← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

كلامهما فادعاء الرد أو الهلاك انما هو انكار لوجوب الضمان وهو المعتبر وانكار الرد أو الهلاك انما هو اصرار على وجوب الرد أو الضمان وذلك ادعاء وعليه الاعتبار وذلك ما يلاحظ فى كثير من صور المخاصمة (١). ٥ - وجاء فى تحرير الأحكام للشيعة الإمامية (٢) أن المدعى هو الذى يخلى وسكوته وغيره المدعى عليه وقيل هو الذى يدعى خلاف الظاهر أو خلاف الأصل وتظهر فائدة اختلاف هذين التعريفين فى الزوجين اذا أسلما قبل الدخول وادعى الزوج أنهما أسلما معا قصدا منه الى دوام الزواج بينهما وادعت الزوجة أنهما أسلما على التعاقب فعلى التعريف الأول تكون الزوجة هى المدعية لأن الزوج فى هذه الحال لا يخلى وسكوته فلا يكون هو المدعى ذلك لأنها اذا كانت هى البادئة بالاسلام انفسخ النكاح فى الحال فلا يخلى الزوج وسكوته بل لا بد من اعترافه بذلك أو اقامة البينة عليه وعلى ذلك يكون هو المدعى عليه، وعلى التعريف الثانى يكون الزوج هو المدعى لأنه الذى يدعى خلاف الظاهر وهو اسلامهما معا فى وقت واحد لأنه نادر وهو خلاف الظاهر، والظاهر الجلى هو التعاقب فكان مدعيه هو المدعى لأنه يدعى على خلاف الظاهر والآخر هو المدعى عليه، وليس لبقية المذاهب فى بيان الفرق بين المدعى والمدعى عليه ما يخرج عما سبق ذكره. شروط صحة الدعوى شروط صحة الدعوى كثيرة منها ما يرجع الى المدعى والمدعى عليه. ومنها ما يرجع الى المدعى به ومنها ما يرجع الى الدعوى نفسها. فما يرجع الى كل من المدعى والمدعى عليه ١ - أن يكون كل منهما عند مباشرتهما الخصومة عاقلا فلا تصح الدعوى من مجنون وصبى لا يعقل كما لا تصح عليهما فى مواجهتهما ولذا لا يجب عليهما الجواب عنها ولا تتوجه عليهما اليمين واذا كان أحدهما مميزا غير بالغ اشترط لصحتها أن يأذن له بها من له الولاية عليه (٣) والى هذا ذهب الحنفية وأرباب المذاهب الأخرى، ويلاحظ أن الدعوى من الصبى المميز ليست من المواضع التى تصح فيها اجازتها ممن يملك الاجازة بعد وقوع الدعوى من الصبى ولهذا كان القضاء المترتب عليها قبل الاجازة وبعدها باطلا لأنه فاقد لشرطه وهو أن يصدر قاطعا للنزاع بين الطرفين وهو فى هذه الحال يصدر غير قاطع له - انظر مصطلح قضاء - والى هذا ذهب الحنفية. ٢ - أن تكون بينهما خصومة حقيقية فاذا لم نكن بينهما خصومة فى الواقع وانما تظاهرا بها للوصول الى حكم يتخذانه وسيلة الى تحقيق غرض خاص لم تسمع هذه الدعوى لما فيها من قصد الاحتيال الى الوصول الى الحكم والى هذا ذهب الحنفية كما صرح

стр. 1122

أن الدعوى يجب أن تكون فى حالة خصومة (١) وهذا أيضا محل اتفاق بين المذاهب. ٣ - أن يكون كل من المدعى والمدعى عليه أصيلا فى الخصومة أو نائبا عن الأصيل بوكالة أو ولاية أو وصاية حتى تكون الدعوى من ذى شأن فى الخصومة على ذى شأن فيها فلا تصح الدعوى من فضولى ولا على فضولى لأنها سبيل الى القضاء بالمدعى به والقضاء يجب أن يصدر ملزما ولا الزام مع الفضالة (٢) والى هذا ذهب الحنفية وبقية أرباب المذاهب الأخرى، ومما يتصل بهذا الشرط دعوى الحسبة وهى فرض كفاية على كل مسلم قادر وفرض عين على القادر اذا تعين والأصل فى ذلك هو وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذه الدعوى انما تكون فى حقوق الله تعالى وهى فى رأى الجمهور الحقوق التى تعود منفعتها على العامة كلهم وهى حقوق يجب على كل مسلم المحافظة عليها والدفاع عنها فمن رأى رجلا يعيش مع مطلقته التى طلقها ثلاثا معيشة الأزواج وجب عليه رفع أمرهما الى القاضى وهو فى هذا مدع وشاهد كما سيجئ ذلك فى مصطلح شهادة ولوجوبها على الناس كان كل مسلم أصيلا فيها والأمور التى تقبل فيها الدعوى حسبة وهى فى الوقت نفسه شهادة حسبه كثيرة وذكر منها صاحب الأشباه أربع عشرة مسألة وزاد عليها صاحب الدر أربع مسائل فأبلغها ثمانى عشرة مسألة وفى بعضها خلاف الامام وصاحبيه مداره على أن الغالب فى هذا البعض أهو حق الله أم حق العبد فمن ترجح عنده أن الغالب فيه هو حق الله جاز سماع الدعوى والشهادة فيه حسبة ومن ترجح عنده أن الغالب فيه هو حق العبد لم يجز سماعها الا من صاحب الحق وفى بيان هذه المسائل يرجع الى مصطلح شهادة اذ قد غلب اطلاق اسم الشاهد حسبة على من يتقدم بها الى القاضى ولهذا مال كثير من الحنفية الى أنها من قبيل الشهادة وليست من قبيل الدعوى وأن القضاء فيها لا يتوقف على سبق الادعاء استثناء من الأصل القاضى بأنه لا قضاء الا بعد دعوى وجاء فى الدر المختار وحاشية التكملة عليه: ليس لنا مدع حسبة الا فى الوقف على القول المرجوح وذلك اذا ادعى الموقوف عليه أصل الوقف فانها تسمع عند بعضهم والمفتى به عدم سماعها الا من المتولى على الوقف ولكن جاء فى فتاوى الحانوتى: الحق أن الوقف اذا كان على معين تسمع منه ولكن صاحب التنقيح قيد هذا باذن القاضى على ما عليه الفتوى (٣) وارجع الى مصطلح شهادة فى بيان بقية المذاهب. ومما يتصل به أيضا أن أبا حنيفة رضى الله عنه يرى وجوب قيام المدعى بدعواه حتى لا يقبل منه توكيل فيها الا اذا كان به عذر يمنعه من ذلك كالمرض والسفر أو رضى المدعى عليه بتوكيله غيره وخالفه فى ذلك صاحباه ذكر ذلك الكاسانى فى البدائع نقلا

стр. 1123

عن الهندية، والفتوى على قولهما وسيأتى بيان ذلك بعد. ويرى الزيدية أن من شروط الدعوى اضافة المدعى الحق الى نفسه فلو ادعى شيئا ملكا لأبيه لم تسمع الا أن يكون وكيلا عنه أو وارثا وعندئذ يجب أن ينص على وفاته ووراثته له وأن المدعى به كان ملكا له حتى توفى وأن تتضمن حينئذ مطالبة المدعى عليه بالحق المدعى به والحكم عليه به باعتباره من تركة مورثه (١) ورأى الزيدية أن تشترط لصحة الدعوى أيضا أن تكون شاملة لما تقوم عليه البينة فاذا لم تشمله الدعوى تبين من ذلك أنها دعوى غير صحيحة وذلك كأن نكون ببعض ما قامت عليه البينة وفى هذا خلاف الفقهاء (٢) ارجع الى مصطلح شهادة وقضاء. ما يرجع الى المدعى به الأول: أن يكون معلوما فلا تصح الدعوى بالمجهول اذ أن المقصود من الدعوى أن يقضى به بعد اثباته وذلك غير متأت فى المجهول فان القضاء يجب فيه أن يكون فاصلا وقاطعا فى النزاع ولا يتحقق ذلك فى القضاء بالمجهول وذلك هو الأصل (٣) وقد استثنى الحنفية من هذا الأصل خمس مسائل أجازوا فيها الادعاء بالمجهول وحكموا بصحة الدعوى فيها مع جهالة المدعى به وهى: أولا: دعوى المغصوب الهالك أو الذى لا تعلم سلامته فتصح الدعوى به وان لم تتضمن بيان قيمته والقول فى بيانها حينئذ للغاصب اذا ما ثبت عليه الغصب. ثانيا: دعوى المرهون فتصح بدون ذكر قيمته ويكون القول فى بيانها للمرتهن عند ثبوت الرهن كما جاء فى الخانية أن المدعى لا يلزمه بيان قيمة ما غصب منه أو قيمة ما رهنه اذ كثيرا ما يجهل الانسان قيمة أمواله فلو منع من دعواه فى هذه الحال تضرر. ثالثا: دعوى الايصاء بحق مجهول فلو ادعى شخص أن فلانا أوصى له حال حياته بشئ من ماله ومات مصرا على ذلك صحت دعواه وان لم يبين مقداره وكان بيانه عند ثبوت ذلك للورثة وفى بيان حكم الايصاء بالمجهول من حيث ما يجب يرجع الى مصطلح وصية. رابعا: دعوى الاقرار بحق مجهول فلو ادعى على آخر أنه أقر له بحق ولم يبينه صحت دعواه وكلف المقر بالبيان عند اثباتها وفى بيان ذلك تفصيل يرجع الى مصطلح اقرار. خامسا: دعوى الابراء بالمجهول لأن الابراء يصح مع جهالة المبرأ منه فاذا قال قائل لا حق لى قبل فلان كان هذا ابراء عاما يتناول كل حق قائم عند الابراء فلا يصح ادعاء قبله وعليه اذا ادعى شخص على آخر حقا بسبب معين فى تاريخ ذكره فدفع المدعى

стр. 1124

عليه الدعوى بأن المدعى أبرأه بعد ذلك من كل حق له قبله سمعت دعواه وان لم يبين ما أبرأه منه، ووجه هذا الاستثناء أن كلا من الاقرار بالمجهول والوصية بالمجهول والابراء من المجهول صحيح وصحته تستلزم صحة الادعاء به توصلا للوصول الى الحق فيها وأن الانسان كثيرا ما يجهل قيمة أمواله فلو كلف بيان قيمة ما برهن أو ما يغتصب منه للحقه من ذلك ضرر فأجيزت الدعوى بالمجهول فى هذه الحال دفعا للضرر وزاد بعضهم دعوى السرقة كما فى التكملة (١) أما ما استثناه الحنابلة من هذا الشرط فهو الايصاء والاقرار والخلع على مجهول (٢). ويرى الحنفية أن العلم بالمدعى به يختلف باختلافه فهو اما عقار أو منقول أو دين أو نسب أو حق آخر. فاذا كان المدعى به عقارا وجب لبيانه تحديده وذلك بذكر حدوده وأسماء أصحابه وأنسابهم الى الجد لأن به تمام التعريف عند أبى حنيفة ويكفى ذكر الأب عند صاحبيه، كما تكفى شهرة صاحبه اذا كان له شهرة ولا تكفى شهرة الجد عنده خلافا لصاحبيه والفتوى على قوله ويكفى ذكر ثلاثة حدود لأن للأكثر حكم الكل غير أنه اذا ذكر ثلاثة حدود صحيحة، وذكر الرابع وفيه خطأ لم تسمع دعواه وقال زفر لا بد من ذكر الحدود الأربعة لأن التعريف لا يتم الا بها وفى الحموى أن الفتوى على قول زفر وفى التكملة على الدر أن الفتوى على قول أبى حنيفة وصاحبيه واذا احتيج الى ذكر اللقب وجب ذكره أيضا واذا كان يكفى ذكر الأب مع ذكر اللقب اكتفى بذلك اذ الغرض هو التعريف ولا يلزم طول العقار ولا عرضه ولا يجب ذكر طول الحد، ومن صور الخطأ أن يكون الحد لصيق عقار شخصين فيذكر أحدهما، ولا يضر الخطأ فى المساحة مع الصحة فى الحدود ولا بد من ذكر البلد الذى فيه العقار والمحلة والسكة وهذا كله اذا كان العقار بعيدا من مجلس القضاء أما اذا كان قريبا تمكن الاشارة اليه اكتفى بالاشارة اليه ويوضح نوع الحد من كونه أرضا زراعية أو مسكنا وذكر ذلك محل خلاف بين الحنفية (٣) وفوق ذلك يجب فى دعوى العقار أن تتضمن أن المدعى عليه يضع يده على العقار لأنها دعوى عين فلا يكون الخصم فيها الا ذو اليد ولا يكفى فى ذلك مصادقة المدعى عليه على اليد اذا كانت ملكية العقار المدعى به ملكا مطلقا أما اذا كانت ملكية مستندة الى سبب فيكفى فى اثبات اليد مصادقة المدعى عليه كما فى دعوى المنقول (٤). وان كأن منقولا. فان كان قائما ولا يحتاج فى احضاره مجلس القضاء الى حمل ولا الى مئونة اشترط احضاره مجلس القضاء لكى يشار اليه فى الدعوى ولذا يجب أن يذكر فى الدعوى قيامه وطلب احضاره وذلك اذا كان المدعى عليه جاهدا لأنه اذا كان مقرا لم يكلف احضاره وانما يؤمر بتسليمه الى المدعى فاذا أحضره المدعى عليه يشير به عند

