ولو أسلم من ساعته وهذا هو الراجح وقيل أنهما يقيمان «على العقد» ولو انقضت العدة، ولا تتزوج زوجة مرتد حتى تعتد ثلاثة قروء ان كانت ممن تحيض والا فثلاثة أشهر وتعتد الحامل بعد الوضع ثلاثة قروء ورخص أن تعتد بالوضع فقط (١).
أولاد المرتدين
مذهب الحنفية:
وأما حكم ولد المرتد فولد المرتد لا يخلو من أن يكون موجودا فى الاسلام أو فى الردة فان كان موجودا فى الاسلام بأن ولد للزوجين ولد وهما مسلمان ثم ارتدا لا يحكم بردته ما دام فى دار الاسلام، لأنه لما ولد وأبواه مسلمان فقد حكم باسلامه تبعا لأبويه فلا يزول بردتهما لتحول التبعية الى الدار اذ الدار وان كانت لا تصلح لاثبات التبعية ابتداء عند استتباع الأبوين تصلح للابقاء لأنه أسهل من الابتداء فما دام فى دار الاسلام يبقى على حكم الاسلام تابعا للدار ولو لحق المرتدان بهذا الولد بدار الحرب فكبر الولد وولد له ولد وكبر ثم ظهر عليهم، أما حكم المرتد والمرتدة فمعلوم فأما حكم الأولاد فولد الأب يجبر على الاسلام ولا يقتل لأنه كان مسلما باسلام أبويه تبعا لهما، فلما بلغ كافرا فقد ارتد عنه والمرتد يجبر على الاسلام الا أنه لا يقتل لأن هذه ردة حكمية لا حقيقية لوجود الايمان حكما بطريق التبعية لا حقيقة فيجبر على الاسلام لكن بالحبس لا بالسيف اثباتا للحكم على قدر العلة، ولا يجبر، وولد ولده على الاسلام لأن ولد الولد لا يتبع الجد فى الاسلام وان كان مولودا فى الردة بأن ارتد الزوجان ولا ولد لهما ثم حملت المرأة من زوجها بعد ردتها وهما مرتدان على حالهما فهذا الولد بمنزلة أبويه له حكم الردة (٢).
مذهب المالكية:
أما ولد المرتد فلا يلحق به فى الردة اذا كان صغيرا اذ تبعية الولد لأبيه انما تكون فى دين يقر عليه فان قتل الأب على الكفر بقى الولد مسلما وعن ابن عرفة قال: ابن القاسم: صغير ولد المرتد ان كان ولده قبل الردة جبر على الاسلام وضيق عليه ولا يبلغ به الموت، وان ولده بعد ردته جبروا على الاسلام لأن ولد الولد لا يتبع الجد فى تركوا لأنهم ولدوا على ذلك، وقال ابن القاسم: من ترك ولده الصغير مع مطلقته النصرانية لأنه ابنها فغفل عنه حتى احتلم على النصرانية ان لم يرجع للاسلام لم يقتل (٣).
مذهب الشافعية:
ان ارتد وله ولد أو حمل كان محكوما باسلامه فاذا بلغ ووصف الكفر قتل، وقال
стр. 1227
أبو العباس فيه قول آخر أنه لا يقتل لأن الشافعى ﵀ قال: ولو بلغ فقتله قاتل قبل أن يصف الاسلام لم يجب عليه القود والمذهب الأول لأنه محكوم باسلامه وانما أسقط الشافعى ﵀ القود بعد البلوغ للشبهة وهو أنه بلغ ولم يصف الاسلام ولهذا لو قتل قبل البلوغ وجب القود، وان ولد له ولد بعد الردة من ذمية فهو كافر لأنه ولد بين كافرين وهل يجوز استرقاقه؟ فيه قولان أحدهما لا يجوز لأنه لا يسترق أبواه فلم يسترق والثانى لأنه كافر ولد بين كافرين فجاز استرقاقه كولد الحربيين فان قلنا لا يجوز استرقاقه استتيب بعد البلوغ فان تاب والا قتل وان قلنا يجوز استرقاقه فوقع فى الأسر فللامام أن يمن عليه وله أن يفادى به وله أن يسترقه كولد الحربيين غير أنه اذا استرقه. لم يجز اقراره على الكفر لأنه دخل فى الكفر بعد نزول القرآن (١).
مذهب الحنابلة:
فأما أولاد المرتدين فان كانوا ولدوا قبل الردة فانهم محكوم باسلامهم تبعا لآبائهم، ولا يتبعونهم فى الردة لأن الاسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم فى الكفر فلا يجوز استرقاقهم صغارا لأنهم مسلمون ولا كبارا لأنهم ان تبقوا على اسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون وان كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم فى الاستتابة وتحريم الاسترقاق وأما من حدث بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه ولد بين أبوين كافرين ويجوز استرقاقه لأنه ليس بمرتد، نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقى وأبى بكر (٢).
مذهب الزيدية:
اذا ارتد المسلم وامرأته حامل منه من قبل الردة فانه يحكم بأن ذلك الحمل مسلم وان ارتد أبواه جميعا لأنه قد ثبت اسلامه باسلامهما عند العلوق فلا يبطل حكم اسلامه بكفرهما فان حكى الكفر بعد بلوغه كان ردة ويحكم لمن حمل به فى الكفر من أبويه به أى بالكفر لأن أمه علقت به وهى كافرة وأبوه كافر والولد يلحق بأبويه فى الكفر والاسلام فلو أتت به لستة أشهر من وقت الردة حكمنا بكفر الولد حينئذ الا أن يكون الحمل قد ظهر قبل الردة فلو وطئها قبل الردة وبعدها وجاءت به لستة أشهر من الوط ء الآخر فله حكم أبيه ولا يرجع الاسلام لأن الحاقه بأبيه أولى قيل فأما لو التبس عدد الشهور فانه يحكم باسلامه لأن كل مولود يولد على الفطرة، ومنها أنه يسترق ولد الولد من المرتدين بلا خلاف وفى الولد
стр. 1228
تردد. أى فى أول بطن حدث بعد الردة، تردد هل يجوز استرقاقه أولا؟ والتردد لأبى طالب (١).
مذهب الإمامية:
ولد المرتد بحكم المسلم فان بلغ مسلما فلا بحث فان اختار الكفر بعد بلوغه استتيب فان تاب والا قتل، ولو ولد بعد الردة وكانت أمه مسلمة كان حكمه كالأول وان كانت مرتدة والحمل بعد ارتدادها كان بحكمهما واختلف فى جواز ارتداده (٢).
جناية المرتد
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: اذا أصاب المرتد مالا أو شيئا مما يوجب القصاص أو حد السرقة أو الدية أو أصابه وهو مرتد فى دار الاسلام، ثم لحق وحاربنا، ثم جاء مسلما فانه يؤاخذ بذلك كله. ولو أصابه بعد ما لحق مرتدا فأسلم فلا يؤاخذ بشئ من ذلك لأن الحربى لا يؤاخذ بعد الاسلام بما كان أصابه حال كونه محاربا لنا (٣).
وقالوا: ان ما يغتصبه المرتد من شئ أو يفسده وثبت الغصب أو الاتلاف بالمعاينة أو بالبينة فضمان ذلك فى ماله عندهم جميعا. أما اذا ثبت باقرار المرتد فان ذلك يستوفى من كسب الردة عند أبى حنيفة، وعند محمد وأبى يوسف يستوفى ذلك من الكسبين، واذا قتل المرتد رجلا خطأ ثم لحق أو قتل، فديته تكون واجبة عليه فى كسب اسلامه ان كان ثمة والا فانها تجب فى كسب ردته (٤) قال فى الهداية والفتاوى الهندية:
ان رأى أبى حنيفة ان الدية تكون فى كسب اسلامه خاصة وعند محمد وأبى يوسف تكون الدية فى الكسبين جميعا لنفوذ تصرفاته فى الحالين ولأن العواقل لا تعقل المرتد فى ردته لانعدام النصرة (٥).
مذهب المالكية:
اذا جنى المرتد على عبد ومات أو قتل على ردته أخذت منه قيمته مطلقا أى سواء كانت جنايته عمدا أو خطأ، واذا جنى على ذمى عمدا أخذت دية الذمى من ماله بسبب ما جنى، واذا جنى عليه خطأ لم يؤخذ من ماله شئ، وتؤخذ الدية من بيت المال، واذا جنى على الحر المسلم عمدا فلا يؤخذ منه شئ، لأن حده القود وهو يسقط بقتله بردته، وأما لو جنى خطأ على مسلم كانت دية ذلك على بيت المال (٦).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: اذا فعل المرتد الممتنع ما يوجب العقاب ثم تاب، فقد قال الشافعى فى قول لم نقم عليهم شيئا لأنهم فعلوه وهم مشركون ممتنعون فقد ارتد طليحة وقتل ثابت بن الأضرم وعكاشة بن محصن بيده ثم أسلم فلم يقد منه ولم يعقل لأنه فعل ذلك فى حالة الشرك ولاتباعة عليه فى الحكم
стр. 1229
الا أن يوجد مال رجل بعينه فيؤخذ منه، وفى قول آخر أنه يقتل به لأنه فعل معصية ولم تزده الردة الا شرا (١).
واذا أتلف أحد المرتدين نفسا أو مالا على مسلم فان كان ذلك فى غير القتال وجب عليه الضمان لأنه التزم ذلك بالاقرار بالاسلام فلم يسقط عنه بالجحود فان أتلف ذلك فى حال القتال ففيه طريقان. أحدهما وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفرايينى وغيره من البغداديين أنه على قولين كأهل البغى.
(انظر بغى) والثانى وهو قول القاضى أبى حامد المروزى وغيره من البصريين أنه يجب عليه الضمان قولا واحدا لأن حكمهم فى الضمان حكم قاطع الطريق قال الشيرازى والأول أصح لما روى طارق بن شهاب أن وفد بذاخة وغطفان جاءوا الى أبى بكر يسألونه الصلح فقال - تدون، قتلانا وقتلاكم فى النار - فقال عمر - ان قتلانا قتلوا على أمر الله ليس لهم ديات. فتفرق الناس على قول عمر بن الخطاب (٢).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: ان قتل المرتد من يكافؤه عمدا فعليه القصاص. نص عليه أحمد، والولى مخير بين قتله والعفو عنه. فان اختار القصاص قدم على قتل الردة سواء تقدمت الردة أو تأخرت لأنه حق آدمى وان عفا ولى القصاص على مال وجبت الدية فى ماله وان كان القتل خطأ وجبت الدية فى ماله لأنه لا عاقلة (٣).
واذا أتلف المرتد شيئا أو أتى حدا أخذ به، وان أسلم. نص عليه. وقال أبو بكر اذا فعله بدار الحرب أو فى جماعة مرتدة ممتنعة لم يؤخذ به. وقيل اذا أسلم لم يؤخذ بحق الله خاصة (٤).
وقال ابن قدامة: يبدأ بقضاء أرش جناية المرتد من ماله لأنه من الحقوق التى لا يجوز تعطيلها (٥).
مذهب الظاهرية:
قال الظاهرية: لا يسقط الحد عن المرتد لأن الله أوجب الحدود فى القرآن ولم يسقطها عن المرتد، فمن أصاب حدا ثم ارتد وقدر عليه أقيم عليه الحد ولا يسقط عن اللاحق بالمشركين (٦) لحاقه بهم شيئا من الحدود التى أصابها قبل لحاقه ولا التى أصابها بعد لحاقه لأن الله أوجب الحدود فى القرآن.
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: اذا قتل المرتد مسلما عمدا فللولى قتله فورا ويسقط قتل الردة. ولو عفا الولى قتل بالردة. ولو قتله خطأ كانت الدية فى ماله مخففة مؤجلة لأنه لا عاقلة له على تردد (٧) واذا سرق المرتد لم يقطع ولكن يدعى الى الاسلام فان أبى تقطع يده ثم يقتل (٨).
стр. 1230
ارتفاق
المعنى اللغوى
يقال فى اللغة ارتفقت بالشئ انتفعت به، ومرافق الدار مصاب الماء ونحوه ورفقه نفعه كأرفقه (١).
استعمال الفقهاء
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (٢) نقلا عن الذخيرة أن المرافق للدار ونحوها ما يرتفق به ويختص بما هو من التوابع كالشرب والطريق ومسيل الماء.
وفى جامع الفصولين (٣) مرافق الدار حقوقها كالطريق والمسيل ونحوهما، وهى حقوق مقررة على عقار بعينه لمنفعة عقار آخر مملوك لغير مالك العقار الأول فتثبت لأحدهما على الآخر دون نظر الى مالكها وتسمى بحقوق الارتفاق وهى تسمية مستحدثة وهى حق الشرب وحق المجرى وحق المسيل وحق المرور ويلحق بها حقوق الجوار. فان حق المرور فى طريق مملوك لشخص الى أرض لشخص آخر وحق سقى أرض معينة من مجرى ماء معين مملوك لغير مالك الأرض وحق صرف فاضل ماء أرض أو دار فى أرض لشخص آخر وحق جريان الماء فى أرض شخص لسقى أرض لآخر كلها حقوق مقررة على محالها من أرض أو مجرى ماء أو مصرف سواء أكانت مملوكة أم غير مملوكة وسواء أكان مالكها فلانا أم انتقلت الى ملك فلان آخر وهى تابعة لمحالها تنتقل معها بانتقالها من يد الى يد ومن مالك الى مالك وهى كذلك مقررة للأرض المنتفعة بها أيا كان مالكها لا تتغير باختلاف المالكين وهى حقوق دائمة غير مؤقتة بوقت تنتهى بانتهائه ولازمة بالنظر الى مالك العقار المرتفق به فلا يملك انتهاءها ولكنها غير لازمة بالنظر الى مالك العقار المنتفع فيملك اسقاطها بتنازله عنها (٤).
مذهب المالكية:
وفى العقد المنظم للأحكام - الارفاق هو أن يرفق بجاره بجداره الفاصل بينهما ليبنى عليه أو يضع خشبة أو بمسقى ليروى منها أرضه أو بطريق يجتازه أو قاعة يبنى فيها مدة معينة أو الى الأبد بدون أجر على ذلك فيلزمه ذلك طيلة المدة أو الى الأبد ان ذكر الأبدوان سكت عن المدة عد ذلك كالسلف يتسلفه الانسان لا يتعرض فيه لأجل فلا بد أن يترك مدة ينتفع به فيها عادة أمثاله فيترك للمرتفق أن ينتفع المدة المعتادة واذا عرضت له حاجة أكيدة فى الرجوع عنه فله ذلك والا فلا بد من مضيه ويجوز أن يبيع الرجل موضع جذع من حائط بثمن يقبضه الى أمد معلوم - وجاء مثل ذلك فى البهجة - وان الارفاق بالغرز وفتح الباب والسقى له حكم ما تقدم والمعتمد فى الغرز أنه لا رجوع فيه طال الزمن أو قصر عاش المنتفع أم مات الا أن ينهدم الجدار الذى فيه الغرز فلا يعيد الغرز الا بارفاق ثان حيث علم أن
стр. 1231
الخشب وضع أولا بالارفاق والا فله رده كما كان من غير اذن ومن هذه النصوص بين أن الارتفاق ضرب من الارفاق اذ أنه أثر له (١).
وقد جاء ذكر الحقوق السابقة وهى المسماة بحقوق الارتفاق فى كتب المذاهب الأخرى بصدد بيان طريقة الانتفاع بها باعتبارها مرافق للعقار من أرض ودار وذكر أحكام كل حق دون تعرض لها تحت اسم يجمعها فى باب من أبواب الفقه سواء فى ذلك كتب المالكية والشافعية والحنابلة والمحلى وكتب الزيدية والشيعة الجعفرية.
