فى كل منها دون ثلث الدية وتكون ديتها فى الجائفة على النصف من دية الحر اذ الواجب فى كل منها أكثر من الثلث وهذا هو رأى أهل المدينة وقد روى أن ربيعة بن عبد الرحمن سأل سعيد ابن المسيب عن رجل قطع أصبع امرأة فقال سعيد فيها عشر من الابل قال فان قطع قطع ثلاثا؟ قال فيها ثلاثون من الأبل فان قطع أربعا قال فيها عشرون قال ربيعة أئذا كثرت جروحها وعظمت مصيبتها يقل أرشها فقال سعيد أعراقى أنت قال ربيعة بل جاهل متعلم أو عالم متبين قال سعيد هكذا السنة يا ابن أخى يعنى سنة زيد بن ثابت ومن هذا يتبين ان الرواية عن رسول الله ﷺ لم تصح فى ذلك اذ لو صحت ما اشتبهت على سعيد ولأحال الحكم على سنة رسول الله ﷺ لا على سنة زيد (١).
والى هذا الرأى الذى ذهب اليه المالكية ذهب الحنابلة وأهل الظاهر (٢).
ويرى المالكية ان ما ينشأ عن الفعل الواحد كضربة واحدة أو ما هو فى معناه كضربات فى وقت واحد متتابعة دون فصل بينها يعد جناية واحدة يجب ارشها ولا يفرق ما ينشأ عنها من الأثر فاذا ضرب شخص امرأة ضربة واحدة أو ضربات فى فور واحد فقطع لها أربع أصابع من يد أو يدين أو يد ورجل وجبت دية أربع أصابع عشرون من الأبل دون تفريق بسبب اختلاف الموضع مثلا فلا يجب لكل أصبع دية مستقلة وكذلك الحكم عند اتحاد المحل وان تراخت الضربات لا فرق بين شجاج وجراح فاذا قطع رجل لامرأة ثلاث أصابع من يد كان عليه ثلاثون من الأبل ثم اذا قطع لها ثلاثا من يد أخرى كان عليه ثلاثون أخرى لاختلاف المحل مع التراخى فى الفعلين ثم اذا ضربها بعد ذلك فقطع لها أصبعا أو أصبعين من أية يد كان لها فى كل أصبع خمس من الأبل فقط لا عشر لاتحاد المحل مع مراعاة ما سبق قطعه من تلك اليد وذلك دون رد لبعض ما اخذت فيما قطع لها من قبل ولو قطع لها اصبعين من يد ثم بعد تراخ قطع لها اصبعين من تلك اليد كان لها فى الجناية الاولى عشرون من الأبل لكل اصبع عشر وفى الأخرى عشر من الابل لاتحاد المحل مع مراعاة ما سبق قطعه ولو كانت الجناية الثانية على اليد الأخرى كان لها فيها عشرون لعدم اتحاد المحل وللتراخى بين الفعلين ولا ضم فى الشجاج عند التراخى فى الفعل فاذا أوضحها موضحتين فأخذت عقلها ثم أوضحها موضحات أخرى فلها عقلها
стр. 1402
كالرجل ما لم يبلغ ذلك فى المرة الواحدة ثلث الدية. فان بلغ رد الى النصف - وجملة القول عندهم ان الفعل المتحد أو ما فى حكمه يضم أثره سواء اتحد المحل أو تعدد، أما المتراخى فلا يضم أثره ان تعدد المحل أما ان اتحد فانه يضم أثره فى الأصابع دون غيرها من الأسنان والموضحات وبقية الجراحات (١).
مذهب الإباضية:
وذهب الإباضية الى أن دية المرأة على النصف من دية الرجل الا حلمة الثديين فان الواجب فيهما ضعف الرجل وقيل ديتها كالرجل فى الثلث وما دونها ونصف دية الرجل فيما زاد (٢).
أروش جراح الرقيق والأمة:
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن الحر يقتل بالعبد والعبد بالحر كما هو الحكم بين الأحرار نظرا الى أن القصاص يعتمد المساواة فى العصمة وهى بالدين والدار والحر والعبد فى ذلك سواء وبناء على ذلك اذا ما قتل حر عبدا فسقط القصاص لشبهة أو سبب وجبت الدية فى مال القاتل كما تجب فى ماله اذا سقط القصاص بعفو عنه لأن الاعتداء فى هذه الحال اعتداء فماثل الاعتداء على الحر ولكن اذا كان اعتداء على الاطراف اعتبر اعتداء على مال لأن الاطراف يسلك بها مسلك الاموال فلم يكن فيما يستوجبه كالاعتداء على اطراف الحر من كل وجه كما سيأتى بيانه ولذا لم يجب فيه قصاص وان كان عن عمد يجب فى مثله القصاص اذا كان على طرف الحر وانما يجب فيه ما يقوم به ذلك الطرف كما سيأتى.
