أن يطمئن إليهم، وقد سبقت بينهم خصومات لم ينتصروا في إحداها؛ فما أجدرهم أن يثأروا لأنفسهم إذا وجدوا فرصة مناسبة أو استطاعوا أن يستعينوا بقوى خارجية. وإذن فلا بد من القضاء على قوة اليهود قضاء أخيرًا حتى لا تقوم لهم من بعد قائمة ببلاد العرب، ولابد من أن يسارع محمد إلى ذلك، حتى لا يتاح لهم الوقت للاستعانة بغطفان أو بغيرها من القبائل المعادية لمحمد والموالية لهم. وكذلك

стр. 464

فَعَلَ، فإنه لم يقم بالمدينة بعد عودته من الحديبية إلا قليلا حتى أمر الناس بالتجهز لغزو خيبر على ألا يغزو معه إلا من شهد الحديبية إلا أن يكون غازيًا متطوعًا ليس له من الغنيمة شيء١. وقد حرص محمد على ذلك حتى لا يكون معه أحد غير مطمئن إلى قوة نفسه وسمو روحه، وبعد تفكيره عن الكسب المادي؛ فليس الغنيمة قصده، وأن ما ينتظر من قتال أمام حصون خيبر لا تثبت له إلا النفوس المطمئنة المؤمنة، التي تسامت عن المادة والرغبة فيها، فإن النفوس المتعلقة بالمادة لا تثبت أمام الامتحان العسير. ولقد كانت تجربة الأحزاب كافية ليدرك الناس أن النفوس لا تباع رخيصة أمام متاع الحياة، فإن غطفان وغيرها من الأعراب يوم الأحزاب لم يثبتوا على حصار يثرب، فقد كانوا يريدون غنيمة سهلة، فلما لم يستطيعوا تحقيقها، أو لما بدا لهم أن تحقيقها أمر يحتاج إلى الصبر وبذل النفس، تضعضعت قلوبهم، وتفرقت كلمتهم، ورضوا أن يعودوا من الغنيمة بالإياب، ومحمد لا يريد أن يضم إلى صفوفه مثل هؤلاء الناس من طلاب الغنيمة، وهو يتوقع الحصار الطويل، والقتال أمام خيبر أشد القتال. انطلق المسلمون في ألف وأربعمائة ومعهم مائتا فرس٢ مسرعين نحو خيبر، فقطعوا الطريق بينها وبين المدينة في ثلاثة أيام، لم تكد خيبر تحس بهم أثناءها حتى باتوا أمام حصونها. على أن يهود خيبر كانوا يتوقعون من جانبهم أن يغزوهم محمد، ولذلك كانوا دائمي النشاط والتدبير، ولقد عرض بعضهم أن يسارعوا إلى تكوين كتلة يهودية منهم ومن يهود وادي القرى وتيماء، ويهاجموا المدينة مستميتين دون اعتماد على البطون العربية التي فشلت من قبل في اقتحامها، وعرض آخرون أن يدخلوا في حلف مع محمد لعل ذلك يمحو ما ثبت من كراهيتهم في نفوس المسلمين والأنصار منهم بنوع خاص بعد ما قام به حيي واليهود من تأليب العرب للقضاء على المدينة؛ لكن النفوس من الجانبين كانت ملأى، حتى لقد سبق المسلمون قبل الخروج لخيبر بقتل سلام بن أبي الحقيق واليسير بن رزام من زعماء خيبر تمهيدًا للغزو، وحرمانًا لليهود من زعيمين كبيرين لهما رأي وتدبير، ولذلك كان اليهود على اتصال دائم بغطفان، وكان هؤلاء حلفاء دائمين لهم كحلف قريش مع الأحابيش، ولذلك استعانوا بهم أول ما ترامى إليهم اعتزام محمد غزوهم، ولكن النبي ﷺ كان سريعًا إلى الحيلولة دون اتصال

стр. 465

غطفان باليهود، فقد سارعت جيوش المسلمين، فحالت بين غطفان وبين خيبر، كما أن النبي ﷺ وعد الغطفانيين بشيء من الغنائم إن تم له النصر على اليهود. على أن غطفان كانت قد بدأت تعيد النظر في موقفها من عداء محمد بعد الأحزاب، وبعد أن تأكد لديها أن الموقف قد تحول إلى جانبه وبخاصة بعد الحديبية حيث سالمته قريش، فلم يكن زعماء غطفان جادين في معاونة خيبر، ولم يعودوا حريصين على الارتباط بها، كذلك كانت القبائل العربية كلها في منطقة الحجاز ونجد قد بدأت تنظر إلى الموقف نظرة جديدة، وكان موقفها في غزوة خيبر موقف تربص وانتظار لما تسفر عنه نتيجة المعركة، فلقد انتصر محمد على قريش وثَبَتَ لها ولكل حلفائها، وأجبرها آخر الأمر على قبول الأمر الواقع وتوقيع صلح الحديبية. ومهما بدت قريش في ثوب من العزة بأن حالت بين محمد وبين دخول مكة؛ فإنها قد انكشفت حين اشترطت على نفسها أن تخلي له مكة من العام القادم ثلاثة أيام يطوف بالبيت فيها، ولم يبق من عدو شديد البأس غير خيبر ذات الحصون المنيعة. كانت جموع اليهود في خيبر من أقوى الطوائف الإسرائيلية بأسًا وأوفرها مالًا، وأكثرها سلاحًا، وأعظمها دربة على القتال، لذلك وقفت شبه الجزيرة العربية كلها متطلعة إلى هذه الغزوة، حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها، ولمن يتم الغلب فيها، وكان كثيرون يتوقون أن تدور الدائرة على المسلمين، لما عرف من قوة حصون خيبر وقيامها على الصخور والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال، وكان المسلمون يدركون هذا الموقف تمام الإدراك، ويقدرون نتائجه حق التقدير، لذلك ذهبوا مستقتلين لا يعرف التردد سبيلًا إلى نفوسهم، وكان النبي ﷺ يدرك أنه لو فشل أمام خيبر فسيتغير ميزان القوى من جديد وربما حدثت نكسة أعادت لأعدائه قوتهم وحماستهم لقتاله والهجوم عليه، ثم إنه كان يدرك أنه ما بقيت لليهود شوكة في شبه جزيرة العرب فستظل المنافسة بين دين موسى والدين الجديد حائلًا دون تمام الغلب له، وحائلًا دون تمام الوحدة التي يعمل لها ويسعى لإقرارها، ومن أجل ذلك حرص على ألا يدخل في صفوفه رجل يخشى أن ينخذل أو يُشِيع الضعف في نفوس المسلمين، ومع أنه كان يستطيع أن يزيد عدد جيشه لو أباح لراغبي الغنيمة من الأعراب أن ينضموا إلى صفوفه، فقد كان فتح خيبر يبشر بمغنم كبير، لكنه ما كان يهتم بكثرة العدد الذي لا غناء فيه، وإنما كان يريد جيشًا مؤمنًا بأهدافه مقدرًا للظروف، وموطنًا النفس على الصبر والشدة، يريد سيوفًا تحركها قوة النفس وتمنعها عزة الإيمان أن تغمد أو تنتصر، ولا يريد سيوفًا يسلها جشع النفس، ثم يغمدها الحرص على الحياة.

стр. 466

وكان جيش محمد كما أراد، قليلًا بعدده، كثيرًا بإيمان رجاله وثبات نفوسهم وتصميمهم على الوصول لأهدافهم. وكانت خيبر مكونة من ثلاث مناطق حربية: منطقة الوطيح والسلالم وفيها أدخل اليهود أموالهم وعيالهم، ومنطقة الكتيبة وأدخلوا فيها ذخائرهم، ومنطقة النطاة وفيها دخل المقاتلة ورجال الحرب وحولهم دار القتال الأول. استبسل اليهود استبسالًا عظيمًا في القتال، ولم يرتدوا عن شبر من الأرض بعد قتال شديد عنيف، واستمر القتال أيامًا عديدة حتى قلَّت المئونة عند المسلمين وأجهدوا إجهادًا شديدًا، مما جعل النبي ﷺ يتجه إلى الحصون التي بها الأموال والمؤن، وفي هجمات قوية استطاع أن يوفر لرجاله ما هم في حاجة شديدة إليه من التموين بفتح بعض الحصون مثل حصن الصعب بن معاذ، فقد وجدوا فيه كثيرًا من التموينات أغنت المسلمين ومكنتهم من مواصلة القتال. وبعد قتال عنيف سقطت حصون خيبر وسلمت منطقة الكتيبة منها دون قتال، ووقع كثير من السبي والغنائم في أيدي المسلمين. لم يُجْلِ النبي ﷺ أهل خيبر عنها بل أبقاهم للقيام على زراعة أرضها مناصفة؛ لأنه لم يكن لديه من العمال الزراعيين من يقوم على زراعة أرضها، وكانت منطقة غنية خصيبة، ولا شك أن اليهود أقدر على زراعتها والقيام على استثمارها، ثم إن النبي ﷺ كان في حاجة إلى رجاله؛ لأن الدولة مازالت تحوطها المخاطر وهي في أشد الحاجة إلى كل قادر على حمل السلاح. كما أنه لا يصح أن تترك مثل هذه الأرض الخصبة بدون استغلال، بينما الدولة في حاجة إلى المئونة والمال، ثم إن قوة اليهود قد قضى عليها بعد هذا النصر، ولم تعد لهم شوكة يخاف منها. فقد سالم يهود فدك، ويهود وادي القرى، على ما سالم عليه يهود خيبر، أما يهود تيماء فقد أذعنوا وقبلوا دفع الجزية بدون قتال، وبذلك دانت اليهود كلها لسلطان النبي ﷺ وانتهى كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة١. وبانتهاء سلطان اليهود تغير الموقف تغيرًا نهائيًّا في جزيرة العرب لصالح المسلمين، وأتم النبي ﷺ خطته لإحكام الحصار حول مكة، والحقيقة أن مكة بعد غزوة خيبر أصبحت كالثمرة الناضجة تستعد للسقوط.