стр. 1125

الادعاء ولا يضار فى تعريفه الى غير ذلك وان امتنع عن احضاره بحجة أنه ليس فى يده كان تعريفه بوصفه المميز له وكان من حق المدعى أن يستحلفه على أنه ليس فى يده ان لم تكن له بينة على ذلك فاذا ثبت أنه صاحب يد بالبينة أو بالنكول أجبره القاضى على احضاره وحبسه اذا امتنع عن ذلك واذا كان قائما ويحتاج احضاره مجلس القضاء الى حمل ومئونة وكان من الممكن احضاره لم يجبر المدعى عليه على احضاره وكان للقاضى أن ينتقل اليه أو يبعث أمينه اليه ان كان مأذونا فى الاستخلاف ومعه المدعى وشهوده حتى اذا ما أشار اليه المدعى فى دعواه والشهود فى شهادتهم عادوا الى القاضى مع شهوده الذين أرسلهم معه ليشهدوا عنده بما حدث فاذا شهدوا بما حدث حكم القاضى بناء على ذلك، واذا كان مما لا يمكن نقله الى مجلس القضاء كقطيع من الغنم أو صبرة من طعام كان الحكم هو الحكم فى الحال السابقة وقد اختلف فى تفسير ما له حمل ومئونة فقيل ما اختلف سعره باختلاف البلاد وقيل ما لا يمكن رفعه بيد واحدة وقيل ما يحمل بأجر من مكانه الى مجلس القاضى. واذا كان هالكا وجب فى الدعوى بيان قيمته وجنسها ونوعها وصفتها وهل يكتفى بذكر ذلك. اختلف فيه فقال الامام لا بد من بيان العين الهالكة أيضا وقال الصاحبان يكفى ذكر القيمة، واذا ادعى أعيانا هالكة كثيرة مختلفة النوع والجنس والصفة اكتفى بذكر قيمة الكل دفعة واحدة ولم يجب ذكر قيمة كل نوع على حدة وهذا هو الصحيح خلافا لمن ذهب الى وجوب التفصيل. واذا كان المنقول غائبا لا يدرى قيامه ولا هلاكه ذكر فى الدعوى أنه لا يعلم أقائم هو أم هالك ولزم ذكر الجنس والصفة والقيمة وقيل لا يجب عندئذ القيمة كما أشير الى ذلك فى كثير من الكتب فيما اذا ادعى غصبا أو رهنا (١). وان كان المدعى به دينا وهو ما كان ثابتا فى الذمة اشترط بيان قدره وجنسه ونوعه وصفته بيانا يكفى لتعيينه ولا بد من بيان سبب وجوبه من بيع أو قرض أو غصب أو سلم الخ. وفى الأشباه لا يجب على المدعى بيان سبب وجوب الحق الذى يدعيه الا فى المثليات ودعوى المرأة الدين على ورثة زوجها وذلك لاختلاف أحكام الدين باختلاف أسباب وجوبه حتى أن من أسلم فى شئ احتاج الى بيان مكان التسليم مبرءا عن النزاع وكذلك لو ادعت المرأة على تركة زوجها دينا لم تسمع دعواها حتى تبين سببه لجواز أن يكون دين نفقة وهى تسقط بالموت عند كثير من الفقهاء ولما كانت الأسباب كثيرة ومنها ما تكثر شروطه فتخفى الا على الخاصة ومنها ما تقل شروطه بحيث يعرفها العامة والخاصة ذهب كثير من الحنفية كما جاء فى الهندية الى أن السبب اذا كان كثير الشروط كالسلم وجب لصحة الدعوى ذكر شروطه فيها ولا

стр. 1126

يكفى أن يقال بسبب سلم صحيح والا اكتفى بوصف السبب بالصحة وخالف فى ذلك شمس الاسلام محمد الأوزنجى اذ يرى أنه يكتفى فى جميع الحالات أن يوصف السبب بالصحة، وبيان سبب الوجوب واجب فى جميع دعاوى المثليات ما عدا النقود فلا يشترط بيان سبب وجوبها الا فى مسائل منها الكفالة ودعوى المرأة دينا على تركة زوجها وذلك لجواز أن يكون الحق المدعى مما لا تجوز كفالته أو يكون دين نفقة (١). دعوى النسب اذا كانت دعوى النسب بعد موت من يدعى نسبه أى الانتساب اليه اشترط لسماعها أن تكون ضمن حق مالى ولو كانت بالأبوة أو بالبنوة وان كانت حال حياة من يدعى نسبه أى الانتساب اليه وكانت بغير الأبوة والبنوة فالحكم هو ما سبق بيانه وان كانت بالأبوة أو البنوة سمعت الدعوى وان لم تكن ضمن حق آخر بأن كانت دعوى نسب صريح مجردة واذا فدعوى النسب تصح مجردة فى حال واحدة هى الحال الأخير ولا تصح فى الأحوال الأخرى الا ضمن حق آخر ومثل دعوى الأبوة والبنوة فى الحكم دعوى الزوجية يرفعها أحد الزوجين ومرد ذلك أن دعوى النسب بعد الموت وكذلك دعوى الزوجية ليس الغرض منها مجرد اثبات النسب أو الزوجية بل حق آخر يتوصل اليه بالبنوة كالميراث أو كمؤخر الصداق بالزوجية ولذا وجب أن يذكر فى الدعوى فى هذه الأحوال وفاة من يدعى الانتساب اليه وورثته وأنه أحدهم وأنه يطالب بحصته فى تركته التى تركها وهى كذا مما يتبين به نصيبه الذى يدعيه ويطلب الحكم له به وكذلك يجب أن يذكر فيها الشخص الذى ينتهى اليه نسب الخصمين ويلاحظ أن دعوى النسب اذا كانت بغير الأبوة والبنوة تتضمن تحميل النسب على غير المدعى عليه فان من يدعى أخوته للمدعى عليه يدعى فى الحقيقة بنوته لأبى المدعى عليه ولأنه غائب أو متوفى كان من الواجب أن تكون ضمن حق واجب على المدعى عليه كالنفقة مثلا حتى يكون خصما عن الغائب فيما يدعى عليه اذ لا يتوصل الى الحق المدعى الا بذلك فاذا أثبت المدعى دعواه حكم له بالنسب والنفقة وأما دعوى الأبوة أو البنوة أو الزوجية حال حياة من يدعى عليه الأبوة أو البنوة أو الزوجية فليس فيها تحميل نسب على غيره ولذلك سمعت مجردة فى هذه الحال (٢) والتفصيل ينظر فى مصطلح «نسب» وذهب الزيدية الى اشتراط العلم بالمدعى به فى الدعوى ومن ذلك وجوب تعيين أعواض العقود نحو أن يدعى عوض بيع أو أجرة أو مهر أو وجوب التعريف بالمدعى به اذا كان عينا بأوصافه المميزة له أو دينا وذلك ببيان قدره وجنسه ووجوب بيان قيمة التالف عند المطالبة بقيمته (٣).

стр. 1127

ويرى المالكية اشتراط العلم بالمدعى به على القول الأصح وذهب المازرى الى عدم اشتراطه فتسمع مع الجهالة بالمدعى به اذا تبين فيها السبب ليؤمر المدعى عليه بالجواب بما هو محقق معلوم كما اذا ذكر فى دعواه أن له حقا فى ذمته هو بقية حساب جرى بينهما ولا علم له بهذه البقية لنسيانها مثلا (١) ويذهب الشافعية الى اشتراط العلم بالمدعى به فاذا ادعى نقدا بين جنسه ونوعه وقدره واذا ادعى عينا تنضبط بوصفها بينها بصفتها واذا ادعى هلاكها ذكر قيمتها واذا أدعى نكاحا لم يكفه الا أن يقول نكحتها بولى مرشدى وشاهدى عدل ومع رضاها اذا كان يشترط لذلك رضاها واذا أدعى عقدا ماليا كفاه الاطلاق فى الأصح (٢). ويذهب الحنابلة الى أن الدعوى لا تصح الا اذا كانت محررة تحريرا يعلم به المدعى لأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعاه المدعى فان اعترف به ألزمه ولا يمكن الالزام بمجهول الا فيما يصح مع الجهالة كموصى به. ومقر به وعوض خلع فتصح الدعوى بذلك مع جهالته لصحته وعليه فاذا ادعى نكاحا فلا بد من ذكر المرأة بعينها ان كانت حاضرة أو ذكر اسمها ونسبها ان كانت غائبة ولا بد عند ذكر شروط النكاح من النص على الولى المرشد وعلى شاهديه واذا ادعى استدامة الزوجية ولم يدع العقد لم يلزم ذكر شروطه واذا ادعى عقدا سوى النكاح وجب ذكر شروطه. وان كان المدعى به عينا أو دينا لم يحتج الى ذكر السبب وما يلزم ذكره فى الدعوى اذا تركه المدعى سأله القاضى عنه (٣). وجاء فى تحرير الأحكام من كتب الشيعة الإمامية أن الدعوى لا تسمع الا محررة فلو ادعى شيئا مجهولا لا تسمع لأن القاضى يسأل المدعى عليه ويلزمه اذا أقر ولا يمكن الالزام بالمجهول وفيه نظر. واذا كانت الدعوى بنقد وجب ذكر الجنس والنوع والقدر وان كانت من العروض المثلية ضبطت بأوصافها دون حاجة الى ذكر القيمة وان لم تكن مثلية وجب ذكر القيمة واذا كان المدعى به تالفا فان كان مثليا ادعى مثله وضبطه بالوصف والا ادعى القيمة وبينها لأنها تجب بتلفه ولو ادعى جرحا له أرش مقدر شرعا صحت وان لم يذكر الأرش فان لم يكن مقدرا وجب ذكره، ولو ادعى شخص دينا على ميت فى وجه ولده لم تسمع حتى يدعى موت أبيه وانه ترك فى يد المدعى عليه ما يفى بالدين واذا لم يكن فيه وفاء الا لبعضه ذكر قدر ذلك واذا جهل المدعى تحرير دعواه فهل للقاضى أن يلقنه ما يحررها فيه نظر. والأقرب الجواز. واذا كان المدعى به غائبا عن المجلس فان كان دينا قدره بالعدد والجنس وان كان عقارا بينه بالحدود وان كان غير ذلك بينه بما

стр. 1128

يتميز به عادة من الصفات المانعة (١) من الاشتراك. الثانى: أن يكون مما يحتمل الثبوت: بأن يكون غير مستحيل عقلا أو عادة أو غير مكذب فيه وألا يكون مخالفا للظاهر، فدعوى شخص صغير السن على آخر كبير بأنه ابنه غير صحيحة وكذلك دعوى شخص على آخر معروف النسب بأنه ابنه غير صحيحة ومثل ذلك فى الحكم كل دعوى يكذبها الظاهر كدعوى رجل معروف بالفقر طيلة حياته أموالا عظيمة على آخر أقرضه اياها دفعة واحدة فمثل هذه الدعوى لا تسمع كما جزم به ابن الفرس فى الفواكه البدرية (٢) وجاء فى البحر أن من شروط سماع الدعوى ألا يكذب المدعى ظاهر الحال وفى الدر على التنوير والتكملة فروع عديدة أسست على ذلك (٣) منها رجل خرج من دار انسان وعلى عنقه متاع وهو معروف ببيع مثله من المتاع فادعى صاحب الدار ذلك المتاع وادعاه الحامل له فهو للحامل له لأنه يعرف به، وفى البحر عن ابن الفرس: رجل ترك الدعوى ثلاثا وثلاثين سنة ولم يكن له مانع من الدعوى ثم ادعى لا تسمع دعواه لأن ترك الدعوى مع التمكن من رفعها يدل على عدم الحق ظاهرا وليس هذا قضاء بسقوط الحق وانما هو قضاء بعدم سماعها كما نص على ذلك فى المبسوط فان مضى الزمن ليس سببا لسقوط الحقوق. وعن الولواجية: رجل تصرف زمانا فى أرض وهناك آخر يرى هذا التصرف ولم يعارض فيه ولم يدع ومات على ذلك لم تسمع بعد ذلك دعوى ولده ملك الأرض ميراثا عنه فتترك فى يد المتصرف لأن الحال شاهد له والحاصل من النقول فى هذا الموضوع أن الدعوى بعد مضى ثلاثين سنة على قول أو ثلاث وثلاثين سنة على قول آخر لا تسمع اذا كان الترك بلا عذر من كون المدعى غائبا أو صبيا أو مجنونا وليس لهما ولى، أو المدعى عليه أميرا جائرا يخاف منه أو المدعى به أرض وقف ليس لها ناظر لأن تركها هذه المدة مع التمكن من الادعاء بها يدل على عدم الحق ظاهرا كما نقلنا عن المبسوط واذا كان هناك من يشاهد ذلك ويطلع عليه ومضت المدة ومات لم تسمع أيضا دعوى ورثته كما فى الخلاصة والولواجية والظاهر أن الموت ليس بقيد وأنه لا تقدير بمدة مع الاطلاع على التصرف كما يدل على ذلك ما ذكر صاحب الكنز والملتقى من أنه اذا باع رجل عقارا أو حيوانا أو ثوبا وابنه أو امرأته أو غيرهما من أقاربه حاضرون يعملون به ثم ادعى أحدهم أنه ملكه لا تسمع دعواه فقد جاء ذلك فى نقلهم مطلقا وجعل السكوت كالايضاح منعا للتزوير والحيل بخلاف الأجنبى فان سكوته ولو كان جارا لا يكون رضا الا اذا سكت الجار وقت البيع والتسليم وتصرف المشترى فيه زرعا أو بناء فعندئذ لا تسمع دعواه على ما عليه الفتوى قطعا للاطماع الفاسدة وقد جعلوا مجرد السكوت عند التصرف بالبيع مانعا من دعوى

стр. 1129

القريب كالزوجة ونحوها الملكية للجميع بلا تقييد بالاطلاع على تصرف المشترى بعد ذلك كما أطلقه صاحب الكنز والملتقى أما دعوى الأجنبى ولو جارا فلا يمنعها مجرد السكوت عند البيع كما هو الحال فى القريب بل لا بد من الاطلاع على التصرف من المشترى ولم عند اقرار المدعى عليه بها، هذا وقد منع المورث يمنع صحة دعوى الوارث لقيامه مقامه كما فى الحاوى للزاهد وما فى الخلاصة والولواجية يدل على أن حدوث البيع غير قيد بالنسبة للأجنبى ولو جارا فى منعه من سماع دعواه الملك بل يكفى فى ذلك مجرد اطلاعه على التصرف وفى فتاوى الغزى: رجل له بيت يسكنه مدة تزيد على ثلاث سنوات وله جار والرجل المذكور يتصرف فى البيت المذكور هدما وبناءا أو عمارة مع اطلاع جاره على تصرفه فى المدة المذكورة فهل مع هذا تسمع دعواه ملك البيت أو بعضه بعد اطلاعه على ما ذكر؟ أجاب بأنها لا تسمع على ما عليه الفتوى فقد أفتى بمنع سماعها من غير القريب بمجرد اطلاعه على التصرف مع عدم سبق بيع وبدون مضى خمس عشرة سنة والمنع من سماع الدعوى فى هذه الأحوال انما يراد به سد باب التزوير ولهذا تسمع الدعوى يقيدوا ذلك بمدة، وما يمنع صحة دعوى ولى الأمر سائر قضاته من سماع دعوى مضى عليها خمس عشرة سنة اذا كان تركها لغير عذر شرعى فى غير الوقف والوراثة مع الانكار ولم يكن هذا المنع لسقوط الحق بالتقادم بدليل أن المدعى عليه لو أقر به فى مجلس القاضى لزمه فلو قال لا أسلم المدعى به لمضى مدة خمس عشرة سنة عليه فى يدى مع عدم دعواه وذلك مانع منها لا يلتفت اليه وينزع المدعى به من يده ولو ادعى أن المدعى عليه أقر بالدعوى فى أثناء هذه المدة والمدعى عليه ينكر ذلك لم تسمع دعواه أيضا لأنه اذا منع من سماع أصل الدعوى لمضى المدة فأولى بالمنع فرعها وهو الاقرار لأن النهى فى جميع الأحوال الا اذا كان الاقرار بها عند القاضى وبهذا يظهر أن ترك الدعوى فى مدة الخمس عشرة سنة يراد بها تركها عند القاضى فان ادعى عند القاضى مرارا فى أثناء المدة الا أن القاضى لم يفصل فيها فان ذلك يقطع المدة وتسمع دعواه ولا يمنع مرور الزمان من سماعها، وخلاصة القول أن المنع من سماع الدعوى لمضى المدة اذا كان ذلك لغير عذر شرعى مع تمكن المدعى من رفعها وانكار الحق والا لم يكن مضى المدة مانعا من سماع الدعوى والمنع من سماع الدعوى فى هذه الحال انما هو للحيلولة دون التزوير، وجاء فى التبصرة لابن فرحون المالكى أنه يشترط فى الدعوى أن تكون مما لا تشهد العادة ولا العرف بكذبها، والدعاوى باعتبار هذا المعنى ثلاثة أنواع: نوع تكذبه العادة ونوع تصدقه ونوع متوسط لا تقضى العادة بصدقه ولا بكذبه فالنوع الأول غير مسموع كدعوى الحاضر الأجنبى ملك دار هى بيد رجل يتصرف فيها بالهدم والبناء والاجارة مع طول الزمن بمحضر منه من غير مانع يمنعه وهو مع ذلك