أنواعها
حصرها الحنفية فى حق الشرب وحق المرور وحق المسير وحق المجرى وليس فى كلامهم ما يدل على جواز الزيادة عليها باحداث حقوق ارتفاق أخرى وفى العقد المنظم للأحكام ما يدل على جواز الزيادة عليها وعدم انحصارها فى ذلك (٢) وعلى ذلك يجوز عندهم أن يقرر لعقار على آخر حق ارتفاق غير ما سبق بيانه كعدم البناء على أحد العقارين الا على بعد معين من العقار الآخر أو عدم رفع البناء المجاور الى ما يزيد على ارتفاع معين، وتفصيل الكلام فى أحكامها ونظام الانتفاع بها يرجع اليه فى مصطلح «حق الشرب» وحق المرور، وحق المسيل، وحق المجرى، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على أنها حقوق لازمة فليس لمالك الأرض المقررة عليها اسقاطها اذ أنها حقوق لغيره ولا يجوز التعدى على حق غيره باسقاطه أو المعارضة فيه (٣) بينما يجوز لمالك الأرض المنتفعة اسقاطها وهى حقوق لها صفة الدوام الا أن يسقطها مالك الأرض المنتفعة بها فيجوز اسقاطه لها لأنه صاحب الحق فى ذلك والى هذا ذهب الحنفية والحنابلة (٤) ويرى المالكية أنها قد تكون مؤقتة اذا نشأت بمعاوضة مالية فى مدة حددت بالعقد أو بشرط فى معاوضة مع التوقيت وهو رأى الشيعة الجعفرية (٥) وتكون فى هذه المدة لازمة كما تكون لازمة على الأبد اذا نشأت كذلك وتعد من قبيل الأموال عند غير الحنفية أما الحنفية فلا يعدونها من الأموال ولذا بنوا على ذلك عدم جواز بيعها وعدم جواز هبتها.
أسباب ثبوت حقوق الارتفاق:
مذهب الحنفية:
تثبت الملكية فى حقوق الارتفاق بسبب من الأسباب الآتية:
الشركة العامة - ولهذا كانت مرافق البلد العامة كطرقها وأنهارها ومصارفها محملة بحقوق ارتفاق لكل عقار متصل بها فلكل منزل أشرع بابه الى الطريق العام حق ارتفاق عليه هو حق المرور فيه اليه ولكل أرض زراعية تتصل بمروى على حق ارتفاق عليه هو حق شربها منه وهكذا (٦).
стр. 1232
اشتراطها فى عقد معاوضة اذا جرى العرف بذلك الاشتراط فاذا باع شخص أرضا لآخر على أن يكون عليها حق مرور الى أرض أخرى مملوكة له أو لغير المتعاقدين وتم العقد على ذلك ثبت لتلك الأرض حق المرور على الأرض المبيعة اذا كان العرف قد جرى بمثل هذا الشرط (١) وأجاز المالكية ثبوتها بعقد معاوضة نظير عوض يدفعه المرتفق وثبوتها تبرعا بالعارية وهذا لأن التبرع عندهم ملزم فيكون الحق المترتب عليه لازما وعلى هذا اذا تبرع انسان فالتزم لغيره بأن يروى أرضه من ماء يجريه فى أرضه كان ذلك كافيا لتقرير حق امرار الماء لأرض المتبرع له على أرض التبرع وكان ذلك حقا لازما على الوجه الذى تم به الالتزام من ناحية التوقيت والدوام أما عند من يرى أن العارية غير لازمة فانه يرى أن ذلك مجرد اذن أو اباحة موقوتة ببقاء ذلك الاذن وللآذن أو المعير أن يرجع متى شاء. ويرى المالكية ومن رأى رأيهم كالشافعية والحنابلة أن هذه الحقوق تنشأ بعقد معاوضة استقلالا (٢).
الانتفاع بالأرض الموات فى حق من هذه الحقوق عندما تتعين لذلك فاذا أحيا انسان أرضا فى وسط أرض موات وكان يمر الى أرضه التى أحياها من الأرض المحيطة بها ثم جاء آخر فأحيا ما يجاورها من الموات فان أحيا جميع ما يحيط بالأرض الأولى دفعة واحدة كان للأرض الأولى حق مرور على الأرض المحيطة جميعها فيمر مالكها اليها من أى جهة أراد ويجوز للمحيى الثانى أن يخصص له طريقا وان أحياها على دفعات كان حق المرور الى الأرض الأولى على آخر قطعة أحييت لتعينها حينئذ للمرور قبل احيائها (٣).
القدم عند الجهل بسبب الحق.
والقدم فى الواقع ليس منشئا للحق وانما يعتبر أن الحق قد نشأ عن سبب صحيح مجهول ولطول العهد تنوسى فيحافظ عليه لتقرره بالقدم والقديم يبقى على حاله ما لم يظهر انه لسبب باطل (٤) والى هذا ذهب المالكية (٥) والقدم يتحقق بمضى عشر سنوات عند ابن القاسم وبمضى عشرين سنة عند أصبغ وعن سحنون فى مصب ماء أو مسيل يكفى مضى أربع سنوات عليه وكذلك يرى الشافعية بثبوت هذه الحقوق بهذه الأسباب وكذلك الحنابلة (٦) هذا والاذن من المالك بالانتفاع لا يثبت به حق ارتفاق وذلك كأن يأذن مالك أرض معينة آخر بالمرور فيها الى أرضه فانه لا يترتب على ذلك ثبوت حق مرور لمن أبيح له ذلك لأن الاباحة موقوتة وليس لها حكم اللزوم فللمبيح أن يرجع كما تنتهى بوفاة كل من المبيح والمباح له وهذا عند من يرى أن العارية غير لازمة أما من يراها لازمة وهم المالكية تعينت هذه الحقوق أيضا بالعارية كما فى العقد المنظم للأحكام والقاعدة العامة لبقاء هذه الحقوق ألا يترتب عليها ضرر بين والا وجب ازالة
стр. 1233
منشأ هذا الضرر كمسيل ماء قذر على طريق فانه يجب ازالته كما ذكر ذلك فى الزيلعى والبدائع (١).
التصرف فى حقوق الارتفاق:
مذهب الحنفية:
يجوز التصرف فى رقبة كل من المجرى أو المسيل أو الطريق اذا كانت مملوكة لصاحب حق المجرى أو حق المرور أو حق الصرف لأنها فى هذه الحال من الأعيان المالية فيجوز التصرف فيها كما يجوز التصرف فى الأموال فتباع وتوهب وتؤجر ويوصى بها الى غير ذلك من التصرفات، واذا لم تكن الرقبة مملوكة لصاحب الحق بان كان له حق اسالة الماء وامراره فقط أو كان له حق المرور فقط أو حق الصرف فقط فان حصل التصرف فيها تبعا للتصرف فى الأرض المرتفقة بها بأن يباع حق الشرب أو حق المرور أو حق المجرى وحق المسيل مع الأرض المنتفعة به جاز ذلك التصرف. غير أنه اذا كان التصرف من العقود التى يكون الغرض منها تمليك المنفعة كالاجارة والوقف والوصية بالمنافع فانها لا تحتاج فى تضمن العقد لها وشموله اياها الى نص عليها فيشملها العقد من غير نص لأن الغرض منه الانتفاع بالعين فى الحال ولا يتم ذلك على الوجه المقصود الا مع دخول هذه الحقوق فيشملها العقد حينئذ لاقتضائه دخولها عرفا واذا كان التصرف من العقود التى يكون المقصود منها تمليك العين مثل البيع والهبة فانه لا يتضمنها الا بالنص عليها كأن يقول البائع بعتك هذه الأرض بحقوقها أو بمرافقها أو ما أشبه ذلك فان لم ينص عليها لم يشملها العقد وبقيت فى ملك البائع مجردة عن عين تنتفع بها وانما لم تدخل فى العقد من غير نص لأن العقد لا يقتضيها اذ قد يكون الغرض منه التمليك والاحتفاظ بالعين للتجارة وذلك يتحقق من غير هذه الحقوق ومن هذا يتبين انها قد تملك مجردة عن عين ترتفق بها وان حصل التصرف فيها استقلالا أى منفردة عن العقار المرتفق بها فان كان هذا التصرف باسقاطها صح لأنها تقبل الاسقاط شأن كل الحقوق المالية وان كان بتمليكها بطريق البيع أو الهبة أو الصدقة لم يجز عند الحنفية لأنها ليست عندهم مالا وذهب بعضهم الى جواز بيع كل من حق المرور وحق الشرب دون حق المسيل وهم فقهاء ما وراء النهر لتعارف الناس ذلك فى بلدهم والرأى الأول ظاهر الرواية ومع انهم لم يجيزوا التصرف فيها بالبيع والهبة وذهبوا الى ثبوت الوراثة فيها من ناحية أن الوارث يعتبر خليفة مورثه فيخلفه فى كل حقوقه التى لها شبه بالمال كما أجازوا الايصاء بمنافعها (٢) لأن الوصية نوع من الخلافة فاعطيت حكمها.
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة والشيعة الجعفرية: الى جواز التصرف فيها منفردة عن العقار المرتفق بها لأنها من الأموال عندهم فكان حكمها حكم المال كما أجازوا انشاءها نظير مال، وكذلك أجازوا التصرف فى أجزاء منها معلومة كثلث ونصف اذا
стр. 1234
ما قبل الحق التجزئة كحق الشرب (١) وفى تحرير الأحكام أنه لا يجوز التصرف فيها بالبيع وان جاز جعلها بدل صلح أو مصالحا عليها واذا كان التصرف فيها منفردة بطريق الاجارة لم يجز عند الحنفية كذلك للجهالة الفاحشة وعدم قبول الحقوق (٢) أن تؤجر على الانفراد لهذه الجهالة ولعدم ولاية صاحبها على محالها لأنها فى ولاية غيره وكذلك لا يصح جعلها أجرة فى عقد الاجارة عندهم لأن الأجرة فى عقد الاجارة كالثمن فى عقد البيع وهى لا تصلح لذلك لأنها ليست مالا وكذلك لا تصلح بدل صلح خلافا لمالك والشافعى وأحمد.
وقد اتفق الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن هذه الحقوق تقبل التوارث سواء أكانت تابعة للعقار المنتفع بها أم منفردة عنه لأن الوراثة خلافة قهرية بحكم الشارع وليست من قبيل التملك الاختيارى فلم تشترط فيها المالية واتفقوا على صحة الوصية بها لأنها تشبه الميراث من ناحية أن التملك فيها انما يكون بعد الموت ولذا قالوا ان الوصية أخت الميراث فما يجوز التوارث فيه يجوز الايصاء به فاذا أوصى صاحب شرب لآخر بان يسقى أرضه من شربه جاز ذلك وكان للموصى له سقى أرضه وينتهى حقه فى ذلك بوفاته لأنها وصية بمنافع وهى تنتهى بموت المنتفع كما نص على ذلك الكاسانى فى البدائع فى الموضع المشار اليه آنفا.
إرث
التعريف بالارث:
جاء فى القاموس ورث أباه بكسر الراء وورث منه يرثه ارثا ووراثة، والارث بالكسر الميراث، ويستعمل الارث فى اللغة بمعنى البقاء ومنه تسمية الله سبحانه بالوارث فى قوله «(وهو» ﴿خَيْرُ الْوارِثِينَ)﴾ وهو يفيد معنى الانتقال أيضا حسيا كان المنقول أو معنويا فيقال ورث فلان مال أبيه أو خلقه والمقصود بكلمة ارث هنا: العلم الذى يعرف به قسمة التركة بين الورثة وما يتعلق بها ويسمى فى عرف الفقهاء الفرائض، يقول صاحب الدر (الفرائض الميراث) وقد ذكر العينى فى شرحه على الكنز (٣) أن الفرائض جمع فريضة من الفرض وهو التقدير، وسمى هذا العلم فرائض لأن الله تعالى فرضه بنفسه ولم يفوض تقديره الى أحد، وقد فصل الأنصبة بخلاف سائر الأحكام فى الصلاة والزكاة وغيرها فان النصوص فيها مجملة.
وقد عرفوه بأنه علم بأصول من فقه وحساب تعرف حق كل فى التركة (٤) وجاء فى الروضة البهية فى فقه الشيعة الإمامية (٥) الميراث من الارث أو الموروث وعلى الأول فهو استحقاق انسان بموت آخر بنسب أو سبب شيئا بالأصالة، وعلى الثانى ما يستحقه انسان بموت آخر بنسب أو سبب
стр. 1235
الخ وهو أعم من الفرائض مطلقا ان أريد بها المفروض، وان أريد بها ما يعم الاجمال كأرث أولى الأرحام فهو بمعناه.
ومن ثم كان التعبير بالميراث أولى، وعرفه الإباضية (١) بأنه حق قابل للتجزؤ ثبت لمستحقه بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوهما.
وجاء فى الروض النضير (٢) الميراث كل مال أو حق خرج من مستحق الى مستحق آخر من غير اختيار كل منهما حيث يموت الميت وله من يرثه بأى من الأسباب التى قصر الشارع التوارث عليها.
وقد عنى الفقهاء به حتى جعلوه علما مستقلا بذاته كما يفيده ذلك التعريف وذلك مستمد من عناية الرسول ﷺ به، اذ يقول فيما رواه ابن ماجه والحاكم عن أبى هريرة (تعلموا الفرائض وعلموها فانها نصف العلم) الحديث.
دليل مشروعيته
الارث مشروع بالكتاب والسنة والاجماع: أما القرآن فقول الله تعالى (٣) «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ» (٤) وأيضا قوله تعالى ﴿(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٥)﴾ ويدل عليه من السنة ما روى من أن النبى ﷺ دعا الى تعلم الفرائض كما وردت عدة أحاديث فى بيان الأنصبة وكيفية التوريث مثل قوله (ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقته فلأولى رجل ذكر) ويدل من الاجماع ما روى ان فقهاء المسلمين أجمعوا على بعض مسائل فى الارث كنصيب الجد لأب وابن الابن كما أجمع الصحابة على مشروعية التوريث طبقا لما ورد بالكتاب والسنة فى مشروعيته.
الحكمة فى تشريع الارث:
راعى الشارع فى تشريع الارث مصلحة
стр. 1236
الجماعة والأسرة كما راعى حق الميت الذى يعنيه أن يصل ماله الى ورثته كما قال الفقهاء لأن الموت مانع من التسلط على المال والانتفاع به فلزم أن يخلف الميت من ينتسب اليه على تركته وقد توخى الشارع العدالة وحرص عليها فلم يترك توزيع التركة لارادة المورث بل استأثر بها قال العينى فى شرح الكنز (١) ان الله قدر المواريث بنفسه ولم يفوضها لملك مقرب ولا نبى مرسل، وبين نصيب كل واحد: وهذا يؤيد ما قلناه من شدة حرص الشارع على المحافظة على ما حده الله للارث ولذلك سماه حدودا وبين أنه أدرى بالأحق فى قوله تعالى ﴿(آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ)﴾.
التدرج فى تشريع الارث:
لم يقض الاسلام دفعة واحدة بأحكام الارث المعمول بها تمشيا مع مسلكه من التدرج فى تشريع بعض الأحكام فقد ثبت أن النبى ﷺ آخى بين أصحابه وورث بعضهم من بعض بمقتضى المؤاخاة حتى نزل قول الله تعالى ﴿(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ الآية) (٢) فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب (٣) كما كانوا يتوارثون بالتبنى على ما كان عليه العرب فى الجاهلية فألغى الاسلام ذلك بقوله تعالى (﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾) (٤).
