← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وقت اخراج الزكاة مذهب الحنفية: قال الكرخى هى واجبة على الفور وذكر فى المنتقى ما يدل عليه وروى عن محمد أن التأخير لا يجوز وهذا نص على الفور، وذكر أبو عبد الله الثلجى عن أصحابنا أنها تجب وجوبا موسعا وقال عامة مشايخنا أنها واجبة على التراخى ومعنى التراخى عندهم أنها تجب مطلقا عن الوقت غير عين ففى أى وقت أدى يكون مؤديا للواجب ويتعين ذلك الوقت للوجوب، واذا لم يؤد الى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب بأن بقى من الوقت قدر ما يمكنه الأداء فيه وغلب على ظنه أنه لو لم يؤد فيه يموت فعند ذلك يتضيق عليه الوجوب حتى أنه لو لم يؤد فيه يأثم وأصل المسألة ان الأمر المطلق عن الوقت هل يقتضى وجوب الفعل على الفور أم على التراخى قال الامام أبو منصور الماتريدى السمرقندى أنه يجب تحصيل الفعل على الفور وهو الفعل فى أول أوقات الامكان ولكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين بل مع الاعتقاد المبهم أن ما أراد الدين من الفور والتراخى فهو حق (١) على تفصيل فى المذاهب «انظر زكاة». اخراج زكاة الفطر ووقتها مذهب الحنفية: قال الأحناف: يتحقق الاخراج فى صدقة الفطر باعطاء جماعة زكاة واحد أو اعطاء واحد زكاة جماعة ووقتها مختلف فيه قال أصحابنا هو وقت طلوع الفجر الثانى من يوم الفطر، وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يجوز التعجيل سنة وسنتين وعن خلف بن أيوب أنه يجوز تعجيلها اذا دخل رمضان ولا يجوز قبله، وذكر الكرخى فى مختصره أنه يجوز التعجيل بيوم أو يومين وقال الحسن بن زياد، لا يجوز تعجيلها أصلا، والصحيح أنه يجوز التعجيل مطلقا وان كثرت المدة (٢). وللمذاهب تفصيل فى هذا الموضوع. «انظر زكاة الفطر». الاخراج من الوقف المعروف أن الاخراج من الوقف يراد به غالبا الاخراج من الاستحقاق وقد يستعمل فى الاخراج من النظر بمعنى العزل فأما المعنى الأول فقد قال: الحنفية: شرائط الواقف معتبرة اذا لم تخالف الشرع (٣) فلو قال الواقف ان لى أن أخرج من شئت ممن وقفت عليهم فأخرج واحدا أو الجميع جاز، وصارت الغلة للفقراء وان أخرج واحدا ثم أراد أن يدخله لم يكن له ذلك وصار الوقف على الباقين لأن له المشيئة فى الاخراج دون الادخال. اذا لم يكن قد اشترط لنفسه الادخال، ثم ان كان فى الوقف غلة وقت الاخراج ذكر هلال أنه يخرج منها خاصة وعلى قياس ما ذكر فى وصايا الأصل

стр. 1087

والجامع الصغير أنه يخرج عن الغلة أبدا لأنه لو أوصى بغلة بستانه وفى البستان غلة يوم موت الموصى فله الغلة الموجودة وما يحدث فى المستقبل أبدا، وعلى رواية هلال له الغلة الموجودة دون ما يحدث. وان أخرج بأن قال أخرجت فلانا أو فلانا جاز، والبيان اليه فان لم يبين حتى مات، فالغلة تقسم على رءوس الباقين فيضرب لهذين بسهم فان اصطلحا أخذاه بينهما وان أبيا أو أبى أحدهما حتى يصطلحا (١) ولو قال أخرجت فلانا لا بل فلانا خرجا جميعا. أما الاخراج بالمعنى الثانى فقد قال فيه الحنفية، ولو أخرج حاكم قيما من النظر فمات أو عزل فتقدم المخرج الى القاضى الثانى بأن ذلك القاضى أخرجه بلا جنحة لا يدخله، لأن أمر الأول محمول على السداد ولكنه يكلفه أن يقيم عنده بينة أنه أهل وموضع للنظر فى هذا الوقف فان فعل أعاده، وكذا لو أخرجه بفسق وخيانة فبعد مدة أناب الى الله وأقام بينة أنه صار أهلا لذلك فانه يعيده مع تفصيل محله الولاية على الوقف فى مصطلح «وقف». اخراج المرأة المعتدة من بيت الزوجية: نهى الله تعالى الأزواج عن الاخراج، - اخراج المعتدات - لقوله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» (٢) - وقوله تعالى: «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ» (٣). والأمر بالاسكان نهى عن الاخراج والخروج: والمعتدة لا يخلو اما أن تكون معتدة من نكاح صحيح واما أن تكون معتدة من نكاح فاسد ولا يخلو اما أن تكون حرة واما أن تكون أمة، بالغة أو صغيرة عاقلة أو مجنونة مسلمة أو كتابية مطلقة أو متوفى عنها زوجها والحال حال الاختيار أو حال الاضطرار، فان كانت معتدة من نكاح صحيح وهى حرة مطلقة بالغة عاقلة مسلمة والحال حال الاختيار فانها لا تخرج ليلا ولا نهارا سواء كان الطلاق ثلاثا أو بائنا أو رجعيا، أما فى الطلاق الرجعى فلقوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» وأما فى الطلاق الثلاث أو البائن فلعموم النهى ولمساس الحاجة الى تحصين الماء، وعلى تفصيل فى ذلك موضعه مصطلح «عدة» (٤). الاخراج من الحرز مذهب الحنفية: قال الحنفية: بعد تعريف السرقة. وأن الأخذ على وجه الاستخفاء قد يكون بالمباشرة والمباشرة أن يتولى السارق أخذ المتاع واخراجه من الحرز بنفسه حتى لو دخل الحرز وأخذ متاعا فحمله أو لم يحمله حتى ظهر عليه وهو فى الحرز قبل أن يخرجه فلا قطع عليه لأن

стр. 1088

الأخذ اثبات اليد ولا يتم ذلك الا بالاخراج من الحرز (١). مذهب المالكية: قالت المالكية: النصاب متى كان مخرجا من حرز واحد قطع مخرجه، ولا يشترط دخول السارق فيه بل لو أدخل نحو عصا وجر النصاب به قطع، فالمدار على اخراج النصاب دخل هو فى الحرز أم لا خرج منه اذا دخل أم لا (٢). مذهب الشافعية: ان نقب اثنان حرزا وسرقا نصابين قطعا لأن كل واحد منهما سرق نصابا، وان أخرج أحدهما نصابين ولم يخرج الآخر شيئا قطع الذى أخرج دون الآخر لأنه هو الذى انفرد بالسرقة (٣). مذهب الحنابلة: قالت الحنابلة: بعد أن اشترطوا فى السرقة أن تكون من حرز وأن يخرج السارق منه متى أخرجه من الحرز وجب عليه القطع سواء حمله الى منزله أو تركه خارجا من الحرز وسواء أخرجه بأن حمله أو رمى به الى خارج الحرز أو شد فيه حبلا ثم خرج فمده به أو شده على بهيمة ثم ساقها حتى أخرجها أو تركه فى نهر جار فخرج به ففى هذا كله يجب القطع لأنه هو المخرج له اما بنفسه واما بآلته فوجب عليه القطع كما لو حمله فأخرجه وسواء دخل الحرز فأخرجه أو نقبه ثم أدخل اليه يده أو عصا لها شجنة واجتذبه بها (٤). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: قضى رسول الله ﷺ بقطع السارق جملة ولم يخص رسول الله ﷺ حرزا من غير حرز، والله لو أراد ألا يقطع السارق حتى يسرق من حرز ويخرجه من الدار لما أغفل ذلك ولا أهمله ونحن نشهد ونثبت ونقطع بيقين لا يمازجه شك أن الله لم يرد قط ولا رسوله ﷺ . اشتراط الحرز فى السرقة واذ لا شك فى ذلك فاشتراط الحرز فيها باطل بيقين وعلى هذا فليس للاخراج من الحرز حكم خاص فى السرقة لأن السرقة عندهم لا يشترط أن تكون من حرز (٥). مذهب الزيدية: قال الزيدية: اذا اشترك جماعة فى نقب حرز فدخلوا وأخرج كل منهم مالا تفرد به قطع من أخرج نصابا لا دونه، ولو نقب أحد رجلين وأخرج المال غيره قطع المخرج للمال، وقيل لا قطع على أيهما، ولو تناول من كوة بخطاف قطع اذا أخرج من حرز فان لم يحمله بل تركه حتى تلف قطع أيضا للاخراج، ولو ألقى المال فى نهر جار أو مهب ريح فخرج

стр. 1089

بجريه قطع اذ القاؤه كاخراجه وقيل لا، وما أخرجه القرد المعلم قطع به ان أخرج بأمره (١) مذهب الإمامية: قالت الشيعة الإمامية: يشترط فى السارق أن يهتك الحرز ويخرج المتاع بنفسه (٢). مذهب الإباضية: وقال الإباضية: وتقطع يمنى سارق ان أخرج من حرز ما قيمته أربعة دراهم وقيل ان أخرج من حرز خمسة ولا تقطع أصابع خمس مع الكف الا فى دراهم خمسة، وقيل ان أخرج عشرة (٣). أخرس التعريف اللغوى الأخرس فى اللغة هو الممنوع من الكلام خلقة أى خلق ولا نطق له، وصار الشخص أخرس بين الخرس أى منعقد اللسان عن الكلام (٤) وقد وضع الفقهاء للأخرس بهذا المعنى أحكاما خاصة به سيأتى بيانها. الفرق بينه وبين معتقل اللسان معتقل اللسان من خلق ناطقا ثم طرأ عليه مرض ترتب عليه اعتقال لسانه - أى منعه من الكلام «انظر اعتقال اللسان». اسلام الأخرس الأخرس العاجز عن النطق يكتفى فى اسلامه بالاشارة مع قيام القرائن على أنه أذعن بقلبه (٥). حكم الأخرس بالنسبة للعبادات القولية مذهب الحنفية: قال الحنفية: صلاة الأخرس جائزة بدون تكبيرة الافتتاح والقراءة وغيرهما من الأقوال لأن القراءة وان كانت ركنا من أركان الصلاة الا أن عجزه عن النطق اقتضى صحة صلاته بدون القراءة وغيرها (٦). مذهب المالكية: قال المالكية: المصلى اذا عجز عن النطق بالتكبيرة كاملة لخرس فانه يسقط عنه النطق ويكتفى منه بالنية (٧) وفى الشرح الكبير: فان عجز عن النطق بالتكبير لخرس أو عجمة سقط التكبير عنه لكل فرض عجز عنه ويكتفى منه بنية الدخول فى الصلاة وكما يسقط عنه التكبير يسقط عنه القيام له على ما استظهره ابن ناجى، والأخرس الذى يأتم بأخرس أو أمى مقيد بعدم وجود امام قارئ فان وجدا اماما قارئا وائتما بغيره ففيه خلاف فقد جاء

стр. 1090

فى التوضيح. أشار ابن عبد السلام الى أن الخلاف فى الأخرس والأمى مقيد بعدم وجود القارئ وأنهما اذا أمكنهما أن يصليا خلف القارئ فلا لأن القراءة لما كان الامام يحملها كان تركهما الصلاة خلفه تركا المقراءة اختيارا وفيه نظر .. ويعلم أن الخلاف انما هو فيما اذا وجد قارئ وأما اذا لم يوجد فالصحة اتفاقا (١) وبطلت صلاة الجماعة باقتداء بعاجز عن ركن قولى أو فعلى الا أن يساوى المأموم امامه فى العجز فجائز (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية فى نهاية المحتاج: أما العاجز لنحو خرس فيجب تحريك لسانه وشفتيه ولهاته بالتكبير قدر امكانه قال فى المجموع وهكذا حكم تشهده وسلامه وسائر أذكاره قال ابن الرفعة فان عجز عن ذلك نواه بقلبه كما فى المريض (٣) وفى نهاية المحتاج: عدم صحة اقتداء أخرس بأخرس ولو عجز امامه فى أثناء صلاته عن القراءة لخرس لزمه مفارقته بخلاف ما لو عجز عن القيام لأن اقتداء القائم بالقاعد صحيح ولا كذلك القارئ بالأخرس قاله البغوى فى فتاويه فلو لم يعلم بخرسه حتى فرغ من صلاته أعاد لأن حدوث الخرس نادر بخلاف طرو الحدث (٤). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أن التسمية واجبة فى الوضوء يبطل الوضوء بتركها ثم قال: والأخرس يشير بها قال فى المنتهى: وتكفى اشارة أخرس ونحوه بها، وظاهر ذلك وجوب الاشارة (٥) وعند الكلام على التكبير فى الصلاة قال (٦) يسقط التكبير فى الصلاة عن الأخرس لقول الله جل شأنه: «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (٧) ثم قال والأخرس يحرم بقلبه لعجزه عنه بلسانه ولا يحرك لسانه وكذا حكم القراءة والتسبيح وغيره كالتحميد والتسميع والتشهد والسلام يأتى به الأخرس بقلبه ولا يحرك لسانه، وقال فى موضع آخر (٨) ويقف بقدر الفاتحة لأن القيام ركن مقصود فى نفسه لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه فمع القدرة تجب القراءة والقيام بقدرها اذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر لقول رسول الله ﷺ : اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وقال فى موضع آخر (٩) ولا تصح الصلاة خلف أخرس ولو بأخرس مثله نصا لأنه يترك ركنا وهو القراءة والتحريمة وغيرهما فلا يأتى به ولا ببدله بخلاف الأمى فانه يأتى بالبدل ثم قال فى موضع آخر (١٠): ويستحب أن يلبى عن أخرس تكميلا لنسكه.