стр. 467

الفصل الثالث: الصراع بين المدينة والقبائل العربية لم يبد من القبائل العربية أي نشاط ضد المدينة في السنتين الأوليين من الهجرة، وكان نشاط النبي ﷺ في هذه الفترة متجهًا نحو القبائل التي كانت تقيم إلى جنبات طريق التجارة المار بغربي المدينة، فاتجهت السرايا الأولى التي أرسلها النبي ﷺ أو قام هو على رأسها إلى هذه الجهات. وقد استطاع في خلال هذه المدة أن يعقد محالفات مع بعض هذه القبائل فوادعته بنو ضمرة وهم فرع من بني بكر بن عبد مناة١، وبنو مدلج وهم بطن من كنانة٢ كانوا حلفاء لبني ضمرة٣، كما وادع جهينة وكانت جهينة حليفة للخزرج من أهل المدينة في الجاهلية كما كانت حليفة لقريش، وقد استمرت جهينة على موادعتها للطرفين طوال مدة الصراع بين مكة والمدينة، وبقيت على الحياد٤ حتى تحولت إلى جانب المسلمين نهائيًّا بعد موقعة الأحزاب، وبدخول هذه القبائل في حلف النبي أصبح عامة أهل الساحل في موادعة معه٥. كما كانت خزاعة معه، وكانت عيبة لرسول الله مسلمها ومشركها لا تكتم عنه شيئًا من أمر عدوه، كما كانت دائمًا تكتب له بخبر قريش وما تبيت له، حتى إذا كان صلح الحديبية أعلنت انضمامها نهائيًّا، كما رأينا من قبل. لكن موقف القبائل تجاه المدينة قد بدأ يتغير بعد موقعة بدر وانتصار المسلمين فقد أحست القبائل بعد انتصار النبي ﷺ على قريش وأخذه طريق التجارة إلى الشام وإلى العراق عليها، ومنع قوافلها من المرور، بأن مصالحها الاقتصادية معرضة للضرر، وكانت القبائل التي تعيش بين مكة والمدينة وعلى جنبات الطرق التجارية تستفيد من التعامل مع قوافل قريش، كما كانت تشارك فيها بنصيب، إذا عملت قريش على خلق شبكة اقتصادية منها ومن قبائل الحجاز ونجد وسيطرت بذلك على قوافل التجارة المارة بين الشمال والجنوب، كما أنها نظمت الأسواق التجارية حول مكة، وكانت القبائل تجد في هذه الأسواق مجالًا لتصريف حاصلاتها، كما كانت تتزود منها بما تحتاج إليه، كما

стр. 468

أوضحنا ذلك في فصل الحياة الاقتصادية في مكة. وكان توقف قوافل قريش يؤدي إلى الإضرار بمصالح هذه القبائل، كما تؤدي حالة الحرب بين مكة المدينة إلى إرباك قريش، وهذا يؤدي بدوره إلى إضعاف النشاط التجاري في الأسواق الموسمية حول مكة. من أجل ذلك وقفت القبائل العربية التي كانت تعيش إلى شمالي مكة في منطقة الحجاز ومنطقة نجد الغربية موقفًا عدائيًّا من الدولة اليثربية واعتبرت وجودها ضارًّا بمصالحها. وحتى القبائل التي كانت على صلات ودية بيثرب قبل الإسلام كسليم ومزينة وغطفان، تحولت إلى موقف العداء لها، وأخذت تناوئها وحاولت شن الغارات عليها. وحفلت الفترة ما بين بدر وأحد بتحرشات هذه القبائل ضد المدينة، ولذلك اتجهت سرايا النبي ﷺ كلها في هذه الفترة إلى منطقة سليم وغطفان تضرب على أيدي هذه القبائل، وتفرق كل اجتماع منها لغزو المدينة أو النيل من أطرافها١. وبعد أُحد اشتد نشاط القبائل ضد المدينة واتسعت دائرته، وتنوعت وسائله، فقد تجرأت القبائل على حرب المدينة والنيل من المسلمين بعد هزيمتهم في أحد أمام قريش، وكانت بدر قد أوجدت العرب في قلوبهم، لكنهم بعد أحد بدءوا يستعيدون شجاعتهم ويكيدون للمدينة ويستعدون لضربها، لكن النبي ﷺ كان حذرًا دائمًا يبث عيونه في منطقة القبائل فتأتيه بأخبار تحركاتها وتجمعاتها، فيسرع في إرسال سراياه لضربها قبل أن تكمل استعدادها ويشتد جمعها، وعلى الرغم من قلة رجال السرايا التي كان يرسلها النبي ﷺ إلا أنها كانت تفاجئ القبائل وتدهمها على غرة منها فتشتت تجمعاتها، وتستولي على إبلها وأغنامها وتوقع بمن تصل إليه من رجالها. وكان أول ما بلغ النبي ﷺ بعد شهرين من أحد أن طليحة وسلمة بن خويلد وكانا على رأس بني أسد، يحرضان قومهما ومن أطاعهما يريدان مهاجمة المدينة؛ ليصيبوا من أطرافها؛ وليغنموا من نَعم المسلمين التي ترعى الزروع المحيطة بمدينتهم، وإنما شجعهم على ذلك اعتقادهم أن المسلمين لا يزالون مضعضعين من أثر أحد، فما كاد هذا الخبر يبلغ مسامع النبي ﷺ حتى عقد لأحد رجاله -سلمة بن عبد الأسد- لواء سرية تبلغ عدتها مائة وخمسون رجلًا منهم كثير من كبار المسلمين وشجعانهم وأمرهم أن يسيروا ليلًا ويكمنوا نهارًا وأن يسلكوا طريقًا غير مطروق حتى لا يطلع أحد على

стр. 469

خبرهم، فيفجئوا العدو بالإغارة على غرة منه، ونفذ رجال السرية هذه التعليمات وباغتوا الأعداء على حين غفلة فأوقعوا بهم هزيمة سريعة ألجأتهم إلى الفرار فطاردوهم وظفروا بما معهم غنيمة للمسلمين١. وكذلك اتصل بالنبي ﷺ بعد ذلك أن خالد بن سفيان بن نبيح اللحياني الهذلي، زعيم لحيان من هذيل مقيم بنخلة أو بعرنة -من أرض هذيل- وأنه يجمع الجموع ليغزوه. فدعا النبي ﷺ إليه أحد رجاله -عبد الله بن أنيس- ممن اشتهروا بالفطنة والشجاعة، وبعثه يتجسس حتى يقف على جلية الخبر، وسار عبد الله حتى التقى بخالد، واستطاع أن يوهمه بأنه سمع تجمعه لمحمد، فجاء ينضم إليه. فلما تأكد من صحة ما علم المسلمون غافله حتى إذا وجد منهم غرة قتله. وعاد إلى المدينة فأخبر النبي ﷺ وهدأت بنو لحيان بعد موت زعيمها زمنًا، عادت بعده تفكر في الثأر عن طريق الحيلة والغدر. ثم دبروا أمر الثأر عن طريق رهط من عَضْل والقارة من بني الهون ابن خزيمة، وهي قبيلة تجاور بني لحيان، قدموا على النبي ﷺ يقولون له: إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يعلموننا شرائعه ويقرئوننا القرآن. وكان النبي ﷺ يبعث من أصحابه كلما دعى إلى ذلك ليؤدوا هذه المهمة الدينية السامية، وليكونوا دعاة له، وفي الوقت نفسه يكونون عيونًا للدولة على خصومها؛ لذلك بعث ستة من كبار أصحابه خرجوا مع الرهط، حتى إذا بلغوا ماء لهذيل بناحية تُدعى الرجيع، غدروا بهم، واستصرخوا هذيلًا عليهم، ولم يرع هؤلاء الرجال الستة وهم في رحالهم إلا الرجال وبأيديهم السيوف قد غشوهم، ودافع المسلمون عن أنفسهم حتى قتل منهم ثلاثة واستأسر الثلاثة الآخرون. فأما أحدهم فتخلص من قيده ودافع عن نفسه حتى قتل. وأما الآخران فقد باعتهما هذيل إلى قريش غدرًا، وثأرًا بمن قتل من رجالها يوم بدر٢. ولم يكن حزن المسلمين قد خفَّ على من قتل من أصحابهم يوم الرجيع ولم تكن أشعار حسان بن ثابت يرسلها في رثاء هؤلاء الرجال قد خفتت أنغامها الحزينة- حين فوجئ المسلمون بحادث هو أنكى عليهم من غدر هذيل، وأشد ألَمًا للمسلمين وإثارة لعواطفهم، ذلك هو غدر بني عامر بوفد آخر من المسلمين بلغت عدته أربعين رجلًا، وقتلهم في بئر معونة، وهي مكان على طرف حرة بني سليم بينهم وبين بلاد بني عامر.