قال الألوسى (٥): فى تفسير هذه الآية:
انها ابطال لما كان فى الجاهلية وصدر الاسلام من أنه اذا تبنى الرجل ولد غيره أجريت عليه أحكام البنوة، كما كانوا يتوارثون بالمعاقدة على الميراث. روى عن ابن عباس فى قول الله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾) (٦) قال كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر فأنزل الله (﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾) (٧) قال ابن عباس - أى الا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا لهم وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، ويقول الجصاص (٨) قد ثبت من قول السلف ان الحكم الثابت فى الاسلام أولا الميراث بالتعاقد والولاء ثم قال قائلون: انه منسوخ بقول الله ﴿(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ)﴾ وقال آخرون ليس بمنسوخ من الأصل ولكنه جعل ذوى الأرحام أولى من موالى المعاقدة فنسخ ميراثهم فى حال وجود القرابات وهو باق لهم اذا فقد الأقرباء على الأصل الذى كان عليه.
وكان الاسلام يقضى قبل نزول آية المواريث بفرض الوصية للوالدين والأقربين
стр. 1237
ثم نسخ ذلك كما يقول جمهور الفقهاء.
يقول الألوسى (١) ان الحكم بوجوب الوصية للوالدين والأقربين كان فى بدء الاسلام ثم نسخ بآية المواريث كما قاله ابن عباس وابن عمر وقتادة وشريح ومجاهد وغيرهم، وقد أخرج أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه بأسانيدهم أن النبى ﷺ خطب على راحلته فقال: ان الله قد قسم لكل انسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصية. ونقل الألوسى من طرق أخرى أن النبى ﷺ قال فى حجة الوداع مثل ذلك ثم قال ان هذه الأحاديث تنظم فى مسلك المتواتر وان بعض الفقهاء جعلها من المتواتر بالفعل. ثم قال الألوسى (٢) فى قول الله سبحانه (بالمعروف) لما كان الموصى قد لا يحسن التدبير فى مقدار الوصية لكل منهم وربما كان يقصد المضارة تولى الله بنفسه بيان ذلك الحق على وجه يتيقن به أنه الصواب وان فيه الحكمة وقصره على الحدود المبينة فى آيات الميراث ﴿(يُوصِيكُمُ اللهُ .. )﴾ الآيات السابقة.
وقال الألوسى (٣) عند تفسير قول الله تعالى (﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾) (٤) ان الآية تشير الى المبالغة فى ابطال حكم الجاهلية فانهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال، ويقولون انما يرث من يحارب ويذب عن الحوذة فللرد عليهم نزلت هذه الآية كما قال ابن جبير وغيره. ثم نزل بعد ذلك قوله تعالى (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً﴾) (٥). ثم نزل قول الله تعالى ﴿(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)﴾.
الآية السابقة.
وقد أشار صاحب البحر الزخار الى بعض صور التدرج فى تشريع الميراث فذكر (٦) أنهم كانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال فنزل قول الله تعالى ﴿(لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً)﴾ الآية السابقة.
أسباب الارث
أسباب الارث عند الحنفية:
كما يقول صاحب التنوير وشارحه (٧):
ان الارث يستحق بأحد أسباب ثلاثة: برحم ونكاح صحيح وولاء فلا توارث بنكاح فاسد ولا باطل اجماعا، وولاء: وقد علق ابن عابدين على ذلك فقال ان النكاح الصحيح يقتضى الارث ولو بلا دخول ولا خلوة اجماعا وقال ان الولاء ينقسم الى ولاء عتاقه وولاء موالاه.
стр. 1238
مذهب المالكية:
أما المالكية فقد أضافوا الى هذه الأسباب بيت المال. فقالوا (١) انه يلى الولاء فى سببية الارث وفيه تفصيل سيأتى والولاء عندهم قاصر على ولاء العتاقة.
مذهب الشافعية:
والشافعية أيضا يضيفون هذا السبب ويطلقون عليه اسم الاسلام جاء فى المنهاج وشرحه (٢) الرابع من أسباب الارث الاسلام - أى جهته - وسواء كان المصروف له موجودا عند الموت أم حدث بعد أن أسلم أم أعتق بعد .. ثم قال فتصرف التركة أو بعضها عن الميت المسلم لبيت المال ارثا للمسلمين بسبب العصوبة لأنهم يعقلون عنه كأقاربه اذا لم يكن له وارث بالأسباب الثلاثة القرابة والنكاح والولاء الذى هو ولاء العتاقة فقط.
مذهب الحنابلة:
والحنابلة ينصون (٣) على أن أسباب الارث ثلاثة رحم ونكاح وولاء عتق فهم لا يعتبرون ولاء الموالاة من أسباب الارث اذ قصروا الأسباب على هذه الثلاثة كما قصروا الولاء على ولاء العتاقة، قال الخرقى وابن قدامة فى المغنى (٤) انه يرد على أهل الفرائض الا الزوج والزوجة، ثم قال ابن قدامة وذهب زيد بن ثابت الى أن الفاضل من ذوى الفروض لبيت المال ولا يرد على أحد فوق فرضه، ثم قال ولنا قوله تعالى ﴿(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)﴾ (٥).
مذهب الزيدية:
كما يستفاد من كلام صاحب البحر الزخار (٦) ان أسباب الارث أربعة وأدخل ضمن الولاء ولاء الموالاة كالحنفية اذ يقول لا يرث مولى الموالاة الا بعد عدم العصبات وذوى السهام وذوى الأرحام، اذ كان على ﵇ لا يورث المولى مع ذوى السهم الا مع الزوج والزوجة ولا يرث مولى العتاقة الا بعد عدم العصبات وايتاء ذوى السهام سهامهم اجماعا، وهو أقدم من ذى الرحم اذ كان على ﵇ يورث مولى العتاقة دون العمة والخالة وغيرهما من أولى الأرحام ويقول (٧) فيما يستفاد منه السبب الرابع ومن لا وارث له فميراثه لبيت المال.
مذهب الشيعة الجعفرية (٨):
يقولون ان أسباب الارث شيئان نسب وسبب لكنهم يجعلون الولاء الذى يدخل هو والزوجين ضمن السبب ثلاثة أقسام (٩) ولاء عتق وضامن الجريرة والامامة ويقولون فى ولاء العتق يرث المعتق عتيقه اذا تبرع بعتقه ولم يتبرأ من ضمان جريرة ولم يخلف العتيق وارثا مناسبا وفى ضامن الجريرة يقولون (١٠) ان عدم الورثة فضامن الجريرة
стр. 1239
وهى الجناية وصورة عقد ضامن الجريرة أن يقول المضمون عاقدتك على أن تنصرنى وتدفع عنى وتعقل عنى وترثنى فيقول قبلت، ويقولون فى الارث بولاء الامامة انه اذا فقد الضامن فالوارث الامام مع حضوره لا بيت المال على الأصح فيدفع اليه ليصنع به ما شاء، ومع غيبته يصرف الفقراء والمساكين من بلد الميت، وجاء فى التعليق على كلام صاحب الروضة ولا شاهد لهذا التخصيص الا ما روى من فعل أمير المؤمنين ﵇ بسند ضعيف، ثم قال والمروى صحيحا عن الباقر والصادق أن مال من لا وارث له من الأنفال وهى لا تختص ببلد المال فالقول بجواز صرفها للفقراء والمساكين من المؤمنين مطلقا كما اختاره جماعة منهم صاحب الروضة أقوى، ان لم يجز صرفه فى غيرهم من مصارف الأنفال، وقيل يجب حفظه للامام كمستحقه فى الخمس وهو أحوط ثم قال صاحب اللمعة الدمشقية ولا يجوز أن يدفع لسلطان الجور مع القدرة على منعه ولو أخذه الظالم قهرا فلا ضمان على من كان بيده.
مذهب الإباضية:
يقول صاحب النيل (١) وللارث سببان وهما النكاح والنسب وقال شارح النيل والولاء ثم قال وزاد بعضهم سببا رابعا وهو بيت المال، وهو عند أكثر قومنا وارث لا حائز وذلك أنه يرث من لا وارث له فى قول ويرث الباقى عن ذوى الفروض حيث لا عاصب، والمذهب ان الرحم أولى وان من له سهم أولى فان لم يكن وارث ولا عاصب فللفقراء أو لبيت المال حيازة لا ارثا.
شروط الارث
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: فى حاشية ابن عابدين على الدر (٢) شروط الارث ثلاثة موت مورث حقيقة أو حكما كمفقود أو تقديرا كجنين فيه غرة ووجود وارثه عند موته حقيقة أو تقديرا كالحمل والعلم بجهة ارثه.
مذهب المالكية:
يقول القرافى (٣): شروط التوارث ثلاثة تقدم موت الموروث على الوارث واستقرار حياة الوارث بعده كالجنين، والعلم بالقرب والدرجة التى اجتمعا فيها، وذكر صاحب الشرح الكبير (٤) خمسة موانع للارث ثم قال: واذا علم ان ضد المانع شرط. فشروط الارث خمسة وعلى ذلك فتكون شروط الارث الخمسة هى. حرية الوارث وأن لا يكون قاتلا لمورثه على تفصيل يأتى فى موضعه والاتفاق فى الدين وأن يعلم تأخر موت الوارث عن موت المورث وان لا تكون هناك ملاعنة بين الزوجين على خلاف فى أن اللعان مانع من الارث فيعتبر عدمه شرطا اذ أنه مانع من سبب الارث الذى هو الزوجية وبذلك لا يعتبر عدم الملاعنة شرطا.
مذهب الشافعية:
أثبت الشافعية شروطا أربعة للارث أولها تحقق موت المورث جاء فى نهاية المحتاج (٥)،
стр. 1240
ينتقل الملك للورثة بالاجماع عند تحقق الموت وزاد الخطيب أو الحاق المورث بالموتى تقديرا كجنين انفصل ميتا فى حياة أمه أو بعد موتها بجناية على أمه موجبة للغرة، أو بالحاق المورث بالموتى حكما كما فى حكم القاضى بموت المفقود وثانيهما. تحقق حياة الوارث بعد موت مورثه ولو بلحظة جاء فى المهذب (١) ان سعيد بن المسيب روى عن أبى هريرة أنه قال ان من السنة الا يرث المنفوس - أى المولود - ولا يورث حتى يستهل صارخا. وثالثها: معرفة ادلاء الوارث للميت بقرابة أو نكاح أو ولاء، ورابعها: الجهة المقتضية للارث تفصيلا. وهذا يختص بالقاضى.
مذهب الحنابلة:
يقول صاحب كشاف القناع (٢) شروط الارث ثلاثة: تحقق حياة الوارث أو الحاقه بالاحياء وتحقق موت المورث أو الحاقه بالأموات، والعلم بالجهة المقتضية للارث.
مذهب الظاهرية:
لم نقف على نص صريح بشروط الارث عندهم الا أنه يمكن أخذها من قول ابن حزم الظاهرى (٣) من ولد بعد موت مورثه فخرج حيا كله أو بعضه أقله أو أكثره ثم مات بعد تمام خروجه أو قبل تمام خروجه .. وصحت حياته بيقين .. فانه يرث ويورث .. فهذه العبارة تفيد أنهم يشترطون لتحقق الارث:
موت المورث واستقرار حياة الوارث وقت وفاة المورث، ووجود الجهة التى يرث بها.
مذهب الزيدية:
شروط الارث كما فى البحر الزخار (٤):
تحقق سبب الارث من نسب ونكاح وولاء، وتحقق موت المورث حيث قال صاحب البحر فى الكلام عن الوصية (٥) أنها تشبه الميراث لوقوفها على الموت، وتحقق حياة الوارث فقد جاء فى البحر عند الكلام عن ميراث الغرقى والهدمى (٦) قال الهادى يجب أن يمات الواحد منهم أيهم كان ويحيى الباقون حتى يرثوه وهى واضحة فى قول صاحب الروض النضير (٧) الميراث كل مال أو حق خرج من مستحق الى مستحق آخر من غير اختيار كل منهما حيث يموت الميت وله من يرثه بأى الأسباب التى قصر الشارع التوارث عليها.
مذهب الإمامية:
يشترط لتحقيق الارث عندهم موت المورث جاء فى شرائع الاسلام (٨) الغائب لا يورث حتى يتحقق موته وتحقق سبب الارث كما يفيده قول صاحب الروضة البهية (٩) الارث هو استحقاق انسان بموت آخر بنسب أو سبب وتحقق حياة الوارث وقت وفاة المورث كما يفيد قول صاحب شرائع الاسلام. الحمل يرث بشرط انفصاله حيا وقول صاحب
стр. 1241
الروضة (١) ولو كان الحمل نطفة ورث اذا انفصل حيا ولا يشترط استقرار حياته بعد انفصاله: بل المعتبر مطلق الحياة المعتبرة.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه (٢) أما شروط الارث فثلاثة: أحدهما تحقق موت الموروث أو الحاقه بالأموات حكما فى المفقود الذى حكم القاضى بموته اجتهادا أو الحاقه بالأموات تقديرا فى الجنين الذى انفصل ميتا بجناية على أمه توجب الغرة: الثانى تحقق حياة الوارث حياة مستقرة أو الحاقه بالأحياء تقديرا فى الجنين الذى انفصل حيا حياة مستقرة لوقت يظهر وجوده عند الموت ولو نطفة. الثالث: العلم بالجهة المقتضية للارث وبالدرجة التى اجتمعا فيها تفصيلا.
موانع الارث
مذهب الحنفية:
المانع (٣) من الارث أربعة الأول الرق كاملا كان كالقن أو ناقصا كالمدبر والمكاتب وأم الولد وذلك لأن الرقيق مطلقا لا يملك المال أسائر أسباب الملك فلا يملكه أيضا بالارث، ولأن جميع ما فى يده من المال فهو لمولاه فلو ورثناه من أقربائه لوقع الملك لسيده فيكون توريثا لأجنبى بلا سبب، وانه باطل اجماعا ومعتق البعض عند أبى حنيفة بمنزلة المملوك ما بقى عليه درهم فى فكاك رقبته، فلا يرث ولا يحجب أحدا عن ميراثه، وعندهما هو حر فيرث ويحجب والمسألة مبنية على أن العتق يتجزأ عنده خلافا لهما.
الثانى القتل الذى يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة. والأول هو العمد والثانى وهو الذى يتعلق به وجوب الكفارة اما شبه عمد واما خطأ وذلك اذا لم يكن القتل بحق كما اذا قتل مورثه قصاصا أو حدا أو دفعا عن نفسه فلا يحرم أصلا، وكذا قتل العادل مورثه الباغى وفى عكسه خلاف أبى يوسف، واذا كان القتل بالسبب دون المباشرة كحافر البئر أو واضع الحجر فى غير ملكه ففيه الدية على العاقلة ولا قصاص فيه ولا كفارة وكذا الحال اذا كان القاتل صبيا أو مجنونا فلا حرمان بالقتل فى هذه الصورة فان قيل ان الأب اذا قتل ابنه عمدا لم يثبت به قصاص ولا كفارة أجيب بأن هذا الفعل فى الأصل موجب للقصاص الا أنه سقط بقوله ﷺ «لا يقتل الوالد بولده ولا سيد بعبده» ولا يقال ان مقتضى قوله ﵇ «القاتل لا يرث» أن يحرم مطلقا لأن الحرمان شرع عقوبة على القتل المحظور فيخرج ما عدا هذا من الصور التى لم يحرم فيها القاتل بحق والمتسبب والصبى والمجنون لوجود الحق فى الأول ولأن الثانى ليس بقاتل حقيقة، ولأن الصبى والمجنون فعلهما مما لا يصلح أن يوصف بالحظر شرعا.