стр. 1091

مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: بعد أن ذكر الفروض القولية فى الصلاة قال فان عجز عن شئ منه لجهل أو عذر مانع سقط عنه وتمت صلاته (١). مذهب الزيدية: ويسقط فرض القرآن وغيره من التكبير والتسليم عن الأخرس وهو الذى لا يمكنه شئ من الكلام لتغير اللسان يعنى مع كونه أصم لكنه ينبغى أن ينظر فان كان الخرس عارضا وقد كان يحسن القراءة فالواجب عليه أن يثبت قائما قدر القراءة الواجبة ذكره فى الكافى وهل يلزم امرارها بقلبه؟ احتمالان أصحهما أنه لا يلزم، وأما ان كان الخرس أصليا قيل انه لا صلاة عليه لأنه غير مأمور بالشرعيات بل بالعقليات فحسب قال مولانا على ﵇ وهذا صحيح (٢). مذهب الإمامية: تكبيرة الاحرام يأتى بها الأخرس على قدر الامكان وان عجز عن النطق أصلا أخطرها بقلبه وأشار اليها مع تحريك لسانه ان أمكنه ورد ذلك فى الروض والبيان وغيره (٣) وقال فى موضع آخر: والحكم كذلك فى التكبيرات المندوبة بالنسبة للأخرس (٤) وفى المبسوط وغيره الاقتصار على الاشارة بالأصبع وعن نهاية الأحكام يحرك لسانه ويشير بأصابعه أو شفته ولهاته مع العجز عن تحريك اللسان، وفى القواعد: يعقد قلبه بمعناها مع الاشارة وتحريك اللسان والعمدة فى ذلك خبر السكوتى عن أبى عبد الله ﵇ حيث ورد فيه تلبية الأخرس وتشهده وقراءته للقرآن فى الصلاة تحريك لسانه واشارته بأصبعه ثم قال والمراد أن الأخرس يؤدى عباداته القولية بما يؤدى به مراداته ومقاصده من تحريك اللسان والاشارة بالأصبع وعن جماعة عدم ذكر الاشارة بالأصبع هنا، وحكى عن جامع المقاصد منع ذلك لعدم الدليل عليه فى الأخرس ولا فى غيره ولو وجب ذلك لعمت البلوى أكثر الخلائق (٥) وقال فى موضع آخر: لا يجوز امامة الأخرس بالصحيح وان كان ممن لا يحسن (٦) قال فى مفتاح الكرامة (٧) لا أجد فى ذلك خلافا، وفى المعتبر والمنتهى والتذكرة ونهاية الأحكام وكشف الالتباس وغيرها: أنه يجوز أن يؤم مثله بل فى المعتبر والمنتهى أنه يجوز أن يؤم بالأمى لأن التكبير لا يتحمله الامام وهما فى القراءة سواء. مذهب الإباضية: جاء فى متن النيل فى الصلاة: من عجز عن شئ فانه يعمل ما قدر عليه ويومى لغيره

стр. 1092

وهذا بالنسبة للأفعال، وهل يكيف ما يعمل بلسانه ويعمل بجوارحه ما أمكنه أو يكيف الأقوال والأعمال؟. قولان قال فى شرح النيل والأولى أن يعم، ويقول: واذا قدر على شئ فعله ويكيف ما لم يقدر عليه على الصحيح وقيل يكيف الكل (١) وفى الوضع قال: ولا تجوز الصلاة خلف الأخرس (٢). ذبيحة الأخرس مذهب الحنفية: ذبيحة الأخرس عند الحنفية صحيحة اذا كان مسلما أو كتابيا ذميا أو حربيا وان لم يذكر اسم الله عليها لأن ترك التسمية عمدا فى الذكاة وان كان يمنع حل الذبيحة الا أن ذلك خاص بالقادر على التسمية، أما الأخرس فانه عاجز عن التسمية وعجزه عن التسمية لا يمنع صحة ذكاته (٣). مذهب المالكية: يجب فى الذكاة بأنواعها نيتها وتسمية عند التذكية وعند الارسال فى العقر ان ذكر وقدر فلا تجب التسمية على ناس ولا أخرس ولا مكره وحينئذ فيفيد قول الله : «وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ (٤)» أى لا تأكلوا مما تركت التسمية عليه عمدا مع القدرة عليها (٥). مذهب الشافعية: قال فى المجموع: والأخرس ان كانت له اشارة مفهومة حلت ذبيحته بالاتفاق وان لم تكن له اشارة مفهومة فطريقان: المذهب الحل أيضا وبه قطع الأكثرون، والرأى الثانى أنه يعتبر كالمجنون وبهذا الرأى قطع البغوى والرافعى، قال الرافعى: ولتكن سائر تصرفاته على هذا القياس (٦) وفى نهاية المحتاج: أن الأخرس تحل ذبيحته (٧). مذهب الحنابلة: قال فى كشاف القناع (٨) التسمية شرط عند الذبح فان كان المذكى أخرس أومأ برأسه الى السماء ولو أشار اشارة تدل على التسمية وعلم أنه أراد التسمية كان فعله كافيا لقيام اشاراته مقام نطقه قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه على اباحة ذبيحة الأخرس، وفى باب الصيد (٩) أن التسمية شرط عند ارسال السهم والجارحة ثم قال: ولا تعتبر التسمية من أخرس لتعذرها منه، والظاهر أنه لا بد من اشارته بها لقيام اشارته مقام نطقه. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: وتذكية الأخرس جائز أكلها اذا ذكى وسمى بالاشارة لقول الله

стр. 1093

تعالى: «إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ .. الآية (١)» فخاطب كل مسلم ومسلمة، وقال جل شأنه «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» فلم يكلفوا من التسمية الا ما قدروا عليه (٢). مذهب الزيدية: من شروط الذبح التسمية عند الذبح من الذابح فان كان لذابح أخرس حلت ذبيحته من غير تسمية (٣). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: وتصح ذكاة الأخرس ان كان ينطق بالتسمية أو علم أنه موحد (٤). حكم اشارة الأخرس بالنسبة للعقود والتصرفات والاقرارات مذهب الحنفية: اذا كان الأخرس له اشارة معروفة بدلالتها على الاقرار كأن يحرك رأسه طولا من فوق الى تحت وكان ذلك منه معهودا فى نعم، وله أيضا اشارة معروفة بدلالتها على الانكار كأن يحرك رأسه عرضا فان اشارته هذه تقوم مقام العبارة فتعتبر اشارته الأولى اقرارا منه بأى تصرف ينعقد بأى ارادة منفردة كالوقف والوصية والطلاق فاذا قرئ عليه كتاب وصية أو وقف وقيل له نشهد عليك بما فى هذا الكتاب فأومأ باشارة القبول كان ذلك منه اقرارا بالتصرف واشارته المعروفة بدلالتها بنعم تقوم مقام العبارة أيضا بالنسبة للعقود فتقوم اشارته مقام العبارة بالنسبة لأحد ركنى العقد فينعقد بها زواجه وبيعه وشراؤه واجارته وكذلك تدل هذه الاشارة على اقراره بالدين أو اقراره بالدعوى فى مجلس القضاء وكذلك اشارة الانكار تكون معتبرة على هذا النحو (٥). مذهب المالكية: ينعقد البيع بما يدل عرفا على الرضا من قول أو كتابة أو اشارة منهما أو من أحدهما وان بمعاطاة (٦) ولزمت الشركة بما يدل عليها عرفا أى سواء كان قولا أو فعلا كخلط المالين والتجر فيهما والحاصل أنها تلزم بكل ما دل عليه عرفا (٧) وتكفى الاشارة الدالة على الحوالة من الأخرس (٨) ولزوم الطلاق بالاشارة المفهمة بأن احتف بها من القرائن ما يقطع من عاينها بدلالتها على الطلاق وسواء وقعت من أخرس أو متكلم وهى كالصريح فلا تفتقر الى نية وأما غير المفهمة فلا يقع بها طلاق ولو قصده لأنها من الأفعال لا من الكنايات الخفية خلافا لبعضهم (٩) والتفصيل ينظر فى مصطلح طلاق.

стр. 1094

والأخرس يلزمه اقراره بالاشارة لأن اشارة الأخرس تنزل منزلة العبارة فلو انطلق لسانه ورجع عن اقراره لم يعتبر رجوعه (١). مذهب الشافعية: ويعتد باشارة أخرس فى العقود كهبة واجارة وبيع والحلول كعتق وطلاق وفسخ والأقارير والدعاوى وغيرها وان أمكنه الكتابة للضرورة فان فهم طلاقه وغيره بها كل واحد فصريحة وان اختص بفهمه أهل فطنة وذكاء فكناية كما فى لفظ الناطق، وتعرف نيته فيما اذا أتى باشارة أو كتابة باشارة أو كتابة أخرى وكأنهم اغتفروا تعريفه بها مع أنها كناية ولا اطلاع لنا بها على نية ذلك للضرورة فقول المتولى: ويعتبر فى الأخرس أن يكتب مع لفظ الطلاق أنى قصدت الطلاق ليس بقيد وسيأتى فى اللعان أنهم ألحقوا بالأخرس من اعتقل لسانه ولم يرج برؤه والقياس مجيئه هنا بل الأخرس يشمله، ولو كتب ناطق أو أخرس طلاقا ولم ينوه فلغو اذ لا لفظ ولا نية (٢). مذهب الحنابلة: يصح ايجاب الأخرس وقبوله النكاح باشارة مفهومة يفهمها صاحبه العاقد معه ويفهمها الشهود كذلك أما اشارته التى لا تفهم فلا يصح بها ايجاب النكاح ولا قبوله (٣) كما أن الطلاق يقع منه باشارة مفهومة لأنه يفهم منها الطلاق فأشبهت الكتابة، وتعتبر اشارته المفهومة من صريح الطلاق أما اذا لم يفهم اشارته الا البعض فهى من كنايات الطلاق بالنسبة اليه وتأويل الأخرس مع الصريح من الاشارة كتأويله مع النطق فيما يقبل أو يرد واشارة الأخرس بأصابعه الثلاثة لا تقع الا واحدة لأن اشارته لا تكفى وفيه نظر اذا نواه ثم قال صاحب الكشاف (٤) من شروط وقوع الطلاق النطق به الا فى موضعين أحدهما: اذا طلق الأخرس بالاشارة المفهومة فان طلق فى قلبه لم يقع كالعتق، ولو أشار بأصبعين أو أصابعه الثلاثة مع نيته نقل ابن هانئ عن أحمد أنه اذا طلق فى نفسه لم يلزمه الطلاق وكما يعتد باشارة الأخرس فى النكاح والطلاق كذلك يعتد بها فى الوصية ان فهمت فقد قال صاحب الكشاف (٥) ولا تصح الوصية من أخرس لا تفهم اشارته فان فهمت اشارته صحت لأن تعبيره انما يحصل بذلك عرفا وكذلك اقراره يصح بالاشارة المعلومة لقيامها مقام نطقه (٦) ويصح أيضا الضمان من الأخرس بالاشارة المفهومة كسائر تصرفاته لأنها كاللفظ فى الدلالة على المراد فان لم تفهم اشارته فلا يصح ضمانه أى لا يصح أن يضمن غيره (٧). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: ويطلق الأبكم والمريض بما يقدر عليه من الصوت أو

стр. 1095

الاشارة التى يوقن بها من سمعها قطعا أنهما أرادا الطلاق برهان ذلك الآية والحديث المتقدمين (١) وفى باب البيع أنه ينعقد البيع ممن لا يقدر على القول بما يقوم مقامه ممن به آفة كالخرس (٢). مذهب الزيدية: قال صاحب شرح الأزهار: والبيع والشراء يصحان من الأخرس وهو الذى يجمع بين الصمم والعجمة فتصح عقوده كلها وتكون بالاشارة التى يفهم بها مراده قال: ويصح منه كل عقد الا الشهادة والاقرار بالزنا والقذف والايلاء واللعان فانها لا تصح الا من متكلم (٣) والايجاب والقبول يصحان من الأخرس الذى يفهم الشرعيات وقيل الذى يفهم عقد النكاح ويكون ذلك بالاشارة لا الكتابة لأنها فرع عن النطق وقيل يصح بالكتابة كما فى الطلاق وفرق بينه وبين الأيمان بأن اليمين لا تصح من الأخرس بالاشارة بخلاف هذا بل تكون الكتابة أبلغ ثم قال: والأخرس هو الذى لم يصح له الكلام فيه فلم يتكلم من مولده ويصح أن يتولى الايجاب والقبول فى النكاح وليه وشرط الرضا من الثيب يكون بالنطق بماض أو فى حكمه أى حكم النطق بالماضى وذلك نحو أن تكون خرساء فتشير برأسها أنها قد رضيت (٤). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة (٥). والأخرس يعقد ايجابا وقبولا بالاشارة المفهمة للمراد. وقال صاحب الروضة فى موضع آخر طلاق الأخرس يكون بالاشارة المفهمة له ويلقى القناع على رأسها مع اشارته ليكون ذلك قرينة على وجوب تسترها منه ثم قال والموجود فى كلام الأصحاب أن الطلاق من الأخرس يكون بالاشارة خاصة والموجود فى الرواية القاء القناع فجمع بينهما هنا ليكون أقوى دلالة ثم قال والظاهر أن القاء القناع من جملة الاشارات ويكفى منها ما دل على قصده الطلاق كما يقع غيره من العقود والايقاعات والدعاوى والأقارير. وفى شرائع الاسلام. أن الأخرس لو كتب ناويا بكتابه الطلاق صح (٦). مذهب الإباضية: جاء فى متن النيل وشرحه: والأصم والأبكم اذا نشآ مع قوم يعرفون بالاشارة ما يريدان جاز عليهما ما صنعا من طلاق أو نكاح أو غيرهما كايلاء وظهار وفداء وبيع وشراء وقيل: لا طلاق لهما ولو أفهماه باشارة أو كتابة والصحيح الأول وجوز منه بايماء اذا سمعت منه نغمة - بفتح النون والغين المعجمة وبفتحها واسكان الغين وهى الكلام الخفى وقيل لا يقع طلاقه على كل

стр. 1096

حال فتعرف المرأة قبل أن ليس الى الخروج سبيل، ومن تزوج ثم خرس لسانه أو قطع فلا يطلق عنه وليه أو خليفته اتفاقا، واختلف فى طلاقه بالاشارة فقيل يقع وقيل لا وقيل ان فهمت فى طلاقه ونكاحه وتيقنت جازا - أى الطلاق والنكاح، وان شك فيها بطلت وكذا فى البيع والشراء وغيرهما واختلف فى طلاقه بالكتابة والصحيح الوقوع اذ لا كلام له (١). حكم اشارة الأخرس بالنسبة للقصاص والحدود مذهب الحنفية: ذهب فقهاء الحنفية الى أن اشارة الأخرس المعروفة المعهودة منه تقوم مقام العبارة فى القصاص فيقتص منه اذا دلت اشارته فى الاقرار بقتل يوجب القصاص شرعا وكذلك يقتص له اذا دلت اشارته على طلبه القصاص من غيره فيما يجب فيه القصاص شرعا، أما بالنسبة للحدود فاشارته لا تقوم مقام العبارة فاذا دلت اشارته على اقراره بارتكابه أى حد من الحدود فلا يجب عليه الحد شرعا كما أن طلبه اقامة الحد على غيره لا يوجب اقامة الحد على الغير لأن الحدود تندرئ بالشبهات واشارته لا تخلو عن الشبهة (٢). مذهب الشافعية: يذهب الشافعية الى أن اشارة الأخرس فى الحدود تعتبر اقرارا منه لثبوت الحد عليه والاشارة من الأخرس تشعر بالالتزاء بالحق، وقد جاء فى نهاية المحتاج ومغنى المحتاج أنه يكفى فى ثبوت الحد فى الزنا الاشارة من الأخرس ان فهمها كل أحد وكذلك يعتد باشارته المفهمة أو كتابته فى القذف (٣). مذهب الحنابلة: يؤخذ باشارة الأخرس فى القذف ولا يقبل انكاره لأنه قد تعلق به حق لغيره بحكم الظاهر فلا يقبل انكاره له قال القاضى وأبو الخطاب هو كالناطق فى قذفه (٤) ثم قال فى موضع آخر (٥) يثبت الزنا بالاقرار، واشارة الأخرس ان فهمت تعتبر اقرارا منه بالزنا وعليه الحد وهو رأى القاضى لأن من صح اقراره بغير الزنا صح اقراره به كالناطق ثم قال فى المغنى: ويحتمل كلام الخرقى أنه لا يجب عليه الحد باقراره لأنه غير صحيح ولأن الحد لا يجب مع الشبهة والاشارة لا تنتفى معها الشبهات فأما اذا كانت هناك بينة فانه يجب عليه بها الحد وان لم تفهم اشارة الأخرس فلا يتصور منه اقرار. مذهب الظاهرية: تعتبر الاشارة من الأخرس كالعبارة لأنه ليس فى وسعه الكلام للآية والحديث المتقدمين (٦).

