التعصيب بنص القرآن على حين أن ميراث الأخ المذكور فى الآية هو بالفرض لا بالتعصيب فيكون المراد به الأخ من الأم.
ثانيا: الثلث للاثنين فصاعدا لقوله تعالى «فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» ذكورهم واناثهم فى القسمة والاستحقاق سواء.
أما فى القسمة. فلان الأنثى منهم تأخذ مثل ما يأخذه الذكر. كما دل عليه قوله تعالى «فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» والشركة عند الاطلاق تقتضى التسوية بين الشركاء.
أما فى الاستحقاق. فلان الواحد منهم ذكرا كان أو أنثى. يستحق السدس واذا تعددوا ذكورا واناثا أو مختلطين استحقوا الثلث.
والاستحقاق يعم الواحد والمتعدد بخلاف القسمة.
أما الحالة الثالثة وهى حجبهم عن الميراث ففيها الخلاف الآتى:
يحجبون عن الميراث بالولد مطلقا ذكرا كان أو أنثى. وولد الابن وان سفل وبالأب بالاتفاق. وبالجد وان علا باتفاق المذاهب جميعها ما عدا الإمامية: فعندهم لا يحجب الجد الأخوة والأخوات لأم - انظر مصطلح «جد».
ودليل الحنفية ومن وافقهم أنهم من قبيل الكلالة كما علم من الآية. وقد اشترط فى ارث الكلالة عدم الولد والوالد اجماعا لقوله تعالى «قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ».
وقول الرسول ﷺ :
«الكلالة من ليس له ولد ولا والد» لكن ولد الابن داخل فى الولد لقوله تعالى «يا بَنِي آدَمَ» والجد داخل فى الوالد لقوله تعالى «كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» فلا ارث لأولاد الأم مع هؤلاء (١).
مذهب الإمامية:
الأخ وان كان للأم ومثله الأخت. يحجب ابن الأخ وان كان شقيقا لأنهما جهة واحدة يمنع الأقرب منها الأبعد (٢).
أخبار
التعريف اللغوى:
الاخبار هو الاتيان بالخبر، والخبر هو ما أتاك من نبأ عمن تستخبر، والجمع أخبار، وأخابير جمع الجمع والخبر أيضا قول يلزمه الصدق أو الكذب لذاته.
стр. 1017
الفرق بين الاخبار والانشاء
يفرق بين الاخبار والانشاء من أربعة وجوه
الأول: أن الانشاء سبب لمدلوله والخبر ليس سببا لمدلوله فان العقود سبب لمدلولاتها ومتعلقاتها بخلاف الاخبار.
الوجه الثانى: أن الانشاءات يتبعها مدلولها والاخبارات تتبع مدلولاتها، أما تبعية مدلول الانشاءات فان الطلاق والملك مثلا يقعان بعد صدور صيغة الطلاق والبيع وأما أن الخبر تابع لمدلوله فنعنى بالتبعية أنه تابع لتقرر مدلوله فى زمانه ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا فقولنا: قام فلان تبع لقيامه فى الزمن الماضى، وقولنا: هو قائم تبع لقيامه فى الحال، وقولنا سيقوم الساعة تبع لتقرر قيامه فى الاستقبال وليس المراد بالتبعية التبعية فى الوجود والا لما صدق ذلك الا فى الماضى فقط فهو تابع لتقرره.
الوجه الثالث: أن الانشاء لا يقبل التصديق والتكذيب فلا يحسن أن يقال لمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا صدق أو كذب الا أن يريد الاخبار عن طلاق وقع على امرأته بخلاف الخبر فانه قابل للتصديق، والتكذيب.
الوجه الرابع: أن الانشاء لا يقع الا منقولا عن أصل الوضع فى صيغ العقود والطلاق والعتاق ونحوها، وقد يقع انشاء فى الوضع الأول كالأوامر والنواهى فانها تنشئ الطلب بالوضع الأول والخبر يكفى فيه الوضع الأول فى فى جميع صوره، فقول الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثا لا يفيد طلاق امرأته بالوضع الأول بل أصل هذه الصيغة أنه أخبر عن طلاقها ثلاثا ولا يلزمه شئ كما يتفق فى بعض أحواله اذا سألته امرأته الطلاق بعد الطلاق ثلاثا فيقول لها أنت طالق ثلاثا اعلاما لها بتقدم الطلاق فهذا هو أصل الصيغة وانما صارت تفيد الطلاق بسبب النقل العرفى عن الاخبار الى الانشاء وكذلك جميع الصيغ (١).
آراء العلماء فى صيغ العقود
من حيث كونها اخبارا أو انشاء
قد اختلف الفقهاء فى صيغ العقود هل هى انشاءات أم اخبارات.
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى أنها اخبارات على أصلها اللغوى، وذهب غيرهم الى أنها انشاءات منقولة عن الخبر مستدلين على ذلك بأمور، قال القرافى: الانشاء ينقسم الى ما اتفق الناس عليه أى على أنه انشاء، والى ما اختلفوا فيه. أما المختلف فيه هل هو انشاء أو خبر فهى صيغ العقود نحو بعت واشتريت وأنت حر وامرأتى طالق ونحو ذلك، قالت الحنفية:
انها اخبارات على أصلها اللغوى، وقال غيرهم: انها انشاءات منقولة عن الخبر اليه محتجين بأمور منها. أنها لو كانت اخبارا لكانت كاذبة لأنه لم يبع قبل ذلك الوقت ولم يطلق، والكذب لا عبرة به لكنها معتبرة فدل ذلك على أنها ليست اخبارا بل انشاء لحصول لوازم الانشاء فيها من استتباعها لمدلولاتها وغير ذلك من اللوازم، ومنها أنها لو كانت اخبارا لكانت اما كاذبة ولا عبرة بها أو صادقة فتكون متوقفة على تقدم أحكامها فحينئذ اما أن تتوقف عليها أيضا
стр. 1018
فيلزم الدور، وحل هذا هو: أن تتوقف عليها أحكامها أيضا فيلزم أن تتوقف على ما توقف هو عليها فيلزم الدور وهو من المحال، أو لا تتوقف عليها فيلزم أن يطلق امرأته أو يعتق عبده وهو ساكت وهذا خلاف الاجماع، ومنها أنها لو كانت اخبارا فاما أن تكون خبرا عن الماضى أو الحاضر وحينئذ يتعذر تعليقها على الشرط لأن من شرط الشرط ألا يتعلق بمستقبل أو خبر عن المستقبل وحينئذ لا يزيد على التصريح بذلك وهو لو صرح وقال لامرأته ستصيرين طالقا لم تطلق بهذا اللفظ، وكذلك ما فى معناه، ومنها أنه لو قال للمطلقة الرجعية: أنت طالق لزمه طلقة أخرى مع أن اخباره صادق باعتبار الطلقة المتقدمة فلا حاجة الى طلقة أخرى، لكن لما لزمه طلقة أخرى دل ذلك على أن هذه الصيغة منشئة للطلاق، ومنها أن الانشاء هو المتبادر فى العرف الى الفهم فوجب أن يكون منقولا اليه كسائر المنقولات، وقد أجاب الحنفية على هذه الاستدلالات بقولهم:
أما الأول فيلزمه الكذب أن لو لم يقدر فيها صاحب الشرع تقدم مدلولاتها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديق المتكلم بها لكن الاضمار أولى من النقل لما تقرر فى علم الأصول ولأن جواز الاضمار فى الكلام مجمع عليه، والنقل مختلف فيه فالمجمع عليه أولى ومتى كان المدلول مقدرا قبل الخبر كان الخبر صادقا فلا يلزم الكذب ولا النقل للانشاء وبقيت اخبارات على موضوعاتها اللغوية وعملنا بالأصل فى عدم النقل.
وعن الثانى: أن الدور غير لازم لأن النطق باللفظ لا يتوقف على شئ وبعده يقدر تقدم المدلول وبعد تقدير تقدم المدلول يحصل الصدق ويلزم الحكم فالصدق متوقف مطلقا واللفظ متوقف عليه مطلقا، والتقدير متوقف على النطق، ويتوقف عليه الصدق فهاهنا ثلاثة أمور مترتبة بعضها على بعض وليس فيها ما هو قبل الآخر وبعده حتى يلزم الدور بل هى كالابن والأب والجد فى الترتيب والتوقف فامتنع الدور.
وعن الثالث أجاب الحنفية بقولهم: انا نلتزم أنها اخبارات عن الماضى ولا يتعذر التعليق وبيانه: أن الماضى له تفسيران.
أحدهما: ماض تقدم مدلوله قبل النطق به من غير تقدير فهذا يتعذر تعليقه لأن معنى التعليق توقيف أمر فى دخوله فى الوجود على دخول أمر آخر فى الوجود وهو الشرط وما دخل فى الوجود وتحقق لا يمكن توقيف دخوله فى الوجود على غيره فلأجل ذلك تعذر تعليق الماضى المحقق.
وثانيهما: ماض بالتقدير لا بالتحقيق فهذا يصح تعليقه وتقديره: أنه اذا قال لامرأته: أنت طالق ان دخلت الدار فقد أخبر عن ارتباط طلاق امرأته بدخول الدار فيقدر صاحب الشرع هذا الارتباط قبل نطقه بالزمن الفرد لضرورة تصديقه واذا قدر الارتباط قبل النطق صار الاخبار عن الارتباط ماضيا لأن حقيقة الماضى هو الذى مخبره قبل خبره وهذا كذلك بالتقدير فيكون ماضيا مع التعليق ففد اجتمع المضى والتعليق بهذا التفسير ولم يناف المضى التعليق.
أما الرابع فقالوا ردا عليه: ان المطلقة
стр. 1019
الرجعية اذا قال لها أنت طالق ان أراد الاخبار عن الطلقة الماضية لم تلزمه طلقة ثانية، وان قصد الاخبار عن طلقة ثانية فهو اخبار كاذب لعدم تقدم وقوع ثانية فيحتاج للتقدير لضرورة التصديق فتلزمه الثانية بالتقدير كالأولى فالقول أن المطلقة الرجعية تستغنى عن التقدير غير مسلم بل هى وغيرها سواء، وانما يلزم الفرق بينها وبين غيرها اذا كان قوله: أنت طالق اخبارا عن الطلقة الأولى، وليس كذلك، ولم يجب الحنفية على الأخير وعلق صاحب الفروق بعد ذلك بقوله: هذه أجوبة حسنة للحنفية.
أما الوجه السادس فلا يتأتى الجواب عنه الا بالمكابرة، فان المبادرة للانشاء والعدول عن الخبر مدرك لنا بالعقول بالضرورة ولا نجد فى أنفسنا أن القائل لامرأته: أنت طالق أنه يحسن تصديقه وتكذيبه لما ذكر من التقدير والبحث فى هذا المقام يعتمد التناصف فى الوجدان، أما الأجوبة المتقدمة عن بقية الوجوه فستجهة صحيحة، والأخيرة هو العمدة المحققة (١).
هكذا نقل القرافى عن الحنفية، وقول صاحب الهداية: البيع: انشاء تصرف، والانشاء يعرف بالشرع، والموضوع للاخبار قد استعمل فيه فينعقد البيع به، وعلق عليه الكمال بن الهمام فى فتح القدير بما نصه:
والحاصل أن الانشاء على هذا الوجه لا يمكن الا ممن له الخلق والأمر ﵎ سواء سمى غيره انشاء اصطلاحا أولا واذا كان الانشاء لا يعرف الا بالشرع ولم يوضع له فى اللغة لفظ يخصه، والشرع قد استعمل فى اثباته من اللغة لفظ الخبر أى وضعه علة باثباته تعالى ذلك المعنى عنده فينعقد به أى يثبت به وهذه العبارة تدل على أن الخبر قد استعمل فى الانشاء (٢).
الفرق بين الانشاء والاخبار
فى الطلاق وغيره من العقود
اذا قال لامرأته: أنت طالق فانه لا يفيد الطلاق بالمعنى اللغوى لأن هذا اللفظ انما وضع لغة للخبر عن كونها طالقا وهو لو أخبر عن كونها طالقا لم يلزمه طلاق قصد الصدق أو الكذب، ألا ترى أنه لو تقدم طلاقها فسئل عنها هل هى مطلقة أو باقية فى العصمة فقال: هى طالق جوابا لهذا السؤال لم يلزمه بهذا طلقة ثانية وان كانت رجعية فى العدة، وانما يلزم الطلاق بقوله:
أنت طالق بالانشاء الذى هو الوضع العرفى لا اللغوى وقد فرق الفقهاء بين قوله: أنت طالق وبين قوله: أنت منطلقة وألزموا بالأول الطلاق من غير نية ولم يلزموا بالثانى الا بالنية ولم يكتفوا بالوضع اللغوى وما ذلك الا لأن لفظ طالق نقل للانشاء ولم ينقل لفظ منطلقة له، فيعلم أن لفظ الطلاق انما يزيل العصمة بغير الوضع اللغوى بل بالوضع العرفى وهذا يفيد أن زوال العصمة بالعرف والعوائد وأنها مدرك افادته كذلك لتنقلنا معها كيف تنقلت لأنها المدرك (٣).
