المرسل من سباع ذوات الاربع كالكلب وغيره أو من سباع الطير كالبازى وغيره وأن يكون هذا المرسل معلما بأن لا ينطلق حتى يطلقه صاحبه، فاذا أطلقه انطلق، واذا أخذ وقتل لم يأكل من ذلك الصيد شيئا، سواء قتله بجرح أو برض أو بصدم أو بخنق فان كل ذلك حلال، فان قتله وأكل من لحمه شيئا فذلك الصيد حرام لا يحل أكل شئ منه (١)، فان أرسل جارحا من كلب أو غيره فشرب من دم الصيد لم يضر ذلك شيئا وحل أكل ما قتل لأن النبى ﷺ إنما حرم علينا أكل ما قتل اذا أكل ولم ينهنا عن أكل ما قتل اذا ولغ فى الدم (٢)، فان أدركه مرسله حتى قتله وهو يريد الاكل منه فأخذه والجارح ينازعه الى الاكل منه لم يحل أكله أصلا وهو ميتة لاننا على يقين حينئذ من أنه انما أمسك على نفسه لا على من أرسله وهذه الصفة التى حرم الله تعالى بها ورسوله ﷺ الاكل مما قتله الجارح علينا (٣) فان ارسل حيوانا غير معلم لم يؤكل ما قتله أصلا سواء كان هذا الجارح متملكا أو بريا من سباع الطير أو ذوات الاربع غير متملك (٤).
وثانيها أن يكون ارساله عن قصد فاذا انطلق الجارح المعلم أو غير المعلم من غير أن يطلقه صاحبه لم يحل أكل ما قتل الا أن تدرك فيه بقية من الروح فيذكى ويؤكل (٥).
ثالثها اقتران الارسال بالتسمية، فقد قال ابن حزم فى المحلى: ووقت تسمية الله تعالى فى الصيد مع أول ارسال الرمية أو مع أول الضربة أو مع ارسال الجارح لا تجزى قبل ذلك ولا بعده لان هذه مبادئ الذكاة فاذا شرع فى الذكاة قبل التسمية فقد مضى منها شئ قبل التسمية فلم يذك كما أمر، واذا كان بين التسمية وبين الشروع فى الذكاة مهلة فلم تكن الذكاة مع التسمية كما أمر فلم يذك كما أمر ولا فرق بين قليل المهلة وبين كثيرها (٦).
(ب) حكم الارسال على غير معين أو غير مرئى: والظاهرية لا يفرقون بين الارسال على معين أو غير معين ومرئى وغير مرئى فقد ذكر صاحب المحلى أن من خرج بجارحه فأرسله وسمى ونوى ما أصاب من الصيد فما أصاب فى ذلك الارسال من الصيد فقتله فأكله حلال سواء كان فعل كل ذلك من منزله أو فى الصحراء (٧).
стр. 1367
(ج) حكم الارسال على ما شرد من الحيوان غير الصيد: جاء فى المحلى أن ما شرد فلم يقدر عليه من حيوان البرّ كله - وحشيه وانسيه لا تحاش شيئا لا طائرا ولا ذا أربع - مما يحل أكله فان ذكاته أن يرمى بما يعمل عمل الرمح أو عمل السيف أو عمل السهم أو عمل السكين حاشا ما ذكرنا أنه لا تحل الذكاة به فان أصيب بذلك فمات قبل أن تدرك ذكاته فأكله حلال فان أدرك حيا الا أنه فى سبيل الموت السريع فأن ذبح أو نحر فحسن والا فلا بأس بأكله وان كان لا يموت سريعا لم يحل أكله الا بذبح أو نحر أو بأن يرسل عليه سبع من سباع الطير أو ذوات الأربع لا ذكاة له الا بأحد هذين الوجهين (١)
(د) حكم ارسال المحرم ما تحت يده من الصيد: ويرى الظاهرية عدم الزام المحرم بأن يرسل ما فى يده من صيد الحلال فقد ذكر ابن حزم أن كل ما صاده المحل فى الحل فأدخله الحرم أو وهبه لمحرم أو اشتراه محرم فحلال للمحرم ولمن فى الحرم ملكه وذبحه وأكله وكذلك من أحرم وفى يده صيد قد ملكه قبل ذلك أو فى منزله قريبا أو بعيداً أو فى قفص معه فهو حلال له أكله وذبحه وملكه وبيعه، وإنما يحرم عليه ابتداء التصيد للصيد وتملكه وذبحه حينئذ فقط فلو ذبحه لكان ميتة ولو أنتزعه حلال من يده لكان للذى انتزعه ولا يملكه المحرم وان أحل الا بأن يحدث له تملكا بعد احلاله (٢).
مذهب الزيدية:
(أ) شروط صحة الارسال: أولها وثانيها وثالثها: أن يكون المرسل حيوانا معلما وأن يكون من أرسله مسلما مسميا عند الارسال فقد جاء فى شرح الازهار أنه يشترط أن يكون الحيوان المعلم قد أرسله مسلم مسم عند الارسال لان حالة الارسال كحالة الذبح فلو كان كافرا أو لم يسم لم يحل ما قتله المرسل (٣)، وانما يحل صيد المسلم بارسال الكلب والرمى بالسهم حيث لم يشاركه كافر فيهما، فان شاركه فى ذلك حرم، ولعل الخلاف فى مشاركة كلب الذمى كالخلاف فى ذبيحته، ولا تجزئ ذبيحة الكافر ذميا كان أم حربيا أما الحربى فلا خلاف فيه وأما الذمى فمذهب الهادى والقاسم أنه كالحربى فى ذلك، وقال زيد بن على تجوز ذبيحة أهل الكتاب (٤).
رابعا: أن يكون الارسال مقصورا فلو عدا الكلب على صيد من دون ارسال لم يحل ما قتله، وكذا لو اشترك حيوان مرسل وغير مرسل على قتل صيد لم يحل أكله، أو لم يرسله الصائد بل زجره وقد استرسله فانزجر فانه يحل أكل ما قتله (٥)
стр. 1368
(ب) حكم الارسال على متعدد:
ولو قتل صيدا كثيرا فى ذلك الارسال حل، سواء قصد المرسل ارساله عليه كله أو لم يقصد ارساله الا على واحد ما لم يتخلل اضراب ذى الناب، فأما لو تخلل من الكلب اضراب نحو أن يصطاد واحدا ثم يكف بأن يجثم على الاول أو يمر يمنة أو يسرة ثم يعرض له صيد آخر فيقتله فانه لا يحل أكل الثانى ولو أرسل كلبا على صيد معين فأخذ غيره فانه يحل (١).
(ج) حكم ارسال المحرم أو الحلال فى الحرم أو فى الحل: والزيدية يلزمون من أرسل الكلب فقتل أو طرد فى الحرم فمتى وقع فى الحرم من الكلب قتل للصيد أو طرد لزمت من أرسله القيمة سواء كان حلالا أو محرما الا أنه اذا كان محرما ألزموه مع القيمة الجزاء، واذا طرد الكلب الصيد فى الحرم فقد لزمت القيمة، ولو خرج الكلب والصيد من الحرم وقتله فى الحل، فان لحق الكلب الصيد فى ابتداء ارساله عليه فى الحل فطرده حتى أدخله الحرم فقد لزمت القيمة سواء ظفر به فى الحرم أو فى الحل بعد أن دخلا الحرم (٢).
(د) حكم ارسال المحرم ما تحت يده من الصيد: واذا استخلص المحرم صيدا من فم هرة أو سبع فتلف فى يده فوجهان أصحهما لا ضمان اذ ما على المحسنين من سبيل الا أن يكون قد تمكن من ارساله على وجه يسلم ولم يفعل ثم مات لزمه الجزاء (٣)، واذا أمسك المحرم صيدا ثم أرسله لزمه أن يتصدق بطعام قلته وكثرته بقدر ما رأى من افزاعه (٤).
مذهب الإمامية:
(أ) شروط صحة الارسال: أولها: أن يكون الحيوان المرسل معلما بأن يسترسل اذا أرسله وينزجر اذا زجره وألا يأكل ما يمسكه فان أكل نادرا لم يقدح فى اباحة ما يقتله وكذا لو شرب دم الصيد واقتصر ولا بد فى صحة ارساله من تكرار الاصطياد به متصفا بهذه الشرائط ليتحقق حصولها فيه ولا يكفى اتفاقها مرة (٥).
ثانيها: أن يكون من أرسله مسلما أو فى حكم المسلم فلو أرسله المجوسى أو الوثنى لم يحل أكل ما يقتله، وان أرسله اليهودى أو النصرانى ففيه خلاف أظهره أنه لا يحل (٦)، والاعتبار فى حل الصيد بالمرسل لا بالمعلم، فان كان المرسل مسلما فقتل حل، ولو كان المعلم مجوسيا أو وثنيا ولو كان المرسل غير مسلم لم يحل ولو كان المعلم مسلما (٧).
стр. 1369
ثالثها: قصد الاصطياد فلو استرسل من نفسه لم يحل ما قتله، نعم لو زجره عقيب الاسترسال فوقف ثم أغراه صح لان الاسترسال انقطع بوقوفه وصار الاغراء ارسالا مستأنفا (١).
رابعا: أن يسمى عند الارسال، فلو ترك التسمية عمدا لم يحل ما قتله ولا يضر لو كان نسيانا، ولو أرسل واحدا وسمى به آخر لم يحل الصيد مع قتله له، ولو سمى فأرسل آخر كلبه ولم يسم فاشتركا فى قتل الصيد لم يحل (٢).
(ب) حكم الارسال على غير معين أو غير مرئى: جاء فى شرائع الاسلام أنه لو أرسل كلبه على صيد وسمى فقتل صيدا آخر حل، وكذلك لو أرسله على صيود كبار فتفرقت عن صغار فقتلها حلت اذا كانت ممتنعة وكذلك الحكم فى الآلة أما لو أرسله ولم يشاهد صيدا فاتفق اصابة الصيد لم يحل ولو سمى سواء كانت الآلة كلبا أو سلاحا لانه لم يقصد الصيد (٣)، ولو رأى صيدا فظنه خنزيرا أو كلبا أو غيره مما لا يؤكل فقتله لم يحل وكذا لو أرسل كلبا ليلا فقتل لانه لم يقصد الارسال فجرى مجرى الاسترسال (٤).
(ج) حكم التعدد فى الارسال: ذكر صاحب شرائع الاسلام أنه لو كان مع المسلم كلبان أرسل أحدهما واسترسل الآخر فقتلا لم يحل، ولو رمى سمها فأوصلته الريح الى الصيد فقتله حل، ولو أرسل المسلم والوثنى آلتهما فقتلاه لم يحل سواء اتفقت آلتهما - مثل أن يرسلا كبين أو سهمين - أو اختلفا كأن يرسل أحدهما كلبا والآخر سهما سواء اتفقت الاصابة فى وقت واحد أو وقتين اذا كان أثر كل واحدة من الآلتين قاتلا، ولو أثخنه المسلم فلم تعد حياته مستقرة ثم ذفف عليه الآخر حل لان القاتل المسلم، ولو انعكس الفرض لم يحل ولو اشتبه الحالان وحرم تغليبا للحرمة (٥).
(د) حكم ارسال المحرم ما تحت يده من الصيد: ذكر الحلى فى شرائع الاسلام أنه من كان معه صيد فأحرم زال ملكه عنه ووجب ارساله، فلو مات قبل ارساله لزمه ضمانه، ولو كان الصيد نائبا عنه لم يزل ملكه عنه (٦)، فان أغلق على حمام من حمام الحرم وله فراخ وبيض ضمن بالاغلاق فان زال السبب وأرسلها سليمة سقط الضمان (٧)، وأما من دخل بصيد الى الحرم فقد وجب عليه أن يرسله، ولو أخرجه فتلف كان عليه ضمانه، سواء كان التلف بسببه أو بغيره، ولو كان طائرا مقصوصا وجب عليه أن يحفظه حتى يكمل ريشه ثم يرسله (٨).
стр. 1370
مذهب الإباضية:
(أ) شروط صحة الارسال: - أولا أن يكون الجارح المرسل معلما بأن يسترسل اذا أرسله ربه وأن يستشلى اذا أشلاه، واذا عض أمسك ولم يأكل واذا دعاه صاحبه أجابه واذا أراد لم يفر منه ولا يأكل العذرة ولا يأكل مما أمسك، فاذا فعل ذلك ثلاث مرات فهو معلم، واذا أكل منه فخلاف فيه والاكثر أنه لا يحل وقيل:
لا يشترط ثلاث مرات بل هو معلم من أول مرة اذا علمه بعض ذلك فتعلم (١).
ثانيا: أن يكون المرسل مسلما فان أرسل الكلب مسلم فسمى مجوسى فانزجر لتسميته فأخذه فلا يحل، أما اذا انعكس الحال فأرسل الكلب مجوسى فسمى مسلم فانزجر لتسميته فأخذه فانه يحل، وان رمى المسلم سهما أو أرسل كلبا وذكر اسم الله ثم ارتد قبل الوصول ففى أكله قولان وان تاب من ارتداده قبل الوصول أكل، وكذا ان كان فى حال الارسال مشركا أو مرتدا فأسلم وسمى قبل الوصول أكل وقيل لا (٢).