الثالث: اختلاف الدين فلا يرث الكافر من المسلم اجماعا ولا المسلم من الكافر على
стр. 1242
قول على وزيد بن ثابت وعامة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم واليه ذهب علماء الحنفية لقوله ﵇ «لا يتوارث أهل ملتين شئ» والمسلم يرث من المرتد لأن ارث المسلم منه مستند الى حال اسلامه ولذلك قال أبو حنيفة رضى الله عنه: انه يورث منه ما اكتسبه فى زمان اسلامه، ولا يورث ما اكتسبه فى زمان ردته. والوجه على قولهما أن الجميع لورثته لأن المرتد لا يقر على ما اعتقده بل يجبر على عوده الى الاسلام فيعتبر حكم الاسلام فى حقه لا فيما ينتفع هو به. بل فيما ينتفع به وارثه. ثم ان الكفار يتوارثون فيما بينهم وان اختلفت مللهم لأن الكفر ملة واحدة، الرابع: اختلاف الدارين. اما حقيقة أو حكما كالحربى والذمى فاذا مات الحربى فى دار الحرب وله أب أو ابن ذمى فى دار الاسلام أو مات الذمى فى دار الاسلام وله أب أو ابن فى دار الحرب لم يرث أحدهما من الآخر فهما وان اتحدا ملة لكن لتباين الدارين حقيقة تنقطع الولاية بينهما فتنقطع الوراثة المبنية على الولاية، والثانى وهو اختلاف الدارين حكما كالمستأمن والذمى أو الحربيين من دارين مختلفين، أما الأول فظاهر لأن الحربى اذا دخل فى دار الاسلام بأمان فهو والذمى فى دار واحدة لكنهما فى دارين مختلفتين حكما لأن المستأمن من أهل دار الحرب حكما لأنه يتمكن من الرجوع اليها ولا يتمكن من استدامة الاقامة فى دار الاسلام بخلاف الذمى فلا توارث بينهما وأما الثانى فيحمل على أنهما من دارين مختلفتين حقيقة لكنهما فى دار الاسلام بالاستئمان فهما فى دار واحدة حقيقة وفى دارين مختلفتين حكما وكان الأولى أن يقال المستأمنين بدل الحربيين فلا يتوارثان فى هذه الحالة فى دار الاسلام الا اذا صارا أهل ذمة والدار تختلف باختلاف المنعة واختلاف الملك لانقطاع العصمة فيما بينهم حتى يستحل كل منهما مال الآخر، أما اذا كان بينهما تناصر وتعاون على أعدائهما كانت الدار واحدة والوراثة ثابتة، وموضع بيان اختلاف الدار مصطلح اختلاف الدار.
مذهب المالكية:
وموانع الارث عند المالكية كما فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى (١) تتلخص فى الآتى:
الأول: الرق فلا يرث قن أو بشائبة حرية من قريب ولسيد العبد القن أو المبعض جميع ماله بالملك فان كان العبد مملوكا لجماعة فلكل من ماله بقدر استحقاقه ولا يورث الرقيق أى لا يرثه قريبه الحر لأن مال العبد لسيده الا المكاتب الذى يموت ويترك ما فيه وفاء بكتابته مع زيادة عليه فان تلك الزيادة تورث عنه على تفصيل ينظر فى مصطلح (مكاتب).
المانع الثانى: القتل وهو عندهم القتل العمد العدوان فلا يرث قاتل لمورثه ولو معتقا أو صبيا أو مجنونا تسببا أو مباشرة عمدا عدوانا ولو كانت هناك شبهة تمنع
стр. 1243
القصاص كرمى الوالد ولده بحجر فيموت منه مادام هناك تعمد، وعدم ارث الصبى والمجنون هو رأى بعض المالكية كالدردير والاستاذ أبى بكر (والبعض الآخر يرى أن الصبى والمجنون عمده كالقتل الخطأ وهذا ما قاله الفارسى فى شرح التلمسانية ونحوه فى الذخيرة)؟.
أما القتل الخطأ فالقاتل لا يرث من الدية ويرث من المال كما لو قصد وارث قتل مورثه وكان لا يندفع الا بالقتل فقتله المورث فانه يرث من المال لا من الدية، وكما لو قتل شخص مورثه اذا كان من البغاة فانه يرثه.
المانع الثالث: اختلاف الدين: فلا يرث مخالف فى دينه كمسلم مع مرتد أو مسلم مع يهودى أو نصرانى أو مجوسى كذلك لا يرث اليهودى من النصرانى ولا العكس لأن كل ملة تعتبر مستقلة، هذا فى اليهودية والنصرانية أما ما عداهما من الملل الأخرى فقيل أنها كلها ملة واحدة فيقع التوارث بين مجوسى وعابد وثن أو دهرى وقيل ان ما سواهما ملل أيضا والقولان مرجحان والأول رواية المدنيين وصوبه ابن يونس والثانى هو ظاهر المدونة والأمهات واعتمده ابن مرزوق وروى أن القول الثانى هو المشهور (١).
المانع الرابع: جهل تأخر موت الوارث عن موت المورث بأن ماتا معا ولم يعلم المتأخر منهما كالغرقى والحرقى والهدمى.
المانع الخامس: اللعان بين الزوجين: يقول الدردير ولا يرث ملاعن زوجته التى لا عنها اذا التعنت بعده بمجرد تمام التعانها فان ماتت قبل التعانها ورثها كذلك لا ترث الملاعنة زوجها الملتعن قبلها فان ابتدأت هى ومات الزوج قبل التعانه ورثته، وان مات بعد التعانه الواقع بعد التعانها فعلى القول باعادتها ترثه وعلى القول بعدم اعادتها لا ترثه - أى انه اذا لم يقع اللعان من الجانبين توارثا - وان حصل اللعان من كل منهما على الوجه الشرعى لم يرث أحدهما الآخر، وعلق على ذلك الدسوقى فقال ان ذلك خلاف التحقيق والحق أن اللعان بين الزوجين مانع من سبب الميراث الذى هو الزوجية لا مانع من الحكم الذى هو الميراث وتفصيل الكلام فيه ينبغى أن يكون فى مصطلح (لعان).
مذهب الشافعية:
تتلخص موانع الارث عند الشافعية على ما فى نهاية المحتاج والمهذب ومغنى المحتاج (٢) فى الآتى اختلاف الدين، جاء فى المهذب لا يرث المسلم من الكافر ولا الكافر من المسلم أصليا كان أو مرتدا لما روى أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال:
(لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) ويرث الذمى من الذمى وان اختلفت أديانهم لأنه حقن دمهم بسبب واحد فورث بعضهم من بعض كالمسلمين ولا يرث المسلم من الكافر ولكن صاحب مغنى المحتاج حكى خلافا فى توريث المسلم من الكافر فقال: الجمهور على المنع لأن التوريث مبنى على الموالاة
стр. 1244
والمناصرة ولا موالاة بين المسلم والكافر وقيل نرثهم كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا، وكذلك الردة فقد جاء فى نهاية المحتاج ولا يرث مرتد حال الموت بحال وان أسلم خلافا لابن الرفعة وكذلك لا يورث فقال فى مغنى المحتاج والزنديق كالمرتد: وفى المهذب ومن أسلم على ميراث لم يقسم لم يرث لأنه لم يكن وارثا عند الموت كما لو أسلم بعد القسمة.
المانع الثانى: اختلاف الدار جاء فى المهذب ولا يرث الحربى من الذمى ولا الذمى من الحربى لأن الموالاة انقطعت بينهما فلم يرث أحدهم من الآخر كالمسلم والكافر.
المانع الثالث الرق: جاء فى نهاية المحتاج الرق يمنع من الارث بجميع أنواعه مدبرا كان أو مكاتبا أو مبعضا أو أم ولد لأنه لو ورث لملك السيد الارث وهو أجنبى عن الميت، وكما أن العبد لا يرث من الحر، فكذلك لا يرث الحر من العبد، لكن صاحب المهذب أورد خلافا فى المبعض حيث قال: ومن نصفه حر ونصفه عبد لا يرث ونقل عن المزنى أنه يرث بقدر ما فيه من الحرية ويحجب بقدر ما فيه من الرق. أما الارث فى الرقيق فيحكى صاحب المهذب قولين فيما جمعه بالحرية قال فى الجديد يرثه ورثته لأنه مال ملكه بالحرية فورث عنه كما فى الحر وقال فى القديم لا يورث لأنه اذا لم يرث بحريته لم يورث بها. ويكون المال لسيده كما قال الشافعى، وقال أبو سعيد الاصطخرى يكون لبيت المال لأنه لا يجوز أن يكون لسيده لأنه جمعه بالحرية فلا يجوز أن يورث للرق فجعل لبيت المال ليصرف فى المصالح كمال لا مالك له ثم قال: ومن أعتق على ميراث لم يقسم لم يرث لأنه لم يكن وارثا عند الموت فلم يرث كما لو اعتق بعد القسمة، المانع الرابع القتل فالقاتل لا يرث عندهم بحال سواء كان القتل عمدا أم خطأ أم شبه عمد وسواء كان بحق أم بغير حق جاء فى المهذب أنه الصحيح لما روى أبن عباس أن النبى ﷺ قال: «لا يرث القاتل شيئا» ومنع القاتل من الارث حتى لا يجعل ذريعة الى استعجال الميراث فوجب أن يحرم بكل حال لحسم الباب. لكن من الشافعية من فصل فقد جاء فى المهذب: واختلف أصحابنا فيمن قتل مورثه فمنهم من قال ان كان القتل مضمونا لم يرثه لأنه قتل بغير حق وان لم يكن مضمونا ورثه لأنه قتل بحق فلا يحرم به الارث ومنهم من قال: ان كان متهما كالمخطئ أو حاكما فقتله فى الزنا بالبينة لم يرثه لأنه متهم فى قتله لاستعجاله الميراث وان كان غير متهم بأن قتله باقراره بالزنا ورثه لأنه غير متهم، هذا وقد اعتبر صاحب متن المنهاج أن ابهام وقت الموت مانع من الارث الا أن الشربينى اعتبر ذلك مانعا من الحكم بالارث لا من نفس الارث وأورد الشربينى مانعا آخر هو الدور الحكمى. وهو أن يلزم من توريثه عدم توريثه كما لو أقر الأخ بابن أخيه الميت فانه يثبت نسبه ولا يرث، وفى مغنى المحتاج. وعد بعضهم من الموانع النبوة
стр. 1245
لخبر الصحيحين (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) وقال ابن الهانم فى شرح الكافية: الموانع الحقيقية أربعة:
القتل والرق واختلاف الدين واختلاف الدار وما زاد عليها فتسميته مانعا مجاز، وقال فى غيره أنها ستة الاربعة المذكورة والردة واختلاف العهد وأن ما زاد عليها مجاز لا لأنه مانع بل لانتفاء الشرط.
مذهب الحنابلة:
موانع الارث ثلاثة: اختلاف الدين والقتل بغير حق والرق الكامل جاء فى كشاف القناع (١) اختلاف الدين من موانع الارث فلا يرث المسلم الكافر للحديث المتفق عليه.
ولا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر الا بالولاء فان المسلم يرث عتيقه الكافر لأن ولاءه له بالاجماع وهو شعبة من الرق فورثه به كما يرثه قبل العتق ولا يرث الكافر المسلم الا بالولاء قياسا على عكسه، أو يسلم الكافر قبل قسم ميراث قريب مسلم لما روى ابن عباس عن رسول الله ﷺ كل قسم قسم فى الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الاسلام فانه على قسم الاسلام ولو كان الذى أسلم مرتدا عند موت مورثه أو كان الوارث زوجة وأسلمت فى عدة قياسا على ما سبق ولا يرث ان كان زوجا لانقطاع علاقات النكاح عنه بموتها .. وان أسلم قبل قسم بعض المال ورث من أسلم مما بقى دون ما قسم، ويرث الكفار بعضهم بعضا ان اتحدت ملتهم ولا يرثون مع اختلافها ويرث ذمى حربيا ويرث الحربى الذمى ويرث الحربى مستأمنا وكذلك عكسه ويرث الذمى مستأمنا وكذلك العكس بشرطه وهو اتحاد الملة، فاختلاف الدارين ليس بمانع لأن العمومات من النصوص تقتضى توريثهم ولم يرد بتخصيصهم نص ولا اجماع ولا يصح فيهم قياس فيجب العمل بعمومها، ومفهوم قوله ﵇: لا يتوارث أهل ملتين شئ.
أن أهل الملة الواحدة يتوارثون، وضبط التوريث بالملة والكفر والاسلام دليل على أن الاعتبار به دون غيره والمرتد لا يرث أحدا من المسلمين ولا من الكفار لأنه لا يقر على ما هو عليه الا أن يسلم قبل قسم الميراث ولا يرثه أحد من المسلمين ولا من غير المسلمين فان مات فى ردته فماله فئ والزنديق كالمرتد ومثله مرتكب بدعة مكفرة فلا يرث ولا يورث والقاتل بغير حق لا يرث من المقتول شيئا لحديث عمر «سمعت رسول الله ﷺ يقول «ليس للقاتل شئ».
وحديث ابن عباس أن الرسول ﵇ قال: من قتل قتيلا فانه لا يرثه وان لم يكن له وارث غيره وان كان والده أو ولده فليس للقاتل ميراث. عمدا كان القتل أو شبه عمد أو خطأ بمباشرة أو سبب مثل أن يحفر بئرا أو يضع حجرا بطريق لا لنفع المارة أو ينصب سكينا ونحوه أو بسبب جناية مضمونة من بهيمة لكونها ضارية أو لكون يده عليها فيهلك بها موروثه فلا يرثه لأنه قاتل له ولو كان القاتل غير مكلف كصبى ومجنون وكذلك لو انقلب نائم ونحوه على موروثه فقتله فلا يرثه لأنه قاتل سدا للباب. انفرد
стр. 1246
الوارث بالقتل أو شارك فيه غيره لأن شريك القاتل قاتل، وكذا لو سقى ولده ونحوه ممن فى حجره دواءا ولو يسيرا أو أدبه أو فصده أو حجمه لحاجة فمات لم يرثه لأنه قاتل ولو شربت حامل دواءا فأسقطت جنينها لم ترث من الغرة شيئا بجنايتها المضمونة وكل قتل لا يضمن بشئ من هذا لا يمنع الارث كقتل قصاصا أو حدا أو حرابا أو بشهادة حق من وارثه وكقتل العادل الباغى فى الحرب وقتل الباغى العادل، والرقيق الكامل الرق والمدبر والمكاتب وأم الولد ومن علق عتقه بصفة ولم توجد لا يرثون ولا يورثون لأن فيهم نقصا منع كونهم وارثين فمنع كونهم موروثين، وأجمعوا على أن المملوك لا يورث لأنه لا مال له فيورث لأنه لا يملك ومن قال انه يملك بالتمليك فملكه ناقص غير مستقر يزول الى سيده بزوال ملكه عن رقبته ويرث معتق بعضه بقدر حرية بعضه ويورث معتق بعضه ويحجب بقدر حريته بعضه وما كسبه ببعضه الحر أو ورث به أو كان قاسم سيده فى حياته فما حصل له خاصة لا حق لمالك باقيه فى شئ منه وما ملكه يجزئه الحر أو ورثه أو خصه من مقاسمة سيده فهو لورثته بعد موته وقال صاحب الكشاف فى موضع آخر قبل ذلك ولا يرث ان كان قنا وعتق قبل القسمة بعد موت قريبه أو عتق مع موته ولو دبر ابن عمه ومات خرج المدبر من الثلث وعتق ولم يرث وان قال أنت حر فى آخر حياتى عتق وورث.
مذهب الظاهرية:
كلام ابن حزم يفيد أن الموانع عندهم.