والانشاء فى الطلاق والاقرار والعتق والعقود، منقول عن الاخبار بالعرف على
стр. 1020
ما يذهب اليه غير الأحناف، والقاعدة المعتمدة فى العقود كلها انما هى النية والقصد مع اللفظ المشعر بذلك أو ما يقوم مقامه من اشارة وشبهها ثم اللفظ اما ألا يشعر بالمقصود لغة ولا عرفا فلا بد من التنويه فى الفتوى والقضاء معا، واما أن يشعر بالمقصود لغة أو عرفا، والعرف لغوى وشرعى ووقتى حادث فيحمل فى القضاء دون تنويه على ما يشعر به من عرفى وقتى فشرعى فعرفى لغوى فلغوى أصلى، وبالفتوى على التنويه فالعرفى الوقتى فالشرعى فالعرفى اللغوى فاللغوى الأصلى، فان اجتمع فى اللفظ الأصلى والعرفى والشرعى والوقتى فالمعتبر الوقتى فى القضاء والفتوى، فاذا تقرر ذلك فالألفاظ التى ذكر الفقهاء أن المراد بها مطلق الطلاق أو مقيدة لا تخلو من أن تكون ارادة ذلك بها باللغة أو بعرف اللغة أو بعرف الشرع أو بعرف حادث فان كانت لغوية وضعا أو عرفا أو شريعة فالذى يقتضيه النظر أنها محمولة على مقتضاها فى كل زمان وبكل مكان ومستند ذلك أن كل لفظ ورد علينا من جهة الشارع فانا نحمله على عرفه أو على اللغة أو عرفها وان كانت عرفية بعرف حادث فهذه هى التى ينتقل الحكم بها بانتقال العرف وينعقد الطلاق والبيع وغيرها بسبب النقل العرفى من الخبر الى الانشاء، فأى شئ نقلته العادة لمعنى صريح صار صريحا فى العادة كذلك المعنى بالوضع العرفى (١).
الفرق بين الاخبار والشهادة:
الشهادة خبر خاص قصد به ترتيب فصل القضاء عليه واشترط فى الشهادة العدد والذكورية والحرية ولا يشترط ذلك فى الاخبار مع اشتراط العدالة فيهما وهى تتضمن الاسلام والعقل والبلوغ: والمخبر ان كان يخبر عن أمر عام لا يختص بمعين فهو الرواية المحضة. وهى أحد أقسام الخبر. كقوله ﵊: انما الأعمال بالنيات، والشفعة فيما لا يقسم. فذلك لا يختص بشخص معين بل ذلك على جميع الخلق فى جميع الأمصار والأعصار، بخلاف قول العدل عند الحاكم لهذا عند هذا دينار فانه الزام لمعين لا يتعداه الى غيره فهذا هو الشهادة المحضة.
أقسام الخبر
الخبر ثلاثة أقسام رواية محضة، وشهادة محضة، والمشترك بين الاخبار والشهادة وله صور: أحدها الاخبار عن رؤية هلال رمضان من جهة أن الصوم لا يختص بشخص معين بل عام على جميع المصر أو أهل الآفاق على الخلاف فى أنه هل يشترط فى كل قوم رؤيتهم أولا، فهو من هذا الوجه رواية لعدم الاختصاص بمعين. وعموم الحكم ومن جهة أنه حكم يختص بهذا العام دون ما قبله وما بعده وبهذا القرن من الناس دون القرون الماضية والآتية صار فيه خصوص وعدم عموم فأشبه الشهادة وحصل الشبهان فجرى الخلاف (٢) فيمن رأى الهلال وأخبر برؤيته، هل يعتبر قوله برؤية الهلال من الاخبار عن الديانات أم هو من باب الشهادة فقد قال الفقهاء بكل، فمن قال انه اخبار لم يشترط عددا لأن العدد لا يشترط فى الاخبار عن
стр. 1021
الديانات وانما تشترط العدالة فقط ومن ذهب الى أنه من باب الشهادة ألزموا بالعدد لأن العدد شرط فى الشهادات، واختلفوا فى عدد من يلزم بشهادتهم ثبوت الرؤية على تفصيل فى المذاهب (١) انظر صوم - رؤية
وهنا يمكن ترجيح أحد الشبهين على الآخر. واتجه الفقه فى المذهبين: القائل بأنها اخبار والقائل بأنها شهادة فان عضد أحد الشبهين حديث أو قياس تعين المصير اليه (٢) ومن الصور التى يشترك فيها الخبر بين الشهادة والرواية القائف فى اثبات الأنساب بالخلق هل يشترط فيه العدد أم لا، قولان لحصول الشبهين ومنها المترجم للفتاوى والخطوط قال مالك يكفى الواحد وقيل لا بد من اثنين ومنشأ الخلاف حصول الشبهين ومنها المقوم للسلع وأروش الجنايات والسرقات والغصوب وغيرها قال مالك يكفى الواحد فى التقويم الا أن يتعلق بالقيم حد كالسرقة فلا بد من اثنين وروى لا بد فى التقويم من اثنين فى كل موضع وذلك لأنه نوع من الشهادة على الصحيح لترتب فصل القضاء بالزام ذلك القدر المعين من العوض ومنها القاسم وفيه أقوال بكفاية الواحد واشتراط العدد للخلاف السابق ومنها اخبار العدل للمصلى بعدد ما صلى وهل يكتفى فيه بالواحد أم لا بد من الاثنين؟ خلاف ومنها المخبر عن نجاسة الماء قيل يكتفى فيه بقبول الواحد، وقيل انه مخبر عن وقوع سبب جزئى فى شخص جزئى وهذا شبه شديد بالشهادة ومنها المخبر عن قدم العيب أو حدوثه فى السلع عند التحاكم فى الرد بالعيب (٣).
فروع الاخبار
يقلد المؤذن الواحد فى الاخبار عن الوقت وكذلك الملاح ومن صناعته فى الصحراء يخبر كل منهما عن القبلة وخبر المخبر فى الهدية والاستئذان وخبر المخبر فى اهداء الزوجة لزوجها ليلة العرس (٤).
أخبار النساء فيما لا يعلم الا من جهتين
اتجه العلماء الى أن اخبار المرأة فيما لا يستطيع الرجال النظر اليه هو من باب الشهادة.
مذهب الحنفية:
شرط شهادة المرأة أن تكون فيما لا يستطيع الرجل النظر اليه، للحديث، شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر اليه وذلك كالولادة. واستهلال الصبى للصلاة عليه والبكارة وعيوب النساء
стр. 1022
فيما لا يطلع عليه رجل وفى ثبوت الارث بالاستهلال عند أبى يوسف ومحمد خلافا لأبى حنيفة (١) وتعيين المولود يثبت بشهادة القابلة، ولا يقبل على الولادة شهادة امرأة واحدة اذا لم يكن الحبل ظاهرا أو لم يكن الزوج قد أقر به فى قول أبى حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد تقبل شهادة المرأة الواحدة اذا كانت حرة مسلمة ويثبت النسب (٢).
(انظر شهادة).
مذهب الشافعية:
يقبل فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والرضاع والعيوب التى تحت الثياب شهادة النساء منفردات - عن الرجال - لأن الرجال لا يطلعون عليها فى العادة فلو لم تقبل فيها شهادة النساء منفردات بطلت عند التجاحد ولا يثبت شئ من ذلك الا بعدد لأنها شهادة فاعتبر فيها العدد ولا يقبل أقل من أربع نسوة لأن أقل الشهادات رجلان وشهادة امرأتين بشهادة رجل، ولا تقبل شهادة المرأة على ولادتها وتقبل شهادة النساء منفردات على استهلال الولد (٣).
مذهب الحنابلة:
لا نعلم بين أهل العلم خلافا فى قبول شهادة النساء المنفردات فى الجملة، قال القاضى، والذى تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء الولادة، والاستهلال. والرضاع والعيوب التى تحت الثياب. كالرتق والقرن والبكارة والثيوبة. والبرص وانقضاء العدة وروى عن على رحمه الله تعالى أنه أجاز شهادة القابلة وحدها فى الاستهلال (٤).
مذهب الظاهرية:
أما ابن حزم الظاهرى: فقد ذهب الى أنه لا خصوصية للنساء فى الشهادة فقال أما من احتج بتخصيص ما لا يجوز أن ينظر اليه الرجال فباطل، وما يحل للمرأة من النظر الى عورة المرأة الا كالذى يحل للرجل من ذلك ولا يجوز ذلك الا عند الشهادة الا للضرورة كنظرهم الى عورة الزانيين والرجال والنساء فى ذلك سواء (انظر شهادة) (٥).
الاخبار بالرضاع
وأما الاخبار بالرضاع فان فقهاء المذاهب تكلموا فيه بلفظ الشهادة فى أكثر عباراتهم واكتفوا فى بعض المذاهب باخبار المرأة الواحدة على تفصيل بينهم فى ذلك - انظر فى ذلك مصطلح شهادة ومصطلح رضاع.
مذهب الحنفية:
قال الحنفية ويثبت الرضاع بما يثبت به المال وهو شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين عدول فلا يثبت بخبر الواحد رجلا أو امرأة وهو باطلاقه يتناول الاخبار قبل العقد وبعده وبه صرح فى الكافى والنهاية وذكر فى فتح القدير معزيا الى المحيط، لو شهدت امرأة واحدة قبل العقد قيل يعتبر فى رواية ولا يعتبر فى رواية أخرى، وفى الخانية اذا أراد الرجل أن يخطب امرأة فشهدت امرأة قبل النكاح أنها أرضعتهما كان
стр. 1023
فى سعة من تكذيبها وذكر فى باب المحرمات أنه اذا أخبر بالرضاع عدل ثقة يؤخذ بقوله ولا يجوز النكاح بينهما، وان كان الخبر بعد النكاح فالأحوط أن يفارقها، والحاصل أن الرواية قد اختلفت فى اخبار الواحدة قبل النكاح وظاهر المتون أنه لا يعمل به وكذا الاخبار برضاع طارئ فليكن هو المعتمد فى المذهب (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: يثبت الرضاع برجل وامرأة معه - ان فشا منهما - لا ان لم يحصل فشو قبل ذلك وبامرأتين ان فشا ذلك منهما وأولى من غيرهما قبل العقد لا ان لم يفش أو فشا بعده فلا يثبت بما ذكر ولا تشترط مع الفشو عدالة على الأرجح، ومقابله أنها تشترط معه، ويشمل الكلام الأب مع الأم فى البالغين والأم مع امرأة أخرى والأمين فى البالغين، وثبت بعدلين أو عدل وامرأتين مطلقا قبل العقد وبعده، فشا أم لم يفش ولا يثبت بامرأة فقط ولو فشا منها أو من غيرها ولا برجل واحد اذا كانا غير الأم والأب، أما اقرار أحدهما: الأم أو الأب مع الفشو قبله فيعتبر، ويجب التنزه ولا يصح العقد بعد اقرار واحد منهما (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية (٣): وتقبل فى الرضاع شهادة المرضعة، ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال كالرضاع، النساء منفردات ولا يقبل فى الشهادة الا أربع نسوة فلا تثبت الا بعدد وأقل الشهادات رجلان، وشهادة امرأتين برجل.
مذهب الحنابلة:
تقبل شهادة النساء منفردات فى الرضاع لما روى عقبة بن الحارث. قال: تزوجت أم يحيى بنت أبى اهاب فأتت أمة سوداء قالت قد أرضعتكما فأتيت النبى ﷺ فذكرت ذلك فأعرض عنى ثم أتيته فقلت يا رسول الله انها كاذبة فقال كيف وقد زعمت ذلك. متفق عليه، ولأنها شهادة على عورة للنساء فيها مدخل فقبل فيها شهادة النساء.
وروى أبو الخطاب عن ابن عمر أن النبى ﷺ قال يجزئ فى الرضاع شهادة امرأة واحدة (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: ويقبل فى الرضاع وحده امرأة واحدة عدلة أو رجل واحد عدل (٥).
مذهب الزيدية:
تقبل شهادة النساء بالرضاع ولا تكفى فيه الواحدة فلا تصح الا من رجلين أو رجل وامرأتين غير المرضعة لأن شهادتها لا تقبل، وعن ابن جعفر أن المرضعة المستأجرة تقبل شهادتها اذ هى على فعله وفعلها (٦).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية بعد أن ذكروا شرائط التحريم بالرضاع: ولا تقبل الشهادة به الا
стр. 1024
مفصلة فلا تكفى الشهادة بحصول الرضاع المحرم مطلقا للاختلاف فى شرائطه كيفية وكمية فجاز أن يكون مذهب الشاهد مخالفا لمذهب الحاكم فيشهد بتحريم مالا يحرمه ولو علم موافقة رأى الشاهد لرأى الحاكم فى جميع الشرائط فالمتجه الاكتفاء بالاطلاق الا أن الأصحاب أطلقوا القول بعدم صحتها الا مفصلة فيشهد الشاهدان بأن فلانا ارتضع من فلانة «مفصلا حصول جميع الشرائط» ولا يكفى حكاية القرائن وان كانت هى السبب فى علمه لأن حكاية ذلك لا تعد شهادة وان كان علمه مرتبا عليها بل لا بد من التلفظ بما تقتضيه عند الحاكم (١).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: ان قالت أرضعت فلانا أو فلانة حرم تناكحهما، ولو قالت بعد كذبت، وفرق بينهما ان سبق، لا ان قالته بعد نكاح ظاهر وحضرته، وتصدق ان ادعت نسيانا وكانت متولاة، ويقبل قولها فى ممكن أن ترضعه، وان قال أمينا عن فلانة أرضعت فلانا وفلانة وقالت لم أرضعهما فقول الأمناء أحق ومن خطب امرأة فزعمت زوجته أنها أرضعتها ثم كلما أراد نكاح امرأة قالت أرضعتها دفع قولها ان استريبت (٢).