ويجب فى الاعتداء على نفس العبد بازهاقها بما لا يوجب قصاصا قيمته لا الدية اذا لم تصل الى دية الحر فاذا بلغت دية الحر أو زادت عليها قضى بما لا يصل الى الدية فيقضى بعشرة آلاف درهم وهى دية الحر الا عشرة دراهم اذا كان المجنى عليه عبدا فان كان أمة قضى نصف ذلك فى مثل هذه الحال الا خمسة دراهم وهذا عند ابى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال ابو يوسف تجب القيمة بالغة ما بلغت كما لو غصب عبدا قيمته عشرون ألف درهم فهلك فى يده فان قيمته تجب بالغة ما بلغت اجماعا - وذلك ان الضمان بدل المالية وبدل المالية بالقيمة فوجب أن يكون بالقيمة اما أنه بدل عن المالية فلأنه يجب للولى وهو لا يملك العبد الا من حيث ماليته فكان الضمان له بدلا عن ماليته ووجب فيه رعايتها ومماثلة لها كثرة وقلة اذ لا تماثل فى الواقع بين النفس والمال فيجب قيمته لذلك بالغة ما بلغت.
стр. 1403
واذا كان الاعتداء على الاطراف مثل ما قدر فى الاعتداء على أطراف الحر بالنسبة الى ديته فينسب ما يجب فى الرقيق الى قيمته ففى يد العبد نصف قيمته لا يزاد على خمسة آلاف درهم الا خمسة ذلك لأن القيمة فى العبد كالدية فى الحر (١).
قال صاحب النهاية فى نهايته هذا الذى ذكر خلاف ظاهر الرواية لأنه ذكر فى المبسوط. فأما طرف المملوك فقد بينا أن المعتبر فيه المالية لأنه لا يضمن بالقصاص ولا بالكفارة فلهذا كان الواجب فيه القيمة بالغة ما بلغت الا أن محمدا ﵀ قال فى بعض للروايات القول بهذا يؤدى الى أنه يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله الى أن قال فلهذا لا يزاد على نصف بدل النفس فيكون الواجب خمسة آلاف درهم الا خمسة.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أن الحر لا يقتل بالرقيق وانما تجب فى الجناية على العبد قيمته فاذا قتله حر وجبت عليه قيمته بالغة ما بلغت وإن زادت على دية الحر ذلك لأنه مال اتلف فوجب فيه ضمانه كسائر الأموال سواء أكان القتل عمدا أم خطأ الا اذا كان القاتل مكافئا له أو حرا كتابيا قتل عبدا مسلما عمدا فيقتل به والقيمة عندهم فى العبد كالدية للحر فيما فيه تقدير من الشارع من الجروح والشجاج فيؤخذ من قيمته بقدر ما يؤخذ من دية الحر ففى موضحته نصف عشر قيمته وفى جائفته أو أمته ثلث قيمته وهكذا واذا لم يكن من الشارع تقدير كان الواجب الحكومة باجتهاد الحاكم بأن يقوم العبد سليما ومعيبا ويؤخذ الفرق بين القيمتين (٢).
مذهب الشافعية:
وذهب الشافعية أيضا الى أنه لا يقتل حر برقيق وانما يجب بالجناية عليه القيمة فيجب فى الجناية على نفسه بازهاقها قيمته بالغة ما بلغت مثل غيره من الأموال المتلفة وفيما دون النفس من الأطراف والمعانى ما نقص من قيمته سليما ان لم يقدر الشارع لمثل الجناية عليه فيما دون النفس جزاء ماليا فان كان له تقدير فيه كالموضحة كان الواجب من قيمته بنسبة ما يجب فى الحر من مال منسوب الى ديته ففى يده نصف قيمته وفى موضحته نصف عشرها وفى قول يجب النقص بين حال السلامة وحال العيب فى جميع الأحوال بأسوة بالحكم فى الأموال (٣).
مذهب الحنابلة:
وذهب الحنابلة الى ما ذهب اليه الشافعية من الأحكام السابقة (٤).
стр. 1404
مذهب الظاهرية:
وذهب أهل الظاهر كما جاء فى المحلى (١) لابن حزم الظاهرى: من قتل مؤمنا عمدا فى دار الاسلام وهو يدرى أنه مسلم فولى المقتول مخير ان شاء قتل وان شاء عفا وله الدية ان لم يسقطها صراحة لا يزاد عليها صلحا الا برضا القاتل والآية باطلاقها تعم العبد المقتول.