ثالثا: يجب أن يسمى عند ارسال الكلب أو السهم لا قبله أو بعده بلا تراخ، وان سمى قبله أو بعده بلا تراخ جاز وتجوز التسمية بعد الارسال ما لم يصل ما أرسله الى الصيد ويسمى على السهم اذا وضعه فى كبد القوس والاولى أن يسمى عند ارساله ولا يسمى وهو فى كنانته، وان سمى على الجارحة بعد ارسالها جاز والاولى أن تسمى وهى واقفة عنده، وان سمى بعد الارسال ولم تقف أن استوقفها لم يجز أكله لانه سمى حين لم يملك من أمرها شيئا وكذا أن استوقفها ولم تقف وسمى لانه اذا كانت لا تقف لاستيقافه فانه ذاهب الى الصيد بلا ارسال وارساله الاول كلا ارسال لانه انتهى حين استوقفه ولم يقف وقيل يأكله اذا لم يسم نسيانا ولو لم يقف لاستيقافه سواء سمى قبل الوصول وبعد الارسال أو قبله بعد الاستيقاف تنزيلا لذلك اذ لم يقدر عليها منزلة الشروع فى الذكاة بلا تسمية (٣)، والاصل فى التسمية أن تكون على الدابة التى أريد صيدها أو الطائر الذى أريد صيده كما يسمى على ما أريد ذبحه أو نحره فان فعل ذلك فهو الاصل والا سمّى على الجارحة المرسلة لانها بمنزلة صاحبها الذى أمرها بالصيد لانها طالبة للصيد مثله وذاهبة فيه فليسم عليها لتكون التسمية عليها كتسميتها هى لو قدرت بخلاف نحو السهم فان التسمية عليه كتسمية الذابح أو الناحر، ومن أرسل كلبا ولم يسم فليزجره فان انزجر وذكر فأرسله أكل فان لم ينزجر لم يأكل (٤)، رابعا: استمرار الارسال فلو أرسل طيرا أو كلبا أو غيرهما وسمى على المرسل
стр. 1371
أو المرسل اليه أو عليهما فمضى لا فى جهة الصيد بعد أن رأى الجارح الصيد أو لم يره ثم رجع فيها اليه وقتله جاز أكله أما ان رجع الى ربه مطلقا - رآه أو لم يره - ثم عاد بلا ارسال اليه فقتله فلا يصح أن يؤكل الا أن أدركت ذكاته لانقضاء الارسال الاول، وقيل ان سمى قبل الاخذ أكل وان أرسل سهما فوقع على شئ ثم على صيد حل (١)، فان انبعثت الجارحة من غير ارسال أو أرسلها ولم تكن فى يده أكل ان سمى عليها قبل الاخذ، وقيل: لا يأكل (٢).
(ب) حكم الارسال على غير معين أو غير مرئى: - قال صاحب شرح النيل:
والمرسل اما أن يقصد بالتسمية المرسل - بفتح السين - كنبل وكلب أو أن يقصد المرسل اليه فقط كالغزال ونحوه أو أن يقصد الاثنين معا - المرسل والمرسل اليه - فان أراد عند التسمية المرسل فقط أو المرسل والمرسل اليه معا فصادف اثنين أو ثلاثة فصاعدا جاز أكلها الا اذا عين الوحش بالذكر، واذا أراد عند التسمية المرسل اليه فقط فانه لا يؤكل الا ما سمى عليه فقط فان اشتبه عليه ما سمى عليه وما لم يسم عليه تركهما وكذا ان سمى على صيد فصادف آخر لم يؤكل الا ان كان قد سمى أيضا على المرسل (٣).
(ج) حكم ارسال المحرم أو الحلال فى الحرم أو فى الحل: جاء فى شرح النيل أن المحرم اذا أرسل كلبه على أسد فتعرض له صيد فقتله لم يلزمه الجزاء فى ذلك لانه فعل ما يجوز وقيل: يلزمه الجزاء (٤).
(د) حكم ارسال المحرم ما تحت يده من الصيد: ذكر فى شرح النيل أن الربيع قال: ومن دخل الحرم أو أحرم ومعه باز أو صقر فليرسله، وان اصطاد بعد ما أرسله ورآه فعليه الجزاء وقيل:
لا جزاء عليه لانه لم يأمره ولم يقدر على أن يمنعه (٥)، فان أمر غلامه بأن يرسل الصيد فظن الغلام أنه أمره بأن يقتله فقتله لم يلزمه الجزاء فى ذلك لانه فعل ما يجوز، وقيل: بل يلزمه الجزاء (٦)
حكم ارسال ما تحت اليد
مذهب الحنفية:
يفرق الحنفية فى ذلك بين ارسال الكلب وارسال غيره فقد ذكر ابن عابدين فى حاشيته أن بين ارسال الكلب وغيره فرقا وهو أنه اذا أرسل الكلب ولم يكن سائقا له لا يضمن، وان أصاب فى فوره لانه ليس بمتعد اذ لا يمكنه اتباعه والمتسبب لا يضمن الا اذا تعدى، ولو أرسل دابة يضمن ما أصابت فى فورها سواء ساقها أو لا لأنه متعد بارسالها فى الطريق مع امكان اتباعها أفاده فى النهاية ولم يفرق أبو يوسف بين ارسال الدابة والكلب فقد
стр. 1372
ذكر ابن عابدين أنه جاء فى القهستانى: وعن أبى يوسف أنه يضمن بكل حال وبه أخذ عامة المشايخ وعليه الفتوى (١)، فعلى قول أبى يوسف لا فرق بين الدابة والكلب وعلى الأول لا يضمن ما أصابه الكلب فى فوره الا اذا ساقه وما أصابته الدابة فى فورها يضمنه مطلقا، وذكر الحصكفى أنه ان أرسل طيرا ساقه أو لم يكن سائقا له أو أرسل دابة أو كلبا ولم يكن سائقا له أو انفلتت دابة بنفسها فأصابت مالا أو آدميا نهارا أو ليلا فلا ضمان فى الكل لقول رسول الله ﷺ (العجماء جبار) أى المنفلتة هدر (٢)، فان كان المرسل ماء فان الحكم يختلف تبعا لحالة الماء المرسل وطبيعة الارض فلو أرسل ماء فى أرضه فخرج الماء الى أرض غيره، فان كان ما أرسله تحتمله أرضه فلا ضمان عليه، وان أرسل ما لا تحتمله الأرض كان ضامنا (٣)، فان سقى أرضه ثم أرسل الماء فى النهر حتى جاوز عن أرضه وقد كان رجل أسفل منه طرح فى النهر ترابا فمال الماء عن النهر حتى غرق قصر انسان فلا ضمان على المرسل لأنه أرسل الماء فى النهر وهو غير متعد فى ذلك، ويجب الضمان على من طرح التراب فى النهر ومنع الماء عن السيلان لأنه متعد، ولو فتح فوهة النهر وأرسل ماء قدر ما يحتمله النهر فدخل الماء من فوره فى أرض غيره قبل أن يدخل فى أرضه فلا يكون عليه الضمان (٤).
مذهب المالكية:
وفرق المالكية فى حكم ارسال الدابة بين ما اذا كان الموضع ليس للسرح أو كان اعتياد الناس أن يسرحوا مواشيهم فيه فقد روى المواق أن الباجى قال: من المواضع ضرب تنفرد فيه المزارع والحوائط ليس بمكان سرح وهذا لا يجوز إرسال المواشى فيه وما أفسدت فيه ليلا أو نهارا - فعلى أربابها، وضرب جرت عادة الناس بإرسال مواشيهم فيه ليلا أو نهارا فاحدث رجل فيه زرعا لا ضمان فيه على أهل المواشى ليلا أو نهارا (٥) - وروى الحطاب قول أبى عمر: إنما يسقط الضمان نهارا عن أرباب الماشية إذا أطلقت دون راع، وإن كان معها راع فلم يمنعها فهو كالقائد والسائق والراكب وقد ضمن مالك القائد والسائق والراكب (٦)، وجاء فى التاج والاكليل:
من أرسل فى أرضه نارا أو ماء فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعه فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها فتحاملت النار بريح أو غيره فأحرقت فلا شئ عليه وان
стр. 1373
لم يؤمن من ذلك لقربها فهو ضامن (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى الاقناع ان الشافعية يفرقون فى ذلك بين الدواب التى العادة فيها أن ترسل وبين غيرها من الدواب، فاذا كانت الدواب مما يرسل فى العادة مثل الحمام وغيره من الطيور فلا ضمان بما أتلفته مطلقا كما حكاه فى أصل الروضة عن ابن الصباغ وذلك لأن العادة ارسالها (٢).
مذهب الحنابلة:
فرق الحنابلة فى ذلك بين ارسالها نهارا أو ليلا فقد ذكر ابن ادريس الحنبلى أن الدابة المرسلة لا يضمن ربها أو مستعيرها ونحوه ما أفسدت من زرع أو شجر أو غيرهما نهارا اذا لم تكن يد أحد عليها سواء أرسلها بقرب ما تفسده أولا لما روى مالك عن الزهرى عن حزام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الاموال حفظها بالنهار وما أفسدت فهو مضمون عليهم، قال ابن عبد البر هذا وان كان مرسلا فهو مشهور، وحدث به الأئمة الثقات وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول لأن العادة من أهل المواشى ارسالها نهارا للرعى وحفظها ليلا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا فاذا أفسدت شيئا ليلا كان من ضمان من هى بيده ان فرط فى حفظها، قال القاضى هذه المسألة محمولة على المواضع التى فيها مزارع ومراعى فأما القرى العامرة التى لا مرعى فيها الا بين مراحين كساقية وطرق زرع فليس له ارسالها بغير حفظ فان فعل لزمه الضمان لتفريطه (٣)، هذا واذا أرسل صيدا وقال أعتقتك لم يزل ملكه عنه كما لو أرسل البعير والبقرة ونحوهما من البهائم المملوكة فان ملكه لا يزول عنها بذلك (٤).
مذهب الزيدية:
وفرق الزيدية بين ارسال الكلب وغير الكلب فقد جاء فى شرح الازهار ان جناية غير الكلب ليلا مضمونة على صاحب الدابة لأن الحفظ فى الليل واجب عليه فقد حكم النبى ﷺ على أهل البهائم بأن يحفظوها ليلا وعلى أهل الزرائع بأن يحفظوها نهارا، قال فى الانتصار وهذا بناء على أن الأغلب أن الدواب تحفظ بالليل وترسل بالنهار فلو جرت العادة بخلاف ذلك فى بعض البلاد انعكس الحكم، أما جناية الكلب فى الليل فلا ضمان فيها لأنه يرسل فى الليل ليحفظ ويربط فى النهار فان جنى فى النهار ضمنت ولو كان غير عقور، حيث لا يعتاد ارساله فى النهار، قيل: ولو عقر بالنهار دون الليل فى
стр. 1374
الطريق ونحوها فلا ضمان (١)، ومن أرسل بقرته فنطحت بقرة غيره أو حماره فان كان من فورها ضمن مطلقا، وان كان بعد تراخيها لم يضمن الا أن تكون معروفة بالنطح أو كان خروجها بالليل مع تفريطه فى حفظها، وكذا ان سيّبها فى المرعى وهى عقور ضمن ما جنت الا أن يعقلها فلو نقضت عقالها ثم جنت لم يضمن الا أن يعلم بنقضها، وسواء كان المرسل لها مالكها أو غيره (٢) وان كان ما فى يده انسانا غريقا حاول انقاذه فأرسله لما ثقل عليه وخشى ان أتم الامساك أن يتلفا جميعا ضمنه من أرسله اذ صار مباشرا للجناية بالارسال وقد قال على رضى الله عنه: هو موافق للقياس، الا أنا نقول ان كان قد أخرج رأسه من الماء فلما أرسله انغمس فهلك فذلك صحيح، وان أرسله قبل أن يخرج رأسه من الماء ففى تضمينه نظر لأنه لم يهلك بارساله حينئذ بل برسوبه فى الماء وتسديده منافسه وهو حاصل من قبل امساكه وارساله فالأقرب عندى أنه لا يضمن بارساله، أما حكم الارسال فى هذه الحال فقد قيل انه يجوز ارساله ويضمن لأنه صار هالكا بكل حال فجاز الارسال لئلا يهلكا جميعا، وقيل لا يجوز الارسال كالمكره على قتل الغير اذ الاكراه على قتل الغير لا يعنى اباحته له (٣).
مذهب الإمامية:
والإمامية فى حكم ارسال البهائم ليلا واتلافها الزرع يضمنون صاحبها قال الطوسى فى كتاب الخلاف: اذا كان للرجل بهائم فأرسلها ليلا فأتلفت زرعا فعليه ضمانه، ودليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم وروى أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدته فرفع ذلك الى النبى ﷺ فقضى أن على أهل الأموال حفظها نهارا وعلى أهل المواشى حفظها ليلا وأن على أهلها بالليل الضمان، ولا يوجب الإمامية ارسال الماء (٤) لسقى الزرع اذا لم يف النهر المباح أو سيل الوادى بسقى ما عليه دفعة على من يلى فوهة النهر الا بعد أن يصل الماء فى زرعه الى الشراك وفى شجره الى القوم وفى نخله الى الساق. ثم يرسل الى ما دونه ولا يجب ارساله قبل ذلك ولو أدى الى تلف الأخير (٥).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن من أطلق مواشيه فأكلت شجرا أو زرعا أو نحو ذلك أفسدت ذلك أو غيره لأحد ضمن، وقيل لا يضمن ما فعلت من ذلك نهارا إلا أن تعمد فوجهها إلى ذلك لما روى عن رسول الله صلى الله
стр. 1375
عليه وسلم (جرح العجماء جبار) أى جرح الدابة مهدور فقيل ذلك إذا خرجت عن طاقة من هى بيده وإلا ضمن ما أكلت ليلا أو نهاراً وقيل لا يضمن ما فعلت نهارا لقوله ﷺ : على صاحب الطعام حفظ طعامه نهارا وعلى صاحب الدابة حفظها ليلا (١).