اخبار المرأة بانقضاء عدتها
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: يعرف انقضاء العدة بالقول والعقل، أما القول فهو اخبار المعتدة بانقضاء العدة فى مدة يحتمل الانقضاء فى مثلها فاذا كانت من ذوات الأشهر فلا تصدق فى أقل من ثلاثة أشهر فى عدة الطلاق ان كانت حرة ومن شهر ونصف ان كانت أمة فلا تصدق فى أقل من شهر ونصف شهر وفى عدة الوفاة لا تصدق الحرة فى أقل من أربعة أشهر وعشر ومن شهرين وخمسة أيام بالنسبة للأمة ولا خلاف فى هذه الجملة وان كانت من ذوات الاقراء فان كانت معتدة من وفاة فلا تصدق كذلك فى أقل مما ذكر فى الحرة والأمة وان كانت معتدة من طلاق، فان أخبرت بانقضاء عدتها فى مدة تنقضى فى مثلها العدة يقبل قولها، وان أخبرت فى مدة لا تنقضى فى مثلها العدة لا يقبل قولها الا اذا فسرت ذلك بأن قالت: أسقطت سقطا مستبين الخلق أو بعضه فيقبل قولها وانما كان كذلك لأنها أمينة فى اخبارها عن انقضاء عدتها فان الله تعالى ائتمنها فى ذلك بقوله ﴿(وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ)﴾ قيل فى التفسير انه الحيض والحبل فاذا أخبرت بالانقضاء فى مدة تنقضى فى مثلها يقبل قولها، ولا يقبل اذا كانت المدة مما لا تنقضى فى مثلها العدة ولا يقبل قولها الا بالتفسير على ما سبق واختلف فى أقل ما تصدق فيه المعتدة بالاقراء «انظر عدة».
أما اذا كانت نفساء بأن ولدت امرأته وطلقها عقيب الولادة ثم قالت: انقضت عدتى فقال أبو حنيفة فى رواية محمد عنه: لا تصدق الحرة فى أقل من خمسة وثمانين يوما وأما على رواية الحسن عنه فلا تصدق فى أقل من مائة يوم، وقال أبو يوسف: لا تصدق فى
стр. 1025
أقل من خمسة وستين يوما وقال محمد:
لا تصدق فى أقل من أربعة وخمسين وساعة، وفى الأمة تفصيل كذلك يرجع اليه فى عدة ونفاس (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: ويرجع فى قدر الحيضة فى العدة والاستبراء: هل أقله يوم أو بعض يوم للنساء والعارفات وتكفى فى ذلك واحدة بشرط سلامتها من جرحة الكذب لأن طريقها الاخبار لا الشهادة (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: ان اختلف الزوجان فى انقضاء العدة فادعت المرأة انقضاءها لزمان يمكن فيه انقضاء العدة وأنكر الزوج فالقول قولها وان اختلفا فى وضع ما تنقضى به العدة فادعت المرأة انقضاء عدتها بالشهور وأنكر الزوج فالقول قولها لقوله «وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ» فخرج النساء على كتمان ما فى الأرحام كما خرج الشهود على كتمان الشهادة. فقال:
«وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» ثم يجب قبول شهادة قول الشهود فوجب قبول قول النساء ولأن ذلك لا يعلم الا من جهتها فوجب قبول قولها فيه، وان ادعت المرأة انقضاء عدتها بالشهور وأنكر الزوج فالقول قوله لأن ذلك فى اختلاف وقت الطلاق فكان القول فيه قوله (٣).
مذهب الحنابلة:
وعند الحنابلة: اخبار المطلقة بانقضاء عدتها فى زمن يمكن انقضاؤها فيه يقبل منها لأنه أمر لا يعرف الا من جهتها (٤).
مذهب الظاهرية:
وقال ابن حزم الظاهرى لا تصدق المرأة فى ذلك اشارة الى انقضاء عدة المطلقة بالاقراء اذا أنكر الزوج قولها الا بأربعة عدول من النساء يشهدن أنها حاضت حيضا أسود ثم طهرت منه هكذا ثلاثة أقراء أو بشهادة امرأتين كذلك مع يمينها ولا تصدق اذا أنكر الزوج لأن الرسول ﷺ حكم بالبينة على من ادعى وهى مدعية بطلان حق ثابت لزوجها فى رجعتها أحبت أم كرهت فلا تصدق الا ببينة عدل (٥).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: يقبل قول المرأة فى انقضاء عدتها فى المدة المعتادة لانقضاء العدة ان سبقت بدعوى انقضائها وان سبق الزوج فالقول له فان التبس فالقول قولها لأنها مخبرة عن أمر ماض وان اختلفا فى مضى العدة وعدم المضى فالقول لمنكر مضيها سواء كانت العدة بالشهور أم بالولادة أم بالاقراء فى مدة غير معتادة وغير ممكنة غالبا مع تفصيل موضعه (عدة) (٦).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: يقبل قول المرأة فى انقضاء العدة فى الزمان المحتمل لانقضائها فيه وظاهر الروايات أنه لا يقبل قول المرأة فى غير المعتاد
стр. 1026
الا بشهادة أربع من النساء المطلعات على باطن أمرها (١).
مذهب الإباضية:
أما الإباضية فاختلفوا فيما لا يباشره الرجل فقيل بشهادة أمينة لأن النساء ليس لهن عدد يغنى عن الرجال فى سائر الشهادة ففيما لا يباشره الرجل تكفى الواحدة وقيل أمينتين وقيل أربع (٢).
أخت
معنى كلمة (أخت)
الأخت: مؤنث الأخ.
والأخت المثيلة. يقال: «رماه الله بليلة لا أخت لها».
والجمع: أخوات.
وأخت يوشع كنى بها عن الشمس (٣).
وبقية معانيها تؤخذ من معنى كلمة أخ - انظر أخ.
الجمع بين الأختين نكاحا
مذهب الحنفية:
لا خلاف فى أن الجمع بين الاختين فى النكاح حرام - لقوله تعالى «وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ» معطوفا على قوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ». ولأن الجمع بينهما يفضى الى قطيعة الرحم لأن العداوة بين الضرتين ظاهرة وأنها تفضى الى قطيعة الرحم وقطيعة الرحم حرام. فكذا المفضى.
حتى وان رضيت بذلك. فان الطبع يتغير.
وهذا الحكم متفق عليه من جميع المذاهب الاسلامية.
واتفقوا أيضا على أن الأختين من الرضاعة لا يجوز لرجل أن يجمع بينهما نكاحا لحديث الرسول ﷺ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
كما اتفقوا على أنه لو تزوج الأختين معا بعقد واحد فسد نكاحهما لأن نكاحهما حصل جمعا بينهما فى النكاح. وليست احداهما بفساد النكاح بأولى من الأخرى فيفرق بينه وبينهما ثم ان كان قبل الدخول فلا مهر لهما ولا عدة عليهما، لأن النكاح الفاسد لا حكم له قبل الدخول وان كان قد دخل بهما فلكل واحدة منهما العقر وعليهما العدة.
وان تزوج احداهما بعد الأخرى جاز نكاح الأولى وفسد نكاح الثانية. ولا يفسد نكاح الأولى لفساد نكاح الثانية. لأن الجمع حصل بنكاح الثانية فاقتصر الفساد عليه ويفرق بينه وبين الثانية.
وان تزوج احداهما بعد الأخرى جاز نكاح أولى. لا يجوز له التحرى بل يفرق بينه وبينهما لأن نكاح احداهما فاسد بيقين وهى مجهولة. ولا يتصور حصول مقاصد النكاح من المجهولة ثم ان ادعت كل واحدة منهما أنها هى الأولى ولا بينة لها يقضى بنصف المهر لأن النكاح الصحيح أحدهما وقد حصلت الفرقة قبل الدخول لا بصنع المرأة. فكان
стр. 1027
الواجب نصف المهر ويكون بينهما لعدم الترجيح اذ ليست احداهما بأولى من الأخرى.
وروى عن أبى يوسف: أنه لا يلزم الزوج شئ لجهالة المقضى لها.
وروى عن محمد: أنه يجب عليه المهر كاملا بينهما نصفان. لأن الزوج أقر بجواز نكاح احداهما فيجب مهر كامل.
وان قالتا: لا ندرى أيتنا الأولى. لا يقضى لهما بشئ (١).
مذهب الحنابلة:
قبل الدخول عليه لاحداهما نصف المهر.
يقترعان عليه. فتأخذه من خرجت لها القرعة لأن نكاح احداهما صحيح. وقد فارقها قبل الدخول.
وله أن يعقد على احداهما فى الحال بعد فراق الأخرى قبل الدخول لأنه لا عدة فان كان دخل باحداهما دون الأخرى ثم طلقها أو فسخ الحاكم. أقرع بينهما فان وقعت القرعة لغير المدخول بها. فلها نصف المهر.
وللمدخول بها مهر المثل بما استحل منها وان وقعت القرعة بالمدخول بها. فلا شئ للاخرى غير المدخول بها. وللمدخول بها المسمى جميعه لتقريره بالدخول. وان كان دخل بهما وأصابهما. فلاحداهما المسمى.
وللأخرى مهر المثل يقرع بينهما لتتميز من تأخذ المسمى ممن تأخذ مهر المثل ان تفاوتا (٢).
وكما لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة فى نكاح أختها. لا يجوز له أن يتزوجها فى عدة أختها.
سواء كانت العدة من طلاق رجعى. أو بائن بينونة صغرى أو كبرى. أو بالمحرمية الطارئة بعد الدخول أو بالدخول فى نكاح فاسد أو بالوط ء فى شبهة.
وهذا هو مذهب الحنفية. والحنابلة.
والإباضية.
ودليلهم. أن نكاح الأولى قائم لبقاء بعض أحكامه كالنفقة والمنع عن الخروج والفراش والطلاق تأخر عمله. فلو جاز النكاح لكان جمعا بين الأختين فى هذه الأحكام فيدخل تحت النص.
ولأن الجمع قبل الطلاق انما حرم لكونه مفضيا الى قطيعة الرحم. لأنه يورث الضغينة وأنها تفضى الى القطيعة. والضغينة هنا أشد. لأن معظم النعمة وهو ملك الحل الذى هو سبب اقتضاء الشهوة قد زال فى حق المعتدة. وبنكاح الثانية يصير جميع ذلك لها.
وتقوم مقامها وتبقى هى محرومة الحظ.
للحال. من الأزواج. فكانت الضغينة أشد فكانت أدعى الى القطيعة. بخلاف ما بعد انقضاء العدة. لان هناك لم يبق شئ من علائق الزوج الاول فكان لها سبيل الوصول الى زوج آخر. فتستوفى حظها من الثانى فتسلى به فلا تلحقها الضغينة (٣).
وعند باقى المذاهب. وهم الشافعية.
والمالكية. والظاهرية. والإمامية.
والزيدية:
стр. 1028
يجوز له أن يتزوج الأخت فى عدة أختها الا فى عدة من طلاق رجعى.
لأن المحرم هو الجمع بين الأختين فى النكاح. والنكاح قد زال من كل وجه لوجود المزيل له وهو الطلاق الثلاث أو البائن. فلم يتحقق الجمع فى النكاح. فلا تثبت الحرمة لانقطاع العصبة وصيرورتها كالأجنبية.
لكن على كراهة شديدة عند الإمامية.
لتحرمها بحرمة الزوجية (١). واتفقوا جميعا على أنه لو ولدت منه احدى الأختين أو كلتاهما فالنسب لا حق به. لأنه اما من نكاح أو شبهة نكاح (٢).
الا أن الإباضية قالوا: ان علمت حرمت ولا نسب ولا ارث وان لم تعلم ثبت النسب وان رتبهما عمدا ثبت نسب الأولى ولا توارث (٣).
وعند الإمامية:
لا يحل للرجل أن يتزوج بأخت امرأته متعة.
لعموم الآية. ولصحيحة أحمد بن أبى نصر عن أبى الحسن الرضا قال: «سألته عن الرجل تكون عنده المرأة أيحل له أن يتزوج أختها متعة. قال. لا. قلت. حكى زرارة عن أبى جعفر فى المتعة انما هى مثل الاماء.
يتزوج من شاء قال. لا» (٤).
الجمع بين الأختين ملكا
عند الحنفية: وبقية المذاهب:
اتفقت المذاهب الاسلامية على أنه يجوز الجمع بين الأختين نسبا أو رضاعا فى ملك اليمين فقط دون الوط ء. لأن الملك قد يقصد به غير الوط ء وهو الخدمة وغيرها.
أما الجمع بينهما فى الوط ء بملك اليمين فاتفقوا على حرمته وعدم جوازه.
واستدلوا بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: «وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ» والجمع بينهما فى الوط ء جمع بل أولى من العقد لأنه أقوى. ولأن التقاطع فيه أكثر فيكون حراما.
وأما السنة: فما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه فى رحم أختين».
ولم يخالف فى هذا الحكم من الصحابة سوى عثمان رضى الله عنه فانه قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية.
عنى بآية التحليل قوله تعالى: «إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» وبآية التحريم آية الجمع السابقة. وذلك منه اشارة الى تعارض دليلى الحل والحرمة فلا تثبت الحرمة
стр. 1029
مع التعارض. والرد عليه. أن الأخذ بالمحرم أولى عند التعارض احتياطا للحرمة. لأنه يلحقه المأثم بارتكاب المحرم ولا مأثم فى ترك المباح.
وكما لا يجوز الجمع بينهما فى الوط ء اتفاقا. كذلك لا يجوز الجمع بينهما اتفاقا فى الدواعى من اللمس بشهوة وكذا التقبيل والنظر الى الفرج لأن الدواعى الى الحرام حرام (١).
غير أن الحنابلة قالوا: ان الجمع بين الأختين فى الاستمتاع بمقدمات الوط ء.
يكره ولا يحرم (٢) واذا ملك أختين معا أو على التعاقب فله أن يطأ احداهما. لأن الأمة لا تصير فراشا بالملك وليس له أن يطأ الأخرى بعد ذلك. ما لم يحرم فرج الأولى على نفسه اما بالتزويج أو بالاخراج عن ملكه. لأنه لو وطئ الأخرى. لصار جامعا وهذا لا يجوز (٣).
وقد خالف الظاهرية فى هذه الصورة.
فقالوا: من اجتمع فى ملكه أختان فهما جميعا عليه حرام. حتى يخرج احداهما عن ملكه بموت أو بيع أو هبة أو غير ذلك من الوجوه (٤).