الرق واختلاف الدين. وعلى هذا فالقتل بكل صوره لا يمنع من الارث جاء فى المحلى (١) العبد لا يرث ولا يورث وماله كله لسيده، هذا ما لا خلاف فيه والمكاتب اذا أدى شيئا من مكاتبته فمات أو مات له موروث ورث منه ورثته بقدر ما أدى فقط وورث هو أيضا بقدر ما أدى فقط ويكون ما فضل عما ورث لسائر الورثة ويكون ما فضل عن ورثته لسيده ومن مات وبعضه حر وبعضه عبد فللذى له الولاء ما ترك بمقدار ما له فيه من الولاء والباقى للذى له الرق سواء كان يأخذ حصته من كسبه فى حياته أو لم يكن يأخذ لأن الباقى بعد ما كان يأخذ ملك لجميع المكاتب يأكله ويتزوج فيه ويتسرى ويقضى منه ديونه ويتصدق به فهو ماله وهو ما لم يأخذه الذى له فيه بقية فهو مال يخلفه ليس للذى تمسك بالرق أن يأخذه الآن اذ قد وجب فيه حق للذى له فيه بعض الولاء.
وقال ابن حزم ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم. المرتد وغير المرتد سواء وساق حديث «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» وقال هذا عموم لا يجوز أن يخص منه شئ.
مذهب الزيدية:
موانع الارث عندهم اختلاف الدين والقتل العمد والرق جاء فى البحر الزخار (٢)
стр. 1247
لا توارث بين أهل ملتين اجماعا لحديث «لا يرث المسلم الكافر» وحديث «لا توارث بين أهل ملتين» وميراث المرتد للمسلمين اذ الردة كالموت لأن عليا قتل المرتد وجعل ميراثه لورثته المسلمين ولم يفصل، ولا توارث بين يهودى ونصرانى والعكس، ولا بين وثنى وكتابى ولا مجوسى ولا يرث المسلم من الذمى، وقاتل العمد لا يرث من المال ولا من الدية لقوله ﷺ «لا ميراث لقاتل» وقاتل الخطأ لا يرث من الدية اجماعا ويرث من المال لقوله ﷺ :
والمرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا فاقتضى المفهوم ان قاتل الخطأ يرث لكن خرجت الدية بالاجماع ولا توارث بين حر ومملوك اجماعا اذ لا يملك فلا يرث ولا يورث، ومن عتق بعضه ورث وورث بقدر ما عتق منه اذ قضى على بذلك فى أب حر وابن نصفه حر فجعل نصف التركة بينهما.
مذهب الشيعة الجعفرية:
توسع الشيعة الجعفرية فيما يعتبر مانعا من الارث فقد ذكر صاحب الروضة البهية (١) أن الموانع كثيرة وأن صاحب اللمعة جمعها فى الدروس الى عشرين ذكر منها ستة. الكفر والقتل والرق واللعان والحمل والغيبة المنقطعة. وجاء فى هامش الروضة سردباقيها وهى الزنا، والتبرؤ عند السلطان من جريرة الابن وميراثه، والشك فى النسب، والدين المستغرق، وعلم اقتران موت المتوارثين واشتباه المتقدم بالموت وبعد الدرجة مع وجود الأقرب ومنع يتعلق بالزوجية، ومنع المستهل من الارث واشتباه الوارث بالعبد، والكفن، والوصية، وكون العين موقوفة، والعبد جانيا، وقدر الحبوة. وأما صاحب شرائع الاسلام (٢) وصاحب المختصر النافع (٣) فانهما لم يذكرا سوى ثلاثة موانع: الكفر والقتل والرق، وخلاصة ما قاله كل هؤلاء:
المانع الأول: الكفر المانع من الارث ما يخرج به معتقده عن سمة الاسلام فلا يرث الكافر مسلما سواء كان الكافر حربيا أو ذميا أو مرتدا، أما المسلم فانه يرث الكافر أصليا كان أو مرتدا، وميراث المسلم لوارثه المسلم سواء انفرد بالنسب أو شاركه الكافر أو كان أقرب حتى لو كان ضامن جريرة مع ولد كافر فالميراث للضامن، ولو لم يكن وارث مسلم فميراثه للامام، ولو مات كافر وله ورثة كفار ووارث مسلم كان ميراثه للمسلم وان قرب الكفار وبعد المسلم واذا أسلم الكافر على ميراث قبل قسمته بين الورثة حيث يكونون متعددين شارك فى الارث بحسب حاله ان كان مساويا فى النسب كما لو كان الكافر ابنا والورثة اخوته وينفرد بالارث ان كان أولى منهم سواء كان المورث مسلما أو كافرا ولو كان الوارث المسلم واحدا لم يزاحمه الكافر وان أسلم لأنه لا يتحقق هنا قسمته ولو أسلم بعد القسمة فلا مشاركة ولو كان الاسلام بعد قسمة البعض ففى مشاركته فى الجميع أو فى الباقى أو المنع منهما أوجه أعدلها الوسط وهو
стр. 1248
المشاركة فى الباقى بعد قسمة البعض، والزوج المسلم أحق بميراث زوجته من ذوى قرابتها الكفار كافرة كانت أو مسلمة له النصف، بالزوجية والباقى بالرد وللزوجة المسلمة الربع مع الورثة الكفار والباقى للامام والمرتد عن فطرة. وهو من كان أبواه مسلمين أو أحدهما عند بدء الحمل به تقسم أمواله ويرثه المسلمون لا غير وان لم يقتل أما المرتد عن غير فطرة. وهو الذى لم يكن أحد أبويه مسلما عند بدء الحمل به فلا يقسم ماله حتى يقتل أو يموت وميراث المرتد لوارثه المسلم فان لم يكن وارث الا كافرا كان ميراثه للامام على الاظهر.
المانع الثانى: القتل وهو مانع من الارث اذا كان عمدا ظلما اجماعا (١) مقابلة له بنقيض مقصوده ولقول الرسول ﷺ «لا ميراث للقاتل» أما لو كان القتل بحق كحد أو قصاص فانه لا يمنع من الارث ولو كان القتل خطأ ورث على الأشهر من المال لا من الدية ويستوى فى ذلك الأب والولد وغيرهما من ذوى الانساب والأسباب، ولو لم يكن وارث سوى القاتل كان الميراث لبيت المال ولو قتل اباه وللقاتل ولد ورث جده اذا لم يكن هناك ولد للصلب، وفى الحاق شبه العمد بالعمد أو بالخطأ قولان:
أجودهما الأول: لأنه عامد فى الجملة ولا فرق بين الصبى والمجنون وغيرهما لكن فى الحاقهما بالخاطئ أو العامد نظر، ولعل الأول أوجه ولا فرق أيضا بين المباشر والمتسبب فى ظاهر المذهب للعموم.
المانع الثالث: الرق وهو يمنع فى الوارث والموروث فمن مات وله وارث حر وآخر مملوك فالميراث للحر وان بعد دون الرق وان قرب، ولو كان الوارث ابنا رقا وله ولد حر لم يمنع الولد من الارث برق أبيه ويرث جده، والمبعض يرث بقدر ما فيه من الحرية ويمنع من الارث بقدر ما فيه من الرق، ويورث المبعض كذلك اذا كان المال مكتسبا بكل السعاية أما لو كان مكتسبا يجزئه الرق بأن يكون نصيب الرق من كسبه فالجميع للمولى ولو كان يجزئه الحر خاصة فالجميع للوارث وان أعتق الرق على ميراث قبل قسمته شارك ان كان مساويا ولو كان العتق بعد القسمة لم يكن له نصيب ولا فرق بين أم الولد والمدبر والمكاتب المشروط والمطلق الذى لم يؤد شيئا من مال الكتابة وبين القن لاشتراك الجميع فى أصل الرق وان تشبث بعضهم بالحرية، أما الموانع التى ذكرها صاحب الروضة غير ذلك فبيانها الآتى:
اللعان وهو مانع من الارث بين الزوجين وبين الزوج والولد المنفى به من جانب الأب والولد الا أن يكذب الأب نفسه فى نفيه فيرثه الولد من غير عكس، والحمل مانع من الارث فلا يرث من غيره الا أن ينفصل حيا فلو سقط ميتا لم يرث لقول الرسول ﷺ «السقط لا يرث ولا يورث» وكذلك لا يرثه الغير ممن هو دونه الى أن ينفصل حيا ويستبين أمره، والغيبة المنقطعة: وهى مانعة من نفوذ الارث ظاهرا حتى يثبت موته شرعا.
стр. 1249
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه للارث موانع ثلاثة الأول: اختلاف الملل فلا يرث مشرك مسلما ولا يرث الكافر المسلم) ولحديث قال ﷺ (لا يرث الكافر مسلما ولا يرث الكافر المسلم) «ولحديث (لا يتوارث أهل ملتين) وفى الأثر من حضره الموت فقال لورثته: أنا يهودى أو مجوسى أو من ملة من ملل الشرك مضرة أن لا يرثوه فانهم يرثونه ولا يشتغلون به لأنه لا أضرار، والكفر كله ملة واحدة والاسلام ملة، فكل يهودى ونصرانى وصابئ ومجوسى وجاحد ووثنى يرث الآخر وهو مذهبنا.
وفى شرح الترتيب: لا يرث المرتد أحدا من المسلمين ولا من الكفار ولا من أهل الدين الذى انتقل اليه ولو امرأة ولا فرق بين ما اكتسبه فى حال الاسلام أوردته ولا يورث والزنديق كالمرتد.
المانع الثانى: الرقية فلا توارث بين حر ورقيق ولو مدبرا أو معلقا عتقه بصفة أو موصى بعتقه أو أم ولد، ولو عتق قبل القسمة لأنه لو ورث شيئا تملكه السيد وهو أجنبى عن الميت ولا مال له يورث عنه والمكاتب عندنا حر، ولو لم يقض ما عليه والمبعض حر بجميعه كغيره من الأحرار.
المانع الثالث: القتل ولو أوقع القاتل الضرب أو موجب الموت قبل أن يكون وارثا أو مات بعد كونه وارثا مثل أن تجرح رجلا فتتزوجه فيموت بجرحها. وان كان القتل بخطأ فلا يرث القاتل قتيله ولو خطأ الا ان قتله بحق أو شهد عليه به فانه يرثه وكذا المعلم اذا أمره رجل أن يضرب ولده أدبا فمات من ضربه فانه يرثه. وان وضع فى الطريق جذعا أو حفر فيها بئرا فمات بذلك ورثه وانما يزيل ارثه فعل يده (١).
التركة
مذهب الحنفية:
التركة ما تركه الميت خاليا من تعلق حق الغير بعينه (٢) فيدخل فى تركة المتوفى كل مال على ملكه ولو كان مغصوبا أو مسروقا أو دينا فى ذمة الغير أو وديعة أو مع الغير على سبيل الاعارة. أما المنافع فانها لا تدخل ضمن التركة ولا تورث اذ يرون أنها ليست من الأموال لأنها تتجدد ساعة بساعة وتفوت بفوات وقتها فلا تدخر ولذا فانهم قالوا (٣) من مات وقد أوصى لغيره بعبد يخدمه أو دار يسكنها عادت العين والدار الى ورثة الموصى بحكم الملك لأن الموصى أوجب الحق للموصى له ليستوفى المنافع على حكم ملكه فلا يعود على ورثة الموصى له كما أن الحقوق المجردة ليست بمال فلا تدخل ضمن التركه عندهم ولذا فانهم قالوا ان حق الشفعة لا يورث يقول الزيلعى (٤) ان حق الشفعة مجرد رأى فلا يورث وقالوا فى (٥) خيار الشرط والتعيين والرؤية أنها لا تورث لأن الخيار بموته يبطل ولا ينتقل الى الورثة عندنا لأنها صفة للميت فلا ينتقل عنه كسائر
стр. 1250
أوصافه: واذا ثبت الخيار للورثة فى خيار التعيين فانه يثبت لهم ابتداء الاختلاط ملك مورثهم بملك الغير ويثبت لهم فى خيار العيب لأن المورث استحق المبيع سليما فكذا الوارث اذ بالعيب فات الجزء السليم فللمورث ان يطالب بذلك الجزء فيقوم الوارث مقامه.
وفى حاشية الشلبى بهامش تبيين الحقائق انما يكون الارث فى شئ متصور انتقاله لا فيما لا يتصور انتقاله والخيار لا يتصور انتقاله، ويقول الزيلعى (١) بخلاف حق القصاص لأن من عليه القصاص صار كالمملوك لمن له القصاص ولهذا جاز أخذ العوض عنه.
وفى الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٢) خيار الشرط لا يخلف الوارث فيه المورث كخيار رؤية وتعزير وفقد لأن الأوصاف لا تورث وأما خيار العيب والتعيين وفوات الوصف المرغوب فيه فيخلفه الوارث فيها لا أنه يرث خياره. وذلك أن الحقوق المجردة لا تورث.
مذهب المالكية:
التركة (٣) حق يقبل التجزى يثبت لمستحق بعد موت من كان ذلك له. والحق يتناول المال وغيره كالخيار والشفعة والقصاص فان هذه الحقوق تدخل ضمن التركة وتورث.
واختلف فى الولاء وولاية النكاح فقال بعضهم لا يعتبر ذلك من التركة لعدم قبوله التجزى واعترض آخرون بأن ما يقال فى الخيار والشفعة يقال فى الولاء وولاية النكاح، وأنه لا وجه لاخراجهما من جملة التركة وعلى ذلك فالتركة تشمل كل ما يخلفه الميت سواء تعلق بأعيانها حق الغير كالمرهون والعبد الجانى أو تعلق حق الغير بماليتها وهو الديون الشخصية المتعلقة بالذمة سواء كانت لله أو لآدمى وما يصرف من ماله فى كفنه ومؤن تجهيزه وحق الموصى له وما يعطى للورثة حسب أنصبائهم كل ذلك يسمى تركة.
مذهب الشافعية:
التركة (٥) هى كل ما يتركه الميت من أموال أو حقوق كجناية وحد قذف أو قصاص ودية أخذت من قاتله بدخولها فى ملكه وما وقع بشبكة نصبها فى حياته .. وكما تورث الأموال تورث الحقوق وهى كل حق لازم تعلق بالمال كحق الخيار والشفعة.
مذهب الزيدية:
التركة (٥) هى كل ما يتركه الميت من أموال وتشمل الأموال عندهم الأعيان والمنافع اذ يقول صاحب البحر «وتورث المنافع كالأعيان ويشمل الخيار وتشمل أيضا الدية والغرة»
مذهب الإمامية:
التركة (٦) هى كل ما يتركه الميت من أموال أو ثياب أو سلاح أو أعيان، والدية كأموال الميت وكذا أرش الجراحات. أما الشفعة
стр. 1251
فقيل تعتبر من التركة وتورث وقيل لا تورث ولا تدخل ضمن التركة هذا ما نكتفى بعرضه هنا عن التركة، أما وقت تملك الورثة للتركة اذا كانت مستغرقة بالدين أو غير مستغرقة ولمن يكون نماؤها قبل سداد الدين وبعد الوفاة وغير ذلك فموضعه (مصطلح تركة)
الحقوق المتعلقة بالتركة
مذهب الحنفية:
يبدأ من التركة بالحق المتعلق بعين من أعيانها كالرهن والعبد الجانى والمبيع المحبوس بالثمن كما لو اشترى عينا ولم يقبضها ومات قبل دفع الثمن فحق البائع فى استيفاء الثمن مقدم على التجهيز ثم بتجهيز الميت ثم قضاء ديونه التى لها مطالب من جهة العباد ويقدم دين الصحة على دين المرض ان جهل سببه والا فيستويان، أما دين الله تعالى كالزكاة والكفارات ونحوها فان أوصى به وجب تنفيذه من ثلث الباقى عن الحقوق المتقدمة وان لم يوص به يسقط بالموت ولا يلزم أداؤه الا أن يتبرع به الورثة من عندهم ثم تنفذ وصيته ولو مطلقة أى غير متعلقة بعين معينة من التركة كالوصية بثلث المال أو ربعه من ثلث الباقى بعد الذى تقدم ثم يقسم الباقى بعد ذلك بين الورثة على الترتيب الذى سيأتى (١).
