← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

مذهب المالكية: أما المالكية فقد ذهبوا إلى أن العبد لا يتزوج الا باذن سيده فقد جاء فى الشرح الكبير (١) وحاشية الدسوقى عليه: ولمالك بعض الرقيق الولاية عليه فله الرد والاجازة فى العبد ان تزوج بغير اذنه وأما فى الأمة المتزوجة بغير اذنه فيتحتم الرد ان كان بعضها ملكا لسيد والبعض الآخر ملكا لسيد آخر أما اذا كان بعضها رقاله وبعضها الآخر حرا فان للمالك الاجازة والرد كما فى العبد وذكر بعضهم أن المبعضة بالحرية كالمبعضة بالشركة فى تحتم الرد واختاره البنانى، وما دام مالك البعض له هذا يكون ذلك لمالك الكل من باب أولى. أما الصغير فقد جاء حكم تزوجه فى الشرح الكبير (٢) وحاشية الدسوقى وهو: ولولى الصغير اذا زوج نفسه بغير اذنه فسخ عقده بطلاق، لأنه نكاح صحيح وغاية الأمر أنه غير لازم، وله اجازته أى أن الشارع جعله مختصا بذلك لينظر له فى الأصلح فان وجد المصلحة فى ابقائه تعينت اجازته وان وجد المصلحة فى رده تعين فسخه، وان استوت المصلحة فيهما خير قال ابن المواز: واذا لم يرد الولى نكاح الصبى والحال أن المصلحة فى رده حتى كبر وخرج من الولاية جاز النكاح قال ابن راشد وينبغى أن ينتقل النظر اليه فيمضى أو يرد واذا فسخه من له الولاية فلا مهر لها ولو أزال بكارتها اذ وطؤه كالعدم. مذهب الشافعية: جاء فى المنهاج وشرحه (٣) مغنى المحتاج: ونكاح عبد بلا اذن سيده ولو كان السيد امرأة أو كافرا باطل، لا فرق فى ذلك بين المبعض والمكاتب ومعلق العتق بصفة وغيرهم لعموم قوله ﷺ (أى مملوك تزوج بغير اذن سيده فهو عاهر) رواه الترمذى وحسنه، والحاكم وصححه، وباذنه يصح ان كان السيد معتبر الاذن، وللسيد اطلاق الاذن لعبده فى النكاح وله تقييده بامرأة معينة أو قبيلة أو بلد لأن ما يصح مطلقا يصح مقيدا ولا يعدل عما أذن له فيه مراعاة له فان عدل لا يصح النكاح وان قدر له السيد مهرا فزاد عليه أو زاد على مهر المثل عند الاطلاق عن تعيين المهر فالزائد فى ذمته يتبع به اذا عتق وان صرح له بأنه لا ينكح بأزيد مما عينه قال الامام فالرأى عدم صحة النكاح وان نقص عما عينه له سيده أو عن مهر المثل عند الاطلاق جاز، وكما يلزم الاذن فى زواج العبد يلزم كذلك عندهم فى السفيه فقد جاء فى المنهاج وشرحه مغنى المحتاج (٤) ومن حجر عليه حسا بسفه: بأن بذر فى ماله أو حكما كمن بلغ سفيها ولم يحجر عليه وهو السفيه المهمل لا يستقل بنكاح لئلا يفنى ماله فى مؤن النكاح بل ينكح باذن وليه لأنه مكلف صحيح العبارة وانما حجر عليه حفظا لماله وقد زال المانع بالاذن أو يقبل له الولى فان أذن له وعين امرأة لم ينكح غيرها لأن الاذن مقصور عليها وان ساوتها فى المهر أو نقصت

стр. 1192

عنها قال ابن أبى الدم وينبغى حمله على ما اذا لحقه مغارم فيها أما لو كانت خيرا منها نسبا وجمالا ودينا ودونها مهرا ونفقة فينبغى الصحة قطعا كما لو عين مهرا فنكح بدونه وينكح المعينة له بمهر المثل لأنه المأذون فيه شرعا أو أقل لأنه حصل لنفسه خيرا فان زاد فالمشهور صحة النكاح لأن خلل الصداق لا يفسد النكاح والرأى الثانى أنه باطل للمخالفة وعلى الأول يكون بمهر المثل من القدر المسمى الذى عينه الولى، وقال ابن الصباغ القياس بطلان المسمى ووجوب مهر المثل أى فى الذمة والمشهور الأول ولو سمى له ألفا ولم يعين امرأة ولا قدرا فالأصح المنصوص فى الأم ولو أطلق الاذن بأن قال: أنكح ولم يعين امرأة ولا قدرا فالأصح المنصوص فى الأم صحته. والرأى الثانى: لا يصح، بل لا بد من تعيين المهر والمرأة والقبيلة، وعلى الرأى الأصح ينكح بمهر المثل من تليق به، فلو نكح شريفة يستغرق مهر مثلها ماله لم يصح أما تزوج السفيه المحجور عليه بلا اذن من وليه أو الحاكم عند امتناع الولى لغير مصلحة فباطل. وأما الصبى فقد جاء فيه فى كتاب المهذب (١) للشيرازى: ولا يصح النكاح الا من جائز التصرف فأما الصبى والمجنون فلا يصح منهما عقد النكاح لأنه عقد معاوضة فلم يصح من الصبى والمجنون كالبيع. مذهب الحنابلة: أما الحنابلة: فقد ذكر ابن قدامة فى المغنى (٢) روايتين عن أحمد فى ذلك فقال: ان العلماء اختلفوا فى تزويج العبد نفسه بدون اذن سيده فعن أحمد روايتان فى ذلك أظهرهما أنه باطل وهو قول عثمان وابن عمر وبه قال شريح .. وعن أحمد أنه موقوف على اجازة السيد فان أجازه جاز وان رده بطل، لأنه عقد يقف على الفسخ فوقف على الاجازة كالوصية ووجه الأول ما روى جابر قال: قال الرسول ﷺ «أيما عبد تزوج بغير اذن مواليه فهو عاهر». ولأنه نكاح فقد شرطه فلم يصح كما لو تزوجها بغير شهود واذا أذن السيد لعبده فى تزويجه بمعينة أو من بلد معين أو من جنس معين فنكح غير ذلك فنكاحه فاسد وان اذن له فى تزويج صحيح فنكح نكاحا فاسدا فكذلك لأنه غير مأذون له فيه. وان اذن له فى النكاح وأطلق فنكح نكاحا فاسدا احتمل أن يكون كذلك لأن الاذن فى النكاح لا يتناول الفاسد، واحتمل أن يتناوله اذنه لأن اللفظ باطلاقه يتناوله وان أذن له فى نكاح فاسد وحصلت الاصابة فيه فعلى سيده جميع المهر لأنه باذنه (٣) أما الصبى فقد جاء عنه فى المغنى لابن قدامة: قال أحمد لا يزوج الغلام حتى يحتلم. ليس له أمر وهذا قول أكثر أهل العلم: من الثورى والشافعى واسحق وابن المنذر وأبو ثور. وعن أحمد رواية أخرى أنه اذا بلغ عشرا زوج وتزوج وطلق، وأجيزت وكالته

стр. 1193

فى الطلاق. ووجه ذلك أنه يصح بيعه ووصيته وطلاقه. مذهب الظاهرية: ذكر ابن حزم الظاهرى حكم زواج العبد فقال: ولا يحل للعبد ولا للأمة أن ينكحا الا باذن سيدهما، فأيهما نكح بغير اذن سيده عالما بالنهى الوارد فى ذلك فعليه حد الزنا، وهو زان وهى زانية، ولا يلحق الولد فى ذلك. لقوله ﷺ : (أيما عبد تزوج بغير اذن مولاه فهو عاهر). واسم العبد واقع على الجنس فالذكور والاناث من الرقيق داخلون تحت هذا الاسم (١) وأما الصبى فلم يصرح ابن حزم الظاهرى بأنه يتزوج باذن وليه أولا يتزوج، ولكن ذكر ما يؤخذ منه حكم ذلك ضمنا، فقد قال فى المحلى ولا يجوز للأب ولا لغيره إنكاح الصغير الذكر حتى يبلغ، فان فعل فهو منسوخ أبدا .. فقول الله ﴿(وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها)﴾ مانع من جواز عقد أحد على أحد الا أن يوجب انفاذ ذلك نص: قرآن، أو سنة، ولا نص ولا سنة فى جواز انكاح الأب لابنه الصغير (٢) وهذا يقتضى أنه لا يملك انكاح الصغير أب ولا غيره، وما دام ذلك فهو لا يملك الاذن له بالنكاح، لأن من لا يملك شيئا لا يملك الاذن فيه. مذهب الزيدية: جاء فى زواج العبد باذن سيده فى البحر الزخار (٣) قوله: ولا يصح نكاح عبد الا باذن سيده، لقوله ﷺ (أيما عبد تزوج بغير اذن سيده فهو عاهر) وقال الامام يحيى: أراد به أنه كالعاهر وليس بزان حقيقة، لاستناده الى عقد. قلت: بل زان ان علم التحريم، فيحد ولا مهر وقال العترة، وهم القاسمية والناصرية: فان عقد كان موقوفا ينفذ بالاجازة .. فان دخل بها قبل الاذن. وقد أوهمه. فمهرها يتعلق برقبته ولا ينفذ بالاجازة الا مع استمرار ملكه بعد العقد حتى أجاز اذ بطلان ملكه يبطل الاجازة. وسكوت السيد حين بلغه اجازة، اذ سكوته عن عقد غيره فيما له فيه حق اجازة كسكوت الشفيع، وقال المؤيد بالله: لا كبيع الفضولى وكذا لو قال السيد لعبده: طلق كان اجازة وان جهل. أما سكوته وقد عقدت أمته لنفسها. فليس باجازة اتفاقا، اذ عقدت لغيرها فيما لغيرها فيه حق كالفضولى. وأما الصبى فقد جاء حكم تزوجه باذن وليه فى البحر الزخار (٤) وذلك حيث يقول «فان أذن الولى الصغير صح عقده كبيعه» مذهب الإمامية: ذهبوا الى أنه لا يجوز للعبد أن يتزوج الا بأذن وليه، فقد جاء فى المختصر النافع (٥) أما العقد - أى عقد النكاح - فليس للعبد ولا للأمة أن يعقدا لأنفسهما نكاحا ما لم يأذن الولى، ولو بادر أحدهما ففى توقفه على الاجازة قولان. توقفه على الاجازة أشبه (أى دلت عليه أصول

стр. 1194

المذهب) وان أذن المولى ثبت فى ذمة مولى العبد المهر والنفقة، ويثبت لمولى الأمة المهر. وأما الصبى فلا يصح عقده، فقد جاء فى المختصر النافع (١): لا حكم لعبادة الصبى ولا المجنون ولا السكران. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢) ويصح نكاح عبد أو أمة دون الطلاق منهما وانما يصح ذلك باذن السيد كما لا يصح أن يراجع أو يظاهر أو يولى منها الا باذن السيد فان فعل شيئا من ذلك بلا اذن سيد ثم أجاز السيد جاز. اذن البكر فى الزواج مذهب الحنفية: ذهبوا الى أنه لا اجبار للولى على البكر البالغة فى الزواج، ولذا لا بد من اذنها فقد جاء فى الهداية وفتح القدير «ولا يجوز للولى اجبار البكر البالغة على النكاح، لأنها حرة مخاطبة فلا يكون للغير عليها ولاية، والولاية على الصغير لقصور عقلها، وقد كمل بالبلوغ ومعنى الاجبار أن يباشر عقد الزواج فينفذ عليها شاءت أو أبت .. واذا استأذنها فسكتت أو ضحكت فهو اذن والمراد بالسكوت هو السكوت الاختيارى، فلو أخذها سعال أو عطاس، أو أخذ فمها فتخلصت من ذلك فردت ارتد، ولا فرق بين العلم والجهل بأن السكوت رضا، حتى لو زوجها أبوها فسكتت وهى لا تعلم أن السكوت رضا جاز. ولو تبسمت يكون اذنا فى الصحيح وقيل اذا ضحكت كالمستهزئة لا يكون رضا، وانما كان السكوت رضا لأن جانب الرضا فيه راجح، لأنها تستحى عن اظهار الرغبة لا عن الرد .. بخلاف ما اذا بكت، لأنه دليل السخط والكراهة. وعن أبى يوسف فى البكاء أنه رضا، لأنه لشدة الحياء، وعن محمد أنه رد لأن وضعه لاظهار الكراهة والمعول عليه اعتبار قرائن الأحوال فى البكاء والضحك، فان تعارضت أو أشكل احتيط للأمر. وانما كان السكوت اذنا ورضا لما تقدم ولقوله ﷺ : (البكر تستأمر فى نفسها، فان سكتت فقد رضيت) واذا ستأذنها غير الولى أو ولى غيره أولى منه: كالأخ مع وجود الأب لم يكن سكوتها ولا ضحكها اذنا ورضا، بل لا بد أن تتكلم بالاذن، لأن هذا السكوت لقلة الالتفات، فلم يقع دلالة على الرضا بخلاف ما اذا كان المستأمر: أى المستأذن رسول الولى، فان سكوتها حينئذ يكون اذنا، لأنه قائم مقام الولى (٣). مذهب المالكية: فانهم قد ذهبوا الى أن الولاية فى تزويج البكر البالغة ولاية اجبار لأبيها فلا ضرورة لأذنها الا اذا كانت قد رشدت أو كان المزوج غير الأب ووصيه، فقد جاء فى الشرح الكبير وحاشية (٤) الدسوقى عليه ما حاصله