ولو كاتبها. يحل له وط ء الأخرى كما فى ظاهر الرواية عند الحنفية والمالكية والشافعية. لأنه حرم فرجها على المولى بالكتابة. ولو وطئها لزمه العقر ولو وطئت بشبهة أو نكاح. كان المهر لها لا للمولى فلا يصير بوط ء الأخرى جامعا بينهما فى الوط ء (٥) وفى رواية عن أبى يوسف لا يحل لأنه بالكتابة لم يملك وطأها غيره.
وعند الحنابلة وأبى يوسف من الحنفية:
لا يحل له وط ء الأخرى. لأنه بالكتابة لم يملك وطأها غيره (٦) ولو تزوج جارية. ولم يطأها حتى ملك أختها. فليس له أن يطأ المشتراة.
لأن الفراش يثبت بنفس النكاح. ولأن النكاح يقصد به الوط ء والولد. فصارت المنكوحة موطوءة حكما فلو وطئ المشتراة لصار جامعا بينهما فى الوط ء.
وهذا الحكم متفق عليه (٧).
أما لو كانت فى ملكه جارية قد وطئها ثم تزوج أختها أو تزوج أخت أم ولده. جاز عقد النكاح ولكن لا يطأ الزوجة ما لم يحرم فرج الأمة التى فى ملكه أو أم ولده.
وهذا عند الحنفية والشافعية والإمامية (٨)
وعند باقى المذاهب الأخرى: ان وطئ أمته ثم تزوج أختها لم يصح النكاح. لأن عقد النكاح تصير به المرأة فراشا فلم يجز أن يرد على فراش الأخت. كالوط ء بخلاف شراء أخت زوجته. فان الشراء يكون للوط ء وغيره بخلاف النكاح (٩).
стр. 1030
فان حرمت عليه سريته باخراج عن ملكه ثم تزوجت الأخت بعد استبرائها صح النكاح لزوال كونها فراشا له.
فان رجعت اليه الأمة. فالزوجية بحالها لأنها أقوى وحلها باق لقوة الزوجية.
ولم يطأ واحدة منهما حتى يحرم عليه الأخرى. وهذا لا ينافى بقاء حل الزوجة.
لأن التحريم لعارض لا يرفع الزوجية.
وان أعتق سريته ثم تزوج أختها قبل فراغ مدة استبرائها لم يصح النكاح. كما لو تزوجها فى عدة أختها (١).
ولا يجوز أن يتزوج أخت أم ولده التى تعتد منه. بأن أعتقها ووجبت عليها العدة، عند أبى حنيفة وزفر. لأنه انما جاز نكاح أخت أم الولد قبل الاعتاق لضعف فراشها فان أعتقها قوى فراشها فكان نكاح أختها جمعا بينهما فى الفراش.
وقال الصاحبان: يجوز لأن الحرمة فى الحرة لمكان الجمع بينهما فى النكاح من وجه ولم يوجد فى أم الولد. لانعدام النكاح أصلا. ولأن العدة فى أم الولد أثر فراش الملك وحقيقة الفراش فيها لا يمنع النكاح فاذا لم يكن فراش الملك حقيقة مانعا فأثره أولى أن لا يمنع (٢).
ولو خالف مشترى الأختين ووطئهما واحدة بعد واحدة. فوط ء الثانية محرم عند الحنابلة لأنه الذى حصل به جمع مائه فى رحمهما.
ولزمه أن يمسك عنهما حتى يحرم احداهما باخراجها من ملكه. لان الثانية صارت فراشا له يلحقه نسب ولدها فحرمت عليه أختها كما لو وطئها ابتداء. فان عادت الى ملكه ولو قبل وط ء الباقية لم يصب واحدة منهما حتى يحرم الاخرى هذا ان لم يجب الاستبراء. فان وجب الاستبراء بأن باعها أو وهبها. ثم عادت اليه لم يلزم ترك أختها (٣) انظر «استبراء».
وخالفهم فى هذا الإمامية وقالوا: لو وطئ احدى الاختين المملوكتين حرمت الاخرى حتى تخرج الأولى عن ملكه.
فلو وطئ الثانية فعل حراما مع علمه بالتحريم. ولا تحرم الأولى. لأن الحرام لا يحرم الحلال والتحريم انما تعلق بوط ء الثانية. فيستصحب ولاصالة الاباحة (٤).
ولاية الأخت فى الحضانة
الحضانة تكون للنساء فى وقت وتكون للرجال فى وقت.
والأصل فيها النساء لأنهن أشفق وأرفق وأهدى الى تربية الصغار. ثم تصرف الى الرجال. لأنهم على الحماية والصيانة واقامة مصالح الصغار أقدر - انظر «حضانة».
ومرتبة الاخوات عند كل مذهب كالآتى:
مذهب الحنفية والشافعية:
стр. 1031
تكون بعد الامهات (١).
مذهب المالكية:
الحضانة ثابتة للام ثم أم الأم ثم جدة الأم ثم الخالة شقيقة أو لأم. ثم خالة الأم. ثم عمة الأم. ثم الجدة للأب. ثم الأب. ثم الأخت (٢).
مذهب الحنابلة:
أولى الكل بالحضانة.
الام. ثم أمهاتها وان علون. ثم الاب.
ثم أمهات الاب. ثم الجد أبو الاب. ثم أمهات الجد أبو الاب. ثم جد الاب. ثم أمهات جد الأب ثم الاخوات (٣).
مذهب الظاهرية:
ان استووا فى صلاح الحال. فالأولى بالحضانة. الام. والجدة. ثم الأب والجد ثم الأخ والأخت (٤).
مذهب الزيدية:
الام أولى بولدها. ثم أمهاتها وان علون ثم الاب الحر. ثم الخالات. ثم أمهات الاب وان علون ثم أمهات أبى الام. ثم الأخوات (٥).
مذهب الإمامية:
مرتبة الأخوات فى الحضانة بعد الأبوين.
والجد والجدة. ثم الاخوات (٦).
وأولى الاخوات فى حضانة الصغير أو الصغيرة. الاخت الشقيقة. لانها تدلى بقرابتين فترجح على الاخت لام. والاخت لاب.
وهذا الحكم متفق عليه من جميع المذاهب ما عدا الظاهرية. فان الأولوية عندهم للاخوط للصغير أو الصغيرة فى دينهما ثم دنياهما. انظر «أخ».
واختلفت المذاهب بعد ذلك فى تقديم الاخت لاب على الاخت لام أو العكس.
فعند الحنفية. والمالكية. والحنابلة.
والإمامية. والزيدية.
ترجح الأخت لأم على الأخت لاب لانها تدلى بقرابة الأم، فكانت أولى. ولأن هذه الولاية مستفادة من قبل الأم.
فكل من يدلى بقرابة الام. كان أولى.
لأنها تكون أشفق (٧).
وعند الشافعية:
تقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم لقوة الجهة.
ولأن الأخت من الأب أقوى من الأخت من الأم فى الميراث والتعصيب مع البنات.
وأيضا لأن الأخت من الأب تقوم مقام الأخت الشقيقة فى الميراث. فقامت مقامها فى الحضانة (٨).
واختلفت الرواية عن أبى حنيفة فى الأخت لاب مع الخالة. أيتهما أولى.
стр. 1032
روى عنه فى كتاب النكاح أن الخالة أولى وهو قول محمد وزفر والشافعى فى المذهب القديم وذلك لما روى أن بنت حمزة لما رأت عليا رضى الله عنه تمسكت به وقالت ابن عمى فأخذها فاختصم فيها على وجعفر وزيد بن حارثة رضى الله عنهم. فقال على رضى الله عنه بنت عمى. وقال جعفر بنت عمى وخالتها عندى. وقال زيد بن حارثة بنت أخى.
آخيت بينى وبين حمزة يا رسول الله. فقضى رسول الله ﷺ بها لخالتها.
وقال ﵇ «الخالة والدة» فقد سمى الخالة والدة فكانت أولى.
وروى عنه فى كتاب الطلاق. أن الاخت لأب أولى لانها بنت الاب. والخالة بنت الجد فكانت الاخت اقرب. فكانت أولى.
وتقديم المدلى بالام على المدلى بالاب انما يكون عند اتحاد مرتبتهما قربا (١).
واختلفت المذاهب أيضا فى أولوية الاخت مطلقا على الخالة.
فعند المالكية والزيدية:
الخالة أولى من الاخت عامة. لحديث الرسول المذكور «الخالة والدة».
ولما قيل فى تفسير قوله تعالى «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ» انها كانت خالته (٢).
وقال الحنفية والشافعية فى الجديد.
والحنابلة والإمامية:
تقدم الأخت من أى جهة قرابة كانت على الخالة لقربها. ولانها شاركت فى النسب وقدمت فى الميراث.
ولما ذكر قبلا من دليل الامام أبى حنيفة فى توجيه رواية كتاب الطلاق (٣).
واتفقت المذاهب ما عدا الظاهرية على أنه ان اجتمع أخ وأخت. قدمت الأخت على من فى درجتها من الاخوة. لان الانوثة مع التساوى توجب الرجحان.
ولأن الأنثى أرفق لتربية الولد وأقوم بمصالحه سيما الصغير والأنثى (٤).
أما لو كان لها ثلاث أخوات كلهن على درجة واحدة بأن كن لأب وأم أو لأب فقط أو لأم فقط فأفضلهن صلاحا وورعا أولى.
فان كن فى ذلك سواء فأكبرهن سنا أولى بالحضانة وهذا عند الحنفية (٥).
وعند الشافعية والحنابلة والإمامية:
يقرع بين الأخوات المستويات قربا قطعا للنزاع عند عدم المرجح لما فى اشتراكهن من الاضرار بالولد (٦).
وعند المالكية:
فى الأختين ان اتحدت مرتبتهما تقدم من هى أقوى شفقة وحنانا على المحضون.
وتقدم المسنة عى غيرها لأنها أقرب الى الصبر والرفق من غيرها فان تساويتا فالظاهر القرعة فان كان فى احداهما صيانه
стр. 1033
وفى الأخرى شفقة فالظاهر تقديم ذات الشفقة (١).
وعند الزيدية:
اذا كان للصبى أختان مستويتان فى الاستحقاق كانت حضانتهما بالمهايأة (٢).
وعند الظاهرية:
ان كانت اثنتان من الاخوات مأمونتين فى دينهما مستويتين فى ذلك فان كانت احداهما أحوط للصغير فى دنياه فهى أولى. وان كانت احداهما أحوط للصغير فى دينه والاخرى أحوط له فى دنياه فالحضانة لذات الدين.
فان استوتا فى كل ذلك وأبت كل منهما أن يكون الصغير أو الصغيرة عند كل منهما مدة. فالقرعة قطعا للنزاع (٣).
وعند الشافعية:
ان اجتمع الرجال والنساء والجميع من أهل الحضانة. يقدم الأب على الأخت من الأب فان اجتمع الاب مع الاخت من الام. فيه وجهان.
أحدهما: أن الاب أحق وهو ظاهر النص.
لأن الأب له ولادة وارث فقدم على الاخت.
والثانى وهو قول أبو سعيد الاصطخرى:
أنه تقدم الاخت على الاب. لانها من أهل الحضانة والتربية.
وتدلى بالأم فقدمت.
وان اجتمع الجد مع الأخت من الأم.
ففيه وجهان كما لو اجتمعت مع الأب.
وان اجتمع مع الأخت لأب ففيه وجهان أيضا:
أحدهما: أن الجد أحق لأنه كالأب فى الولادة والتعصيب فكذلك فى التقدم على الاخت.
والثانى: أن الاخت أحق لانها تساويه فى الدرجة. وتنفرد بمعرفة الحضانة (٤).
وعند الحنابلة:
ان كانت أخت من أبوين واخت من أب فأسقطت الأخت من الأبوين حقها لم يسقط حق الاخت من الاب. لان استحقاقها من غير جهتها وليست فرعا عليها (٥).
ميراث الأخت والأخوات الشقيقات
للاخوات الشقيقات أحوال خمس:
أولا: النصف للواحدة. لقوله تعالى «وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ».
ثانيا: الثلثان للاثنين فصاعدا لقوله تعالى:
«فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ».
واذا استحقت الاثنتان الثلثين: كان استحقاق ما فوقهما للثلثين أظهر.
стр. 1034
وأيضا الله سبحانه. صرح فى الاخوات بالاثنتين. وفى البنات بما فوقهما فى قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» ليعلم من حال الاختين حال البنتين. ومن حال البنات حال الاخوات بطريق الأولوية (١).
ومع هذا فقد روى عن سيدنا جابر أنه قال: اشتكيت وعندى سبع اخوات. فدخل على رسول الله ﷺ . فنفخ فى وجهى فأفقت. فقلت يا رسول الله. ألا أوصى لاخواتى بالثلث .. قال «أحسن» قال قلت: الشطر. قال «أحسن» ثم خرج وتركنى فقال «يا جابر. لا أراك ميتا من وجعك هذا، وان الله قد أنزل فبين الذى لاخواتك فجعل لهن الثلثين» (٢).
والمراد بالاخوات هنا الشقيقات أو لاب.
وذلك لانهن اللائى يرثن بالتعصيب فى بعض الحالات وقد جاء فى هذه الآية متى يرثن بالتعصيب كما سيأتى: على حين أن الاخوة والأخوات لأم يرثن بالفرض ولأن الاخوات لأم قد علم حالهن فى آية الكلالة الأخرى فى أول السورة.
ثالثا: مع الأخ الشقيق للذكر مثل حظ الانثيين يصرن عصبة به لاستوائهم فى القرابة الى الميت. قال الله تعالى «وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» فلم يقدر نصيب الاخوات فى حالة الاختلاط.
كما لم يقدر نصيب الاخوة. فدل ذلك على أنهن قد صرن عصبات معهم.
رابعا: لهن الباقى. وهو النصف أو الثلث. مع البنات أو بنات الابن.
لقول الرسول ﷺ «اجعلوا الاخوات مع البنات عصبة».