مذهب المالكية:
الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة (٢) على الترتيب بحيث لا ينتقل من أولها الى ما بعده الا أن يبقى شئ من المال وأول هذه الحقوق:
هو كل حق تعلق بعين من أعيان التركة كالعين المرهونة فى دين لتعلق حق المرتهن بذاته فيقدم على كفن الميت وكالعبد الجانى لأنه صار بجنايته كالمرهون، ومثل ذلك الزكاة اذا مات الميت بعد الطلب أو بعد حولان الحول، والحق الثانى هو مؤن تجهيز الميت من كفن وغسل وغيره، والثالث: قضاء ديونه التى لآدمى سواء كانت بضامن أم لا حالة أم مؤجلة لأنها تحل بموته. الرابع:
تنفيذ وصاياه التى استوفت شرائطها الشرعية وتخرج من ثلث الباقى بعد الحقوق السابقة.
الحق الخامس: تقسيم ما تبقى من التركة بين ورثته.
مذهب الشافعية:
أول حق يبدأ به من التركة هو الحق الذى يتعلق بعين التركة كالمرهون والجانى والزكاة الواجبة ثم مؤنة تجهيز الميت ويلحق بذلك مؤنة تجهيز من على الميت مؤنته كعبده وزوجته غير الناشزة اذا كان موسرا وان كان لها تركة ثم قضاء ديونه المتعلقة بذمته سواء كان الدين لله تعالى أم لآدمى، ثم تنفيذ وصاياه وما ألحق بها من عتق علق بالموت أو تبرع نجز فى مرض الموت وتنفذ وصاياه فى حدود ثلث الباقى بعد الدين، ثم يقسم الباقى بين الورثة.
مذهب الحنابلة:
اذا مات ميت بدئ من تركته بمؤنة تجهيزه ودفنه سواء كان تعلق بماله حق رهن أو
стр. 1252
أرش جناية أو لم يكن تعلق به شئ وما بقى بعد ذلك يقضى منه ديونه ويبدأ منها بالمتعلق بعين المال كدين برهن ثم الديون المرسلة فى الذمة سواء كانت الديون لله كزكاة المال وصدقة الفطر أو كانت لآدمى وما بعد ذلك تنفذ وصاياه لأجنبى من ثلثه الا أن يجيزها الورثة فتنفذ وان زادت على الثلث أو كانت لوارث وأجاز الورثة فتنفذ من جميع الباقى، ثم يقسم ما بقى بعد ذلك على ورثته.
مذهب الظاهرية:
أول ما يخرج من تركة الميت ان ترك شيئا من المال قل أو كثر ديون الله تعالى كالزكاة والكفارات ثم ان بقى شئ أخرج منه ديون الغرماء فان فضل شئ كفن منه الميت فان فضل بعد الكفن شئ نفذت وصية الميت فى ثلث ما بقى. ويكون للورثة ما بقى بعد الوصية.
مذهب الزيدية:
أول حق يتعلق بالتركة هو مؤن تجهيز وتكفين الميت فقد قال صاحب البحر الزخار «يقدم كفن الميت وتجهيزه على دينه وعلى الارث» ثم بعد ذلك تقضى ديونه يقول صاحب البحر الزخار «لا وصية ولا ميراث الا بعد قضاء الدين ويحل الدين المؤجل بموت المديون ويلحق بذلك حقوق الله المالية كالزكاة والكفارة أما ما يتعلق منها بالبدن ثم ينتقل الى المال كالحج وكفارة الطعام فلا يخرج الا حيث أوصى الميت لتعلق الأول بالذمة والثانى بالبدن فلا ينتقل الى المال الا بأمره. ثم تنفذ وصاياه، ثم يقسم باقى التركة على الورثة.
مذهب الشيعة الجعفرية:
يتعلق بتركة الميت حقوق هى على الترتيب الآتى: كفن الميت ومؤن تجهيزه ثم قضاء ديونه ثم تنفيذ وصاياه ثم تعطى الحبوة وهى جزء من المال يعطى لأكبر الذكور من ولد الميت ان تعددوا وللذكر ان لم يكن غيره من تركة أبيه زيادة على غيره من الوراث فيختص بثياب البيت وخاتمه وسيفه ومصحفه، وقال صاحب الروضة: والأشهر اختصاصه بها مجانا وقيل بالقيمة. وفى اشتراط خلو الميت عن دين وجهان من انتفاء الارث على تقدير الاستغراق وتوزيع الدين على جميع التركة لعدم الترجيح، والقول بانتقال التركة الى الوارث والزام المحبو ما قابلها من الدين ان أراد فكها، ويقال مثل ذلك فى الكفن والوصية نعم لو كانت الوصية بعين من أعيان التركة خارجة عن الحبوة فلا منع.
ويشترط أن يخلف الميت ما لا غيرها لكيلا يضر بالورثة. يقول صاحب الروضة: وهذا الحباء من منفردات علمائنا ثم يقسم باقى (١) المحلى ح ٨ ص ٢٥٣ الطبعة السابقة.
(٢) البحر الزخار ح ٥ ص ٨٢، ٣١٥، ٣٣٩ الطبعة السابقة.
(٣) المختصر النافع ص ٣٨، ١٩٢، ٢٦٠ والروضة البهية ح ٢ ص ٣١٢ الطبعة السابقة.
стр. 1253
التركة بعد تجهيزه وقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه على ورثته حسب أنصبائهم.
مذهب الإباضية:
يتعلق بتركة الميت خمسة حقوق: أحدهما الحق المتعلق بعين التركة ثم مؤن التجهيز، ثم الديون المرسلة فى الذمة فتقدم على الوصية وتقدم حقوق الله على الديون الآدمية على الراجح ثم الوصية ان كانت لغير وارث الثلث وما دونه وتتوقف على الاجازة اذا كانت بأكثر أو كانت لوارث ثم حق الورثة فيما يبقى بعد ذلك ويقسم عليهم حسب أنصبائهم.
مراتب الورثة
مذهب الحنفية:
يبدأ بأصحاب الفروض، وهم الذين لهم سهام مقدرة فى كتاب الله أو سنة رسوله أو بالاجماع وتقدم على العصبة لقوله ﵇ «الحقوا الفرائض بأهلها فما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر» ولأنه لو قدمت العصبة لما أخذ أصحاب الفرائض.
ثم العصبات من جهة النسب على ترتيب بينهم يأتى فيما بعد.
ثم العصبات من جهة السبب وهو مولى العتاقة أى العتق بكسر التاء ذكرا كان أو أنثى بنفسه والا فان كان ميتا كان لعصبته النسبية الذكور.
ثم يرد على أصحاب الفروض عدا الزوجين عند انعدام العصبات بنسبة فروضهم.
ثم عند انعدام أصحاب الفروض الذين يرد عليهم وهم من عدا الزوجين من أصحاب الفروض وانعدام العصبات يستحق الارث ذوو الأرحام وانما أخروا عن الرد لأن أصحاب الفرائض النسبية أقرب الى الميت وأعلى درجة منه.
ثم يرد على أحد الزوجين عند انعدام من عداه ممن ذكر.
ثم عند انعدام كل هؤلاء المذكورين يورث مولى الموالاة وصورته أن يكون شخص مجهول النسب فيقول لآخر أنت مولاى ترثنى اذا مت وتعقل عنى اذا جنيت فاذا قبل الآخر كان مولى موالاة له واذا كان الآخر أيضا مجهول النسب وتعاقد كل منهما مع الآخر على ذلك ورث كل منهما الآخر ثم المقر له بالنسب ثم اذا لم يكن أحد هؤلاء يستحق التركة الموصى له بجميع المال وانما أخر الموصى له بجميع المال عن المقر له بناء على أن للمقر له نوع قرابة بخلافه.
ثم اذا لم يكن شئ من ذلك وضعت التركة فى بيت المال على أنه مال ضائع فصارت لجميع المسلمين لا على أنه ميراث وانما على أنه مال ضائع لا صاحب له.
مذهب المالكية (٣) والشافعية:
يبدأ بأصحاب الفروض ثم العصبات (١) شرح النيل ح ٨ ص ٢٥٧، ص ٢٥٨ الطبعة السابقة.
(٢) شرح السراجية من ص ٧ الى ص ١١ الطبعة السابقة.
стр. 1254
النسبية ثم المعتق بكسر التاء ذكرا أو أنثى أو عصبته النسبية عند عدمه ثم بيت المال اذا كان منتظما على تفصيل سيأتى: ثم الرد على ذوى السهام على رأى متأخرى المذهب ثم ارث ذوى الأرحام.
مذهب الحنابلة:
الوارث عندهم ثلاثة، ذو فرض أى نصيب مقدر شرعا لا يزيد الا بالرد ولا ينقص الا بالعول. وعصبات يرثون بلا تقدير وذو رحم يرثون عند عدم أصحاب الفروض غير الزوجين والعصبات (١).
مذهب الزيدية:
يبدأ فى الميراث بذوى السهام المقدرة فالعصبة فمولى العتاق فذوى الأرحام فالرد فمولى الموالاة فبيت المال (٢).
مذهب الإمامية:
يبدأ فى الارث بذوى السهام حسب الفروض المقدرة لهم، ثم بالقرابة «النسب» ويشمل العصبه، وذو الأرحام على ما سيأتى:
ثم الرد ثم المعتق بكسر التاء، ثم ضامن الجريرة، ثم الامام (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه (٤) اختلف فى الارث بالفرض والتعصيب أيهما أقوى قيل انه بالفرض أقوى لتقدمه وعدم سقوطه لضيق التركة وقيل انه بالتعصيب أقوى لأنه يستحق به كل المال.
ومراتبهم عند الإباضية ثلاثة: ذوو السهام فالعصبات فذوو الأرحام كما يستفاد من النظم الوارد فى جوهر النظام (٥).
والعصبات وذوو الأرحام … قد ألحقوا بعد ذوى السهام
فالعصبات بين الرسول … بأن يصير لهم الفضول
يعطون ما عن السهام فضلا … ان كان شى فاضلا أو لا فلا
وان يكن منقطعا فى النسب … من السهام وذوى التعصب
فانما أرحامه أولى بما … خلفه فى قول جل العلما
فهذه أصناف الوارثينا … ثلاثة فلتحفظن يقينا
وما بقى بعد ذوى السهام … فهو لعاصبيه فى الأحكام
ان عدمت مواضع السهام … والعصبات فأولوا الأرحام
أصحاب الفروض
مذهب الحنفية:
الفروض المقدرة فى الميراث والمذكورة فى كتاب الله وسنة رسوله ستة.
الأول: النصف وقد ذكره الله فى ثلاثة مواضع فقال فى ميراث
стр. 1255
البنات: «وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ» وقال: «وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ» وقال فى ميراث الأخت «وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» وبنت الابن تأخذ حكم البنت والمراد الأخت فى الآية الأخت الشقيقة والأخت لأب فيكون النصف لخمسة.
الثانى: الربع: وذكر فى موضعين: فى ميراث الزوجين ««فله» ﴿الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ»، «وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ».
الثالث: الثمن: وذكر فى بيان نصيب الزوجات عند وجود أولاد «فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ».
الرابع: الثلثان: وجاء فى حق البنات فى قوله تعالى: «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ»، وفى حق الأخوات فى قوله «فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ».
الخامس: الثلث: وذكر عند بيان ميراث الأم يقول الله تعالى «فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» وبالنسبة للاخوة لأم يقول «فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ».
السادس: السدس: وذكر بالنسبة لميراث الأبوين والأم مع الاخوة والأخ أو الأخت لأم: يقول الله تعالى «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ»، وقوله: «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ»، وقوله «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ». وأصحاب هذه السهام اثنا عشر نفرا: أربعة من الرجال وهم الأب والجد الصحيح وهو أب الأب وان علا والأخ لأم والزوج وثمان من النساء وهن الزوجة والبنت وبنت الابن وان سفلت والأخت الشقيقة والأخت لأب ولأخت لأم، وللأم والجدة الصحيحة وهى التى لا يدخل فى نسبتها الى الميت جد فاسد
أما الأب ففرضه السدس وذلك مع الابن وان سفل وكذلك مع الابنة أو ابنة الابن وان سفلت وبيان ذلك أن الله تعالى يقول:
«وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ» وهذا تنصيص على أن فرض الأب مع الولد هو السدس لكن اسم الولد يتناول الابن والبنت وهو فى الحالة الثانية التى ليس فيها أولاد يقول الله تعالى «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» يرث بعد الفرض بالتعصيب والجد أب الأب كالأب فى هذا والأخ لأم والأخت لأم لهم حالتان السدس للواحد لقوله تعالى «وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ» والمراد بالأخ والأخت هنا الاخوة للأم اجماعا.
والثلث للاثنين فصاعدا لقوله تعالى «فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» ذكورهم واناثهم فى القسمة سواء.
الزوج وله حالتان: النصف عند عدم الولد وولد الابن وان سفل لقوله تعالى «وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ» والربع مع الولد أو ولد الابن وان سفل.
وللزوجة والزوجات حالتان: الربع للواحدة فصاعدا عند عدم الولد وولد الابن وان
стр. 1256
سفل، والثمن مع الولد وولد الابن وان سفل، وقد روى بين نصيب الزوجين أن للذكر منهما ضعف حظ الأنثى على التقديرين.
ولبنات الصلب فى الارث بالفرض حالتان:
النصف للواحدة والثلثان للاثنتين فصاعدا لقوله تعالى: «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» والمنصوص عليه ما فوق اثنتين أما الاثنتين فلهم عند سائر الصحابة حكم الجماعة، ويعلل ذلك بوجوه ثلاثة:
الأول: أنه للذكر مثل حظ الأنثيين وأدنى مراتب الاختلاط ابن وبنت فللابن حينئذ الثلثان بالاتفاق نعرف بهذه الاشارة أن البنتين لهما الثلثان فى الجملة وليس ذلك الا فى حالة انفرادهما عن الابن. الثانى:
أن البنتين أقرب رحما من الأختين اللتين تحرزان الثلثين فهما أولى بذلك. الثالث:
أن الأخت اذا كانت مع الأخ وجب لها الثلث فبالأولى أن يجب لها ذلك اذا كانت مع أخت أخرى.
وبنات الابن كبنات الصلب فى هذا ولهن مع البنت الصلبية السدس تكملة الثلثين ولا يرثن مع الصلبيتين خلافا لابن عباس.
وفرض الأخت الشقيقة وان تعددت:
النصف للواحدة والثلثان للاثنتين فصاعدا والأخت لأب أو الأخوات لأب مثل الشقيقة والشقيقات فى هذا ولهن أو الواحدة منهن السدس فرضا مع الشقيقة تكملة الثلثين.
وفرض الأم السدس مع الولد لقول الله تعالى: «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ» ولفظ الولد يتناول الذكر والأنثى ولا قرينة تخصصه بأحدهما وكذلك مع ولد الابن وان سفل أو الاثنين من الاخوة والأخوات فصاعدا من أى جهة كانا لقوله تعالى «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» خلافا لابن عباس فى تفصيل الميراث مع الأخوين والاخوة.
وفرضها الثلث عند عدم الولد وولده وان سفل وعند عدم الاثنين من الأخوة والأخوات فصاعدا وهذا اذا لم يكن مع الأبوين أحد الزوجين.