стр. 1097

مذهب الزيدية: يعتد باشارة الأخرس المفهمة عند الزيدية وتعتبر اقرارا منه فى الجنايات فيقتص منه باشارته المفهمة فقد جاء فى شرح الأزهار (١) اذا جنى الأخرس فانه يقتص منه اما بالبينة واما بالاشارة وقيل لا يقتص منه، أما بالنسبة لحد الزنا والسرقة، والقذف والشرب فلا يعتد باقراره لأن هذه الأشياء لا يصح منه الاقرار بها فقد ورد فى شرح الأزهار (٢) أن الأخرس الأصلى يسقط عنه الحد عندنا بلا اشكال وأما الذى طرأ عليه الخرس فان كان الخرس قد طرأ قبل أن يصدر منه اقرار وقبل أن يشهد الشهود فانه يسقط عنه الحد أيضا وان كان قد طرأ عليه الخرس بعد أن أقر على نفسه بالزنا أو بعد أن شهد الشهود فقد قال ﵇ يحتمل أن يسقط عنه الحد لجواز أن يقر بعد الشهادة أو يرجع عن الاقرار. وفى حد السرقة قال: ويقطع الأخرس اذا سرق سواء كان الخرس أصليا أم طارئا قيل كان القياس سقوط القطع عن الأخرس لجواز دعوى الشبهة لكن خصه بالاجماع مع أن لقائل أن يقول دعوى الشبهة مع الأخرس ممكن (٣) وقال فى حد القذف يثبت القذف باقرار القاذف بشرط أن يكون بالغا عاقلا غير أخرس (٤) وقال فى حد الشرب يشترط فى حد الشرب أن لا يكون الشارب أخرس (٥). مذهب الإمامية: تعتبر اشارة الأخرس المفهمة اقرارا منه كاللفظ ويثبت بها الحد فقد جاء فى الروضة البهية (٦) وشرائع الاسلام يثبت الزنا بالاقرار أربع مرات ويكفى فى الاقرار به اشارة الأخرس المفهمة يقينا كغيره ويعتبر تعددها أربعا كاللفظ بطريق أولى ولو لم يفهمها الحاكم اعتبر المترجم العارف باشارته. مذهب الإباضية: لا يعتد باشارة الأخرس فى الاقرار ولا يثبت منه فقد جاء فى جوهر النظام (٧): أن الاقرار لا يثبت من الأخرس. حكم اشارة الأخرس بالنسبة للعان: مذهب الحنفية: اشارة الأخرس المعروفة المعهودة منه لا تقوم مقام العبارة بالنسبة للعان فلا يترتب على تلك الاشارة لعان بين الزوجين سواء كان الزوجان أخرسين أو أحدهما فقط. واذا طرأ الخرس بعد اللعان قبل التفريق فلا يفرق بينهما ولا يجب الحد لأن الحد يندرج بالشبهة والشبهة هنا احتمال تصديق أحدهما للآخر لو كان ناطقا (٨). مذهب المالكية: جاء فى لعان الأخرس: وأشار الأخرس ذكرا كان أو أنثى بما يدل على شهادته

стр. 1098

باللعان أو كتب ما يدل عليه ان كان يحسن الكتابة ويكرر الاشارة أو الكتابة كاللفظ على الظاهر، ولو لاعن الأخرس ثم انطلق لسانه ولو بالقرب لم يعد عليه، ولو انطلق لسانه بعد لعانه ولو بالقرب وقال لم أرده لم يقبل قوله (١). مذهب الشافعية: ويلاعن أخرس منهما - أى من الزوج والزوجة - ويقذف باشارة مفهمة أو كتابة أو يجمع بينهما كسائر تصرفاته ولأن المغلب فيه شائبة اليمين لا الشهادة وبفرض تغليبها هو مضطر اليها هنا لأن الناطقين يقومون بها، وما تقرر من التسوية بينهما هو المعتمد، وان نقل أنها لا تلاعن بها لأنها غير مضطرة اليها، ويؤخذ من علته أن محل ذلك قبل لعان الزوج لا بعده لاضطرارها حينئذ الى درء الحد عنها وتكرر الاشارة أو الكتابة خمسا أو يشير البعض ويكتب البعض أما اذا لم تكن له اشارة مفهمة ولا كتابة فلا يصح منه لتعذر معرفة مراده (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع عند الكلام على اللعان: قال فى المبدع على المذهب: واذا فهمت اشارة الأخرس منهما أو كتابته صح لعانه بها كالطلاق، وان لم تفهم اشارة الأخرس منهما ولا كتابته فلا يصح لعانه، ثم قال: واذا قذف الأخرس ولا عن بالاشارة المفهومة أو الكتابة ثم أطلق لسانه فتكلم فأنكر القذف واللعان لم يقبل انكاره المقذف لأنه تعلق به حق لغيره بحكم الظاهر ويقبل انكاره باللعان فيما عليه فيطالب بالحد ان كانت محصنة والا فالتعزير ويلحقه النسب، ولا تعود الزوجية لأنها حرمت باللعان على التأبيد، فان لاعن حينئذ لسقوط الحد ونفى النسب فله ذلك كما لو لم يحصل له خرس قبل (٣). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: يتلاعن الأخرسان كما يقدران بالاشارة للدليل السابق (٤). مذهب الزيدية: يشترط الزيدية فى اللعان أن يكون الزوج والزوجة غير أخرسين فلو كانا أخرسين أو كان أحدهما أخرس فلا يصح اللعان منهما (٥). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: ويصح اللعان من الزوج الأخرس بالاشارة المعقولة ان أمكن معرفة اللعان كما يصح منه اقامة الشهادة والايمان والاقرار وغيرها من الأحكام ولعموم الآية، وقيل يمنع لعان الأخرس، والفرق أن اللعان مشروط بالألفاظ الخاصة دون الاقرار والشهادة فانهما يقعان بأى

стр. 1099

عبارة اتفقت ولأصالة عدم ثبوته الا مع تيقنه وهو منتف هنا، وأجيب بأن الألفاظ الخاصة انما تعتبر مع الامكان، واشارة الأخرس تقوم مقام الألفاظ كما قامت فى الطلاق وغيره من الأحكام المعتبرة بالألفاظ خاصة، هذا فى الزوج، أما الزوجة فيشترط فيها سلامتها من الخرس فلو قذف الزوج زوجته الخرساء بالزنا حرمت عليه أبدا ولا لعان، وفى لعانها لنفى الولد وجهان من عدم النص فيرجع الى الأصل ومساواته للقذف فى الحكم والأوجه الأول لعموم النص ومنع المساواة مطلقا (١). مذهب الإباضية: قال فى شرح النيل: ان الأخرس اذا نشأ مع قوم يعرفون بالاشارة ما يريد جاز عليه ما صنع من طلاق ونكاح وايلاء وظهار وغيره وذلك هو الصحيح (٢) وفى موضع آخر قال: ومن تزوج ثم خرس أو قطع فلا يطلق عنه وليه أو خليفته اتفاقا، واختلف فى طلاقه بالاشارة فقيل يقع وقيل لا، وقيل ان فهمت فى طلاقه ونكاحه وتيقنت جاز الطلاق والنكاح، وان شك فيها بطلت وكذا فى البيع والشراء وغيرهما (٣). هل تقوم كتابة الأخرس مقام العبارة: مذهب الحنفية: الكتابة من الأخرس تقوم مقام العبارة فيترتب عليها طلاقه وعتقه وينعقد بها زواجه وبيعه وشراؤه لأن الكتابة من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر ولذلك أدى النبى ﷺ رسالة التبليغ بالنسبة للحاضرين بالعبارة وأداها بالنسبة للغائبين بالكتابة، وقد جعلت الكتابة من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر لعجز الغائب عن الخطاب والعجز فى حق الأخرس أظهر منه فى حق الغائب لأن الغائب يحتمل حضوره فيزول بذلك عجزه أما زوال الخرس بالنسبة للأخرس فغير محتمل فكان قبول الكتابة فى حق ثبوت الأحكام بالنسبة له أولى فكتابة الأخرس كاشارته المفهومة بالنسبة للأحكام التى سبق بيانها فتكون معتبرة فى ترتب الأحكام عليها فيما عدا الحدود لأن الكتابة لا تخلو عن شبهة والحدود تندرئ بالشبهات والكتابة التى تترتب عليها الأحكام بالنسبة للأخرس وغيره هى الكتابة المستبينة المرسومة والمراد، المستبينة الظاهرة فان كانت غير مستبينة كالكتابة على الهواء والماء كانت بمنزلة الكلام غير المسموع فلا يبنى عليها حكم والمراد بالمرسومة أن تكتب على النحو الذى تعارفه الناس فى مثلها فان كانت على غير ذلك كالكتابة على الجدران وأوراق الشجر فلا يثبت بها حكم الا بالبينة لأنها كصريح الكناية (٤). مذهب المالكية: قال فقهاء المالكية: اشارة الأخرس وكتابته تقوم مقام العبارة فى اللعان ولذلك قالوا فى

стр. 1100

صفة اللعان وأنها شهادات - ذكرا كان أو أنثى يؤدى تلك الشهادات باشارته أو بكتابته ان كان يحسن الكتابة (١) وفى البيع قال: ينعقد البيع بما يدل عرفا على الرضا من قبل أو كتابة أو اشارة (٢) وفى الوصية ذكر أنها تكون بلفظ يدل أو اشارة مفهمة ثم قال: ودخلت الكتابة بالطريق الأولى ولو من قادر على النطق خلافا لابن شعبان (٣). مذهب الشافعية: يذهب الشافعية الى أن كتابة الأخرس تعتبر كاشارته فينعقد بها بيعه وشراؤه ونكاحه وطلاقه وعتقه ورجعته فقد جاء فى نهاية المحتاج: اشارة الأخرس المفهمة والكتابة يحصل بهما الرجعة مع كونهما فعلا لأنهما ملحقان بالقول (٤) وفى الاقرار قال: شرط الصيغة لفظ أو كتابة ولو من ناطق أو اشارة أخرس (٥) وفى البيع قال: واشارة الأخرس وكتابته بالعقد ماليا أو غيره وبالحل وبالحلف والنذر وغيرها كالنطق الا فى بطلان الصلاة بها والشهادة والحنث فى اليمين الا أن الشافعية يعتبرون الكتابة من الأخرس فى الطلاق تعتبر كناية على الصحيح فيقع بها الطلاق اذا نواه قال فى مغنى المحتاج ولو كتب الأخرس أن زوجته طالق كان كناية على الصحيح فيقع ان نوى وان لم يشر معها والكتابة لا بد أن تكون مستبينة واضحة فقد قال فى مغنى المحتاج: اذا رسم صورة الكتابة على ماء أو فى هواء فليس بكتابة فى المذهب (٦). مذهب الحنابلة: تقوم الكتابة من الأخرس مقام العبارة بشرط أن يكون معها اشارة مفهومة فقد جاء فى باب الضمان أنه يصح الضمان من أخرس باشارة مفهومة كسائر تصرفاته لأنها كاللفظ فى الدلالة على المراد ولا يثبت الضمان بكتابة الأخرس حال كونها منفردة عن اشارة يفهم بها أنه قصد الضمان لأنه قد يكتب عبثا أو تجربة قلم فلا يكون ضامنا بالاحتمال ومن لا تفهم اشارته من الخرس لا يصح ضمانه لغيره ولو بكتابة لما تقدم من أنه قد يكتب عبثا أو تجربة قلم فليست صريحة، وكالضمان سائر تصرفاته فتصح باشارة مفهومة لا بكتابة مفردة عن اشارة يفهم بها المقصود ولا ممن ليست له اشارة مفهومة (٧) ويقصد بالكتابة أن تكون واضحة وأن تصاحبها نية، فقد جاء فى المغنى فى باب الطلاق: أن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق فاذا أتى فيها بالطلاق وفهم منها ونواه وقع كاللفظ فأما ان كتب ذلك من غير نية فقال أبو الخطاب قد خرجها القاضى الشريف فى الارشاد على روايتين احداهما يقع وهو قول الشعبى والنخعى والزهرى، والثانية لا يقع الا بنية لأن الكتابة محتملة، وان كتبه بشئ لا يبين مثل ان كتبه بأصبعه على وسادة أو فى الهواء فظاهر كلام أحمد أنه لا يقع وقال