مذهب الزيدية:
وذهب الزيدية الى أنه اذا قتل الحر عبدا عمدا أو خطأ لم يجب فى ذلك قصاص ولا دية وانما تجب قيمته ما لم تتجاوز دية الحر فان زادت كان الواجب فيها مقدار الدية وهذا اذا لم تكن زيادتها لحرفة فيه أو صناعة يعرفها فان كانت لذلك وجبت تلك الزيادة بلا خلاف وعدم وجوب هذه الزيادة هو ما نص عليه الهادى فى المنتخب وجاء فى الأحكام أن القيمة تجب بالغة ما بلغت وهو قول الناصر واتفقوا على ان الجنايات فى العبد اذا تكررت حتى زاد مجموعها على دية الحر وجبت جميعها وكذلك تجب القيمة أرشا فى اطرافه مع مراعاة النسبة الواجبة فى أرش عضو الحر بالنظر الى ديته فى موضحته نصف عشر قيمته وفى يده نصف قيمته هكذا ويستوى فى ذلك الذكر والأنثى ويلاحظ فى ذلك عدم تجاوزها دية الحر التى تماثلها ففى يد العبد أو عينه نصف قيمته اذا كانت قيمته مساوية دية الحر فأقل والالم تزد على دية الحر (٢).
مذهب الشيعة الإمامية:
وذهب الشيعة الإمامية الى أن الحر لا يقتل بالعبد ولا بالأمة ويجب على القاتل القيمة ولا يتجاوز بقيمة العبد دية الحر ولا بقيمة الأمة دية الحرة فان تجاوزت ردت الى الدية فى العبد والأمة - وقيمة العبد مقسومة على أعضائه كما أن دية الحر مقسومة على أعضائه والحر أصل للعبد فيما فيه جزاء مالى مقدر واذا كان ما اعتدى عليه بالاتلاف فى اليد واحدا ففيه كمال قيمته كما ان عضو الحر الواحد فيه دية كاملة وما فيه اثنان ففى أحدهما نصف قيمته كالعينين واليدين وهكذا وكل مالا تقدير فيه للشارع فالعبد فيه أصل للحر فان الارش انما يتقدر بأن يفرض الحر عبدا سليما من الجناية وتعرف قيمته حينئذ ثم يفرض معيبا بها وتتعرف قيمته حينئذ ثم يؤخذ من الدية بنسبة تفاوت القيمتين كما يؤخذ العبد بالفرق بين القيمتين (٣).
مذهب الإباضية:
وذهب الإباضية الى أن الحر لا يقتل بالعبد لأنه مال وانما يجب بالجناية عليه قيمته ولا تجب على العاقلة وكذلك تجب القيمة فى الجناية على الاطراف مراعا فيها قيمة صاحبها (٤).
стр. 1405
أرش جراح الذمى
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى أن المسلم يقتل بالذمى كما يقتل الذمى بالمسلم ويجب القصاص بينهما كذلك فى الأطراف ويتساويان فى الأروش والديات لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلم قال: «دية كل ذى عهد فى عهده ألف دينار» وكان على ذلك قضاء أبى بكر وعمر فالمسلم والذمى سواء فى دية النفس وفى أروش الشجاج والجروح (١) والمستأمن كالذمى فى الدية والارش دون القصاص.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أن دية الكتابى الذمى والكتابى المعاهد نصف دية المسلم والمجوسى المعاهد والمرتد ثلث خمس دية المسلم وأنثى كل من هؤلاء على النصف من ديته وقيل لا دية للمرتد وانما على قاتله الادب وهذا قول سحنون والاول قول ابن القاسم (٢) وكذلك الحكم فى الأطراف.
مذهب الشافعية:
وذهب الشافعية الى أن دية النصرانى واليهودى اذا كان لهما أمان ثلث دية المسلم نفسا وأطرافا لقضاء عمر وعثمان بذلك ولم ينكر عليهما ذلك مع انتشاره فكان اجماعا اما من لا أمان له فمهدر (٣).
مذهب الحنابلة:
وذهب الحنابلة الى أن دية الكتابى الحر على النصف من دية المسلم لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا قال: دية الكتابى الحر نصف دية المسلم رواه أبو داود وحسنه وهذا اذا كان ذميا أو معاهدا أو مستأمنا لاشتراكهم فى حقن الدنم وأروش جراحاتهم من دياتهم كجراحات المسلمين من دياتهم وأما الحربى فدمه هدر (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم فى تكملة المحلى وان قتل مسلم عاقل بالغ ذميا أو مستأمنا عمدا أو خطأ فلا قود عليه ولا دية ولا كفارة ولكن يؤدب فى العمد خاصة ويسجن حتى يتوب كفا لضرره وبرهان ذلك قوله تعالى: «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا» فكان ذلك فى المؤمن بيقين - والضمير فى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾. راجع الى المؤمن ضرورة لا يمكن غير هذا ولا ذكر للذمى أصلا ولا لمستأمن فصح أن ايجاب الدية على مسلم فى ذلك لا يجوز البتة وكذلك ايجاب القود عليه ولا فرق (٥) وقال بعد ذلك ولو أن مسلما جرح ذميا عمدا ظالما فأسلم الذمى ثم مات من ذلك الجرح فالقود فى ذلك بالسيف خاصة ولا قود فى الجرح لأن
стр. 1406
الجرح حدث ولا قود فيه لأنه كافر: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (١).