وفرضها عند وجود أحد الزوجين وانعدام الولد وان سفل وأكثر من أخ أو أخت ثلث ما بقى بعد فرض أحد الزوجين وذلك فى صورتين: زوج وأبوين، وزوجة وأبوين، وهذا مذهب جمهور الصحابة والفقهاء وكان ابن عباس يقول ان لها ثلث أصل التركة فى هاتين الصورتين، وكان أبو بكر الأصم يقول ان لها مع الزوج ثلث ما يبقى بعد فرضه ومع الزوجة ثلث الأصل. ويقول الحنفية بأن قوله تعالى «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» يفيد أن لها ثلث ما ورثاه سواء كان جميع المال أو بعضه وذلك لأنه لو أريد ثلث الأصل للزم أن يكون قوله «وَوَرِثَهُ أَبَواهُ» فى الآية خاليا من الفائدة.
ولو كان مكان الأب جد صحيح فللأم ثلث جميع المال الا عند أبى يوسف فان لها مع الجد أيضا ثلث الباقى كما فى الأب.
وفرض الجدة والجدات من أى جهة اذا كن ثابتات متحاذيات فى الدرجة السدس.
أما اعطاء الجدة الواحدة السدس فلما رواه أبو سعيد الخدرى والمغيرة ابن شعبة
стр. 1257
وقبيصة بن ذؤيب من أنه ﵊ أعطاها السدس، وأما التشريك بينهن فى ذلك اذا كن متحاذيات فلما روى أن أم الأم جاءت الى الصديق رضى الله تعالى عنه وقالت اعطنى ميراث ولد ابنتى فقال: اصبرى حتى أشاور أصحابى فانى لم أجد لك فى كتاب الله تعالى نصيبا ولم أسمع فيك من رسول الله ﷺ شيئا ثم سألهم فشهد المغيرة باعطاء السدس فقال للمغيرة هل معك أحد فشهد به أيضا محمد بن مسلمة فأعطاها ذلك ثم جاءت أم الأب اليه وطلبت الميراث فقال أرى أن ذلك السدس بينكما وهو لمن انفردت منكما فشركهما فيه وروى مثل هذا عن عمر رضى الله عنه وذهب ابن عباس الى أن الجدة أم الأم تقوم مقام الأم مع عدمها فتأخذ الثلث اذا لم يكن للميت ولد ولا اخوة والسدس اذا كان له أحدهما. وكما أن الأم لا يزاحمها فى فرضها أحد من الجدات فكذلك أم الأم لا يزاحمها أحد منهن.
مذهب المالكية:
يقول المالكية (١): الفرض هو النصيب الذى قدرته الشريعة الاسلامية للوارث لا يزيد الا بالرد ولا ينقص الا بالعول. والفروض ستة. النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. فالنصف فرض خمسة: الزوج اذا لم يكن للزوجة الميتة فرع وارث ذكر أو أنثى والبنت اذا انفردت وبنت الابن اذا لم يكن للميت بنت، والأخت الشقيقة الواحدة، وكذلك الأخت لأب الواحدة ان لم توجد معها أخت شقيقة.
والربع فرض اثنين: الزوج مع وجود فرع وارث للميتة سواء كان منه أو من غيره ولو من زنا للحوقه بالأم، والزوجة أو الزوجات مع عدم الفرع اللاحق للزوج.
والثمن فرض الزوجة أو الزوجات مع وجود الفرع اللاحق بالزوج من ولد أو ولد ابن ذكر أو أنثى منها أو من غيرها ولا يدخل فى ذلك ولد الزنا لأنه لا يلحق بالزوج ويخرج من نفى بلعان لأنه لا يرث.
والثلثان للنسوة ذوات النصف ان تعددن أى أنه فرض أربع: البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب.
والثلث فرض اثنين الأم عند فقد الولد وولد الابن وعدم الاثنين من الاخوة والأخوات وثلث الباقى فى كل من الغراوين: من ماتت عن زوج وأبوين.
ومن مات عن زوجة وأبوين فللأم ثلث الباقى عند الجمهور اذ القاعدة أنه متى اجتمع ذكر وأنثى يدليان بجهة واحدة فللذكر مثل حظ الأنثيين. خلافا لابن عباس. وكذلك فان الثلث يستحقه الأخوة لأم عند تعددهم ذكورا كانوا أو اناثا.
وأما السدس: ففرض سبعة: بنت الابن مع وجود البنت والأخت لأب مع وجود الأخت الشقيقة والأم مع وجود الولد ولو أنثى وان سفل أو مع وجود أخوين أو أختين مطلقا أشقاء أو لأب أو لأم، وللواحد من ولد الأم ذكرا أو أنثى مع عدم الفرع الوارث أو الأصل، والجدة فأكثر مع عدم الأم والأب التى من جهته الجدة، وللجد لأب غير المدلى بأنثى، وللأب مع وجود الولد وان سفل.
стр. 1258
مذهب الشافعية:
ينص الشافعية (١) على أن الفرض هو السهم المقدر شرعا فى كتاب الله وهى ستة، وأن أصحاب الفروض هم كل من له سهم مقدر شرعا لا ينقص عنه ولا يزيد الا لعول أورد وأنهم عشرة. الزوج والزوجة والأم والجدة والبنت وبنت الابن والأخت وولد الأم والأب والجد الصحيح وان علا.
وذكروا أن النصف فرض خمسة: الزوج.
والبنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب وبينوا ذلك بما لا يختلف عن ما قدمناه فى المذهبين السابقين. كما ذكروا أن الربع فرض اثنين هما الزوج عند وجود الولد والزوجة أو الزوجات عند عدم وجوده على ما بينا، وأيضا أن الثمن فرض الزوجة أو الزوجات عند وجود ولد أو ولد ابن، وأن الثلثين فرض البنتين فصاعدا لقوله تعالى فيما زاد عن اثنتين «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» أما الاثنتين فلما روى جابر بن عبد الله، قال جاءت امرأة سعد بن الربيع الى الرسول ﷺ فقالت:
يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك يوم أحد ولم يدع عمهما لهما مالا الا أخذه فما ترى يا رسول الله؟. والله لا تنكحان الا ولهما مال. فقال الرسول صلوات الله عليه يقضى الله فى ذلك فنزلت الآية «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» الآية. فأعطاها الرسول الثلثين فدلت السنة على أن نصيب الاثنتين ذلك. وقالوا ان الثلثين أيضا فرض الأختين لأبوين فصاعدا أو الأختين لأب كذلك عند انعدام الشقيقتين، وكذلك فهو فرض بنتى ابن فأكثر حيث لا بنت لاجماع الأمة على ذلك وأن الثلث. فرض الأم التى ليس لميتها ولد ولا ولد ابن وارث ولا اثنان من الأخوة والأخوات، وكذلك فهو فرض اثنين فأكثر من ولد الأم بالتساوى لآية «إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ «مما ترك» … الآية». والمراد به ولد الأم بدليل أن عبد الله وسعيدا كانا يقرءان. وله أخ أو أخت من أم. وسوى بين الذكر والأنثى لأنه ارث بالرحم المحض فاستوى فيه الذكر والأنثى، وأم الأم ترث ثلث الباقى بعد فرض أحد الزوجين لأن الأب والأم اذا اجتمعا كان للأب الثلثان وللأم الثلث فاذا زاحمهما ذو فرض قسم الباقى بينهما على الثلث والثلثين كما لو اجتمعا مع بنت (٢).
وقالوا: ان السدس فرض سبعة وهم الأب مع وجود الابن أو ابن الابن والجد عند انعدام الأب ووجود الولد وذلك باجماع الأمة، وكذا الأم اذا كان للميت ولد أو ولد ابن أو اثنان فصاعدا من الأخوة أو الأخوات وكذا الجدة عند انعدام الأم ويشتركن فيه الجدات المتحاذيات لما ذكرنا.
وقالوا ان الجدة التى ترث على الصحيح هى كل جدة ليس فى سلسلة اتصالها بالميت رجل بين امرأتين وذلك يشمل الجدة التى تدلى الى الميت بنساء لا غير مثل أم الأم وأم أم الأم ويشمل الجدة التى تدلى الى الميت بنساء فرجال كأم أبى الميت وأم أبى أبيه وأم أم أبيه وأم أم أبى أبيه، وكذا فان بنت ابن الابن فأكثر مع البنت الصلبية أو بنت ابن أعلى منها فان نصيبها أو نصيبهن السدس
стр. 1259
اجماعا وذلك لما روى الهذيل بن شرحبيل قال: جاء رجل الى أبى موسى وسلمان بن ربيعة رضى الله عنهما فسألهما عن بنت وبنت ابن وأخت فقالا: للبنت النصف وللأخت النصف وأت عبد الله بن مسعود فانه سيتابعنا فأتاه فقال انى قد ضللت اذا وما أنا من المهتدين لأقضين بينهما بما قضى به رسول الله: للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقى فللأخت.
وكذا فان السدس فرض الأخت أو الأخوات من الأب مع الأخت الواحدة من الأبوين، وكذا فانه فرض ولد الأم ذكرا كان أو أنثى.
مذهب الحنابلة:
الفروض ستة وأصحابها عشرة.
فللزوج الربع ان كان للزوجة المتوفاة ولد ذكرا كان أو أنثى منه أو من غيره ولم يقم به مانع أو ولد ابن وان سفل أبوه بمحض الذكور، وله النصف مع عدم الولد وولد الابن.
والزوجة فأكثر لها الثمن ان كان له ولد ذكرا أو أنثى واحدا أو متعددا منها أو من غيرها أو ولد ابن وان سفل والربع مع عدمهما اجماعا، ويرث الأب مع ابنه أو ابنته وكذا الجد ان عدم الأب مع ذكورية ولد الميت أو مع ذكورية ولد ابن وان نزل السدس فرضا. قال ابن المنذر فى الجد أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ . أن الجد أبا الأب ينزل منزلة الأب فى الحجب والميراث الا فى ثلاثة أشياء أحدها: زوج وأبوان. والثانية: زوجة وأبوان. للأم فيهما ثلث الباقى مع الأب وثلث جميع المال لو كان مكان الأب جد.
والثالثة الجد مع الأخوة والأخوات لأبوين أو لأب وللأم أربعة أحوال اذ كانت مع الولد ذكرا أو أنثى واحدا أو متعددا أو مع ولد الأب كذلك أو مع اثنين ولو محجوبين من الاخوة والأخوات فلها السدس واذا انعدم هؤلاء فلها الثلث، واذا كان الأبوان مع أحد الزوجين فلها ثلث الباقى قضى بذلك عمر فتبعه عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود وبه قال الجمهور خلافا لابن عباس. قال صاحب كشاف القناع: والحجة معه لولا انعقاد الاجماع من الصحابة على خلافه. ووجهة الجمهور أنهما استويا فى السبب المدلى به وهو الولادة وامتاز الأب بالتعصيب بخلاف الجد فلو أعطينا الزوج فرضه وأخذت الأم الثلث لزم تفضيل أنثى على ذكر من حيز واحد فى مرتبة واحدة أو اعطينا الزوجة فرضها والأم الثلث كاملا لزم ألا يفضل عليها التفضيل المعهود مع اتحاد الجهة والمرتبة لهذا أعطى الأم ثلث الباقى والأب ثلثيه مراعاة لهذه المصلحة. وكذا فان الحنابلة يرون أن الأم تستحق الثلث اذا لم يكن لولدها أب لكونه ولد زنا أو ادعته وألحق بها أو لكونه منفيا بلعان.
وللجدة فأكثر الى ثلاث اذا تحاذين أى تساوين فى الدرجة السدس اجماعا.
وللبنت الواحدة النصف بلا خلاف، وللاثنتين فصاعدا الثلثان، وعن ابن عباس أن البنتين فرضهما النصف لظاهر الآية. لكن قال الشريف الأرعوى صح عن ابن عباس رجوعه عن ذلك اجماعا.
(١) كشاف القناع ح ٢ ص ٥٤٣، ٥٥٧.
стр. 1260
وبنات الابن اذا لم تكن بنات لا واحدة ولا أكثر بمنزلة البنتين فلبنت الابن النصف ولبنتى الابن فأكثر الثلثان. فان كانت بنت واحدة وبنت ابن فأكثر فللبنت النصف ولبنت الابن فصاعدا السدس تكملة الثلثين اجماعا وذلك اذا لم يكن مع بنات الابن ابن ابن فى درجتهن.
والأخوات من الأبوين فرضهن كفرض البنات عند عدمهن وعدم بنات الابن فللواحدة النصف وللاثنتين فأكثر الثلثان، وكذا بالنسبة للأخوات من الأب، كما أنهن مع الأخوات الشقيقات كبنات الابن مع البنات فى الارث بالفرض فتأخذ الواحدة منهن أو أكثر مع الأخت الواحدة لأبوين السدس تكملة الثلثين.
وللأخ الواحد لأم السدس ذكرا كان أو أنثى فان كانا اثنين ذكرين أو انثيين أو خنثيين أو مختلفين فصاعدا فلهم الثلث بالسوية بينهم.
مذهب الظاهرية:
يبين ابن حزم الظاهرى (١) أن الثلثين فرضا نصيب الأختين الشقيقتين أو لأب أو أكثر من أختين ما لم يترك ولدا ولا أخا شقيقا ولا لأب ولا من يحطهن. وكذلك فهو نصيب البنتين فصاعدا ولم يترك ولدا ذكرا أو من يحطهن وذكر دليل ذلك ثم قال وقد ثبت أن النبى ﷺ أعطى الابنة النصف وابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وقال: ان ترك أختا شقيقة وأختا واحدة للأب أو اثنتين للأب أو أكثر من ذلك فللشقيقة النصف والتى للأب أو اللواتى للأب السدس.
وأن نصيب الزوج اذا لم يكن للزوجة ولد ولا ولد ولد ذكر أو أنثى من ولد ذكر وان سفل، سواء كان الولد من ذلك الزوج أو من غيره النصف وان نصيب الزوج اذا وجد أحد هؤلاء الربع.
وأن نصيب الزوجة الربع ان لم يكن الزوج ابن ذكر ولا أنثى ولا ابن ابن ولا بنت ابن ذكر وان سفل منها أو من غيرها والا فان كان أحد هؤلاء فليس للزوجة الا الثمن وان تعددن فهن شركاء فى الربع أو الثمن وللأم مع الولد الذكر أو الأنثى أو ابن الابن أو بنت الابن وان سفل السدس فقط، وان كان للميت ثلاثة من الأخوة ذكورا أو اناثا أو بعضهم ذكر وبعضهم أنثى فللأم السدس فان كان له أخ أو أخوان أو أختان أو أخت أو أخ وأخت ولا ولد له ولا ولد ولد ذكر.
فلأمه الثلث، وان كان الميت ترك زوجة وأبوين أو ماتت امرأة وتركت زوجا وأبوين فللأم الثلث من رأس المال كاملا.
وللأخ لأم أو الأخت لأم السدس اذا لم يكن ولد أو ولد ولد ولا أب أوجد فان كانوا جماعة فلهما الثلث للنص ويكون بينهما بالسوية.
الجد الصحيح وان علا ينزل منزلة الأب وقد صح أن الجد أب كما صح عن عمر أن
стр. 1261
الجد أب فى الميراث وميراث الأب بالفرض السدس مع وجود الولد.
والجدة ترث الثلث اذا لم يكن للميت أم وترث السدس حيث ترث الأم السدس اذا لم يكن للميت أم وترث الجدة وابنها أب الميت حى كما ترث لو لم يكن حيا. وكل جدة ترث اذا لم يكن هنالك أم أو جدة أقرب منها فان استوين فى الدرجة اشتركن فى الميراث المذكور، وسواء فيمن ذكرنا أم الأم وأم الأب وأم أم الأم، وأم أم الأب، وأم أب الأب، وأم أبى الأم، وهكذا أبدا.