وحديث ابن مسعود عن النبى ﷺ . أنه قال فى ابنة وابنة ابن وأخت قال: «رأيت رسول الله ﷺ قضى للبنت بالنصف ولبنت الابن بالسدس تكملة للثلثين. وللاخت بالباقى».
فدل ذلك على أنه ﷺ جعل الأخت مع البنت عصبة.
والمراد بالولد فى قوله تعالى «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» هو الذكر. بدليل ما عطف عليه فى الآية نفسها بقوله تعالى «وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ» أى ابن بالاتفاق. فان الأخ يرث أخته مع ابنتها بالاتفاق.
ولهم الباقى أيضا اذا كان معهن أخ أو أخوة. «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (٣).
وهذا هو ما ذهب اليه جميع فقهاء المذاهب عدا الإمامية والظاهرية.
فعند الإمامية:
لا يرث أحد من الاخوة أو الاخوات مع البنت أو البنات. لانهم من جهة قرابة تلى
стр. 1035
جهة البنوة والأبوة فيمنع الأقرب الأبعد من الميراث.
ولا ميراث للعصبة عندهم على تقدير زيادة الفريضة عن السهام الا مع عدم القريب أى الأقرب منهم لعموم الآية «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» واجماع أهل البيت.
فيرد فاضل الفريضة على البنت أو البنات.
وعلى الأخت والأخوات أشقاء أو لأب عند فقد الأشقاء. وعلى الأخوة لأم عند عدم وارث فى درجتهم (١). انظر «رد».
وعند الظاهرية:
لا ترث أخت شقيقة ولا غير شقيقة مع ابنة ولا مع ابنة ابن وان سفلت والباقى بعد نصيب البنت وبنت الابن للعصبة كالأخ.
وابن الاخ والعم الا أن لا يكون للميت عاصب فيكون حينئذ ما بقى للأخت الشقيقة أو لأب وللاخوات كذلك. ودليلهم: قوله تعالى «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» واسم الولد يقع على الابنة وبنت الابن كما يقع على الابن وابن الابن فى اللغة والقرآن وأى فرق بين الولد فى الآية السابقة، والولد فى قوله تعالى:
«وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ».
وقوله تعالى «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» وقوله تعالى «وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ».
فلم يختلفوا فى جميع هذه الآيات أن الولد سواء كان ذكرا أو أنثى أو ولد الولد. فالحكم واحد (٢) فلا ميراث للأخت مع الولد ذكرا كان أو أنثى. بخلاف الأخ فانه يأخذ ما بقى من الانثى بالعصوبة ولا عصوبة للاخت بنفسها وانما تصير عصبة بغيرها (٣) اذا كان ذلك الغير عصبة. وليست للبنت عصوبة فكيف تصير الأخت معها عصبة.
واستدلوا أيضا بما روى عن ابن عباس «الذى هو أصلا صاحب هذا الرأى الذى تابعه فيه الظاهرية». قال. قال رسول الله ﷺ «الحقوا الفرائض بأصحابها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر».
فان لم يكن للميت رجل عاصب أصلا.
أخذنا بحديث ابن مسعود. السابق ذكره.
وجعلنا الاخت عصبة كما فى نصه. ولم نخالف شيئا من النصوص (٤).
خامسا: يحجبن عن الارث. فلا يرثن شيئا. وذلك مع وجود:
الابن: وابن الابن وان سفل عند جميع المذاهب وبالبنت عند الإمامية والظاهرية لما سبق بيانه.
الأب: بالاتفاق عند الجميع.
الجد لأب: عند أبى حنيفة والظاهرية والإباضية.
أما سقوط الاخوات بالابن فبقوله تعالى
стр. 1036
«إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ».
والمراد الابن كما سبق.
وأما سقوطهن بالأب. فلأنهن كلالة.
وتوريث الكلالة مشروط بفقد الولد والوالد (١).
وأما سقوطهن بالجد عند من قال به فلأنهم نزلوا الجد منزلة الأب ويسرى حكم الحجب هذا على الأخت والأخوات لأب.
ميراث الأخت والأخوات لأب
قبل الاستطراد فى ميراثهن نذكر أولا الأصول التى يعتمد عليها ميراثهن.
أولا: ان قوله تعالى «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ، فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ. وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ».
ينطبق على الاخوات لاب كما ينطبق على الأخوات الشقيقات (٢).
ثانيا: ان منزلة الاخوات لاب من الشقيقات هى منزلة بنات الابن من البنات الصلبيات (٣).
ثالثا: ان ميراث الأخوات لأب. اذا لم يكن معهن شقيقات كمنزلة الشقيقات الا أنهن لا يشتركن مع الأخوة لأم فى المسألة التى شاركهم فيها الأشقاء والشقيقات لأنهن خرجن من ولادة الأم التى جمعت أولئك (٤).
وبناء على هذه الأصول يكون للأخوات لأب حالات سبع:
أولا: النصف للواحدة.
ثانيا: الثلثان للاثنتين فصاعدا. لما ذكرناه من النصوص فى الشقيقات وهنا.
ثالثا: السدس - مع الاخت الشقيقة تكملة للثلثين.
لأن حق الأخوات الثلثان وقد أخذت الأخت الشقيقة النصف. فبقى منه سدس.
فيعطى للأخوات لأب حتى يكمل حق الأخوات.
رابعا: أن يصرن عصبة مع البنات أو مع بنات الابن لما ذكرنا فى الأخت الشقيقة والخلاف هنا نفس الخلاف هناك.
خامسا: أن يكون معهن أخ لأب فيعصبهن وحينئذ يكون الباقى بينهم للذكر مثل حظ الانثيين - للآية المذكورة (٥)
وخالف فى هذا الظاهرية. قالوا:
لو ترك أختا شقيقة وأخوة وأخوات لأب فللشقيقة النصف. وما بقى بين الاخوة
стр. 1037
والأخوات لأب ما لم يتجاوز ما يجب للاخوات السدس. فلا يزدن على السدس أصلا. ويكون الباقى للذكر وحده فان كانتا شقيقتين. وأختا أو أخوات لأب وأخا لأب فالثلثان للشقيقتين والباقى للاخ الذكر.
ولا شئ للأخت أو الاخوات لأب.
ودليله ما روى عن مسروق بن الاجدع قال: كان ابن مسعود يقول:
فى أخوات شقيقات واخوة. وأخوات لأب للاخوات الشقيقات الثلثان وسائر المال للذكور دون الاناث.
أما الآية فهى حجة على من احتج بها. لأن الله تعالى: انما قال ذلك فيما يرثه الاخوة والأخوات لا فيما ورثه الأخوات بالفرض المسمى. والنص قد صح بأن لا يرث الاخوات بالفرض المسمى أكثر من الثلثين.
وقد أجمع المخالفون لنا. على أن من ترك أختا شقيقة. وعشر أخوات لأب وعما فانه ليس للاخوات للاب الا السدس فقط والباقى للعم.
وأجمعوا على أنه لو ترك أختين شقيقتين وعشر أخوات لاب. وعما أو ابن عم.
أن اللواتى للأب لا يرثن شيئا أصلا.
فمن أين وجب أن يرثن مع الاخ ولا يرثن مع العم. ولا مع ابن العم. ولا مع ابن الاخ.
وقول الرسول ﷺ :
«ألحقوا الفرائض بأصحابها فما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر».
والفرائض فى هذه المسألة انما هو النصف للشقيقة أو الثلثان للشقيقتين أو النصف للشقيقة والسدس للتى للأب أو اللواتى للأب فقط.
فصح أن الباقى لأولى رجل ذكر (١).
وعند الإمامية:
لا يرث الاخوة ولا الأخوات لأب مع الشقيقة.
وللأخت الشقيقة النصف تسمية والباقى ردا
وللأختين الشقيقتين الثلثان فرضا والباقى ردا.
حيث يشترطون فى ميراث بنى الأب عدم المتقرب بالأبوين ذكرا كان أو أنثى (٢).
سادسا: لا يرثن مع الاختين الشقيقتين، لأنه قد كمل لهما حق الأخوات وهو الثلثان فلم يبق للاخوات لاب شئ الا أن يكون معهن أخ فيعصبهن كما ذكرنا.
أما الإمامية فكما ذكرنا: الباقى وهو الثلث يرد عندهم على الشقيفتين.
стр. 1038
سابعا: لا يرثن مع الاخ الشقيق لحديث على رضى الله عنه قال: (قضى رسول الله ﷺ أن أعيان بنى الام يتوارثون دون بنى العلات (١).
أختان
التعريف فى اللغة
ختن الرجل المتزوج بابنته أو بأخته قال الأصمعى ابن الاعرابى: الختن أبو امرأة الرجل وأخو امرأته وكل من كان من قبل امرأته والجمع أختان والأنثى ختنة، وفى التهذيب: الأحماء من قبل الزوج والأختان من قبل المرأة والصهر يجمعهما والختنة أم المرأة وعلى هذا الترتيب وغيره: الختن كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ وهم الأختان هكذا عند العرب، وأما العامة، فختن الرجل زوج ابنته وقال ابن المظفر: الختن الصهر يقال خاتنت فلانا مخانتة وهو الرجل المتزوج فى القوم وقال: والختن زوج فتاة القوم ومن كان من قبله من رجل أو امرأة فهم كلهم أختان لأهل المرأة، وأم المرأة وأبوها ختنان للزوج. والرجل ختن والمرأة ختنة قال أبو منصور: والختونة تجمع المصاهرة بين الرجل والمرأة فأهل بيتها أختان أهل بيت الزوج، وأهل بيت الزوج أختان المرأة وأهلها (٢).
تعريف الاختان فى الشرع
جاء فى الزيلعى فى تعريف الاختان: زوج كل ذى رحم محرم منه كأزواج البنات والعمات والخالات لأن الكص يسمى ختنا وكذا كل ذى رحم محرم من أزواجهن لأنهم يسمون أختانا ثم قال: وهذا فى عرفهم - أى عرف أهل اللغة - وفى عرفنا لا يتناول الا أزواج المحارم ويستوى فيه الحر والعبد وجاء فى حاشية الشلبى تعليقا على هذا قال محمد فى املائه: اذا قال قد أوصيت لأختانى بثلث ماله فأختانه زوج كل ذى رحم محرم منه وكل ذى رحم محرم من الزوج فهؤلاء أختانه فان كانت له أخت وبنت أخت وخالة ولكل واحدة منهن زوج ولزوج كل واحدة منهن أرحام فكلهم جميعا أختانه والثلث بينهم بالسوية الأنثى والذكر فيه سواء، أم الزوج وجدته وغير ذلك سواء (٣) وجاء فى حاشية ابن عابدين: فى عرفنا الصهر أبو المرأة وأمها والختن زوج المحرم فقط وزاد القهستانى: وينبغى فى ديارنا أن يختص الصهر بأبى الزوجة، والختن بزوج البنت لأنه المشهور (٤) على تفصيل فى المذاهب ينظر فى مصطلح «صهر».
стр. 1039
اختصاص
التعريف فى اللغة
اختص بالشئ انفرد به، واختصه بالشئ خصه به فاختص (١).
التعريف فى الاصطلاح
وهو فى الاستعمال الفقهى لا يخرج عن هذا المعنى وقد عبروا فى مواضع كثيرة بالاختصاص فقالوا:
وقد اختص النبى ﷺ من بين الأنبياء بأمور منها (٢) عموم رسالته وكونه خاتم الأنبياء. كما أحلت له الغنائم ولم تحل لأحد من الأنبياء قبله ﴿(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)﴾. وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا فيصلى المسلمون على الأرض متى كانت طاهرة. وشرع التيمم بترابها من الحدثين الأصغر والأكبر فى حالات فقد الماء والعجز عن استعماله. روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«فضلت على الأنبياء بست: اعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لى الغنائم وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت الى الخلق كافة وختم بى النبيون».
كما اختص النبى ﷺ بأحكام دون سائر الأمة.
منها اباحة التزوج بدون مهر. على خلاف الحكم المقرر بالنسبة للأمة من عدم جواز التزوج بدون مهر.
ومنها عدم اباحة التزوج بأكثر من زوجاته ولا استبدال أى منهن بغيرها على خلاف الحكم المقرر للأمة من اباحة الطلاق والزواج كما يشاء الشخص فى حدود الأربع نساء.
﴿(لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ)﴾ ومنها وجوب قيام الليل وترتيل القرآن ﴿(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)﴾، ﴿(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً)﴾.
ومنها اباحة الوصال فى الصوم: وذلك بأن يستمر الصائم على صومه يومين فأكثر بدون تعاطى مفطر بينهما بالليل. فان ذلك مباح للنبى ﷺ ومنهى عنه بالنسبة للأمة. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «اياكم والوصال» قالوا: فانك تواصل يا رسول الله قال: «وأيكم فى ذلك مثلى؟ أنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى. فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون» أخرجه الامام مالك والبخارى ومسلم.
стр. 1040
الاختصاص فى الأمكنة
وفى اختصاص الأمكنة (١) اختص الله المساجد الثلاثة. المسجد الحرام ومسجد النبى ﷺ بالمدينة والمسجد الأقصى. بمزايا منها: لا تشد الرحال ولا يطلب السفر الا اليها. عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال:
«لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد.
مسجدى هذا. والمسجد الحرام. والمسجد الأقصى».
ومنها: فضل الصلاة فيها على غيرها من سائر المساجد فى الأرض كلها. وقد اختص كل واحد من هذه المساجد بمزيد من الفضل فى الصلاة فيه بالنسبة للسجدين الآخرين وبالنسبة لباقى المساجد، عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ ؟ الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. والصلاة فى مسجدى بألف صلاة والصلاة فى بيت المقدس بخمسمائة صلاة.