стр. 1195

ثم جبر بعد المالك أب رشيد، والا يكن رشيدا بل كان سفيها فالذى يجبرها وليه، والمختار أن عدم الرشد هنا فقد التمييز، وجبر الأب المجنونة المطيقة ولو ثيبا أو ولدت الأولاد، لا من تفيق فتنتظر افاقتها ان كانت ثيبا بالغا، فاذا أفاقت فلا تزوج الا برضاها. وأما اذا كانت بكرا فانه يجبرها ولو كانت عانسا، ولا تنتظر افاقتها لو كانت مجنونة تفيق أحيانا، الا اذا زوجها لذى عاهة كخصى. وما ذكر من جبر البكر ولو عانسا هو المشهور، خلافا لابن وهب حيث قال: للأب جبر البكر ما لم تكن عانسا، لأنها لما عنست صارت كالثيب. ومنشأ الخلاف هو: هل العلة فى الجبر البكارة. وهى موجودة. أو الجهل بمصالح النساء. وهى مفقودة. ويجبر الثيب ولو بنكاح صحيح ان صغرت أو كبرت بأن كبرت وثيبت بعارض كوثبة أو ضربة أو بحرام: زنا أو غصب ولا يجبر بكرا رشدت بعد البلوغ. بأن قال لها: رشدتك، أو أطلقت يدك، أو رفعت الحرج عنك، أو نحو ذلك ثم لا جبر لأحد من الأولياء لأنثى ولو بكرا يتيمة تحت حجره بعد السيد فى تزويج الأمة، وبعد الأب ووصيه فى تزويج الحرة وحيث لا يوجد من له ولاية الاجبار فتزوج بأذنها. فان كانت بكرا كفى صمتها، الا ما استثنى. وان كانت ثيبا أعربت عن نفسها والذى استثنى هو البكر التى رشدت فلا بد من نطقها بأنها راضية بذلك الزوج والصداق وبكر مجبرة عضلت: أى منعها أبوها من الزواج فرفعت أمرها للحاكم فزوجها هو. أو بكر زوجت بعرض من عروض التجارة وهى من قوم لا يزوجون به، وذلك اذا كانت غير مجبرة بأن كانت يتيمة لا أب لها ولا وصى ينظر فى حالها. وبكر زوجت برقيق، أو زوجت بزوج ذى عيب، أو بكر غير مجبرة افتيت عليها، بأن تعدى عليها الولى غير المجبر فعقد عليها بغير اذنها ثم وصلها الخبر فرضيت بذلك، فلا بد من رضاها بالقول، ولا يكفى الصمت. مذهب الشافعية: فانهم ذهبوا الى أن البكر تزوج بدون اذنها ولو كانت بالغة اذا كان المزوج أبا أو جدا لأب، فقد جاء فى المنهاج وشرحه مغنى المحتاج (١) وللأب تزويج بنته البكر: صغيرة أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة بغير اذنها لخبر الدارقطنى: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يزوجها أبوها)، ورواية مسلمة: (البكر يستأمرها أبوها) حملت على الندب. ولكن يشترط لصحة تزويج الأب لها بغير اذنها شروط، هى: ألا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة، وأن يكون الزوج كفئا، وان يكون موسرا بمال الصداق، والتى تجبر يستحب استئذانها. واذن البكر البالغة العاقلة اذا استؤذنت فى تزويجها من كفء أو غيره يكفى فيه صمتها فى الأصح لما روى مسلم: (والبكر تستأمر واذنها سكوتها). والرأى الثانى: لا بد من النطق كما فى الثيب. ومحل الخلاف فى تزويج غير المجبر. أما هو فالسكوت كاف قطعا. أما الثيب البالغة العاقلة فتزوج بصريح

стр. 1196

الأذن: للأب أو غيره. ولا يكفى سكوتها لحديث: (ليس للولى مع الثيب أمر) رواه أبو داود وغيره، وقال البيهقى: رواته ثقات. ولو أذنت بلفظ التوكيل جاز، لأن المعنى فيهما واحد، وان قال الرافعى: الذين لقيناهم من الأئمة لا يعدونه اذنا، لأن توكيل المرأة فى النكاح باطل. مذهب الحنابلة: فقد ذهبوا الى أن البكر اذا كانت صغيرة فلا اذن لها معتبر، فهم فيها كأصحاب المذاهب الأخرى، أما اذا كانت كبيرة ففيها روايتان، فقد جاء فى الشرح الكبير للمقدسى (١) فأما الاناث فللأب تزويج ابنته البكر الصغيرة التى لم تبلغ تسع سنين بغير خلاف، اذا وضعها فى كفاءة .. يجوز له ذلك مع كراهيتها وامتناعها وقد دل على ذلك قوله تعالى ﴿(وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ)﴾، فجعل للائى لم يحضن عدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العدة ثلاثة أشهر الا من طلاق فى نكاح أو فسخ، فدل ذلك على تزويج وتطليق، ولا اذن لها يعتبر. وقالت عائشة: (تزوجنى النبى ﷺ وأنا ابنة ست وبنى بى وأنا ابنة تسع)، متفق عليه، ومعلوم أنها لم تكن فى تلك الحال ممن يعتبر اذنها. وفى البكر البالغة العاقلة روايتان: احداهما: له اجبارها على النكاح. والثانية: ليس له ذلك، واختارها أبو بكر. لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (لا تنكح الأيم حتى تسأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن) فقالوا: يا رسول الله فكيف اذنها. قال: (أن تسكت) ولأنها جائزة التصرف فى مالها فلم يجز اجبارها كالثيب والرجل). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى (٢) وللأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر ما لم تبلغ بغير إذنها، ولا خيار لها إذا بلغت. فإن كانت ثيبا من زوج مات عنها أو طلقها لم يجز للأب ولا لغيره أن يزوجها حتى تبلغ، ولا إذن لها قبل أن تبلغ. وإذا بلغت البكر والثيب لم يجز للأب ولا لغيره أن يزوجها إلا بإذنها، فإن وقع فهو مفسوخ ابدا: فاما الثيب فتنكح من شاءت وان كره الأب، واما البكر فلا يجوز لها نكاح الا باجتماع اذنها واذن ابيها. وقد بين ابن حزم الظاهرى أن اذن البكر لا يكون الا بالسكوت فقال: وكل ثيب فاذنها فى نكاحها لا يكون الا بكلامها بما يعرف به رضاها. وكل بكر فلا يكون اذنها فى نكاحها الا بسكوتها، فان سكتت فقد أذنت ولزمها النكاح، فان تكلمت بالرضا أو بالمنع أو غير ذلك فلا ينعقد بهذا نكاح عليها. لقول رسول الله ﷺ فى البكر (اذنها صماتها). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٣) خاصا باذن البكر: ويعتبر رضا البكر البالغة، لقوله

стр. 1197

صلى الله عليه وسلم (والبكر تستأذن فى نفسها، واذنها صماتها) وردوا على من قالوا باجبارها من الأب مستدلين بأن النبى ﷺ قال: (الثيب أحق بنفسها من وليها) فدل بمفهومه على أن البكر ليس لها هذا الحق، فقالوا: الصريح (أى الذى جاء فى الحديث الخاص باستئذان البكر) يدفع المفهوم: وكما يكون الأذن بالسكوت يكون بالضحك والهرب وتغطية الوجه، لأجل العادة. مذهب الإمامية: لا يجوز للعبد ولا للأمة ان يزوجا أنفسهما الا باذن من المولى فان بادر أحدهما فزوج نفسه من غير اذنه قيل يبطل والأقرب أنه موقوف على اذن المولى فان أجازه صح والا بطل وعلى المولى مهر عبده ونفقة زوجته وله مهر أمته ولو كان المالك أكثر من واحد لم يمض النكاح الا باذنهم جميعا (١) وذهبوا الى أنه لا ولاية لأحد فى النكاح لغير الأب والجد للأب وإن علا والوصى والمولى والحاكم وولاية الأب والجد ثابتة على الصغيرة ولو ذهبت بكارتها بزنا أو غيره لا فرق بين الثيب والبكر فى ذلك ولهما الولاية على الصبى غير البالغ والثيب تزوج نفسها ولا ولاية عليها لأب ولا لغيره ولو زوجها من غير إذنها وقف على اجازتها واما البكر البالغة فأمرها بيدها وقيل العقد مشترك بينهما فلا ينفرد به أحدهما. وقيل أمرها الى الأب (٢). مذهب الإباضية: لا نكاح عندهم الا بولى. والا بأذنه أو باجازته بعده وأولى الأولياء فى النكاح الأب فالجد وان علا ولا تزوج البكر الا بعد استئمارها ولو كان المباشر للعقد هو الأب فان لم تستأمر بطل ما لم تجزه بعد ذلك وقيل اذا زوجها الأب جاز عليها. ومن الإباضية من اشترط استئمار البكر ولو لم تبلغ اذا كانت مميزة ويزوج الأب البكر أو الثيب عند طفولتهما (٣). الاذن بالخصومة: لا بد من وجود مدع ومدعى عليه حتى تتكون الخصومة فى القضايا، ولكن قد يغيب المدعى عليه فماذا يكون الحال فى مقاضاته. أيقضى عليه بلا نائب عنه. أم يقام نائب عنه فى الخصومة. مذهب الحنفية: ذهبوا الى أنه يقام عنه نائب فى الخصومة، فقد جاء فى الدر المختار وابن عابدين: والمعتمد أن القضاء على المسخر لا يجوز الا لضرورة، وهى فى خمس مسائل وعد منها. ما اذا توارى المدعى عليه فى منزله وكتب القاضى الى الوالى لاحضاره ولم يظفر به وأنذره باقامة وكيل عنه ان لم يحضر ينصب القاضى وكيلا وهو قول أبى يوسف وقد سار عليه المتأخرون. والمسخر الذى ذكر فيما تقدم هو الذى ينصبه القاضى وكيلا عن الغائب ليسمع الخصومة

стр. 1198

عليه. وشرطه عند القائلين به أن يكون الغائب فى ولاية القاضى. ونقل شراح الوهبانية عن شرح أدب القاضى أنه قول الكل، وان القاضى يختم بيته مدة يراها ثم ينصب الوكيل عن الغائب فيقوم بما كان يلزم أن يقوم به الغائب (١) وكذلك فى الدعوى للموقف أو عليه اذا لم يكن هناك من يمثل الوقف بان لم يكن هناك ناظر أصلا أو كانت الدعوى ضد الناظر نفسه ففى هذه الحالة يأذن القاضى شخصا لاقامة الدعوى للوقف أو لاقامة الدعوى عليه وكذلك فى دعوى الحسبة وكل من لا تتوجه عليه الدعوى شرعا وتقضى المصلحة العامة بتوجيه الدعوى على ذى صفة فان القاضى يأذن بالخصومة فى مثل هذه الأحوال مدعيا كان أو مدعى عليه. مذهب المالكية: ذهبوا الى أن القاضى يقضى على الغائب دون أن يقيم خصما فى أحوال بينها الدردير فى الشرح الكبير والدسوقى فى حاشيته (٢) عليه، فقد حاء فيهما ما حاصله. القاضى يحكم على الغائب اذا كانت الغيبة قصيرة كاليومين والثلاثة وما قاربهما مع الأمن وحكمه كالحاضر فى سماع الدعوى عليه والبينة وتزكيتها، ثم يكتب اليه بالأعذار فيها، وأنه اما أن يقدم لا بداء الطعن فى البينة أو يوكل وكيلا عنه فى ذلك، فان لم يقدم ولم يوكل حكم عليه فى كل شئ: من دين وعرض وعقار وحيوان، ويباع عقاره ونحوه فى الدين، ويعجزه: أى يحكم بعجزه والمراد بذلك عدم قبول البينة التى يأتى بها، وهذا الحكم بالعجز حكم زائد على الحكم بالحق، وسواء فى ذلك أن يكون مدعيا، فيكون عاجزا عن البينة الشاهدة له بما يدعيه، أو كان مدعى عليه فيكون عاجزا عن البينة المجرحة للبينة الشاهدة عليه، ولكن ليس للقاضى التعجيز فى دم وعتق ونسب وطلاق ووقف ثم فى الغيبة البعيدة أيضا فيقضى عليه فى كل شئ: من دين وعرض وعقار وحيوان بعد سماع البينة وتزكيتها بيمين القضاء من المدعى، وتكون بأنه ما أبرأه ولا قبضه منه، ولا أحاله الغائب به ولا وكل من يقبضه عنه فى الكل ولا البعض، وهذه اليمين واجبة على المذهب لا يتم الحكم الا بها. وقيل انها مقوية للحكم فقط فلا ينقض الحكم بدونها على هذا الرأى. وهذه اليمين تتوجه على المدعى فى الحكم على الغائب والميت واليتيم والمساكين والأحباس ونحو ذلك كالحكم على بيت المال اذا ادعى انسان أنه معدم ليأخذ حقه من بيت المال، أو أنه ابن فلان الذى مات ووضع ماله فى بيت المال لظن أنه لا وارث له. وذهب ابن رشد الى تحليف هذه اليمين فى الحيوان دون العقار. والغيبة المتوسطة فى حكم البعيدة. ومحل حكم القاضى فى هذه الغيبات الثلاثة اذا كان غائبا عن محل ولاية الحكم ولكنه له بها مال أو وكيل أو حميل واذا قدم أعذر له فى الشهود بعد

стр. 1199

تسميتهم له: أى قطع عذره: بأن يقول له: ألك مطعن فى هذه البينة. فان أبدى فيهم مطعنا وأثبته نقض الحكم. مذهب الشافعية: ذهبوا الى الحكم على الغائب دون اقامة خصم عنه، فقد جاء فى المهذب: واذا حضر رجل عند القاضى وادعى على غائب عن البلد أو على حاضر فهرب، أو على حاضر فى البلد فاستتر وتعذر احضاره، فان لم يكن معه بينة لم يسمع دعواه، لأن استماعها لا يفيد، وان كانت معه بينة سمع دعواه وسمعت بينته، لأنا لو لم نسمع جعلت الغيبة والاستتار طريقا الى اسقاط الحقوق التى نصب الحاكم لحفظها. ولا يحكم عليه الا أن يحلف المدعى أنه لم يبرئ من الحق، لأنه يجوز أن يكون قد حدث بعد ثبوته بالبينة ابراء أو قضاء أو حوالة. ولهذا لو حضر من عليه الحق وادعى البراءة بشئ من ذلك سمعت دعواه وحلف عليه المدعى .. وان ادعى على حاضر فى البلد يمكن احضاره ففيه وجهان: أحدهما أن تسمع الدعوى والبينة ويقضى بها بعد ما يحلف المدعى، لأنه غائب عن مجلس الحكم فجاز القضاء عليه كالغائب عن البلد والمستتر فى البلد. والثانى: أنه لا يجوز سماع البينة عليه ولا الحكم، وهو المذهب، لأنه يمكن سؤاله، فلا يجوز القضاء عليه قبل السؤال كالحاضر فى مجلس الحكم. وان ادعى على ميت سمعت البينة وقضى عليه (١). مذهب الحنابلة: ومن ادعى على غائب مسافة قصر أو على مستتر فى البلد أو على ميت أو على صغير أو مجنون وللمدعى بينة حاضرة سمعت وحكم بها القاضى اذا كانت الدعوى فى غير حقوق الله تعالى كالزنا والسرقة غير أنه فى السرقة يقضى بالمال فقط ثم اذا ظهر المدعى عليه بعد ذلك بأن حضر الغائب أو ظهر المستتر أو رشد الصغير أو أفاق المجنون فهو على حجته أما الغائب دون مسافة القصر والحاضر بالبلد غير المستتر فلا تسمع عليه الدعوى ولا البينة حتى يحضرا أو يمتنعا عن الحضور فعندئذ تسمع الدعوى والبينة عليهما ويحكم بناء على ذلك (٢) وعلى ذلك فليس عند الحنابلة اذن بخصومة عن غائب. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى: يقضى القاضى على الغائب كما يقضى على الحاضر وهو قول الشافعى ولقد صح عن عمر وعثمان رضى الله عنهما القضاء على الغائب وقد صح عن رسول الله ﷺ الحكم على الغائب كما حكم على العرنيين الذين قتلوا الرعاة وسملوا أعينهم وفروا اذ قضى بالقصاص فيهم ولم يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. وعلى ذلك فليس عند ابن حزم حاجة الى اذن شخص بالخصومة عن غائب. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أنه يجوز القضاء على الغائب فى غير الحدود اذا كانت غيبته