مذهب الزيدية:
وذهب الزيدية الى أن دية الذمى والمجوسى والمعاهد تتساوى مع دية المسلم فى النفس والاطراف خلافا للناصر اذ رأى أنها ثلث دية المسلم وهو رأى الشافعى (١)
مذهب الشيعة الإمامية:
الشيعة الإمامية لهم فى دية الذميين روايات أشهرها ثمانمائة درهم وديات نسائهم على النصف من ذلك ولا دية لغيرهم من أهل الكفر ومن الروايات أنها كدية المسلم ومنها أنها أربعة آلاف درهم وأروش جراحاتهم من دياتهم كجراحات المسلمين من دياتهم (٣).
مذهب الإباضية:
يرى الإباضية أن دية الكتابى المعاهد ثلث دية المسلم كاليهودى والنصرانى والمجوسى اذا كانوا على عهد جزية أو عهد صلح أو كانت الجناية عليه قبل أن يدعوهم الامام ونحوه الى الهدى وقيل دية الذمى نصف دية المسلم ودية المجوسى المعاهد ثمانمائة درهم والمجوسى الذى لم يدع الى الاسلام ثلثا عشر دية المسلم والوثنى ستمائة درهم اذا جنى عليه فى صلح أو قبل دعوته الى الاسلام وأروش الجروح كديات النفس فجرح المعاهد ثلث جرح المسلم وعقله ثلث عقل المسلم وهكذا سمعه وبصره (٤).
تعدد الأروش وتداخلها
مذهب الحنفية:
الاصل عند الحنفية انه اذا تعددت الجنايات بتعدد محلها وجب لكل جناية أرشها ولم يدخل أرش احداها فى أرش أخرى وان كان أقل منه لانها تكون حينئذ جنايات مستقلة تستتبع كل جناية منها أثرها الشرعى وهو وجوب أرشها واما اذا حدثت الجناية على عضو فتترتب عليها أثران كأن شج رجل آخر موضحة فذهب بسبب ذلك عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة فى الدية وهى قد وجبت بذهاب العقل أو بذهاب شعر الرأس وأساس ذلك بالنسبة الى فوات العقل أنه بفواته تبطل جميع منافع الأعضاء اذ لا ينتفع بها بدونه فصار فواته فى حكم الموت بالنسبة لها فيدخل أرشها فى ديته كما فى فوات النفس وعليه لا يجب أرش أية جناية ترتب عليها زوال العقل - أما بالنسبة الى زوال الشعر فلأن ضرر الموضحة يتمثل فى زوال شعر الرأس بسببها ولذا انما يجب أرشها بفوات جزء من الشعر حتى لو نبت ما زال بها سقط أرشها والدية تجب بفوات شئ من الشعر فكانت الموضحة كالجزء بالنظر اليه حينئذ اذ أنهما قد تعلقا بسبب واحد وهو فوات الشعر فيدخل الجزء فى الكل كما اذا قطع أصبع رجل رجل فشلت يده اذ لا يجب الا دية اليد - وجملة القول انه اذا وقعت الجناية
стр. 1407
على عضو واحد فاتلفت شيئين وأرش أحدهما أكثر من أرش الآخر دخل الأقل فى الأكثر اما ان وقعت على عضوين فانه يجب أرش كل منهما استقلالا ولم يدخل أحدهما فى الآخر وهذا عند أبى حنيفة واذا كان فى الجناية على الاول قصاص سقط القصاص عنده للشبهة وعندهما يجب القصاص فيه أن أمكن الاستيفاء والا دخل الثانى فى الأول وقال زفر لا تتداخل أروش الجنايات فلا يدخل بعضها فى بعض اذا كانت فيما دون النفس فيجب فى كل جناية أرشها.