стр. 470

فقد قدم على المدينة أحد سادات بني عامر، وهو أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام، فلم يسلم، ولكنه لم يظهر للإسلام عداوة. وقال: "يا محمد، لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. وخاف النبي ﷺ على أصحابه من أهل نجد وخشى أن يغدروا بهم كما غدرت هذيل، لكن أبا براء قال: "أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا بأمرك". وكان أبو براء رجلًا مسموع الكلمة في قومه لا يخشى أحدٌ أجاره أن يعتدى عليه، ولم يعرف عنه الغدر ولا الخيانة ولا إخفار الذمة. وكان صادقًا في وعده، لكن سيدًا آخر من سادات بني عامر وهو عامر بن الطفيل ابن أخيه أخفر عمه، واستعدى على وفد المسلمين بطونًا من بني سليم، بعد أن رفضت بنو عامر إخفار عمه، فأحاطوا بالمسلمين وقتلوهم إلا رجلًا منهم هو عمرو بن أمية الضمري أسره عامر بن الطفيل ثم خلى عنه حين علم أنه من كنانة١. كان لهذين الحادثين وقع أليم في نفس النبي ﷺ دعاه إلى زيادة الحيطة والحذر في معاملة القبائل، واتخاذ الشدة معها، إذ إن مثل هذه الأمور لو تكررت، استخفت العرب بشأن المسلمين وتجرأت القبائل عليهم، وعند ذلك يرفع النفاق رأسه في المدينة، ويجد اليهود لهم مجالًا لإيقاع الفتنة والائتمار بالنبي ﷺ وبالمسلمين، وربما جرَّ ذلك إلى تكتل أعدائهم عليهم في الخارج، نتيجة لروح الاستخفاف التي تثيرها أمثال هذه الجرأة على المسلمين، وقد كاد هذا يتم فعلًا، فقد تآمر المنافقون واليهود في المدينة على حياة الرسول وإثارة الحرب الداخلية في المدينة مما أدى إلى إجلاء بني النضير كما قدمنا. ولهذا فإنه حين ذهب بعد ذلك إلى وادي بدر تنفيذًا لوعد أبي سفيان بالحرب يوم أحد، ورأى من بني ضمرة شيئًا من التردد في الاستمرار في حلفهم معه، أظهر لهم الشدة والقوة، فقد جاءه مخشى بن عمرو الضمري -وهو الذي وادعه من قبل على بن ضمرة- وهو منتظر قدوم قريش فقال: "يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ " وأدرك النبي ﷺ ما وراء هذا التساؤل فقال: " نعم يا أخا بني ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك". وأعاد هذا الرد إلى الرجل صوابه، ورأى ما في هذا الإنذار من تصميم من النبي ﷺ على إقرار هيبة المسلمين. فقال: "لا والله يا محمد، ما لنا بذلك من حاجة"٢.

стр. 471

كذلك اتصل بالنبي ﷺ بعد عودته إلى المدينة أن جماعة من غطفان يجمعون له يريدون حربه، فخرج بنفسه على رأس أربعمائة من أصحابه إلى محالهم بمكان يقال له: ذات الرقاع -وهو موضع في وادي القرى على طريق تبوك- ففر الأعراب من وجهه، فاستاق من وجد من أموالهم ونسائهم وعاد إلى المدينة١. وما كاد يستقر بالمدينة حتى علم أن القبائل الضاربة على تخوم الشام، تتحرك وأنها تتحرش بتجارة المسلمين التي أخذت تتجه نحو الشمال بعد أن أصبحت تجارة قريش نحو هذه الجهة في حكم المتوقفة؛ لذلك خرج في ألف من رجاله إلى دومة الجندل وهي واحة على الحدود بين الحجاز والشام، وتقع على الطريق بين البحر الأحمر والخليج العربي، وبينها وبين دمشق ثماني مراحل -حوالي مائة ميل- ولم يقاتل النبي ﷺ القبائل التي خرج لقتالها؛ لأنها ما كادت تسمع باقترابه حتى فرت تاركة للمسلمين غنائم من أموالها حملها المسلمون إلى يثرب٢. وبعد خمسة أشهر من خروجه لدومة الجندل، تجمع بنو المصطلق وهم حي من خزاعة كانوا حلفاء لبني مدلج وكانوا ينزلون على ماء لهم يقال له: المريسيع في ناحية قديد إلى الساحل٣، وكانوا بطنًا من البطون التي تكون حلف الأحابيش مع قريش، فخرج إليهم النبي في قوة كبيرة من رجاله، واستطاع أن يحيط بهم، فلم يقاتلوا طويلًا حتى قتل منهم عشرة ووقع سائرهم في الأسر، وسبى النبي نساءهم وذراريهم وغنم أموالهم. لكنه رأى أن يصطنعهم ليوهن حلف الأحابيش ويحرم قريشًا من هذه القوة التي تستعين بها دائمًا في حروبها، فخلى عن أسراهم ورد لهم نساءهم وذراريهم، ثم أصهر إليهم بأن تزوج جويرية بنت زعيمهم الحارث بن أبي ضرار، بذلك ضمن ولاءهم له وحرمان قريش من عونهم٤. من كل ذلك نرى مقدار ما وصل إليه نفوذ المسلمين، وما بلغ إليه سلطانهم وخوف القبائل إياهم، ونلاحظ هنا أن نفوذ الدولة امتد كثيرًا إلى الشمال حتى قارب تخوم الشام، كما نلاحظ أن قوات المسلمين التي كانت تتجه إلى هذه المنطقة كانت أكثر

стр. 472

عددًا وأكبر من أن تكون سرايا عادية؛ وذلك لأن هذه القوات كانت تقترب من حدود بلاد تخضع لنفوذ دولة قوية هي دولة الروم، وأنه من المحتمل أن تشتبك مع قوات الغساسنة في بادية الشام. عجزت القبائل منفردة أن تنال شيئًا من المدينة ولم تستطع أن تواجه سراياها وقواتها التي كانت تخرج لقتالها، فقد كان المسلمون يقاتلون على نظام وتعبئة بينما كانت القبائل تقاتل على غير نظام، وكانت قوات المسلمين تملك ناصية المبادأة دائمًا فلم تترك لعدوها فرصة لتنظيم نفسه، لكن خصوم المدينة ما لبثوا أن اتحدوا جميعًا لسحقها، فتجمعت قوات الأحزاب من قريش وغطفان وأشجع وسليم وأسد وغيرها، فهاجمت المدينة في جولة نهائية، ولكنها ارتدت عنها، وقد ازدادت فرقة وازدادت إدراكًا بعدم إمكانها القضاء عليها، كما أوضحنا ذلك في غزوة الأحزاب، واضطرت مكة إلى توقيع صلح الحديبية بعد ذلك، فأتاح ذلك للنبي ﷺ فرصة القضاء على قوة اليهود نهائيًّا في خيبر، وبذلك تغير الموقف نهائيًّا لصالح الدولة اليثربية، فبدأت القبائل تميل مع مصالحها، ولم يكد يمضي عام على فتح خيبر حتى كانت القبائل التي كانت تعادي المدينة، قد انضمت إليها، وبنفس الروح التي قاتلت بها يثرب، اتجهت إلى مكة، فكان جيش النبي ﷺ في فتح مكة يضم أكثر من ثمانية آلاف مقاتل من رجال هذه القبائل. اطمأن النبي ﷺ إلى أن الموقف السياسي في جزيرة العرب قد تحول نهائيًّا إلى جانبه، بعد أن أمن جناح الدولة اليثربية الجنوبي بعقد صلح الحديبية مع قريش، وأمن جناحها الشمالي بالقضاء نهائيًّا على قوة اليهود في غزوة خيبر. وانفسح أمامه المجال ليعمل في هدوء واطمئنان؛ لتوسيع نشاط دعوته، والخروج بها إلى طورها العام بعد أن مرت بالطور الخاص في مكة ثم في المحيط العربي. والحق أن الدعوة الإسلامية كانت قد بلغت يومئذ من النضج ما يجعلها دين الناس كافة، فهي لم تقف عند التوحيد وما يقتضيه من عبادات، بل انفرج ميدانها وتناولت من صور النشاط الاجتماعي، ما يوازي بينها وبين سمو فكرة التوحيد، وما يجعل صاحبها أدنى إلى بلوغ مراتب الكمال الإنساني، وإلى تحقيق المثل الأعلى للحياة؛ فقد نزل كثير من الأحكام الاجتماعية، وبدأت تظهر واضحة صورة المجتمع الإنساني الذي يريده صاحب الرسالة، مجتمَعًا فاضلًا تقوم العلاقات فيه على أساس المساواة والعدالة والإخاء، فرسم التشريع في حدود هذه المثل العلاقات العامة والخاصة في الجماعة الإنسانية، فقدرت الحقوق والواجبات ونظمت الأسرة وحددت

стр. 473

المسئوليات، وطبقت القواعد تطبيقًا عمليًّا، وظهرت شخصية المجتمع الجديد مشرقة بما أمر الإسلام من البر والرحمة، وما دعا إليه من عمل الخير، وما في عباداته من رياضة النفس والطبع وقتل غرور القلب، بما جعله الكمال الطبيعي للأديان التي سبقت وجعل الدعوة إليه للناس كافة. من أجل ذلك فكر النبي ﷺ في إرسال رسله إلى ملوك العالم المحيط بالجزيرة العربية يدعوهم وشعوبهم إلى رسالة الإسلام، وفي مقدمة هؤلاء الملوك هرقل قيصر الروم وكسرى ملك الفرس. أرسل رسله تحمل كتبه إلى كسرى، وإلى النجاشي وإلى ملك عمان وملك اليمامة وملك البحرين والحارث الحميري ملك اليمن، وإلى هرقل قيصر الروم، والحارث الغساني ملك تخوم الشام، والمقوقس حاكم مصر. وانطلق هؤلاء الرسل كل إلى وجهته، فأوصلوا هذه الكتب إلى من أرسلت إليهم، فمنهم من قبل الدعوة وأسلم كأمير البحرين، ومنهم من رد ردًّا حسنًا دون أن يسلم، وكان هؤلاء هم الأكثرية، ومنهم من غضب ومزق الكتاب مثل كسرى الذي أرسل باذان علمله على اليمن أن يأتيه بهذا الرجل الذي ظهر في الحجاز؛ لكن باذان ما كان يتصل بالنبي ﷺ حتى أسلم وأبقاه النبي ﷺ على منصبه على أن يكون عامله على اليمن، وعاد رسل النبي جميعًا إليه سالمين إلا من أرسل إلى حاكم بصري فإن شرحبيل بن عمرو الجذامي عامل الروم على البلقاء عدا عليه فقتله١.