стр. 1101

أبو حفص العكبرى يقع ورواه الأثرم عن الشعبى لأنه كتب حروف الطلاق فأشبه ما لو كتبه بشئ يبين والأول أولى (١). مذهب الزيدية: جاء فى طلاق الأخرس أنه يكون بالاشارة المفهمة للطلاق وظاهره أن المعتبر الاشارة من الأخرس فقط وان قدر على الكتابة، وقيل: اذا قدر عليها فهى المعتبرة (٢). مذهب الإمامية: قال الإمامية: ان القبول فى الرهن غير منحصر فى اللفظ بل يكون بالفعل والاشارة ونحوهما، وتكفى الاشارة مع العجز عن الكتابة أى كما تكفى الكتابة مع العجز عن النطق اذا عرف ذلك من قصده والاكتفاء بالاشارة مع العجز مصرح به فى الشرائع، وفى التذكرة: ولا تكفى الكتابة المجردة عن الدلالة اذ قد تكون الكتابة مع أمر آخر غير الاشارة دالة على الرضا فيكتفى بذلك كما هو الشأن فى الاشارة المجردة عن الكتابة مع الفهم والدلالة (٣). مذهب الإباضية: سبق فى النقل عن الإباضية أن الأخرس اذا فهمت اشارته جاز طلاقه ونكاحه وايلاؤه وظهاره وبيعه وشراؤه بالاشارة المفهمة، وقيل لا طلاق له ولو أفهمه باشارة أو كتابة والصحيح الأول ثم قال ومن تزوج ثم خرس لسانه أو قطع فلا يطلق عنه وليه أو خليفته اتفاقا واختلف فى طلاقه بالكتابة والصحيح الوقوع اذ لا كلام له (٤). هل تعتبر اشارة الأخرس الذى يعرف الكتابة مذهب الحنفية: الأخرس الذى يعرف الكتابة اشارته المعهودة معتبرة فى ترتب الأحكام عليها لأن كلا من الكتابة والاشارة حجة ضرورية وفى كل منهما مزية لا توجد فى الأخرى فاستويا فى الحكم ففى الكتابة زيادة بيان لا توجد فى الاشارة وفى الاشارة زيادة أثر لا توجد فى الكتابة لأنها أقرب الى النطق من أثر القلم (٥) وأما فى بقية المذاهب فيرجع فيه الى ما سبق. هل تقبل شهادة الأخرس فيقضى بها: مذهب الحنفية: من الشرائط العامة للشهادة النطق فلا تقبل شهادة الأخرس ولا يصح القضاء بناءا عليها (٦) وفى البحر الرائق يشترط فى القاضى النطق (٧). مذهب المالكية: قال فقهاء المالكية: شهادة الأخرس جائزة ويؤديها باشارته المفهمة أو بالكتابة. ولا يجوز

стр. 1102

تعينه فى القضاء فاذا عين وحكم نفذ قضاؤه ووجب عزله (١) مذهب الشافعية: شرط الشاهد أن يكون غير متهم لقول الله تعالى «وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا» (٢) والريبة حاصلة بالمتهم، ولا أخرس وان فهم اشارته كل أحد اذ لا يخلو عن احتمال (٣) وجاء فى نهاية المحتاج فى موضع آخر: واشترط فى القاضى أن يكون ناطقا فلا يصح من الأخرس وان فهمت اشارته لعجزه عن تنفيذ الأحكام (٤). مذهب الحنفية: من شروط من تقبل شهادته الكلام فلا تقبل شهادة أخرس ولو فهمت اشارته لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفى باشارة الناطق وانما اكتفى باشارة الأخرس فى أحكامه المختصة به للضرورة لكن اذا أدى الأخرس الشهادة بخطه فانها تقبل (٥)، وفى موضع آخر: وان شهد عند الحاكم ثم خرس لم يمنع الحكم لأنه معنى لا يقتضى تهمة فى حال الشهادة فلم يمنع قبولها وفى موضع آخر: أنه لا يجوز تولية الأخرس القضاء (٦). مذهب الزيدية: لا تصح الشهادة من الأخرس ونحوه فلا تصح شهادته فى شئ من الأشياء لأن من حق الشهادة أن يأتى بلفظها (٧) وفى موضع آخر: أنه لا يصح تولية الأخرس القضاء (٨). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: ويصح تحمل الأخرس للشهادة وأداؤه بعد القطع بمراده (٩). مذهب الإباضية: جاء فى متن النيل وشرحه: وتقبل الشهادة من أخرس بايماء أو اشارة (١٠). حكم لسان الأخرس فى الدية: مذهب الحنفية: فى لسان الأخرس حكومة عدل ولا يجب القصاص فيه فى العمد ولا الدية فى الخطأ (١١). مذهب المالكية: ولسان الأبكم لا يقطع بناطق ولا عكسه وفى قطع الناطق الدية وفى عكسه الحكومة (١٢). مذهب الشافعية: ولا يقتص من لسان ناطق بأخرس لأنه أعلى من حقه والنطق فى جرم اللسان، والأخرس هنا من بلغ أوان النطق ولم ينطق فان لم يبلغه قطع به لسان الناطق ان ظهر فيه أثر النطق بتحريكه عند نحو بكاء وكذا ان لم يظهر ولا ضده فيما يظهر اذ الأصل السلامة (١٣) وفى موضع آخر قال فى نهاية

стр. 1103

المحتاج: وفى لسان ناطق ولو لألكن وأرت وألثغ وطفل وان لم يظهر أثر لنطقه وشمل ما لو كان ناطقا فاقد الذوق، وان قال الماوردى انه فيه الحكومة كالأخرس، وفى لسان الأخرس أصالة أو لعارض حكومة لذهاب أعظم منافعه. نعم: ان ذهب بقطعه الذوق فدية لا حكومة (١). مذهب الحنابلة: ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس لنقصه لأن القصاص يعتمد المماثلة (٢) وجاء فى المغنى لسان الأخرس لا تجب فيه دية كاملة فان كان متكلما فخرس بالجناية وجبت الدية (٣). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى فى لسان الأخرس قال أبو محمد: حدثنا أحمد بن عمر عن ابن جريج عن قتادة قال: فى لسان الأخرس الثلث مما فى لسان الصحيح وما روى عن مكحول قال: قضى عمر بن الخطاب فى لسان الأخرس يستأصل بثلث الدية، قال على: لسان الأخرس كغيره والألم واحد والقود واجب لقول الله تعالى: «وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ» (٤). أو المفاداة (٥). مذهب الزيدية: اذا قطع انسان لسان انسان آخر وكان المقطوع منه لسان أخرس ففيه حكومة (٦). مذهب الإمامية: وفى لسان الأخرس ثلث ديته وفى بعضه بحساب ديته، ولو ادعى ذهاب نطقه ففى رواية يضرب لسانه بالابرة فان خرج الدم أسود صدق (٧). مذهب الإباضية: جاء فى متن النيل وشرحه: فى الأثر: ولسان الأعجم - وهو من لا يفصح كالأخرس - فيه ثلث الدية (٨). أداء تعريف الأداء لغة فى التاج المذهب معناه الاتيان، أديت الشئ أى أتيته وفى القاموس المحيط (٩) أداه تأدية أوصله وقضاه. تعريف الأداء اصطلاحا الأداء عند الأصوليين فعل عين الواجب بالأمر فى وقته، والتعريف على قول من خصص الأمر بالوجوب وأما على قول من جعله حقيقة فى الندب فهو فعل ما طلب من

стр. 1104

العمل بعينه فيدخل فيه النفل ويستعمل الأداء مكان القضاء كقوله نويت أن أؤدى ظهر الأمس والقضاء مكان الأداء كقوله تعالى: «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» أى أديت الصلاة لأن المراد منها الجمعة وهى لا تقضى حتى يجوز الأداء بنية القضاء وبالعكس فى الصحيح لوجود فعل الواجب فيهما لأن كل واحد منهما خاص بمعنى اصطلاحا فاذا استعمل فى غيره يكون مجازا. والأداء أنواع: أداء محض وهو ما لم يكن فيه شبهة القضاء وهو منقسم الى نوعين كامل وهو الذى يؤديه الانسان مع توفير حقه من الواجبات والسنن. وقاصر وهو ما يؤديه ببعض أوصافه كالصلاة منفردا وانما كان أداء الصلاة منفردا قاصرا لعدم أدائها على الوجه الأكمل شرعا وهو الصلاة مع الجماعة ومن صور الأداء الكامل فى حقوق العباد رد عين المغصوب لأنه تسليم عين الواجب ومن صور الأداء القاصر رد عين العبد المغصوب مشغولا بجناية أو بدين يستغرق رقبته أو طرفه لأن رده على هذا الوجه أداء على غير الوصف المطلوب وهو السلامة من كل عهدة. والفرق بين الأداء والقضاء والاعادة أن الأداء هو فعل عين الواجب أو وقته، والقضاء هو فعل مثل الواجب بعد وقته والاعادة هى ما فعل فى وقت الأداء ثانيا لنقصان فى الأول وقال البزدوى (١): فى بيان صفة حكم الأمر وذلك نوعان أداء وقضاء، والأداء ثلاثة أنواع أداء كامل محض، وأداء قاصر محض وما هو شبيه بالقضاء والقضاء أنواع ثلاثة. أداء الصلاة ينقسم (٢) المأمور به من العبادات بالنسبة للوقت الى قسمين مطلق ومؤقت والمؤقت أنواع. مؤقت بوقت موسع كالصلاة المفروضة يتسع وقتها لها ولغيرها من جنسها ومن ثم سمى ظرفا وهو سبب لها. ومؤقت بوقت مضيق لا يتسع لعبادة أخرى من جنسها وهو سبب أيضا كصوم رمضان ومن ثم سمى معيارا، ومؤقتة بوقت مضيق أيضا غير أنه ليس سببا كقضاء رمضان عند من يقول انه على التراخى، وعبادة لها شبه بالمؤقت والموسع وشبه بالمضيق كالحج. وقد اختلف الأصوليون فى سببية الوقت للصلاة. مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن السبب هو الجزء الأول اذا اتصل به الأداء أو الجزء الذى يسبق الأداء اذا وقع الأداء فى أثناء الوقت فان أخر الى آخر الوقت تعين الجزء الأخير سببا ان اتصل به الشروع فى الأداء وان لم يشرع فى الأداء انتقلت السببية الى كل الوقت وفرعوا على هذا أنه اذا أسلم الكافر فى آخر الوقت وجبت عليه الصلاة لوجود السبب فى حقه، واذا أفاق المجنون والمغمى عليه ومن فى حكمهما فى آخر الوقت بقدر ما يتسع لتكبيرة الاحرام وجبت عليهم أداء الصلاة

стр. 1105

خلافا لزفر فانه أوجب عليهم القضاء، ومذهب الجمهور أن السبب هو الجزء الأول من الوقت بمعنى أنه متى ابتدأ الوقت كان المكلف مطالبا بالأداء طلبا موسعا بشرط أن يكون أهلا للتكليف منذ أول الوقت وان لم يتحقق هذا الشرط كان السبب هو الجزء الذى صار أهلا فيه، ويرى الحنفية أن الصلاة تكون أداء بادراك أى جزء منها فى الوقت ولو تكبيرة التحريم على ما هو الراجح فى المذهب (١). مذهب المالكية: قال المالكية الوقت ينقسم الى قسمين وقت أداء ووقت قضاء باعتبار أن لكل صلاة وقتين وينقسم وقت الأداء الى اختيارى وضرورى، فالاختيارى هو الوقت الذى لم ينه عن تأخير الصلاة اليه والضرورى هو الذى نهى عن تأخير الصلاة اليه ويكون الشخص عاصيا بتأخير الصلاة الى الوقت المنهى عنه مع كونها أداء فلا تنافى بين العصيان والأداء وتعتبر صلاة الصبح أداء اذا أدرك فى الوقت الضرورى أو الاختيارى ركعة بسجدتيها مع الاطمئنان والاعتدال خلافا لأشهب فى الضرورى حيث قال تكون أداء فيه بالركوع وتكون صلاة الظهر والعصر أداء فى الوقت الضرورى بادراك صلاة الظهر كاملة فيه وركعة من صلاة العصر وكذا تكون صلاة المغرب والعشاء أداء بادراك صلاة المغرب كاملة فيه وركعة من صلاة العشاء (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية (٣): الأمر المطلق المجرد عن القرينة لا يفيد الفور أى لا يوجب أداء الفعل فى أول أوقات الامكان مع أن المسارعة مندوب اليها ولا يفيد التراخى أيضا بمعنى وجوب التأخير حتى لو أتى فى أول الوقت لا يعد ممتثلا وقيل مشترك بمعنى أن الأمر ورد تارة للفور كالواجب المضيق وتارة للتراخى كالحج فيكون كالقدر المشترك والعبادة ان كان لها وقت معين (٤) أى مضبوط بنفسه محدود الطرفين ان وقعت فى وقتها ولم تسبق بأداء مختل أى باتيان مشتمل على نوع من الخلل فهو الأداء ولو ظن المكلف أنه لا يعيش الى آخر الوقت تضيق عليه فان عاش وفعل فى آخره فقضاء عند القاضى أبى بكر أداء عند الحجة اذ لا عبرة بالظن المبين خطؤه فان صلى ركعة فى الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان أحدهما وهو ظاهر المذهب وهو قول أبى على بن خيران أنه يكون مؤديا للجميع ومن أصحابنا من قال يكون مؤديا لما صلى فى الوقت قاضيا لما صلى بعد خروج الوقت اعتبارا بما أدركه من الوقت وبما صلى بعد خروج الوقت (٥). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: وتدرك الصلاة المفروضة (٦) أداء كلها بتكبيرة احرام فى وقتها سواء أخرها لعذر كحائض تطهر ومجنون يفيق أو لغيره وكادراك المسافر صلاة المقيم ومن أدرك الجماعة بتكبيرة الاحرام فى وقتها فقد أدركها

стр. 1106

أداء ولو طال الوقت الذى أدرك فيه تكبيرة الاحرام آخر وقت الصلاة الثانية فى حالة الجمع بين صلاتين وكبر فيه للاحرام فتكون التى أحرم بها أداء كما لو لم يجمع، وجاء فى المغنى (١)، وهل تدرك الصلاة بما دون ركعة؟ فيه روايتان احداهما لا يدركها بأقل من الركعة وهو ظاهر كلام الخرقى لقول النبى ﷺ ، من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، فتخصيص الادراك بركعة يدل على أن الادراك لا يحصل بأقل منها ولأنه ادراك للصلاة فلا يحصل بأقل من ركعة كادراك الجمعة. والرواية الثانية يدركها بادراك جزء منها أى جزء كان. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى (٢) كل عمل مرتبط بوقت محدود الطرفين كأوقات الصلوات وما جرى هذا المجرى فلا يجوز أداء شئ من ذلك قبل دخول وقته ولا يعد خروج وقته، والعمل المأمور به فى وقت محدود الطرفين فقد ورد النص بالفسحة فى تأخيره فانه يجب بأول الوقت الا أنه قد أذن له فى تأخيره وكان مخيرا فى ذلك وفى تعجيله فأى ذلك أدى فقد أدى فرضه الا أنه يؤجر على التعجيل لتحصيله العمل ولا يأثم على التأخير لأنه فعل ما أبيح له ومن كبر لفريضة الصلاة فى وقتها فقد أدركها. مذهب الزيدية: قال الزيدية: ومن أدرك ركعة من صلاة فكلها أداء لقوله ﵇: فقد أدركها (٣) مذهب الإمامية: قال الإمامية (٤): لو ضاق الوقت الا عن الطهارة وركعة صلى واجبا وكان مؤديا للجميع على رأى والقول الثانى أن يكون قاضيا للجميع والثالث أن يكون مركبا من الأداء والقضاء. مذهب الإباضية: قال الإباضية ورد فى الحديث (٥): من أدرك من الصلاة أو من العصر ركعة فقد أدركها وقالوا ان معنى أدركها أنها تكون كلها أداء لا قضاء وأن ما جاء من الركعات بعد الغروب يكون أداء أيضا كالذى وقع قبل الغروب. وقيل يكون بعضها أداء وبعضها قضاء .. وقيل ان معنى أدركها أنه لزمته ان كان قد أفاق من جنون أو اغماء أو صحا من نوم أو أسلم بعد كفر أو بلغ أو طهرت المرأة من حيض أو نفاس ويكون عليه قضاء الصلاة ان فات الوقت قبل أن يشرع فيها. أداء الزكاة مذهب الحنفية: قال الحنفية (٦): أما كيفية فرضيتها فقد اختلف فيها ذكر الكرخى أنها على الفور وذكر فى المنتقى ما يدل عليه فانه قال: اذا لم يؤد الزكاة حتى مضى حولان فقد أساء وأثم ولم يحل له ما صنع وعليه زكاة حول واحد وعن محمد أن من لم يؤد الزكاة لم تقبل شهادته وروى عنه أن التأخير لا يجوز وهذا نص