حكم الارسال فى العقود والمعاملات
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن من شرائط انعقاد البيع اتحاد المجلس بأن يكون الايجاب والقبول فى مجلس واحد، واستثنوا من ذلك البيع بواسطة الارسال فقد ذكر صاحب بدائع الصنائع: أن أحد الشطرين (أى الايجاب والقبول) من أحد العاقدين فى باب البيع يتوقف على الآخر فى المجلس ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالاجماع الا اذا كان عنه قابل أو كان بالرسالة أو بالكتابة، أما الرسالة فهى أن يرسل رسولا الى رجل ويقول للرسول: انى بعت عبدى هذا من فلان الغائب بكذا فاذهب اليه وقل له: ان فلانا أرسلنى اليك وقال لى: قل له: انى قد بعت عبدى هذا من فلان بكذا فذهب الرسول وبلغ الرسالة فقال: المشترى فى مجلسه ذلك قبلت انعقد البيع لأن الرسول سفيز ومعبر عن كلام المرسل، ناقل كلامه الى المرسل اليه فكأنه حضر بنفسه فأوجب البيع وقبل الآخر فى المجلس، وكذلك هذا الحكم فى الاجارة والكتابة (أى كتابة العبد) حيث أن اتحاد المجلس شرط للانعقاد ولا يتوقف أحد الشطرين من أحد العاقدين على وجود الشطر الآخر اذا كان غائبا لان كل واحد منهما عقد معاوضة الا اذا كان عن الغائب قابل أو بالرسالة أو بالكتابة، ولو أرسل رسولا ثم رجع صح رجوعه لان الخطاب بالرسالة لا يكون فوق المشافهة وذا محتمل للرجوع فها هنا أولى: وسواء علم الرسول رجوع المرسل أو لم يعلم به، بخلاف ما اذا وكل انسانا ثم عزله بغير علمه فانه لا يصح عزله لأن الرسول يحكى كلام المرسل وينقله الى المرسل اليه فكان سفيرا ومعبرا محضا فلم يشترط علم الرسول بذلك، فأما الوكيل فانما يتصرف عن تفويض الموكل اليه فشرط علمه بالعزل صيانة عن التغرير (٢)، ولا يرتب الحنفية على قبض الرسول ما اشتراه مرسله سقوط حقه فى الخيار اذا رآه فقد ذكر صاحب المبسوط أنه اذا اشترى الشخص شيئا ثم أرسل رسولا يقبضه فهو - يعنى المرسل - بالخيار اذا رآه، ورؤية الرسول وقبضه
стр. 1376
لا يلزمه المتاع لأن المقصود علم العاقد بأوصاف المعقود عليه ليتم رضاه وذلك لا يحصل برؤية الرسول فأكثر ما فيه أن قبض رسوله كقبضه بنفسه، ولو قبض بنفسه قبل الرؤية كان بالخيار اذا رآه فكذلك اذا أرسل رسولا فقبضه له (١). والحنفية يرون أن الارسال يصح أن يكون وسيلة للاستقراض ويكون ما استقرضه الرسول للآمر، وأنه لا يجوز للوكيل أن يستقرض لموكله الا أن يخرج كلامه مخرج الرسالة والا كان ما استقرضه من الدراهم له لا لموكله، ومن حقه أن يمنعها من الموكل (٢)، كما يرون أن الارسال يصح أن يكون وسيلة من وسائل اعلام الوكيل بالتوكيل. فقد ذكر الكاسانى أنه لو أرسل الموكل رسولا الى من يريد أن يوكله فبلغ الرسالة صار وكيلا بالاجماع (٣)، وكذلك يصح أن يكون وسيلة لاعلام الوكيل بالعزل فقد جاء فى البدائع أن الوكيل لو كان غائبا فكتب اليه الموكل كتاب العزل فبلغه الكتاب وعلم بما فيه انعزل لأن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، وكذلك لو أرسل اليه رسولا فبلغ الرسالة وقال ان فلانا أرسلنى اليك ويقول: انى عزلتك عن الوكالة فانه ينعزل كائنا ما كان الرسول عدلا كان أو غير عدل، حرا كان أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا بعد أن بلغ الرسالة على الوجه الذى ذكرناه لان الرسول قائم مقام المرسل معبر وسفير عنه فتصح سفارته بعد أن صحت عبارته على أى صفة كان (٤).
مذهب المالكية:
ويفرق المالكية فى حكم الارسال بالشراء تبعا للفظ الرسول فاذا أسند الشراء لنفسه طولب بالثمن واذا أسنده لمن أرسله لم يطالب بالثمن فقد ذكر الدردير فى الشرح الكبير والدسوقى فى حاشيته عليه أن الرسول اذا قال بعثنى فلان لتبيعه كذا بمائة أو ليشترى منك كذا بمائة مثلا فرضى صاحب السلعة فلا يطالب الرسول بالثمن فان أنكر فلان هذا أنه أرسله فالثمن على الرسول، أما ان قال: بعثنى لأشترى أو لأشترى له منك فيطالب الرسول بالثمن لانه فى الحالة الاولى أسند الشراء لغيره وفى الحالة الاخيرة أسند الشراء الى نفسه (٥)، وذكر الدسوقى فى حاشيته أنه اذا أقر المرسل بأنه أرسله كان للبائع غريمان فيتبع أيهما شاء الا أن يحلف المرسل أنه دفع الثمن للرسول فانه يبرأ ويتبع
стр. 1377
الرسول (١) وروى المواق أن مالكا قال:
اذا أرسل البائع شخصا بالبضاعة المبتاعة فقال الرسول: دفعت البضاعة وأنكر المبعوث اليه ضمن الرسول الا أن تقوم له بينه أنه دفعها (٢) اليه، وفى الارسال بالوديعة يرى المالكية أنه لا يصح للمودع - بالفتح - أن يرسل الوديعة الى ربها الا باذنه، فلو أرسلها اليه بغير اذنه، فضاعت أو تلفت من الرسول (٣) ضمن الا أن تعرض له اقامة طويلة فى الطريق كالسنة مثلا فله فى هذه الحالة أن يبعثها مع غيره ولا ضمان عليه اذا تلفت أو أخذها اللص، بل بعثها فى هذه الحالة واجب ويضمن ان حبسها، وأما ان كانت الاقامة التى عرضت له قصيرة كالايام فالواجب ابقاؤها معه فان بعثها ضمنها ان تلفت فان كانت الاقامة متوسطة كالشهرين خير فى ارسالها وفى ابقائها فلا ضمان ان أرسلها وتلفت أو حبسها (٤) وما قيل فى ارسال المودع يقال فى وصى رب المال اذا بعث المال للورثة (٥) واذا أرسلت الوديعة أو الدين أو رأس مال القراض مع رسول فمات الرسول الذى أرسلت معه قبل أن يصل الى بلد ربها وقد ضاعت ولم توجد معه ضمن الرسول حينئذ فتؤخذ من تركته سواء كان مرسلا من طرف ربها أو من طرف المودع أو المدين أو عامل القراض (٦)، لأن الرسول فى الطريق يعتبر مودعا، والمودع اذا مات ولم توجد الوديعة تكون فى ماله (٧)، أما ان مات ذلك الرسول بعد وصوله الى بلد ربها ولم توجد الوديعة معه فلا ضمان على الرسول والمصيبة على ربها ان كان ذلك الرسول رسوله، وعلى المودع - بالفتح - ان كان ذلك الرسول رسوله لان المودع لا يبرأ الا بوصول المال الى ربه أو الى رسول ربه ببينة أو اقرار (٨) وروى المواق عن المدونة أن مالكا رضى الله عنه قال: ان مات الرسول بعد وصوله الى بلد رب المرسل به فلا شئ فى تركة الرسول ويجب اليمين على من يجوز أمره من ورثته أنه ما يعلم للمرسل شيئا لأن الرسول بعد الوصول الى بلد المرسل اليه يعتبر وكيلا على الدفع وهو هنا قد امتثل ما وكل عليه، وقد يخفى على ورثته من كان أشهد على دفعها
стр. 1378
فلا يضمن بالشك (١)، واختلفت أقوال المالكية فى حكم ما اذا ادعى شخص أن فلانا أرسله بشئ الى آخر ففعل ثم أنكر صاحب الشئ وقال أودعته، فقد ذكر الحطاب أن ملكا قال فى المدونة ومن أودعته وديعة فادعى أنك أمرته بدفعها الى فلان ففعل وأنكرت أنت أن تكون أمرته فهو ضامن الا أن تقوم له بينة أنك أمرته بذلك وفى المبسوط عن الامام مالك: ان لم يشهد ربها عليها بها صدق الرسول انه أمره بذلك ويحلف، وفى كتاب ابن حبيب لعبد الملك: ان الرسول مصدق بكل حال سواء كان دينا أو صلة، وسواء أنكره القابض أو أقر به الا أن يقول له: اقض عنى فلانا دينه على فيضمن ان لم يشهد (٢)، ولو مات المودع - بفتح الدال - وادعى المودع - بكسر الدال - أنه انما أرسله وأمره بأن يدفعها الى فلان فانه يضمن ويحلف الورثة على العلم (٣)، وروى المواق (٤) أن مالكا قال لا يصدق واحد بدعواه الدفع الى من أرسل اليه الا ببينة ويصدق فى الرد الى الباعث بلا بينة لان الله أمر الاوصياء بالاشهاد بالدفع الى غير اليد التى أعطتهم وهم الايتام ولم يأمر بالاشهاد فى الرد الى اليد التى أعطتك لقوله تعالى: ﴿(فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ)﴾ (٥) فاذا ادعى الرسول انه أوصل ما أرسل به الى المرسل اليه ولكن المرسل اليه أنكر ذلك لم يصدق الرسول الا ببينة ولا يعمل بتصديق المودع لذلك الرسول على أنه أوصلها للمرسل اليه ويضمن ذلك المودع أيضا ان كان قد دفعها للرسول بغير اشهاد لأنه لما دفع لغير اليد التى ائتمنته كان عليه الاشهاد فلما تركه صار مفرطا وأما أن دفع له باشهاد فقد برئ ويرجع المرسل اليه على الرسول عند عدم البينة (٦)، وأما ان شرط الرسول على من أرسله أن يكون الدفع للمرسل اليه بلا بينة فلا ضمان عليه اذا أنكر المرسل اليه، وانما يضمن المرسل للمرسل اليه حيث لم يشهد الرسول على الدفع (٧)، وجاء فى مواهب الجليل أن القاضى عبد الوهاب قال: ان الوكيل والمودع والرسول مؤتمنون فيما بينهم وبين الموكل والمودع والمرسل فاذا ذكروا أنهم ردوا ما دفع اليهم الى أربابه قبل ذلك منهم لأن أرباب الأموال قد أئتمنوهم على ذلك فكان قولهم مقبولا فيما بينهم (٨)، وفى
стр. 1379
الارسال بالأموال قال الدردير والدسوقى: وان بعث شخص الى آخر بمال فاعتبره المبعوث اليه صدقة عليه وأنكر الباعث أنه أرسله اليه صدقة وقال بل هو وديعة أو قرض فالرسول شاهد على قول الباعث فان شهد للمرسل أخذه بلا يمين لتمسكه بالاصل - وهو عدم الصدقة - مع شهادة الرسول، لان الاصل عدم خروج الشئ عن ملك ربه على وجه خاص، والأصل كالشاهد فلما انضم الأصل للشاهد صار الباعث كأن معه شاهدين فلذلك أخذ المال من غير يمين، وان شهد الرسول للمرسل اليه أخذه على أنه صدقة عليه بيمين، فان لم يشهد الرسول - بأن قال لا أدرى - فالقول لرب المال لكن بيمين لان الاصل كالشاهد الواحد فلذا حلف معه (١)، وفى الارسال بالعارية: قال الدسوقى والدردير:
وان زعم شخص أنه مرسل من زيد لاستعارة حلى مثلا له من بكر فدفع له بكر ما طلبه وزعم أنه تلف منه ضمنه مرسله ان صدقه على الارسال، وان لم يصدقه على الارسال فللمالكية فى حكمه رأيان أولهما ما رواه الدسوقى عن سماع عيسى عن ابن القاسم - وضعفه - وهو أن الرسول يحلف لقد أرسلنى وأنه تلف بلا تفريط منى ثم يبرأ أيضا وتضيع الحلى هدرا، وثانيهما ما نسبه الدسوقى الى المدونة واعتمده وهو أن الرسول يضمن اذا أنكر مرسله الارسال وحلف، واذا كان ذلك المرسل عبدا فجناية فى رقبته (٢)، واستدرك الدردير على الرأى الاول بقوله لكن الراجح ان الرسول يضمن ولا يحلف الا لبينة بالارسال فيكون الضمان على المرسل (٣). هذا اذا زعم الرسول أن ما حمله تلف أما لو ثبت أنه تلف بلا تفريط قبل وصوله الى المرسل وقد صدقه المرسل فلا ضمان على أحد لانتفاء الضمان فى العارية اذا ثبت تلفها بلا تفريط (٤)، وان اعترف الرسول بتعديه فى أخذ العارية بغير ارسال بأن قال: لم يرسلنى أحد وتلفت منه ضمن الحر الرشيد عاجلا دون السفيه والصبى لتفريط المعير بالدفع لهما مع عدم اختيار حالهما، وان كان عبدا ضمن فى ذمته لا رقبته فلا يباع لها بل يتبع ان عتق وللسيد اسقاطه عنه (٥)، وان قال الرسول أوصلت المعار من حلى ونحوه لمن أرسلنى فكذبوه وأنكروا الارسال فعليه اليمين أنهم أرسلوه وأنه أوصله اليهم، وعليهم اليمين أنهم لم يرسلوه ولم يوصله لهم وتكون هدرا، ومن نكل منهما ضمن،
стр. 1380
وتعقبه الدردير بقوله: والراجح ضمان الرسول (١).