стр. 1130

لا يعارض ولا يدعى أن له فيها حقا وليس بينهما شركة ثم ادعى أنها له فهذه الدعوى لا تسمع أصلا لأن العرف يكذبها ومن ذلك أن يدعى رجل على آخر أنه ابنه وليس يولد مثله لمثله اما مراعاة للسن واما مراعاة لعدم امكان حدوث التلاقى بين الرجل وأم الولد ومنها دعوى الغصب أو الافساد على رجل صالح لا ينسب اليه ذلك ولا يعرف بين الناس الا بالصلاح ومنها كل ادعاء لا يليق بأهل الدين والصلاح (١) وأما النوعان الآخران فالدعوى فيهما مقبولة. وجاء فى نهاية المحتاج فى الفقه الشافعى ومن شروط الدعوى ألا تنافيها دعوى أخرى ومن ذلك ألا يكذب المدعى أصل له فلو ثبت باقرار رجل أنه من سلالة العباس ابن عبد المطلب فادعى فرعه أنه من سلالة الحسين بن على لم تسمع دعواه ولا بينته (٢). وجاء فى كشاف القناع فى الفقه الحنبلى أنه يشترط فى الدعوى أن تنفك عما يكذبها فلو ادعى على شخص أنه قتل أو سرق منذ عشرين سنة وهو أقل من ذلك سنا لم تسمع ومن ذلك ما لو ادعى أن الأمير قد اشترى منه حزمة بقل وحملها بيده لم تسلع ولو ادعى أن المدعى عليه قتل أباه أو ابنه منفردا ثم ادعى على آخر المشاركة معه فى ذلك لم تسمع الدعوى الثانية الا أن يقول المدعى غلطت أو كذبت فى الدعوى الأولى فتقبل دعواه الثانية ومن أقر لزيد بشئ من دار أو كتاب ونحوه ثم ادعاه لنفسه لم تسمع الا أن يدعى أنه قد تلقى الملك منه (٣). الثالث: أن يكون المدعى به ملزما للخصم بعد ثبوته فلا تسمع دعوى التوكيل على موكله الحاضر اذ يستطيع عزله وكذلك لا تسمع دعوى الهبة على الواهب مع مطالبته بتسليم الموهوب له عند الحنفية والشافعية والحنابلة لأن الهبة لا تلزم الواهب قبل الاقباض وله ألا يمضى فيها خلافا لمالك لذهابه الى الزام الواهب بها قبل القبض وانما لا تسمع دعوى الوكالة اذا كانت وكالة مجردة فى وجه موكل حاضر ولكن اذا جعلت سببا للمطالبة بحق وكان الموكل غائبا كأن جعلت أساسا للمطالبة باقتضاء دين وقبضه لموكل غائب على مدين حاضر فانها تسمع لالزامها المدين بالوفاء ومثل ذلك فى الحكم ما لو جعلت سببا لنفاذ عقد على موكل غائب ادعى أن العقد قد تم بناء على وكالة وهكذا (٤). الرابع: ألا يكون شيئا تافها حقيرا ليس مما يتشاح فيه العقلاء كنواة تمر وحبة بر وما قيمته أقل من فلس لخروج ذلك عن أن يكون حقا متمولا والدعوى لا تكون الا بحق يستوجب مشاحة الناس وخصومتهم فيه كما يدل على ذلك تعريفها (٥). وذهب الحنابلة الى أن الدعوى تسمع

стр. 1131

وتصح بالكثير وبالقليل ولو لم تتبعه الهمة (١). الشروط التى ترجع الى الدعوى هى ما يأتى ١ - أن تكون بعبارة تفيد الجزم واليقين بأن ما يدعى حق للمدعى فلو أفادت الظن أو الشك لم تسمع وذلك كأن يقول أظن أن الحق لى لا للمدعى عليه وليس لها عبارة خاصة تتحقق بها بل تصح بكل ما يفيد جزم المدعى بحقه فيما يدعيه (٢). ٢ - وأن تكون بلسان المدعى أو نائبه ويرى الامام أنها لا تقبل بلسان وكيل المدعى الا اذا كان للمدعى عذر يمنعه من الخصومة فاذا لم يكن له عذر لم تصح بلسان وكيل الا برضا المدعى عليه ولا يترتب عليها لذلك وجوب الجواب على المدعى عليه وذهب الصاحبان الى أنه لا يشترط لصحة الدعوى هذا الشرط بل للمدعى أن يوكل من يشاء فى الخصومة عنه رضى به المدعى عليه أم لا وهذا ما عليه العمل الآن (٣) «هندية وخانية» وذهب الحنابلة الى أن الدعوى لا تسمع من ورقة الا اذا تلاها (٤). ٣ - أن تكون على خصم حاضر لأن الدعوى وسيلة الى القضاء بالمدعى به وقطع الخصومة والنزاع بين الخصمين ولا يقضى على غائب لقوله ﷺ لعلى «لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر» واذا كان القضاء على الغائب غير جائز كان الادعاء عليه كذلك غير جائز لأنه حينئذ يكون عبثا والى ذلك فان سماع الدعوى فى غيبته لا يمكنه من الدفاع عن نفسه وقد يكون عنده من الأدلة ما يدفع به عن نفسه هذه الخصومة. راجع مصطلح قضاء فى القضاء على الغائب، واذا منع القضاء على الغائب منع الادعاء عليه والمراد اشتراط حضوره اما بنفسه واما بمن يمثله وينوب عنه شرعا وكذلك لا تصح الدعوى ولا تسمع على غير خصم وليس كل انسان صالحا لأن يكون خصما فيما قد يدعى عليه به وبخاصة اذا لو حظ أن من المسائل ما يبدو فيها اتجاه الخصومة الى شخص معين بناء على يده الظاهرة فى حين أن يده هذه لا تتحقق معها خصومته لأنها يد نائبة أريد بها الحفظ فلا ترتفع بها يد الملك التى تتحقق بها الخصومة ولهذا كان هذا الموضوع محل عناية الفقهاء فى وضع الأصول التى تتحقق بها الخصومة وقد جاء فى الأنقروية نقلا عن أدب القاضى للخصاف أن هذا الباب مبنى على أصلين: الأول: أن من ادعى على انسان شيئا فان كان المدعى عليه بحيث لو أقر بما ادعى عليه به صح اقراره فانه يكون خصما بانكاره فتسمع الدعوى عليه فى مواجهته وان كان لا يترتب على اقراره حكم لم يكن خصما بانكاره وقد استثنى من هذا الأصل الولى والوصى والمتولى على الوقف فى الدعاوى المتعلقة بمال الصغير ومال الوقف اذا لم تكن الدعوى بعقد صادر منهم فاذا ادعى شخص فى مال صغير أو وقف أنه له وقال هو مالى

стр. 1132

فانه لا يترتب على اقرار الولى أو الوصى أو ناظر الوقف حكم لأن الاقرار قاصر على المقر أما اذا كانت الدعوى متعلقة بعقد صادر من أحدهم فى ذلك المال كما لو باع وصى الصغير ماله بمسوغ شرعى وأقام المشترى دعواه بذلك على الوصى يطالبه فيها بتسليم المبيع كان الوصى فى هذه الحال خصما وسمعت هذه الدعوى عليه لأن اقراره فيها اقرار بفعل نفسه فيكون معتبرا ويؤخذ به، ومما يتفرع على هذا الأصل أيضا أنه لو ادعى شخص على آخر ان رسوله فلانا أخذ منه كذا شراء لأجله فطالبه بثمنه كان المرسل خصما اذا أنكر لأنه لو أقر بذلك كان مجبرا على دفع ثمن المبيع. الثانى: ان من ادعى مالا أو حقا على غائب فى مواجهة شخص حاضر فان الحاضر ينتصب خصما فى هذه الدعوى على الغائب اذا كان ما ادعى عليه به حقا لا يتوصل اليه الا باثبات ذلك على الغائب ويكون القضاء فى هذه الحال على الحاضر قضاء على الغائب ومما يتفرع على هذا أنه لو ادعى شخص دارا فى يد آخر وبرهن أنه اشتراها من فلان الغائب فان الحاضر ينتصب خصما فى هذه الدعوى على الغائب ويكون القضاء عليه قضاء على الغائب حتى لو حضر الغائب وأنكر البيع لم يقبل منه ذلك لأن البينة قد أثبتت شراء المدعى من المالك الغائب وثبوت الملكية نتيجة لازمة لثبوت الشراء فاذا قضى القاضى بالملكية ثبت الشراء بالضرورة واذا ادعى زيد على بكر أن يرد اليه ما وهبه اياه فامتنع بكر بناء على أن المدعى أخ شقيق له وأن القرابة مع المحرمية تمنع الرد فى الهبة فأنكر المدعى الواهب ذلك كان خصما فى هذا الدفع واذا ثبت بالبينة امتنع الرد وثبتت بنوة المدعى من أبى المدعى عليه مع أنه غائب وذلك لأن دعوى المدعى عليه بالدفع لا يتوصل الى اثباتها الا باثبات نسبه من ذلك الغائب ومثل هذا ما لو كانت الدعوى بنفقة بناء على أن المدعى عليه أخوه أو نحو ذلك فان القضاء على المدعى عليه الحاضر بالنفقة لا يتوصل اليه الا باثبات النسب فاذا أثبت المدعى دعواه بالبينة ثبت النسب من الغائب وحكم على الحاضر بالنفقة بخلاف ما اذا ثبت النسب باقرار المدعى عليه أو بنكوله عن اليمين اذ أن الحق يثبت فى هذه الحال ويقضى به على الخصم الحاضر فيلزمه الانفاق ولكن النسب لا يثبت الا ذا كان الثبوت بالبينة لأنها حجة متعدية بخلاف الاقرار، ومما يتصل بهذا الموضوع دعوى الوراثة فاذا ادعى شخص وراثة متوف بسبب الأبوة أو البنوة أو الأخوة، فلن تسمع منه دعواه، ويكون له حق الخصومة فيها الا اذا كان سبب ذلك سبيلا الى المطالبة بحق تستتبعه الوراثة المدعاة كأن يطالب بنفقته أو بحصته فى التركة أو نحو ذلك فاذا كانت المطالبة بميراث وجب بيان التركة وجميع الورثة ومقدار النصيب المستحق المطلوب ويكون الخصم المدعى عليه فيها أحد خمسة: الوارث والوصى والموصى له ودائنى الميت ومدينه وكذا مودعه وغاصبه فاذا كانت على وارث أو على وصى التركة ذكر أن التركة فى يده وأنه ممتنع عن اعطائه حصته فيها وان كانت على موصى له ذكر أنه قد وضع يده على أكثر مما يجوز الايصاء به

стр. 1133

له وان كانت على دائن الميت ذكر أن بيده رهنا بالدين يأبى أن يسلمه بعد وفاء الدين اليه وان كانت على مدينه ذكر أنه طولب بالوفاء فأبى أن يؤدى اليه الرهن وكذلك مما يتصل بهذا الموضوع أيضا قيام أحد الورثة فى الادعاء سواء أكان مدعيا أو مدعى عليه مقام سائر الورثة، فينتصب خصما عنهم اذا ادعى حقا للمتوفى أو اذا ادعى عليه حق فى التركة ويكون القضاء فى الحالين قضاء للمتوفى أو عليه ومن ثم يتعدى الى الورثة جميعا متى كان القضاء قد بنى على حجة متعدية وأساس ذلك خلافة الوارث عن مورثه فيما يدعى عليه فى تركته أو فيما يدعى له، والخلافة ضرب من النيابة عنه ومن ثم يتجاوزه القضاء له أو عليه الى جميع ورثته باعتبارهم خلفائه، وجملة القول فى ذلك أن الدعوى اذا كانت بحق للميت على أحد وحكم به يكون المحكوم له فى الحقيقة هو الميت وان كانت بحق على الميت للمدعى وحكم عليه به يكون المحكوم عليه فى الحقيقة هو المتوفى ويتعدى ذلك الى ورثته بحكم ثبوته فى ماله وعلى هذا الأساس انتصب أحد الورثة خصما عن سائرهم فيما يدعى للميت وعليه، غير أن هذا المبدأ ليس على عمومه واطلاقه بل هو مقيد بقيود ترجع الى طريقة الاثبات والى تحقق الخصومة بالنسبة لطرفى الدعوى، فبالنظر الى المدعى يجب أن يدعى بصفته وارثا تلقى الحق بالوراثة عن المتوفى وأن يطلب الحكم بالمدعى به للمتوفى أو لورثته الذين يجب عليه بيانهم وحصرهم وبالنسبة للمدعى عليه يجب أن يكون صاحب يد اذا كانت الدعوى دعوى عين وأن تكون ذمته مشغولة بحق للمتوفى اذا كانت الدعوى دعوى دين، ومن هذا يرى أن هذا النوع على ضربين: الأول: أن تكون الدعوى للمتوفى على غيره والخصم فى القيام بها هو وصيه أو وارثه فكلاهما خصم لمن فى يده عين من التركة أو فى ذمته حق لها فاذا كان المدعى هو الوصى وقضى له بما يدعى فان له أن يتسلمه اذا كان الورثة صغارا أو كبارا غائبين وان كان أحد الورثة لم يعط الا حصته من المدعى به دينا كان أم عينا غير أنه اذا كانت العين عقارا ترك نصيب غير المدعى فى يد المدعى عليه وتكون يده عليه يد ضمان عند أبى حنيفة وذهب صاحباه الى أنه يؤخذ منه فيوضع تحت يد أمين حتى يحضر سائر الورثة أصحابه وان كانت منقولا أخذ نصيب غير المدعى من المدعى عليه اتفاقا على الأصح ووضع تحت يد عدل لأن المنقول يمكن اخفاؤه بخلاف العقار. الثانى: أن تكون الدعوى على الميت ويندرج فى هذا دعوى الوراثة بكل أسبابها والخصم فيها هو الوصى أو أحد الورثة وان لم يكن فى يده شئ من التركة ولا يكون الحكم فيها حكما على الميت الا اذا كان القضاء فيها قد بنى على حجة متعدية أما اذا بنى على اقرار فان القضاء يقتصر على الوارث المدعى عليه فقط وفى هذه الحال اذا كان القضاء بدين ألزم به بقدر حصته وهذا هو اختيار الفقيه أبى الليث ويقابله ما عليه المتون وهو أن أحد الورثة اذا أقر بالدين وحده لزمه الدين كله اذا أوفت حصته به اذ لا ميراث له