стр. 474

غزوة مؤتة: كانت ناحية الشام وهذه الجهات الشمالية متجه أنظار النبي ﷺ بعد أن أمن الجنوب بعهده مع قريش، وبإسلام باذان عامل الفرس على اليمن، وقد استطاع النبي ﷺ بعد غزوة خيبر وإخضاع يهود وادي القرى وتيماء أن يمد نفوذه نحو الشمال، وكان يرى أن هذه الجهة المتاخمة لحدود دولته هي المنفذ الطبيعي لانتشار الدعوة إلى الإسلام إذا أريد خروجها عن حدود الجزيرة العربية، فالارتباط بين هذه الجهة والجزيرة العربية ارتباط طبيعي وقديم، وبها من العرب ما يقتضي توحيد العرب جميعًا ضمهم إلى الدولة العربية, إدخالهم في نطاقها، والغساسنة أمراء العرب وإن كانوا قد قاتلوا في صفوف

стр. 475

الروم، وإن كانوا قد خضعوا لهم؛ فإن هذا الخضوع ليس لمصلحة العرب وإنما هو لمصلحة الروم في المقام الأول، ولقد بدا ذلك واضحًا حين غير الروم سياستهم نحو هذه المملكة العربية حين لم يعودوا في حاجة شديدة إلى خدماتها، وإذا كان أمراء الغساسنة يصانعون الروم لمصلحتهم كأمراء فإنه يجب التفرقة بين مصالح الأمراء ومصالح الشعوب إذا فضل الأمراء مصالحهم، ولقد أظهر الحارث الغساني من الحماس ما لم يظهره هرقل نفسه حين أرسل النبي ﷺ كتابه إليه، كما أن الروم قتلوا الأمير الغساني الذي أسلم، وقتل شرحبيل بن عمرو حاكم البلقاء رسول النبي ﷺ الذي أرسله إلى بصرى؛ لذلك رأى النبي ﷺ أن يؤدب من غدر بدعاته، وفي الوقت نفسه يشعر العرب في هذه الجهات بقوة المسلمين، قوة تحفزهم على الانضمام إليهم بدافع العروبة، فجهز حملة من ثلاثة آلاف مقاتل على رأسهم مولاه زيد بن حارثة، فإن قتل فالقيادة لجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة الأنصاري، وخرج في الجيش خالد بن الوليد متطوعًا، وسارت الحملة إلى غايتها على حدود الشام، وقد خرج الناس يودعون الجيش ومشى النبي ﷺ نفسه معه حتى ظاهر المدينة، يوصي قواده ألا يقتلوا النساء ولا الشيوخ ولا الصبيان، وألا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار. وكانت خطة الجيش أن يأخذ الأعداء على غرة، لكن أنباء مسيره كانت قد سبقته، فقام عمال هرقل بجمع القبائل للتصدي للمسلمين، وأمدهم هرقل بقوات من عنده، وتذهب بعض الروايات إلى أنه تقدم بقواته التي يبلغ عددها مائة ألف من الروم حتى نزل مآب من أرض البلقاء؛ ليكون قريبًا من جيوش أمرائه؛ ليمدها بالمعونة إذا لزم الأمر. وتقدر المصادر العربية قوة الجيش التي اشتبكت مع المسلمين بمائة ألف، وهذا رقم كبير، لا يمكن الموافقة عليه، وكل ما يمكن تصوره أن قوة العدو كانت أكبر من قوة المسلمين أو أنها كانت أضعافها. فإن الحملة الإسلامية كانت مكونة من ثلاثة آلاف وأن أنباء مسيرها كانت معروفة، فلا يمكن أن يوجه إليها الروم مثل هذا العدد الحاشد من الجيوش، على أن هذه الأعداد الضخمة لم تستخدمها بيزنطة في قتالها مع الفرس وهم أقوى من العرب والصراع معهم كان صراعًا كبيرًا وخطيرًا، ولم يستخدم الروم هذه الأعداد إلا فيما بعد، عندما اشتبكوا مع الدولة الإسلامية اشتباكًا حقيقيًّا خطيرًا ثم إن عدد قتلى المسلمين كان قليلًا مما يظهر عدم كبر قوة العدو.

стр. 476

على كل حال تقدم الجيش الإسلامي حتى بلغ معان، وهناك علم المسلمون بجموع العرب والروم لهم، فترددوا في الإقدام أو الانتظار حتى يكتبوا إلى النبي ﷺ فإما أن يمدهم بالرجال وإما أن يأمرهم بأمره فيمضون له، وكاد هذا الرأي يسود لولا أن تقدم عبد الله بن رواحة، وكان إلى جانب شجاعته وفروسيته شاعرًا، قال: يا قوم!! والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة. وامتدت عدوى النخوة من الشاعر المؤمن الشجاع إلى الجيش كله، فقال الناس: صدق ابن رواحة، ومضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع العرب والروم بقرية يقال لها: مشارف، فلما دنا العدو انحاز المسلمون إلى قرية مؤتة؛ لأنهم رأوها خيرًا من مشارف لحصانتها، وعند مؤتة حدثت المعركة التي أبدى فيها المسلمون غاية الشجاعة. ما من شك في أن قوة العدو كانت أضخم كثيرًا من قوة الجيش الإسلامي، وإن لم تبلغ العدد الذي ذكره الأخباريون، وكان التكافؤ منعدمًا بين القوتين من حيث العدد ومن حيث عدة الحرب، ومع ذلك فقد أبدى المسلمون من الشجاعة وقوة الإيمان ما أذهل العدو نفسه وحال بينه وبين الالتفاف بالمسلمين وسحقهم، وإلا فأين يقع الآلاف الثلاثة من الجند من الخمسين ألفًا أو الستين أو حتى العشرين. حمل زيد براية النبي ﷺ حملة صادقة واندفع في صدر العدو، وهو موقن بأن ليس من موته مفر، ولكنه موقن بأن الموت هو الشهادة في سبيل الله، وأن الشهادة هي الجنة، وليس الاستشهاد ودخول الجنة دون الظفر والنصر مكانًا، وحارب زيد حرب المستميت حتى مزقته رماح الأعداء، فتناول الراية جعفر بن أبي طالب وهو فتى الثالثة والثلاثين، تعدل وسامته وشجاعته واندفع في غمار العدو، حتى إذا أحيط به نزل عن فرسه فعقرها وقاتل راجلًا، ولكن للشجاعة مهما عظمت حدود بالنسبة للكثرة الساحقة، وخر جعفر بعد أن قطعت يداه وقدَّ نصفين دون أن يسلم الراية، فتناولها عبد الله بن رواحة ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:

стр. 477

أقسمتُ يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنة ... مالي أراك تكرهين الجنة ثم نزل فتقدم فقاتل فقتل: ثم تناول الراية ثابت بن أرقم الأنصاري فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت! قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ الراية خالد، وكان الموقف يحتاج حقًّا إلى مواقف خالدية، لقد كان خالد قائدًا ماهرًا ومحركًا للجيوش لا نظيير له. أُلْهِم القيادة إلهامًا، فهو يستعين في مواقفها بكل ما عرفت الحرب من فن يستخدمه على السليقة وعلى البصيرة الملهمة فدار بالجيش دورة، ضم بها صفوفه، ثم قاتل به في غير اندفاع ومع ذلك في غير تراجع، وكان بذاته قدوة صالحة حتى لقد تكسر في يده تسعة سيوف، ومع ذلك لم يعرض رجاله لرماح العدو ولا لسيوفه تحيط بهم وتعمل فيهم، واستطاع أن يحتفظ بتوازن المعركة حتى جاء الليل، وفي الصباح عدَّل جيشه تعديلًا جديدًا، فجعل الميمنة ميسرة وجعل الميسرة ميمنة، وجعل المقدمة ساقة، والساقة مقدمة، ووضع في خلف الجيش عددًا من الرجال بالجمال والخيول يحدثون جلبة شديدة ويثيرون النقع ليوهم العدو أن مددًا قد جاءه، وأصبح الروم على تعبئتهم السابقة يرون وجوهًا غير الوجوه، ويرون خلف الجيش الإسلامي نفعًا ينبئ عن مدد جديد سوف يدخل المعركة. وإذا كان المسلمون على قلتهم قد فعلوا ما فعلوا بالأمس؛ فكيف هم اليوم وقد جاءهم المدد وازداد العدد. لقد أحجم الروم عن الهجوم، وكذلك لم يهاجمهم خالد فقد كان يريد أن يخرج من المعركة غير المتكافئة بجيشه سليمًا، ويرعب العدو حتى لا يلاحقه في تراجعه، فلما اطمأن أن نجاح خطته تراجع بقوته وبَعُدَ بها حتى صارت في مأمن ثم عاد بالجيش إلى المدينة١. استنكر المسلمون على الجيش أن يعود من غير أن ينتصر، وعيروا رجاله حتى أحرجوا بعضهم، وقالوا لهم: يا فرار. فررتم في سبيل الله؟ ولكن النبي ﷺ القائد البصير الذي يدرك معنى النصر الحقيقي، واسى الجيش ورد تعيير المسلمين، وقال: "بل هم الكرار إن شاء الله". ومع ذلك فقد وجد على أصحابه أشد الوجد، وكان عليه أن