стр. 1200

لمسافة قصر أو كان غائبا فى مكان مجهول لا يعرف فى أية جهة هو ففى هذه الحال يحكم عليه كالغائب وكذلك اذا كان فى موضع لا بنال كالحبس الممنوع من دخوله أو كان حاضرا فى البلد وهو ذو سلطان متغلب على مجلس الشرع فانه يحكم عليه بعد الاعذار. وفى جميع هذه الأحوال لا يحكم عليهم حتى ينصب القاضى مأذونا بالخصومة أى وكيلا عنهم يسمع الدعوى وينكره وتقوم الشهادة فى وجهه ومتى حضر الغائب بعد أن حكم عليه وطلب استئناف الدعوى فليس له الا تعريف الشهود (١). مذهب الإمامية: ذهب الإمامية الى أنه يقضى على الغائب مع قيام البينة ويباع ماله ويقضى دينه فاذا حضر بعد ذلك كان على حجته ولذا لا يدفع المال الى المدعى الا بكفلاء يكفلونه وعلى ذلك فليس عندهم حاجة الى اذن بالخصومة عن الغائب (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: لا تجوز الحكومة لغائب ولا على غائب اذا لم تكن له الخليفة على ذلك «وكيل» فان كانت له الخليفة فانه يحكم له وعليه وقال اصحابنا يجوز الاستماع على الغائب عن مصره والممتنع عن الحكم والحضور الى مجلس الحاكم وانفاذ الحكم عليه. وقال الحضرمى وهو الصحيح لأن امتناع الخصم كحضوره ولكن الذى عندى أنه يحبر على الحضور والاجابة وأما الحدود فلا يحكم بها على غائب باتفاق الأمة ولم يأت ذكر لنصب وكيل أو مأذون بالخصومة ليحكم فى وجهه (٣) وعلى الجملة فكل تصرف منع منه محافظة على حق ثابت لغير من أراد هذا التصرف يستمر المنع منه شرعا حتى يأذن صاحب الحق فبعد اذنه ورضائه بما قد يلحقه من ضرر بسببه وعندئذ يرتفع الحجر عنه فى ذلك مثل قيام الراهن ببيع الرهن فيمنع منه حتى يأذن به المرتهن وكذلك قيام المرتهن ببيع الرهن يمنع منه حتى يأذن بذلك الراهن واعارة المستعير العين المستعار لا تجوز الا باذن المعير المالك ونحو ذلك. بعض ما يتوقف نفاذه أو جوازه على الاذن: عنى الفقهاء بذكر ذلك وبيانه ولكن كان تعرضهم له متفرقا منتشرا فى مواضع عديدة من أبواب الفقه ومسائله دون حصر له وبيان تحت عنوان واحد ولذا كان من غير اليسير احصاؤه ويكفى أن نشير الى المبدأ العام فيه وهو أن التصرف أو العمل اذا كان يمس حقا لغير من يباشره وجب لنفاذه وجوازه دون ترتب تبعة الأذن فيه من صاحب هذا الحق اما بطلب ذلك منه أو باقدام صاحب الحق على اصداره دون طلب وفيما يلى بعض هذه المسائل. ١ - لا يجوز للراهن فى رأى أبى حنيفة وأصحابه أن يبيع العين المرهونة أو يرهنها

стр. 1201

لدى دائن آخر أو يؤجرها أو يرتب عليها حقا الا باذن من المرتهن وذلك لتعلق حقه بها وفى التصرف فيها مساس بهذا الحق وضرر بصاحبه فوجب لذلك اذنه حتى لا يضار بغير رضاه ويلاحظ أن أذن المرتهن فى هذه الحال ليس من قبيل التوكيل لأنه غير مالك للعين المرتهنة ومن ثم لا يصح منه توكيل لمالكها فى التصرف فيها لأن التصرف من خصائص الملك وكذلك لا يجوز للمرتهن أن يبيع العين المرهونة لايفاء دينه من ثمنها الا باذن من الراهن لأنه مالكها وكذلك الحكم فى كل تصرف يصدر من شخص فيما لا يملك والأذن فى هذه الحال من قبيل التوكيل. راجع مصطلح بيع فى بيع العين المرهونة. ٢ - لا يجوز للمالك المؤجر للعين فى رأى أبى حنيفة وأصحابه أن يبيع العين المستأجرة فى أثناء مدة الاجارة الا بأذن من المستأجر لأن حقه فى وضع يده عليها استيفاء لمنفعتها متعلق بها والتصرف فيها يمس ذلك الحق فلا ينفذ الا باذنه حتى لا يضار بغير رضاه والأذن فى هذه الحال ليس من قبيل التوكيل لما ذكرنا (راجع مصطلح اجارة فى بيع العين المستأجرة). ٣ - اذا كانت منفعة العين المستأجرة مما يختلف باختلاف المستعمل فلا يجوز للمستأجر فى رأى أبى حنيفة وأصحابه أن يؤجرها الا بأذن من مالكها المؤجر اذ قد يضر انتفاع المستأجر الجديد بها لأن انتفاعه بها أشد ضررا وأقسى استعمالا (راجع مصطلح اجارة فى تصرف المستأجر فى المنفعة). ٤ - يرى الحنفية أنه لا يجوز للمطلقة بائنا بعد انتهاء عدتها أن تخرج بالولد المحضون من بلدة الى أخرى بينهما تفاوت بحيث لا يمكن والده أن يرى ولده ثم يرجع فى نهاره الا باذنه. ولكن لها الخروج من قرية الى مصر قريبة ومن بلدة الى أخرى هى وطنها وقد عقد عليها فيها أما غيرها من الحاضنات فليس لها نقله الا باذن الأب فى جميع الأحوال كما لا يجوز للأب أن يخرجه من بلد حاضنته الا باذنها ما بقيت حضانتها (١) (راجع مصطلح حضانة). ٥ - يرى أبو حنيفة أن المدعى لا يجوز أن يوكل غيره فى الخصومة الا لعذر أو باذن المدعى عليه فاذا وكل من غير اذن ولا عذر لا تنفذ الوكالة (راجع مصطلح وكالة ودعوى).

стр. 1202

٦ - لا يجوز للمستعير أن يعير غيره مطلقا عند الشافعية وقيد الحنفية ذلك بما يختلف الانتفاع به باختلاف المستعمل الا باذن من المعير (راجع مصطلح اعارة). ٧ - لا تملك الأرض الموات عند الامام بالاحياء الا باذن الامام فلو أحياها بلا اذنه لم يملكها خلافا لصاحبيه (راجع مصطلح احياء). ٨ - اذا أدى الكفيل بالدين ما التزم به الى الدائن وكانت الكفالة بغير طلب المدين لم يرجع على المدين الا اذا أذنه بالأداء. (راجع مصطلح كفالة). ٩ - ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وكل فيه عند الشافعية الا اذا كان عاجزا عن القيام به أو غير لائق به أو أذنه الموكل فى ذلك. (راجع مصطلح وكالة). ١٠ - ليس للموهوب له أن يقبض العين الموهوبة الا باذن من الواهب عند الحنفية فان قبضها من غير اذنه لم يعتبر هذا القبض ويعتبر الايجاب بالهبة اذنا بالقبض اذا كان فى مجلس العقد والا وجب اذن مستقل بقبضها (راجع مصطلح هبة) وكذلك الحكم فى المبيع عند تأجيل الثمن ليس للمشترى قبضه الا باذن من البائع (راجع مصطلح بيع). ١١ - ليس للشريك فى المال المشترك بسبب الخلط أن يبيع حصته منه الا باذن من شريكه عند الحنفية (راجع مصطلح شركة). ١٢ - ليس لانسان أن يدخل بيتا مسكونا غير بيته الا باذن من ساكنه بعد السلام عليه فان أذن له دخل والا رجع لقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ - «تستأذنوا -» ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها» وروى أن رجلا قال لرسول الله ﷺ أأستئذن على أمى قال نعم قال لا خادم لها غيرى أأستئذن عليها كلما دخلت قال أتحب أن تراها عريانة قال لا. قال: اذن فاستئذن، فان لم يكن به أحد فلا يدخل حتى يحضر من له حق الاذن بالدخول فيأذن له فان المانع ليس هو الاطلاع على العورات فقط بل وعلى ما يخفيه الناس عادة فى بيوتهم وهو ضرب من التصرف فلا يجوز فى ملك الغير الا باذنه وذلك ما يدل عليه قوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ». والمسائل من هذا النوع كثيرة يرجع اليها فى مواضعها من كتب الفقه.

стр. 1203

إراقة تعريف الاراقة فى اللغة: جاء فى المصباح راق الماء والدم وغيره ريقا من باب باع، انصب ويتعدى بالهمزة فيقال أراقه صاحبه والفاعل مريق والمفعول مراق وتبدل الهمزة هاء فيقال هراقه والأصل هريقه (١). وفى الاصطلاح: يؤخذ من نصوص الفقهاء وتعبيراتهم أنهم يستعملون كلمة اراقة فى اراقة دم الأضاحى والهدى. والعقيقة وغيرهما وفى اراقة الخمر بقصد اتلافه وهى فى ذلك لا تخرج عن معناها اللغوى المشار اليه. اراقة الدم فى الأضحية والهدى والعقيقة: جاء فى البدائع للكاسانى (٢): أن الاراقة فى حد ذاتها لا تعقل قربة لأنها اتلاف وانما جعلت قربة فى وقت مخصوص فاقتصر كونها قربة على الوقت المخصوص وهو أيام الأضاحى فلا تقضى بعد خروج الوقت ولهذا اذا فات وقت الأضحية المحدد لا تقضى الأضحية بالاراقة وانما تقضى بالتصدق بعين الشاة حية أو بقيمتها لأن الأصل فى الأموال التقرب بالتصدق بها لا بالاتلاف وهو الاراقة الا أنه نقل الى الاراقة مقيدا فى وقت مخصوص (٣) كذلك جاء فى الهدى من النعم - الابل والبقر والغنم - ما يعتبر أن القربة فيه انما تكون بالاراقة فى زمان مخصوص ومكان مخصوص فقد جاء فى البدائع: معنى القربة فى الهدى من النعم سواء أكان دم تمتع أو قران أو هدى تطوع أو دم جبر بسبب جناية على الاحرام تكون بالاراقة شرعا، والاراقة لم تعرف قربة فى الشرع الا فى مكان مخصوص أو زمان مخصوص والشرع أوجب الاراقة ههنا فى الحرام بقوله تعالى «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ» حتى اذا ذبح الهدى جاز له أن يتصدق بلحمه على فقراء غير أهل مكة لأنه لما صار لحما صار معنى القربة فيه فى الصدقة كسائر الأموال ولا يجوز ذبح هدى التطوع والتمتع والقران الا فى يوم النحر وفى الأصل لمحمد بن الحسن يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر. وذبحه يوم النحر أفضل وهذا هو الصحيح لأن معنى القربة فى اراقة الدم فى أيام النحر أظهر (٤) ولا يقوم مقام الأضحية غيرها فقد جاء فى البدائع (٥): لا يقوم غيرها مقامها حتى لو تصدق بعين الشاة أو قيمتها فى الوقت لا يجزيه عن الأضحية لأن

стр. 1204

الوجوب تعلق بالاراقة والأصل أن الوجوب اذا تعلق بفعل معين أنه لا يقوم غيره مقامه وههنا الواجب فى الوقت اراقة الدم شرعا غير معقول المعنى فيقتصر الوجوب على مورد الشرع ولما كانت القربة فى الأضحية قد تمحضت فى اراقة الدم فقط كان للمضحى أن يأكل من أضحيته بل جاز له أن يحبس الكل لنفسه ولعياله لأن التصدق باللحم تطوع هنا انظر أضحية. دم العقيقة والعقيقة: هى الذبيحة التى تذبح للمولود وهى مما يتقرب به الى الله كالأضحية والهدى قال ابن القيم فى زاد المعاد: الذبائح التى هى قربة الى الله وعبادة ثلاثة: الهدى. والأضحية. والعقيقة وفى بيان وقتها. وحكمها تفصيل موطنه مصطلح عقيقة. اراقة الخمر مذهب الحنفية: قال صاحب الدر المختار (١) خمر المسلم وخنزيره بأن أسلم وهما فى يده اذا أتلفها مسلم أو ذمى فلا ضمان وضمن المتلف المسلم قيمتها لذمى لأن الخمر فى حقنا مقومة حكما. مذهب الشافعية: قال صاحب نهاية المحتاج (٢) لا تراق الخمر على ذمى ألا أن يظهر شربها أو بيعها أو هبتها أو نحو ذلك ولو من مثله بأن يطلع عليه من غير تجسس وتراق عليه ثم قال إذا غصبت من مسلم يجب ردها ما دامت العين باقية إذ له إمساكها لتصير خلا أما غير المحترمة وهى ما عصرت بقصد الخمرية فتراق ولا ترد عليه. مذهب الظاهرية: من أهرق خمرا لمسلم أو لذمى لا شئ عليه اذ لا قيمة للخمر وقدم حرم رسول الله ﷺ بيعها وأمر باراقتها فما لا يحل بيعه ولا ملكه فلا ضمان عليه (٣) كما قال صاحب المحلى لا يحل كسر أوانى الخمر ومن كسرها من حاكم أو غيره فعليه ضمانها لكى تهرق وتغسل الفخار (٤). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار ويجب أن يريق خمرا رآها له أو لمسلم غيره وقال فى الحاشية أو لذمى إذا كان فى بلد ليس لهم سكناها ولو كان ابتداء عصرها وقع بنية الخل لكنه كشف الغطاء فوجده لم تكتمل خليته بل هو خمر فإنه يلزمه إراقته ولو كان عصره بنية الخمر ثم لم يشاهده خمرا فانه يلزمه اراقته.