стр. 1107

على الفور، وذكر الجصاص أنها على التراخى واستدل بمن عليه الزكاة اذا هلك نصابه بعد تمام الحول والتمكن من الأداء أنه لا يضمن، ولو كانت واجبة على الفور لضمن كمن أخر صوم شهر رمضان عن وقته أنه يجب عليه القضاء وذكر أبو عبد الله الثلجى عن أصحابنا أنها تجب وجوبا موسعا وقال عامة مشايخنا انها على سبيل التراخى، ومعنى التراخى عندهم أنها تجب مطلقا عن الوقت غير معين ففى أى وقت أدى يكون مؤديا للواجب ويتعين ذلك لوقت الوجوب واذا لم يؤد الى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب بأن بقى من الوقت قدر ما يمكنه الأداء فيه وغلب على ظنه أنه لو لم يؤد فيه يموت فيفوت فعند ذلك يتضيق عليه الوجوب حتى أنه لو لم يؤد فيه حتى مات يأثم. مذهب المالكية: قال المالكية (١): يجب تفرقة الزكاة بموضع الوجوب على الفور وهو الموضع الذى يجبى فيه المال وفيه المالك والمستحقون أو قربه. مذهب الشافعية: قال الشافعية (٢): من وجبت عليه الزكاة وقدر على اخراجها لم يجز له تأخيرها لأنه حق يجب صرفه الى الآدمى توجهت المطالبة بالدفع اليه فلم يجز له التأخير. مذهب الحنابلة: قال الحنابلة (٣): لا يجوز تأخير اخراج زكاة المال عن وقت وجوبها مع امكانه فيجب اخراجها على الفور. لأنها عبادة تتكرر فلم يجز تأخيرها الى دخول وقت مثلها كالصلاة. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى (٤): قال قائلون ان الأوامر على التراخى وقال آخرون فرض الأوامر البدار الا ما أباح التراخى منها نص آخر أو اجماع. فما كان مرتبطا بوقت له أول محدود ولم يحد آخره كوجوب الزكاة فان لوقتها أو لا وهو انقضاء الحول وليس قبل ذلك أصلا وليس لآخر وقتها آخر محدود بل هو باق أبدا الى وقت العرض على الله . وكل (٥) عمل محدود الطرف الأول غير محدود الطرف الآخر فان الأمر به ثابت متجدد وقتا بعد وقت وهو ملوم فى تأخيره لأنه لم يفسح له فى ذلك وكلما أخره حصل اثم التضييع واثم الترك لما أمر به فان أداه سقط عنه اثم الترك وقد استقر عليه اثم ترك البدار. مذهب الزيدية: قال الزيدية (٦): متى حصل امكان الأداء وجبت الزكاة وجوبا مضيقا فلا يجوز تأخيرها وامكان الأداء هو حضور مصرفها بعد وجوبها والتمكن من تجزئة المأل بمكيال أو

стр. 1108

ميزان أو نحو ذلك. وقال المؤيد بالله ان التمكن من الأداء شرط فى الوجوب. مذهب الإمامية: قال الإمامية (١): لا يجوز تأخير الزكاة الا لمانع أو لانتظار من له قبضها واذا عزلها جاز تأخيرها الى شهر أو شهرين والأشبه أن التأخير ان كان لسبب مبيح دام بدوامه ولا يتحدد ولا يجوز تقديمها قبل وقت الوجوب. مذهب الإباضية: قال الإباضية (٢): الواجب هو الأداء عند تمام السنة فمن أدى الزكاة عند تمامها فقد برئ. مع نية أداء الواجب وليعلم بذلك وقت ينتهى اليه أداء ما وجب. فاذا استهل ما وقته وجب عليه أداؤها حينئذ ولا يضيع حتى ينسلخ. أداء الصوم وقت أداء فريضة الصوم هو شهر رمضان ويثبت ابتداؤه بثبوت رؤية هلال رمضان أو باتمام عدة شعبان ثلاثين يوما باتفاق اذا كانت السماء صافية ولم ير الهلال وعلى خلاف اذا كان بالسماء علة وموضعه مصطلح «رمضان، رؤية» وانتهاؤه بحلول شهر شوال، ووقت أداء صوم اليوم من حين طلوع الفجر الى غروب الشمس لقول الله تعالى «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ» الآية (٣)، غير أن الإمامية يرون أنه ينتهى بمغيب الشفق الأحمر لا بغروب الشمس (٤). أداء الحج اختلف الفقهاء فى وجوب الحج أهو على الفور أم على التراخى فذهب جمهور الفقهاء الى وجوبه على الفور وذهب الشافعية وبعض الحنفية والإباضية فى الأصح عندهم الى وجوبه على التراخى والكل متفقون على أن القيام به فى أشهره من أى سنة يكون أداء غير أن من يرى أن وجوبه على الفور يقول انه يأثم بالتأخير عن العام الأول (٥). أداء الوديعة يجب رد الوديعة الى مالكها لأنها أمانة والله أمر بأداء الأمانات الى أهلها ومتى طلبها المالك المطلق التصرف لزمه الرد فورا الا لعذر ويتحقق الأداء بتسليمها أو بتمكين صاحبها من أخذها بحيث اذا لم يؤد على هذا الوجه وتلفت الوديعة أو نفقت يضمن على تفصيل موضعه مصطلح «وديعة»

стр. 1109

أداء الدين مذهب الحنفية: قال الحنفية لو رد المستفرض أجود مما قبضه فان كان ذلك عن شرط لم يحل لأنه منفعة القرض وان لم يكن ذلك عن شرط فلا بأس به لأنه أحسن فى قضاء الدين وهو مندوب اليه وبيانه فى حديث عطاء قال: «استقرض رسول الله ﷺ من رجل دراهم فقضاه وأرجح له فقالوا أرجحت فقال ﷺ : انا كذلك نزن» وعن عطاء ﵀ أن ابن الزبير رضى الله عنه كان يأخذ بمكة الورق من التجار فيكتب لهم الى البصرة والى الكوفة فيأخذون أجود من ورقهم قال عطاء فسألت ابن عباس رضى الله عنه عن أخذهم أجود من ورقهم فقال لا بأس بذلك ما لم يكن شرطا (١). مذهب المالكية: قال المالكية أن المقترض إذا قبض القرض فإن كان له أجل مضروب أو معتاد لزمه رده اذا انقضى ذلك الأجل وإن لم ينتفع به عادة أمثاله. فإن لم يكن ضرب له أجل ولم يعتد فيه أجل فلا يلزم المقترض رده لمقرضه إلا إذا انتفع به عادة أمثاله. واعلم أنه يجوز للمقترض أن يرد مثل الذى اقترضه وأن يرد عينه سواء كان مثليا أو غير مثلى وهذا ما لم يتغير بزيادة أو نقص فان تغير وجب رد المثل (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية يجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل فيجب أن يرد المثل وفيما لا مثل له وجهان أحدهما يجب عليه القيمة لأن ما ضمن بالمثل اذا كان له مثل ضمن بالقيمة اذا لم يكن له مثل كالمتلفات والثانى يجب عليه مثله فى الخلقة والصورة لحديث أبى رافع أن النبى ﷺ أمره أن يقضى البكر بالبكر ولأن ما ثبت فى الذمة بعقد السلم ثبت بالقرض قياسا على ماله مثل (٣). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة (٤): للمقرض طلب بدل القرض فى الحال مطلقا لأن القرض يثبت فى الذمة حالا فكان له طلبه كسائر الديون الحالة ولا سبب يوجب رد المثل أو القيمة فكان حالا كالاتلاف ولا يلزم المقترض رد عين ما اقترضه لأنه ملكه ملكا تاما بالقبض فان رد عين ما اقترضه على المقرض لزم قبوله ان كان مثليا وان لم يكن القرض مثليا ورده بعينه فلا يلزم المقرض قبوله لأن الذى وجب له بالقرض قيمته فلا يلزمه الاعتياض عنها. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى (٥): ان طالب صاحب الدين بدينه والشئ المستقرض حاضر عند المستقرض لم يجز أن يجبر المستقرض على أن يرد الذى أخذ بعينه ولا بد لكن يجبر على رد مثله لأنه قد ملك الذى استقرض وصار كسائر ماله فان لم يوجد له غيره قضى عليه حينئذ برده لأنه مأمور بتعجيل انصاف غريمه فتأخيره بذلك وهو قادر على الانصاف ظلم وقد قال ﵇ «مطل الغنى ظلم».

стр. 1110

مذهب الزيدية: قال الزيدية (١): ان القرض متى قبضه المستقرض ملكه ويجب عليه رد مثله للمقرض قدرا وجنسا ونوعا وصفة لا فوقه ولا دونه والقول للمقترض أنه مثله اذ الأصل براءة الذمة. فان كان القرض بعينه باقيا فلا يجب عليه الا رد مثله فلو رده بعينه جاز ووجب القبول وأنه يجب على المستقرض الرد الى موضع القرض وأنه لا يصح الانظار فيه فاذا قال المقرض للمستقرض قد أنظرتك مدة كذا لم يلزمه فاذا طلبه بعد ذلك فورا وجب رد مثله ولا حكم لانظاره وسواء أنظره حال القرض أم بعده. مذهب الإمامية: قال الإمامية (٢): ما دام المقترض يملك القرض بالقبض فله رد مثله مع وجود عينه وان كره المقرض لأن العين حينئذ تصير كغيرها من أمواله والحق يتعلق بذمته فيتخير فى جهة القضاء. مذهب الإباضية: قال الإباضية (٣): وجب قضاء دين مؤجل أو غير مؤجل على من أخذه لنفسه أو لمن قام عليه من يتيم أو مجنون أو غائب أو غيرهم الا ان أعلم صاحب المال أنه يأخذ لهؤلاء وأبرأه على أن يأخذ من الغائب اذا حضرو اليتيم اذا بلغ أو من المجنون اذا أفاق أو ما أشبه ذلك. أداء النفقة مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن الزوج اذا كان قائما بالانفاق على زوجته فعلا بما يكفيها ويليق بها من الطعام اللازم لها والكسوة اللائقة بها فى الشتاء والصيف والمسكن المناسب المستوفى للأدوات والمرافق فان ذلك يعد أداء منه بحقها فى النفقة بطريق التمكين الذى هو الأصل فى الانفاق أما اذا قصر فى حقها منعا أو تقتيرا فان لها أن تطلب من ذلك ما هو حق لها فان تراضيا واتفقا على شئ لزم الزوج أداءه والا كان لها أن ترفع أمرها الى القاضى فاذا تم التقدير بواسطته وجب عليه أداء ما فرض عليه دون مضارة أو مماطلة والا حق لها أن تطلب من القاضى تمكينها من الحصول على النفقة بالطريق الجبرى. وانظر فى تفصيل هذه الأحكام وما يتعلق منها بنفقات الأقارب فى المذاهب المختلفة. «مصطلح نفقة». أداء الشهادة مذهب الحنفية: قال الحنفية (٤) أداء الشهادة حق لله فيما سوى أسباب الحدود لقوله تعالى «وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ٥» وقوله عز شأنه «كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ ٦» الا أن فى الشهادة القائمة على حقوق العباد وأسبابها لا بد من طلب المشهود له لوجوب الأداء فاذا طلب وجب عليه الأداء حتى لو امتنع بعد

стр. 1111

الطلب يأثم لقوله تعالى «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» (١) الآية أى دعوا لأداء الشهادة لأن الشهادة أمانة المشهود له فى ذمة الشاهد وقال «فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ٢» وقال جل شأنه «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» (٣) وأما فى حقوق الله ﵎ وفيما سوى أسباب الحدود نحو طلاق امرأة واعتاق عبد والظهار والايلاء ونحوها من أسباب الحرمات تلزمه الاقامة حسبة لله ﵎ عند الحاجة الى الاقامة من غير طلب من أحد من العباد، وأما فى أسباب الحدود من الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف فهو مخير بين أن يشهد حسبة لله تعالى وبين أن يستر لأن كل واحد منهما أمر مندوب اليه قال الله تعالى: «وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ» وقال ﵊ «من ستر على مسلم ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة» وقد ندبه الشرع الى كل واحد منهما ان شاء اختار جهة الحسبة فأقامها لله تعالى وان شاء اختار جهة الستر فيستر على أخيه المسلم. مذهب المالكية: قال المالكية: لا شهادة لشاهد ان حرص على أدائها كأن رفع شهادته للحاكم قبل الطلب فى محض حق الآدمى وهو ماله اسقاطه كالدين والقصاص أما فى حق الله وهو ما ليس للمكلف اسقاطه فتجب المبادرة بالرفع للحاكم بحسب امكانه، ووجوب المبادرة ان استديم التحريم عند عدم الرفع كطلاق لزوجة مع كون المطلق لم ينكف عنها فتجب المبادرة بالرفع. وان لم يستدم ارتكاب التحريم خير فى الرفع وعدمه كالزنا وشرب الخمر والترك أولى لما فيه من الستر المطلوب (٤)، ويجب على الشاهد أن يعلم صاحب الحق بأنه شاهد له وجوبا عينيا ان توقف الحق على شهادته وكفائيا ان لم يتوقف. مذهب الشافعية: قال الشافعية (٥): تحمل الشهادة وأداؤها فرض لقول الله «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» وقوله تعالى «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» قال ابن عباس رضى الله عنه من الكبائر كتمان الشهادة لأن الله تعالى يقول «وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» فهى فرض على الكفاية فان قام بها من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين لأن المقصود بها حفظ الحقوق وذلك يحصل ببعضهم وان كان فى موضع لا يوجد فيه غيره ممن يقع به الكفاية تعين عليه لأنه لا يحصل المقصود الا به فتعين عليه. ومن كانت عنده شهادة فى حد الله تعالى فالمستحب أن لا يشهد به لأنه مندوب الى ستره ومأمور بدرئه فان شهد به جاز لأنه شهد أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة بالزنا عند عمر رضى الله عنه فلم ينكر عمر ولا غيره من الصحابة عليهم