стр. 478

يعيد للمسلمين كرامتهم في هذه البلاد، فبعث عمرو بن العاص إلى قبائل الشمال يستنفرها إلى الشام، وذلك أن أمَّه كانت من قبائل تلك النواحي، فكان من اليسير عليه أن يتألفهم ثم أتبعه بالمدد فيه كبار المهاجرين عليهم أبو عبيدة ومعه أبو بكر وعمر، واستطاع عمرو أن يشتت جموع قبائل تخوم الشام ويرد للمسلمين هيبتهم في تلك الناحية١. أحدثت هذه الأعمال أثرها. فبدأت القبائل المجاورة للمدينة والتي في شمالها تبعث وفودها للنبي ﷺ تعلن طاعتها وإذعانها، وإنه لكذلك إذا حدث ما كان مقدمة لفتح مكة، ولاستقرار الإسلام بها استقرارًا كان له أثر بالغ في إسلام العرب، وفيما أسبغ على مكة بعد ذلك من قدسية فاقت ما كان لها في الجاهلية وظلت خالدة على الزمان.

стр. 479

الخاتمة: فتح مكة وتوحيد الجزيرة العربية عاد جيش المسلمين بعد موقعة مؤتة لا منتصرًا ولا منهزمًا، وترك انسحابه أثرًا مختلفًا عند المسلمين بالمدينة، وعند الروم، وعند قريش بمكة. فأما أثره بالمدينة؛ فقد كان المسلمون يرجون أن يحقق الجيش نصرًا كالانتصارات التي حققها من قبل، وساءهم أن ينسحب من أمام الروم دون أن يلحق بهم هزيمة، ولم يشفع لرجال الجيش عندهم أن كان العدو أضعافهم كثرة وسلاحًا، واتهموهم بالفرار في سبيل الله١ وبالغ شباب المسلمين المتحمِّس في هذا الاتهام حتى أرهقوا كبار رجال الجيش حتى ليلزم أحدهم بيته؛ كي لا يؤذيه صبيان المسلمين وشبابهم بتهمة الفرار، لكن النبي ﷺ وهو القائد البصير كان يدرك أن الانسحاب السليم أمام العدو المتفوق نصرٌ لا يقل قيمة عن دحر العدو في ميدان القتال، ولعله قُدِّر لخالد بن الوليد ضبطه نفسه وتغليبه الحكمة والحذر على الاندفاع والمغامرة في قتال قد يهلك الجيش ويؤدي إلى كارثة شديدة الأثر على موقف المسلمين، ولذلك رد على اتهام المسلمين بقوله: "بل هم الكرار إن شاء الله"٢. ثم تلافى الموقف -كما ذكرنا من قبل- بما حفظ على المسلمين هيبتهم في الجبهة الشمالية وثبت سلطانهم. وأما أثر الانسحاب عند الروم، فرحوا بانسحاب المسلمين وحمدوا الله أن لم يطل القتال بينهم، مع أن جيش الروم كان أضعاف جيش المسلمين، وسواء أكان فرح الروم راجعًا إلى ما أبداه خالد من الاستماتة في الدفاع والقوة في الهجوم، أم كان راجعًا إلى مهارته في توزيع جنوده وإيهام الروم بأن مددًا جاءه من المدينة، سواء أكان هذا أم ذاك فإن القبائل العربية المتاخمة للشام نظرت إلى فعال المسلمين بإعجاب شديد. حتى لقد أعلن أحد زعماء القبائل وهو فروة بن عرم الجذامي٣ -وكان قائدًا من جيش الروم- إسلامه فقبض عليه بتهمة الخيانة، وحوكم، ولم يقبل عند محاكمته أن يرجع عن إسلامه، فأعدم وكان لهذا أثره في ازدياد انتشار الإسلام بين قبائل نجد المتاخمة للعراق والشام، فدخل في الإسلام ألوف من سليم وأشجع وغطفان وعبس

стр. 480

وذبيان وفزارة، فكأن غزوة مؤتة كانت بابًا دخل منه الإسلام في قلوب هؤلاء الذين كانوا من قبل يناصبون المسلمين العداء. أما أثر مؤتة في قريش فكان أن اعتبرها بعضهم هزيمة على سلطان المسلمين؛ ولذلك يجب أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل عهد الحديبية، ولتُعِدَّ قريش حربًا على المسلمين ومن في عهدهم دون أن تخشى قصاص محمد. وكانت خزاعة قد دخلت في عهد النبي ﷺ ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان بين خزاعة وبني بكر ثارات قديمة، سكنت بعد صلح الحديبية؛ فلما كانت مؤتة خُيِّل لقريش وحلفائها أن المسلمين قد قضي عليهم، ظن بنو بكر أن الفرصة سانحة ليصيبوا ثأرهم من خزاعة، وحرضهم على ذلك رجال من شباب قريش لم يقدروا الموقف تقديرًا صحيحًا، منهم عكرمة بن أبي جهل وبعض سادات قريش، وأمدوهم بالسلاح، وبيتت بنو بكر خزاعة ذات ليلة وهم على ماء لهم يسمى الوتير، فقتلوا منهم، وهزموهم حتى ألجأوهم إلى الحرم، وإلى دار بُديل بن ورقاء الخزاعي بمكة١. وخرج عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة حتى وقف على النبي ﷺ وهو بالمسجد، فقص عليه نقض بني بكر وقريش العهد، وشكا إليه ما أصاب قومه، واستنصره بالعهد، فقال النبي ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم" ٢. ثم خرج بديل بن ورقاء في جماعة من خزاعة حتى قدموا المدينة فأخبروا النبي ﷺ بما أصابهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم٣، وعند ذلك رأى النبي ﷺ أن ما قامت به قريش من نقض العهد، لا مقابل له إلا فتح مكة، وأنها فرصة لا يجب أن تفوت فقد كان فتح مكة هدفًا يعمل النبي ﷺ لتحقيقه منذ أمد بعيد، ويهيئ له في أناة وصبر، ولذلك أرسل إلى المسلمين في أنحاء الجزيرة ليكونوا على أهبة الإجابة لندائه من غير أن يعرفوا وجهته بعد هذا النداء. أما رجال الملأ من قريش فقد أدركوا ما عرضهم له عكرمة ومن معه من الشباب من خطر، فهذا صلح الحديبية قد نقض، وهذا سلطان محمد في شبه الجزيرة يزداد بأسًا وقوة، وقد انضمت إليه قبائل التي كانت تقاتل في صفوف قريش من قبل، وإنه إن فكر في الانتصار لخزاعة من أهل مكة تعرضت مكة لأشد الخطر؛ لذلك أوفدوا

стр. 481

أبا سفيان بن حرب قائدهم وحكيمهم إلى المدينة ليثبت العقد وليزيد في المدة، ولعل المدة كانت سنتين، فكانوا يريدونها عشرًا، ولقي أبو سفيان بديل بن ورقاء في الطريق، وبالرغم من أن بديلًا أنكر أنه لقي محمدًا؛ فإن أبا سفيان عرف أنه كان بالمدينة، ومن أجل ذلك آثر ألا يكون محمد أول من يلقى، فجعل وجهته بيت ابنته أم حبيبة زوج النبي ﷺ . ولم تستقبله ابنته استقبالًا حسنًا، ولما لقي النبي ﷺ وكلمه في العقد وإطالة مدته لم يرد النبي ﷺ عليه، ورفض كبار الصحابة من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعلي أن يساعدوه، بل لقد أغلظ له عمر الجواب وقال: "أنا أشفع لكم إلى رسول الله!! فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به". فانصرف محنقًا يفيض أسى مما لقي من هوان، وعاد إلى مكة يحمل لقومه نتيجة سفارته الفاشلة١، وقد أدرك أن الموقف تحول نهائيًّا إلى غير صالح مكة، وأخذ رجال مكة يتناقشون في موقف أصبح ميئوسًا منه. أما النبي ﷺ فلم ير أن يترك لهم فرصة حتى يتجهزوا للقائه؛ لذلك أمر فنادى بالتجهز فاحتشد له جيش قوي لم تشهد الجزيرة مثله من قبل عدة ونظامًا، فلقد بلغت عدته أكثر من عشرة آلاف، وبلغت قوة الفرسان فيه أكثر من ألفين٢، وإذا كان جيش الأحزاب في موقعة الخندق قد بلغ مثل هذا العدد أو نحوه فإنه كان مفكك القيادة متنازع الأهواء، أما هذا الجيش فكان تحت قيادة موحدة حازمة، وكان هدفه واضحًا محددًا، ولم تكن القبائل التي اشتركت فيه مدفوعة بالكسب المادي مأجورة كما كانت حال غطفان في يوم الخندق. ولما اكتملت عدة الجيش أعلن النبي ﷺ أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد، ودعا الله أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش حتى لا تقف عن سيرهم على نبأ٣. وتحرك الجيش الكبير في عدته التي لم تشهدها الجزيرة من قبل عدة وسلاحًا ونظامًا وحسن طاعة، يملأ نفوس رجاله الإيمان بأن لا غالب لهم من دون الله، وسار محمد على رأس هذا الجيش وكل تفكيره أن يدخل البلد الحرام من غير أن يريق قطرة