стр. 1205

ارتثاث التعريف فى اللغة ارتث مادتها رثت، والرثة والرثة والرثيث الخلق الخسيس البالى من كل شئ، تقول ثوب رث وحبل رث ورجل رث الهيئة فى لبسه وارتث على وزن افتعل على مالم يسم فاعله، أى حمل من المعركة رثيثا أى جريحا وبه رمق، والمرتث الصريع الذى يثخن فى الحرب ويحمل حيا ثم يموت، وقال ثعلب هو الذى يحمل من المعركة وبه رمق فان كان قتيلا فليس بمرتث، وعن التهذيب يقال للرجل إذا ضرب فى الحرب فأثخن وحمل وبه رمق ثم مات، وفى حديث كعب بن مالك رضى الله عنه أنه ارتث يوم أحد فجاء به الزبير يقود بزمام راحلته، والارتثاث أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح (١). تعريف الأرتثاث عند الفقهاء: مذهب الحنفية: تحدث صاحب البدائع عن الشهيد وشرائط الشهادة وعد من الشروط ألا يكون الشهيد مرتثا لأن الارتثاث يمنع الشهادة. ثم قال: والمرتث من خرج عن صفة القتلى وصار الى حال الدنيا بأن جرى عليه شئ من أحكامها أو وصل اليه شئ من منافعها واذا عرف هذا فنقول: من حمل من المعركة حيا ثم مات فى بيته أو على أيدى الرجال فهو مرتث وكذلك اذا أكل أو شرب أو باع أو ابتاع أو تكلم بكلام طويل أو قام من مكانه ذلك أو تحول من مكان الى مكان آخر وبقى على مكانه ذلك حيا يوما كاملا أو ليلة كاملة وهو يعقل فهو مرتث، وروى عن أبى يوسف أنه اذا بقى وقت صلاة كامل حتى صارت الصلاة دينا فى ذمته وهو يعقل فهو مرتث، وان بقى مكانه وهو لا يعقل فليس بمرتث وقال محمد ان بقى يوما فهو مرتث ولو أوصى كان ارتثاثا عند أبى يوسف خلافا لمحمد وقيل لا خلاف بينهما فى الحقيقة فجواب أبى يوسف خرج فيما اذا أوصى بشئ من أمور الدنيا فان ذلك يوجب الارتثاث بالاجماع لأن الوصية بأمور الدنيا من أحكام الدنيا ومصالحها فينقض ذلك معنى الشهادة وجواب محمد محمول على ما اذا أوصى بشئ من أمور الآخرة وذلك لا يوجب الارتثاث بالاجماع كوصية سعد بن الربيع على ما روى أنه لما أصيب المسلمون يوم أحد ووضعت الحرب أوزارها قال رسول الله ﷺ هل من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع فنظر عبد الله بن عبد الرحمن من بنى النجار رضى الله تعالى عنهم فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق فقال له: أن رسول الله ﷺ أمرنى أن أنظر فى الأحياء أنت أم فى الأموات فقال: أنا فى الأموات فأبلغ رسول الله ﷺ عنى السلام وقل له: ان سعد بن الربيع يقول جزاك الله عنا خير ما يجزى نبى عن أمته

стр. 1206

وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم ان سعدا يقول: لا عذر لكم عند الله تعالى أن يخلص الى نبيكم وفيكم عين تطرف قال عبد الله ثم لم أبرح حتى مات فلم يغسل وصلى عليه، ثم قال صاحب البدائع وذكر فى الزيادات أنه ان أوصى بمثل وصية سعد بن الربيع فليس بارتثاث ثم قال: والصلاة ارتثاث لأنها من أحكام الدنيا، ولو جر برجله من بين الصفين حتى لا تطؤه الخيل فمات لم يكن مرتثا لأنه ما نال شيئا من راحة الدنيا بخلاف ما اذا مرض فى خيمته أو فى بيته لأنه قد نال الراحة بسبب ما مرض فصار مرتثا ثم تحدث بعد ذلك صاحب البدائع عن المرتث فى أنه ان لم يكن شهيدا فى حكم الدنيا فهو شهيد فى حق الثواب حتى أنه ينال ثواب الشهداء (١) ومحل ذلك يرجع اليه فى مصطلح «شهيد» ومصطلح «غسل»، ومصطلح «ثواب». مذهب المالكية: قال خليل فى الشرح الكبير: لا يغسل شهيد معترك الا ان رفع حيا من المعركة ثم مات وان نفذت مقاتله الا المغمور، وقال الدردير ان من رفع من المعركة حيا منفوذ المقاتل ثم مات فانه لا يغسل ولا يصلى عليه وعلق الدسوقى فى حاشيته على رأى خليل بقوله حاصل كلام المصنف أنه اذا رفع حيا فانه يغسل ولو منفوذ المقاتل ما لم يكن مغمورا وهو من لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم الى أن مات ولم تنفذ مقاتله فانه لا يغسل ثم قال الدسوقى وهذا هو المشهور من قول ابن القاسم كما نقله فى التوضيح عن ابن بشير ونقل المواق عن ابن عرفة وابن يونس والمازرى ما يوافقه ثم قال الدسوقى: وطريقة سحنون أنه متى رفع منفوذ المقاتل أو معمورا فلا يغسل وهو الذى اقتصر عليه ابن عبد البر فى الكافى وصاحب المعونة، واحتج المواق كما نقله الدسوقى وخليل كما نقله الصاوى بتغسيل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بمحضر الصحابة مع أنه رفع منفوذ المقاتل (٢). مذهب الشافعية: قال الشافعية: الشهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام أو بقوا مدة ينقطع فيها الحرب وان لم يطعموا كغيرهم من الموتى وقال: وعمر شهيد غير أنه لما لم يقتل فى المعترك غسل وصلى عليه (٣) وجاء فى المجموع: من جرح فى الحرب ومات بعد انقضاء الحرب غسل وصلى عليه لأنه مات بعد انقضاء الحرب (٤). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة ان حمل من كلم (٥) فى أرض المعركة - فأكل أو طال بقاؤه غسل وصلى

стр. 1207

عليه - لأن رسول الله ﷺ غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيدا رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحله (١) فحمل الى المسجد فلبث فيه أياما ثم مات وظاهر كلام الخرقى أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل وصلى عليه وان مات فى المعركة أو عقب حمله لم يغسل ولم يصل عليه وقال أحمد فى موضع ان تكلم أو أكل أو شرب صلى عليه، وعن أحمد أنه سئل عن المجروح اذا بقى فى المعركة يوما الى الليل ثم مات فرأى أن يصلى عليه، والصحيح التحديد بما ذكرنا من طول الفصل والأكل لأن الأكل لا يكون الا من ذى حياة مستقرة وطول الفصل يدل على ذلك، وقد ثبت اعتبارهما فى كثير من المواضع، وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشئ منها لما روى أن رسول الله ﷺ ، قال: يوم أحد «من ينظر ما فعل سعد بن الربيع» فقال رجل أنا أنظر يا رسول الله فنظر فوجده جريحا به رمق، فقال له أن رسول الله ﷺ . أمرنى أن أنظر فى الأحياء أنت أم فى الأموات قال: فأنا فى الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عنى السلام وذكر الحديث، قال: ثم لم أبرح أن مات وروى أن أصيرم بنى عبد الأشهل وجد صريعا يوم أحد فقيل له ما جاء بك، قال أسلمت ثم جئت وهما من شهداء أحد دخلا فى عموم قول رسول الله ﷺ : «ادفنوهم بدمائهم وثيابهم ولم يغسلا ولم يصل عليهما وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب، وفى حديث أهل اليمامة عن ابن عمر رضى الله عنه أنه طاف فى القتلى فوجد أبا عقيل الأنفى قال فسقيته ماء وبه أربعة عشر جرحا كلها قد خلص الى مقتل فخرج الماء من جراحاته كلها فلم يغسل» (٢). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: المقتول بأيدى المشركين خاصة فى سبيل الله فى المعركة خاصة ان حمل عن المعركة وهو حى فمات غسل وكفن وصلى عليه (٣). مذهب الزيدية: قال الزيدية فى شرح الأزهار: الشهيد الذى لم يمت فى موضع القتال لكنه ذهب منه وقد جرح فى موضع المعركة بما يعرف من طريق العادة أنه يقتله يقينا نحو رميه أو ضربه بسيف أو عصا أو رضخه أو طعنه فى معمد ولم يمت منها فى الحال فان هذا لا يغسل ولو مات فى بيته على فراشه ذكره الصادق بالله وعلى خليل وظاهر قول الهادى ﵇ أنه اذا نقل وبه رمق غسل وحكى فى الزوائد للقاسمية أنه اذا أكل أو شرب أو دوى غسل والا فلا ومثله عن أبى طالب يحيى ابن الحسين (٤). مذهب الإمامية: قال الإمامية عن الشهيد ظاهر الأخبار أنه اذا أدركه المسلمون وبه رمق يغسل سواء

стр. 1208

مات فى المعركة وغيرها وتخصيصه لمن مات فيها محل تأمل وظاهر الأخبار أنه يكفى فى وجوب التغسيل ادراكه حيا وان لم ينقض الحرب ولا نقل عن المعركة، ثم قال الشيخ فى كتاب الخلاف اذا جرح فى المعركة ثم مات بعده بساعة أو ساعتين قبل أن تنقضى الحرب فحكمه حكم الشهيد ومعنى قولهم مات فى المعركة أنه لم ينقل عنها وبه رمق ولم ينقض الحرب وبه رمق فان نقل عنها وبه رمق أو انقضى الحرب وبه رمق غسل لأنه لم يمت بين الصفين (١). مذهب الإباضية: قال الإباضية: يغسل الشهيد ان تعدى المعركة حيا وقيل لا وقيل ان مات فى يومه فلا يغسل والا غسل وقيل يغسل الشهيد مطلقا والمشهور الأول (٢) وجاء فى الايضاح فى أثر أصحابنا من أهل المشرق أن الشهيد الذى لا يغسل هو المقتول فى المعركة وان حمل من المعركة وفيه رمق حياة حتى مات من بعد فانه يغسل وفى أثر أصحابنا النفوسيين ﵏ أن المجروح اذا مات فى يومه ذلك فانه لا يغسل ولا يتيم له. ارتداد التعريف اللغوى: الارتداد فى اللغة الرجوع (٣). تعريف الردة عند الفقهاء: مذهب الحنفية: يعرف الحنفية المرتد بأنه الراجع عن دين الاسلام ولا يخالف ذلك ما عرفه به كل من الحنابلة والظاهرية والإمامية (٤). مذهب المالكية: يعرف المالكية الردة: هى كفر بعد اسلام تقرر بالنطق بالشهادتين والتزام أحكامهما (٥) مذهب الشافعية: وعرف الشافعية الردة بأنها قطع الاسلام بنية أو قول كفر أو فعل سواء قاله استهزاءا أو عنادا أو اعتقادا (٦). ما يصير به المسلم مرتدا: مذهب الحنفية: قال الحنفية: تتحقق الردة باجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الاسلام كما تتحقق بانكار ما علم من الدين بالضرورة كانكار فرضية الصلاة أو الصيام أو الزكاة، ولا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان فى كفره خلاف ولو

стр. 1209

كان ذلك رواية ضعيفة فاذا كان فى المسألة وجوه توجب الكفر وواحد يمنعه فعلى المفتى الميل لما يمنعه (١). مذهب المالكية: قال المالكية تكون الردة بأحد أمور ثلاث (٢). ١ - اما بصريح القول كقوله أشرك أو أكفر بالله. ٢ - أو بلفظ يقتضيه أو كجحده حكما معلوما من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة وحرمة الزنا أو قال بقدم العالم أو ببقائه أو شك فى ذلك. ٣ - واما بفعل يتضمن الارتداد أى يقتضى الكفر ويستلزمه استلزاما كالقاء مصحف بقذر. وقال خليل: يرتد ان سب نبيا أو أحد الملائكة مجمعا على نبوته أو ملكيته أو عرض بواحد منهما أو لعنه أو عابه أو قذفه أو استخف بحقه (٣) ويرتد كذلك بشد الزنار «وهو حزام ذو خيوط ملونة يشد به الذمى وسطه ليتميز به عن المسلم» وكذلك بلبس ثياب الكافر الخاص به اذا فعله حبا فيه وميلا لأهل الكفر (٤) وكذلك يكفر اذا استحل حراما كشرب الخمر أو جحد حلالا مجمعا على اباحته (٥). مذهب الشافعية: أما الشافعية فقد ضربوا أمثلة لما يكون به المسلم مرتدا. فقالوا ان الارتداد قد يقع بالتلفظ بألفاظ الكفر، وبجحود فرض أو استباحة محرم (٦). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: من أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو صفة من صفاته أو بعض كتبه أو رسله أو سب الله أو رسوله فقد كفر، وكذلك من جحد وجوب عبادة من الخمس أو جحد تحريم الزنا أو الخمر أو أنكر حل الحلال كاللحم والخبز ونحوه من الأحكام الظاهرة المجمع عليها ممن لا يجهلها (٧). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية ان من موجبات الكفر أن يكفر بما بلغه النبى ﷺ وصح عنه وأجمع عليه المؤمنون (٨) وقال ابن حزم ان من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين يكون بهذا الفعل مرتدا له أحكام المرتد كلها وأما من فر الى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليه ولم يجد فى المسلمين من يجيره فهذا لا شئ عليه لأنه مضطر مكره وكذلك من كان معذورا فى اقامته عندهم لمرض أو انقطاع طريق (٩). مذهب الزيدية: قال الشيعة الزيدية: ان الردة عن الاسلام تكون بأحد أوجه أربعة (١٠).

стр. 1210

١ - اما باعتقاد كفر نحو أن يعتقد أن الله تعالى ثالث ثلاثة أو أن المسيح أو عزير هو ابن الله، أو يعتقد كذب النبى ﷺ فى بعض ما جاء به، أو أن الميعاد المذكور فى القرآن والكتب المنزلة المراد به الروحانى دون الجسمانى دون أن يكون هناك محشر أو جنة أو نار أو أن الميعاد بالقيامة قيام الامام أو أن هذا العالم باق أو نحو ذلك مما يتضمن رد ما علم من دين النبى ﷺ بالضرورة لأنه يستلزم اعتقاد كذبه وان لم يلتزم القائل بذلك، فأى من هذه الاعتقادات اذا وقعت ممن كان قد أسلم وصدق الأنبياء كما جاءوا به، كان موجبا للكفر. ٢ - اذا أتى بفعل يدل على كفر فاعله من استخفاف بشريعة النبى ﷺ أو بما أمر الله بتعظيمه. ٣ - اظهار لفظ كفر نحو أن يقول هو يهودى أو نصرانى أو كافر بالله وبنبيه مستحل للحرام أو يسب نبيا أو القرآن أو الاسلام. ٤ - ومن الردة عن الاسلام السجود لغير الله تعالى لقصد تعظيم المسجود له لا على وجه الاكراه أو السخرية أو الاستهزاء. مذهب الإمامية: قال الشيعة الإمامية: ان الكفر يكون بنية، وبقول كفر، وفعل مكفر (١). الأول: العزم على الكفر ولو فى وقت مترقب وفى حكمه التردد فيه. والثانى: كنفى الصانع سبحانه وانكار الرسالة لفظا وتكذيب رسول وتحليل محرم بالاجماع كالزنا «والضابط انكار ما علم من الدين ضرورة ولا فرق فى القول بين وقوعه عنادا أو اعتقادا أو استهزاءا حملا على الظاهر». والثالث ما تعمده: استهزاءا صريحا بالدين أو جحودا له كالقاء مصحف أو بعضه فى قاذورة قصدا أو سجودا لصنم. مذهب الإباضية: وعند الإباضية: يكون المسلم مرتدا اذا أنكر وحدانية الله والبعث والرسل أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة كالصلاة، وصوم رمضان والزكاة والحج وكذلك يكون مرتدا اذا سب ملكا أو نبيا متفقا على نبوته وان أظهر الاسلام وأسر دينا من أديان الشرك كان مرتدا (٢). شروط الارتداد ليس من يصدر عنه فعل مما تقدم يكون مرتدا، بل ان جماع الشروط فى ذلك على تفصيل وخلاف فى المذاهب. أن يكون عاقلا عامدا مختارا عارفا، وأن يكون قد أسلم من قبل ذلك اسلاما صحيحا عن اختيار.