واذا ذهب بالموضحة السمع أو البصر أو الكلام لم يدخل أرشها فى أرش أحد هذه الاشياء عند أبى حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يدخل فى دية السمع والكلام لا فى دية البصر لأن البصر ظاهر فلا يلحق بالعقل فى حكمه وهو دخول أرش الموضحة فى ديته أما السمع والكلام فأمران مصدرهما باطنى فيلحقان بالعقل فى دخول أرش الموضحة وللامام ومحمد ان كل واحد من هذه المنافع أصل بنفسه فيتعدد حكم الجناية عليه بتعدد فلا تداخل وهذا بخلاف العقل لأن منفعته تعود على الاعضاء جميعها فصار كالنفس بالنسبة لها وزواله فى معنى زوال النفس والحاق صاحبها بالموت وذهب الحسن بن زياد الى أن أرش الموضحة لا يدخل فى أرش شئ الا أرش زوال الشعر لاتحادهما محلا واذا اجتمع قتل وقطع فان تخلل بينهما برء اعتبر كل فعل مستقلا وترتب عليه أثره الشرعى حتى لو كانا عمدين استتبع كل منهما موجبه لأن موجب الاول تقرر بالبرء فلا يدخل أحدهما فى الآخر وعلى هذا يكون للولى القطع ثم القتل وان كانا خطأين فقطع الجانى يده ثم قتله خطأ وجبت دية ونصف دية للنفس ونصف دية لليد ولو كان القطع عمدا والقتل خطأ ففى اليد القود وفى النفس والدية ولو كان بالعكس ففى اليد نصف الدية وفى النفس القود واذا لم يتخلل برء فلو كان أحدهما عمدا والآخر خطأ اعتبر كل على حدة ففى الخطأ الدية وفى العمد القود ولو كانا خطأين فالكل جناية واحدة باتفاق فتجب دية واحدة ولو عمدين فعند الصاحبين يقتل ولا يقطع وعند الامام ان شاء الولى قطع ثم قتل وان شاء قتل ولا عبرة باتحاد المجلس وهو الظاهر وروى عن نصر بن سلام انه كان يقول الخلاف بين الامام وصاحبيه فيما اذا قطع يده فى مجلس وقتله فى مجلس آخر فلو كانا فى مجلس واحد يقتل ولا يقطع اتفاقا (١) نقلا عن الكفاية.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أن الدية تتعدد بتعدد الجناية فلو قطع يديه فزال عقله فديتان ولو فقد بصره مع ذلك فثلاث ديات وهكذا - واذا كان محل الجناية له منفعة كالأذنين لهما منفعة السمع والعين لها منفعة البصر فزالت منفعة المحل بالجناية عليه فلا تتعدد الدية بذهاب منفعة المحل مع ذهابه فاذا قطع أذنيه فزال سمعه وجب
стр. 1408
دية واحدة واذا قلع عينيه فزال بصره وجب دية واحدة ولا تجب الحكومة فى المحل مع وجوب الدية ولا عبرة بتعدد منفعته فاذا جنى على لسانه فزال ذوقه فقط أو ذوقه ونطقه جميعا فدية واحدة فى الحالين وهذا اذا لم توجد المنفعة بغيره أيضا فان وجدت بغيره وجب لزوالها دية لاجلها فاذا كسر صلبه فاقعده ذلك وذهبت قوة جماعه أيضا فعليه دية لمنع قيامه ودية أخرى لعدم قوته على الجماع (١).
مذهب الشافعية:
وذهب الشافعية الى أنه اذا اعتدى انسان على آخر فى عضو من أعضائه وكان لمنفعة زالت بهذا الاعتداء فالواجب دية واحدة هى دية المنفعة ودخلت دية العضو فيها وان لم يكن محلا لها فزالت بالاعتداء عليه فالواجب ديتان دية العضو ودية المنفعة وعلى ذلك اذا اعتدى على أذنيه فزال سمعه وجب ديتان دية أذنيه ودية سمعه اذ ليس السمع فى جرم الاذنين بل فى مقرهما من الرأس ولو جرحه بموضحة فزال بصره أو سمعه وجب أرش الموضحة ودية السمع أو البصر وكذلك اذا زال عقله بها لأنها جناية أبطلت منفعة ليست فى محل الجناية ولو قطع يديه ورجليه فزال عقله وجب ثلاث ديات وهكذا وفى قول يدخل الأقل فى الاكثر أو فى المساوى كأرش اليدين أما عند اتحاد المحل فالواجب أكبر الديتين كما لو اعتدى انسان على حدقة آخر فذهب بصره لم تجب الا دية البصر (٢) وكما اذا قطع لسانه فذهب منه القدرة على الكلام والذوق لم يجب الا دية واحدة كاملة للتداخل بين الديات بسبب اتحاد المحل والفعل.