стр. 482

دم واحدة وبلغ مر الظهران -على أربعة فراسخ من مكة- دون أن يحس أي استعداد من قريش للقائه، فهل عميت الأخبار على قريش حقيقة؟ أم أنها كانت غافلة غير متوقعة قدوم محمد لغزوها، أم تراها كانت في اضطراب لا تستطيع معه أن تحسم أمرها؟ إننا إذا تتبعنا الحوادث فربما يمكن الوصول إلى تقرير الأمر تقريرًا صحيحًا. وأول ما يطالعنا في هذا الشأن أن العباس بن عبد المطلب لقي النبي ﷺ بالجحفة ومعه أهله قد خرج إلى المدينة١، وحين لقي النبي ﷺ أرسل أهله إلى المدينة وعاد مع جيش المسلمين، ثم إن الأمر لم يقف عند العباس وحده، وإنما خرج رجال من بني هاشم: منهم من كان يعادي الإسلام عداء شديدًا من أمثال أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلقوا النبي ﷺ في الطريق وأخذوا منه الأمان لأنفسهم٢. والأمر الثاني: هو أن أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قد خرجوا من مكة والتقوا بالعباس الذي أوصل أبا سفيان للنبي ﷺ بعد أن أجاره، فأسلم أبو سفيان٣، وأعلن النبي ﷺ أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. والأمر الثالث: هو أن بعض رجال مكة قد استعدوا للقتال وجمعوا قوتهم في مدخل من مداخل مكة واشتبكوا مع قوات المسلمين، حتى هزموا وفروا٤. ونحن إذا بحثنا هذه الأمور الثلاثة أمكننا أن نخرج برأي: فأما العباس بن عبد المطلب؛ فقد درج على أن يكتب للنبي ﷺ دائمًا يعلمه كل تحركات قريش ضده، فقد كتب له حين استعدت قريش لغزوه في موقعة أحد، وكتب بشأن استعدادها لغزوة الأحزاب، وتتحدث بعض المصادر أنه استأذن النبي ﷺ في الهجرة، بعد أُحُد وأن النبي ﷺ أمره بالبقاء في مكة، فإن بقاءه في مكة أكثر فائدة للمسلمين٥. ثم ها هو يخرج للمدينة والجيش متجه إلى مكة لفتحها، مما يوحي بأن مهمته في البقاء بمكة قد انتهت، ثم إن العباس كان صديقًا شخصيًّا لأبي سفيان بن حرب وبينهما من الود ما يسمح بالتكاشف بين الرجلين إذا استقر رأي أبي سفيان على التسليم، وقد عرف عن العباس دائمًا البر بقومه والحرص على مصلحة قريش؛ ولذلك كان اهتمامه كبيرًا بأن يأخذ الأمان لقريش. ثم هل كان خروج بني هاشم إلى لقاء النبي ﷺ حين

стр. 483

قدومه محض صدفة؟ أم أنهم كانوا على علم بنوايا النبي ﷺ نحو مكة وخروجه لفتحها؟ وإذا كانوا على علم فهل خفي هذا الأمر على قريش؟ ثم خروج الزعماء الثلاثة إلى حيث لقوا العباس، هل كان صدفة كما تصوره الروايات؟! إننا إذا درسنا شخصيات هؤلاء الثلاثة نقطع بعدم الصدقة في هذا الخروج، فأبو سفيان كان قد أدرك الموقف حين ذهب إلى المدينة وفشلت سفارته في تأكيد العقد وزيادة المدة، وهو كقائد لقريش في صراعها قد أدرك أن الموقف في غير صالح مكة، ثم إن خروج قائد مثله للتجسس أمر فيه خطورة، إذ من المحتمل أن يقع في يد العدو ثم هي مغامرة لا مبرر لها إلا أن تكون لأمر مقصود، ولقاؤه مع العباس في مكان معين غادر العباس الجيش وذهب إليه في الليل أمر يوحي بتدبير متفق عليه، وحين لقي أبو سفيان العباس ركب معه مباشرة إلى النبي ﷺ ولم يلبث أن أسلم وقبل أن يكون داعية سلام. وحكيم بن حزام رجل اشتهر منذ معركة بدر بأنه ضد الحرب١ وكان حريصًا على ألا يقع الاشتباك الأول بين المسلمين وقريش، وهو من قبل كان يعطف على موقف بني هاشم حتى كان يمدهم بالطعام حين كانوا محصورين بالشعب في مكة، ثم كان ضمن العاملين على نقض صحيفة المقاطعة، ثم هو ابن أخي خديجة زوجة النبي، فهو يرتبط به برابطة الصهر فوق رابطة القرابة. ثم إن بديل بن ورقاء الخزاعي قد خرج يستنصر النبي ﷺ على قريش وهو لا بد عالم بنية النبي ﷺ في غزو مكة، وأبو سفيان كان يعلم عنه خروجه إلى -النبي ﷺ فاستصحابه في هذه الليلة لا يمكن أن يكون للتجسس إذ كيف يتجسس بديل وقد طلب من النبي النصرة؟ وإذن فلا سبب لخروجه مع أبي سفيان غير تسهيل الاتصال بالنبي ﷺ . إذا تأملنا كل هذا؛ قطعنا بأن قريشًا كانت تتوقع الغزو، وأنها لم تستطع أن تعد قوة كافية لمواجهة المسلمين، وأنها كانت على خلاف من أمرها، بدليل أن بعض رجالها استعد للمقاومة، وقام بها فعلًا، ويعزز هذا ما روته المصادر من أن قريشًا بعثت أبا سفيان يتجسس الأخبار، وإن لقي محمدًا يأخذ لهم منه جوارًا، فإن رأى رقة من أصحابه آذنه بالحرب٢.

стр. 484

وقد كان كبار الزعماء في قريش يرون التسليم دون قتال، وكان على رأيهم أكثرية قريش، والدليل على ذلك أن الذين اشتبكوا مع قوات المسلمين كانوا قلة وكان على رأسهم بعض الشباب وهم الذين أعانوا بني بكر من قبل، ولذلك فإن الثلاثة الذين خرجوا لا بد أنهم كانوا وفد التسليم وكانوا على اتفاق سابق مع العباس الذي خرج من مكة؛ ليمهد لهذا اللقاء، وكان النبي ﷺ على علم بهذا الأمر، ولذلك قال لأصحابه وهو بالجحفة: "ذهب كلبهم وأقبل درهم، هم سائلوكم بأرحكامكم، وأنتم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه"١، الأمر الذي يقطع بأن العباس أعلم النبي ﷺ بنية أبي سفيان والاتفاق معه. ومع ذلك فقد اتخذ النبي ﷺ لدخول مكة أهبته وأعد للنصر كل عدته فقسم قواته إلى عدة فرق وأمرها أن تدخل مكة من كل مداخلها، وأمر رجاله بعدم القتال إلا إذا أكرهوا وحين بدا من بعض القادة ميل إلى العنف من أمثال سعد بن عبادة الأنصاري عزله عن القيادة وأحل ابنه محله٢. ودخلت قوات المسلمين مكة دون حرب، إلا ما كان من فرقة خالد بن الوليد التي تعرض لها من أجمعوا على القتال بقيادة عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمر الذين ما لبثوا أن تفرقوا بعد مناوشات بسيطة٣، وبدخول جيش النبي ﷺ مكة سقط معقل المقاومة الأكبر وعفا النبي ﷺ عن قريش عفوًا تامًّا٤، وحتى الذين منع عنهم الأمان لشدة خصومتهم ولؤم نكايتهم ما لبث أن منحهم إياه حين أعلنوا بالطاعة. وهكذا استطاع النبي ﷺ أن يكسب أكبر معركة في تاريخ الدعوة الإسلامية بغير حرب وبغير إراقة دماء. وكان لفتح مكة صدى بعيد الأثر في الجزيرة العربية وآثار بعيدة المدى من الناحيتين الدينية والسياسية على السواء. فأما من الناحية الدينية: فإن النبي ﷺ حين تم له دخول البلد الحرام بدأ بالكعبة فطاف بها سبعًا، ثم أمر فحطمت الأصنام المقامة جميعًا. ثم دخل الكعبة فأزال ما بها من صور وتماثيل٥. وبهذا قضى على الوثنية في معقلها الأكبر قضاءً رسميًّا. ثم إنه