стр. 1211

وتفصيل ذلك كما جاء فى المذاهب: مذهب الحنفية: يشترط الحنفية لصحة الردة شروطا منها، العقل فلا تصح ردة المجنون والمعتوه والصبى الذى لا يعقل لأن العقل من شرائط الأهلية خصوصا فى الاعتقادات ولو كان الرجل ممن يجن ويفيق فان ارتد فى حال جنونه فلا تصح ردته وتصح فى حال الافاقة وكذلك السكران الذاهب العقل لا تصح ردته استحسانا وأما البلوغ فهو ليس بشرط عند أبى حنيفة ومحمد رضى الله عنهما ومن ثم تصح عندهما ردة الصبى المميز وقال أبو يوسف البلوغ شرط حتى لا تصح ردة الصبى المميز عنده، ومنها الطوع فلا تصح ردة المكره على الردة استحسانا، اذا كان قلبه مطمئنا بالايمان (١). مذهب المالكية: يشترط المالكية لصحة الردة العقل والاختيار ونص الخرشى على أن هناك خلافا فى اعتبار ردة غير البالغ وجاء فى حاشية العدوى عليه أن الراجح اعتبار ردته وعلى هذا لا يكون البلوغ شرطا فى اعتبار الردة كما يشترطون اسلامه عن طواعية (٢). والأسير ومن دخل الى بلاد الحرب لتجارة أو غيرها اذا تنصر فانه يحمل على أنه فعل ذلك طوعا فيصير مرتدا لأن أفعال المكلفين تحمل على الطوع حتى يثبت خلافه (٣). مذهب الشافعية: قال الشافعية: لا تصح ردة المجنون والصبى لقوله ﷺ رفع القلم عن ثلاث: الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق (٤). وقالوا كذلك: لا تصح ردة المكره لقوله تعالى «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» فمن تلفظ بكلمة الكفر وهو أسير لم يحكم بردته لأنه كالمكره. واذا تلفظ بها فى دار الحرب من غير أسر حكم بردته لأن كونه فى دار الحرب لا يدل على الاكراه (٥). قال الشيرازى وفى السكران طريقان فمن أصحابنا من قال تصح ردته قولا واحدا ومنهم من قال لا تصح (٦). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: لا تصح الردة الا من عاقل فأما من لا عقل له كالطفل والمجنون ومن زال عقله باغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء مباح شربه فلا تصح ردته ولا حكم لكلامه بغير خلاف (٧). وقالوا ان الصبى المميز تصح ردته اذا كان له عشر سنين قيل عن الامام أحمد: اذا كان له سبع سنين. وقيل عنه أيضا لا تصح منه حتى يبلغ (٨).

стр. 1212

وقالوا من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا، وقالوا انه روى أن عمار بن ياسر أخذه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه ثم أتى إلى النبى ﷺ وهو يبكى فأخبره فقال: «ان عادوا فعد». واشترطوا ألا يكون قد أكره على الاسلام وهو ممن لا يجوز اكراهه كالذمى والمستأمن فاذا كان من هؤلاء وأكره فأسلم فلا يثبت له حكم الاسلام حتى يوجد منه ما يدل على اسلامه طوعا بأن يثبت على الاسلام بعد زوال الاكراه عنه. فاذا رجع الى دين الكفر لم يجز قتله ولا اكراهه على الاسلام لقوله تعالى: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» (١). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية: انه يشترط فى المرتد أن يصح عنه أنه كان مسلما متبرءا من كل دين حاشا دين الاسلام (٢) وأن يكون عاقلا غير مكره (٣). مذهب الزيدية: قال الزيدية: لا تصح ردة الصبى ولا اسلامه لقوله ﷺ رفع القلم عن ثلاثة: الخبر (٤) وقيل تصح لكن لا يقتل حتى يبلغ وقالوا يستتاب السكران حال افاقته وان أسلم فى سكره لم يقتل اذ هو شبهة فان ارتد فأصابه برسام أو جنون لم يقتل حتى يفيق وتصح استتابته (٥). واذا قال لفظا كفريا مكرها نحو أن يتوعده قادر على قتله أو اتلاف عضو منه أو هتك عرض ان لم يلتزم دين اليهود أو النصارى أو نحو ذلك فينطق به مكرها لا معتقدا فانه لا يكفر بالاجماع (٦). مذهب الإمامية: قال الشيعة الإمامية: يعتبر فى الارتداد البلوغ والعقل وكمال الاختيار (٧). والسكران فى حكم المجنون فلا يرتد بتلفظه حال سكره بكلمة الكفر أو فعله ما يوجبه، وقيل ان السكران يحكم بردته، قال فى شرائع الاسلام (٨) وهذا مشكل مع اليقين لزوال تميزه وقال كذلك لا حكم لردة الغالط والغافل والساهى والنائم ومن دفع الغضب قصده (٩). مذهب الإباضية: اشترط الإباضية البلوغ والعقل والاختيار فى الردة وإذا طعن فى الدين حال سكره بعذر، فلا يعتبر مرتدا، وإذا طعن فى الدين حيث تجوز له التقية، أو حيث لا تجوز ولكن لا يحل قتله، فلا يعتبر مرتدا (١٠) وقيل يعتبر طاعنا إذا تكلم بالطعن تقية على نفسه أو ماله أو حفظا على عضو من أعضائه من التلف. وقيل: يتقى أيضا ولو من ضربة موجهة (١١).

стр. 1213

وقالوا لا يعد طاعنا فى الدين من أخطأ فى قوله أو فعله، ومن يحكى قول الطاعن أو فعله، الا ان أراد بحكايته ذم الدين ومن كافأ ولده أو عبده على الطعن يعتبر طاعنا. وقيل لا يعتبر (١). أحكام الارتداد مذهب الحنفية: قال الحنفية: من ارتد عرض عليه الحاكم الاسلام استحبابا وتكشف شبهته ويحبس وجوبا وقيل ندبا ثلاثة أيام يعرض عليه الاسلام فى كل يوم منها، وذلك ان استمهل أى طلب المهلة. فاذا لم يطلب المهلة قتل لساعته، الا اذا رجى اسلامه. وقيل عن البلخى: يقتل فورا بلا توبة، ولا فرق فى ذلك بين الحر والعبد (٢) ويكون اسلام المرتد بأن يأتى بكلمة الشهادة والتبرؤ من الأديان كلها سوى الاسلام وأن يتبرأ مما انتقل اليه، ولو أتى بالشهادتين على وجه العادة لم ينفعه ما لم يتبرأ واذا أجحد المرتد ردته وأقر بالتوحيد وبمعرفة رسول الله ﷺ وبدين الاسلام فهذا منه توبة (٣) واذا ارتد صبى عاقل أجبر على الاسلام بالضرب (٤). وتحبس المرتدة حتى تسلم وتضرب كل ثلاثة أيام مبالغة فى الحمل على الاسلام والخنثى المشكل كالمرأة ولا تجالس ولا تؤاكل ولو كانت صغيرة (٥). وقالوا اذا عاد المرتد الى الكفر بعد اسلامه وفعل ذلك ثلاث مرات وفى كل مرة طلب من الامام التأجيل، فان الامام يؤجله ثلاثة أيام فان عاد الى الكفر بعد ذلك رابعا فلا يؤجل فان أسلم كان بها والا قتل، فان رجع أيضا عن الاسلام فأتى به الى الامام بعد الثالثة استتابه أيضا وان لم يتب قتله ولا يؤجله وان هو تاب ضرب ضربا وجيعا لا يبلغ به الحد ثم يحبسه ولا يخرجه من السجن حتى يرى عليه خشوع التوبة والاخلاص. فان عاد بعد ما خلى سبيله فعل به مثل ذلك أبدا مادام لا يرجع الى الاسلام ولا يقتل الا اذا أبى أن يسلم (٦). مذهب المالكية: قال المالكية: يستتاب المرتد وجوبا وان كان عبدا أو امرأة ثلاثة أيام بلياليها من يوم الثبوت لا من يوم الكفر بلا جوع ولا عطش بل يطعم ويسقى من ماله وبلا معاقبة بالضرب أو نحوه فان تاب ترك والا قتل بالسيف (٧) وكذلك بالنسبة الى المرتدة فانها تقتل اذا أصرت على ردتها بعد الاستتابة غير أنها تستبرأ بحيضة خشية أن تكون حاملا (٨). واذا ارتد بعد توبته لم يعزر فى المرة الأولى، ويجوز أن يعزر فى المرة الثانية

стр. 1214

والثالثة والرابعة اذا كان يرجع للاسلام فى كل مرة. مذهب الشافعية: قال الشافعية: اذا تاب المرتد قبلت توبته، وفى وجوب الاستتابة واستحبابها قولان: أحدهما لا تجب الاستتابة لأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمنه القاتل، ولو وجبت الاستتابة لضمنه، والثانى أنها تجب لما روى من أن رجلا ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين فأخذه المسلمون فقتلوه، فقال عمر بن الخطاب «هلا أدخلتموه بيتا وأغلقتم عليه بابا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه ثلاثا، فان تاب والا قتلتموه؟» «اللهم انى لم أشهد ولم آمر ولم أرض اذ بلغنى» ولو لم تجب الاستتابة لما تبرأ من فعلهم وفى مدتها عند من قالوا بوجوبها أو استحبابها قولان أحدهما أنها ثلاثة أيام لحديث عمر بن الخطاب، ولأن الردة تكون عن شبهة وقد لا تزال فى الحال فقدر لها ثلاثة أيام، والثانى أنه يستتاب فى الحال والا قتل لحديث أم رومان. وقالوا فى السكران قولان أحدهما تصح استتابته وهو سكران والتأخير مستحب وقالوا لا تصح استتابته وهو سكران ويجب التأخير لأن ردته لا تكون الا من شبهة فلا يمكن ازالتها مع السكر. وقالوا: واذا ارتد ثم أسلم وتكرر ذلك منه قبل اسلامه اذا تكررت ردته وقيل لا يقبل اسلامه اذا تكررت ردته. قال الشيرازى الفيروزبادى. وهذا خطأ لقوله «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ» ولأنه أتى بالشهادتين بعد الردة فحكم باسلامه كما لو ارتد أول مرة (١). واذا بقى على ردته بعد الاستتابة وجب قتله لما روى عن عثمان قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث منها رجل كفر بعد اسلامه. وقالوا اذا ارتدت المرأة وجب قتلها لما روى عن جابر أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت عن الاسلام فبلغ أمرها الى النبى ﷺ فأمر أن تستتاب فان تابت والا قتلت. مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: من ارتد عن الاسلام من الرجال أو النساء وكان بالغا عاقلا دعى اليه ثلاثة أيام، وضيق عليه، فان رجع قبل منه والا قتل. وقالوا لا يقتل المرتد حتى يستتاب ثلاثا. وروى عن الامام أحمد بن حنبل رواية أخرى أنه لا تجب استتابته ولكن تستحب. قال ابن قدامة فى المغنى ولنا أنها تستحب لما روى من حديث أم رومان وأن النبى ﷺ أمر أن تستتاب، وأن عمر بن الخطاب قال: عن مرتد قتل «هلا حبستموه ثلاثا فأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه» ولأنه أمكن استصلاحه فلم يجز اتلافه قبل الاستصلاح ولأن الردة تكون عن شبهة ولا تزول فى الحال فوجب أن ينتظر مدة يرتئى فيها،

стр. 1215

وأولى ذلك ثلاثة أيام للأثر ولأنها مدة قريبة (١). قال ابن قدامة وينبغى أن يضيق عليه فى مدة الاستتابة ويحبس لقول عمر: «هلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفا»، وتكرر دعايته للاسلام لعله يتعطف قلبه فيراجع دينه (٢). وقالوا: ان التوبة تجب أن تكون عن طواعية ولكن اذا ارتد مسلم وأكره على الرجوع الى الاسلام فان أسلم حكم باسلامه ظاهرا لأنه اكراه بحق فيحكم بصحة ما يأتى به كما لو أكره المسلم على الصلاة فصلى وأما الباطن فأمره الى الله (٣). وقالوا: اذا شهد المرتد بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن صحة ما شهد به وخلى سبيله ولا يكلف الاقرار بما نسب اليه لقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم»، فهذا يثبت به اسلام الكافر الأصلى فكذا المرتد ولا حاجة الى ثبوت الاسلام بالكشف عن صحة ردته (٤). وفى رواية عن الامام أحمد: لا تقبل توبة من تكررت ردته لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً»، ولا فرق عند الحنابلة بين الرجال والنساء فى وجوب القتل عند الاصرار على الردة (٥). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية: أنه لا يجب دعاء المرتد الى الاسلام واستتابته، ولكن لا يحال بينه وبين ذلك. فالواجب اقامة الحد على المرتد وذلك اذا لم يرجع الى الاسلام (٦) وقال انه لا برهان لمن قال بالاستتابة أكثر من مرة، فان هذا يفتح بابا لا ينتهى من التكرار. مذهب الزيدية: قال الزيدية: ان المرتد يطالب بعد الردة بالرجوع الى الاسلام ثم يقتل اذا لم يسلم (٧) ويستتاب المرتد ثلاثة أيام اذ روى ذلك عن على ﵇. وتقتل المرأة كالرجل لعموم قوله ﷺ «من بدل دينه فاقتلوه». مذهب الإمامية: قال الإمامية: يستتاب المرتد ان كان ارتداده عن كفر أصلى ومدة الاستتابة ثلاثة أيام فى المروى عن الصادق بطريق ضعيف، والأقوى تحديدها بما يؤمل معه عودته ويقتل بعد اليأس منه وان كان لساعته، قال فى الروضة البهية: ولعل الصبر عليه ثلاثة أيام أولى رجاءا لعودته وحملا للخبر على الاستحباب (٨). وقال فى شرائع الاسلام: ان الاستتابة واجبة (٩).