стр. 1134

الا بعد وفاء الدين أما اذا كانت الدعوى بعين لم يقتسمها الورثة فان الخصم فيها هو ذو اليد لا غيره وان كانت بعد قسمة العين واستيلاء كل وارث على حصته فان أى وارث لا يكون خصما الا بالنسبة لما تحت يده منها كثيرا كان أم قليلا. ويلاحظ أن المدعى به اما أن يكون عينا أو دينا أو فعلا أو نسبا أو حقا آخر كملك عصمة بسبب الطلاق أو حرمة بسبب الرضاع. والدعوى عندئذ اما أن تكون دعوى استحقاق أو منع تعرض. والضابط العام لبيان الخصم فى هذه المسائل هو أن الدعوى اذا كانت باستحقاق شئ فالخصومة تكون من شغلت ذمته بالحق أو من حال بينك وبين الوصول بدعواه أنه ليس لك وأنه فى يده وتصرفه وان كانت الدعوى بفعل فالخصومة فيها تكون مع الفاعل وان كانت دعوى نسب فالخصم فيها هو من يثبت منه هذا النسب مباشرة دون توسط غيره الا اذا جاء النسب ضمنا فى ادعاء حق بنى عليه فان الخصم حينئذ هو من يطلب منه هذا الحق وان كانت دعوى منع تعرض فالخصم فيها هو المعترض، وعلى ذلك فالخصم فى دعوى العين هو ذو اليد وهو الذى وضع يده عليها فعلا وتصرف فيها تصرف الملاك فذو اليد فى الدار ساكنها لا من بيده مفتاحها وذو اليد فى دعاوى الأمانات هو المالك المتصرف لا من كانت يده يد حفظ اذ لا شأن لصاحبها فيما يدعى به وانما الشأن لمن يزعم أن الملك له وذلك لأن المدعى يدعى استحقاق العين وذو اليد يعارضه ويحول بينه وبينها زاعما أنها له ومنكرا أنها للمدعى فاذا غصب زيد مال بكر ثم باعه فان كان بكر يريد استرداد ماله المغصوب منه بعينه فخصمه هو خالد لأن المال فى يده وان كان يطالب بالقيمة فخصمه هو زيد لأنه المعتدى على ماله. واذا ظهر مستحق لعين مشتراة فى يد مشتريها فخصمه هو المشترى ولا يشترط حضور بائعها ولو كان البيع فاسدا بخلاف ما اذا كان باطلا لبقاء ملكه وان كانت فى يد بائعها كان الخصم كليهما مجتمعين لأن المشترى مالك والبائع ذو يد ويريد المستحق استرداد المبيع وذلك يستلزم ابطال ملك المشترى ورفع يد البائع فوجب حضورهما للقضاء عليهما واذا كان المال المدعى استحقاقه مودعا أو مستعارا أو مستأجرا أو مرهونا اشترط فى الخصومة حضور المودع والوديع والمعير والمستعير والآجر والمستأجر والراهن والمرتهن لأن الملك للمودع والمعير والمستعير والآجر والراهن واليد للباقين فيلزم حضورهم جميعا لأن القضاء سيكون للمستحق بالملكية والتسليم وذلك ما يمس وصفهم جميعا وبناء على ذلك يكون الخصم فى دعوى العين اذا تضمنت الدعوى ادعاء فعل هو من ادعى عليه الفعل سواء أكان واضعا يده على العين أم ليس واضعا يده عليها متى كانت الدعوى لا تتضمن المطالبة بالتسليم وانما تضمنت ما استوجبه الفعل شرعا من حق للمدعى أما ان تضمنت طلب التسليم كان الخصم فيها واضع اليد وفى هذه الحال اذا كان الملك لغير واضع اليد فيما يظهر وجب حضور المالك لأن القضاء للمدعى بالتسليم يمس حق من يزعم أنه المالك ولذا كان من الواجب حضور مالك العين فى الادعاء بها على المستأجر والوديع والمرتهن كما تقدم وكذلك فى الادعاء بها على بائعها بيعا

стр. 1135

صحيحا قبل تسليمها الى المشترى وذلك بخلاف ما اذا كان البيع فاسدا وهذا كله بالنظر الى المدعى عليه أما بالنظر الى المدعى فان الذى يكون له حق المخاصمة فى العين هو من له حق حيازتها ووضع اليد عليها سواء أكان له مع ذلك ملك عينها أم لا ولذا لو أجر انسان داره لآخر ثم غصبت من المستأجر لم يكن للمالك أن يخاصم الغاصب وحده بل لا بد من حضور المستأجر وكان للمستأجر أن يخاصم الغاصب وحده دون حضور المالك لأن حق الحيازة له (١). ويشترط الزيدية لتوجه الخصومة على المدعى عليه ثبوت يده على الحق حقيقة كثبوت يده على الأعيان كالدار والثوب أو حكما كما فى دعوى عين فى يد المدعى عليه بغصب مثلا ولا يكفى فى ثبوت اليد عندهم اقرار المدعى عليه بأن المدعى فى يده بل لا بد من قيام البينة على ذلك أو حكم الحاكم به الا أن يقر بأن يده عليها باعارة أو غصب أو رهن وحاصل الكلام فى هذه المسألة أن المدعى اذا ذكر السبب فى دعواه فقال ان المدعى عليه غصبه منى أو أعرته اياه أو أجرته اياه فانه يحكم على المدعى عليه عند الاثبات بوجوب الرد والاثبات يكون باقامة البينة من المدعى أو باقرار المدعى عليه وفى هذه الحال لا يحكم للمدعى بالملك وانما يحكم له برد العين اليه فقط وان لم يذكر السبب فان أثبت اليد بالبينة أو علم الحاكم بها حكم الحاكم حكما ناجزا وان ثبت ذلك باقرار المدعى عليه أو بنكوله أو برده اليمين الى المدعى حكم الحاكم برد العين حكما مشروطا بأن يكون المدعى به فى يد المدعى عليه (٢). انتصاب الحاضر خصما عن الغائب انتصاب الحاضر خصما عن الغائب ليس مقصورا على ما أشرنا اليه آنفا عند الحنفية بل يكون فى كل موضع يكون فيه بين الحاضر والغائب اتصال فى الحق المدعى به ومن ذلك المواضع الآتية: أ) كل حق ثبت لكل من الحاضر والغائب على الكمال لعدم قبوله التجزئة وتحقق سببه فى كل منهما ومن أمثلة ذلك انتصاب أحد الغرماء خصما عن سائرهم فى ثبوت اعسار المدين فلا يحبس بعد ثبوت اعساره لواحد منهم ولا يكلف اعادة اقامة البينة. ب) فى كل دين أو حق اشترك فيه الحاضر والغائب بسبب واحد كما اذا ادعى شخص أنه وفلان الغائب اشتريا هذه الدار من المدعى عليه صفقة واحدة ونقداه ثمنها وهى تحت يده وأنه ينكر ذلك فان المدعى الحاضر فى هذه الحال ينتصب خصما عن الغائب حتى كان الحكم فيها حكما لهما جميعا عند الصاحبين غير أن نصيب الغائب فيها لا يسلم الى الحاضر بل يودع عند ثقة الى أن يحضر وذلك خلافا للامام. ح) فى كل موضع يكون ما يدعى على الغائب فيه سببا لما يدعى على الحاضر لا محالة كادعاء نفقة واجبة على المدعى عليه بسبب

стр. 1136

القرابة مثلا فان الحاضر ينتصب خصما عمن تضمنت الدعوى الانتساب اليه وكادعاء عين بسبب الشراء من غائب باعها وهو يملكها فان الحكم للمدعى فى هذه الدعوى بعد اثباتها يعد حكما بالبيع له على الغائب والأمثلة من هذا النوع كثيرة. أما اذا كان ما يدعى على الغائب ليس سببا لما يدعى على الحاضر وانما هو شرط له ففى جواز انتصاب الحاضر خصما عن الغائب ثلاثة آراء: ١ - أنه لا ينتصب خصما عنه كما اذا ادعت على زوجها بينونتها منه لأنه علق طلاقها البائن على شراء أخيها دار فلان وقد اشتراها فعلا. ٢ - أن ينتصب الحاضر عن الغائب كما هو الحكم فى السبب اذ أن الحكم يتوقف ثبوته عليهما. ٣ - أن لا ينتصب الحاضر عن الغائب فى ذلك اذا كان الغائب يمسه ضرر من الحكم بالمدعى به، أما اذا لم يمسه ضرر فانه ينتصب خصما حرصا على ضيانة الحق لصاحبه مع عدم الاضرار بالغائب. ء) فى الادعاء على المتوفى وفى الدعوى له اذا ما قام بذلك أحد الورثة أو ادعى عليه بذلك وقد تقدم بيان هذا (١). ٤ - أن تتضمن مطالبة المدعى عليه بالحق المدعى به سواء أكان عينا أم دينا فاذا لم تتضمن ذلك لم تصح وقيل انه يستغنى عن ذلك بدلالة الحال وهذا هو الصحيح وقد التزم أصحاب المتون ذكر هذا الشرط دون أصحاب الفتاوى (٢). ٥ - أن تتضمن طلب سؤال المدعى عليه عنها: جاء فى التنوير والدر والتكملة: ويسأل القاضى المدعى عليه عن الدعوى بطلب المدعى وقيل اذا كان المدعى جاهلا سأل القاضى المدعى عليه عنها بلا طلب المدعى وجاء فى معين الحكام عن شرح التجريد: فان كانت الدعوى صحيحة لا يسأل المدعى عليه عن جوابها فى القياس حتى يطلب المدعى ذلك لكيلا يكون اثارة للخصومة، وفى الاستحسان يسأل بدون طلب لاحتمال أن هيبة المجلس تمنعه، والظاهر عدم اشتراط ذلك لقيام دلالة الحال على طلب السؤال (٣). ٦ - أن تتضمن الدعوى بيان أن المدعى عليه غير محق فى نزاعه ومعارضته وأن المدعى به اذا كان عينا فى يد المدعى عليه بغير حق ويلاحظ أن المدعى به اذا كان عقارا لم تكن مصادقة المدعى عليه على وضع اليد كافية فى اثبات أنه خصم بل يجب لذلك قيام البينة وهذا خاص بدعوى ملكية العقار ملكا مطلقا أما اذا ادعاه بسبب كالشراء ونحوه لم يحتج الى اثبات ذلك بالبينة بل تكفى المصادقة (٤). ٧ - عدم التناقض (٥) والتناقض أن يسبق كلام من المدعى أو فعل معارض لدعواه كأن يقول هذه الدار وقف على مسجد

стр. 1137

كذا ثم يدعى بعد ذلك ملكيتها لنفسه ورثها عن أبيه أو ملكيتها لغيره. ويشترط لتحققه أن يكون الكلامان المتناقضان قد حصلا فى مجلس القضاء ولو فى زمانين مختلفين سواء أكانا بحضرة قاض واحد أم أكثر أو أن يكون ثانيهما قد حصل فى مجلس القاضى والأول فى غير مجلسه ولكن شهدت به الشهود أمام قاض كما لو أقر بأنه لا حق له قبل زيد ثم ادعى عليه حقا بتاريخ سابق على الابراء ففى هذه الحال يكون لزيد أن يدفع دعواه قبل المقر بابرائه السابق وأن يكون الكلام الأول مثبتا حقا لشخص معين فان لم يكن كذلك لم يكن هناك تناقض معتبر مانع من الادعاء وذلك كأن يقول المدعى لا حق لى على أحد من أهل القاهرة ثم يدعى بعد ذلك حقا على أحدهم أو أن يقول ذو اليد فيما هو تحت يده وليس هذا ملكا لى ولا منازع له فيه حين قال ذلك ثم ادعاه عليه مدع فقال هو ملكى فمثل هذا التناقض لا يمنع من سماع الدعوى لأن قوله ليس ملكى لم يثبت لأحد حقا لأن الاقرار لمجهول باطل. أما لو كان لذى اليد منازع يدعيه حين قال ذلك ثم قال بعد ذلك هو ملكى كان تناقضا مانعا من سماع الدعوى لأن اقراره هذا فى هذه الحال يعد اقرارا بالملك للمنازع على رواية الجامع الصغير أما على رواية الأصل فلا يعد اقرارا له بالملك وعلى ذلك فلا يكون فى المسألة تناقض مانع من سماع الدعوى. واذا وجد التناقض بين الدعوى وبين ما سبقها من قول أو فعل منع من صحتها وسماعها الا اذا كان الموضع موضع خفاء أو وجد ما يرفعه وعلى ذلك اذا أراد أن يشترى عينا ثم ادعى بعد ذلك أنها ملكه من قبل المساومة لم تسمع دعواه الملك للتناقض لأن طلبه الشراء اقرار منه ضمنا بأن العين ليست ملكا له. ولكن اذا ادعى ملكيتها بسبب بعد المساومة لم يكن ذلك تناقضا لامكان التوفيق بين الأمرين وهذا الامكان يكفى لرفع التناقض فى أحد قولين. واذا ادعى شخص على آخر دينا فطلب منه امهاله فى الاداء حتى اذا حل الاجل زعم أنه لم يكن مدينا لم يقبل منه ذلك للتناقض. واذا طلب شخص آخر بالنفقة زاعما أنه أخوه مثلا فقال المدعى عليه لست بأخى ثم مات المدعى عن تركة فجاء المدعى عليه مدعيا يطلب ميراثه منها لم تسمع دعواه للتناقض. ولكن اذا كانت المسألة بحالها وأسس طالب النفقة دعواه على أنه أب أو ابن للمدعى عليه قبلت دعوى الارث مع سبق انكاره الأبوة أو البنوة ولعل الفرق بين المسألتين فى الحكم أن النسب مما يخفى فيغتفر فيه التناقض وأن ادعاء الأبوة والبنوة لا يشترط فى سماعه أن يكون ضمن حق بل يقبل مجردا. والتناقض فى الدعوى كما يمنع سماعها بالنسبة الى المدعى يمنع صحتها كذلك. وسماعها من المتناقض بالنسبة الى غيره اذا