стр. 485

تتبع بيوت الأصنام في الحجاز وفي الجزيرة العربية كلها يرسل إليها من يحطمها ويعلن للقبائل جميعًا انتهاء عهد الوثنية١. ولم تقاوم القبائل هذا العمل وكان سكوتها يعني إقرار منها بزوال عهد الوثنية، بل إن كثيرًا من القبائل تولت أصنامها بنفسها. وقريش التي كانت في موضع الزعامة الدينية في الجزيرة العربية، لم تلبث أن اعتنقت الإسلام بعد دخول جيوش النبي ﷺ مكة. واستمسكت به ونصرته حين بدأت كثير من القبائل العربية ترتد عن الإسلام بعد وفاة الرسول ﷺ . أما الآثار السياسية؛ فمنها القريب ومنها البعيد: فأما الآثار القريبة: فقد حدثت بسرعة كبيرة لا تزيد على الأسبوعين عدًّا، وذلك أن قبائل ثقيف وهوازن وهي القبائل التي تقيم قريبًا من مكة وتملك مدينة الطائف قد رأت في فتح مكة، ضربة موجهة لها واعتقدت أن دورها قريب، فقد كانت الطائف مرتبطة بمكة ارتباطًا شديدًا في الجاهلية، ومن أجل ذلك تجمعت قبائل الطائف وقبائل هوازن واستعدت لضرب المسلمين، ولم يستطيع رجال ثقيف وهوازن أن يدركوا أن مكة حين ألقت لواء المعارضة إنما ألقته بعد أن آمنت بأن معارضاتها قد استنفدت كل إمكانياتها، وأن أهل مكة قد فتحت نفوسهم للإسلام قبل أن تفتح مدينتهم أبوابها لجيوش المسلمين، وأن الفتح لم يكن حربيًّا إلا في ظاهره، ومن أجل ذلك خرجت قوات مكة إلى جانب قوات النبي ﷺ للوقوف في وجه ثقيف وهوازن في معركة حنين٢، ثم في حصار الطائف بعد هزيمتها في حنين٣. أما الآثار البعيدة: فإن قريشًا بعد أن القت لواء المعارضة لم يكن يوجد بين قبائل العرب من يستطيع حمله؛ فإن مكة تمثل النظام القديم في نظر الناس في الجزيرة العربية كلها، وهذه الزعامة القرشية كانت زعامة حقيقية قبل الإسلام، فإن الأمم في هذه العصور القديمة كانت تركز جميع مشاعرها القومية في الدين، وتجعله رمزًا

стр. 486

لشخصيتها وعنوانًا على ثقافتها العامة وتقاليدها، فالدين الوثني الذي كانت قريش تحميه كان عنوانًا للقومية العربية ورمزً لها، ولهذا كان تسليم قريش وتحولها إلى الإسلام أمرًا بالغ الأهمية، والنبي ﷺ كان يحس بهذا تمام الإحساس حين مال إلى السلم وتجنب أن يريق دماء المكيين مهاجمًا ومعتديًا؛ بل إنه حين انتصر على قريش لم يتبع معها ما يتبع عادة مع المغلوبين، بل قبل القرشيين في صفوفه دون شرط، وعفا عنهم وسماهم الطُّلَقَاءَ ومنحهم أعطيات من غنائم حنين وأراد بهذا أن يتألف قلوبهم فسموا: بالمؤلفة قلوبهم وهاتان التسميتان تدلان دلالة ظاهرة على سياسة النبي ﷺ . فلما انضمت مكة في العام الثامن الهجري في معسكر النبي ﷺ اقترن التسليم بتحطيم الأصنام كما قلنا وهذا التحطيم في ذاته عمل له معنى خطير، فهو تحطيم للدين القديم والنظام القديم، وتسامع الناس بهذا الفتح وهذا التحطيم وتحدثوا به، وكان لهذا نتائج بعيدة المدى، كانوا يتسامعون أن قريشًا مالت إلى النبي ﷺ وأصبحت من حزبه، وأصبح الحجاز كله بذلك لرجل واحد، وعرفت القبائل أن تغييرًا سياسيًا قد طرأ على النظام القديم، وتسامعت في نفس الوقت بأن هذا النبي الجديد قد حطم الآلهة ولم ينله أذى؛ فكان بقاؤه بعد تحطيم الأصنام يحمل في ذاته نوعًا من الدليل على صدق النبوة في نظر هؤلاء الوثنيين، ولهذا سارعت القبائل المختلفة إلى الاتصال السياسي بهذا النظام الجديد وسعى بعضها إلى الاتصال السياسي والديني في نفس الوقت بهذا الرجل الذي ظهر في الحجاز وخالوه ملكًا ظهر على صورة نبي فتوافدت الرسل ممثلة للقبائل على يثرب في العام الثامن والتاسع وبعض العاشر، حتى لم تبق قبيلة إلا أرسلت للنبي ﷺ وفدًا يعقد معه عهدًا١. هذه الوفود هي الصدى الملموس لنهاية الصراع بين النبي ﷺ ومكة على هذا النحو السعيد. ثم إن هذه الخطوة الجديدة التي تحققت بقدوم الوفود أتاحت للنبي ﷺ أن يتجه لتحقيق خطوة أخرى كبيرة، فقد بدأ النبي ﷺ يتجه إلى ما وراء الحجاز، إلى شبه الجزيرة العربية كلها، وكان هذا التحول مقرونًا بالصدى الهائل الذي تجاوب في جزيرة العرب بعد فتح مكة.

стр. 487

وبفتح مكة خرجت الدولة الإسلامية من نطاق المدينة -الدولة اليثربية- إلى نظام الدول الكبيرة الموحدة، فقد أصبحت الدولة الإسلامية العربية تتكون من المدينة ومكة والطائف وما بينها وحولها من قبائل، وأصبح هدف النبي ﷺ في توحيد العرب أمرًا محققًا، وكان فتح مكة خطوة كبيرة نحو هذا الهدف، تلتها خطوة أخرى لإقرار هذا التوحيد وتثبيت دعائمه، وهي أن النبي ﷺ أصدر في نهاية العام التاسع بيانًا سمي: "بيان براءة".

стр. 488

بيان براءة: كان هدف النبي ﷺ في صراعه مع مكة توحيد العرب في دولة واحدة تحت راية الإسلام، وكان فتح مكة خطوة نحو تحقيق هذا الهدف؛ فبعد أن ألقت مكة لواء المعارضة لم يكن في الجزيرة العربية قوة أخرى تستطيع حمل هذا اللواء، ذلك لأن قريشًا كانت قد وصلت إلى مركز الزعامة الحقيقية في الجزيرة العربية من الناحية الاجتماعية والأدبية والدينية، وكانت في مركز التشريع للعرب. فكان دخولها في الإسلام وانضمامها إلى معسكر النظام الجديد يعني نهاية عهد معين هو عهد الوثنية كما كان ابتداء لاتجاه نظر النبي ﷺ إلى ما وراء مكة إلى شبه الجزيرة العربية كلها، ولم يكد هذا الفصل من حياة الدعوة الإسلامية يتم حتى اتصلت القبائل كلها بهذه الحكومة اليثربية الحجازية، فكأن النبي ﷺ قد تحول من مجال ضيق إلى مجال أوسع، وهذا التحول كان مقرونًا بالصدى الهائل الذي تجاوب في جزيرة العرب بعد فتح مكة هذا الصدى الذي أظهر العرب على أن الحكومة الجديدة صاحبة الدين الجديد قوة يجب الاتصال بها، فتتالت وفود القبائل في العام التاسع للهجرة، إلى أن رأى النبي ﷺ في آخر هذا العام الذي سمي بعام الوفود أن يقوم بعمل حاسم فيه استكمال لشيء ضروري للوضع الجديد، ذلك أنه وإن أرسلت القبائل وفودها تعلن إسلامها وخضوعها؛ إلا أنه بقيت أقلية لم تتصل بالمدينة، وبقي من بين رجال القبائل أناس لم يدخلوا في الإسلام وكان الوضع يقتضي أن تحدد هذه القبائل موقفها، فإما أن تدخل في النظام الجديد،

стр. 489

وإما أن تعتبر منفصلة عنه، والنظام الجديد دين ودولة، أو هو دولة قائمة على أساس الدين، والدخول في هذا النظام له ناحيتان: بالنسبة للوثنيين من العرب يجب عليهم أن يعتنقوا الإسلام كمظهر لدخولهم في النظام الجديد وإقرارهم بالوحدة العربية. وبالنسبة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، يجب أن يعلنوا ارتباطهم بالدولة الجديدة عن طريق الخضوع لها ودفع الجزية، والجزية ضريبة مالية يدفعها الرجال البالغون القادرون على الكسب ويعفى منها النساء والأطفال على أن تقوم الدولة بكفالة الحماية لهؤلاء لناس وإعطائهم حقوق الرعية، وتنفيذ القانون عليهم، مع إعفائهم من الخدمة العسكرية، وقد استمر هذا النظام بعد ذلك بالنسبة للبلاد التي فتحها المسلمون والتي كان أهلها يدينون بدين كتابي. ولتحقيق ضم هذه الفئة القليلة التي أشرنا إليها وتحديد موقفها، أصدر النبي ﷺ في نهاية العام التاسع للهجرة بيانًا عُرِف ببيان براءة، وكان هذا البيان وحيًا، ولم يكن من كلام النبي ﷺ لأنه جاء من آيات قرآنية في صورة من سور القرآن الكريم وهي سورة التوبة، وقد بدئت بكلمة: براءة فسمي هذا البيان "بيان براءة" وقد أذاعه النبي ﷺ في مناسبة عامة يحضرها العرب من كافة أنحاء الجزيرة العربية، وفي يوم مشهود هو يوم الحج الأكبر، حيث اجتمع الحجيج كلهم في صعيد واحد عند جبل عرفات، وكان على الحج في هذا العام أبو بكر الصديق، لكن النبي ﷺ أرسل مندوبًا خاصًّا هو علي بن أبي طالب، وإرسال علي لهذا الغرض يعطي أهمية خاصة للموضوع، إذ إنه يعتبر مندوبًا خاصًّا لإذاعة حالة خاصة، ولم يُكَلَّف بذلك أبو بكر حتى لا يعتبر البيان مندرجًا في حالة عامة هي حالة الحج، ثم إن البيان كان نبذًا لعهود بين النبي ﷺ وبين بعض القبائل، وكان العرف يقضي بأن يقوم بنبذ صاحب العهد نفسه أو رجل من عصبته شديد القرابة به؛ ولذلك أرسل عليًّا لتلاوة هذا البيان وإعلان الناس به.