стр. 1112

ذلك، ومن كانت عنده شهادة لآدمى فان كان صاحبها يعلم بذلك لم يشهد قبل أن يسأل لقوله ﵇ «خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب يشهد الرجل قبل أن يستشهد» وان كان صاحبها لا يعلم شهد قبل أن يسأل لما روى زيد بن خالد رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال «خير الشهود الذى يأتى بالشهادة قبل أن يسألها». مذهب الحنابلة: قال الحنابلة (١): تطلق الشهادة على التحمل وعلى الأداء لقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» وقال «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ» الآية وانما خص القلب بالاثم لأنه موضع العلم بها، وأداء الشهادة فى غير حق الله تعالى فرض عين لقوله تعالى «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ» وان قام بالفرض فى التحمل والأداء اثنان سقط الوجوب عن الجميع لحصول الفرض. لكن الأداء فرض عين على المذهب كما ذكره أولا خلافا للموفق وتابعيه، وان امتنع الكل عن التحمل أو الأداء أثموا لقوله تعالى «وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ»، ويختص الأداء بمجلس الحكم لأن السماع بغيره لا يحصل به مقصودها كما تقدم فان كان الحاكم غير عدل لا يشهد، نقل أبو الحكم عن أحمد كيف أشهد عند رجل ليس عدلا؟ ويباح لمن عنده شهادة بحد الله تعالى اقامتها. وقال القاضى والموفق تركها أولى، ولا يستحب الشهادة بحق الله تعالى لحديث: من ستر عورة مسلم ستره الله فى الدنيا والآخرة، وتجوز الشهادة بحد قديم كالشهادة بالقصاص ولأنه قد يعرض للشاهد ما يمنعه الشهادة حينها ثم يتمكن بعد ويقيم الشاهد الشهادة بطلب المشهود له ولو لم يطلبها حاكم لأنها حق للشهود له فاذا طلبه وجب ويحرم كتمان الشهادة بحق آدمى لقوله تعالى «وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ». مذهب الظاهرية: قال الظاهرية (٢): وأداء الشهادة فرض على كل من علمها الا أن يكون عليه حرج فى ذلك لبعد مشقة أو لتضييع مال أو لضعف فى جسمه فليعلنها فقط قال تعالى «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» فهذا على عمومه اذا دعوا للشهادة أو دعوا لأدائها ولا يجوز تخصيص شئ من ذلك بغير نص فيكون من فعل ذلك قائلا على الله تعالى ما لا علم له به. مذهب الزيدية: قال الزيدية (٣) ويجب على متحملها الأداء اذا طلب ذلك من له طلبه لكل أحد سواء كان المشهود له مسلما أو كافرا ويجب على الشاهد تكرار الشهادة فى كل وقت حتى يصل صاحبها الى حقه فى القطعى مطلقا كنفقة زوجته الصالحة للوط ء ومصيرها الى بيت زوجها وأنه ممتنع من أداء الحق ظلما فانه يجب أداء الشهادة فى ذلك سواء أدعى الى حاكم محق أم الى غيره وأما اذا كانت

стр. 1113

الشهادة فى الحق الظنى لم يجب على الشاهد أداء الشهادة الا الى حاكم محق فقط وقيل فى الزيادات لا يجوز أداء الشهادة عند الحاكم الجائر وان طالب المشهود له بذلك قال أبو مضر والوجه فيه أن الحاكم اذا كان ظالما أو منصوبا من الظلمة فانه لا يكون له ولاية بل يكون كآحاد الناس ولا يجب على الشاهد أداء الشهادة عند آحاد الناس سيما عند الظلمة ويأثم بذلك. مذهب الإمامية: قال الإمامية (١): ويجب الأداء مع القدرة على الكفاية اجماعا، وانما يجب الأداء مع ثبوت الحق بشهادته لانضمام من يتم به العدد أو حلف المدعى ان كان مما يثبت بشاهد ويمين فلو طلب من اثنين فيما يثبت بهما لزمهما وليس لأحدهما الامتناع بناء على الاكتفاء بحلف المدعى مع الآخر لأن من مقاصد الاشهاد التورع عن اليمين. مذهب الإباضية: قال الإباضية (٢): اختلف فى قوله «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ» هل معناه النهى عن الاباء من تحملها ولا نافية بمعنى النهى اذا دعوا لتحملها، أو معناه النهى عن الاباء من اقامتها اذا دعوا لاقامتها، تأويلان، واذا تحملها فأبى من أدائها حيث يجب عليه الأداء فضاع المال أو النفس بعدم أدائه ضمنه، فان أبى وأقام غيره كانت عليه التوبة. أدب التعريف اللغوى (٣) الأدب ملكة تعصم من كانت فيه عما يشينه والجمع آداب، ومن معانيها أنها تطلق على ما يليق بالشئ أو الشخص فيقال آداب الشخص وآداب القاضى، والأدب الظرف وحسن التناول. وأدبه فتأدب علمه، واستعمله الزجاج فى التعليم من الله فقال: وهذا ما أدب الله به نبيه ﷺ ، والأدب الذى يتأدب به الأديب من الناس سمى أدبا لأنه يأدب الناس الى المحامد وينهاهم عن المقابح، ويشرح العلامة المناوى (٤) قول رسول الله ﷺ «أدبنى ربى فأحسن تأديبى» فيقول معنى الأدب هو ما يحصل للنفس من الأخلاق الحسنة والعلوم المكتسبة وفى شرح النوابغ هو ما يؤدى بالناس الى المحامد وكل الآداب متلقيات عن رسول الله ﷺ فانه مجمعها ظاهرا وباطنا، ثم قال والأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا، وأدب البلاد ايدابا ملأها عدلا وفلان قد استأدب بمعنى تأدب (٥). تعريف الأدب فى الشرع مذهب الحنفية: يقول العلامة الشرنبلالى الحنفى فى شرحه

стр. 1114

مراقى الفلاح نقلا عن شرح الهداية: الأدب هو ما فعله رسول الله ﷺ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه وحكمه الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه، ويقول الطحطاوى فى حاشيته تعليقا على ذلك: ويسمى بالنفل لأنه زائد عن الفرض وبالمستحب لأن الشارع يحبه وبالمندوب لأن الشارع بين ثوابه وبالتطوع لأن فاعله متبرع به قاله السيد، ثم عدد بعد ذلك آداب الوضوء كالجلوس فى مكان مرتفع وعدم التكلم بكلام الناس .. الى آخر ما ذكر (١) وفى فتح القدير ذكر صاحب العناية عند الكلام على الاستنجاء أن الغسل بالماء أفضل ثم قال وهو أدب لأن رسول الله ﷺ ، كان يستنجى بالماء مرة ويتركه أخرى وهذا هو حد الأدب (٢) وفرق صاحب بدائع الصنائع بين السنة والأدب فقال ان السنة هى ما واظب عليها رسول الله ﷺ ولم يتركها ﷺ الا مرة أو مرتين لمعنى من المعانى، أما الأدب فهو ما فعله رسول الله ﷺ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه (٣) كذلك يستعمل الحنفية الأدب بمعنى الالتزام لما ندب اليه الشرع يقول صاحب الفتاوى الهندية (٤) تحت عنوان باب أدب القاضى: أدب القاضى هو التزامه لما ندب اليه الشرع من بسط العدل ودفع الظلم وترك الميل والمحافظة على حدود الشرع والجرى على سنن السنة ويستعمل صاحب العناية وصاحب فتح القدير الأدب بالمعنى اللغوى فى باب أدب القاضى أيضا فيذكر أن الأدب هو الخصال الحميدة والقاضى محتاج اليها فذكر ما ينبغى للقاضى أن يفعله ويكون عليه (٥)، ومن هذا يتضح أن الحنفية يستعملون الأدب بمعنى المستحب والمندوب والنفل كما فى آداب الوضوء والاستنجاء، ويستعملونه بالمعنى اللغوى كما جاء فى باب أدب القاضى مذهب المالكية: يذهب المالكية الى أن لفظ الأدب يطلق ويراد به عند بعضهم المستحب والمندوب والسنن فقط، ويراد به عند البعض الآخر ما يشمل المستحب والمندوب والسنة والواجب تسامحا، فقد جاء فى الشرح الصغير وحاشيته فى بيان شروط الجمعة وآدابها بعد أن ذكرت الشروط: وسن حال الخطبة استقبال القبلة وسن جلوس الخطيب أول كل خطبة الى آخر ما ذكر. ثم قال وندب لمريد صلاة الجمعة تحسين هيئته من قص شارب وأظفار وحلق عانة ونتف ابط، وقال الشيخ الصاوى فى حاشيته تعليقا على قول خليل «وآدابها» المراد من الآداب ما يشمل السنن (٦) وفى باب بيان آداب

стр. 1115

قضاء حاجة الانسان قال الدردير: المراد بالآداب الأمور المطلوبة ندبا لمريد قضاء حاجته، وقال: ندب لمريد فضاء الحاجة الجلوس وأن يكون بمحل طاهر وتسمية قبل الدخول الى أن قال ووجب استبراء الى آخر ما ذكره، وذكر تحت عنوان الآداب أمورا مندوبة وأمورا واجبة ولذلك قال الصاوى فى حاشيته: الأدب هو الأمر المطلوب شرعا عند قضاء الحاجة وهو أعم من أن يكون الطلب واجبا أو مندوبا لأن بعض ما يأتى واجب، وقال تعليقا على قول الدردير. المراد بالآداب الأمور المطلوبة ندبا أى بحسب غالبها فلا ينافى أن بعضها واجب (١) وفى متن العشماوية فى باب آداب الجمعة قال: آداب الجمعة ثمانية وعد منها تجنب ما يتولد منه الرائحة الكريهة وقال الشيخ الصفتى فى حاشيته ان المراد بالآداب هو ما يطلب من المكلف تحصيله سواء كان واجبا كتجنب الرائحة الكريهة أو سنة كالغسل أو مستحبا كالتطيب لها الا أنه نقل عن حاشية الأمير أن عد هذا - أى تجنب ما يتولد منه الرائحة الكريهة - من باب الآداب مسامحة لأنه واجب والمراد بالآداب ما يطلب لا على سبيل الوجوب (٢) وقد جاء فى الشرح الصغير عند ذكر آداب الأكل والشرب قوله: وسن عينا لآكل وشارب ولو صبيا تسمية، ويندب الجهر بها وعدد بعد ذلك مندوبات يطلب فعلها ومكروهات يطلب اجتنابها، وفى هذا اطلاق للأدب على السنة العينية والمندوب والنهى عن ما يكره (٣). مذهب الشافعية: جاء فى منهج الطلاب: فصل فى آداب الخلاء وفى الاستنجاء: سن لقاضى الحاجة أن يقدم يساره لمكان قضائها ويمينه لانصرافها وأن ينحى ما عليه معظّم الى أن قال: ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، وقال فى حاشية البجرمى تعليقا على ذلك: الآداب جمع أدب وهو المطلوب سواء كان مندوبا أم واجبا ثم قال واعلم أن جميع ما ذكر فى هذا الفصل من الآداب محمول على الاستحباب الا ترك الاستقبال والاستدبار والاستنجاء (٤) وفى نهاية المحتاج فى باب آداب الخلاء أيضا: ذكر الرملى آداب الخلاء وعد منها عدم استقبال القبلة واستدبارها بالصحراء، وعلق الشبراملسى فى حاشيته على ذلك فقال: الآداب جمع أدب وهو المستحب، وعلى ذلك فليس من الآداب ما يأتى من وجوب عدم الاستقبال والاستدبار للقبلة بالصحراء فيكون التعبير بالآداب تغليبا، ثم قال ويحتمل أن يكون المراد بالأدب هنا المطلوب شرعا فيشمل المستحب والواجب وعلى ذلك فلا تغليب فى العبارة (٥) وقد تصدق الآداب عند الشافعية أيضا على ما يسن فعله وعلى ترك ما يكره فعله فقد جاء فى حاشية البجرمى فى باب

стр. 1116

آداب الاقتداء: آداب الاقتداء الأمور المطلوبة حصولها كما فى قوله، وسن أن يقف امام الى آخر المسنونات أو تركا كما فى قوله وكره لمأموم انفراد عن الصف فتصدق الآداب على النهى عن اتيان المكروهات (١) وفى باب آداب القضاء جاء فى نهاية المحتاج: ليكتب الامام ندبا لمن يوليه كتابا بالتولية ثم عد أمورا مندوبة ثم قال: ويستحب كون مجلسه فسيحا ثم قال ويكره له أن يشترى ويبيع أو يعامل مع وجود من يوكله (٢) ومما تقدم يتبين أن الشافعية يطلقون لفظ الأدب على ما يندب وعلى ما يستحب وعلى ما يجب وعلى ترك ما يكره. مذهب الحنابلة: قال صاحب متن الاقناع تحت عنوان آداب التخلى: يبن أن يقول عند دخوله الخلاء بسم الله اللهم انى أعوذ بك من الخبث والخبائث ويكره دخوله بما فيه ذكر الله بلا حاجة ويحرم دخول الخلاء بمصحف ويستحب أن ينتعل وأن يقدم رجله اليسرى، وقال صاحب كشاف القناع: المراد بآداب التخلى ما ينبغى فعله حال الدخول وقضاء الحاجة والخروج وما يتعلق بذلك (٣) وفى باب آداب المشى الى الصلاة قال: يسن الخروج الى الصلاة متطهرا بخوف وخشوع ثم قال: ويستحب أن يقول اذا خرج من بيته ولو لغير صلاة بسم الله آمنت بالله الى آخر ما ذكر ثم قال بعد ذلك: ويسن أن يقول: اللهم انى أسألك بحق السائلين عليك أن تنقذنى من النار (٤) وفى باب آداب القاضى قال صاحب كشاف القناع: الأدب هو الأخلاق التى ينبغى التخلق بها والمقصود من هذا الباب بيان ما يجب على القاضى أو يسن له أن يأخذ به نفسه وأعوانه من الآداب والقوانين التى ينضبط بها أمور القضاء وتحفظهم من الميل والزيغ (٥) وبذلك يشمل لفظ الأدب عند الحنابلة السنة والمستحب والواجب وترك ما يكره أو يحرم فعله على أساس المعنى اللغوى. مذهب الظاهرية: لم يستعمل ابن حزم الظاهرى لفظ الأدب فيما استعمله غيره من الفقهاء فى المطلوب فعله والمطلوب تركه مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار تحت عنوان مندوبات الوضوء: وندب سبعة أمور: السواك قبل الوضوء، أوجبه داود ثم قال: ومن آداب السواك أن يستاك عرضا ثم قال وللسواك آداب منها أنه يكره للجنب من جماع والقائم فى المسجد، ثم قال: ويندب وان زالت الأسنان (٦) وفى البحر الزخار (٧) قال فى باب قاضى الحاجة ندب له التوارى