مذهب الحنابلة:
وذهب الحنابلة الى أنه اذا لم يتحد المحل فى الجناية والمنفعة بل تعددت الجناية ففى قطع الاذنين قطعا أدى الى ذهاب السمع ديتان: دية للاذنين وأخرى للسمع لأن مقر السمع ليس فى الاذنين فلا تداخل وكذلك اذا قطع الاجفان فذهب البصر وجبت دية للبصر ودية للاجفان لنفس السبب وكذلك الحكم فيما اذا قطع الشفتين فانقطع الكلام وجبت دية للشفتين ودية للكلام وان اتحد المحل فان بقى بعد الجناية وجبت دية المنفعة فاذا جنى على لسان فأذهب الكلام والذوق وجبت ديتان: دية للكلام ودية للذوق لبقاء المحل وهو اللسان اما اذا أدت الجناية الى قطع اللسان فذهب الكلام والذوق فان الواجب دية واحدة لذهاب الكلام والسمع تبعا لقطع اللسان فتجب دية دونها كما لو قتل انسانا لم تجب الا ديته فقط ولم يكن لمنافعه من سمع وبصر وغيرها ديات وعلى ذلك اذا قطع ربع اللسان فترتب عليه انقطاع ربع الكلام وجب ربع الدية لتساوى الواجبين وتداخلها واذا ترتب عليه انقطاع نصف الكلام وجب نصف الدية لدخول ربعها الخاص باللسان
стр. 1409
فى النصف الواجب بانقطاع نصف الكلام اذ الأقل يندرج فى الأكثر - واذا ذهب عقله بجناية لها ارش كالموضحة ونحوها أو قطع عضوا من يديه أو رجليه أو ضربه على رأسه فذهب عقله وجبت دية كل منفعة مع ارش الجرح فاذا ذهب بالجرح عقله وبصره وسمعه وكلامه كان الواجب أربع ديات مع ارش الجرح وان مات من الجرح بالسراية فدية واحدة (١).
مذهب الزيدية:
ويرى الزيدية أنه اذا جنى شخص على آخر فقطع أنفه وشفتيه وذهبت عينا موجب على الحاكم أن ينتظر فى الحكم الى تبين الحال فى مآل الجناية فاذا مات المجنى عليه منها وجبت دية واحدة فقط. واذا لم يمت تعددت الديات، فوجب ثلاث ديات دية لانفه ودية لشفتيه ودية لعينيه، وهذا حكم عام فى الجنايات وعلى ذلك اذا جنى شخص على غيره جنايات متعددة ثم قتله فان كان القتل متصلا بجناياته لم تجب الا دية واحدة وأن كان فى وقت آخر وجبت أروش الجنايات السابقة ودية نفسه وجاء فى الازهار أن الدية تتعدد فى الميت بتعدد الجنايات اذا كانت الجنايات منفصلات بأن تزيل أنفه ثم عينيه ثم شفتيه ونحو ذلك فيموت فان الدية تتعدد كما تتعدد لو لم يمت غير أنه لو لم يمت الا بمجموعها فدية واحدة - وان كان كل واحدة قاتلة مباشرة. اذ الجنايات الاخيرة قد وقعت فصار فى حكم الميت. اما اذا كان ما قبل الاخيرة لا يقتل وقد مات بالاخيرة بالمباشرة أو بالسراية ففى الموت الدية مع الاخيرة وفيما قبلها الارش. وعن الناصر ان الأعضاء اذا بانت بضربة واحدة لزمت دية واحدة والا تعددت.
وفى البحر الزخار اذا تعددت الموضحة بضربة واختلف المحل تعددت الدية وقيل الواجب واحدة وهو الاقرب ان لم يكن بينها فاصل. وفيه أيضا اذا ذهب الصوت ومعه اللسان فديتان (٢).
مذهب الشيعة الجعفرية:
وذهب الشيعة الجعفرية الى عدم التداخل فى الأرش فاذا شجه فذهب عقله وجبت دية لعقله مع دية الشجة واذا جنى على لسانه فذهب صوته فان أبطل معه حركة اللسان فدية لذهاب صوته وثلثا دية للسان ان لحقه حكم الشلل (٣)، وعلى ذلك فلا تداخل فى الأروش عند الشيعة.
مذهب الإباضية:
وذهب الإباضية الى أن العبرة بالفعل فاذا اتحد الفعل بأن كان واحدا ترتب على أثره جزاء واحد وان تعدد الفعل وتعدد أثره تعدد أرشه بعدده فاذا جنى على انسان فأتلف عينه مع اجفانها ومع حاجبها بضربة واحدة فالواجب فى ذلك دية واحدة هى دية العين وهى نصف الدية الكاملة وقيل لكل عضو ديته وان تعدد الضرب فلكل دية وقالوا فى توجيه ذلك أن
стр. 1410
تعدد الأثر بضربة تشبه الموت تلزم فيه الدية الواحدة مع اشتماله على عدة منافع فى كل دية وفى توجيه القول الآخر ان لكل أثر دية فاذا تحقق استتبع ديته ولا عبرة بتعدد الضرب أو عدم تعدده ولا وجه للقياس على الموت اذ لم يحدث موت فعلا (١).