стр. 1216

وقالوا: اذا ارتد ولم يقدر على قتله أو تأخر قتله بوجه وتاب قبلت توبته على تفصيل فى آثار توبته وقالوا ان المرأة المرتدة لا تقتل وان كانت ردتها عن فطرة بل تحبس دائما (١). مذهب الإباضية: قال الإباضية: اذا جحد الطاعن فى الدين الطعن قبل منه ذلك وتاب منه كأن يقول لم أطعن ولكنى تبت الى الله فلا يحبس ولا يضرب ولا يحلف ولا يصار به الى الحاكم ولا يحكم عليه بالطعن (٢) وقالوا ان الاستتابة فرض كفاية، فيجب أن يبرأ منه من يستتبه، وقيل يبرأ منه ثم يستتبه. ويجوز عندهم ضرب الطاعن ضرب أدب ونكالة بحبسه وهجرانه والتغليظ عليه فى الكلام (٣). وعندهم تقتل المرأة اذا ارتدت ولم تتب وهى فى ذلك كالرجل (٤). من يملك قتل المرتد مذهب الحنفية: ان الامام هو الذى يتولى استتابة المرتد وقتله ان أصر على ردته وان قتله أحد بغير اذن الامام لا شئ عليه لزوال عصمته بالردة (٥). مذهب الشافعية: قال الشافعية: ان ارتد وأقام على الردة فان كان حرا كان قتله الى الامام لأنه قتل يجب لحق الله تعالى فكان الى الامام كرجم الزانى فان قتله غيره بغير اذنه عزر لأنه افتات على الامام فان كان عبدا ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز للمولى قتله لأنه عقوبة تجب لحق المولى فجاز للمولى اقامتها كحد الزانى والثانى لا يجوز للمولى قتله لأنه حق الله تعالى، ولا يتصل بحق للمولى بخلاف حد الزنا فانه يتصل بحقه فى اصلاح ملكه (٦). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: ان قتل المرتد أمره الى الامام حرا كان أو عبدا لأنه قتل لحق الله تعالى فكان الى الامام كرجم الزانى كما أن القتل للردة هو قتل لكفره وليس حدا فى حقه فهو ليس تأديبا من السيد لعبده. أما اذا لحق المرتد بدار الحرب فانه يعتبر حربيا يباح لكل واحد قتله من غير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه (٧). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية: اذا ارتد المسلم فقد حل دمه وكان حق قتله الى الامام كما دل على ذلك أثر ابن مسعود وعلى (٨).

стр. 1217

مذهب الزيدية: قال الزيدية: قتل المرتد الى الامام فقط اذ هو حد ولكن لا قصاص على من فعل وفى العبد وجهان أصحهما يقتله سيده وقيل للامام كغيره (١). مذهب الإمامية: قال الشيعة الإمامية: عن الامام جعفر الصادق كل مسلم من المسلمين ارتد عن الاسلام وجحد محمدا ﷺ فان دمه مباح لكل من سمع ذلك (٢)، وكذا من سب النبى ﷺ جاز لسامعه أن يقتله (٣). مذهب الإباضية: قال الإباضية: يجوز لامرأة أو عبد أو مشرك أن يقتل طاعنا فى ديانة المسلمين وفى المسلمين مطلقا ويجوز أن يقتل طاعن طاعنا آخر وجاز الاستمساك به وجره الى الحاكم ليذكر أن هذا طعن ويسمع الحاكم وينظر فى ذلك ويقرر ويبين وجاز اجبار الطاعن على السير معه الى الحاكم وجاز حبسه بالاتهام حتى تخرج تهمة متهمه وتبين أمارة عدم طعنه (٤). ما يطلب من المرتد بعد اسلامه من عبادات مذهب الحنفية: ما فات المرتد من عبادات قبل ردته وحال اسلامه يجب عليه قضاؤه بعد توبته من الردة وليس عليه شئ من العبادات حال الردة لأنه غير مخاطب بفروع الشريعة ومن ثم فلا يجب عليه قضاؤها كما نصوا على حرمة ذبيحته (٥). مذهب المالكية: وقال المالكية: ينقضن الوضوء بالردة (٦) وقالوا وأسقطت الردة صلاة وصياما وزكاة كانت عليه قبل ردته فلا يطالب بها ان عاد الى الاسلام وان كان فعلها سقط ثوابها ولا اعادة ان أسلم بعد وقتها وأسقطت أى أبطلت الردة حجا تقدم منه فيجب عليه اعادته اذا أسلم لبقاء وقته وهو العمر كما لو صلى صلاة فارتد ثم رجع الى الاسلام قبل خروج وقتها وأسقطت الردة كذلك نذرا وكفارة ويمينا بالله أو بعتق أو ظهار أى أنه لا يطالب بها بعد اسلامه وكذا يسقط الظهار كما لو قال لها أنت على كظهر أمى ثم ارتد وكذا اليمين بالطلاق (٧). مذهب الشافعية: قال الشافعية: ان المرتد من أهل العزائم ولا يستحق التخفيف فعليه قضاء ما فاته من الصلاة فى حال ردته ولو جن أثناءها ولكن المرأة اذا حاضت وهى مرتدة لا تقضى صلاة حيضتها (٨) وقالوا لا يسقط عن المرتد ما وجب عليه من الزكاة فى حال الاسلام وأما فى وقت ردته فان ذلك مبنى على ملكه وفى ملكه ثلاثة أقوال: فاذا قيل بزواله فلا تجب الزكاة وان قيل بعدم زواله فانها تجب وان قيل بوقفه فان رجع الى الاسلام وجبت

стр. 1218

وان لم يرجع لم تجب (١) وقالوا لا تؤكل ذبيحة المرتد الى أى دين ارتد لأنه انما رخص فى ذبائح أهل الكتاب الذين يقرون على أديانهم (٢). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: ان الردة تنقض الوضوء وظاهر قول أبى الخطاب أنها لا تنقضه (٣)، وقالوا ان اسلام الكافر من موجبات الغسل، وقالوا اذا أسلم المرتد وجب عليه قضاء ما تركه قبل الردة من صلاة وزكاة وصوم ويتخرج الا يلزمه وفى قضاء ما فات فى الردة روايتان (٤) وقالوا من صلى صلاة ثم ارتد ووقتها باق لم يجب اعادتها ومن حج ثم ارتد ثم أسلم فان فى اعادة جحه روايتين أحدهما رواية أبى اسحاق بوجوبها والأخرى رواية أبى الخطاب بعدم وجوبها، وقال القاضى أبو يعلى قياس المذهب أيضا ألا يعيد الصلاة ويعيد الحج، قال الخطابى لا أعرف لذلك وجها الا أن يكون بسبب تسميتها حجة الاسلام فلا بد من هذا فى الاسلام الثانى، وهذا لا يكون الا اذا بطلت حجته الأولى واذن فتبطل صلاته الأولى، وقالوا ذبيحة المرتد حرام وان كانت ردته الى دين أهل الكتاب (٥). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية: لا ينقض الوضوء بالردة (٦) ولا يوجب الغسل، وقالوا من حج أو اعتمر ثم هداه الله الى الاسلام بعد ارتداده فليس عليه اعادة العمرة ولا الحج لأن المرتد اذا رجع الى الاسلام لا يحبط ما عمله قبل اسلامه أصلا بل هو مكتوب له ويجازى عليه بالجنة والذى يحبط عمله هو الميت على كفره (٧) وقالوا تذكية المرتد لا تحل سواء ارتد الى دين كتابى أو دين غير كتابى (٨). مذهب الزيدية: قال الزيدية: لا تسقط الحقوق التى وجبت على المرتد قبل ردته من زكاة وفطر وكفارة وخمس فاذا مات أو لحق بدار الحرب كانت واجبة فى ماله يخرج قبل وقوع القسمة من الورثة وأما اذا أسلم سقطت بالاسلام، قيل الا الخمس ودين المسجد وكفارة الظهار فلا تسقط (٩). مذهب الإمامية: قال الإمامية: الغسل يجب على الكافر عند حصول سببه «من جنابة وغيرها» ولكن لا يصح منه ولو اغتسل ثم ارتد ثم عاد لم يبطل غسله وقالوا اذا أذن ثم ارتد جاز أن يعتد به ويقيم غيره ولو ارتد أثناء الأذان ثم رجع استأنف على قول. وقالوا ان الكافر تجب عليه الزكاة ولكن لا يصح منه أداؤها فان تلفت لا يضمن وان اهمل. وقالوا ان الصيام يجب على الكافر ولكن لا يمكن القضاء الا على ما أدرك فجره مسلما

стр. 1219

ويصوم اذا أسلم قبل الزوال وان تحرك قضى (١). وقالوا لا تؤكل ذبيحة المرتد وتعزل عنه امرأته (٢). مذهب الإباضية: قال الإباضية: التكلم بموجب الكفر ينقض الوضوء وكذا الطعن فى الدين، ولا تؤكل ذبيحة المرتد ولا المرتدة (٣) واختلفوا أيضا هل الاسلام من الارتداد يجب ما فى الارتداد من فرائض على قولين لا مرجح بينهما (٤). أموال المرتدين وعقودهم وميراثهم ووصاياهم مذهب الحنفية: لا خلاف فى أنه اذا أسلم تكون أمواله على حكم ملكه، واختلف فى وقت زوالها هل تزول فى المال بالردة على توقف أو تزول بالقتل أو اللحاق. فقال الامام أبو حنيفة: الملك فى أموال المرتد موقوف على ما يظهر من حاله لأنه وجد سبب زوال الملك وهو الردة لأنها سبب لوجوب القتل فكان زوال الملك مضافا الى السبب السابق وهو الردة وحتى لا يمكن من اللحاق بدار الحرب بماله فكان ينبغى أن يحكم بزوال ملكه للحال الا أننا نتوقف فيه لاحتمال عودته الى الاسلام. والحكم لا يختلف عن سببه (٥). وعند أبى يوسف ومحمد لا يزول ملك المرتد بالردة وانما يزول بالموت أو القتل أو باللحاق بدار الحرب، وذلك لأن الملك كان ثابتا له فى حال الاسلام موجود لوجود سببه وأهليته وهى الحرية، والردة لا تؤثر فى شئ من ذلك. ثم اختلفا فيما بينهما فى كيفية صحة تصرفاته فقال أبو يوسف حكمها حكم تصرفات الصحيح لأن اختيار الاسلام بيده وقال محمد حكمها حكم تصرفات المريض مرض الموت لأنه على شرف التلف. وعلى هذا الحكم فان تصرفات المرتد تكون نافذة عندهما على الوجه السابق أى فى كل المال عند أبى يوسف وفى ثلثه اذا لم تكن اجازة عند محمد وعقدة تصرفاته موقوفة عند الامام لوقوف أملاكه فان أسلم نفذت كلها وان مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطلت كلها وقالوا ان تصرف المرتد على أربعة أوجه منها نافذ اتفاقا وهو مالا يعتمد تمام الولاية ولا يفتقر الى حقيقة الملك نحو الطلاق وقبول الهبة وتسليم الشفعة، ومنها باطل اتفاقا وهو ما يعتمد الملة كالنكاح والذبيحة والصيد والشهادة والارث ومنها ما هو موقوف اتفاقا كشركة المفاوضة لأنها تعتمد المساواة ولا مساواة بين مسلم ومرتد ومنها ما هو مختلف فى توقفه كالبيع والشراء والاجارة والوصية وقبض الديون فهى موقوفة عند الامام ان أسلم نفذت والا بطلت ونافذة عند الصاحبين نفاذ تصرفات الصحيح أو المريض مرض الموت على ما سبق (٦).

стр. 1220

أما المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف فتجوز تصرفاتها فى مالها بالاجماع لأنها لا تقتل فلم تكن ردتها سببا فى زوال ملكها عن أموالها بلا خلاف فتجوز تصرفاتها وتورث (١). وان مات المرتد أو حكم بلحاقه أو قتل على ردته ورث فى كسب اسلامه وارثه المسلم بعد قضاء دين اسلامه اتفاقا. أما ما اكتسبه فى ردته فيعد فيئا وذلك بعد قضاء دين ردته عند الامام وعند محمد وأبى يوسف يكون ماله كله ميراثا سواء كسب اسلامه أو كسب ردته. والراجح أن الوارث يعتبر حاله وأهليته عند موت المرتد أو القضاء بلحاقه. (انظر أهلية). وكذا اذا لحق المرتد بدار الحرب أو حكم القاضى بلحاقه حل دينه وقسم ماله (٢) فان جاء مسلما قبل الحكم فكأنه لم يرتد وان جاء مسلما بعده وماله مع ورثته أخذه بقضاء أو رضاء ولو فى بيت المال. وان هلك ماله أو أزاله الوارث عن ملكه لا يأخذه ولو كان قائما ولا ضمان على الوارث فى ذلك كله، وان لحق بدار الحرب ومعه ماله، وظهرنا عليه فان ماله يكون فيئا ولا يكون المرتد نفسه فيئا لأنه لا يسترق (٣). مذهب المالكية: قال المالكية: ان مال المرتد بعد موته يكون لورثته فى ثلاثة أحوال وهى: ما اذا جاءنا تائبا بعد الردة، أو تاب بعد الاطلاع على ردته، أو لم تثبت ردته الا بعد موته. ويكون لبيت المال فى حاليه وهما ما اذا اطلعنا عليه قبل الموت وقبلناه بغير توبة، أو مات مرتدا (٤). وان مات للمرتد مورث فى حال ردته فان مات المرتد على ردته لم يرثه. فان رجع الى الاسلام قيل لا يرثه وقيل يرثه وهو الأظهر (٥). وقالوا تسقط الردة وصيته أى أنها تبطل ولو رجع الى الاسلام وعن المدونة ان محل ابطال الوصية اذا مات على ردته لا ان عاد الى الاسلام (٦) ولا يبطل وقفه قياسا على العتق (٧). واذا وجبت للمرتد شفعة كان للسلطان أن يأخذها ان شاء لبيت المال (٨). وقالوا: اذا تاب المرتد فماله يرجع له لأن المرتد يكون كالمحجور عليه بالارتداد فيوقف ماله لينظر حاله فان أسلم رد له (٩). مذهب الشافعية: قال الشافعية: اذا ارتد وله مال ففيه ثلاثة أقوال: أحدهما أنه لا يزول ملكه عن ماله وهو اختيار المزنى ﵀ لأنه لم