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أن الارسال بالبيع جائز ولا يتأثر عقد البيع بتراخى القبول فيه فقد ذكر البجيرمى فى حاشيته على المنهج أنه لو كتب شخص الى آخر غائب عن مجلس العقد ببيع أو غيره صح، ويشترط قبول المكتوب اليه فورا عند وقوفه على الكتاب فلو تكلم بكلام أجنبى ضر، ويمتد خيار مجلس المكتوب اليه ما دام فى مجلس القبول أى ما لم يختر لزومه والا انقطع خياره اذ خيار المجلس ينقطع بالمفارقة أو اختيار اللزوم - وهذا هو ارسال الكتاب بالبيع (٢)، ويرون أن الارسال اذا كان متعلقا بالرهن واختلف المرسل مع المرتهن حول قيمة الرهن فالقول قول المرسل مع تفصيل فان بعث الرجل عبده مع رجل ليرهنه عند رجل آخر بمال ففعل ثم اختلف الراهن والمرتهن، فقال الراهن أذنت له فى أن يرهن بعشرة وقال المرتهن: بل بعشرين نظرنا فان صدق الرسول الراهن حلف الرسول أنه ما رهن الا بعشرة ولا يمين على الراهن لانه لم يعقد العقد، وان صدق الرسول المرتهن فالقول قول الراهن مع يمينه فاذا حلف بقى الرهن على عشرة وعلى الرسول عشرة لانه أقر بقبضها (٣)، وفى ارسال الوديعة ذكر الرملى أنه اذا أرسل الوديع الوديعة مع من يسقيها وهو غير ثقة ضمنها (٤). ولو ادعى الوكيل الرد على رسول الموكل وأنكر الرسول صدق الرسول ببينة لأنه لم يأتمنه فلا يقبل قوله عليه، ولا يلزم الموكل تصديق الوكيل فى ذلك على الصحيح لانه يدعى الرد على من لم يأتمنه فليقم البينة عليه والثانى يلزمه لانه معترف بارساله ويد رسوله كيده فكأنه ادعى الرد عليه ولو صدقه الموكل على الدفع الى الرسول لم يغرم الوكيل كما قاله الاذرعى أنه الاصح، ولو اعترف الرسول بالقبض وادعى التلف فى يده لم يلزم المالك الرجوع اليه لان الاصل عدم القبض (٥).
مذهب الحنابلة:
ويرى الحنابلة أن البيع اذا كان بطريق الارسال لم يتأثر العقد بتراخى القبول عن الايجاب فقد ذكر صاحب كشاف القناع أنه اذا
стр. 1381
كان المشترى غائبا عن مجلس البيع فكاتبه البائع أو أرسل اليه انى بعتك دارى بكذا أو انى بعت فلانا ونسبه بما يميزه - دارى بكذا فلما بلغ المشترى الخبر قبل البيع صح عقد البيع لأن التراخى مع غيبة المشترى لا يدل على أعراضه عن الايجاب (١)، وفى الارسال بالرهن ذكر صاحب كشاف القناع أنه لو قال المرتهن أرسلت وكيلك فرهن عندى هذا على ألفين قبضهما منى فقال الراهن ما أذنت له الا فى رهنه بألف، فان صدق الرسول الراهن حلف الرسول ما رهنه الا بألف ولا قبض الا ألفا ولا يمين على الراهن لان الدعوى على غيره.
فاذا حلف الوكيل برئا جميعا أى الرسول والراهن - وان نكل الرسول عن اليمين وقضى عليه بالنكول فعليه الألف المختلف فيه ولا يرجع به على أحد لانه يدعى أن المرتهن ظلمه ولا يرجع الانسان بظلامته الا على من ظلمه أو تسبب فى ظلمه، وان صدق الرسول المرتهن فقول الراهن مع يمينه أنه وصله ألف فقط ولم يأذنه فى غيره فان نكل الراهن عن اليمين قضى عليه بالالف ويدفع الالف الى المرتهن ولا يرجع به على الرسول وان حلف الراهن برئ من الألف وعلى الرسول الألف لانه أقر بقبضها (٢).
مذهب الظاهرية:
ويجيز الظاهرية أن يتعلق الارسال بعزل الوكيل فقد ذكر ابن حزم أن الموكل اذا قال لوكيله أو كتب له: اذا بلغك رسولى فقد عزلتك فاذا بلغه الرسول صح عزله لأن له أن يتصرف فى حقوق نفسه كما يشاء (٣).
مذهب الزيدية:
جاز فى شرح الازهار لو أن رجلا أرسل آخر يستعير له فاستعار غير أن المعير اشترط عليه الضمان فأداها الى المرسل ولم يذكر له الضمان فانه يضمنها (٤).
مذهب الإمامية:
للامامية فى الاكتفاء بالارسال فى الوكالة رأيان فمن اشترط القبول فى العقد لم يكتف بالكتابة والرسالة كما لو كتب بالبيع، ومن لم يشترط القبول فى العقد كفت الكتابة والرسالة وكان مأذونا فى التصرف وهو الأقرب (٥).
وذكر صاحب مفتاح الكرامة لو أن شخصا أمر (أى أرسل) آخر لقبض دراهم من دين له عليه - أى على مدين - فقبض الرسول دنانير عوضها، فان أخبره الرسول بالاذن فى التصرف ضمن الرسول وان لم
стр. 1382
يخبره الرسول بالاذن فى التصرف وتلف المقبوض كان من ضمان الباعث لانه انما أمره بقبض دينه وهو دراهم فاذا دفع اليه دنانير كان قد صارفه من غير امره والشرط فى الصرف رضا الطرفين وقد دفع المدين الى الرسول غير ما أمره به المرسل فكان الرسول وكيلا للباعث فى تأديته الى صاحب الدين ومصارفته اياه، فاذا تلف فى يد وكيله كان من ضمانه (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب النيل وشرحه أنه يجوز عرفا لا فى الحكم - وقيل يجوز فيه أيضا - بيع صبى أو رقيق ما يقل ثمنه كفاكهة بارسال من الاب أو الوصى أو الخليفة أو القائم أو السيد ارسالا مقطوعا به أو مظنونا اطمأنت النفس اليه ولم تتهمهما عند بعض مع كراهة فيما يكثر ثمنه مع العلم بالارسال أو اطمئنان النفس أنه أرسل به - والشراء كالبيع - والاصل القول بالمنع فى الصبى، أما اذا كان الارسال من السيد لرقيقه بالبيع والشراء فقد ذكر صاحب شرح النيل أن التحقيق عنده أنه يجوز بيع العبد قطعا بدون خلاف فى المذهب ما دام مولاه قد أجاز أن يفعل، واذا باع أو اشترى من صبى أرسله وليه أو من رقيق أرسله سيده فغلط فله أن يطلب ما غلط به من مرسلهما، وأما ارسال المراهق فلهما فيه قولان قول يلحقه بالصبى وقول يلحقه بالبالغ هذا وان أنكر الأب أو السيد الارسال حلفا أنهما لم يرسلاه (٢)، واختلف الإباضية (٣) فى جواز الارسال فى انشاء عقد السلم فقال جماعة: لا يجوز لان رسول أحدهما لم يكن مأمورا بعقد السلم وانما أمره المسلم أن يوصل ذلك الى يد المستسلم أو أمره المستسلم بالقبض له، وقال جماعة: يجوز لان الرسول ينزل منزلة أحدهما والرسالة تنزل منزلة كلام من أرسلها لقوله تعالى ﴿(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً)﴾ (٤) وعلى هذا القول الأخير فانه يجوز أن يطلب شخص السلم من آخر بكتاب عينا ذهبا أو فضة، وأنه يجوز أن يرسل المسلم العين بالكتاب الى طالب السلم قائلا انى قد أسلمت اليك كذا دراهم أو دنانير - فتصله فيقبضها اذا أرسلها اليه مع أحد أو فى داخل الكتاب ومثل الدراهم والدنانير فى كذا كيلا أو وزنا من كيل بلدة كذا أو وزنها أو زرعها أو عددا من ثمار كذا مؤجلا لوقت كذا، فان وافق ما ذكره المتسلف له فقد انعقد السلم على قول وهذا ظاهر كلامه، وقيل لا ينعقد حتى يرسل اليه كتابا
стр. 1383
آخر أو رسولا أو يشافهه انى قد قبلت ما ذكرت لى، وان خالف ما ذكره المتسلف له أو لم يذكر له المتسلف تفصيلا غير أنه كتب اليه انى أريد السلم فلا ينعقد البيع حتى يقول له بلسانه أو رسوله أو كتابه انى قد قبلت ما كتبت الى أو ما أرسلت الى الى آخره (١)، (يراجع مصطلح سلم وسلف).
أما فى ارسال الدين الى صاحبه فان الإباضية يفرقون بين ارساله بأذنه وبين ارساله من غير اذنه، فقد ذكر صاحب شرح النيل أنه لا يبرأ غريم ولا يبرأ كل من عليه حق بارسال دين أو حق لربه بلا أمره أو أمر من صحت نيابته عنه، وان كان ارساله مع أمين أو أكثر ان لم يصل أو لم يعلم بوصوله أو بعدم وصوله ولزمه أن يبحث هل وصل فيبرأ أو لم يصل فيؤدى (٢) ثم انهم يفرقون فى ذلك بين البراءة فيما بينه وبين الله وبين البراءة فى الحكم، فاذا سأل الغريم رسوله الأمين فقال وصلت برئ فيما بينه وبين الله وأما فى الحكم فلا يبرأ الا بشهادة عادلة أو اقرار صاحب الحق، واذا لم يقل أوصلت فلا يبرأ فى الحكم ولا فيما بينه وبين الله حتى يعلم بالوصول، فلو كان الحق على يتيم أو مجنون أو غائب فأرسله من صحت نيابته عنه مع أمين ولم يقل أوصلت فلينتظر بيانا أو اقرارا فان جحد صاحب الحق الوصول ضمن النائب من ماله وحلفه ان اتهمه، وقيل يبرأ ان أرسله مع الأمين ولو كان امرأة أو عبدا أو أمة فيما بينه وبين الله وان لم يسأله لأن الأمين حجة فيما بينك وبين الله تعالى ولو كان واحدا (٣).
وان ادعى رسول الغريم أو رسول كل من عليه الحق أنه أوصل الدين الى ربه ولكن رب الدين أنكر وصوله ولا يوجد بيان غرمه - بتخفيف الراء - الغريم لصاحب الدين أى لم تبرأ ذمته اذ لم يصل الدين الى صاحبه ولو كان الرسول أمينا أو متعددا لانه لا يحكم بشاهد واحد ولا بمتعدد فيما يدفع فيه ضرا عن نفسه أو يجلب نفعا وهنا يدعون ايصال ما ألزموا أنفسهم ايصاله والبراءة منه، ولا يرجع الغريم على رسوله بيمين ولا بغرم ولو كان غير أمين لانه قد أمنه اذا ادعى الايصال وأنكر صاحب الحق سواء غرم أو لم يغرم الا أن اتهمه أنه لم يوصله أو أنه ضيعه فعند ذلك يحلف على ما اتهمه، وكذلك ان قال له: أشهد على رب الدين بالوصول اذا أوصلته سواء قال له أشهد عدلين أو قال له أشهد من يجوز ونحو ذلك أو قال له أشهد ولم يذكر ذلك - اذ المعلوم من طلب الاشهاد اشهاد عدلين فضيع الاشهاد على
стр. 1384
الايصال أو أشهد من لا يجوز كأهل الكبائر فان ذلك تضييع أيضا وعليه فانه يلزم الرسول الغرم للغريم اتفاقا كما اذا أقر بأنه لم يوصله أو بأنه ضيعه (١)، وان دفع رسول الغريم الدين لمن يوصله لربه فأوصله بدون أمر الغريم ففيه قولان أحدهما: أنه يضمن الرسول مثله للغريم سواء وصل أو لم يصل، وعد الرسول متبرعا على من عليه الحق بأن أعطى عنه فيرد له ما قبض منه ليوصله الى من له الحق حين خالف أمر من أرسله لانه أمره أن يعطى المال لصاحبه ولم يأمره أن يرسله فكان ارساله تضييعا له فضمنه وبرئ الغريم أو من عليه الحق أن وصل، وثانيهما: أنه لا يضمن الرسول للغريم أو لمن عليه الحق ان وصل صاحب المال وقال صاحب شرح النيل: وهذا عندى أظهر لان انتفاع من عليه المال ببراءة ذمته لذلك الدفع يزيح ضمان الرسول له لانه صرف ماله فى نفعه كما أراد لانه أراد ايصال هذا المال الى صاحب الحق أو الدين فوصل والمقصود بالذات الوصول مع أن المعنى معقول فليس فى وصوله بيد غير الرسول ما يقوى على تضمين الرسول ويناسب هذا قول من أقام الرسول مقام المرسل (٢)، وان تلف من يد رسول الغريم قبل الوصول ضمن ان ضيع أما اذا لم يضيع فلا يضمن والدين على الغريم.
العلاقة بين التوكيل والارسال
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى الهندية نقلا عن الجامع الصغير أن أبا حنفية رحمه الله تعالى قال:
اذا اشترى شخص طعاما ولم يره ووكل وكيلا يقبضه فقبضه الوكيل بعد ما رآه ونظر اليه فليس للمشترى أن يرده (أى بخيار الرؤية) ولو أرسل رسولا يقبضه فقبضه الرسول بعد ما رآه ونظر اليه فللمشترى أن يرده (٣) (أى بخيار الرؤية) وفى المبسوط ان الوكيل هو العاقد وترجع اليه حقوق العقد فى البيع بخلاف الرسول، فانه سفير ومعبر ومضيف العقد الى المرسل فثبت أن الوكيل، مباشر للعقد، بخلاف الرسول فانه عبارة عن مبلغ، ولذلك كان قبض الوكيل بعد الرؤية مسقطا لحق الموكل (٤) فى خيار الرؤية بخلاف (٥) قبض الرسول فأنه لا يسقطه ولو من الرؤية شئ، والدليل على الفرق بين الوكالة والرسالة أن الله تعالى أثبت صفة الرسالة لنبيه ﷺ ونفى الوكالة فى قوله تعالى: ﴿(وَما مُحَمَّدٌ ٦ إِلاّ رَسُولٌ﴾
стр. 1385
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)﴾ وقوله تعالى ﴿(قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)﴾ (١) وخالف فى ذلك أبو يوسف ومحمد فى الوكيل فقد روى صاحب الفتاوى الهندية نقلا عن الذخيرة أنهما رحمهما الله تعالى قالا: الوكيل والرسول سواء، وللمشترى أن يرده ان شاء وان شاء أخذه، لأن الوكيل بالقبض لا يملك ابطال خيار الرؤية أما الرسول فقد أجمعوا على أنه لا يملك ذلك (٢).