ورواه ابن خزيمة فى صحيحه بلفظ: قال «صلاة فى المسجد الحرام أفضل عما سواه من المساجد بمائة ألف صلاة، وصلاة فى مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه. وصلاة فى مسجد بيت المقدس أفضل عما سواه من المساجد بخمسائة صلاة». ورواه البزار بلفظ «فضل الصلاة فى المسجد الحرام على غيره بمائة الف صلاة وفى مسجدى ألف صلاة وفى مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة» وفى فضل المسجد الأقصى يقول الله تعالى: ﴿(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ. لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)﴾.
ما اختصت به مكة وحرمها والبيت العتيق
جاء فى فضل مكة وحرمها والبيت العتيق، وما اختص الله به هذه البقاع المقدسة من أحكام دون سائر البقاع من القرآن الكريم والسنة النبوية الكثير.
فمن القرآن الكريم: «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ»، «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (٢).
ومن السنة النبوية:
عن أبى شريح العدوى أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث الى مكة: أئذن لى أيها الأمير أحدثك قولا قال به رسول الله صلى
стр. 1041
الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فسمعته أذناى ووعاه قلبى وأبصرته عيناى حين تكلم به: أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ان مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة فان أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ .
فقولوا له: ان الله أذن لرسوله ﷺ . ولم يأذن لكم. وانما أذن لى ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. وليبلغ الشاهد منكم الغائب» وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: «ان الله حرم دخول مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدى. وإنما أحلت لى ساعة من نهار لا يختلى خلاها. ولا يعضد شجرها. ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها الا لمعرف» وقال العباس يا رسول الله الا الاذخر لصاغتنا وقبورنا قال:؟ الا الاذخر» اخرجه البخارى وصححه - وعنه رضى الله عنه قال: قال النبى ﷺ يوم افتتح مكة «لا هجرة ولكن جهاد ونية. واذا استنفرتم فانفروا وان هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى. ولم يحل لى إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده. ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها. ولا يختلى خلاها» قال العباس: يا رسول الله الا الاذخر لقينهم ولبيوتهم قال: «الا الاذخر».
ما اختصت به المدينة وحرمها
اختصت المدينة بانها مهاجر رسول الله ﷺ ومستقره ومثوى جسده الطاهر الشريف ومقر أشرف بقعة فى الأرض وبأنها تغلب غيرها من القرى وتظهر عليها وبأن المسلمين يتجهون اليها ويتعلقون بها دائما.
كما اختصت من بين سائر البلاد بعد مكة بأن حرمت وجعل لها حرم كمكة.
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهى المدينة تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد» أخرجه البخارى ومسلم. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: «المدينة حرم من كذا الى كذا لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث. من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
الاختصاص فى الأزمنة
وفى اختصاص الأزمنة اختص الله تعالى ليلة القدر بشرف عظيم اذ أنزل فيها القرآن الكريم وأنزل فى فضلها وشرفها قرآنا يتلى وذكرا يتردد ﴿(إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)﴾. كما اختص ١ شهر رمضان بالصيام ونزول
стр. 1042
القرآن فيه ﴿(شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)﴾ كما جعل الله أربعة أشهر من السنة القمرية أشهر حرما ثلاثة متواليات وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب. وقد عظم الاسلام هذه الأشهر فحرم فيها القتال وجعل ذلك من شعائر الله.
﴿(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)﴾. ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ)﴾.
الاختصاص فى العبادات
ان الله تعالى قد اختص كل نوع من العبادة بوضع معين وأداء خاص ومزايا وأفضال وغايات وأهداف خاصة. فالحج نوع من العبادة جعله الله على وضع خاص وهيئة معينة وحرم فيه الكثير من المباحات وكذا الصوم كله والصلاة كلها والعبادات جميعها تختص بأحكام وشروط تتميز بها.
الاختصاص فى المعاملات والجنايات
يمتد الاختصاص الى المعاملات المدنية والعقود والالتزامات فقد جعل الشارع لكل منها وضعا خاصا واختصه بشروط لا يتحقق ولا ينتج آثاره الا بتوافرها، وفى نطاق الجنايات والجرائم بصفة عامة وضع لكل فعل منها وضعا وأوصافا وشروطا لا يتحقق ولا يؤدى الى آثاره ونتائجه الا اذا تحققت جميعها. وفى الاثبات فى المعاملات والجنايات جعل له فى كل منها طريقا ونصابا فى الشهادة اختص به لا يفيد فيه غيره من الطرق ولا ينتج اثباته سواه، وفى روابط الأسرة وعلاقات القرابة وما يترتب على ذلك من آثار وحقوق وواجبات اختص الشارع بعض أفراد الأسرة وبعض الأقارب بأحكام فى مجال الحقوق والواجبات لا يشاركهم فيها غيرهم من بقية الأقارب. ولعل أظهر ما يذكر فى هذا الصدد (١) وضع الأب بالنسبة لنفقة أولاده والزوج بالنسبة لنفقة زوجته ووضع الأب والجد بالنسبة لولايتهما على الأولاد الصغار وجعل ولايتهما ذاتية لا يمكن التنازل عنها والتنصل من أعبائها ماداما صالحين لها وكذا وضعهما بالنسبة لتولى طرفى عقد البيع والشراء والاجارة ونحو ذلك بالنسبة لما تحت يدهما من أموال الصغار المشمولين بولايتهما ووضع الأم بالنسبة لحقها فى حضانة أولادها وارضاعهم
الاختصاص فى الشئون العامة
يشمل الكلام فى هذا المجال اختصاص ولى الأمر فى المسلمين واختصاص الولاة فى الولايات المختلفة ولاية القضاء، وولاية المظالم. وولاية الحسبة. وولاية الصدقة وولاية التنفيذ وغير ذلك من الولايات ويتصل بذلك تخصيص بعض الموارد المالية
стр. 1043
بفئات معينة من المواطنين لتخصيص الزكاة وصدقة الفطر والعشر بالمسلمين وتخصيص الجزية بالذميين وكذلك تخصيص بعض الموارد المالية فى الدولة للصرف منها على فئات معينة كتخصيص أموال الزكاة وصدقة الفطر بالمصارف المحددة فى قول الله تعالى ﴿(إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ)﴾ وتخصيص خمس الغنائم للصرف منها فى المصارف المحددة فى قوله تعالى ﴿(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)﴾ وتخصيص الباقى بعد الخمس للغانمين وهكذا.
الاختصاص القضائى
الاختصاص الوظيفى
القضاء يتخصص بالزمان والمكان والحادثة قال فى الفتح الولاية تقبل التقييد والتعليق بالشرط كقوله اذا وصلت الى بلدة كذا فأنت قاضيها واذا وصلت الى مكة فأنت أمير الموسم كما تقبل الاضافة، جعلتك قاضيا فى رأس الشهر والاستثناء منها كجعلتك قاضيا الا فى قضايا القتل والحدود ولا تنظر قضاياه (١).
ولما كانت ولاية القضاء فى الأصل للخلفاء وللقضاة كانت ولاية القضاة عامة. والى القاضى المرجع فى الجليل والحقير بلا تحديد وأن على القاضى مدار الأحكام واليه النظر فى جميع وجوه القضاء من القليل والكثير وأنه يختص بالنظر فى الجراحات والتوقيعات وان القاضى يباشر كل الأمور الا أمورا خاصة وان له النظر فى كثير من السياسات الشرعية (٢) ثم قال فى معين الحكام واعلم أن الذى يعول عليه فى ذلك العرف فقد قال الامام العلامة شمس الدين محمد بن القيم الفوزية الحنبلى: اعلم أن عموم الولايات وخصوصها وما يستفيد المتولى بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف وليس لذلك حد فى الشرع وقد يدخل فى ولاية القضاء فى بعض الأمكنة. وفى بعض الأزمنة ما يدخل فى ولاية الحرب وقد يكون فى بعض الأمكنة والأزمنة قاصرا على الأحكام الشرعية فقط فيستفاد من ولاية القضاء فى كل قطر ما جرت به العادة واقتضاه العرف وهذا هو التحقيق فى هذه المسألة ومفاد ذلك أن ولاية القاضى قد تكون عامة شاملة ولا يكون هناك أى جهة أخرى للتقاضى. وقد تكون خاصة وتتعدد معها جهات التقاضى لاعتبارات شرعية يراها الحاكم العام.
الاختصاص النوعى
ولاية القضاء تقبل التخصيص بالزمان والمكان والمحادثة: ونص الفقهاء على أن الشئ المفوض الى ثنين لا يملكه أحدهما (٣) كالوكيلين والوصيين والناظرين والقاضيين ومفاد ذلك أن للحاكم العام أن يجعل أكثر من قاض لنظر بعض أنواع القضايا الهامة والتى تحتاج الى رأى ومشورة.
الاختصاص المكانى
لو كان فى البلدة قاضيين كل منهما فى محلة على حدة فوقعت الخصومة بين رجلين
стр. 1044
أحدهما من محلة والآخر من محلة أخرى والمدعى يريد أن يخاصمه الى قاضى محلته والآخر يأبى ذلك اختلف فيها أبو يوسف ومحمد والصحيح أن العبرة لمكان المدعى عليه وكذا لو كان أحدهما من أهل العسكر والآخر من أهل البلدة. وعلله فى المحيط كما فى البحر أن أبا يوسف يقول ان المدعى منشئ للخصومة ويعتبر قاضيه، ومحمد يقول ان المدعى عليه رافع لها.
اختلاس
التعريف فى اللغة
قال الجوهرى: خلست الشئ واختلسته وتخلسته اذا استلبته، والاختلاس كالخلس وقيل الاختلاس أخص من الخلس - وخلس الشئ خلسا - سلبه بمخاتلة وعاجلا (١).
التعريف فى الاصطلاح
عرفه الزيلعى من الحنفية بأنه: أن يأخذ المختلس من البيت سرعة جهرا (٢) وعرف المالكية المختلس بأنه الذى يخطف المال بحضرة صاحبه فى غفلته ويذهب بسرعة جهرة سواء كان مجيئه سرا أو جهرا (٣) ولم تحدد بقية المذاهب فى تعريفها للاختلاس غير الأخذ سرعة جهرا ولم تحدد المكان المأخوذ منه.
الفرق بينه وبين السرقة
عرف الحنفية السرقة بأنها أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ (٤) والاختلاس هو الأخذ سرعة جهرا من البيت (٥) عندهم.
وعند الإباضية هو السرقة من المرعى أو من الجبال أو البرارى أو الطرق (٦) وفى السرقة الحد كما يأتى فى مصطلح (سرقة) ولا قطع فى الاختلاس على ما يأتى:
الحكم فى الاختلاس
اتفقت المذاهب على أنه لا قطع فى الاختلاس.
مذهب الحنفية:
عند الحنفية: لا قطع فى الاختلاس لما روى جابر رضى الله عنه أنه ﵊ قال: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع»، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه الترمذى، ولأن المحرز والاخفاء شرط القطع وقد عدما فى الأول ولم يوجد الثانى فى الأخيرين فانتفى ركن السرقة وشرطها فلم يقطع (٧) وجاء فى الهداية: لا قطع على مختلس لأنه يجاهر بفعله (٨).
مذهب المالكية:
لا قطع ان اختلس أى أخذه بحضرة صاحبه جهرا هاربا سواء جاء جهارا أو سرا (٩).
стр. 1045
مذهب الشافعية:
لا يجب القطع على المنتهب ولا المختلس لما ورد فى حديث جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «ليس على المنتهب قطع، ولا على المختلس قطع» ولان المختلس يأخذ المال على وجه يمكن انتزاعه منه بالاستعانة بالناس وبالسلطان فلم يحتج فى ردعه الى القطع (١).
مذهب الحنابلة:
لا قطع على منتهب ولا مختلس (٢).
مذهب الظاهرية:
المختلس ان اختلس جهارا غير مستخف من الناس فهذا ليس سارقا ولا قطع عليه (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب: ليس فى الاختلاس قطع (٤) وفى البحر: لا قطع لمختلس (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب من لا يحضره الفقيه: قال على ﵇: لا قطع فى الدعارة المعلنة وهى الخلسة ولكنى أعزره، ولكن يقطع من يأخذ ويخفى (٦) وفى الروضة: لا يقطع الهاتك للحرز قهرا لأنه لا يعد سارقا بل غاصبا أو مستلبا (٧).
مذهب الإباضية:
لا قطع على مختلس (٨).
اختلاط
التعريف فى اللغة
يقال خلط الشئ بغيره فاختلط كما فى المختار، وجاء فى المعجم الوسيط خلط الشئ بالشئ خلطا ضمه اليه وقد يمكن التمييز بينهما كما فى الحيوانات وقد لا يمكن كما فى المائعات.
التعريف الشرعى
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة اختلاط عن هذا المعنى ويتكلمون فى الاختلاط عن فروع كثيرة فى أبواب متفرقة فى الفقه كاختلاط الأوانى واختلاط النجس بالطاهر واختلاط الحرام بالحلال واختلاط لبن المرضع بغيره واختلاط الأموال وغير ذلك من صور الاختلاط.
وقد رأت اللجنة أن يكون بيان أحكام الاختلاط وما يشتبه فيه الحكم فى مصطلح (شبهة).