стр. 1221

يوجد أكثر من سبب يبيح الدم وهذا لا يوجب زوال الملك عن ماله، كما لو قتل أو زنى. والثانى أنه يزول ملكه عن ماله، قال فى المهذب، وهو الصحيح لما ورد عن أبى بكر فى ذلك ولأن الاسلام عصم ماله ودمه ثم ملك المسلمون دمه بالردة فوجب أن يملكوا ماله بها. والثالث أنه مراعى - أى موقوفا - فان أسلم حكمنا بأنه لم يزل ملكه وان قتل أو مات على الردة حكمنا بأنه زال ملكه. فعلى هذا ففى ابتداء ملكه بالاصطياد والابتياع (أى فى فترة الردة) وغيرهما الأقوال الثلاثة: أحدهما يملك والثانى لا يملك والثالث أنه مراعى. فان قلنا ان ملكه قد زال بالردة صار ماله فيئا للمسلمين وأخذ لبيت المال. وان قلنا انه لا يزول أو مراعى حجر عليه. ومنع من التصرف فيه لأنه تعلق به حق المسلمين وهو متهم فى اضاعته فحفظ كما حفظ مال السفيه واما تصرفه فى المال فان كان بعد الحجر لم يصح وان كان قبل الحجر ففيه ثلاثة أقوال بناء على الأقوال فى بقاء ملكه أحدهما أنه يصح والثانى أنه لا يصح والثالث أنه موقوف (١). فاذا ارتد الرجل عن الاسلام فلم يوقف ماله فما صنع فهو جائز كما يجوز له فى ماله ما صنع قبل الردة. فاذا وقف فلا سبيل له على اتلاف شئ من ماله بعوض أو غيره مادام موقوفا، واذا كان للمرتد دين قبل الردة قضى دينه ان كان حالا وان كان الى أجل فهو الى أجله الى أن يموت فيحل بموته، وكذلك كل ما أقر به لأحد قبل الردة على تفصيل فى البيع والسلف. واذا كان للمرتد دين أخذ ممن هو عليه ويوقف فى ماله وان كان الى أجل فهو الى أجله. ولو مات المرتد قبلها أو قتل فاذا قبض كان فيئا (٢). مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة: قولان أحدهما: أن مال المرتد فئ من حين ردته. وفى قول آخر من حين موته مرتدا، بعد قضاء دينه، ويبدأ بقضاء دينه وأرش جنايته ونفقة زوجته وقريبه لأن هذه حقوق لا يجوز تعطيلها. ويؤخذ مال المرتد فيجعل عند ثقة من المسلمين (٣) أو فى بيت المال أو يحفظه الحاكم (٤) ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته فى قول أكثر أهل العلم، فان مات أو قتل زال ملكه بموته وان رجع الى الاسلام فملكه باق له، وذلك لأنه سبب يبيح دمه ولكن لا يزول به ملكه كزنا المحصن والقاتل فى المحاربة وأهل الحرب فان ملكهم ثابت فى عصمتهم، وفى هذا القول لا تصح تصرفات المرتد فى ماله ولكن اذا أسلم رد اليه ملكه جديدا، وقيل أيضا توقف تصرفاته كلها فان أسلم أمضيت والا تبينا فسادها وينفق منه على من تلزمه نفقته وتقضى ديونه، وقيل لا نفقة لأحد فى الردة

стр. 1222

ولا يقضى دين تجدد فيه وقال ابن قدامة اذا تصرف المرتد بعد الحجر عليه لا يصح كتصرف السفيه (١) وان لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعلى الحاكم ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذى يحتاج الى النفقة وغيره واجارة ما يرى ابقاءه، قال ابن قدامة واذا لحق المرتد بدار الحرب لم يورث كالحربى الأصلى. وحل دمه لا يوجب توريثه بدليل الحربى الأصلى وقد حل ماله الذى معه لزوال العاصم له فأشبه حال الحربى الذى فى دار الحرب وأما الذى فى دار الاسلام فهو باق على عصمته كمال الحربى الذى مع مضاربه فى دار الاسلام أو عند مودعه. وفى القول الآخر: المرتد فى ملكه وتصرفه كالمسلم يرثه ورثته المسلمون أو من أهل دينه الذى اختاره ويقر بيده وتنفذ فيه معاوضاته وتوقف تبرعاته فان مات مرتدا ردت تبرعاته المنجزة والمعلقة بالموت وان لم تبلغ الثلث ولو باع شقصا مشفوعا أخذ بالشفعة (٢). ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه ولكن يباح قتله لكل واحد من غير استتابة وأخذ ماله ان قدر عليه لأنه صار حربيا حكمه حكم أهل الحرب، أما أملاكه وماله الذى فى دار الاسلام فالحكم فيها كالحكم فيمن هو فى دار الاسلام فيكون ملكه فيه ثابت له ويتصرف فيه الحاكم فيما يرى مصلحته فيه. وقال ابن قدامة: تصرفات المرتد بالوصية موقوفة. فان أسلم كان تصرفه صحيحا وان قتل أو مات على ردته كانت وصيته باطلة (٣). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية: من يرتد فما يظفر به من ماله يكون لبيت مال المسلمين رجع الى الاسلام أو مات مرتدا أو قتل مرتدا أو لحق بدار الحرب وكل ما لم يظفر به من ماله حتى قتل أو مات مرتدا فلورثته من الكفار، فان رجع الى الاسلام فهو له أو لورثته من المسلمين ان مات مسلما، وكل وصية أوصى بها المرتد قبل ردته أو فى حين ردته بما يوافق البر ودين الاسلام فكل ذلك نافذ فى ماله الذى لم يقدر عليه حتى قتل وأما اذا قدرنا عليه قبل موته من مال أو عبد فهو للمسلمين كله لا تنفذ فيه وصية (٤). مذهب الزيدية: قال الزيدية: ان المرتد لا يزول ملكه بالردة ولا فرق بين ما كسبه فى ردته أو فى اسلامه، ويرثه ورثته المسلمون عند لحوقه بدار الحرب اذ اللحوق بها كالموت ولا فرق بين ماله الحاصل قبل الردة والمكتسب بعدها فى أنه لورثته المسلمين ان مات أو لحق بدار الحرب. فان ما اكتسبه بعد اللحوق فحكمه حكم ما لأهل الحرب ولا اختصاص لورثته به فان عاد الى الاسلام بعد أن لحق بدار الحرب واقتسم الورثة ماله رد له ما كان باقيا فى أيديهم أو فى أيدى بعضهم.

стр. 1223

وعقودهم الواقعة بعد الردة وقبل اللحوق بدار الحرب هى لغو فى القرب كالوقف والنذر والصدقة ونحو ذلك كالهدية للفقراء الا العتق فانه وان كان قربة فهو يقع من الكافر. واذا لم تتناول عقودهم القرب فى حال الردة فهى صحيحة فى غيرها أى فى غير القرب كالبياعات والهبات والاجارات ونحوها لكنها موقوفة غير نافذة فى الحال كعقد الفضولى فان أسلم ذلك العاقد نفذ عقده وان هلك أو لحق بدار الحرب بطل عقده وقيل غير ذلك. وتلغو هذه العقود التى قيل بصحتها بعد اللحوق بدار الحرب فلا يصير لها حكم وكأنها لم تكن الا بعد الاستيلاء الواقع بعد ردته فانه ينفذ سواء مات أو لحق بدار الحرب لأنه عتق والعتق ينفذ من الكافر ولا تسقط الحقوق التى وجبت على المرتد قبل ردته كدين لآدمى وزكاة فاذا مات أو لحق بدار الحرب كانت واجبة فى ماله يخرج قبل وقوع القسمة من الورثة (١). مذهب الإمامية: قال الإمامية: ان المرتد لا يزول ملكه عن أمواله الا بموته ولو بقتله ولكن يحجر عليه بنفس الردة عن التصرف فيها فيدخل فى ملكه ما يتجدد وما يتعلق به الحجر وينفق عليه منه ما دام حيا. وتقضى من أموال المرتد ديونه وما عليه من الحقوق الواجبة، ويؤدى منه نفقة الأقارب ما دام حيا وبعد قتله تقضى ديونه وما عليه من الحقوق الواجبة دون نفقة الأقارب. ولو قتل أو مات كانت تركته لورثته من المسلمين فان لم يكن له وارث مسلم فهو للامام ﵇. وقال فى الروضة البهية: لا تكون تركته لبيت المال ولو لم يكن لهما وارث مسلم فالامام يرثهما. وقالوا ان فى انفاذ وصيته السابقة على الردة نظر لعدم مساواته للميت فى الأحكام (٢). مذهب الإباضية: قال الإباضية: اذا مات المرتد كان ماله فيئا لبيت المال اذ لا وارث له وقالوا لا يرث المرتد أحد من المسلمين ولا من الكفار ولا من أهل الدين الذى اتنقل اليه ولو امرأة، ولا فرق بين ما اكتسبه فى حال اسلامه أو ردته لأنه لا موالاة بينه وبين غيره لتركه دين الاسلام وعدم تقريره على ما انتقل اليه كما لو ارتد أخوان الى النصرانية مثلا فمع بقاء الموالاة بينهما، لا يقران على ما انتقلا اليه. وقالوا ان المرتد لا يبطل الايصاء له (٣). نكاح المرتد وولده مذهب الحنفية: قال الحنفية: اذا ارتد المسلم بانت منه امرأته المسلمة أو الكتابية دخل بها أو لم يدخل. ثم ان كان الزوج هو المرتد ولم يدخل بها فلها نصف المهر ونفقة العدة ان كان قد دخل بها وان كانت هى التى ارتدت فلا

стр. 1224

مهر لها ان كان قبل الدخول وليس لها نفقة العدة بعد الدخول. واذا ارتد الزوجان معا فهما على نكاحهما استحسانا، فان بنى حنيفة ارتدوا واستتيبوا فلم يأمرهم أبو بكر بتجديد نكاحهم وفى القياس تقع الفرقة بينهما وهو قول زفر، ولا يجوز للمرتد أن يتزوج مرتدة ولا مسلمة ولا كافرة أصلية لأن النكاح يعتمد الملة ولا ملة للمرتد (١). مذهب المالكية: قال المالكية: اذا ارتد أحد الزوجين انفسخ النكاح بطلاق وقيل بغير طلاق (٢). وقال عليش عن خليل أنه اذا ارتد أحد الزوجين فليس فسخا مجردا بل هو طلاق. قال الدسوقى. ويكون الارتداد نفسه طلاقا وتكون الطلقة بائنة لا رجعية فلا بد من عقد جديد فان وقع الارتداد قبل البناء فلها نصف الصداق، قال: ما لم تقصد المرأة بردتها فسخ النكاح والا لم يفسخ، ولو ارتد الزوج لدين زوجته الكتابية فيفسخ بطلقة بائنة ويحال بينهما (٣) وقال الامام مالك فى المدونة: ولا أرى للزوجة المرتدة نفقة فى مدة الاستتابة لأنها قد بانت منه وان رجعت الى الاسلام كانت تطليقة بائنة (٤). وقال الحطاب لا تسقط الردة ما تقدم من الطلاق وما طلق فى ارتداده فلا يلزمه، وفى ذلك تفصيل (انظر طلاق). وقال: ان ظاهر المذهب هو أن الردة تسقط يمين الطلاق فاذا ارتد وعليه أيمان بالطلاق أو ظهار فالردة تسقط ذلى، وقيل لا تطرح الردة احصانه ولا ايمانه بالطلاق. مذهب الشافعية: قال الامام الشافعى: لا يجوز للمرتد أن ينكح قبل الحجر ولا بعده مسلمة لأنه مشرك ولا وثنية لأنه لا يحل له الا ما يحل للمسلمين ولا كتابية لأنه لا يقر على دينه فان نكح فأصاب واحدة منهن فلها مهر مثلها والنكاح مفسوخ ولا يكون للمرتد أن يزوج ابنته ولا أخته ولا امرأة هو وليها مسلمة أو مشركة ولا مسلما ولا مشركا واذا أنكح فانكاحه باطل (٥). وقال فى المهذب: واذا ارتد الزوجان أو أحدهما فان كان قبل الدخول وقعت الفرقة وان كان بعد الدخول وقعت الفرقة على انقضاء العدة فان اجتمعا على الاسلام قبل انقضاء العدة فهما على النكاح وان لم يجتمعا وقعت الفرقة لأنه انتقال من دين الى دين يمنع ابتداء النكاح (٦). وعن الامام الشافعى: اذا لم يسلم المرتد قبل انقضاء عدة المرأة بانت منه (٧). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: اذا تزوج المرتد لم يصح تزوجه لأنه لا يقر على النكاح وان تزوج لم يصح تزوجه لأن ولايته على موليته قد زالت بردته (٨).

стр. 1225

واذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح وتنصف مهرها بردته، وسقط بردتها فاذا ارتدا معا قبل الدخول فوجهان ولو كانت الردة بعد الدخول فقد قيل تتنجز الفرقة بالردة ولا نفقة لها، وقيل لا تتنجز بل تقف الى انقضاء العدة وهو الأظهر ويكون لها نفقة العدة الا اذا ارتدت وحدها فلا نفقة لها (١). وقال ابن قدامة: يبدأ بقضاء نفقة زوجة المرتد وقريبه لأن هذه حقوق لا يجوز تعطيلها (٢). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية: ان الردة تفسخ الزواج سواء ارتد الزوجان معا أو أحدهما وسواء راجع الاسلام أو راجعت أو راجعا الاسلام معا، لا ترجع اليه الا برضاها وبصداق وبولى وباشهاد (٣). مذهب الزيدية: قال الزيدية: انه بالردة الواقعة بأى وجه من الوجوه تبين زوجة المرتد فى الحال سواء كان هو المرتد أو هى وقيل الا المدخول بها فلا تبين بالردة فورا، وحجة الرأى الأول القياس على سائر الفسوخات من الرضاع والملك، وحجة الرأى الثانى هو القياس على اسلام أحد الذميين. فاذا ارتد الزوج بانت منه امرأته وان تاب فلا تعود اليه الا بعقد جديد لكن الزوجة اذا ارتد زوجها ترثه ان مات أو لحق وهما فى العدة. ولا تصح رجعة المرتد لزوجته ولو أنها ترثه اذا ارتد أو لحق بدار الحرب وهى فى العدة وهى مدخول بها (٤). مذهب الإمامية: قال الإمامية: اذا تزوج المرتد لم يصح زواجه، سواء تزوج مسلمة أو كافرة (٥). واذا ارتد بانت منه زوجته من يوم ان يرتد فلا تقربه وتعتد عدة الوفاة وان لم يدخل بها. واذا ارتد ولم يقدر عليه أو تأخر قتله بوجه ثم تاب فلا تعود اليه زوجته وذلك عملا بالاستصحاب ولكن يصح له تجديد العقد عليها بعد العدة وفى جواز ذلك وجه لأنها معتدة بائنة والمرتد لا تزول عصمة نكاحه الا ببقائه على الكفر بعد خروج العدة التى تعتدها زوجته من حين ردته وهى عدة الطلاق فان خرجت من العدة ولما يرجع بانت منه ويؤدى النفقة الواجبة عليه من والد وولد وزوجة ومملوك من ماله الى أن يموت (٦). مذهب الإباضية: من ارتد الى الشرك وترك زوجته بالاسلام ثم رجع اليه، أو ارتدت كذلك أى تركت زوجا بالاسلام ثم رجعت الى الاسلام قيل يقيمان على العقد الأول ان لم تنقض العدة وقيل يجددان مطلقا ولو لم تنقض العدة بل