حكم ضمان ما ضاع من الرسول
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن ضمان ما ضاع من الرسول يكون على من أرسله فلو بعث رجل رسولا الى بزاز (بائع الثياب) مثلا أن ابعث بثوب كذا وكذا بثمن كذا وكذا فبعث اليه البزاز مع رسوله أو مع غيره فضاع الثوب قبل أن يصل الى الآمر وتصادقوا على ذلك وأقروا به فلا ضمان على الرسول فى شئ، وان بعث البزاز مع رسول الآمر فالضمان على الآمر لان رسوله قبض الثوب على المساومة وان كان رسول رب الثوب معه، فاذا وصل الثوب الى الآمر يكون ضامنا كما لو أرسل رسولا الى رجل وقال ابعث الى بعشرة دراهم قرضا فقال نعم وبعث بها مع رسول الآمر فالآمر ضامن لها اذا أقر بأن رسوله قد قبضها وان بعث بها مع غيره فلا ضمان على الآمر حتى يصل (٣) اليه، فاذا لم يعين المرسل رسولا يحمل المطلوب فبعث المرسل اليه بالمطلوب مع الرسول كان كما لو بعثه مع غيره لا يضمن المرسل الا اذا وصل اليه، فقد جاء فى الفتاوى الخانية أنه اذا بعث رجل الى رجل بكتاب مع رسول أن ابعث الى ثوب كذا بثمن كذا ففعل وبعث به مع الذى أتاه بالكتاب لم يكن من مال الآمر حتى يصل اليه، وكذلك القرض والاقتضاء لان الرسول هنا رسول بالكتاب (٤)، أما لو قال الرسول اقرضنى لفلان المرسل فأقرضه وضاع فى يده فعلى الرسول (٥).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أنه لا ضمان على العبد أو الأجير اذا عطب أو ضل ما أرسل به فقد ذكر الدسوقى فى حاشيته أنه اذا أرسل المستعير العارية من الدواب مع عبده أو أجيره فعطبت أو ضلت فلا ضمان عليه لان الناس هكذا يفعلون وان لم يعلم ضياعها أو تلفها الا بقول الرسول، وسواء كان مأمونا أو غير مأمون (٦).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى لابن قدامة ان الامام أحمد
стр. 1386
قال فى رجل له على آخر دراهم فبعث اليه رسولا يقبضها فبعث اليه مع الرسول دينارا فضاع مع الرسول فهو من مال الباعث لانه لم يأمره بمصارفته انما كان من ضمان الباعث لانه دفع الى الرسول غير ما أمره به المرسل فان المرسل انما أمره بقبض ماله فى ذمته وهى الدراهم ولم يدفعها وانما دفع دينارا عوضا عن عشرة دراهم وهذا صرف يفتقر الى رضى صاحب الدين واذنه ولم يأذن فصار الرسول وكيلا للباعث فى تأديته الى صاحب الدين ومصارفته به، فاذا تلف فى يد وكيله كان من ضمانه اللهم الا أن يخبر الرسول الغريم أن رب الدين اذن له فى قبض الدينار عن الدراهم فيكون حينئذ من ضمان الرسول لانه غره وأخذ الدينار على أنه وكيل المرسل، وان قبض منه الدراهم التى أمر بقبضها فضاعت من الرسول فهى من ضمان صاحب الدين لانها تلفت من يد وكيله، وقال أحمد فى رواية مهنا فى رجل له عند آخر دنانير وثياب فبعث اليه رسولا وقال خذ دينارا وثوبا فأخذ دينارين وثوبين فضاعت فالضمان على الباعث يعنى الذى أعطاه الدينارين والثوبين ويرجع به على الرسول يعنى عليه ضمان الدينار والثوب الزائدين انما جعل عليه الضمان لانه دفعهما الى من لم يؤمر بدفعهما اليه ورجع بهما على الرسول لانه غره وحصل التلف فى يده فاستقر عليه الضمان (١).
مذهب الإباضية:
يفرق الإباضية فى حكم ضمان ما ضاع من الرسول بين ما ضاع بتضييع منه وبين ما ليس فيه تضييع، فان كان الاول ضمنه الرسول، وان ضاع بلا تضييع فهو من مال الذى أرسله كما يدل له بطلان الوكالة (٢).
ارسال الحديث عند الاصوليين
ذكر صاحب كشف الاسرار أن ارسال الحديث عند الفقهاء والاصوليين هو ترك واسطة أو أكثر بين الراوى والمروى عنه فهو يشمل المرسل فى اصطلاح المحدثين - وهو أن يترك التابعى الواسطة التى بينه وبين الرسول ﷺ والمنقطع - وهو أن يترك الرواى واسطة بين الراويين - ويشمل المعضل - وهو أن يترك أكثر من واسطة بين الراويين - فالكل يسمى ارسالا عند الفقهاء والاصوليين (٣).
وجاء فى حاشية عزمى زاده على شرح المنار أن صاحب التوضيح قال: الارسال
стр. 1387
عدم الاسناد وهو أن يقول الراوى قال رسول الله ﷺ من غير أن يقول حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ ، يعنى أن معنى الارسال: الرواية على ذلك المنوال سواء كان بينهما واسطة فى الحقيقة أولا (١).
وقال ابن حزم الظاهرى: المرسل من الحديث هو الذى سقط بين أحد رواته وبين النبى ﷺ ناقل واحد فصاعدا، وهو المنقطع أيضا (٢).
آراء العلماء فى الاحتجاج
بالحديث المرسل
وللعلماء فى قبول الاحتجاج بالحديث المرسل وعدم قبوله آراء ترجع الى تقسيمه وذلك أن البزدوى قال: المرسل من الأخبار أربعة أنواع ما أرسله الصحابى، والثانى ما أرسله القرن الثانى، والثالث ما أرسله العدل فى كل عصر، والرابع ما أرسل من وجه واتصل من وجه آخر.
أما القسم الاول فمقبول بالاجماع وذلك أن من الصحابة رضوان الله عليهم من كان من الفتيان قلت صحبته فكان يروى عن غيره من الصحابة فاذا أطلق الرواية فقال:
قال رسول الله ﷺ كان ذلك منه مقبولا وان احتمل الارسال لأن من ثبتت صحته لم يحمل حديثه الا على سماعه بنفسه الا أن يصرح بالرواية عن غيره (٣)، وذكر الرهاوى فى حاشيته على المنار أن صاحب المعتمد نقل عن الشافعى أنه قال: اذا قال الصحابى قال النبى ﷺ كذا قبلته الا أن أعلم أنه أرسله (٤).
وروى ابن الحلبى أن الاستاذ أبا اسحق الاسفرائينى قال: مرسل الصحابة لا يحتج به (٥).
وأما القسم الثانى وهو ارسال القرن الثانى والثالث فقد ذكر صاحب كشف الاسرار أنه حجة عند الحنفية وهو مذهب مالك (٦) وقال صاحب شرح روضة الناظر: هو أشهر الروايتين عن أحمد بن حنبل واختاره الآمدى (٧)، وقال الشافعى ﵀: لا يقبل الا اذا اقترن به ما يتقوى به فحينئذ يقبل وذلك بأن يتأيد بآية أو سنة مشهورة أو موافقة قياس أو قول صحابى أو تلقته الامة بالقبول أو عرف من حال
стр. 1388
المرسل أنه لا يروى عن من فيه علة من جهالة أو غيرها أو اشترك فى ارساله عدلان ثقتان بشرط أن يكون شيوخهما مختلفة أو ثبت اتصاله بوجه آخر بأن أسنده غير مرسله أو أسنده مرسله مرة أخرى، ولثبوت الاتصال بوجه آخر قبلت مراسيل سعيد بن المسيب لأنى اتبعتها فوجدتها مسانيد وأكثر ما رواه مرسلا انما سمعه عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه (١).
وأما القسم الثالث: وهو ارسال من دون القرون الثلاثة فقد اختلف فيه: قال الشيخ أبو الحسن الكرخى: يقبل ارسال كل عدل فى كل عصر لان العلة التى توجب قبول مراسيل القرون الثلاثة - وهى العدالة والضبط تشمل سائر القرون، وقال عيسى بن أبان لا يقبل الا مراسيل من كان من أئمة النقل مشهورا بأخذ الناس العلم منه فان لم يكن كذلك وكان عدلا لا يقبل مسنده ويوقف مرسله الى أن يعرض على أهل العلم (٢) غير أن صاحب شرح المنار ذكر أن ابن أبان لا يقبل ذلك مطلقا لان الزمان زمان الفسق وفشو الكذب ولا بد من البيان (٣)، وقال أبو بكر الرازى لا يقبل ارسال من بعد القرون الثلاثة الا اذا اشتهر بأنه لا يروى الا عن من هو عدل ثقة لشهادة النبى ﷺ على من بعد القرون الثلاثة بالكذب بقوله: ثم يفشو الكذب فلا يثبت عدالة من كان فى زمن شهد النبى ﷺ على أهله بالكذب الا برواية من كان معلوم العدالة بعلم أنه لا يروى الا عن عدل، وذكر فى المعتمد: اذا قال الانسان فى عصرنا: قال النبى ﷺ كذا، يقبل ان كان ذلك الخبر معروفا فى جملة الأحاديث وان لم يكن معروفا لا يقبل لا لانه مرسل بل لأن الأحاديث قد ضبطت وجمعت فما لا يعرفه أصحاب الحديث منها فى وقتنا هذا فهو كذب، وان كان العصر الذى أرسل فيه المرسل عصرا لم يضبط فيه السنن قبل مرسله (٤).
وأما القسم الرابع: وهو ما أرسل من وجه واتصل من وجه آخر فهو على وجهين أما أن يسنده هذا المرسل أو غيره ففى الوجه الاول بعض من لم يقبل المراسيل لا يقبل هذا الخبر وان أسنده هذا الراوى لأن ارساله يدل على أنه انما لم يذكر الراوى لضعف فيه فستره له والحال هذه خيانة منه فلم يقبل ولهذا لم يقبل بعض أهل الحديث سائر مسانيد
стр. 1389
هذا المرسل وجعلوه بالارسال ساقط الحديث، وعامتهم على أنه يقبل منه هذا المسند وغيره من المسانيد لانه يجوز أن يكون سمع الحديث مسندا ونسى من يروى عنه وقد علم أنه سمعه مسندا متصلا فأرسله اعتمادا عليه ثم تذكره فأسنده ثانيا أو كان ذاكرا للاسناد فأسنده ثم نسى من يروى عنه فأرسله ثانيا فلا يقدح ارساله فى اسناده ولكن انما يقبل اسناده عندهم اذا أتى بلفظ صريح مثل أن يقول حدثنى فلان أو سمعت فلانا ولا يقبل اذا أتى بلفظ موهم مثل أن يقول عن فلان ونحوه هكذا نقل عن الشافعى ﵀. وأما فى الوجه الثانى فقد ذكر أبو عمرو المعروف بابن الصلاح فى كتاب معرفة أنواع علم الحديث: ان الحديث الذى رواه بعض الثقات مرسلا وبعضهم متصلا (مثل حديث لا نكاح الا بولى رواه اسرائيل بن يونس فى أخرى عن جده أبى اسحق السبيعى عن أبى بردة عن أبيه عن أبى موسى الاشعرى عن رسول الله ﷺ هكذا متصلا ورواه سفيان الثورى وشعبة عن أبى اسحق عن أبى بردة عن النبى ﷺ مرسلا) هذا النوع من الحديث قد اختلف فيه فحكى الخطيب الحافظ أن أكثر أصحاب الحديث يرون الحكم فى هذا وأشباهه للمرسل وعن بعضهم ان الحكم للأحفظ فاذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله فالحكم لمن أرسله لا يقدح ذلك فى عدالة من وصله وأهليته، ومنهم من قال: من أسند حديثا قد أرسله الحافظ فارسالهم له يقدح فى مسنده وفى عدالته وأهليته، ومنهم من قال الحكم من أسنده اذا كان ضابطا عدلا فيقبل خبره وان خالفه غيره سواء كان المخالف له واحدا أو جماعة قال: وهذا القول هو الصحيح وهو المأخوذ فى الفقه وأصوله وبلتحق بهذا ما اذا كان الذى وصله هو الذى أرسله وهكذا اذا رفع بعضهم الحديث الى النبى ﷺ ووقفه بعضهم على للصحابى أو رفعه واحد فى وقت ووقفه هو أيضا فى وقت آخر فالحكم على الاصح لما زاده الثقة من الوصل والرفع، فوجه عدم القبول أن الراوى لما سكت عن تسمية المروى عنه كان ذلك بمنزلة الجرح فيه واسناد الآخر بمنزلة التعديل واذا استوى الجرح والتعديل يغلب الجرح لما عرف، ووجه القبول أن عدالة المسند يقتضى قبول الخبر وليس فى ارسال من أرسله ما يقتضى أن لا يقبل اسناد من يسنده لانه يجوز أن يكون من أرسله سمعه مرسلا أو نسى المروى عنه كما ذكرنا ومن أسنده سمعه مسندا فلا يقدح ارساله فى اسناد الآخر، ولان المسند مثبت والمرسل ساكت ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه لانه علم ما خفى عليه (١) أما الظاهرية
стр. 1390
فلا يقبلون المرسل على اطلاقه فقد ذكر أبو محمد بن حزم المرسل غير مقبول ولا تقوم به حجة لانه عن مجهول ومن جهلنا حاله ففرض علينا التوقف عن قبول خبره وعن قبول شهادته حتى نعلم حاله، وسواء قال الراوى العدل حدثنا الثقة أو لم يقل لا يجب أن يلتفت الى ذلك اذ قد يكون عنده ثقة من لا يعلم من جرحه ما يعلم غيره والجرح أولى من التعديل، وقد توجه عن رسول الله ﷺ رجل الى قوم ممن يجاور المدينة فأخبرهم أن رسول رسول الله ﷺ أمره أن يعرس بامرأة منهم فأرسلوا إلى النبى ﷺ من أخبره بذلك، فوجه رسول الله ﷺ اليه رسولا وأمر بقتله ان وجده حيا فوجده قد مات، فهذا كما ترى قد كذب على النبى ﷺ وهو حى، وقد كان فى عصر الصحابة رضى الله تعالى عنهم منافقون ومرتدون فلا يقبل حديث قال راوية فيه: عن رجل من الصحابة أو حدثنى من صحب رسول الله ﷺ حتى يسميه ويكون معلوما بالصحبة الفاضلة ممن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى، قال الله : ﴿(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ)﴾ (١) ثم ان لقاء التابعى لرجل من أصاغر الصحابة شرف وفخر عظيم فلأى معنى يسكت عن تسميته لو كان ممن حمدت صحبته، ولا يخلو سكوته عنه من أحد وجهين اما أنه لم يعرف من هو ولا عرف صحة دعواه الصحبة أو لانه كان من بعض من ذكرنا (٢).