стр. 1117

بشجر أو نحوه، وفى شرح الأزهار فى نفس الباب قال: باب ما يندب لقاضى الحاجة وما يكره وما يجوز ثم قال ندب لقاضى الحاجة التوارى وعد بعض المندوبات الى أن قال: وأما ما يكره فاتقاء الملاعن وفى أفنية الدار وفى مجالس الناس وقال فى شرح الأزهار وأما ما يكره فقد أوضحه ﵇ بقوله بندب (١)، وتحت عنوان آداب المعاشرة الزوجية قال فى البحر الزخار ندب للزوجة التواضع وللزوج احتمال الأذى ثم قال: ويكره افتخار المرأة بمال أو جمال أو حسب وعدد بعد ذلك بعض المندوبات والمكروهات ومما تقدم نرى أن الزيدية يستعملون الأدب بمعنى ما يندب فعله واجتناب ما يكره فعله وما يجوز فعله (٢). مذهب الإمامية: وأما الإمامية فقد ذكروا تحت آداب الخلوة: يستحب شد البدن وتغطية الرأس وتقديم اليسرى دخولا واليمنى خروجا (٣) وفى شرائع الاسلام (٤) أطلق على آداب الخلوة «التخلى» سنن الخلوة ثم قال: وهى مندوبات ومكروهات فالمندوبات تغطية الرأس والتسمية .. الى آخر ما ذكر وتحت عنوان آدب البيع قال فى شرائع الاسلام (٥). وأما آداب البيع فيستحب أن يتفقه فيما يتولاه وأن يسوى البائع بين المتبايعين ثم قال ويكره تلقى الركبان، ثم قال ويكره الاحتكار وقيل حرام والأول أشبه وتحت عنوان آداب النكاح عد صاحب المختصر النافع: آدابا للعقد وآدابا للخلوة، وذكر تحت العنوانين بعض المستحبات كاستحباب تخير البكر واستحباب صلاة ركعتين اذا أراد الدخول وذكر بعض المكروهات كتزوج العقيم والجماع عند الزوال وعند الغروب (٦) ومن هذا يتضح أن الإمامية يستعملون لفظ الأدب بمعنى المستحب والمندوب واجتناب المكروه. مذهب الإباضية: جاء فى كتاب الوضع تحت عنوان باب آداب قضاء الحاجة. وينبغى أن يقول عند القصد لحاجة الانسان أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ثم فسر قوله ينبغى فقال: ينبغى تارة تقال بمعنى يستحب وتارة بمعنى يجب (٧). مواطنه ذكر الفقهاء لفظ الأدب مضافا الى غيره فقالوا آداب الخلوة وآداب قضاء الحاجة وآداب عشرة النساء وآداب البيع وآداب المشى الى الصلاة وآداب القاضى، وهكذا وينظر تفصيل ذلك فى مواضعها المضافة اليها مثل مصطلح بيع ومصطلح نكاح ومصطلح صلاة ومصطلح خلوة ومصطلح قاضى وهكذا

стр. 1118

ادّعاء المعنى اللغوى جاء فى المصباح (١): الدعوة بالكسر ادعاء الولد الدعى غير أبيه، يقال هو دعى بين الدعوة بالكسر اذا كان يدعى الى غير أبيه فهو بمعنى فاعل من الأول وبمعنى مفعول من الثانى، والدعوة بالفتح فى الطعام، ودعوى فلان كذا أى قوله، وادعيت الشئ وتمنيته أو طلبته لنفسى والاسم منه الدعوى وألفها للتأنيث، وقد يتضمن الادعاء معنى الاخبار فتدخل التاء جوازا فيقال فلان يدعى كذا أى يخبر به وتجمع الدعوى على دعاوى بكسر الواو وفتحها، وقال بعضهم الفتح أولى، وذهب آخرون الى أن الكسر أولى وهو المفهوم من كلام سيبويه والمفهوم من كلام ابن السكيت أن الفتح والكسر سواء ومثله الفتاوى فى جمع الفتوى قال الميزيدى يقال فى هذا الأمر دعوى ودعاوى أى مطلب بكسر الواو وفتحها وفى الحديث عن ابن عباس رضى الله عنهما: لو يعطى الناس بدعواهم، وفى رواية بدعاويهم - لا دعى قوم دماء بعض وأموالهم ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. رواه البخارى ومسلم وأحمد فى مسنده غير أن المختار هو الكسر عند الاضافة الى الضمير فيقال دعاويك ودعاويه دون دعاواك ولا يطلق اسم الدعى عرفا الا على من لا حجة له دون من له حجة وكذا يقال لمسيلمة الكذاب أنه يدعى النبوة ولا يطلق ذلك على رسول الله ﷺ ولما كان الادعاء انما يتحقق بالدعوى وهى الاسم منه كان بيانه والكلام عليه ببيان الدعوى. وفيما سبق بيانها لغة وهاك بيانها اصطلاحا. المعنى الاصطلاحى جاء فى الكنز وشرحه للزيلعى فى باب الدعوى أنها اضافة الشئ الى نفس المدعى حالة المنازعة. وجاء فى التنوير وشرحه الدر أنها قول مقبول عند القاضى يقصد به طلب حق من غير المدعى أو دفعه عن حق نفسه وبذلك التعريف تميزت عن الشهادة فليس يقصد بها طلب حق من غير المدعى وانما يقصد بها الاثبات وتميزت عن الاقرار اذ هو اخبار بايجاب حق لغير المقر لا طلب حق قبله وشملت دعوى منع التعرض لأن الغرض منها دفع الغير عن حق المدعى وهى دعوى صحيحة مقبولة عند الحنفية على ما عليه الفتوى وصورتها أن يدعى انسان على غيره بأنه يعارض فى حق له معين فى يده، ويتعرض له فيه بغير حق ويطلب الحكم عليه بمنع تعرضه بخلاف دعوى قطع النزاع فانها غير مسموعة لأنها تقوم على مطالبة الغير بالادعاء بحقه الذى يزعمه، وليس يجبر الانسان على المطالبة بحقه ولا يقضى عليه بذلك وصورتها أن يدعى انسان على غيره بأن يزعم أن له حقا هو كذا قبله ويطلب الحكم عليه بأن يدعى به ان كان له هذا الحق الذى يزعمه (٢)

стр. 1119

ومن هذا يتبين أن الفرق بينهما انما هو فى قيام الخصومة ووجودها فعلا فى دعوى منع التعرض وعدم وجودها فى دعوى قطع النزاع ومن هذا يرى أن سبب الدعوى اما وصول الانسان الى حقه أو صيانته، ويعرف الحنابلة الدعوى بأنها اضافة الانسان الى نفسه استحقاق شئ قبل غيره فى يده أو فى ذمته (١) وهى بهذا لا تشمل دعوى رفع التعرض الا اذا أريد بالشئ المستحق ما يعم الشئ الوجودى والعدمى، ولا يخرج تعريف سائر الفقهاء لها عن هذا الوضع. ركنها ركنها هو قول المدعى لى على فلان كذا أو الرافع للدعوى قضيت حق فلان الذى يدعيه أو أبرأنى منه ونحو ذلك من كل ما يفيد معناها الذى تضمنه تعريفها السابق (٢) سواء أصدر ذلك من المدعى نفسه أو ممن له ولاية الادعاء عنه (٣). أنواعها وهى بالنظر الى حكمها صحيحة اذا توافرت فيها جميع شروطها الآتى بيانها وفاسدة اذا لم تتوافر فيها. وبالنظر الى ما يدعى: دعوى عين ودعوى حق ودعوى عقد ودعوى فعل فتتنوع بتنوع الشئ المدعى. حكمها واذا كانت الدعوى صحيحة فحكمها قبولا عند القاضى ووجوب الجواب عنها على المدعى عليه عقبها وسماع بينة المدعى عند انكارها من المدعى عليه ووجوب اليمين على المدعى عليه اذا عجز المدعى عن اثباتها وطلب تحليفه ووجوب الحكم بما يدعى عند اثباته حسب التفصيل الآتى بيانه فيما بعد، وأما اذا كانت فاسدة فحكمها عدم سماعها من القاضى وعدم وجوب الجواب عنها من المدعى عليه، ومن هذا يتبين أن المدعى عليه فى الدعوى الفاسدة لا يقبل منه دفعه اياها الا بعد قيام المدعى بتصحيح دعواه على الصحيح فى المذهب الحنفى كما فى الهندية نقلا عن محيط السرخسى، ويتبين أن تعريف الحنفية اياها انما هو تعريف للصحيحة بخلاف تعريف الحنابلة فانه يتناول الصحيحة والفاسدة (٤). عناصرها ومن البيان السابق يتضح أن الدعوى لا تتحقق الا بوجود مدع ومدعى عليه وحق مدعى وصيغة، فالمدعى هو المطالب بالحق والمدعى عليه هو المطلوب منه ذلك الحق، والمدعى هو الحق الذى يطلبه المدعى من المدعى عليه، والصيغة هى العبارة الصادرة من المدعى أمام القاضى متضمنة ذلك الطلب، غير أن التمييز بين المدعى والمدعى عليه ليس بالأمر الهين بل قد يدق فى بعض الصور ويحتاج الى فقه وحدة ذكاء اذ قد يرى فى بعضها أن كلا من طرفيها قد يكون مدعيا بالنظر الى وجهة معينة ومدعى عليه بالنظر

стр. 1120

الى وجهة أخرى فى حين أن أحكام المدعى تختلف عن أحكام المدعى عليه فعلى المدعى البينة وعلى المدعى عليه اليمين وذلك لقوله ﷺ فيما رواه البخارى ومسلم عن أبن عباس أن النبى ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه وروى أحمد ومسلم أن النبى ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه، وأخرج البيهقى هذا الحديث باسناد صحيح بلفظ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، لهذا كان من الواجب التمييز بينهما حتى يستطيع القاضى مطالبة كل منهما بما يجب عليه شرعا من بينة أو يمين وكان للفقهاء عناية بالغة فى تحقيق ذلك وفى تيسيره وهى عناية تنم على ما فى ذلك من صعوبة ألا ترى أن الوديع اذا ادعى رد الوديعة كان مدعيا فى الظاهر والصورة، ولكنه فى الحقيقة منكر لوجود الضمان الذى يدعيه عليه المودع فيحلف على أنه لا يلزمه رد ولا يكلف اقامة البينة على الرد كما لا يطلب من المودع اليمين على عدم الرد اذا عجز الوديع عن اقامة البينة عليه وذلك ما ذهب اليه الحنفية كما جاء فى الزيلعى على الكنز، وقد جاء فى معين الأحكام عن شريح أنه قال: وليت القضاء وعندى أنى لا أعجز عن معرفة ما يتخاصم الى فيه، فأول ما ارتفع الى خصمان أشكل على أمرهما من المدعى ومن المدعى عليه (١). الفرق بين المدعى والمدعى عليه ذكر الفقهاء فى التفرقة بينهما الضوابط الآتية: ١ - المدعى من اذا ترك الخصومة والادعاء لم يجبر على المضى فيهما، والمدعى عليه من اذا أبى الجواب عن الدعوى أو ترك الخصومة أجبر على ذلك كما ذكره القدورى ٢ - جاء فى تحفة المحتاج شرح المنهاج: المدعى من يلتمس حقا قبل غيره أو من ينوب عنه، والمدعى عليه من يدفع ذلك عن نفسه وينفيه، وفى نهاية المحتاج: المدعى من يخالف قوله الظاهر، والمدعى عليه من يوافقه (٢). ٣ - جاء فى شرح الأزهار (٣): المدعى من يطلب خلاف الظاهر والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر، وقيل المدعى من يخلى وسكوته كمدع تأجيل دين أو فساد عقد والمدعى عليه عكسه. ٤ - وفى الأصل لمحمد بن الحسن: المدعى عليه من يعمد الى الانكار والآخر هو المدعى وتطبيقه يستلزم فقها وحدة ذكاء ذلك أنه قد تكون عبارة من هو مدعى عليه فى الواقع تدل على ادعاء بينما تكون عبارة صاحبه تدل على الانكار وهو على الرغم من ذلك مدع فى الحقيقة وذلك كالوديع اذا ادعى رد الوديعة أو هلاكها عند طلبها منه فانه مدع صورة وصاحبه منكر لما ادعاه وهما فى الحقيقة على عكس ما يظهر من

стр. 1121

كلامهما فادعاء الرد أو الهلاك انما هو انكار لوجوب الضمان وهو المعتبر وانكار الرد أو الهلاك انما هو اصرار على وجوب الرد أو الضمان وذلك ادعاء وعليه الاعتبار وذلك ما يلاحظ فى كثير من صور المخاصمة (١). ٥ - وجاء فى تحرير الأحكام للشيعة الإمامية (٢) أن المدعى هو الذى يخلى وسكوته وغيره المدعى عليه وقيل هو الذى يدعى خلاف الظاهر أو خلاف الأصل وتظهر فائدة اختلاف هذين التعريفين فى الزوجين اذا أسلما قبل الدخول وادعى الزوج أنهما أسلما معا قصدا منه الى دوام الزواج بينهما وادعت الزوجة أنهما أسلما على التعاقب فعلى التعريف الأول تكون الزوجة هى المدعية لأن الزوج فى هذه الحال لا يخلى وسكوته فلا يكون هو المدعى ذلك لأنها اذا كانت هى البادئة بالاسلام انفسخ النكاح فى الحال فلا يخلى الزوج وسكوته بل لا بد من اعترافه بذلك أو اقامة البينة عليه وعلى ذلك يكون هو المدعى عليه، وعلى التعريف الثانى يكون الزوج هو المدعى لأنه الذى يدعى خلاف الظاهر وهو اسلامهما معا فى وقت واحد لأنه نادر وهو خلاف الظاهر، والظاهر الجلى هو التعاقب فكان مدعيه هو المدعى لأنه يدعى على خلاف الظاهر والآخر هو المدعى عليه، وليس لبقية المذاهب فى بيان الفرق بين المدعى والمدعى عليه ما يخرج عما سبق ذكره. شروط صحة الدعوى شروط صحة الدعوى كثيرة منها ما يرجع الى المدعى والمدعى عليه. ومنها ما يرجع الى المدعى به ومنها ما يرجع الى الدعوى نفسها. فما يرجع الى كل من المدعى والمدعى عليه ١ - أن يكون كل منهما عند مباشرتهما الخصومة عاقلا فلا تصح الدعوى من مجنون وصبى لا يعقل كما لا تصح عليهما فى مواجهتهما ولذا لا يجب عليهما الجواب عنها ولا تتوجه عليهما اليمين واذا كان أحدهما مميزا غير بالغ اشترط لصحتها أن يأذن له بها من له الولاية عليه (٣) والى هذا ذهب الحنفية وأرباب المذاهب الأخرى، ويلاحظ أن الدعوى من الصبى المميز ليست من المواضع التى تصح فيها اجازتها ممن يملك الاجازة بعد وقوع الدعوى من الصبى ولهذا كان القضاء المترتب عليها قبل الاجازة وبعدها باطلا لأنه فاقد لشرطه وهو أن يصدر قاطعا للنزاع بين الطرفين وهو فى هذه الحال يصدر غير قاطع له - انظر مصطلح قضاء - والى هذا ذهب الحنفية. ٢ - أن تكون بينهما خصومة حقيقية فاذا لم نكن بينهما خصومة فى الواقع وانما تظاهرا بها للوصول الى حكم يتخذانه وسيلة الى تحقيق غرض خاص لم تسمع هذه الدعوى لما فيها من قصد الاحتيال الى الوصول الى الحكم والى هذا ذهب الحنفية كما صرح