стр. 1138

ادعاها له بطريق الوكالة أو الوصاية فاذا صدر منه اقرار بأن هذه الدار لفلان وليست ملكا له ثم ادعى ملكيتها لنفسه أو لموكله وهو شخص آخر بتاريخ سابق على الاقرار لم تسمع دعواه فى الحالين للتناقض (١) وكما يتحقق التناقض فى كلام شخص واحد يتحقق أيضا فى كلام شخصين فى حكم شخص واحد كالوكيل والموكل والوارث والمورث فلا تسمع دعوى الوارث فى شئ لا تسمع فيه دعوى المورث لو كان حيا ولا تسمع دعوى الوكيل فى شئ لا تسمع فيه دعوى موكله. ما يغتفر فيه التناقض يغتفر التناقض اذا كان فيما يظهر فيه معذرة المدعى وكان فى محل خفاء ومن أمثلة ذلك ما اذا ادعت امرأة أنها زوجة زيد وأنها باقية على عصمته الى الآن وطالبته بالنفقة ثم ادعت عليه الطلاق البائن بتاريخ سابق على دعوى النفقة فمثل هذا التناقض مغتفر لأن الطلاق مما ينفرد به الزوج ولا يشترط لوقوعه علم الزوجة واذا بلغ القاصر فأبرأ وصية من كل حق ودعوى ثم ادعى عليه شيئا بعد ذلك قال انه لم يكن يعلمه قبلت دعواه لأن الوارث لا يحيط علما قبل ما يتركه مورثه فيعذر فى ابرائه السابق وكذلك إذا أقر الوصى أنه استوفى جميع ما كان للمتوفى على الناس ثم ادعى على رجل دينا للمتوفى سمعت دعواه اذ الوصى لا يحيط بكل دين للمتوفى ولأن هذا الاقرار لم يترتب عليه ثبوت حق لأحد. وكذلك الحكم اذا صدر مثل هذا الاقرار من الوارث ثم ادعى دينا لمورثه على أحد من الناس وكذلك اذا قال شخص لمجهول النسب ليس هذا ابنى ثم ادعى أنه ابنه قبلت دعواه لكون النسب مما يخفى والفروع فى هذا كثيرة. وجاء فى جامع الفصولين أن التناقض كما يمنع الدعوى لمن تناقض مع نفسه يمنعه من الدعوى لغيره فمن أقر بعين لغيره لم يملك أن يدعيها لنفسه ولا أن يدعيها لغير من أقر له بوكالة أو وصاية ولكن لو ادعاها لنفسه ثم ادعاها لغيره بوكالة تسمع اذ لا منافاة بين الدعويين اذأن وكيل الخصومة قد يضيف الملك الى نفسه على معنى أنه له حق المطالبة ولكن لو ادعاه لغيره بوكالة ثم ادعاه لنفسه لا تسمع لأنه لا يضيف ملكه الى غيره عند الخصومة ولو أن عينا بيد رجل وهو يقول ليست لى حين يدعيها آخر يكون ذلك اقرارا بالملك له حتى لو ادعاها لنفسه لا تقبل. والحاصل أن قول ذى اليد ليس هذا لى عند وجود المنازع اقرار بالملك له فى رواية وفى رواية لا وعند عدم المنازع لا يصح هذا الاقرار حتى لو ادعاه أحد فقال ذو اليد هو لى صحت دعوى ذى اليد (٢) وجاء فيه أيضا: ادعى ارثا وقال لا وارث لمورثى غيرى ثم ادعى أن معه وارثا آخر تسمع دعواه اذ التناقض على نفسه لا وارث لمورثى غيرى ثم ادعى أن معه وارثا المال لنفسه ثم ادعى بعضه فقد ادعى أنقص من الأول فتسمع ولو قال أنا وارث فلان

стр. 1139

لا يصح ما لم يبين جهة ارثه ولو قال أنا لست بوارث له ثم ادعى ارثه وبين الجهة يصح اذ التناقض فى النسب لا يمنع صحة الدعوى فلو قال ليس هذا الولد منى ثم قال هو منى صح، لأن التناقض لا يمنع فى النسب لو قال هذا الولد منى لم يقبل منه بعد ذلك أنه ليس منه لأن النسب اذا ثبت لا ينتفى بنفيه وهذا اذا صدقه الابن وكان من أهل التصديق، أما اذا لم يصدقه فلا يثبت النسب وجاء فى الخانية أن اليتيم لو أشهد على نفسه بعد البلوغ أنه قبض من الوصى جميع تركة والده ولم يبق له من تركة والده عنده قليل ولا كثير وكذا الوارث اذا أقر أنه استوفى جميع ما ترك والده من الدين على الناس ثم ادعى لأبيه دينا على رجل تسمع دعواه لأن هذا مما يغتفر فيه التناقض اذ أنه محل خفاء فان الوارث لا يحيط علمه بما ترك والده ويلاحظ أن قولهم أن التناقض فى النسب مغتفر محله ما اذا كان النسب هو المقصود أما اذا كانت الدعوى دعوى مال جعل النسب وسيلة اليها بأن جعل طريقا الى وارثة من غير الأصل فان التناقض فيه لا يغتفر. ما يرتفع به التناقض يرتفع التناقض بواحد من أربعة. ١ - قول المتناقض تركت كلامى الأول. ٢ - تصديق الخصم. ٣ - تكذيب الحاكم. ٤ - التوفيق. ١ - قول المتناقض: فأما قول المتناقض تركت كلامى فقد جاء فى الدر المختار: والتناقض يرتفع بقول المتناقض تركت كلامى الأول وأدعى بكذا الخ .. وجاء فى التكملة تعليقا على هذا بأن ذلك يقتضى ألا يكون هناك تناقض أصلا لأن كل متناقض يمكنه أن يقول ذلك ثم قال والظاهر أن هذا قاصر على ما اذا ادعى الشئ ملكا مطلقا ثم ادعاه بسبب فاذا قال ذلك قبل قوله أما لو قال هذا ملك المدعى عليه ثم قال بل ملكى وتركت الأول وأدعى بالثانى فلا قائل بسماع دعواه حينئذ ويرشد الى ذلك قوله تركت الأول لأن الأول لو لم يكن حقا خالصا له لم يجز له أن يتركه لأن الانسان لا يملك الا ترك ما يملكه، ثم نقل عن البزازية عن الذخيرة: ادعاه ملكا مطلقا فدفعه المدعى عليه بأنك كنت ادعيته قبل هذا ملكا مقيدا وبرهنت عليه فقال المدعى أدعيه بذلك السبب الآن وتركت المطلق يقبل ويبطل الدفع وأساس هذا أن الملك المطلق أزيد من الملك المقيد بثبوت الملك المطلق من الأصل وثبوت المقيد من وقت وجود السبب ولذا كانت زوائد الشئ المملوك ملكا مطلقا لمدعيه من غير بداية ولا تكون لمدعى الملك بسبب الا من وقت السبب ومن هذا يتضح أن العدول عن دعوى الملك المطلق الى الملك بسبب تنازل عن بعض ما يدعيه ولذا يقبل منه ذلك كالذى يدعى على آخر مائة دينار ثم يترك ذلك الى ادعاء بتسعين دينار. ولذا جاء فى البحر نقلا عن البزازية: وصف المدعى مدعاه فلما حضر خالف فى البعض فاذا ترك الدعوى الأولى وادعى ما هو حاصل سمعت دعواه لأنها دعوى مبتدأة والا فلا. ومقتضى ما ذكر أنه اذا ترتب على تركه الكلام الأول

стр. 1140

تفويت حق للغير أو لم يكن له حق تركه أو التنازل عنه لم يقبل منه ذلك والا قبل. ٢ - تصديق الخصم: اذا ادعى شخص على آخر ألف دينار بسبب القرض ثم ادعاه عليه بسبب الكفالة فصدقه المدعى عليه ارتفع التناقض وذلك لأن الدعوى الثانية انما امتنع سماعها بسبب تمسك المدعى بالدعوى الأولى التى تناقضها فهو يدفع الثانية بالأولى فاذا وافق المدعى عليه على الدعوى الثانية فقد ترك المدعى التمسك بالدعوى الأولى التى تناقضها ومتى زال المانع عاد الممنوع فتسمع الدعوى الثانية. ومن أمثلة ذلك اذا باع دارا بألف وكتب فى الصك أنه قبض كل الثمن ثم ادعى على المشترى أنه أقر ببقاء نصف الثمن عليه وأقام بينة على ذلك تسمع وذلك لأنه لما ادعى اقرار المشترى بذلك فقد ادعى تصديق الخصم فيما ادعاه وأثبت الاقرار بالبينة والثابت بالبينة خارج مجلس القضاء مثل الثابت عيانا بحضرة القاضى ولو عاين القاضى اقرار المشترى ببقاء شئ من الثمن فى ذمته تسمع دعوى البائع ولا يكون التناقض مانعا لارتفاعه بتصديق الخصم. ٣ - تكذيب الحاكم: اذا اشترى زيد من بكر دارا فادعى تلك الدار عمرو فقال لزيد أن هذه الدار كانت ملك بكر وانما اشتريتها منه فأثبت عمرو مدعاه بالبينة وحكم له القاضى بتلك الدار ونزعت من يد زيد فلزيد الحق فى أن يرجع على بكر بالثمن وليس لبكر أن يدفع عن نفسه هذا الطلب باقرار زيد له بالملك لأن هذا الاقرار قد كذب بحكم الحاكم فارتفع التناقض بين اقراره بالملك لبكر ومطالبته اياه بالثمن ومن ذلك ما لو استحق المبيع من يد المشترى فأراد الرجوع على بائعه فادعى البائع أنه نتج فى ملكه وعجز عن اثبات ذلك وأخذ منه الثمن فللبائع الرجوع على بائعه ولا يمنعه من ذلك دعواه النتاج لأنه لما حكم عليه التحقت دعواه النتاج بالعدم. ٤ - التوفيق: هو أن يوفق المدعى بين الكلامين ليصير كل منهما صحيحا وقد ذهب بعض الحنفية الى أنه يكفى لرفع التناقض امكان التوفيق بين الكلامين المتخالفين وان لم يوفق المدعى بينهما فعلا. وسيان أن يكون وجه التوفيق بينهما واحدا أم متعددا بينا أم غير بين. وذهب آخرون الى أنه لا بد من أن يوفق بينهما فعلا توفيقا سائغا مقبولا. والقول الأول هو الأقيس اذ أن امكان التوفيق فى ذاته مانع من الحكم بوجود التناقض واذا لم يكن ثابتا متحققا فلا وجه لأن يمنع سماع الدعوى بناء عليه ولا محل للاحتياط بمنع سماعها مادام أن المدعى لا يستحق بدعواه شيئا. ووراء هذين القولين قولان آخران: أحدهما: أنه يكتفى بامكان التوفيق اذا وقع التعارض فى كلام المدعى عليه أما اذا وقع فى كلام المدعى فلا بد لسماع دعواه من التوفيق فعلا. ووجه هذا القول أن المدعى مستحق ودعواه تهدف الى طلب تغيير الواقع بخلاف المدعى عليه لأنه دافع يدفع

стр. 1141

عن نفسه والظاهر معه وهو يصلح حجة للدفع لا للاثبات والاستحقاق فيكتفى فى جانبه بامكان التوفيق لأن الظاهر هو عدم التعارض عادة. ثانيهما: أنه يكتفى بامكان التوفيق اذا كان وجهه واحدا ظاهرا أما اذا تعددت وجوهه فلا بد من التوفيق فعلا حتى يتبين واقع الأمر ويتضح وجه الخصومة. والفتوى على أنه يجب لرفع التناقض التوفيق فعلا حتى يتجدد سير الخصومة وأساسها. ويصدر الفصل فيها على بينة من أمرها ولذا كان واجب القاضى عند حدوث التناقض أن يستوضح المتناقض عن تناقضه وعن وجه التوفيق ولا يقضى عليه بمنعه من دعواه بمجرد حدوثه ومن الأمثلة المتفرعة عن ذلك: ١ - ادعى شخص على آخر أن الدار التى فى يده ملك له ورثها عن أبيه منذ سنة ثم ادعاها ثانيا بعد عجزه عن اثبات دعواه الأولى بأنها ملكه اشتراها من فلان منذ سنتين فعلى القياس تسمع الدعوى الثانية لامكان أنه اشتراها من فلان منذ سنتين ثم باعها لأبيه ثم مات أبوه فورثها عنه منذ سنة وعلى الأقوال الثلاثة الأخرى لا بد من التوفيق بالفعل لاشتراطه مطلقا أو اذا كان فى كلام المدعى أو اذا تعدد وجه التوفيق لأن تملك أبيه اياها له أسباب كثيرة لا تقتصر على الشراء. ٢ - طلب شخص زوجته الى محل طاعته فدفعت دعواه بأن الذى زوجها منه أخوها وأنها اختارت نفسها عند بلوغها ثم عجزت عن اثبات دفعها هذا فعدلت عنه وقالت انه طلقنى فعلى الاستحسان لا بد من التوفيق فعلا بأن تقول بعد أن اخترت نفسى وقت البلوغ علمت أنه طلقنى وعلى القياس والقولين الآخرين يكفى امكان التوفيق فيسار فى دفعها الأخير وان لم توفق لأن التناقض حدث فى كلام المدعى عليه ولتعذر أوجه التوفيق اذ تكون قد اختارت نفسها فعلا ولم يكن مستوفيا لشروطه وأنه طلقها بعد ذلك أو أنها لما عجزت عن اثباته طلقها بعد ذلك. ويرى الزيدية الا يتقدم الدعوى من المدعى ما يكذبها أن يدعى وديعة فيقول الوديع ما أودعتنى شيئا فيقيم المدعى البينة على دعواه فاذا دفعها المدعى عليه بأنه قد ردها اليه لم تسمع اذ لا يتصور رد مع قوله ما أودعتنى شيئا وهذا بخلاف ما اذا أنكر الدعوى ابتداء ثم ادعى الرد اذ يحتمل أنه انما أنكر وديعة واجبة الرد (١). ٨ - الثامن من شروط الدعوى: الا يمضى على ترك المدعى لدعواه المدة الطويلة المانعة من سماع الدعوى وقد سبق بيان ذلك فى الكلام فى بيان ما شرط فى المدعى به من أنه يجب أن يكون مما يحتمل الثبوت. واشترط الحنابلة: أن تكون الدعوى متضمنة لطلب حق يمكن الحكم به فلا تصح بدين مؤجل لاثباته لأنه لا يملك المطالبة بادائه قبل حلول الأجل وقالوا اذا خاف المدعى سفر الشهود أو خاف سفر المدين صحت حفظا للمال (٢).