стр. 490

﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ، وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ، اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ، أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

стр. 491

وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ

стр. 492

الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة] . أعلن البيان أن الله بريء من المشركين، وأنه لا عهود بينهم وبين الدولة الإسلامية وأن الذين سبقت لهم عهود محدودة بأجل معلوم؛ فلم ينقصوها شيئًا ولم يعينوا على المسلمين أحدًا، توفى إليهم عهودهم إلى مدتهم ثم لا تتجدد، ثم أجل المشركين فرصة أربعة أشهر ليفكروا في وضعهم، فإما أن يعلنوا إسلامهم وينضموا للدولة الجديدة، وإما يعتبروا خارجين عليها متمردين على نظامها. ووجود فئة لا تدين بمبادئ الدولة الإسلامية ولا تخضع لقوانينها -أمر بالغ الخطورة في كيان الدولة الداخلي، وكان لا بد أن يخضع هؤلاء الناس لنظام الدولة أو يحاربوا بمعنى أن يوضعوا في حكم الأعداء، ولكنهم أعداء داخليون يترتب على عداوتهم خطر كبير على كيان الدولة، ومن هنا لم يقبل الإسلام منهم إلا الدخول فيه والخضوع له، وليس للمشركين ديانة تحترم ولا مثل تفرض هذا الاحترام كأصحاب الديانات السماوية الأخرى، فالإسلام قد اعترف بالديانات السماوية واعتبر الدين وحدة واحدة، وأن رسالة الإسلام إنما جاءت لتأكيد هذه الوحدة وتطهيرها مما علق بها، وتأكيد وحدانية الله التي جاءت بها، لذلك اعتبر أهل الكتاب داخلين في وحدة الدولة إذا ما أعلنوا خضوعهم لها ووفوا بالتزاماتهم نحوها، وكان على هذه الفئة القليلة من المشركين وأهل الكتاب أن تحدد موقفها؛ فإما إسلام وخضوع للدولة وإما تعرض للحرب الشاملة. ثم أعلن البيان أن مكة بيتها وحرمها إسلاميًّا خالصًا لا يجوز أن يدخله مشرك، وأن الحج أصبح حجًّا إسلاميًّا بعد أن برئت الكعبة من الأصنام؛ ولذلك فيجب ألا يحج مشرك ولا يقرب المسجد الحرام، وإذا كانت الدولة قد حرصت على وحدتها بإعلان براءتها من المشركين، فهي كذلك لم تعد في حاجة إلى الذين دخلوا فيها من قبل بمظهرهم دون قلوبهم وهم الذين عرفوا بالمنافقين، وكان النبي ﷺ مضطرًا إلى مداراتهم حرصًا على الترابط الداخلي في دولته الناشئة؛ لأن سلطان العصبية كان قويًّا، فلو أنه قتلهم أو عاقبهم لربما جر ذلك إلى انتصار عشائرهم لهم، وبذلك يحدث تخلخل في صفوف الدولة، أما وقد رسخت أقدام الدولة واستقرت المبادئ في نفوس المسلمين وأصبحت بسلطانها أقوى من العصبية، فلم تعد هناك ضرورة للمداراة؛

стр. 493

ولذلك استمر البيان بعد ذلك يفضح المنافقين ويندد بهم تنديدًا شديدًا، وينذرهم بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، ويحذر المسلمين من مصانعتهم وودهم، ويعتبرهم عنصرًا ضارًّا في الدولة مفسدًا فيها، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وإذا كانوا في مظهرهم يبدون من المسلمين؛ لكنهم في حقيقتهم ليسوا منهم، وحتى لو أكدوا هذا وحلفوا عليه فإنما ذلك يكون منهم فرقًا حتى إذا ما وجدوا فرصة انتقضوا وكانوا عونًا على الدولة لا عونًا لها؛ ولذلك أنذرهم بأنهم إن أرادوا أن يكونوا مع المسلمين في توادهم وتراحمهم فعليهم أن يطهروا أنفسهم من النفاق وهو الكفر الباطن١. والبيان في هذا الشأن يشرك الشعب في تصفية المجتمع، فإن الدولة لا تستطيع بأجهزتها مهما بلغت من الدقة أن تكشف عن خفايا نفوس الناس وأن تعرفهم معرفة مباشرة، وإنما يعرف الأفراد بعضهم بعضًا بالمخالطة والمكاشفة، والمجتمع السليم هو الذي يوجد فيه أفراد يشاركون الدولة مسئوليتها في تطهير المجتمع من الفئات الضارة المنحرفة المتغلغة فيه؛ ولذلك استعدى البيان المسلمين المؤمنين على هذه الفئة المنافقة؛ ليشعرها بالعزل الاجتماعي حتى تندرج بكليتها في النظام الجديد، أو تحس بوحدتها وانعزالها. وقد آتى هذا البيان ثمرته فإن النبي ﷺ قد حج في العام العاشر حِجَّتَه الأخيرة. وهي الحجة التي حجها على النظام الكامل، وحج معه فيها حوالي مائة ألف حاج من العرب٢ لم يكن من بينهم مشرك واحد. ومعنى هذا أن البيان أحدث تأثيره المطلوب. وفي هذه الفترة التي تقع بين إعلان براءة ووفاة النبي ﷺ طبق الرسول ﷺ قانون براءة في حذر شديد وكياسة سياسية بارعة، وتجنب الاصطدام بالقبائل وإلا حرج كبرياءها وأثار عصبيتها؛ ولذلك كان يكتفي من وفودها بإعلان إسلامهم وإعلان انضمامهم إلى حكومته، ويرسل معهم عند عودتهم معلمين يعلمونهم الإسلام في بلادهم، وهؤلاء المعلمون هم أول صنف من الدعاة وأول صنف من الولاة والعمال في الدولة الإسلامية، وعلى أيديهم دخلت القبائل في الإسلام وجمعت الصدقات من كافة القبائل ووزعت على الفقراء توزيعًا محليًّا ولم يرسل إلى يثرب إلا الفائض٣.

стр. 494

وهؤلاء الولاة الجباة المعلمون الأولون لم يشلوا يد رؤساء القبائل حين وقفوا إلى جوارهم، بل كانوا يتعاونون تعاونًا تامًّا، وفي بعض الأحيان كانوا يضعون أنفسهم في حمايتهم. وبدخول القبائل في الإسلام على هذا النحو أصبحت الجزيرة العربية كلها تحت سلطان دولة واحدة ولأول مرة في تاريخ الجزيرة يتوحد العرب تحت سلطان دولة عربية واحدة ولم يخرج على نفوذ الدولة من قبائل العرب إلا ما كان منها تحت نفوذ الدول الكبرى على حدود الجزيرة في بادية العراق والشام، والحد الذي كان يشغل بال النبي هو الحد المتاخم لدولة الروم، وقد حدث من جانب عرب الغساسنة والقبائل الموالية للدولة الرومية ما استدعى من النبي ﷺ أن يوجه بعض الحملات الحربية؛ لتوطيد سلطان دولته وتأديب القبائل التي تهدد حدودها الشمالية، وقبل وفاته قام بحملة كبيرة اشتركت فيها معظم قبائل العرب وبلغت عدة رجالها ثلاثين ألفًا١، إذ قد وصل إلى سمعه إشاعة حشد الروم على حدود الدولة العربية، لكن النبي ﷺ حين وصل إلى تبوك لم يجد هذه الحشود المزعومة، فوادع المدن والقبائل على الحدود، وكان أمر هذه الحدود يشغله طيلة الفترة الأخيرة من حياته حتى أعد بعثًا عسكريًّا إلى هذه الجهة لم ينفذ إلا بعد وفاته. وتوفي النبي ﷺ في أول العام الحادي عشر بعد أن حج بنفسه في نهاية العام العاشر حجته الإسلامية الوحيدة التي سميت فيما بعد بحجة الوداع وفيها أقر النبي ﷺ المبادئ العليا، وبين للناس أن الإسلام كرسالة وكمبادئ قد اكتمل، وأن به قد أكمل الله على الناس دينهم وأتم عليهم نعمته: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ٢.

стр. 495

الخلافة الإسلامية وتثبيت دعائم الوحدة مدخل ... الخلافة الإسلامية وتثبيت دعائم الوحدة كان موت النبي ﷺ دون أن يترك وصية عن طريق الحكم بعده أمرًا آثار كثيرًا من الخلاف، فكانت مشكلة النظام الذي يجب أن يقوم بعد وفاة النبي ﷺ أول مشكلة واجهها المسلمون، والمشكلة الثانية متصلة بالأولى وهي هل يستمر النظام الجديد كما كان أيام النبي ﷺ ؟ وهل يستمر العرب الذين انضموا إلى يثرب على الطاعة والحلف كما كانوا أم يعودون إلى ما كانوا عليه من قَبْل قبائل مستقة ومدنًا متفرقة على شكل دول قبلية ومدنية؟ وبحل هاتين المشكلتين تقررت الخلافة وتدعمت الوحدة واستقر النظام الجديد.
следующие страницы →