стр. 1122

أن الدعوى يجب أن تكون فى حالة خصومة (١) وهذا أيضا محل اتفاق بين المذاهب. ٣ - أن يكون كل من المدعى والمدعى عليه أصيلا فى الخصومة أو نائبا عن الأصيل بوكالة أو ولاية أو وصاية حتى تكون الدعوى من ذى شأن فى الخصومة على ذى شأن فيها فلا تصح الدعوى من فضولى ولا على فضولى لأنها سبيل الى القضاء بالمدعى به والقضاء يجب أن يصدر ملزما ولا الزام مع الفضالة (٢) والى هذا ذهب الحنفية وبقية أرباب المذاهب الأخرى، ومما يتصل بهذا الشرط دعوى الحسبة وهى فرض كفاية على كل مسلم قادر وفرض عين على القادر اذا تعين والأصل فى ذلك هو وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذه الدعوى انما تكون فى حقوق الله تعالى وهى فى رأى الجمهور الحقوق التى تعود منفعتها على العامة كلهم وهى حقوق يجب على كل مسلم المحافظة عليها والدفاع عنها فمن رأى رجلا يعيش مع مطلقته التى طلقها ثلاثا معيشة الأزواج وجب عليه رفع أمرهما الى القاضى وهو فى هذا مدع وشاهد كما سيجئ ذلك فى مصطلح شهادة ولوجوبها على الناس كان كل مسلم أصيلا فيها والأمور التى تقبل فيها الدعوى حسبة وهى فى الوقت نفسه شهادة حسبه كثيرة وذكر منها صاحب الأشباه أربع عشرة مسألة وزاد عليها صاحب الدر أربع مسائل فأبلغها ثمانى عشرة مسألة وفى بعضها خلاف الامام وصاحبيه مداره على أن الغالب فى هذا البعض أهو حق الله أم حق العبد فمن ترجح عنده أن الغالب فيه هو حق الله جاز سماع الدعوى والشهادة فيه حسبة ومن ترجح عنده أن الغالب فيه هو حق العبد لم يجز سماعها الا من صاحب الحق وفى بيان هذه المسائل يرجع الى مصطلح شهادة اذ قد غلب اطلاق اسم الشاهد حسبة على من يتقدم بها الى القاضى ولهذا مال كثير من الحنفية الى أنها من قبيل الشهادة وليست من قبيل الدعوى وأن القضاء فيها لا يتوقف على سبق الادعاء استثناء من الأصل القاضى بأنه لا قضاء الا بعد دعوى وجاء فى الدر المختار وحاشية التكملة عليه: ليس لنا مدع حسبة الا فى الوقف على القول المرجوح وذلك اذا ادعى الموقوف عليه أصل الوقف فانها تسمع عند بعضهم والمفتى به عدم سماعها الا من المتولى على الوقف ولكن جاء فى فتاوى الحانوتى: الحق أن الوقف اذا كان على معين تسمع منه ولكن صاحب التنقيح قيد هذا باذن القاضى على ما عليه الفتوى (٣) وارجع الى مصطلح شهادة فى بيان بقية المذاهب. ومما يتصل به أيضا أن أبا حنيفة رضى الله عنه يرى وجوب قيام المدعى بدعواه حتى لا يقبل منه توكيل فيها الا اذا كان به عذر يمنعه من ذلك كالمرض والسفر أو رضى المدعى عليه بتوكيله غيره وخالفه فى ذلك صاحباه ذكر ذلك الكاسانى فى البدائع نقلا

стр. 1123

عن الهندية، والفتوى على قولهما وسيأتى بيان ذلك بعد. ويرى الزيدية أن من شروط الدعوى اضافة المدعى الحق الى نفسه فلو ادعى شيئا ملكا لأبيه لم تسمع الا أن يكون وكيلا عنه أو وارثا وعندئذ يجب أن ينص على وفاته ووراثته له وأن المدعى به كان ملكا له حتى توفى وأن تتضمن حينئذ مطالبة المدعى عليه بالحق المدعى به والحكم عليه به باعتباره من تركة مورثه (١) ورأى الزيدية أن تشترط لصحة الدعوى أيضا أن تكون شاملة لما تقوم عليه البينة فاذا لم تشمله الدعوى تبين من ذلك أنها دعوى غير صحيحة وذلك كأن نكون ببعض ما قامت عليه البينة وفى هذا خلاف الفقهاء (٢) ارجع الى مصطلح شهادة وقضاء. ما يرجع الى المدعى به الأول: أن يكون معلوما فلا تصح الدعوى بالمجهول اذ أن المقصود من الدعوى أن يقضى به بعد اثباته وذلك غير متأت فى المجهول فان القضاء يجب فيه أن يكون فاصلا وقاطعا فى النزاع ولا يتحقق ذلك فى القضاء بالمجهول وذلك هو الأصل (٣) وقد استثنى الحنفية من هذا الأصل خمس مسائل أجازوا فيها الادعاء بالمجهول وحكموا بصحة الدعوى فيها مع جهالة المدعى به وهى: أولا: دعوى المغصوب الهالك أو الذى لا تعلم سلامته فتصح الدعوى به وان لم تتضمن بيان قيمته والقول فى بيانها حينئذ للغاصب اذا ما ثبت عليه الغصب. ثانيا: دعوى المرهون فتصح بدون ذكر قيمته ويكون القول فى بيانها للمرتهن عند ثبوت الرهن كما جاء فى الخانية أن المدعى لا يلزمه بيان قيمة ما غصب منه أو قيمة ما رهنه اذ كثيرا ما يجهل الانسان قيمة أمواله فلو منع من دعواه فى هذه الحال تضرر. ثالثا: دعوى الايصاء بحق مجهول فلو ادعى شخص أن فلانا أوصى له حال حياته بشئ من ماله ومات مصرا على ذلك صحت دعواه وان لم يبين مقداره وكان بيانه عند ثبوت ذلك للورثة وفى بيان حكم الايصاء بالمجهول من حيث ما يجب يرجع الى مصطلح وصية. رابعا: دعوى الاقرار بحق مجهول فلو ادعى على آخر أنه أقر له بحق ولم يبينه صحت دعواه وكلف المقر بالبيان عند اثباتها وفى بيان ذلك تفصيل يرجع الى مصطلح اقرار. خامسا: دعوى الابراء بالمجهول لأن الابراء يصح مع جهالة المبرأ منه فاذا قال قائل لا حق لى قبل فلان كان هذا ابراء عاما يتناول كل حق قائم عند الابراء فلا يصح ادعاء قبله وعليه اذا ادعى شخص على آخر حقا بسبب معين فى تاريخ ذكره فدفع المدعى

стр. 1124

عليه الدعوى بأن المدعى أبرأه بعد ذلك من كل حق له قبله سمعت دعواه وان لم يبين ما أبرأه منه، ووجه هذا الاستثناء أن كلا من الاقرار بالمجهول والوصية بالمجهول والابراء من المجهول صحيح وصحته تستلزم صحة الادعاء به توصلا للوصول الى الحق فيها وأن الانسان كثيرا ما يجهل قيمة أمواله فلو كلف بيان قيمة ما برهن أو ما يغتصب منه للحقه من ذلك ضرر فأجيزت الدعوى بالمجهول فى هذه الحال دفعا للضرر وزاد بعضهم دعوى السرقة كما فى التكملة (١) أما ما استثناه الحنابلة من هذا الشرط فهو الايصاء والاقرار والخلع على مجهول (٢). ويرى الحنفية أن العلم بالمدعى به يختلف باختلافه فهو اما عقار أو منقول أو دين أو نسب أو حق آخر. فاذا كان المدعى به عقارا وجب لبيانه تحديده وذلك بذكر حدوده وأسماء أصحابه وأنسابهم الى الجد لأن به تمام التعريف عند أبى حنيفة ويكفى ذكر الأب عند صاحبيه، كما تكفى شهرة صاحبه اذا كان له شهرة ولا تكفى شهرة الجد عنده خلافا لصاحبيه والفتوى على قوله ويكفى ذكر ثلاثة حدود لأن للأكثر حكم الكل غير أنه اذا ذكر ثلاثة حدود صحيحة، وذكر الرابع وفيه خطأ لم تسمع دعواه وقال زفر لا بد من ذكر الحدود الأربعة لأن التعريف لا يتم الا بها وفى الحموى أن الفتوى على قول زفر وفى التكملة على الدر أن الفتوى على قول أبى حنيفة وصاحبيه واذا احتيج الى ذكر اللقب وجب ذكره أيضا واذا كان يكفى ذكر الأب مع ذكر اللقب اكتفى بذلك اذ الغرض هو التعريف ولا يلزم طول العقار ولا عرضه ولا يجب ذكر طول الحد، ومن صور الخطأ أن يكون الحد لصيق عقار شخصين فيذكر أحدهما، ولا يضر الخطأ فى المساحة مع الصحة فى الحدود ولا بد من ذكر البلد الذى فيه العقار والمحلة والسكة وهذا كله اذا كان العقار بعيدا من مجلس القضاء أما اذا كان قريبا تمكن الاشارة اليه اكتفى بالاشارة اليه ويوضح نوع الحد من كونه أرضا زراعية أو مسكنا وذكر ذلك محل خلاف بين الحنفية (٣) وفوق ذلك يجب فى دعوى العقار أن تتضمن أن المدعى عليه يضع يده على العقار لأنها دعوى عين فلا يكون الخصم فيها الا ذو اليد ولا يكفى فى ذلك مصادقة المدعى عليه على اليد اذا كانت ملكية العقار المدعى به ملكا مطلقا أما اذا كانت ملكية مستندة الى سبب فيكفى فى اثبات اليد مصادقة المدعى عليه كما فى دعوى المنقول (٤). وان كأن منقولا. فان كان قائما ولا يحتاج فى احضاره مجلس القضاء الى حمل ولا الى مئونة اشترط احضاره مجلس القضاء لكى يشار اليه فى الدعوى ولذا يجب أن يذكر فى الدعوى قيامه وطلب احضاره وذلك اذا كان المدعى عليه جاهدا لأنه اذا كان مقرا لم يكلف احضاره وانما يؤمر بتسليمه الى المدعى فاذا أحضره المدعى عليه يشير به عند

стр. 1125

الادعاء ولا يضار فى تعريفه الى غير ذلك وان امتنع عن احضاره بحجة أنه ليس فى يده كان تعريفه بوصفه المميز له وكان من حق المدعى أن يستحلفه على أنه ليس فى يده ان لم تكن له بينة على ذلك فاذا ثبت أنه صاحب يد بالبينة أو بالنكول أجبره القاضى على احضاره وحبسه اذا امتنع عن ذلك واذا كان قائما ويحتاج احضاره مجلس القضاء الى حمل ومئونة وكان من الممكن احضاره لم يجبر المدعى عليه على احضاره وكان للقاضى أن ينتقل اليه أو يبعث أمينه اليه ان كان مأذونا فى الاستخلاف ومعه المدعى وشهوده حتى اذا ما أشار اليه المدعى فى دعواه والشهود فى شهادتهم عادوا الى القاضى مع شهوده الذين أرسلهم معه ليشهدوا عنده بما حدث فاذا شهدوا بما حدث حكم القاضى بناء على ذلك، واذا كان مما لا يمكن نقله الى مجلس القضاء كقطيع من الغنم أو صبرة من طعام كان الحكم هو الحكم فى الحال السابقة وقد اختلف فى تفسير ما له حمل ومئونة فقيل ما اختلف سعره باختلاف البلاد وقيل ما لا يمكن رفعه بيد واحدة وقيل ما يحمل بأجر من مكانه الى مجلس القاضى. واذا كان هالكا وجب فى الدعوى بيان قيمته وجنسها ونوعها وصفتها وهل يكتفى بذكر ذلك. اختلف فيه فقال الامام لا بد من بيان العين الهالكة أيضا وقال الصاحبان يكفى ذكر القيمة، واذا ادعى أعيانا هالكة كثيرة مختلفة النوع والجنس والصفة اكتفى بذكر قيمة الكل دفعة واحدة ولم يجب ذكر قيمة كل نوع على حدة وهذا هو الصحيح خلافا لمن ذهب الى وجوب التفصيل. واذا كان المنقول غائبا لا يدرى قيامه ولا هلاكه ذكر فى الدعوى أنه لا يعلم أقائم هو أم هالك ولزم ذكر الجنس والصفة والقيمة وقيل لا يجب عندئذ القيمة كما أشير الى ذلك فى كثير من الكتب فيما اذا ادعى غصبا أو رهنا (١). وان كان المدعى به دينا وهو ما كان ثابتا فى الذمة اشترط بيان قدره وجنسه ونوعه وصفته بيانا يكفى لتعيينه ولا بد من بيان سبب وجوبه من بيع أو قرض أو غصب أو سلم الخ. وفى الأشباه لا يجب على المدعى بيان سبب وجوب الحق الذى يدعيه الا فى المثليات ودعوى المرأة الدين على ورثة زوجها وذلك لاختلاف أحكام الدين باختلاف أسباب وجوبه حتى أن من أسلم فى شئ احتاج الى بيان مكان التسليم مبرءا عن النزاع وكذلك لو ادعت المرأة على تركة زوجها دينا لم تسمع دعواها حتى تبين سببه لجواز أن يكون دين نفقة وهى تسقط بالموت عند كثير من الفقهاء ولما كانت الأسباب كثيرة ومنها ما تكثر شروطه فتخفى الا على الخاصة ومنها ما تقل شروطه بحيث يعرفها العامة والخاصة ذهب كثير من الحنفية كما جاء فى الهندية الى أن السبب اذا كان كثير الشروط كالسلم وجب لصحة الدعوى ذكر شروطه فيها ولا
следующие страницы →