стр. 1142

وذهب الشافعية: الى أن الدعوى لا تسمع بدين مؤجل فى الأصح اذ لا يتعلق بها الزامه بالمطالبة باداء حق .. وقيل تسمع لغرض اثباته لا للمطالبة به ومن ثم صحت دعوى عقد مؤجل قصد بها الحكم بصحة العقد ولو ادعى دينا على معسر قاصدا اثباته ليطالبه اذا أيسر فظاهر كلامهم أنها لا تسمع مطلقا (١). وخالف فى ذلك الحنفية فذهبوا الى سماع الدعوى بالدين المؤجل للمطالبة بصدور الحكم بثبوته. دفع الدعوى الدفع أن يأتى المدعى عليه أو من انتصب عنه خصما بدعوى اذا ثبتت سقطت دعوى المدعى اما بانعدام شرط تحقق الخصومة بين المدعيين واما لظهور أن المدعى مبطل فى دعواه فكما يصح الدفع يصح دفع الدفع وما زاد عليه. والدفع فى الأصل لا يكون الا من المدعى عليه غير أنه يسمع من غير المدعى عليه اذا كان الحكم المطلوب يمسه على فرض صدوره وذلك يتحقق فى مسائل منها: اذا ادعى شخص على أحد الورثة شيئا فى التركة فيرهن وارث آخر غير المدعى عليه أن المدعى أقر بكونه مبطلا فى الدعوى تقبل دعواه لأن كل واحد من الورثة يقوم خصما عن الباقين فيما لهم وعليهم كما تقدم، وفى جامع الفصولين: مسألة قبل دفعها من غير المدعى عليه وهى المبيع لو استحق من يد المشترى فيرهن البائع على المستحق أنه اشتراه منه يسمع هذا الدفع من البائع ولو لم تكن الدعوى عليه وانما قبل الدفع منه لأن دعوى المستحق تتعدى اليه بمطالبة المشترى اياه بثمن المبيع، والدفع يصح قبل القضاء وبعده اذا كان فيه برهان على ابطال القضاء، قال فى البزازية: المقضى عليه لا تسمع دعواه الا اذا برهن على ابطال القضاء بأن ادعى دارا بالأرث وبرهن وقضى له ثم ادعى المقضى عليه أنه اشترى تلك الدار من مورث المدعى قبلت دعواه، والدفع انما يقصد به دفع الخصومة وقد يكون ذلك باثبات ألا خصومة بين المتداعيين، وذلك فيما يسميه الفقهاء بالدعوى المخمسة (٢) ويريدون بها أنها دعوى يصح أن يدفع فيها بخمسة دفوع وهى ما اذا ادعى شخص ملكية عين من الأعيان فان للمدعى عليه أن يدفع هذه الدعوى بأن المدعى فيها قد أودعه اياه فلان الغائب أو آجره اياه أو أعاره أو رهنه عنده أو أنه غضبه منه وبرهن على ذلك فان خصومة المدعى تدفع اذا أثبت دفعه هذا بالبينة وأن العين المدعاة وصلت اليه من جهة الغائب على الوجه الذى ذكره وأن يده ليست بيد خصومة لأنه لا يدعى الملك لنفسه قبل المدعى وقيل انما سميت مخمسة لأن فيها خمسة أقوال: الأول: قول أبى حنيفة وقد تقدم. الثانى: قول أبى يوسف أن المدعى عليه ان كان صالحا فكما قال الامام وان كان معروفا بالحيل لا تندفع عنه الخصومة ولو أقام البينة.

стр. 1143

الثالث: قول محمد أن الخصومة لا تندفع الا اذا كان الشهود يعرفون وجه الغائب واسمه ونسبه وهذا أخص من قول أبى حنيفة وعليه المعول لما فيه من زيادة الاحتياط الرابع: قول ابن شبرمة أن الخصومة لا تندفع مطلقا وهذا أعم من قول أبى يوسف الخامس: قول ابن أبى ليلى أن الخصومة تندفع بدون بينة ويكتفى باقراره بالملك للغائب وهذا القول وما قبله على طرفى نقيض. وكما يكون الدفع باثبات ألا خصومة بين المتداعيين يكون بابطال الدعوى مثل أن تكون الدعوى بدين فيدفعها المدعى عليه بالوفاء أو الابراء. وجاء فى شرح الأزهار: أن من ثبت عليه دين أو عين فادعى فيه حقا كأجل أو اسقاط كابراء أو كونه لغير المدعى ذاكرا السبب فى وضع يده عليه لم يقبل ذلك منه الا ببينة فلو ادعى عليه دين فأقر به مؤجلا أو دارا فأقر أنها فى يده برهن منه أو باجارة أو دينه فادعى أنه أبرأه منه أو عينا فأقر ببيعه وادعى أنها لغير المدعى ذاكرا سبب وضع يده عليها من عارية أو رهن أو نحو ذلك لم يقبل ذلك منه الا ببينة وان لم يذكر السبب لم يسمع قوله لأنها دعوى لغير مدع بخلاف ما اذا ذكر السبب اذ تصير حينئذ البينة لمن يعد صاحب اليد الحقيقية على المدعى به اذ المدعى عليه فى هذه الحالة انما يدعى حق الحفظ فيما اذا ذكر أنه فى يده وديعة أو الانتفاع اذا ما ذكر أنه فى يده بالاجارة أو بالعارية أو الحبس اذا ما ذكر أنه فى يده رهنا ولكن لا يقبل قوله فى هذا كله الا ببينة. وحاصل الكلام فى ذلك أن المدعى عليه اذا أقر بما ادعى به عليه لغير المدعى وكان المقر له غائبا ففى هذه الحالة اما أن يبين المقر سببا أولا فان لم يبين سببا لم يدفع هذا الاقرار دعوى المدعى عنه سواء أقام بينة أم لا بل يحكم للمدعى بما ادعاه اذا ما أثبت دعواه أو نكل المدعى عليه عن اليمين وأما اذا ذكر سببا بيده فان أقام البينة أنه لفلان الغائب وأنه فى يده بحق بناء على ذلك السبب قبلت بينته وانصرفت عنه الدعوى اذا ما عين الغائب باسمه فان لم يسمه بأن قال لرجل غائب وشهد الشهود بأن رجلا غائبا أودعه أو أجره وهم لا يعرفونه فقد ذكر أبو جعفر أن الدعوى تنصرف عنه لظهور أنه لغير المدعى وقال غيره أن الدعوى لا تنصرف عنه حتى يعرف المقر له (١). أذان الأذان فى اللغة أذن بالشئ اذنا وأذانا وأذانة علم به لقول الله «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ٢» الآية. أى كونوا على علم

стр. 1144

وآذانه الأمر وبه أعلمه، وأذن تأذينا أكثر الاعلام، والأذان والأذين، والتأذين النداء الى الصلاة والأذين المؤذن، وتأذن أقسم وأعلم (١). وفى اصطلاح الفقهاء: الأعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة على الصفة المشروعة أو اقترابه بالنسبة للفجر عند البعض (٢). سبب مشروعيته ودليلها وسبب مشروعيته. الاعلام بدخول وقت الصلاة لما روى عن عبد الله بن زيد رضى الله عنهما قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليعمل حتى يضرب به ليجتمع الناس للصلاة. طاف بى وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: ما تصنع به؟ قلت ندعو به للصلاة فقال ألا أدلك على ما هو خير من ذلك قلت بلى، قال تقول: الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان والاقامة فلما أصبحت أتيت النبى ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: انها لرؤيا حق ان شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن .. الخ. وقيل شرع الأذان ليلة المعراج نادى به ملك خرج من سرادقات الحجب وقيل علمه جبريل ليلة الأسراء كمواقيت الصلاة (٣). ودليلها: قول الله ﵎ «وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» (٤) وقوله جل شأنه «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (٥). وما صح من قول النبى ﷺ : اذا أقيمت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم (٦). حكمه مذهب الحنفية: يذهب الحنفية الى أن الأذان سنة مؤكدة للصلوات الخمس والجمعة وجاء فى فتح القدير قال بعض مشايخنا أنه واجب لما روى عن محمد ﵀ اذا تواطأ أهل بلدة فى

стр. 1145

الاسلام على ترك الأذان والاقامة قوتلوا والقتال انما يكون على ترك الواجب دون السنة والقولان متقاربان لأن السنة المؤكدة فى حكم الواجب فى لحوق الاثم بالترك واستظهر فى البحر كونه سنة على الكفاية (١) مذهب المالكية: ووافق المالكية الحنفية على أن الأذان سنة فقالوا سن الأذان لجماعة طلبت غيرها للصلاة بكل مسجد ولو تلاصقت (٢). مذهب الشافعية: والشافعية قالوا الأصح أنه سنة على الكفاية، وقيل انها فرض كفاية (٣). مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة. حكمه أنه فرض كفاية للصلوات الخمس والجمعة لقول رسول الله ﷺ «اذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم». والأمر يقتضى الوجوب (٤) وهو واجب على الرجال اثنين فأكثر لا الواحد ولا النساء. مذهب الظاهرية: يذهب ابن حزم الظاهرى: الى أنه واجب لا تجتزئ صلاة فريضة فى جماعة الا به فان صلى شيئا من ذلك بلا أذان فلا صلاة له (٥). مذهب الزيدية: والزيدية يقولون بوجوبه على الرجال دون النساء (٦). مذهب الإمامية: وعند الإمامية اختلف العلماء فى حكمه هل هو الاستحباب أو الوجوب والأكثر أنه مستحب مطلقا «أى فى كل صلاة مفروضة» والبعض على أنه واجب وقالوا انه لا أذان على النساء (٧). مذهب الإباضية: والإباضية اختلفوا فى حكمه فقال بعضهم انه واجب واحتجوا بقوله تعالى «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ» وبقول رسول الله ﷺ للرجلين «اذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما» وقال بعضهم هو سنة وحجة أهل هذا الرأى أن رسول الله ﷺ يصلى بعض الصلوات بغير أذان وقال بعض بوجوبه على الكفاية وهو المعتمد (٨). السنة التى شرع فيها الأذان شرع الأذان فى السنة الأولى من الهجرة بالمدينة وقيل فى السنة الثانية كما وردت أحاديث تدل على أنه شرع بمكة والصحيح الأول لأن فرضه بمكة معارض للخبر

стр. 1146

الصحيح على أن بدء الأذان كان فى المدينة على ما فى مسلم عن عبد الله بن عمر أنه قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات وليس ينادى بها أحد فتكلموا يوما فى ذلك فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم قرنا مثل قرن اليهود فقال عمر رضى الله عنه أولا تبعثون رجلا ينادى بالصلاة فقال رسول الله ﷺ يا بلال قم فناد بالصلاة. ثم جاءت رؤيا عبد الله بن زيد السابق ورودها (١). فضل الأذان أجمعت المذاهب كلها على فضل الأذان، وأنه من خير الأعمال التى تقرب الى الله مستدلين على ذلك بقول الله تعالى «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (٢) وفسروهم بالمؤذنين ولأحاديث كثيرة أوردوها منها ما روى ابن أبى صعصعة أن أبا سعيد الخدرى قال له: انى أراك تحب الغنم والبادية فاذا كنت فى غنمك أو باديتك، فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فانه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا انس ولا شئ الا شهد له يوم القيامة، سمعته من رسول الله ﷺ وقول أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «لو علم الناس ما فى النداء والصف الأول ثم لم يجدوا الا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» (٣). الفاظ الأذان مذهب الحنفية: قال الأحناف فى البدائع، والأذان على الكيفية المعروفة المتواترة من غير زيادة ولا نقصان عند عامة العلماء بدليل حديث عبد الله بن زيد قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بى وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا فى يده فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال وما تصنع به، فقلت: ندعو به الى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت: بلى قال: فقال تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا اله الا الله، أشهد أن لا اله الا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حى على الصلاة، حى على الصلاة، حى على الفلاح، حى على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا اله الا الله. قال ثم استأخر عنى غير بعيد ثم قال وتقول اذا أقمت الصلاة، «وذكر ألفاظ الاقامة» فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيته فقال انها لرؤيا حق ان شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت

стр. 1147

فليؤذن به فانه أندى صوتا منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو فى بيته فخرج يجر رداءه ويقول: والذى بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ فلله الحمد (١) ويزيد المؤذن فى أذان الفجر خاصة بعد حى على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين لأن بلالا رضى الله عنه أتى النبى ﷺ يؤذن لصلاة الفجر فقيل له انه نائم، فقال: الصلاة خير من النوم مرتين، فقال رسول الله ﷺ . ما أحسن هذا يا بلال، اجعله فى أذانك وخص به الفجر لأنه وقت نوم وغفله (٢). مذهب المالكية: وعند المالكية ألفاظ الأذان مثنى مثنى قال ابن عرفة الأذان مثنى الجمل الا الأخيرة، وقال فى الذخيرة الأذان .. سبع عشرة جملة (٣) وذلك بترجيع الشهادتين (٤)، ويزاد فى أذان الفجر الصلاة خير من النوم بعد الحيعلتين وقبل التكبير الأخير يقولها المؤذن سواء أذن لجماعة أو أذن وحده خلافا لمن قال بتركها رأسا للمنفرد بمحل منعزل عن الناس لعدم امكان من يسمعها ورده سند بأن الأذان أمر متبع ألا تراه يقول حى على الصلاة وان كان وحده وجعل الصلاة خير من النوم فى أذان الصبح بأمر منه ﵊ كما ورد فى الحديث السابق (٥). مذهب الشافعية: أما الشافعية فيأخذون بحديث أبى محذورة فى الأذان الذى نص على الأذان على الوجه الآتى: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا اله الا الله أشهد أن لا اله الا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يرجع المؤذن فيمد صوته ويقول أشهد أن لا اله الا الله أشهد أن لا اله الا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله (٦). وبقية الألفاظ كما جاء فى حديث عبد الله ابن زيد، فاذا أذن الصبح زاد فيه التثويب وهو أن يقول بعد الحيعلة الصلاة خير من النوم مرتين وكره ذلك فى الجديد. وقال أصحابنا يسن ذلك قولا واحدا فانه انما كره ذلك فى الجديد لأن أبا محذورة لم يحكه وقد صح ذلك فى حديث أبى محذورة أنه قال حى على الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا اله الا الله (٧).