أرش
التعريف اللغوى
من معانى الارش لغة الدية والخدش وطلب الأرش وما نقص العيب من الثوب - لأنه سبب الأرش - وما يدفع من المال للمعادلة بين السلامة والعيب فى السلعة ومنه ما يأخذه المشترى من البائع اذا اطلع على عيب فى المبيع وعن هذا قيل أروش الجنايات وأروش الجراحات. وارش الجراحة ديتها والجمع أروش مثل فلس وفلوس.
وأصله الفساد يقال أرشت بين القوم
стр. 1391
اذا أفسدت بينهم واستعمل الأرش فى نقصان الأعيان لجبرها به عما حدث فيها من نقصان اذ النقصان فساد فيها (١).
التعريف الشرعى
هو المال الواجب فيما دون النفس بالجناية عليه وقد يطلق على بدل النفس وهو الدية وعلى حكومة العدل كما فى القهستانى (٢) وهذا هو استعمال الإباضية (٣) ويطلقه المالكية أيضا على ما يجب فى جراح الرقيق من مال (٤).
أما الشافعية والحنابلة فانهم يستعملون الأرش فيما يجب من مال فيما دون النفس بينما يستعملون الدية فى المال يجب فى النفس وما دونها فالدية أعم عندهم (٥) وكذلك الوضع فى استعمال الزيدية والشيعة الجعفرية (٦) ونتيجة ذلك ان استعماله فى لسان الفقهاء هو استعمال لغوى اذ يدل لغة على ما يؤخذ من مال لجبر نقص حدث فى سلعة أو عين أو غيرهما وان كثر استعمالهم اياه فيما يجب من مال فيما دون النفس.
والأرش نوعان: نوع مقدر وهو ما عين الشارع مقداره كأرش اليد والرجل واستعمال اسم الأرش فيه هو الاكثر فى لسانهم - وارش غير مقدر وهو ما ترك الشارع تقديره لحكومة عدل يطلب اليه تقديرها ويقضى القاضى على وفقها.
مشروعيته: دليل وجوبه السنة فقد ورد فى ايجابه على الجانى أحاديث عديدة منها ما روى عن أبى شريح الخزاعى قال سمعت رسول الله ﷺ : من اصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح - فهو الخيار بين أحدى ثلاث: أما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو فان اراد رابعة فخذوا على يديه» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه - والعقل الدية سواء أكانت دية نفس أو دية جراحة وهو الأرش - ومنها ما رواه عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب الى أهل اليمن كتابا وكان فى كتابه ان من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فأنه قود الا أن يرضى اولياء المقتول وان فى النفس الدية مائة من الابل وان فى الأنف اذا اوعب جدعه الدية وان فى اللسان الدية وفى الشفتين الدية وفى البيضتين الدية وفى الذكر الدية وفى الصلب الدية وفى العينين الدية وفى الرجل الواحدة نصف الدية وفى المأمومة ثلث الدية وفى الجائفة ثلث الدية وفى المنقلة خمسة عشر من الأبل وفى كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من
стр. 1392
الابل وفى السن خمس من الابل وفى الموضحة خمس من الأبل وأن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل المذهب الف دينار رواه النسائى - ومنها أحاديث أخرى وردت فى أعضاء معينة وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قضى فى العين العوراء السادة بمكانها اذا طمست بثلث ديتها وفى اليد الشلاء اذا قطعت بثلث ديتها وفى السن السوداء اذا نزعت بثلث ديتها رواه النسائى وسيأتى شرح ذلك فى الكلام على أروش الجراحات (١).
واذ قد دلت السنة على وجوب المال فيما نص عليه فيها من الجراحات فقد كان ذلك أصلا قيس عليه وجوب الأرش فيما لم ينص عليه فيها من الجراحات لتحقق الوصف المشترك الجامع وهو الاعتداء على جسم الانسان بما يفقده منفعة لها وزنها فى حياته والأصل فى الاعتداء على الاطراف أنه اذا فوت منفعة على الكمال أو أزال جمالا مقصودا فى الآدمى على الكمال وجبت الدية جميعها لاتلاف النفس من وجه وهو ملحق باتلافها من كل وجه اعتبارا بقضاء رسول الله ﷺ بالدية كلها فى اللسان والأنف وبقضائه ببعضها فيما دون ذلك كالأصبع واليد والرجل والجائفة والآمة ونحوها وعلى وجوب الأرش فى الجراح انعقد الاجماع (٢).
أحوال وجوب الأرش
يجب الأرش سواء كان فى النفس وهو الدية أو فيما دونها فى الأحوال الآتية:
أولا: فيما نص الشارع على وجوب مال فيه من الجنايات والجراح على العموم وهذا ما لا خلاف فيه بين المذاهب الثمانية بل ولا بين غيرها ومن ذلك ما اعتبره الفقهاء من القتل شبه عمد أو خطأ أو جاريا مجرى الخطأ وما ألحق بذلك من حالات القتل على حسب اختلاف المذاهب راجع مصطلح «جنايات أو جروح أو دماء» ومن ذلك أيضا الاعتداء على أطراف الانسان بالقطع أو باحداث جروح فيه كالآمة والموضحة ونحوها مما سيأتى بيانه ويجب فى هذا النوع ما قدره الشارع من مال «انظر مصطلح دية ومصطلح جراح».
ثانيا: فيما ألحق بما نص الشارع على ثبوت الأرش فيه ما لم ينص عليه الشارع وليس يجب فيه القصاص وسيأتى بيان ذلك وانظر فى تفصيل أحكامه مصطلح «جراح».
ثالثا: عند سقوط القصاص بسبب
стр. 1393
من الأسباب فيما يجب فيه وفيما يلى بيان ذلك.
١ - اذا سقط القصاص بسبب عدم المماثلة بين الجانى والمجنى عليه وبين عضو المجنى عليه وما يقابله من أعضاء الجانى فيما اذا كانت الجناية على عضو من الأعضاء وذلك محل اتفاق المذاهب لأن المماثلة شرط فى وجوب القصاص فى جميع المذاهب لم يخالف فى ذلك أحد وانما اختلفوا فيما تفوت به المماثلة وذلك ما ينظر فى مصطلح قصاص (١)، واذا ما سقط القصاص وجب الأرش أو الدية تجنبا لأهدار الجناية.
أما المماثلة بين الجانى والمجنى عليه أو بيان تحققها وعدمه فى مختلف المذاهب فينظر فى مصطلح قصاص فاذا كانت غير متحققة فى مذهب من المذاهب امتنع القصاص ووجب ما أوجبه الشارع من مال وفى بيان ذلك المال فى المذاهب المختلفة ينظر فى مصطلح دية.
وأما عدم المماثلة فى الأعضاء كأن يكون أحد العضوين صحيحا والأخر معيبا وفى حكم ذلك اختلفت المذاهب.
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى أن عضو الجانى اذا كان صحيحا والعضو المجنى عليه معيبا لم يجب القصاص وسقط لعدم المماثلة بين العضوين والقصاص لا يكون الا عند المماثلة كما ينبى معناه عن ذلك واذا امتنع القصاص بينهما وجبت دية العضو المجنى عليه ولكن اذا كان عضو الجانى معيبا والعضو المجنى عليه صحيحا بان قطعت يد صحيحة بجناية ذى يد شلاء أو ناقصة الأصابع فالمجنى عليه بالخيار ان شاء رضى بقطع يد الجانى المعيبة ولا شئ له بعد ذلك لرضاه بذلك وان شاء أخذ أرش اليد كاملا وهو نصف دية النفس وذلك لأن استيفاء الحق كاملا متعذر فكان له أن يتجوز ويرضى بما هو دون حقه وله ان يعدل الى العوض كالمثلى اذا انعدم عن أيدى الناس بعد اتلافه كان الواجب فيه قيمته كاملة ثم اذا استوفى حقه بالقطع لم يكن له طلب سواه لرضاه بذلك وسقوط ما عداه كافى الرضا بالردى بدلا عن الجيد (٢) والى هذا ذهب الحنابلة ومما يندرج تحت هذا الضابط عند الحنفية سقوط القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس وبين الحر والعبد وبين العبدين ذلك لأن الأطراف يسلك بها مسلك الاموال فيقدم التماثل بينها بتفاوتها فى القيمة وذلك أمر ثابت بصنع الشارع فانه قد قوم يد الحر
стр. 1394
بخمسمائة دينار على سبيل القطع واليقين ولا تبلغ قيمة يد العبد ذلك المقدار فان بلغته كان ذلك بناء على الحرز والظن وليس الظن كاليقين واذا انعدم التماثل سقط القصاص واذا سقط القصاص وجبت الدية أو الأرش وذلك بخلاف التفاوت فى البطش والقوة اذ لا ضابط له وبخلاف التفاوت فى الأنفس لأن التلف ازهاق الروح ولا تفاوت فيه (١).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن التفاوت بين العضوين مانع من القصاص واذا امتنع القصاص وجبت الدية أو الأرش فاذا جنى ذو يد شلاء على ذى يد صحيحة فقطعها فلا قصاص من ذى اليد الشلاء وان رضى ذو اليد المقطوعة وليس للمجنى عليه الا الدية (٢) كما يرون وجوب القصاص فى الأطراف بين الرجل والمرأة عند توافر شروطه خلافا للحنفية (٣) اذ التماثل فى نظرهم ثابت من حيث أنها أجزاء من الانسان دون أن يكون للذكورة أو الأنوثة تأثير فى ذلك.
مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية الى عدم جواز قطع اليد الصحيحة بالشلاء أو قطع أى عضو صحيح بمعيب ذهبت فائدته بخلاف مالم تذهب فائدته بعيبه فيعد كالسليم واذا قطع المجنى عليه الصحيحة بالشلاء بلا اذن من الجانى لم يقع قصاصا لأن ذلك غير مستحق له فيجب عليه ديتها وله حكومة يده الشلاء المقطوعة وجوزا قطع الشلاء بالصحيحة اذا طلب ذلك المجنى عليه وليس له سوى ذلك لرضاه به وتقطع عندهم ذاهبة الأظفار بسليمتها وللمجنى عليه حكومة الأظفار دون العكس ولا تؤخذ عين صحيحة بعمياء ولا لسان ناطق بأخرس (٤) ويرون وجوب القصاص بين أطراف الرجل والمرأة لثبوت التكافؤ بينهما كما ذهب الى ذلك المالكية وهو مذهب الحنابلة (٥) أيضا خلافا للحنفية (٦).
مذهب الزيدية:
وذهب الزيدية الى أنه لا يؤخذ العضو السليم بالعضو المعيب الذى ذهبت منفعته بعيبه ولا تؤخذ ذات أظفار بما لا ظفر فيها وان رضى الجانى اذ لا يستباح ذلك ويجوز العكس ولا تؤخذ العين الصحيحة بالمعيبة واذا كانت عين الجانى معيبة لا يبصر خير المجنى عليه من أخذها بعينه السلمية وأن يترك ويرضى بالدية (٧)، واذا كانت الجناية على الأطراف فان كانت على أطراف المرأة من الرجل خيرت المجنى
стр. 1395
عليها بين القصاص من أطراف الرجل على أن تلتزم بالفرق بين دية طرف الرجل المقطوع وبين دية طرفها أو تترك وترضى بالدية وان كان من المرأة على أطراف الرجل كان له أن يقتص من أطراف المرأة وليس له سوى ذلك وفى شرح الابانة عن زيد أن أطراف الرجل والمرأة سواء وعند زيد بن على وأحمد بن عيسى لا تؤخذ أطراف الرجل بأطراف المرأة (١).
مذهب الإمامية:
ويرى الشيعة الجعفرية الا يؤخذ العضو الصحيح بالعضو المعيب الذى ذهبت فائدته ويؤخذ المعيب بالصحيح وللمجنى عليه حيث الفرق بين الديتين وفى المبسوط عندهم ليس له أخذ الفرق لرضاه بالقطع (٢).
أما القصاص من أطراف الرجل وأطراف المرأة فأنهم يرون فى ذلك أن للمرأة أن تقتص من الرجل اذا اعتدى عليها بقطع طرف من أطرافها فيما كانت ديته دون ثلث دية الرجل فاذا بلغت ديته الثلث أو زادت رجعت دية المرأة الى النصف وعندئذ يقتص لها مع رد التفاوت بين الديتين وكذلك الحكم فى الجراح (٣).
مذهب الإباضية:
ذهب الإباضية الى أن القصاص اذا ما سقط فى محل من شأنه يجب فيه وذلك بسبب من أسباب سقوطه وجب الأرش (٤) ولاشتراط المماثلة فيه لم يجب بين عضوين غير متماثلين وعلى ذلك اختلف الرأى فى جريان القصاص بين أطراف الرجل والمرأة فقيل لا يجرى وقيل يجرى فاذا اقتصت المرأة من الرجل ردت له ما زاد عضو على عضوها فى الأرش واذا اقتص منها زادت له مثل ذلك وقيل اذا اقتصت منه لا تزيده شيئا وقيل لا تقتص امرأة من رجل بخلاف العكس (٥).