من يجب عليه الأرش
وما تتحمله العاقلة منه
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن الأرش مال يسلك به مسلك الاموال ولذا يجب بجناية الصبى والمجنون والمعتوة خطأ وكذلك السكران ان سكر بمباح لأنه مؤاخذ فى الاموال فاذا جنى أحد من هؤلاء على غيره جناية تستوجب الارش فانه يجب بجنايته كما هو الحكم فى البالغ العاقل وعندئذ ان بلغ الارش نصف عشر الدية الكاملة وهو ٥٠٠ درهم فى الرجل و ٢٥٠ فى المرأة كان على العاقلة والرد كان فى مال الجانى وحكومة العدل فى الجروح تجب فى مال الجانى ولا تتحملها العاقلة مطلقا على الصحيح كما فى الدر المختار ونقل ابن عابدين عن تنوير الأبصار ان حكومة العدل كانت دون ارش الموضحة أو مثلها لا تتحملها العاقلة وان كانت أكثر من ذلك بيقين فلا رواية فى ذلك عن أصحابنا وقد اختلف فى ذلك المتأخرون فقال شيخ الاسلام الصحيح أن العاقلة لا تتحمله كذا فى التتار خانية (٢) وأرش الموضحة نصف عشر الدية - وما يجب من المال فى العمد المحض يجب فى مال الجانى مطلقا فى النفس وفيما دونها وما يجب منه فى الخطأ على العاقلة فى الحالين وما يجب منه فى شبه العمد على العاقلة اذا كان فى النفس واما اذا كان فيمنا دونها فهو فى مال الجانى ان بلغ الدية والا فعلى العاقلة (٣) - واما الغرة فان العاقلة تتحملها.
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن دية الرقيق وأرشه على الجانى فى ماله وكذلك دية جناية العمد على الحر وعلى الرقيق وانما تتحمل العاقلة دية جناية الحر فى الخطأ أو العمد الذى لا قصاص فيه وفى حكمها الأرش وحكومة العدل اذا بلغ ذلك ثلث الدية الكلية أو كان أقل من الثلث ولكن وجب تابعا لدية كاملة كموضحة وناقلة مع دية وجبت بالجناية - ويشترط فى وجوبها على العاقلة أن يكون ثبوتها بالبينة أو باللوث مع القسامة لا بالاقرار والجانى واحد منها ان كان بالغا مليئا - ويشترط فى الزام العاقلة بالأرش ان يبلغ ثلث دية المجنى عليه أو ثلث دية الجانى عند تكرر الارش فان لم يبلغ أحدهما كانت على الجانى فى ماله كما هو حكم العمد على النفس وعلى الاطراف ويجب الارش بجناية الحر المسلم وان كان صبيا أو مجنونا لان وجوبه من خطاب الوضع
стр. 1411
ولوجوبه فى الاطراف ويجرى بها مجرى الأموال (١).
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أن العاقلة تحمل دية الخطأ وشبه العمد فى النفس وفى الاطراف ونحوها وكذلك تحمل الحكومات والغرة لا العمد ويلزم ذلك الجانى أولا على الأصح ثم نؤديه العاقلة معونة وتحملا اجماعا ولا عبرة لمن شذ فجعل ما يجب فى شبه العمد على الجانى كالعمد وانما تتحمل العاقلة ذلك اذا ثبتت الجناية ببينة أو باقرار مع تصديق العاقلة له لا مع عدم تصديقها اياه - ويجب الارش فى خطأ العاقل والصبى والمميز والمعتوه والمجنون والنائم وكذلك الدية (٢).
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة أن ما يجب من مال فى العمد المحض فعلى الجانى فى ماله لقوله ﷺ :
«لا يجنى جان الا على نفسه» أما ما يجب فى شبه العمد والخطأ أو ما يجرى مجراه كانقلاب نائم على انسان فعلى العاقلة لا يلزم القاتل شئ منه ان كان المجنى عليه حرا مسلما لا عبدا ولا تحمل العاقلة الا ما بلغ ثلث الدية أو زاد عليه حين تثبت الجناية ببينة أو باقرار الجانى مع تصديقها اياه وتحمل غرة الجنين تبعا لجناية امه ان مات معها أو بعد موتها لا ان مات قبلها لنقصها عند التلف وتحمل دية المرأة وما يجب فى جراحها ان بلغ ما يجب ثلث ديتها وما عدا ذلك ففى مال الجانى (٣) ويجب الارش بخطأ الصبى والمجنون والمعتوة والنائم.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٤) أن دية الخطأ فى القتل على عاقلة القاتل وما يجب فى العمد من مال ففى مال القاتل أما الجنايات على الاعضاء خطأ حيث لا تؤدى الى ازهاق النفس فذلك مما عفا الله عنه لا جناح على الانسان فيه لقوله تعالى «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ» ولما روى عن ابن عباس رضى الله عنه قال رسول الله ﷺ : «ان الله تجاوز لى عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وبناء على ذلك لا يجب على أحد غرامة مالية فى عمد ولا فى خطأ ألا أن يوجب ذلك نص صحيح أو اجماع متيقن ولا شئ من ذلك ثابت والقياس فيه باطل وعلى ذلك فلا يجب على عاقلة مال لجناية جناها أحد منها.