стр. 1148

مذهب الحنابلة: والحنابلة يأخذون كما أخذ الحنفية بحديث عبد الله بن زيد، ويسن أن يقول فى أذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين بعد الحيعلة أى قول حى على الصلاة حى على الفلاح لقوله ﵊ لأبى محذورة فاذا كان أذان الفجر فقل الصلاة خير من النوم مرتين أدخلت هذه الكلمة فى التأذين الى صلاة الفجر سواء أذن مغلسا أو مسفرا. واختصت الفجر بذلك لأنه وقت ينام الناس فيه غالبا ويكره فى غيرها (١). مذهب الظاهرية: والى هذا ذهب ابن حزم الظاهرى، ثم قال وان زاد فى أذان الصبح بعد حى على الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم فحسن (٢). مذهب الزيدية: والزيدية يقولون فى ألفاظ الأذان والاقامة: وهما مثنى مثنى الا التهليل، فى آخرهما فانه مرة واحدة، ومن جملة ألفاظ الأذان والاقامة «حى على خير العمل» (٣) وجاء فى البحر الزخار فى المجموع عن على ﵇. الأذان مثنى مثنى (٤). مذهب الإمامية: وعند الإمامية ألفاظ الأذان، أربع تكبيرات ثم التشهدان بالتوحيد والرسالة ثم الحيعلات الثلاث «حى على الصلاة - حى على الفلاح - حى على خير العمل» ثم التكبير ثم التهليل مثنى مثنى فهذه ثمانية عشر فصلا (٥). مذهب الإباضية: والإباضية يذهبون الى أن ألفاظ الأذان مثنى مثنى آخذين دليلهم من حديث عبد الله بن زيد (٦). الترجيع فى الأذان الترجيع هو أن يخفض المؤذن صوته بالشهادتين ثم يرجع فيرفعه بهما وهو عند الحنفية مكروه لاتفاق الروايات على أن بلالا لم يكن يرجع وما قيل انه رجع لم يصح ولأنه ليس فى أذان الملك النازل بجميع طرقه (٧) ووافقهم على ذلك الزيدية فقالوا: الترجيع غير مشروع والرواية فيه شاذة (٨) واتفق المالكية والشافعية على أن الترجيع سنة فقال المالكية ويسن للمؤذن أن يرجع الشهادتين بأعلى من صوته بهما أولا ويكون صوته فى الترجيع مساويا لصوته فى التكبير، ولا يبطل الأذان بترك الترجيع

стр. 1149

بل لم يكن آتيا بسنة الترجيع (١)، وقال الشافعية: يسن الترجيع فى الأذان للصلاة (٢) أما الحنابلة، فلا يقولون بالكراهة جاء فى كشاف القناع «فان رجع فى الأذان بأن يقول الشهادتين سرا بحيث يسمع من بقربه أو أهل المسجد ان كان واقفا بعد التكبير ثم يجهر بهما فلا يكره لأن ترجيع الأذان فعل أبى محذورة وعليه عمل أهل مكة (٣) وجوز ابن حزم الظاهرى الترجيع فى الأذان فقال يجوز الترجيع فى الأذان بدليل أذان أهل الكوفة ففيه ترجيع «الله أكبر» وفيه ترجيع «أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله» وهذه زيادة خير لا تحقر أقل ما يجب لها ستون حسنة (٤) واختلف الإمامية فى معنى الترجيع على أقوال منها أنه عبارة عن تكرير التكبير والشهادتين فى أول الأذان، ومنها أنه تكرير الشهادتين برفع الصوت بهما بعد فعلهما مرتين بخفض الصوت، وبالنسبة للحكم اختلفوا بين قول بالكراهة وآخر بالحرمة وآخر ببدعيته وآخر بعدم كونه مسنونا ولا مستحبا (٥). التثويب فى الأذان التثويب هو الرجوع الى الاعلام بعد الاعلام وهو عند أكثر المذاهب هو زيادة «الصلاة خير من النوم» فى أذان الفجر بعد الحيعلتين عند المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية أو بعد الأذان عند الحنفية والإباضية بما يتعارف عليه الناس وهو سنة عند المالكية والشافعية والحنابلة وحسنه الحنفية وجوزه ابن حزم الظاهرى وقال عنه الزيدية أنه بدعة أما الإمامية فذكروا اختلاف العلماء فى معناه ولم يجوزوه قال فى النهاية «ولا يجوز التثويب فى الأذان والاقامة وفى المختلف والمدارك والكفاية يحرم التثويب وعند الإباضية التثويب بعد أذان الصبح بتراخ وحكمه عندهم حكم الأذان (٦). ما يقوله المؤذن فى أذانه عند المطر: مذهب المالكية: ذكر المالكية ما ورد فى الموطأ من أن ابن عمر أذن فى ليلة ذات برد وريح ثم قال ألا صلوا فى الرحال وأن ذلك كان بعد تمام الأذان فلا يجوز أن يتخلل ألفاظ الأذان كلام (٧). مذهب الشافعية: قال الشافعية اذا كانت ليلة مطيرة أو ذات ريح وظلمة يستحب أن يقول المؤذن اذا فرغ من أذانه ألا صلوا فى رحالكم فان قاله فى أثناء الأذان بعد الحيعلة فلا بأس وهذا نصه نقله البندنيجى وهكذا صرح به الصيدلانى

стр. 1150

وصاحب العدة والشاشى وآخرون واستبعد امام الحرمين قوله فى أثناء الأذان وقال تغيير الأذان من غير ثبت مستبعد وهذا الذى استبعده ليس ببعيد بل هو الحق والسنة فقد ثبت ذلك فى أحاديث كثيرة فى الصحيحين بعد الأذان وفى أثنائه فروى نافع أن ابن عمر أذن بالصلاة فى ليلة ذات برد وريح ثم قال ألا صلوا فى الرحال ثم قال إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن اذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا فى الرحال رواه البخارى ومسلم وفى رواية لمسلم أنه كان النبى ﷺ يأمر مؤذنه به فى السفر، وعن عبد الله ابن الحارث قال خطبنا ابن عباس فى يوم ذى روع فلما بلغ المؤذن «حى على الصلاة» أمره أن ينادى الصلاة فى الرحال، فنظر بعضهم الى بعض فقال: كأنكم أنكرتم هذا، فقد فعل هذا من هو خير منى وأنهى عزمة. رواه البخارى ومسلم وفى رواية للبخارى ومسلم، قال ابن عباس لمؤذن فى يوم مطير وهو يوم جمعة، اذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حى على الصلاة، قل صلوا فى بيوتكم فكأن الناس استنكروا فقال فعله من هو خير منى ان الجمعة عزمة وانى كرهت أن أخرجكم فتمشوا فى الطين والدحض وفى رواية لمسلم فعله من هو خير منى «يعنى النبى ﷺ » (١). مذهب الظاهريه: قال ابن حزم الظاهرى فان كان برد شديد أو مطر رش فصاعدا، فيجب أن يزيد المؤذن فى أذانه بعد «حى على الفلاح» أو بعد ذلك «ألا صلوا فى الرحال» وهذا الحكم واحد فى الحضر والسفر وأورد ما رواه نافع عن ابن عمر أنه أذن بضجنان - بفتح الضاد واسكان الجيم وهو جبل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلا - بين مكة والمدينة فقال: صلوا فى الرحال ثم قال ابن عمر كان النبى ﷺ يأمر مناديه فى الليلة الباردة أو المطيرة أو ذات الريح أن يقول: صلوا فى الرحال وأورد ما رواه عبد الله بن الحارث فى الحديث السابق فى مذهب الشافعية (٢). مذهب الزيدية: قال الزيدية: قال الامام يحيى: ندب أن يقول المؤذن فى المطر، الصلاة فى الرحال اذ كان النبى ﷺ يأمر مناديا بعد الأذان بذلك (٣). الصلوات التى شرع لها الأذان اتفقت المذاهب على أن الأذان شرع للفرائض الخمس. مذهب الحنفية: قال الحنفية شرع الأذان للفرائض الخمس وتدخل الجمعة وتشمل الصلوات حالة السفر والحضر والانفراد والجماعة أداء أو قضاء (٤)

стр. 1151

مذهب المالكية: قال المالكية: الأذان شرع للصلوات الخمس المفروضة (١). مذهب الشافعية: قال الشافعية: يشرع الأذان للمكتوبة من الخمس خرج المنذورة وصلاة الجنازة وسائر النوافل فلا يؤذن لها بل يكره الأذان لغير المكتوبة (٢). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: الصلوات التى يشرع لها الأذان هى الصلوات الخمس المؤداة والجمعة دون غيرها لأن المقصود من الأذان الاعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة على الأعيان وهذا لا يوجد فى غير الخمس المؤداة (٣). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى عن الصلوات التى فرض لها الأذان هى الصلوات الخمس وقال ولا تجزئ صلاة فريضة فى جماعة اثنين فصاعدا الا بأذان واقامة، وقال الأذان أمر بالمجئ الى الصلاة وليس يجب ذلك الا فى الفرائض المتعينة (٤). مذهب الزيدية: قال الزيدية: يجب الأذان فى الخمس المكتوبة فقط، وهو فى الأداء واجب وفى القضاء مندوب (٥). مذهب الإمامية: قال الشيعة الإمامية: الصلوات التى يشرع لها الأذان: الخمس لا غير أداء وقضاء (٦) وقالوا ولا يؤذن ولا يقام لشئ من النوافل وان وجبت بالعارض ولا لشئ من الفرائض عدا الخمس (٧). مذهب الإباضية: قال الإباضية: الصلوات التى يشرع لها الأذان هى الصلوات الخمس المفروضة (٨). ما يعلن به عن الصلوات التى لم يشرع لها الأذان أجمعت المذاهب على أن الأذان والاقامة، انما شرعا للفرائض الخمس أما غير المفروضة فلا أذان لها ولا اقامة. مذهب الحنفية: قال الحنفية: لا يؤذن للعيد والكسوف وفى مسلم عن جابر بن سمرة صليت مع رسول الله ﷺ العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا اقامة، وعن عائشة رضى الله عنها خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فبعث مناديا ينادى «الصلاة جامعة» والوتر وان كان واجبا لكن أذان العشاء اعلام بدخول وقته لأن وقته وقتها (٩).

стр. 1152

مذهب المالكية: قال المالكية: يعلن عن الصلوات التى لم يشرع فيها الأذان بقوله: «الصلاة جامعة» فى العيدين وغيرها (١). مذهب الشافعية: قال الشافعية: لا يشرع الأذان ولا الاقامة لغير الخمس بلا خلاف سواء كانت منذورة أو جنازة أو سنة وسواء سن لها الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء أم لا كالضحى ولكن ينادى للعيد والكسوف والاستسقاء «الصلاة جامعة» وكذا ينادى للتراويح «الصلاة جامعة» اذا صليت جماعة ولا يستحب ذلك فى صلاة الجنازة على أصح الوجهين قال الشافعى فى أول كتاب الأذان من الأم: لا أذان ولا اقامة لغير المكتوبة فأما الأعياد والكسوف وقيام شهر رمضان فأحب أن يقال فيه «الصلاة جامعة» قال: والصلاة على الجنازة وكل نافلة غير العيد والخسوف فلا أذان فيها ولا قول «الصلاة جامعة» وقد اتفق الأصحاب على أنه لا يؤذن للنذر ولا يقام ولا يقال: الصلاة جامعة، وهذا مشهور (٢). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: ينادى بعيد وكسوف واستسقاء: «الصلاة جامعة» أو الصلاة ولا ينادى على الجنازة والتراويح على الأصح لأنه محدث وقيل لا ينادى فى العيد قال ابن عباس وجابر لم يكن يؤذن يوم الفطر حين خروج الامام ولا بعد ما يخرج ولا نداء ولا اقامة ولا شئ متفق عليه (٣). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: لا يؤذن ولا يقام لشئ من النوافل كالعيدين والاستسقاء والكسوف وان صلى كل ذلك فى جماعة وفى المسجد ولا صلاة فرض على الكفاية كصلاة الجنازة ويستحب اعلام الناس بذلك مثل النداء: الصلاة جامعة، وهذا مما لا يعلم فيه خلاف الا شيئا كان بنو أمية قد أحدثوه من الأذان والاقامة لصلاة العيدين وهو بدعة وقد صح عن النبى ﷺ أنه لم يأمر بأذان ولا اقامة لشئ من ذلك (٤) مذهب الزيدية: قال الزيدية: لم يشرعا - الأذان والاقامة - ولا الصلاة جامعة فى الجنازة ونوافل الأفراد اجماعا اذ لم يؤثر، وندب الصلاة جامعة فى العيدين وجماعة النوافل والكسوف والاستسقاء (٥). مذهب الإمامية: قال الإمامية: عن الحسن أنه يقال فى العيدين «الصلاة جامعة» وهل يصح قول الصلاة «ثلاثا» فى غير المفروضة

стр. 1153

كالاستسقاء، وظاهر الكتاب. التذكرة ونهاية الأحكام يجور وقت الأذان: ووقت الأذان هو وقت وجوب الصلاة فلا تصح قبله الا فى صلاة الصبح على تفصيل فى ذلك سيأتى: مذهب الحنفية: قال الحنفية: ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها لأن الأذان اعلام (٢). مذهب المالكية: قال المالكية: الأذان غير مقدم على الوقت وجوبا فيحرم قبله ويبطل لفوات فائدته (٣). مذهب الشافعية: قال الشافعية: الأذان لا يصح للصلوات قبل وقتها باجماع المسلمين غير صلاة الصبح (٤) ولو أذن المؤذن قبل الوقت بنيته حرم عليه ذلك لأنه يؤدى عبادة فاسدة (٥). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: يؤذن المؤذن اذا دخل الوقت ولا يصح قبل دخول الوقت لما روى مالك بن الحويرث أن النبى ﷺ قال: «اذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» ولأنه شرع للاعلام بدخول الوقت وهو حث على الصلاة (٦). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: لا يجوز أن يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها (٧). مذهب الزيدية: قال الزيدية: يكون الأذان فى الوقت المضروب لتلك الصلاة سواء كان فى وقت اختيارها أم اضطرارها تأخيرا (٨). مذهب الإمامية: قال الإمامية لا يؤذن الا بعد دخول الوقت (٩). مذهب الإباضية: قال الإباضية: وقت الأذان عند دخول الوقت ولا يجوز قبله (١٠). وقت أذان الصبح مذهب الحنفية: قال الحنفية: يكون الأذان فى الصبح فى وقتها على رأى أبى حنيفة ومحمد بدليل ما روى شداد مولى عياض بن عامر أن النبى ﷺ قال لبلال: لا تؤذن حتى (١) مفتاح الكرامة ح ٢ ص ٢٥٩.