(ب) عند تعذر القصاص بسبب عدم امكان المماثلة وعدم الأمر فى التنفيذ وذلك كما فى الجراح مما هو دون الموضحة ونحوها مما لا يتأتى فيه المماثلة عند القصاص وذلك محل اتفاق بين المذاهب حتى لا يكون اعتداء بغير جزاء ولا يهدر جرح يجب فى مثلها القصاص لولا تعذر المماثلة عند التنفيذ - وذلك ما ينطبق عليه ما جاء فى الهداية اذا امتنع القصاص وجبت الدية وما جاء فى شرح النيل اذا ما سقط القصاص فى محل من شأنه ان يجب فيه لسبب من الأسباب وجب الأرش (٦).
(ج) اذا تعدد الجناة على الطرف
стр. 1396
عند الحنفية اذ لا قصاص عندهم فى الأطراف عند تعدد الجناة بخلاف تعددهم فى الجناية على النفس اذ لا يسقط به القصاص فيها فاذا جنى أكثر من واحد على عضو فقطعوه وجب الأرش على الجانين بالسوية (١) خلافا للماكية حيث أوجبوا القصاص على الجميع فى الأطراف وهو مذهب الشافعية والحنابلة والزيدية والشيعة الجعفرية غير ان الزيدية منهم من ذهب الى أن الواجب على كل واحد من الجناة دية كاملة فى الطرف بخلاف النفس ويرى المؤيد بالله منهم أن الواجب دية واحدة عليهم وهو رأى الجمهور.
مذهب الحنفية:
(د) عند فوات عضو الجانى يجوز على ما ذهب اليه الحنفية بأن قطع الجانى يد غيره فتقطع بها أو سرق مال انسان فقطعت يده ففى هذه الحال يسقط القصاص لفوات محله ولكن يجب أرش العضو المجنى عليه - ولكن اذا فات العضو بآفة سماوية أو قطع بغير حق سقط القصاص ولم يجب أرش العضو المجنى عليه اذا كان ذلك قبل اختيار المجنى عليه ذلك لأن حقه متعين فى القصاص وانما انتقل الى المال وهو الأرش باختياره اياه بدلا عن أصل حقه وهو القصاص المتعلق باليد فاذا لم يختر حتى فات العضو فقد بطل حقه لفوات محله واذا بطل بطل أصلا ورأسا فلم يكن له الانتقال الى بدله بعد سقوطه اما اذا فات بحق فان الأرش حينئذ يجب لانه قد قضى بالطرف حقا مستحقا عليه فصار كأنه قائم وانما تعذر استيفاء القصاص لعذر فيجب بدله وهو الأرش وكذلك الحكم اذا فات العضو بعد اختيار الأرش لتعين حقه فيه باختياره فلا يسقط بفوات العضو وكفوات العضو بغير حق حدوث عيب به بعد الجناية كما اذا كانت يد الجانى صحيحة عند جنايته على يد غيره ثم شلت بعدها ففى هذه الحال أيضا لا يكون للمجنى عليه حق فى الأرش لأن حقه قد يثبت عينا فى القطع فلا ينتقل الى البدل بالنقصان كما اذا ذهب الكل بآفة سماوية (٢) ذهب الى ذلك الحنفية.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أن فوات العضو بأى سبب يسقط حق المجنى عليه فى الأرش لأن الواجب الاصلى عندهم هو القصاص وأنه يسقط بفوات محله وسقوطه يستوجب سقوط بدله فلا شئ للمجنى عيه.
مذهب الشافعية:
وذهب الشافعية الى أن حق المجنى عليه فى
стр. 1397
الأرش لا يسقط بفوات العضو بأى سبب لأن حقه فى القصاص والمال بدل عنه فاذا فات أحدهما بفوات محله تعين الآخر وهو البدل وفى قول له الواجب أحدهما لا على التعيين.
مذهب الحنابلة:
وذهب الحنابلة الى ما ذهب اليه الشافعية من عدم سقوط الأرش بسبب تعذر استيفاء القصاص من عضو الجانى بقطع أو شلل.
مذهب الشيعة الجعفرية:
وذهب الشيعة الجعفرية الى أن الدية تجب بفوات محل القصاص (١).
(هـ) فى كل عمد سقط فيه القصاص بشبهة وهذا محل اتفاق بين المذاهب الثمانية كما فى جناية الأصل على فرعه وكما فى عمد عديم الاهلية وناقصها فأما جناية الاصل على فرعه فلا قود فيها عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والشيعة الجعفرية والزيدية والإباضية والى هذا ذهب مالك الا أن يضجعه فيذبحه أو يقتله قتلا لا يشك فيه أنه قد عمد الى قتله وقد قال ابن عرفة فى القاتل عمدا اذا شاركه فى القتل صبى أو أب مجنون أو من لا يقتص منه ستة أقوال (٢).
واما عمد عدم الاهلية أو ناقصها فحكمه حكم الخطأ فى جميع المذاهب (٣).
(و) اذا ما اختار المجنى عليه الأرش بدلا عن القصاص باتفاق المذاهب لأن الجناية على الاطراف يجرى مجرى الجناية على الاموال وقد أمر الشارع بالعفو وندب اليه وجعل المال عوضا عن القود اذا ما رغب فيه المجنى عليه فكان له حق اختياره.
والأرش كما ذكرنا قد يطلق على دية النفس عند ازهاقها فى استعمال بعض الفقهاء كما بينا وتفصيل القول فيه على هذا المعنى يرجع فيه الى مصطلح دية - اما الارش بمعنى ما يجب من المال فيما دون النفس ففيما يلى بيان أحواله وأنواعه وأحكامه. وقد يكون مقدرا بدية كاملة وقد يكون مقدرا بما هو دونها.
أرش الجروح
أنواعه:
أرش الجروح نوعان: نوع مقدر وهو ما جاء عن الشارع بيان مقداره كأرش قطع اليد وقطع الرجل ونحو ذلك مما يأتى بيانه فى ذكر أروش بعض الاعضاء عند الاعتداء عليها - ونوع
стр. 1398
غير مقدر من الشارع وهو ما ترك الشارع تقديره الى حكومة عدل يقضى بها ولم يرد فيه عن الشارع تقدير محدد - راجع مصطلح حكومة عدل -.
والقاعدة العامة فى أروش الاعضاء والجراح أن ما جاء فيه عن رسول الله ﷺ ان فيه الدية فالواجب فيه دية النفس كاملة وما جاء فيه عنه ﷺ ان الواجب فيه سهم معين من الدية كنصف وربع كان الواجب فيه ذلك منسوبا الى دية النفس كاملة - وما لم يجئ فيه عنه ﷺ نص فى تقدير ما يجب بالاعتداء عليه فالأصل المستنبط من الآثار المروية عنه ﷺ أن الفائت اذا فات به جنس منفعة على الكمال أو زال به جمال مقصود كان الواجب فيه الدية كاملة غير أنه اذا كان متعددا فى الجسم كان الواجب فى فوات الواحد نصف الدية ان كان منه فى الجسم اثنان فقط كاليدين والرجلين، وثلث الدية ان كان ثلاثة كالمنخرين وحاجزهما فى الأنف، وربع الدية اذا كان أربعة كأشفار العينين وهكذا يجب فى تلف الواحد أو الاثنين أو الأكثر بحسابه بمراعاة عدده فى الجسم، ففى الأصبع من اليد أو من الرجل عشر الدية وهكذا.
فاذا كان الفائت الجميع كان الواجب الدية وما عدا ذلك مما لم ينص عليه ففيه حكومة عدل وهذا الأصل محل اتفاق بين المذاهب الثمانية - وجملة القول أن الدية الكاملة قد تجب بتفويت العضو وقد تجب بتفويت معنى فى النفس تفوت به النفس حكما فى حق جنس المنفعة كالعقل والسمع وقد يجب أرش مقدر وقد تجب حكومة العدل وذلك ما سيأتى بيانه.
أروش الجراح
الجراح قد تكون فى الحر وقد تكون فى الحرة وقد تكون فى العبد وقد تكون فى الأمة وقد تكون فى الذمى وقد تكون فى المستأمن أو الحربى، ومن الجراح ما يسمى شجاجا وذلك ما كان منها فى الرأس والوجه ومنها مالا يطلق عليه ذلك الاسم وهو ما كان فى غيرهما.
أروش شجاج الحر وجراحه
مذهب الحنفية:
يرى فقهاء الحنفية أن الشجاج احدى عشرة شجه - الخادشة وهى التى تخدش الجلد وتسمى أيضا الخارصة وهى التى تخرص الجلد أى تخدشه وتفضى الى اللحم ولا تخرج الدم وبعدها الدامعة وهى التى يخرج منها ما يشبه الدمع وبعدها الدامية
стр. 1399
وهى التى يخرج منها الدم وبعدها الباضعة وهى التى تبضع اللحم وبعدها المتلاحمة وهى التى تذهب فى اللحم أكثر مما تذهب الباضعة - هكذا روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، وقال محمد: المتلاحمة قبل الباضعة وهى التى يتلاحم فيها الدم ويسود وبعدها السمحاق وهى التى تصل الى جلدة رقيقة فوق العظم تسمى السمحاق وتسمى ملطأة كما فى القاموس ثم الموضحة وهى التى توضح العظم - ويجب فيها خمس من الابل ثم الهاشمة وهى التى تهشم العظم - ويجب فيها عشر من الابل ثم المنقلة وهى التى تنقل العظم بعد الكسر من موضحة ويجب فيها خمس عشر من الابل ثم الآمة وهى التى تصل الى أم الدماغ وهى جلدة تحت العظم ويجب فيها ثلث الدية، ثم الدامغة وهى التى تخرق الجلدة وتصل الى الدماغ وفيها الدية اذا أدت الى الموت فهذه احدى عشرة شجه ولم يذكر محمد الخادشة ولا الدامغة لأنه لا يتصل بها الحكم غالبا اذ أن الخادشة لا يبقى لها أثر ولا حكم للشجة التى لا يبقى لها أثر والدامغة لا يعيش معها الانسان فيكون الحكم فيها حكم القتل اذ أدت اليه أما بقية الشجاج فيجب حكومة عدل وذلك فيما قبل الموضحة وهى ست وانظر مصطلحات هذه الاسماء وما يجب فيها فى شجاج.
اما ما عدا الشجاج من الجراح ففى العضو الذى لا نظير له فى البدن يفوت به جمال كامل أو منفعة بها قوام النفس الدية كاملة وذلك كاللسان كله والأنف كله وكذلك تجب بقطع الحشفة والمارن وبعض اللسان اذا منعه ذلك من الكلام وكذلك بما يزول به شعر رأس الرجل والمرأة ولحية الرجل بحيث لا ينبت وانظر مصطلح دية. وجراح - وتجب الدية باذهاب العقل أو البصر أو السمع أو الشم أو الذوق أو الكلام أو الجماع ولو مع بقاء الآلة التى تقوم بها هذه المعانى والمنافع صورة.
والجراح فى سائر البدن غير ما تقدم ليس فى شئ منها أرش مقدر معلوم سوى الجائفة وهى الجراحة النافذة الى الجوف وتكون فى كل موضع يتحقق فيه ذلك كالصدر والظهر والبطن والجنبان دون الرقبة والحلق واليدين والرجلين وفيها ثلث الدية. وانظر مصطلح جائفة - وتجب حكومة العدل فيما لم يرد فيه نص بوجوب مقدار
стр. 1400
معين من المال فيه ككسر الضلع وقصبة الأنف وانظر جراح.
ذلك ما يتعلق بجراح الحر وما يجب فيها من الأرش.
أرش جراح الحرة
مذهب الحنفية:
أما جراح الحرة ومقدار الأرش الواجب فيها فان ما يجب فيه دية كاملة فى الحر يجب فيه نصف الدية اذا كان فى الحرة فدية الحرة على النصف من دية الحر باجماع الصحابة وجاء فى الدر المختار اذا اعتدى على الحرة كانت الدية الواجبة فيما دون النفس منها على النصف من ديته بالنظر الى الرجل روى ذلك عن على موقوفا ومرفوعا ففى قتل الحرة خطأ خمسة آلاف درهم وفى قطع يدها ألفان وخمسمائة وهذا مطرد فيما له دية مقدرة شرعا أما ما فيه حكومة فقيل حكمه كالحكم فى المقدرة فيكون أرشه على النصف مما يقدر له اذا كان فى الحر وقيل يسوى بينهما كما فى الظهرية وجاء فى التتارخانية أن ما ليس له بدل مقدر شرعا يستوى فيه الرجل والمرأة عند أصحابنا - ووجه القول الاول ان بدل النفس يقتص بالاجماع وهو الدية فكذلك الحكم فى بدل ما دون النفس لأن المنصف هو الأنوثة وهى متحققة فى الحالين ولا فرق فى هذا الحكم بين ما كان دون ثلث الدية وما زاد على ذلك فالتنصيف ثابت فى جميع الاحوال عند الحنفية (١) والى هذا ذهب الشافعية والزيدية والشيعة الجعفرية (٢).
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أن أرش الحرة يتساوى مع أرش الحر فيما دون ثلث ديته اذا كان ذلك هو الواجب فى الجناية شرعا بالنظر الى الحر فاذا كان الواجب فيها بالنظر الى ثلث ديته فأكثر كان الواجب فى الحرة نصف ذلك فاذا قطع للحرة ثلاثة أصابع كان الواجب فى ذلك ثلاثون من الأبل اذ ان ذلك دون ثلث الدية فيستوى الواجب بالنظر اليها مع الواجب بالنظر الى الحر - ولكن اذا قطع لها أربع أصابع كان الواجب عشرون فقط وهو نصف ما يجب فى قطع أربع أصابع للحر اذ كان الواجب أكثر من ثلث دية الرجل فينصف فى المرأة وذلك لما روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: عقل المرأة (أى ديتها) مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته رواه النسائى والدارقطنى.