стр. 1046
اختلاف
التعريف بالاختلاف:
الاختلاف فى اللغة عدم الاتفاق والتساوى يقال تخالف الأمران واختلفا لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف (١) وموضوع الاختلاف عند الأصوليين هو ما تعددت فيه آراء المجتهدين وأهل الرأى فى المسائل التى لم يرد فيها دليل قطعى من الأمة اذ محل الاجتهاد المعتبر هى ما يتردد فيه بين طرفين ويظهر فى كل واحد منهما قصد الشارع فى الاثبات فى أحدهما والنفى فى الآخر فلم تنصرف البتة الى طرف النفى أو الى طرف الاثبات فلا يخلو فعل المكلف أو تركه من أن يأتى فيه خطاب من الشارع أولا فان لم يأت فيه خطاب كان على البراءة الأصلية على القول الراجح وان أتى فيها خطاب فاما أن يظهر فيه للشارع قصد فى النفى أو فى الاثبات أولا، فان لم يظهر له قصد البتة فهو قسم المتشابهات وان ظهر فتارة يكون قطعيا وتارة يكون غير قطعى، فأما القطعى فلا مجال للنظر فيه، بعد وضوح الحق فى النفى أو فى الاثبات، وليس محلا للاجتهاد، وهو قسم الواضحات لأنه واضح الحكم حقيقة والخارج عنه مخطئ قطعا، وأما غير القطعى فلا يكون كذلك الا مع دخول احتمال فيه أن يقصد الشارع معارضه أولا، فليس من الواضحات باطلاق بل بالاضافة الى ما هو أخفى منه كما أنه يعد غير واضح بالنسبة الى ما هو أوضح منه.
وكل المسائل التى وقع فيها الاختلاف انما وقع فيها لانها دائرة بين طرفين واضحين فحصل الاشكال والتردد وباحكام النظر فى هذا المعنى يترشح للناظر أن يبلغ درجة الاجتهاد لانه يصير بصيرا بمواضع الاختلاف جديرا بأن يتبين له الحق فى كل نازلة تعرض له ولاجل ذلك جاء فى حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: «يا عبد الله بن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله قال:
أتدرى أى الناس أعلم. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق اذا اختلف الناس وان كان مقصرا فى العمل» (٢)
اختلاف الصحابة
قال الشاطبى: ثبت أن الشريعة لا اختلاف فيها وانما جاءت حاكمة بين المختلفين فيها وفى غيرها من متعلقات الدين فكان ذلك عند الصحابة عاما فى الأصول والفروع حسبما اقتضته الظواهر المتضافرة والأدلة القاطعة، فلما جاءتهم مواضع الاشتباه، وكلوا ما لم يتعلق به عمل الى عالمه على مقتضى قوله تعالى «وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ» ولم يكن لهم بد من النظر فى متعلقات الأعمال، لأن الشريعة قد كملت، فلا يمكن خلو الوقائع عن أحكام الشريعة، فتحروا
стр. 1047
أقرب الوجوه عندهم الى أنه المقصود الشرعى والفطر والأنظار تختلف فوقع الاختلاف من هنا، فلو فرض أن الصحابة لم ينظروا فى المشتبهات الفرعية ولم يتكلموا فيها وهم القدوة فى فهم الشريعة والجرى على مقاصدها لم يكن لمن بعدهم أن يفتح ذلك الباب للأدلة الدالة على ذم الاختلاف، وأن الشريعة لا اختلاف فيها، ومواضع الاشتباه مظان الاختلاف فى اصابة الحق فيها، فكان المجال يضيق على من بعد الصحابة فلما اجتهدوا ونشأ من اجتهادهم فى تحرى الصواب الاختلاف سهل على من بعدهم سلوك الطريق، قال القاضى اسماعيل: انما التوسعة فى اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ توسعة فى اجتهاد الرأى، واختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا (١)
وقال القاسم بن محمد: لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبى ﷺ فى أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم الا رأى أنه فى سعة، ورأى أن خيرا منه قد عمله، وعنه أيضا: أى ذلك أخذت به لم يكن فى نفسك منه شئ ومثل معناه مروى عن عمر بن عبد العزيز قال: ما يسرنى أن لى باختلافهم حمر النعم، قال القاسم:
لقد أعجبنى قول عمر بن عبد العزيز، ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا لأنه لو كان قولا واحدا، كان الناس فى ضيق وانهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان فى سعة، وقال بمثل ذلك جماعة من العلماء (٢).
وقال ابن حزم الظاهرى بعد أن ذم الاختلاف الذى هو عنده ترك التعلق بحبل الله تعالى الذى هو القرآن وكلام النبى ﷺ بعد بلوغ النص اليه وقيام الحجة به عليه، فان قال قائل ان الصحابة قد اختلفوا، وأفاضل الناس أفيلحقهم الذم.
قيل له كلا ما يلحق أولئك شئ من هذا، لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله ووجهة الحق فالمخطئ منهم مأجور أجرا واحدا لنيته الجميلة فى ارادة الخير، وقد رفع عنهم الاثم فى خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين وهكذا كل مسلم فيما خفى عليه من الدين ولم يبلغه (٣).
أسباب الاختلاف
الكثير من الأحكام جاءت فى مصادر الشريعة مجملة تحتاج فى فهمها واستنباط الأحكام منها الى شئ من الفكر والتأمل، والعقل البشرى يختلف فى طاقته وقوته، ويتبع ذلك تفاوت الفقهاء فى فهم أسرار الشريعة وعللها وكان من أهم أسباب اختلاف الفقهاء ما لخصه الشاطبى فى كتاب ابن السيد فى أسباب الاختلاف. الواقع بين جملة الشريعة وحصرها فى ثمانية «أسباب».
أحدها الاشتراك الواقع فى الالفاظ واحتمالها
стр. 1048
للتأويلات وجعله ثلاثة أقسام القسم الأول: اشتراك فى موضوع اللفظ المفرد كالقرء للحيض وللطهر. القسم الثانى:
اشتراك فى أحواله العارضة فى لتعريف نحو «وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ» لاحتمال لفظ يضار وقوع الضرر منهما أو عليهما. القسم الثالث:
«اشتراك من قبل التركيب نحو «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ» لما جاء من الاختلاف فى الفاعل هل هو الكلم أم العمل».
والثانى: دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز وجعله ثلاثة أقسام أيضا:
القسم الأول: ما يرجع الى اللفظ المفرد نحو «اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ».
القسم الثانى: ما يرجع الى أحواله نحو «بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ».
القسم الثالث: ما يرجع الى جهة التركيب كايراد الممتنع بصورة الممكن وأشباهه مما يورد من أنواع الكلام بصورة غيره كالأمر بصورة الخبر.
والثالث: دوران الدليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه كمسألة الجبر والقدر «فكل قائل بشئ منها استند الى دليل لم يلاحظ فيه دليل غيره».
والرابع: دورانه بين العموم والخصوص نحو «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» هل هو خبر بمعنى النهى، أو هو خبر حقيقى.
والخامس: اختلاف الرواية وله علل ثمانية.
والسادس: جهات الاجتهاد والقياس «الاختلاف فى أصل القياس وشروطه وما يجرى فيه الاجتهاد وما لا يجرى فيه».
والسابع: دعوى النسخ وعدمه.
والثامن: ورود الأدلة على وجوه تحتمل الاباحة وغيرها كالاختلاف فى الأذان والتكبير على الجنائز ووجوه القراءات (١).
ويمكن أن تضاف الى هذه الاسباب تفاوت الفقهاء فى حفظ السنة، ووجود الترجيح (٢) واختلاف البيئة والعادة (٣) اذ الوقائع بين الأشخاص والأناس غير متناهية.
الفرق بين الاختلاف والخلاف
تردد لفظ الخلاف والاختلاف على لسان الفقهاء والأصوليين بمعنى واحد غير أن بعضهم حاول أن يوجد فرقا بين الخلاف والاختلاف مريدا بالخلاف متابعة الهوى وبالاختلاف ما يقع من آراء للمجتهدين فى المسائل الدائرة بين طرفين واضحين يتعارضان فى أنظارهم أو الى خفاء بعض الأدلة أو عدم الاطلاع عليها. فالاختلاف فى الحقيقة انما هو نتيجة لتحرى المجتهد قصد الشارع وذلك باتباعه الأدلة على الجملة والتفصيل والبحث عنها. قال الشاطبى: فى بيان ما أراده من
стр. 1049
الخلاف: الخلاف الذى هو فى الحقيقة خلاف ناشئ عن الهوى المضل لا عن تحرى قصد الشارع باتباع للأدلة على الجملة والتفصيل وهو الصادر عن أهل الاهواء واذا دخل الهوى أدى الى اتباع المتشابه حرصا على الغلبة والظهور باقامة العذر فى الخلاف وأدى الى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها وانما جاء الشرع بحسم مادة الهوى باطلاق واذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج الا ما فيه اتباع الهوى وذلك مخالفة الشرع ومخالفة الشرع ليست من الشرع فى شئ (١) والخلاف اجتهاد غير معتبر شرعا.
لأنه صادر عن ليس بعارف بما يفتقر اليه الاجتهاد لأن حقيقته أنه رأى لمجرد التشهى والأغراض وخبط فى عماية واتباع للهوى فكل رأى صدر على هذا الوجه فلا مرية فى عدم اعتباره لأنه ضد الحق الذى أنزل الله تعالى، ثم ذكر ما يفيد أن مما يعرض الخلاف مخالفة أصل قطعى من أصول الشريعة اذ قال المخالف فى أصل من أصول الشريعة العملية لا يقصر عن المخالف فى أصل من الأصول الاعتقادية فى هدم القواعد الشرعية (٢).
وقال عن بيان ما لا يعد خلافا فى نظره بالمعنى السابق ذكره ونعته بالاختلاف: ان ما يعتد به من الخلاف فى ظاهر الأمر يرجع فى الحقيقة الى الوفاق وبيان ذلك أن الشريعة راجعة الى قول واحد والاختلاف فى مسائلها راجع الى دورانها بين طرفين واضحين أيضا يتعارضان فى أنظار المجتهدين والى خفاء بعض الأدلة وعدم الاطلاع عليه. والأول هو التردد بين الطرفين. تحر لقصد الشارع المستبهم بينهما من كل واحد من المجتهدين واتباع للدليل المرشد الى تعرف قصده، وقال: فليس الاختلاف فى الحقيقة الا فى الطريق المؤدى الى مقصود الشارع الذى هو واحد (٣) ومن ثم يتبين الفرق بين الخلاف بهذا الاستعمال والذى عرفه أهل اللغة بأنه المضادة وبين الاختلاف الذى سبق الكلام عنه ووضح أن الاختلاف ناشئ عن الاجتهاد المعتبر شرعا والخلاف ناشئ عن الهوى، وأن الآراء التى يتوصل اليها عن طريق النظر فى الأحكام الشرعية تدخل فى موضوع الاختلاف، إذا وقعت موقعها وصدرت عمن هو أهل لها، أما اذا كانت مخالفة للكتاب والسنة والاجماع أو قولا من غير دليل فلا تكون معتبرة، وتكون خلافا. (انظر.
اجتهاد. خلاف).
اختلاف المجتهدين وهل الحق عند كل
واحد أو هو كل ما وصل اليه
المجتهد باجتهاده
المسألة الظنية من الفقهيات اما أن يكون فيها نص أو لا فان لم يكن فيها نص فقد اختلفوا ولكل حجته فقال قوم كل مجتهد
стр. 1050
فيها مصيب وأن حكم الله فيها لا يكون واحدا بل هو تابع لظن المجتهد فحكم الله فى حق كل مجتهد ما أدى اليه اجتهاده وغلب على ظنه وهو قول القاضى أبى بكر وأبى الهزيل والجبائى وابنه ورأى الغزالى والمزنى.
وذهب بشر المريسى وابن علية وأبو بكر الأصم ونفاة القياس كالظاهرية والإمامية الى أنه ما من مسألة الا والحق فيها متعين وعليه دليل قاطع فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق، ولأن الحكم فى كل واقعة لا يكون الا معينا، لأن الطالب يستدعى مطلوبا وذلك المطلوب هو الأشبه عند الله فى نفس الأمر بحيث لو نزل نص لكان نصا عليه والمختار أن الحق واحد من أصابه أصاب ومن أخطأه أخطأ. وهو رأى الأئمة الأربعة أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد ابن حنبل. وأكثر الفقهاء، وقد اتفق أهل الحق على أن الاثم محطوط عن المجتهدين فى الأحكام الشرعية، وحجتهم على ذلك ما تقل نقلا متواترا لا يدخله ريبة ولا شك وعلم علما ضروريا من اختلاف الصحابة فيما بينهم فى المسائل الفقهية - على ما سبق بيانه - ولم يصدر منهم نكير ولا تأثيم لأحد، فلو كانت المسائل الاجتهادية منزلة منزلة مسائل قطعية ومأثوما على المخالفة فيها لبالغوا فى الانكار والتأثيم ولتوفرت الدواعى على نقله، واستحالت العادة كتمانه، ولقول الرسول ﷺ «اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وان أخطأ فله أجر واحد (١)».
اختلاف الامام والمأموم فى الصلاة
اختلاف الامام والمأموم يتحقق فى نية كل منهما بصلاة غير صلاة الآخر كما يتحقق فى اختلافهما من حيث البلوغ والعلم والذكورة والأنوثة والصلاة من قيام أو جلوس والطهارة من وضوء أو تيمم، ومن حيث الاتمام والقصر وغير ذلك وينص الأحناف على أنه: متى أمكن تضمين صلاة المقتدى فى صلاة الامام صح اقتداؤه به، وان لم تكن لا يصح اقتداؤه به، والشئ انما يتضمن ما هو مثله أو دونه ولا يتضمن ما هو فوقه (٢).
ويقولون: لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ويجوز اقتداء المتنفل بالمفترض لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلم صلى بالناس صلاة الخوف وجعل الناس طائفتين وصلى بكل طائفة شطر الصلاة لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لأتم الصلاة بالطائفة الأولى ثم نوى النفل وصلى بالطائفة الثانية لينال كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه من غير حاجة الى المشى وأفعال كثيرة ليست من الصلاة ولأن تحريمة الامام ما انعقدت لصلاة الفرض، والفرضية وان لم تكن صفة زائدة على ذات الفعل فليست راجعة الى الذات أيضا بل هى من الأوصاف الاضافية فلم يصح البناء من المقتدى بخلاف اقتداء المتنفل بالمفترض لأن النفلية ليست من باب الصفة بل هى عدم
стр. 1051
اذ النفل عبارة عن أصل لا وصف له فكانت تحريمة الامام منعقدة لما يبنى عليه المقتدى وزيادة فصح البناء.