ويستدل على ذلك ابن حزم بقول الله تعالى «كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ»، فجعل آدم وامرأته ﵉ أبوينا فهذا نص القرآن، وعن ابن عباس قال «الجدة بمنزلة الأم اذا لم تكن أم» وقال طاووس «الجدة بمنزلة الأم ترث ما ترث الأم».
مذهب الزيدية:
قال صاحب البحر الزخار (١) وذوى السهام كل من له سهم مفروض فى الكتاب أو فى السنة أو فى الاجماع أو الاجتهاد فالذى فرضه فى الكتاب هم البنت لقوله تعالى «فَلَهَا النِّصْفُ» والبنتان فصاعدا لقوله «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» أراد بنتين فما فوق والأم لقوله تعالى «فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» وقوله «فلها السدس» والأب لقوله تعالى «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ» والاخوة والأخوات لأم لقوله تعالى «فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» والأخت لأب وأم لقوله تعالى «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (٢) والزوجان لقوله تعالى «وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ» الآية السابقة.
والذى ثبت بالسنة سهم ابنة الابن مع الابنة الواحدة، والجد اذ قد روى الهادى أنه ﷺ فرض له السدس.
والمجمع عليهم أسهم بنت الابن اذا انفردت النصف وبنتى الابن فما فوقهما الثلثان حيث لا ولد للميت ولا ولد ابن، وسهم الأخت من الأب والأختين فصاعدا من الأب حيث لا اخوة ولا أخوات من الأب والأم، وسهم الجد مع الولد الا قول شاذ للناصر جعله بمنزلة الأخ فأسقطه مع الولد.
والمجتهد فيه سهم الجد مع الأخوة، وسهم الأم مع الأب وأحد الزوجين ونحو ذلك.
ثم قال: النصف يفرض للبنت اذا انفردت أو مع الأبوين أو مع الأخت (٣) ولبنت الابن النصف بالاجماع اذا انفردت، وللأخت الشقيقة عند عدم الولد، وللزوج عند عدم الفرع الوارث، وللأخت لأب عند انعدام الأخت الشقيقة (٤) وقال (٥) والربع للزوج مع الأولاد وأولاد البنين اجماعا، وللزوجة
стр. 1262
عند عدم الفرع الوارث. والثلثان للبنتين فصاعدا وللأختين الشقيقتين فأكثر عند عدم البنات، وللأختين لأب، عند عدم الشقيقات، وبنات الابن اثنتين فأكثر، والثلث للأم منفردة أو مع الأب وعدم وجود الفرع الوارث ومع عدم وجود اثنين من الاخوة وثلث الباقى مع وجود صاحب فرض، وثلث التركة مع وجود الأخ الواحد وكذلك يكون الثلث للاخوة لأم ويكون بينهم بالسوية مع عدم الابن وابنه والأب وان علا، والسدس لبنت الابن أو بنات الابن مع بنت الصلب تكملة الثلثين والأب مع وجود فرع وارث والأم كذلك أو مع وجود اثنين من الاخوة والجد والجدة مع الأولاد وأولاد البنين، والأخت من الأب مع الأخت الشقيقة، والأخ لأم أو الأخت لأم.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (١) أن السهام المقدرة ستة وذكر موضع كل منها فى القرآن ثم قال: فالنصف لأربعة الزوج مع عدم الولد للزوجة وان نزل سواء كان منه أو من غيره، وللبنت الواحدة والأخت لأبوين والأخت للأب مع فقد أخت الأبوين وهذا اذا لم يوجد ذكر فى الموضعين ثم قال (٢) وأولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم عند عدمهم سواء كان الأبوان - أى أبوى الميت موجودين أم أحدهما أم لا ويأخذ كل منهم نصيب من يتقرب به فلا بن البنت ثلث لأنه قام مقام بنت الميت ولبنت الابن ثلثان لأنها قائمة مقام ابن الميت.
والربع لا ثنين: الزوج مع الولد للزوجة وان نزل، والزوجة وان تعددت مع عدم الولد للزوج.
والثمن لواحد وهو الزوجة وان تعددت مع الولد وان نزل.
والثلثان لثلاثة: البنتين فصاعدا والأختين لأبوين فصاعدا، والأختين للأب مع فقد المتقرب بالأبوين فصاعدا وهذا اذا لم يكن ذكر فى الموضعين.
والثلث لا ثنين: للأم مع عدم من يحجبها من الولد والأخوة وللأخوين أو الأختين أو للأخ والأخت فصاعدا من جهة الأم.
والسدس لثلاثة: للأب مع الولد ذكرا كان أم أنثى وللأم مع الولد وكذا مع الحاجب من الأخوة وللواحد من كلالة الأم. وعلى هذا فلا ترث الأم ثلث الباقى عندهم وانما ميراثها يتردد بين الثلث والسدس.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه (٣) السهام اما مقدرة بالنس من القرآن وو ارثوها من القرآن الا ميراث الحدودة فمن السنة، واما خارجة عن الأصل. وجاء فيها: أن النصف لخامسة:
البنت وبنت ابن وان سفل مع فقد البنت، والأخت الشقيقة وأخت الأب مع فقد الشقيقة، والزوج مع فقد حاجب وهو ولد زوجته منه أو من غيره ذكرا أو أنثى أو ولد الابن كذلك وان سفل.
стр. 1263
والربع لا ثنين الزوج مع وجود ولد الزوجة أو ولد ابنها، وللزوجة فأكثر مع فقد ولد الزوج أو ولد ابنه فيقسمن الربع سواء وهو لواحدة كله اذا لم يكن غيرها والثمن الزوجة فأكثر مع وجود الولد يقسم سواء ولو كانت واحدة أخذته كله، والثلثان لأرباع للبنتين فأكثر وبنت ابن وان سفل كذلك مع فقد البنات اثنتين فصاعدا. قال السهيل للبنتين الثلثان لقوله تعالى «فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» لأنه ذكر الأنثيين بلام التعريف فدل على أن الثنتين استحقتا الثلثين اذ الأنثى الواحدة لها مع الذكر الثلث فان لم يكن ثم ذكر فلهما الثلثان، وللثلاث فصاعدا لقوله تعالى «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» وللأختين الشقيقتين فأكثر والأختين لأب فأكثر مع فقد الشقائق وذلك اذا انفردن عمن يعصبهن.
والثلث لا ثنين: لأم مع فقد الحاجت لها.
ولا نسانين كلالين فأكثر أخوين أو أخوة أو أختين أو أخوات أو باختلاط، والخنثى كالذكر أو الأنثى باستواء فى الثلث لأن الادلاء بمحض الاناث.
والسدس لسبعة: لأب مع وجود ابن أو ابن ابن أو بنت أو بنت ابن، وأبيه مع عدمه وان علا من جهة الأب وان استغرقت السهام فرض له السدس، ولأم مع وجود حاجب وهو الولد أو ولد الابن أو اثنان من جنس الاخوة، وكذلك الجدة فأكثر باستواء فيه مع فقد الحاجب والأصل فى ميراث الجدات والتسوية بينهن ما روى عن بريدة أنه ﷺ جعل للجدة السدس اذا لم تكن دونها أم. كما روى عن عبد الله بن عباس ومعقل بن يسار وبريدة أن النبى ﷺ ورث الجدة السدس ولم يذكروا أى الجدتين كانت وقضى صلوات الله عليه للجدتين بالسدس، وكذلك فالسدس نصيب بنت الابن وان سفل فأكثر مع بنت أو بنت ابن وان سفل تكون أقرب منها أو منهن وذلك تكملة الثلثين بالاجماع وللحديث وكذلك السدس لأخت لأب فأكثر مع وجود شقيقة قياسا على بنت الابن مع البنت، والسدس كذلك لكلالى ذكرا أو أنثى مع فقد حاجب وهو الأب وان علا والولد أو ولد الابن.
أما الفروض الخارجة عن أصل لعارض موجب لخروجها فثلث الباقى فى تارك زوجة وأبوين وتاركة زوجا وأبويها. وموجب الخروج عن الأصل أن كل ذكر وأنثى يأخذان المال أثلاثا يجب أن تأخذ الباقى بعد فرض الزوجية وأن الأصل أنه اذا اجتمع ذكر وأنثى من درجة واحدة أن يكون المذكر ضعف الأنثى فلو جعل لها الثلث مع الزوج لفضلت على الأب أو مع الزوجة لم يفضل عليها بالضعف بل دونه وفى نوازل نفوسه فى جد وأم وزوج أو زوجة للأم فى ذلك ثلث كامل وقيل ثلث الباقى.
العصبات
العصبات جمع عصبة وعصبة الرجل فى اللغة أبوه وبنوه وقرابته لأبيه وسموا عصبة لأنهم عصبوا بنسبه أى أحاطوا به حما ية له (١) شرح النيل ح ٢ ص ٣٢٢.
стр. 1264
ودفعا عنه وتطلق العصبة فى الاصطلاح الفقهى على الذكور الأقارب من جهة الأب والابن ومن فى حكمهم من الاناث اللاتى يعصبن بالغير أو مع الغير وتسمى هذه الطائفة عصبة نسبية كما تطلق أيضا على صاحب القرابة الحكمية التى جاءت بسبب الاعتاق وتسمى عصبة سببية فقد جعل الشارع صلة المعتق بعتيقه فى حكم صلة القريب بقريبه ولما كان التفضل بنعمة الحرية من جانب المعتق - بكسر التاء - فقط كان هو صاحب الحق فى ميراث العتيق اذا لم يكن له من الأقارب من هو أولى بارثه منه والمعتق سواء كان رجلا أو امرأة يصير عصبة لعتيقه فان لم يكن المعتق موجودا انتقل الارث الى عصبته النسبية على الترتيب الذى فى المذاهب غير أنه لا ميراث للنساء فى العصبة الا المعتقاة - بكسر التاء - فقط لقوله ﵇ «ليس للنساء من الو لاء الا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن» واليك ما جاء عن الارث بالتعصيب فى المذاهب الثمانية:
مذهب الحنفية:
العصبة اما نسبية واما سببية.
والعصبات النسبية ثلاثة: عصبة بنفسه، وعصبة بغيره، وعصبة مع غيره، أما العصبة بالنفس فكل ذكر لا تدخل فى نسبته إلى الميت أنثى، وللعصبة بالنفس أربعة أصناف
١ - جزء الميت.
٢ - أصله.
٣ - جزأ أبيه.
٤ - جزء جده وان علا.
ويقدم فى هذه الأصناف والمندرجين فيها الأقرب فالأقرب فعند اختلاف الجهة تقدم جهة البنوة على جهة الأبوة وجهة الأبوة على جهة الأخوة، وجهة الأخوة على جهة العمومة وعند اتحاد الجهة يرجح بقرب الدرجة فيرجحون بقرب الدرجة فأولاهم فى الميراث جزء الميت. البنون ثم بنوهم وان سفلوا، ثم أصله الأب ثم الجد أب الأب وان علا، وقدم البنون على الأب لأنهم فروع الميت، والأب أصله واتصال الفرع بأصله أظهر من اتصال الأصل بفرعه وقدم بنو البنين وان سفلوا على الأب لأن سبب استحقاقهم أيضا البنوة المتقدمة لأنهم فروع وكون الأب أقرب درجة من الجد ظاهر كظهوره فيما بين الابن وابن الابن ومن علا من الأجداد أو عند التعدد يقدم منهم من كان أقرب درجة ثم جزأ أبيه أى الأخوة ثم بنوهم وان سفلوا، وتأخير الأخوة عن الجد وان علا قول أبى حنيفة خلافا للصاحبين ورأى أبى حنيفة هو المختار للفتوى (٢) ثم جزء الجد أى الأعمام وان سفلوا وتأخير الأعمام عن الأخوة وتأخير بنيهم عنهم لبعد الدرجة وبعد الترجيح بقرب الدرجة يرجحون بقوة القرابة أى أن ذا القرابتين أولى من ذى قرابة واحدة مع تساويهما فى الدرجة لقول رسول الله ﷺ «ان أعيان بنى الأم يتوارثون دون بنى العلات» أى بنو الأعيان، أولى بالميراث من بنى العلات والمقصود من ذكر الأم هنا اظهار ما يترجح به بنو الأعيان على بنى العلات كالأخ لأب وأم فانه مقدم على الأخ لأب اجماعا أو الأخت لأب وأم اذا (١) السراجية ص ٧٠، ٧٩.
стр. 1265
صارت عصبة مع البنت الصلبية أو غيرها فانها أولى من الأخ لأب خلافا لا بن عباس وابن الأخ لأب وأم أولى من ابن الأخ لا ب وكذلك الحكم فى أعمام الميت ثم فى أعمام أبيه ثم فى أعمام جده أى يعتبر بين هؤلاء الأصناف من الأعمام قرب الدرجة أولا وقوة القرابة ثانيا فعم الميت مقدم على عم أبيه لقرب الدرجة وفى كل واحد من هذه الأصناف يقدم ذو القرابتين على ذى قرابة واحدة مع التساوى فى الدرجة فعم الميت لأب وأم أولى من عمه لأب، وهكذا الحكم فى فروع هذه الأصناف فيعتبر أولاقرب الدرجة وثانيا قوة القرابة، ويقول ابن عابدين (١) يحوز العصبة بنفسه ما أبقت الفروض وعند الانفراد يجوز جميع المال لحديث «الحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الورثة فلأولى رجل ذكر».
وأما العصبة بالغير فأرباع من النسوة وهن اللاتى فرضهن النصف والثلثان، الأولى منهن البنت اذ للواحدة النصف وللاثنتين فصاعدا الثلثان، والثانية بنت الابن وان نزل فان حالها كحال البنت عند عدمها، الثالث الأخت لأب وأم فانها كذلك اذا لم توجد بنات الصلب وبنات الابن، الرابعة الأخت لأب فان حكمها كذلك اذا لم يوجد الثلاثة المتقدمة فان هؤلاء الأرباع يصرن عصبة بمن فى درجتهن من الذكور العصبة. ويدل على صيرورة الأوليين عصبة قول الله تعالى:
«يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» وعلى صيرورة الآخرين عصبة قوله تعالى «وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»، ومن لا فرض لها من الاناث وأخوها عصبة بنفسه لا تصير عصبة به وذلك لأن النص الوارد فى صيرورة الاناث بالذكور عصبة انما هو فى موضعين.
البنات بالبنين والأخوات بالأخوة وأيضا فان الأخ يعصب أخته بنقلها من فرضها حالة الانفراد الى العصوبة كى لا يلزم تفضيل الأنثى على الذكر أو المساواة بينهما مع اتحاد وضعهما كما فى بنت وابنين أو بنت وابن فاذا لم تكن الأنثى صاحبة فرض فلا يتأتى هذا المعنى من عدم تعصيبها بأخيها كالعم والعمة اذا كانا لأب وأم أو لأب كان المال كله للعم دون العمة.
وأما العصبة مع الغير: فكل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى كالأخت لأب مع البنت سواء كانت صلبية أو بنت ابن وسواء كانت واحدة أو أكثر لقول رسول الله ﷺ : «اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة» والمراد من الجمعين هاهنا الجنس واحدا كان أو متعددا والفرق بين العصبة بالغير والعصبة مع الغير أن الغير فى العصبة بالغير يكون عصبة بنفسه فتتعدى بسببه العصوبة الى الأنثى وفى العصبة مع الغير لا يكون عصبة بنفسه أصلا فلا تكون العصبة مجامعة لذلك الغير.
وأما العصبة السببية فهى آخر العصبات والمعتق - بكسر التاء - يرث من معتقه مطلقا أيا كان الباعث على الاعتاق لأن السبب