ذلك هو الحكم فى جراحها وشجاجها ولذا تستوى مع الرجل فى منقلتها وهاشمتها وموضحتها وآمتها اذ الواجب
стр. 1401
فى كل منها دون ثلث الدية وتكون ديتها فى الجائفة على النصف من دية الحر اذ الواجب فى كل منها أكثر من الثلث وهذا هو رأى أهل المدينة وقد روى أن ربيعة بن عبد الرحمن سأل سعيد ابن المسيب عن رجل قطع أصبع امرأة فقال سعيد فيها عشر من الابل قال فان قطع قطع ثلاثا؟ قال فيها ثلاثون من الأبل فان قطع أربعا قال فيها عشرون قال ربيعة أئذا كثرت جروحها وعظمت مصيبتها يقل أرشها فقال سعيد أعراقى أنت قال ربيعة بل جاهل متعلم أو عالم متبين قال سعيد هكذا السنة يا ابن أخى يعنى سنة زيد بن ثابت ومن هذا يتبين ان الرواية عن رسول الله ﷺ لم تصح فى ذلك اذ لو صحت ما اشتبهت على سعيد ولأحال الحكم على سنة رسول الله ﷺ لا على سنة زيد (١).
والى هذا الرأى الذى ذهب اليه المالكية ذهب الحنابلة وأهل الظاهر (٢).
ويرى المالكية ان ما ينشأ عن الفعل الواحد كضربة واحدة أو ما هو فى معناه كضربات فى وقت واحد متتابعة دون فصل بينها يعد جناية واحدة يجب ارشها ولا يفرق ما ينشأ عنها من الأثر فاذا ضرب شخص امرأة ضربة واحدة أو ضربات فى فور واحد فقطع لها أربع أصابع من يد أو يدين أو يد ورجل وجبت دية أربع أصابع عشرون من الأبل دون تفريق بسبب اختلاف الموضع مثلا فلا يجب لكل أصبع دية مستقلة وكذلك الحكم عند اتحاد المحل وان تراخت الضربات لا فرق بين شجاج وجراح فاذا قطع رجل لامرأة ثلاث أصابع من يد كان عليه ثلاثون من الأبل ثم اذا قطع لها ثلاثا من يد أخرى كان عليه ثلاثون أخرى لاختلاف المحل مع التراخى فى الفعلين ثم اذا ضربها بعد ذلك فقطع لها أصبعا أو أصبعين من أية يد كان لها فى كل أصبع خمس من الأبل فقط لا عشر لاتحاد المحل مع مراعاة ما سبق قطعه من تلك اليد وذلك دون رد لبعض ما اخذت فيما قطع لها من قبل ولو قطع لها اصبعين من يد ثم بعد تراخ قطع لها اصبعين من تلك اليد كان لها فى الجناية الاولى عشرون من الأبل لكل اصبع عشر وفى الأخرى عشر من الابل لاتحاد المحل مع مراعاة ما سبق قطعه ولو كانت الجناية الثانية على اليد الأخرى كان لها فيها عشرون لعدم اتحاد المحل وللتراخى بين الفعلين ولا ضم فى الشجاج عند التراخى فى الفعل فاذا أوضحها موضحتين فأخذت عقلها ثم أوضحها موضحات أخرى فلها عقلها
стр. 1402
كالرجل ما لم يبلغ ذلك فى المرة الواحدة ثلث الدية. فان بلغ رد الى النصف - وجملة القول عندهم ان الفعل المتحد أو ما فى حكمه يضم أثره سواء اتحد المحل أو تعدد، أما المتراخى فلا يضم أثره ان تعدد المحل أما ان اتحد فانه يضم أثره فى الأصابع دون غيرها من الأسنان والموضحات وبقية الجراحات (١).
مذهب الإباضية:
وذهب الإباضية الى أن دية المرأة على النصف من دية الرجل الا حلمة الثديين فان الواجب فيهما ضعف الرجل وقيل ديتها كالرجل فى الثلث وما دونها ونصف دية الرجل فيما زاد (٢).
أروش جراح الرقيق والأمة:
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن الحر يقتل بالعبد والعبد بالحر كما هو الحكم بين الأحرار نظرا الى أن القصاص يعتمد المساواة فى العصمة وهى بالدين والدار والحر والعبد فى ذلك سواء وبناء على ذلك اذا ما قتل حر عبدا فسقط القصاص لشبهة أو سبب وجبت الدية فى مال القاتل كما تجب فى ماله اذا سقط القصاص بعفو عنه لأن الاعتداء فى هذه الحال اعتداء فماثل الاعتداء على الحر ولكن اذا كان اعتداء على الاطراف اعتبر اعتداء على مال لأن الاطراف يسلك بها مسلك الاموال فلم يكن فيما يستوجبه كالاعتداء على اطراف الحر من كل وجه كما سيأتى بيانه ولذا لم يجب فيه قصاص وان كان عن عمد يجب فى مثله القصاص اذا كان على طرف الحر وانما يجب فيه ما يقوم به ذلك الطرف كما سيأتى.
ويجب فى الاعتداء على نفس العبد بازهاقها بما لا يوجب قصاصا قيمته لا الدية اذا لم تصل الى دية الحر فاذا بلغت دية الحر أو زادت عليها قضى بما لا يصل الى الدية فيقضى بعشرة آلاف درهم وهى دية الحر الا عشرة دراهم اذا كان المجنى عليه عبدا فان كان أمة قضى نصف ذلك فى مثل هذه الحال الا خمسة دراهم وهذا عند ابى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال ابو يوسف تجب القيمة بالغة ما بلغت كما لو غصب عبدا قيمته عشرون ألف درهم فهلك فى يده فان قيمته تجب بالغة ما بلغت اجماعا - وذلك ان الضمان بدل المالية وبدل المالية بالقيمة فوجب أن يكون بالقيمة اما أنه بدل عن المالية فلأنه يجب للولى وهو لا يملك العبد الا من حيث ماليته فكان الضمان له بدلا عن ماليته ووجب فيه رعايتها ومماثلة لها كثرة وقلة اذ لا تماثل فى الواقع بين النفس والمال فيجب قيمته لذلك بالغة ما بلغت.
стр. 1403
واذا كان الاعتداء على الاطراف مثل ما قدر فى الاعتداء على أطراف الحر بالنسبة الى ديته فينسب ما يجب فى الرقيق الى قيمته ففى يد العبد نصف قيمته لا يزاد على خمسة آلاف درهم الا خمسة ذلك لأن القيمة فى العبد كالدية فى الحر (١).
قال صاحب النهاية فى نهايته هذا الذى ذكر خلاف ظاهر الرواية لأنه ذكر فى المبسوط. فأما طرف المملوك فقد بينا أن المعتبر فيه المالية لأنه لا يضمن بالقصاص ولا بالكفارة فلهذا كان الواجب فيه القيمة بالغة ما بلغت الا أن محمدا ﵀ قال فى بعض للروايات القول بهذا يؤدى الى أنه يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله الى أن قال فلهذا لا يزاد على نصف بدل النفس فيكون الواجب خمسة آلاف درهم الا خمسة.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أن الحر لا يقتل بالرقيق وانما تجب فى الجناية على العبد قيمته فاذا قتله حر وجبت عليه قيمته بالغة ما بلغت وإن زادت على دية الحر ذلك لأنه مال اتلف فوجب فيه ضمانه كسائر الأموال سواء أكان القتل عمدا أم خطأ الا اذا كان القاتل مكافئا له أو حرا كتابيا قتل عبدا مسلما عمدا فيقتل به والقيمة عندهم فى العبد كالدية للحر فيما فيه تقدير من الشارع من الجروح والشجاج فيؤخذ من قيمته بقدر ما يؤخذ من دية الحر ففى موضحته نصف عشر قيمته وفى جائفته أو أمته ثلث قيمته وهكذا واذا لم يكن من الشارع تقدير كان الواجب الحكومة باجتهاد الحاكم بأن يقوم العبد سليما ومعيبا ويؤخذ الفرق بين القيمتين (٢).
مذهب الشافعية:
وذهب الشافعية أيضا الى أنه لا يقتل حر برقيق وانما يجب بالجناية عليه القيمة فيجب فى الجناية على نفسه بازهاقها قيمته بالغة ما بلغت مثل غيره من الأموال المتلفة وفيما دون النفس من الأطراف والمعانى ما نقص من قيمته سليما ان لم يقدر الشارع لمثل الجناية عليه فيما دون النفس جزاء ماليا فان كان له تقدير فيه كالموضحة كان الواجب من قيمته بنسبة ما يجب فى الحر من مال منسوب الى ديته ففى يده نصف قيمته وفى موضحته نصف عشرها وفى قول يجب النقص بين حال السلامة وحال العيب فى جميع الأحوال بأسوة بالحكم فى الأموال (٣).
مذهب الحنابلة:
وذهب الحنابلة الى ما ذهب اليه الشافعية من الأحكام السابقة (٤).
стр. 1404
مذهب الظاهرية:
وذهب أهل الظاهر كما جاء فى المحلى (١) لابن حزم الظاهرى: من قتل مؤمنا عمدا فى دار الاسلام وهو يدرى أنه مسلم فولى المقتول مخير ان شاء قتل وان شاء عفا وله الدية ان لم يسقطها صراحة لا يزاد عليها صلحا الا برضا القاتل والآية باطلاقها تعم العبد المقتول.
مذهب الزيدية:
وذهب الزيدية الى أنه اذا قتل الحر عبدا عمدا أو خطأ لم يجب فى ذلك قصاص ولا دية وانما تجب قيمته ما لم تتجاوز دية الحر فان زادت كان الواجب فيها مقدار الدية وهذا اذا لم تكن زيادتها لحرفة فيه أو صناعة يعرفها فان كانت لذلك وجبت تلك الزيادة بلا خلاف وعدم وجوب هذه الزيادة هو ما نص عليه الهادى فى المنتخب وجاء فى الأحكام أن القيمة تجب بالغة ما بلغت وهو قول الناصر واتفقوا على ان الجنايات فى العبد اذا تكررت حتى زاد مجموعها على دية الحر وجبت جميعها وكذلك تجب القيمة أرشا فى اطرافه مع مراعاة النسبة الواجبة فى أرش عضو الحر بالنظر الى ديته فى موضحته نصف عشر قيمته وفى يده نصف قيمته هكذا ويستوى فى ذلك الذكر والأنثى ويلاحظ فى ذلك عدم تجاوزها دية الحر التى تماثلها ففى يد العبد أو عينه نصف قيمته اذا كانت قيمته مساوية دية الحر فأقل والالم تزد على دية الحر (٢).
مذهب الشيعة الإمامية:
وذهب الشيعة الإمامية الى أن الحر لا يقتل بالعبد ولا بالأمة ويجب على القاتل القيمة ولا يتجاوز بقيمة العبد دية الحر ولا بقيمة الأمة دية الحرة فان تجاوزت ردت الى الدية فى العبد والأمة - وقيمة العبد مقسومة على أعضائه كما أن دية الحر مقسومة على أعضائه والحر أصل للعبد فيما فيه جزاء مالى مقدر واذا كان ما اعتدى عليه بالاتلاف فى اليد واحدا ففيه كمال قيمته كما ان عضو الحر الواحد فيه دية كاملة وما فيه اثنان ففى أحدهما نصف قيمته كالعينين واليدين وهكذا وكل مالا تقدير فيه للشارع فالعبد فيه أصل للحر فان الارش انما يتقدر بأن يفرض الحر عبدا سليما من الجناية وتعرف قيمته حينئذ ثم يفرض معيبا بها وتتعرف قيمته حينئذ ثم يؤخذ من الدية بنسبة تفاوت القيمتين كما يؤخذ العبد بالفرق بين القيمتين (٣).
مذهب الإباضية:
وذهب الإباضية الى أن الحر لا يقتل بالعبد لأنه مال وانما يجب بالجناية عليه قيمته ولا تجب على العاقلة وكذلك تجب القيمة فى الجناية على الاطراف مراعا فيها قيمة صاحبها (٤).
стр. 1405
أرش جراح الذمى
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى أن المسلم يقتل بالذمى كما يقتل الذمى بالمسلم ويجب القصاص بينهما كذلك فى الأطراف ويتساويان فى الأروش والديات لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلم قال: «دية كل ذى عهد فى عهده ألف دينار» وكان على ذلك قضاء أبى بكر وعمر فالمسلم والذمى سواء فى دية النفس وفى أروش الشجاج والجروح (١) والمستأمن كالذمى فى الدية والارش دون القصاص.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أن دية الكتابى الذمى والكتابى المعاهد نصف دية المسلم والمجوسى المعاهد والمرتد ثلث خمس دية المسلم وأنثى كل من هؤلاء على النصف من ديته وقيل لا دية للمرتد وانما على قاتله الادب وهذا قول سحنون والاول قول ابن القاسم (٢) وكذلك الحكم فى الأطراف.
مذهب الشافعية:
وذهب الشافعية الى أن دية النصرانى واليهودى اذا كان لهما أمان ثلث دية المسلم نفسا وأطرافا لقضاء عمر وعثمان بذلك ولم ينكر عليهما ذلك مع انتشاره فكان اجماعا اما من لا أمان له فمهدر (٣).
مذهب الحنابلة:
وذهب الحنابلة الى أن دية الكتابى الحر على النصف من دية المسلم لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا قال: دية الكتابى الحر نصف دية المسلم رواه أبو داود وحسنه وهذا اذا كان ذميا أو معاهدا أو مستأمنا لاشتراكهم فى حقن الدنم وأروش جراحاتهم من دياتهم كجراحات المسلمين من دياتهم وأما الحربى فدمه هدر (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم فى تكملة المحلى وان قتل مسلم عاقل بالغ ذميا أو مستأمنا عمدا أو خطأ فلا قود عليه ولا دية ولا كفارة ولكن يؤدب فى العمد خاصة ويسجن حتى يتوب كفا لضرره وبرهان ذلك قوله تعالى: «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا» فكان ذلك فى المؤمن بيقين - والضمير فى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾. راجع الى المؤمن ضرورة لا يمكن غير هذا ولا ذكر للذمى أصلا ولا لمستأمن فصح أن ايجاب الدية على مسلم فى ذلك لا يجوز البتة وكذلك ايجاب القود عليه ولا فرق (٥) وقال بعد ذلك ولو أن مسلما جرح ذميا عمدا ظالما فأسلم الذمى ثم مات من ذلك الجرح فالقود فى ذلك بالسيف خاصة ولا قود فى الجرح لأن