стр. 1154

يستبين لك الفجر هكذا - ومد يده عرضا - ولأن الأذان شرع للاعلام بدخول الوقت والاعلام بالدخول قبل الدخول كذب وكذا هو من باب الخيانة فى الأمانة والمؤذن مؤتمن على لسان رسول الله ﷺ ولأن الأذان قبل الفجر يؤدى الى الضرر بالناس لأن ذلك وقت نومهم وأذان بلال بليل كان لمعان أخرى لا لصلاة الفجر لما روى ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال: لا يمنعكم من السحور أذان بلال فانه يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرد قائمكم ويتسحر صائمكم فعليكم بأذان ابن أم مكتوم وهذا دليل على أن أذان بلال كان لهذه المعانى لالصلاة الفجر، ويرى أبو يوسف أنه لا بأس بأن يؤذن للفجر فى النصف الأخير من الليل بدليل ما روى عن عبد الله بن عمر عن أبيه رضى الله عنه أن بلالا كان يؤذن بليل، ولأن وقت الفجر مشتبه وفى مراعاته بعض الحرج بخلاف سائر الصلوات (١). مذهب المالكية: قال المالكية: ويستحب تقديم الأذان للصبح فى أول سدس الليل الأخير لأنها تأتى الناس وهم نيام فيحتاج لتقدم الأذان لأجل انتباه الناس من نومهم وتأهبهم لها، واذا كان التقديم مستحبا فظاهره أنه لا يعاد عند طلوع الفجر والراجح الاعادة قيل ندبا والراجح سنة وقيل الأول مندوب والثانى سنة (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية: أذان الصبح من نصف الليل شتاء كان أو صيفا لما صح أنه ﷺ قال: ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (٣) والسنة أن يؤذن للصبح مرتين احداهما قبل الفجر والأخرى عقب طلوعه للحديث السابق، فان اختصر على أذان واحد جاز أن يكون قبل الفجر وأن يكون بعده وجاز أن يكون بعض الكلمات قبل الفجر وبعضها بعده اذا لم يطل بينهما فصل واذا اقتصر على أذان واحد فالأفضل أن يكون بعد الفجر على ما هو المعهود فى سائر الصلوات (٤). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: يباح الأذان للفجر بعد نصف الليل لأن معظمه قد ذهب ولأن وقت الفجر يدخل على الناس وفيهم الجنب والنائم فاستحب تقديم أذانه حتى يتهيئوا لها فيدركوا فضيلة أول الوقت وقال الشيخ ولا يستحب تقديم أذان الفجر قبل الوقت كثيرا لما فى الصحيح من حديث عائشة: قال البيهقى فى مجموع ما روى فى تقدم الأذان قبل الفجر: انما هو بزمن يسير وأماما يفعل الناس فى زماننا من الأذان للفجر من الثلث الأخير فخلاف السنة اذا سلم جوازه وفيه نظر (٥). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: يجوز أن يؤذن لها - صلاة الصبح - قبل طلوع الفجر

стр. 1155

الثانى بمقدار ما يتم المؤذن أذانه وينزل عن المنار أو من العلو ويصعد مؤذن آخر ويطلع الفجر قبل ابتداء الثانى فى الأذان ولا بد لها من أذان ثان بعد الفجر ولا يجزئ لها الأذان الذى كان قبل الفجر لأنه أذان سحور لا أذان للصلاة، ولا يجوز أن يؤذن لها قبل المقدار الذى ذكرنا (١). مذهب الزيدية: قال صاحب البحر من الزيدية: لا يجزئ الأذان قبل الوقت اجماعا فى غير أذان الفجر، وقال القاسم والهادى والناصر والمؤيد بالله وزيد بن على أنه لا يجزئ قبل الوقت فى كل الأوقات حتى الفجر حيث أن النبى ﷺ أنكر الأذان على بلال وقال له لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا ومد يده عرضا (٢). مذهب الإمامية: قال الإمامية فى الصحيح أن عمر بن على سأل الصادق ﵇ عن الأذان قبل الفجر فقال: اذا كان فى جماعة فلا واذا كان وحده فلا بأس (٣) وجاء فى جواهر الكلام، وقد رخص فى تقديمه على وقت الصبح عند المعظم من أصحابنا بل فى المعتبر عندنا (٤) وفى شرائع الاسلام لكن يستحب اعادته بعد طلوعه (٥). مذهب الإباضية: قال الإباضية: لا يجوز الأذان قبل دخول الوقت الا لصلاة الصبح لقول النبى ﵇ ان بلالا يؤذن بليل والمراد آخر الليل (٦). الأذان للفائتة الواحدة والمتعددة مذهب الحنفية: قال الحنفية: يستوى فى وجوب مراعاة الأذان الأداء والقضاء، وجملة الكلام فيه أنه لا يخلو اما ان كانت الفائتة من الصلوات الخمس واما ان كانت صلاة الجمعة، فان كانت من الصلوات الخمس فان فاته صلاة واحدة قضاها بأذان، وكذا اذا فاتت الجماعة صلاة واحدة قضوها بالجماعة بأذان، لما روى أبو قتادة الأنصارى رضى الله عنه فى حديث التعريس فقال: كنت مع النبى ﷺ فى غزوة أو سرية فلما كان فى آخر السحر عرسنا فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس فجعل الرجل منا يثب دهشا وفزعا فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: ارتحلوا عن هذا الوادى فانه وادى شيطان، فارتحلنا ونزلنا واد آخر فلما ارتفعت الشمس وقضى القوم حوائجهم أمر بلالا بأن يؤذن فأذن وصلينا ركعتين ثم أقام فصلينا صلاة الفجر، وهكذا روى عمران بن حصين هذه القصة، وروى أصحاب الاملاء عن أبى يوسف باسناده عن رسول الله ﷺ أنه حين شغلهم الكفار يوم الأحزاب عن أربع صلوات قضاهن فأمر بلالا أن يؤذن لكل واحدة منهم حتى قالوا أذن وصلى الظهر ثم أذن وصلى العصر ثم أذن وصلى

стр. 1156

المغرب ثم أذن وصلى العشاء، ولأن القضاء على حسب الأداء وقد فاتتهم الصلوات بأذان فتقضى كذلك، وأما اذا فاتته صلوات فان أذن لكل واحدة فحسن وان أذن للأولى واقتصر على الاقامة للبواقى فهو جائز وقد اختلفت الروايات فى قضاء رسول الله ﷺ الصلوات التى فاتته يوم الخندق، فى بعضها أنه أمر بلالا فأذن وأقام لكل صلاة بعدها، وفى بعضها أنه اقتصر على الاقامة لكل صلاة، ولا شك أن الأخذ برواية الزيادة أولى خصوصا فى باب العبادات، وان فاتته صلاة الجمعة صلى الظهر بغير أذان ولا اقامة لأن الأذان والاقامة للصلاة التى تؤدى بجماعة مستحبة وأداء الظهر بجماعة يوم الجمعة مكروه فى المصر كذا روى عن على رضى الله عنه (١). مذهب المالكية: قال المالكية: يكره الأذان للفائتة اذ ليس لها وقت معين محدود بل وقتها حال تذكرها (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية: الأصح عندنا أنه مشروع لها - الفائتة الواحدة - وقال الأوزاعى واسحاق: لا يؤذن ودليلنا على أنه لا يشرع زيادة على أذان الأحاديث الصحيحة فى أنه لم يوال بين آذانين (٣). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: لو قضى فوائت أذن للصلاة الأولى فقط ثم أقام لكل صلاة، لما روى أبو عبيدة عن أبيه عن ابن مسعود رضى الله عنهم: أن المشركين يوم الخندق شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء (٤). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: لا تجوز صلاة فريضة فى جماعة، اثنين فصاعدا، الا بأذان واقامة سواء كانت فى وقتها أو كانت مقضية لنوم عنها أو لنسيان (٥). مذهب الزيدية: قال الزيدية: ان اجتمعت فوائت أذن للأولى وأقام لكل صلاة (٦). مذهب الإمامية: قال الإمامية: قاضى الصلوات الخمس يؤذن لكل واحدة ويقيم مضافا لعموم قول رسول الله ﷺ ، من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته، روى أن الصادق ﵇ سئل عن الرجل اذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان والاقامة قال: نعم، وقالوا يستحب الأذان والاقامة للفوائت من الخمس كما يستحب للحاضرة (٧).

стр. 1157

مذهب الإباضية: قال الإباضية. لا يجوز الأذان لكل صلاة فائتة (١). سنن الأذان مذهب الحنفية: قال الحنفية: سنن الأذان الجهر به، والفصل بين كلمتى الأذان بسكتة، والترسل فيه لقول النبى ﷺ لبلال رضى الله عنه اذا أذنت فترسل، والترتيب بين كلمات الأذان والموالاة بين كلماته والاتيان بالأذان فى مواجهة القبلة، وأن يكون التكبير جزما، وترك التلحين فى الأذان (٢). مذهب المالكية: قال المالكية: والسنة فى الأذان أن يكون مرسلا معلنا (٣) - يرفع به الصوت - مذهب الشافعية: قال الشافعية: يسن للأذان مؤذن «صيت» أى عالى الصوت لأن حكمة الأذان هى ابلاغ دخول الوقت وهو فى الصيت «حسن الصوت» أكثر لأن النبى ﷺ اختار أبا محذورة لحسن صوته (٤). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: سن أذان فى أول الوقت ليصلى المتعجل، وسن ترسل فيه أى تمهل، ويسن الوقف على كل جملة، ويسن كون المؤذن قائما ومتطهرا وأن يكون الأذان على علو أى موضع عال كمنارة ويسن رفع الوجه الى السماء جاعلا سبابتيه فى أذنيه ويسن استقبال القبلة فى الأذان وأن يدير وجهه اذا حيعل يمنة ويسرة وأن يقف على كل جملة (٥). مذهب الزيدية: قال الزيدية: من سنن الأذان الترتيل لقول رسول الله ﷺ «اذا أذنت فرتل، واذا أقمت فاحدر» ومن سننه أيضا الوقف على أواخره (٦). مذهب الإمامية: قال الإمامية: السنة فيه - الأذان - الوقوف على فصوله متأنيا فى الأذان (٧). مذهب الإباضية: قال الإباضية: سنن الأذان أن لا يؤذن قبل دخول وقت الصلاة لقول رسول الله ﷺ : اذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، واستقبال القبلة وتحريف الوجه الى اليمين عند قوله حى على الصلاة واليسار عند قوله حى على الفلاح، ورفع الصوت به لأن النبى ﷺ قال: لا يسمع صوت المؤذن جن ولا انس ولا شئ الا شهد له يوم القيامة (٨).

стр. 1158

الدعاء بعد الأذان مذهب الحنفية: قال الحنفية: عن أبى أمامة عن النبى ﷺ : إذا نادى المنادى للصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء فمن نزل به شدة أو كرب فليتحين المنادى اذا كبر واذا تشهد واذا قال حى على الصلاة قال حى على الصلاة واذا قال حتى على الفلاح قال حى على الفلاح ثم يقول اللهم رب هذه الدعوة الحق المستجابة المستجاب لها، ودعوة الحق وكلمة التقوى أحينا عليها وأمتنا عليها وابعثنا عليها واجعلنا من خيار أهلها محيانا ومماتنا ثم يسأل الله حاجته ثم رووا أحاديث كثيرة حول الدعاء بهذا المعنى والصلاة على النبى ﷺ ثم قالوا: الحديث فى هذا الباب كثير والقصد الحث على الخير ورووا ما رواه جابر رضى الله عنه عن النبى ﷺ : من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة (١). مذهب المالكية: قال المالكية يستحب أن يصلى على النبى ﷺ بعد الأذان وأن يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته ثم يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية: روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: «اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فان من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا» ثم يسأل الله تعالى الوسيلة فيقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته، لما روى جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء ذلك حلت له شفاعتى يوم القيامة» ويدعو الله تعالى بين الأذان والاقامة ولما روى أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: الدعاء لا يرد بين الأذان والاقامة (٣). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: يدعو بعد الأذان لحديث أنس مرفوعا «الدعاء لا يرد بين الأذان والاقامة (٤)». مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى بعد أن روى الحديث السابق فى اجابة المؤذن قول الرسول

стр. 1159

صلى الله عليه وسلم: ثم سلوا لى الوسيلة فانها منزلة فى الجنة لا تنبغى الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة (١). مذهب الزيدية: قال الزيدية: وندب الدعاء بين الأذان والاقامة لقول النبى ﷺ : «الدعاء بين الأذان والاقامة لا يرد (٢)». مذهب الإباضية: قال الإباضية: قال رسول الله ﷺ : اذا سمعتم الأذان فقولوا مثل ما يقول المؤذن وفى رواية مسلم فقولوا مثل ما يقول ثم «صلوا على فانه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فانها منزلة فى الجنة لا تنبغى الا لعبد مؤمن من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لى الوسيلة حلت له الشفاعة (٣)» مكروهات الأذان ومن يكره أذانه مذهب الحنفية: قال الحنفية يكره أذان المرأة باتفاق الروايات ويكره أذان المجنون والسكران وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة أنه قال: أكره أن يؤذن من لم يحتلم لأن الناس لا يعتدون بأذانه، ويكره الأذان قاعدا لأن النازل من السماء أذن قائما (٤). مذهب المالكية: قال المالكية يكره الأذان للمنفرد والجماعة التى لم تطلب غيرها ان كانوا فى حضر ويكره للفائتة اذ ليس لها وقت معين محدود ويكره من حلوس الا لعذر (٥). مذهب الشافعية: قال الشافعية: يكره تمطيط الأذان ويكره لغير المكتوبة، ويكره للمحدث حدثا أصغر لخبر. كرهت أن أذكر الله الا على طهر أو قال على طهارة - وللجنب أشد منها للمحدث ويكره من جلوس الا لعذر (٦). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: يكره الأذان من قاعد وراكب وماش لغير عذر، ويكره فيه كلام مباح يسير بلا حاجة كما يكره منه سكوت يسير بلا حاجة ويكره ملحنا بأن يطرب فيه كما يكره أن يكون ملحونا لحنا لا يحيل المعنى كرفع تاء الصلاة أو نصبها (٧). مذهب الزيدية: قال الزيدية: يكره الكلام حال الأذان وأيضا بعده، ويكره رد السلام على المؤذن (٨).

стр. 1160

مذهب الإمامية: قال الإمامية: يكره الكلام خلال الأذان، ويكره الأذان فى الصومعة والظاهر أنه أراد بها المنارة ويكره التراسل ووجه الكراهة أنه لم يكمل لواحد أذان، ويكره الالتفات يمينا وشمالا ويكره الترجيع الا أن يريد الاشعار (١). اجابة المؤذن مذهب الحنفية: قال الحنفية: الواجب على السامعين عند الأذان الاجابة لما روى عن النبى ﷺ قال أربع من الجفاء ذكر منها قوله: ومن سمع الأذان ولم يجب ومن سمع ذكرى ولم يصل على، والاجابة أن يقول مثل ما قال المؤذن لقول النبى ﷺ من قال مثل ما يقول المؤذن غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيقول مثل ما قاله الا فى قوله حى على الصلاة، حى على الفلاح فإنه يقول مكانه، لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم لأن اعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء وكذا اذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم لا يعيده السامع لما قلنا، ولكنه يقول صدقت وبررت أو ما يؤجر عليه، ولا ينبغى أن يتكلم السامع فى حال الأذان ولا يشتغل بقراءة القرآن ولا بشئ من الأعمال سوى الاجابة، ولو كان فى القراءة ينبغى أن يقطع ويشتغل بالاستماع والاجابة (٢) «انظر اجابة». الأذان يوم الجمعة بين يدى الامام مذهب الحنفية: يقول الحنفية: الأذان المعتبر يوم الجمعة هو ما يؤتى به اذا صعد الامام المنبر وتجب الاجابة والاستماع له دون الذى يؤتى به على المنارة وهذا قول عامة العلماء، وكان الحسن بن زياد يقول: المعتبر هو الأذان على المنارة، لأن الاعلام يقع به، والصحيح قول العامة لما روى عن السائب بن يزيد أنه قال: كان الأذان يوم الجمعة على عهد رسول الله ﷺ وعلى عهد أبى بكر وعمر رضى الله عنهما أذانا واحدا حين يجلس الامام على المنبر، فلما كانت خلافة عثمان رضى الله عنه وكثر الناس أمر عثمان رضى الله عنه بالأذان الثانى على الزوراء وهى المنارة وقيل اسم موضع بالمدينة (٣). مذهب المالكية: قال المالكية: الأذان بين يدى الامام فى الجمعة مكروه نهى عنه مالك لأنه بدعة (٤). مذهب الشافعية: قال الشافعية: اختلف أصحابنا فى الأذان الجمعة فقال المحاملى فى المجموع قال الشافعى رضى الله عنه: أحب أن يكون
следующие страницы →