стр. 1226

ولو أسلم من ساعته وهذا هو الراجح وقيل أنهما يقيمان «على العقد» ولو انقضت العدة، ولا تتزوج زوجة مرتد حتى تعتد ثلاثة قروء ان كانت ممن تحيض والا فثلاثة أشهر وتعتد الحامل بعد الوضع ثلاثة قروء ورخص أن تعتد بالوضع فقط (١). أولاد المرتدين مذهب الحنفية: وأما حكم ولد المرتد فولد المرتد لا يخلو من أن يكون موجودا فى الاسلام أو فى الردة فان كان موجودا فى الاسلام بأن ولد للزوجين ولد وهما مسلمان ثم ارتدا لا يحكم بردته ما دام فى دار الاسلام، لأنه لما ولد وأبواه مسلمان فقد حكم باسلامه تبعا لأبويه فلا يزول بردتهما لتحول التبعية الى الدار اذ الدار وان كانت لا تصلح لاثبات التبعية ابتداء عند استتباع الأبوين تصلح للابقاء لأنه أسهل من الابتداء فما دام فى دار الاسلام يبقى على حكم الاسلام تابعا للدار ولو لحق المرتدان بهذا الولد بدار الحرب فكبر الولد وولد له ولد وكبر ثم ظهر عليهم، أما حكم المرتد والمرتدة فمعلوم فأما حكم الأولاد فولد الأب يجبر على الاسلام ولا يقتل لأنه كان مسلما باسلام أبويه تبعا لهما، فلما بلغ كافرا فقد ارتد عنه والمرتد يجبر على الاسلام الا أنه لا يقتل لأن هذه ردة حكمية لا حقيقية لوجود الايمان حكما بطريق التبعية لا حقيقة فيجبر على الاسلام لكن بالحبس لا بالسيف اثباتا للحكم على قدر العلة، ولا يجبر، وولد ولده على الاسلام لأن ولد الولد لا يتبع الجد فى الاسلام وان كان مولودا فى الردة بأن ارتد الزوجان ولا ولد لهما ثم حملت المرأة من زوجها بعد ردتها وهما مرتدان على حالهما فهذا الولد بمنزلة أبويه له حكم الردة (٢). مذهب المالكية: أما ولد المرتد فلا يلحق به فى الردة اذا كان صغيرا اذ تبعية الولد لأبيه انما تكون فى دين يقر عليه فان قتل الأب على الكفر بقى الولد مسلما وعن ابن عرفة قال: ابن القاسم: صغير ولد المرتد ان كان ولده قبل الردة جبر على الاسلام وضيق عليه ولا يبلغ به الموت، وان ولده بعد ردته جبروا على الاسلام لأن ولد الولد لا يتبع الجد فى تركوا لأنهم ولدوا على ذلك، وقال ابن القاسم: من ترك ولده الصغير مع مطلقته النصرانية لأنه ابنها فغفل عنه حتى احتلم على النصرانية ان لم يرجع للاسلام لم يقتل (٣). مذهب الشافعية: ان ارتد وله ولد أو حمل كان محكوما باسلامه فاذا بلغ ووصف الكفر قتل، وقال

стр. 1227

أبو العباس فيه قول آخر أنه لا يقتل لأن الشافعى ﵀ قال: ولو بلغ فقتله قاتل قبل أن يصف الاسلام لم يجب عليه القود والمذهب الأول لأنه محكوم باسلامه وانما أسقط الشافعى ﵀ القود بعد البلوغ للشبهة وهو أنه بلغ ولم يصف الاسلام ولهذا لو قتل قبل البلوغ وجب القود، وان ولد له ولد بعد الردة من ذمية فهو كافر لأنه ولد بين كافرين وهل يجوز استرقاقه؟ فيه قولان أحدهما لا يجوز لأنه لا يسترق أبواه فلم يسترق والثانى لأنه كافر ولد بين كافرين فجاز استرقاقه كولد الحربيين فان قلنا لا يجوز استرقاقه استتيب بعد البلوغ فان تاب والا قتل وان قلنا يجوز استرقاقه فوقع فى الأسر فللامام أن يمن عليه وله أن يفادى به وله أن يسترقه كولد الحربيين غير أنه اذا استرقه. لم يجز اقراره على الكفر لأنه دخل فى الكفر بعد نزول القرآن (١). مذهب الحنابلة: فأما أولاد المرتدين فان كانوا ولدوا قبل الردة فانهم محكوم باسلامهم تبعا لآبائهم، ولا يتبعونهم فى الردة لأن الاسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم فى الكفر فلا يجوز استرقاقهم صغارا لأنهم مسلمون ولا كبارا لأنهم ان تبقوا على اسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون وان كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم فى الاستتابة وتحريم الاسترقاق وأما من حدث بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه ولد بين أبوين كافرين ويجوز استرقاقه لأنه ليس بمرتد، نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقى وأبى بكر (٢). مذهب الزيدية: اذا ارتد المسلم وامرأته حامل منه من قبل الردة فانه يحكم بأن ذلك الحمل مسلم وان ارتد أبواه جميعا لأنه قد ثبت اسلامه باسلامهما عند العلوق فلا يبطل حكم اسلامه بكفرهما فان حكى الكفر بعد بلوغه كان ردة ويحكم لمن حمل به فى الكفر من أبويه به أى بالكفر لأن أمه علقت به وهى كافرة وأبوه كافر والولد يلحق بأبويه فى الكفر والاسلام فلو أتت به لستة أشهر من وقت الردة حكمنا بكفر الولد حينئذ الا أن يكون الحمل قد ظهر قبل الردة فلو وطئها قبل الردة وبعدها وجاءت به لستة أشهر من الوط ء الآخر فله حكم أبيه ولا يرجع الاسلام لأن الحاقه بأبيه أولى قيل فأما لو التبس عدد الشهور فانه يحكم باسلامه لأن كل مولود يولد على الفطرة، ومنها أنه يسترق ولد الولد من المرتدين بلا خلاف وفى الولد

стр. 1228

تردد. أى فى أول بطن حدث بعد الردة، تردد هل يجوز استرقاقه أولا؟ والتردد لأبى طالب (١). مذهب الإمامية: ولد المرتد بحكم المسلم فان بلغ مسلما فلا بحث فان اختار الكفر بعد بلوغه استتيب فان تاب والا قتل، ولو ولد بعد الردة وكانت أمه مسلمة كان حكمه كالأول وان كانت مرتدة والحمل بعد ارتدادها كان بحكمهما واختلف فى جواز ارتداده (٢). جناية المرتد مذهب الحنفية: قال الحنفية: اذا أصاب المرتد مالا أو شيئا مما يوجب القصاص أو حد السرقة أو الدية أو أصابه وهو مرتد فى دار الاسلام، ثم لحق وحاربنا، ثم جاء مسلما فانه يؤاخذ بذلك كله. ولو أصابه بعد ما لحق مرتدا فأسلم فلا يؤاخذ بشئ من ذلك لأن الحربى لا يؤاخذ بعد الاسلام بما كان أصابه حال كونه محاربا لنا (٣). وقالوا: ان ما يغتصبه المرتد من شئ أو يفسده وثبت الغصب أو الاتلاف بالمعاينة أو بالبينة فضمان ذلك فى ماله عندهم جميعا. أما اذا ثبت باقرار المرتد فان ذلك يستوفى من كسب الردة عند أبى حنيفة، وعند محمد وأبى يوسف يستوفى ذلك من الكسبين، واذا قتل المرتد رجلا خطأ ثم لحق أو قتل، فديته تكون واجبة عليه فى كسب اسلامه ان كان ثمة والا فانها تجب فى كسب ردته (٤) قال فى الهداية والفتاوى الهندية: ان رأى أبى حنيفة ان الدية تكون فى كسب اسلامه خاصة وعند محمد وأبى يوسف تكون الدية فى الكسبين جميعا لنفوذ تصرفاته فى الحالين ولأن العواقل لا تعقل المرتد فى ردته لانعدام النصرة (٥). مذهب المالكية: اذا جنى المرتد على عبد ومات أو قتل على ردته أخذت منه قيمته مطلقا أى سواء كانت جنايته عمدا أو خطأ، واذا جنى على ذمى عمدا أخذت دية الذمى من ماله بسبب ما جنى، واذا جنى عليه خطأ لم يؤخذ من ماله شئ، وتؤخذ الدية من بيت المال، واذا جنى على الحر المسلم عمدا فلا يؤخذ منه شئ، لأن حده القود وهو يسقط بقتله بردته، وأما لو جنى خطأ على مسلم كانت دية ذلك على بيت المال (٦). مذهب الشافعية: قال الشافعية: اذا فعل المرتد الممتنع ما يوجب العقاب ثم تاب، فقد قال الشافعى فى قول لم نقم عليهم شيئا لأنهم فعلوه وهم مشركون ممتنعون فقد ارتد طليحة وقتل ثابت بن الأضرم وعكاشة بن محصن بيده ثم أسلم فلم يقد منه ولم يعقل لأنه فعل ذلك فى حالة الشرك ولاتباعة عليه فى الحكم

стр. 1229

الا أن يوجد مال رجل بعينه فيؤخذ منه، وفى قول آخر أنه يقتل به لأنه فعل معصية ولم تزده الردة الا شرا (١). واذا أتلف أحد المرتدين نفسا أو مالا على مسلم فان كان ذلك فى غير القتال وجب عليه الضمان لأنه التزم ذلك بالاقرار بالاسلام فلم يسقط عنه بالجحود فان أتلف ذلك فى حال القتال ففيه طريقان. أحدهما وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفرايينى وغيره من البغداديين أنه على قولين كأهل البغى. (انظر بغى) والثانى وهو قول القاضى أبى حامد المروزى وغيره من البصريين أنه يجب عليه الضمان قولا واحدا لأن حكمهم فى الضمان حكم قاطع الطريق قال الشيرازى والأول أصح لما روى طارق بن شهاب أن وفد بذاخة وغطفان جاءوا الى أبى بكر يسألونه الصلح فقال - تدون، قتلانا وقتلاكم فى النار - فقال عمر - ان قتلانا قتلوا على أمر الله ليس لهم ديات. فتفرق الناس على قول عمر بن الخطاب (٢). مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: ان قتل المرتد من يكافؤه عمدا فعليه القصاص. نص عليه أحمد، والولى مخير بين قتله والعفو عنه. فان اختار القصاص قدم على قتل الردة سواء تقدمت الردة أو تأخرت لأنه حق آدمى وان عفا ولى القصاص على مال وجبت الدية فى ماله وان كان القتل خطأ وجبت الدية فى ماله لأنه لا عاقلة (٣). واذا أتلف المرتد شيئا أو أتى حدا أخذ به، وان أسلم. نص عليه. وقال أبو بكر اذا فعله بدار الحرب أو فى جماعة مرتدة ممتنعة لم يؤخذ به. وقيل اذا أسلم لم يؤخذ بحق الله خاصة (٤). وقال ابن قدامة: يبدأ بقضاء أرش جناية المرتد من ماله لأنه من الحقوق التى لا يجوز تعطيلها (٥). مذهب الظاهرية: قال الظاهرية: لا يسقط الحد عن المرتد لأن الله أوجب الحدود فى القرآن ولم يسقطها عن المرتد، فمن أصاب حدا ثم ارتد وقدر عليه أقيم عليه الحد ولا يسقط عن اللاحق بالمشركين (٦) لحاقه بهم شيئا من الحدود التى أصابها قبل لحاقه ولا التى أصابها بعد لحاقه لأن الله أوجب الحدود فى القرآن. مذهب الإمامية: قال الإمامية: اذا قتل المرتد مسلما عمدا فللولى قتله فورا ويسقط قتل الردة. ولو عفا الولى قتل بالردة. ولو قتله خطأ كانت الدية فى ماله مخففة مؤجلة لأنه لا عاقلة له على تردد (٧) واذا سرق المرتد لم يقطع ولكن يدعى الى الاسلام فان أبى تقطع يده ثم يقتل (٨).

стр. 1230

ارتفاق المعنى اللغوى يقال فى اللغة ارتفقت بالشئ انتفعت به، ومرافق الدار مصاب الماء ونحوه ورفقه نفعه كأرفقه (١). استعمال الفقهاء مذهب الحنفية: جاء فى البحر الرائق (٢) نقلا عن الذخيرة أن المرافق للدار ونحوها ما يرتفق به ويختص بما هو من التوابع كالشرب والطريق ومسيل الماء. وفى جامع الفصولين (٣) مرافق الدار حقوقها كالطريق والمسيل ونحوهما، وهى حقوق مقررة على عقار بعينه لمنفعة عقار آخر مملوك لغير مالك العقار الأول فتثبت لأحدهما على الآخر دون نظر الى مالكها وتسمى بحقوق الارتفاق وهى تسمية مستحدثة وهى حق الشرب وحق المجرى وحق المسيل وحق المرور ويلحق بها حقوق الجوار. فان حق المرور فى طريق مملوك لشخص الى أرض لشخص آخر وحق سقى أرض معينة من مجرى ماء معين مملوك لغير مالك الأرض وحق صرف فاضل ماء أرض أو دار فى أرض لشخص آخر وحق جريان الماء فى أرض شخص لسقى أرض لآخر كلها حقوق مقررة على محالها من أرض أو مجرى ماء أو مصرف سواء أكانت مملوكة أم غير مملوكة وسواء أكان مالكها فلانا أم انتقلت الى ملك فلان آخر وهى تابعة لمحالها تنتقل معها بانتقالها من يد الى يد ومن مالك الى مالك وهى كذلك مقررة للأرض المنتفعة بها أيا كان مالكها لا تتغير باختلاف المالكين وهى حقوق دائمة غير مؤقتة بوقت تنتهى بانتهائه ولازمة بالنظر الى مالك العقار المرتفق به فلا يملك انتهاءها ولكنها غير لازمة بالنظر الى مالك العقار المنتفع فيملك اسقاطها بتنازله عنها (٤). مذهب المالكية: وفى العقد المنظم للأحكام - الارفاق هو أن يرفق بجاره بجداره الفاصل بينهما ليبنى عليه أو يضع خشبة أو بمسقى ليروى منها أرضه أو بطريق يجتازه أو قاعة يبنى فيها مدة معينة أو الى الأبد بدون أجر على ذلك فيلزمه ذلك طيلة المدة أو الى الأبد ان ذكر الأبدوان سكت عن المدة عد ذلك كالسلف يتسلفه الانسان لا يتعرض فيه لأجل فلا بد أن يترك مدة ينتفع به فيها عادة أمثاله فيترك للمرتفق أن ينتفع المدة المعتادة واذا عرضت له حاجة أكيدة فى الرجوع عنه فله ذلك والا فلا بد من مضيه ويجوز أن يبيع الرجل موضع جذع من حائط بثمن يقبضه الى أمد معلوم - وجاء مثل ذلك فى البهجة - وان الارفاق بالغرز وفتح الباب والسقى له حكم ما تقدم والمعتمد فى الغرز أنه لا رجوع فيه طال الزمن أو قصر عاش المنتفع أم مات الا أن ينهدم الجدار الذى فيه الغرز فلا يعيد الغرز الا بارفاق ثان حيث علم أن
следующие страницы →