ولا يجوز اقتداء البالغين بالصبيان فى الفرائض لأن الفعل من الصبى لا يقع فرضا، فكان من اقتداء المفترض بالمتنفل (١) «انظر.
امام. مأموم».
اختلاف المطالع وأثره فى بدء
الصيام والفطر
يجمع علماء الأمة على ثبوت الشهور القمرية متى رؤى الهلال على تفصيل فى ذلك:
وهم يختلفون فيما اذا ثبتت رؤية الهلال ببلد هل تلزم هذه الرؤية سائر المسلمين أولا تلزمهم اعتبارا للاختلاف فى المطالع.
مذهب الحنفية:
أما الأحناف: فلهم رأيان فى المسألة قال الكمال واذا ثبت فى مصر لزم سائر الناس فيلزم أهل المشرق رؤية أهل المغرب فى ظاهر المذهب، وقيل يختلف باختلاف المطالع لأن السبب الشهر وانعقاده فى حق قوم لرؤيتهم القمر لا يستلزم انعقاده فى حق آخرين مع اختلاف المطالع وصار كما لو زالت أو غربت الشمس على قوم دون آخرين وجب على الأولين الظهر والمغرب دون أولئك. وجه الأول عموم الخطاب فى قوله تعالى «صوموا» معلقا لمطلق الرؤية فى قوله تعالى «لرؤيته» وبرؤية قوم يصدق عليه اسم الرؤية فيثبت ما تعلق به من عموم الحكم فيعم الجواب بخلاف الزوال وأخيه (أى العصر) فانه لم يثبت تعلق عموم الواجب بمطلق مسماه من الشارع، ومختار صاحب التحرير وغيره من المشايخ اعتبار اختلاف المطالع وأيد رأيهم بحديث كريب ان أم الفضل بعثته الى معاوية بالشام قال:
قدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فى آخر الشهر فسألنى عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتموه؟. فقلت رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت:
أولا نكتفى برؤية معاوية وصومه فقال: لا.
هكذا أمرنا رسول الله ﷺ «وشك أحد رواته فى نكتفى بالنون أو بالتاء» وذاك محتمل لكون المراد أن كل أهل مطلع مكلفون بالصوم لرؤيتهم، رواه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى، وقد قال ان الاشارة فى قوله هكذا الى نحو ما جرى بينه وبين رسول الله ﷺ .
وحينئذ لا دليل فيه لأن مثل ما وقع من كلامه لو وقع لنا لم نحكم به لأنه لم يشهد على شهادة غيره ولا على حكم غير الحاكم، فان قيل: اخباره عن صوم معاوية يتضمنه لأنه الامام. يجاب بانه لم يأت بلفظ الشهادة ولو سلم فهو واحد، لا يثبت بشهادته وجوب
стр. 1052
القضاء على القاضى، والأخذ بظاهر الرواية أحوط (١).
مذهب المالكية:
أما المالكية: فعلى أن الصوم يعم سائر البلاد قريبا أو بعيدا، ولا يراعى فى ذلك مسافة قصر ولا اتفاق المطالع ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول اليه ان نقل ثبوته بالعدلين أو بالمستفيضة (٢).
مذهب الشافعية:
والشافعية: يفصلون فاذا رؤى الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب منه قطعا كبغداد والكوفة. لانهما كبلدة واحدة كما فى حاضرى المسجد الحرام، دون البعيد فى الأصح كالحجاز والعراق والثانى فى البعيد أيضا، والبعيد مسافة القصر وصححه النووى فى شرحه مسلم لتعليق الشرع بها كثيرا من الأحكام، وقيل البعيد باختلاف المطالع. قلت: هذا أصح اذ أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر.
ولما روى مسلم عن كريب «الحديث الوارد فى مذهب الأحناف» وقياسا على طلوع الفجر والشمس وغروبها ولأن المناظر تختلف باختلاف المطالع والعروض. أى خطوط الطول والعرض فكان اعتبارها أولى ولو شك فى اتفاقها فهو كاختلافها لأن الاصل عدم وجوبه، ولأنه انما يجب بالرؤية ولم يثبت فى حق هؤلاء لعدم ثبوت قربهم من بلد الرؤية، نعم لو بان الاتفاق لزمهم القضاء، والأوجه أن اختلاف المطالع تحديدية أى محددة بنقطة معينة. ونبه السبكى على أنها اذا اختلفت لزم من رؤيته بالبلد الشرقى رؤيته بالبلد الغربى من غير عكس. وتبعه الأسنوى وغيره أى حيث اتحدت الجهة والعرض واذا لم يوجب على أهل البلد الآخر وهو البعيد، فسار اليه من بلد الرؤية من صام به فالاصح أن يوافقهم حتما فى الصوم آخرا وان كان قد أتم ثلاثين لانه بالانتقال اليهم صار منهم، والثانى يفطر لأنه لزم حكم البلد الأول فيستمر عليه، ومن سافر من البلد الآخر الذى لم ير فيه الى بلد الرؤية عيد معهم حتما لما مر، سواء أصام ثمانية وعشرين بأن كان رمضان ناقصا عندهم فوقع عيده معهم فى التاسع والعشرين من صومه أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تاما عندهم وقضى يوما ان صام ثمانية وعشرين اذ الشهر لا يكون كذلك (٣).
مذهب الحنابلة:
عدم اعتبار اختلاف المطالع عند رؤية بلد من البلاد للهلال وقالوا، يثبت هلال الصوم بقول عدل، وعنه (أى الامام أحمد ابن حنبل) يفتقر الى عدلين كبقية الشهور، ورؤية بعض البلاد رؤية لجميعها (٤).
وجاء فى المغنى لابن قدامة: ولنا قول الله تعالى ﴿(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)﴾ وقول النبى ﷺ للأعرابى
стр. 1053
لما قال له: آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة قال: نعم. وقوله للآخر لما قال له ماذا فرض على من الصوم؟ قال: شهر رمضان، وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقات فوجب صومه على جميع المسلمين ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين وقد ثبت أن هذا اليوم منه فى سائر الأحكام، فيجب صيامه بالنص والاجماع ولأن البينة العادلة شهدت برؤية الهلال فيجب الصوم، كما لو تقاربت البلدان، فأما حديث كريب (السابق وروده) فانما دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به (١).
مذهب الظاهرية:
أما ابن حزم: فان الذى يؤخذ من كلامه أنه لا يعتبر اختلاف المطالع اذ يقول (٢):
«ومن صح عنده بخبر من يصدقه: من رجل واحد أو امرأة واحدة عبد أو حر أو أمة أو حرة فصاعدا أن الهلال قد رؤى البارحة فى آخر شعبان ففرض عليه الصوم صام الناس أو لم يصوموا وكذلك لو رآه هو وحده».
مذهب الزيدية:
ويذهب الزيدية الى أنه اذا تباعد قطران مسافة قصر واختلفا ارتفاعا وانحدارا، وكان كل واحد منهما اقليما ورؤى فى أحدهما لم يلزم الآخر حكمه لقول (ابن عباس) هكذا أمرنا رسول الله ﷺ (حديث كريب).
قال صاحب البحر الزخار: وفيه نظر اذ لم يفصل دليل الرؤية ولعل قول (ابن عباس) لكون المخبر عن رؤيته كان واحدا (٣).
مذهب الإمامية:
اذا ثبت رؤية الهلال فى بلد آخر، لم يثبت فى بلده، فان كانا متقاربين كفى وكذلك اذا علم توافق أفقهما وان كانا متباعدين (٤).
مذهب الإباضية:
وينص الإباضية على أن البلاد. ان لم تختلف مطالعها كل الاختلاف وجب حمل بعضها على بعض وقيل كل بلد برؤيته ولو تقاربت (٥).
اختلاف الدين والميراث
اتفقت جميع المذاهب على أن غير المسلم لا يرث المسلم ولم ينعقد اجماعهم على العكس وان اتفقت أكثر المذاهب عليه.
مذهب الحنفية:
من موانع الارث اختلاف الدين فلا يرث الكافر من المسلم اجماعا، ولا المسلم من الكافر على قول على وزيد بن ثابت وجمهور الصحابة رضوان الله عليهم واليه ذهب علماؤنا وعلى رأى يرث من الكافر ولا يرث الكافر منه، واليه ذهب معاذ بن جبل:
стр. 1054
ومعاوية بن أبى سفيان والحسن، ومحمد بن الحنفية، ومحمد بن على بن الحسن، ومسروق رضى الله عنهم ويرث المسلم من المرتد لأن ارث المسلم منه مستند الى حال اسلامه، ولذلك قال أبو حنيفة رضى الله عنه انه يرث منه ما اكتسبه فى زمان اسلامه، والكفار يتوارثون فيما بينهم (١).
مذهب المالكية:
يقول المالكية لا يرث مخالف فى دين فلا يرث المسلم غيره ولا يرثه الغير، وكذلك يمنع الميراث اختلاف الدين بين الملل الأخرى كيهودى ونصرانى فلا يتوارثان (٢).
مذهب الشافعية:
ينص الشافعية على أنه لا يرث المسلم من الكافر ولا الكافر من المسلم أصليا كان أو مرتدا لما روى أسامة بن زيد رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.
ويرث الذمى من الذمى وان اختلفت أديانهم لأن حقن دمهم بسبب واحد، فورث بعضهم من بعض (٣).
مذهب الحنابلة:
لا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما الا بالولاء وعن أحمد بن حنبل رضى الله عنه:
لا يتوارثان به أيضا فان أسلم الكافر قبل القسمة لميراث المسلم ورث عنه، وعنه (أى أحمد بن حنبل رضى الله عنه) أيضا لا يرث ولا يرث الكفار بعضهم بعضا وان اختلفت مللهم، وعنه أن اليهود ملة والنصرانية ملة وسائر الكفر ملة وأن كل ملة لا ترث الأخرى (٤).
والمرتد لا يرث أحدا الا أن يسلم قبل قسمة الميراث ففيه الروايتان فان مات أو قتل على ردته فماله فئ وعنه لورثته من المسلمين وعنه لورثته من أهل دينه الذى اختاره (٥).
مذهب الظاهرية:
وينص ابن حزم الظاهرى:
على أنه لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم والمرتد وغير المرتد سواء الا أن المرتد من وقت ردته يكون ما ظفر به من ماله لبيت مال المسلمين (٦).
مذهب الزيدية:
ويذهب الزيدية الى أنه لا توارث بين أهل ملتين اجماعا، لحديث أسامة بن زيد السابق ولقول النبى ﷺ (لا توارث بين أهل ملتين) وفى ارث المسلم المرتد خلاف (٧).
مذهب الإمامية:
يقول الإمامية: يمنع الارث للمسلم الكفر بجميع أصنافه وان انتحل معه الاسلام فلا يرث الكافر وان لم يكن مؤمنا، والمسلم يرث الكافر ويمنع ورثته الكفار - وان قربوا وبعد - ولو لم يخلف المسلم قريبا
стр. 1055
مسلما كان ميراثه للمعتق ثم ضامن الجريرة أى مولى الموالاة ثم الامام ولا يرثه الكافر بحال، واذا أسلم الكافر على ميراث قبل قسمته بين الورثة حيث يكونون متعددين شارك فى الارث بحسب حاله ان كان مساويا لهم فى المرتبة وانفرد بالارث ان كان أولى، ولو أسلم بعد القسمة أو كان الوارث واحدا فلا مشاركة، ولا يرث المرتد مسلما، ويرث المسلم الكافر أصليا أو مرتا (١).
(انظر ارتداد)
مذهب الإباضية:
من موانع الارث اختلاف الملل، فلا يرث مشرك مسلما اجماعا ولا يرث مسلم مشركا عند الأكثر وهو المذهب، والكفر كله ملة واحدة والاسلام ملة فكل يهودى ونصرانى وصابئ ومجوسى وجاحد ووثنى يرث الآخر وهو المذهب فلا يرث المرتد ولا يورث لأنه لا موالاة بينه وبين غيره لتركه دين الاسلام وعدم تقريره على ما انتقل اليه (٢).
اختلاف الدين والوصية
اختلف العلماء حول الوصية مع اختلاف الدين فمنهم من أجازها ومنهم من أبطلها، ومنهم من فرق بين أن تكون من المسلم أو له على الوجه المبين بعد.
مذهب الحنفية:
فالحنفية يجيزون: الوصية للذمى من المسلم وللمسلم منه، قالوا: ويجوز أن يوصى المسلم للكافر والكافر للمسلم، فالأول لقول الله تعالى «لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» والثانى «لأنهم بعقد الذمة ساووا المسلمين فى المعاملات ولهذا جاز التبرع من الجانبين» (٣).
ولو أوصى لخلاف ملته جاز اعتبار الارث اذ الكفر كله ملة واحدة (٤).
مذهب المالكية:
والمالكية: يذهبون الى جواز الوصية للذمى روى ابن وهب من نذر صدقة على كافر لزمه، قال ابن رشد لاخلاف أن فى الوصية للذمى أجرا على كل حال، قال مالك:
تجوز وصية المسلم للكافر. وقاله ابن القاسم وقال اصبغ تجوز للذمى (٥) وجاء فى الحطاب والدردير: تصح الوصية من كافر للمسلم بكل شئ يملكه الا ما يحرم على المسلم تملكه كالخمر والخنزير (٦).
مذهب الشافعية:
ويذهب الشافعية: الى جواز الوصية للذمى فقالوا: وان أوصى لذمى جاز لما روى أن صفية أوصت لأخيها بثلثها ثلاثين ألفا، وكان يهوديا ولأن الذمى موضع للقربة ولهذا يجوز التصدق عليه فجازت له الوصية (٧).