مذهب الزيدية:
يرى الزيدية ان ما تعقله العاقلة من الأروش هو ما كان نتيجة جناية خطأ فلا تعقل عمدا الا عمد الصبى والمجنون اذ حكمه حكم الخطأ ويشترط ان تثبت بالبينة أو باقرار مع تصديق العاقلة فلا تعقل
стр. 1412
ما كان صلحا وان يكون الارش أرش موضحة فأكثر فلا تعقل ما دون ذلك وهذا قول الهادى والمؤيد - تعقل القليل والكثير - وان يكون الجانى حرا فلا تعقل عن العبد ولا يشترط فى وجوب الارش عقل الجانى بل يجب بجناية الصغير والمجنون والمعتوه (١).
مذهب الشيعة الجعفرية:
الدية فى العمد على الجانى فى ماله وكذلك شبه العمد أما دية الخطأ فهى على العاقلة سواء أكان للجانى مال أم لا ولا تتحمل ما دون الموضحة وهو الا شهر وقال فى الخلاف تحمل العاقلة القليل والكثير ولا تحمل اقرارا ولا صلحا ولا عمدا فى النفس ولا فى الجروح والاعضاء وانما تحمل جناية الحر لا العبد أما العبد فيلزمه المال فى رقبته وعمد الصبى والمجنون خطأ تحمله العاقلة (٢).
مذهب الإباضية:
يرى الإباضية أن دية الخطأ على العاقلة وكذلك دية العمد اذا كان الجانى لا يقصد القتل وكانت الآلة التى استعملها مما يمكن به القتل ولا يبعد وما تلزم به العاقلة قد يكون الدية كلها كما فى القتل خطأ وقد تكون دونها كما فى أروش بعض الاعضاء - واذا قتل مسلم كتابيا خطأ كانت الدية على العاقلة وقيل أن دية الكتابى مطلقا فى مال الجانى وتجب دية الابن اذا قتله أبوه على العاقلة ولو عمدا اذ ان الأب لا يقتل فى ابنه وكذلك الحكم فى كل من لا يقتل بقتله آخر وتجب على العاقلة دية من يموت فى اللعب ومن يموت بسبب ضربه تأديبا ودية الموت سراية من جرح ودية السمع أو البصر اذا فقد بشجة - والمذهب أن العاقلة لا تعقل العمد مطلقا الا عمد الصبى والمجنون ولا يدخل الجانى فى العاقلة وقيل هو واحد منها - ولا تعقل العاقلة الا ثلث الدية فما زاد لا ما هو دون ذلك وقيل لا يعقل الا ما كانت ديته كدية الموضحة أو أكثر لا ما كانت ديته أقل وقيل أنها تعقل ما كان أكثر من الثلث أما الثلث ففيه خلاف وقيل تعقل القليل والكثير من الأروش فى الخطأ (٣).
ما يسقط به وجوب الارش
يسقط وجوب الأرش بسبب من الاسباب الآتية:
١ - الاداء فاذا أدى الارش فقد وفى الواجب
٢ - الابراء من المجنى عليه أو ممن يستحقه من الارش بعد وجوبه لانه يثبت دينا فيسقط بالابراء واذا حدث الابراء فى مرض الموت كان من الثلث لانه يكون وصية واما عفو المجنى عليه عن الجناية فان كانت جناية يترتب عليها وفاة المجنى عليه بالسراية فيرجع فيه الى مصطلح العفو عن الدية وعما يوجبها من الجنايات وان لم يترتب عليها وفاة المجنى عليه فان العفو عنها يعد عفوا وابراء عما استوجبته من الجزاء المالى اتفاقا لانه فى معنى الابراء من الدين أما ما يترتب عليه بسبب السراية
стр. 1413
بعد ذلك فلا يتناوله العفو لانه اسقاط لما لم يجب بعد واسقاط الشئ قبل وجوبه غير صحيح اتفاقا وفى ذلك اختلاف المذاهب يرجع فى مصطلح عفو فى موضوع الجناية لها (١).
٣ - حصول البرء من الجناية وأثرها بعد وقوعها وللمذاهب فى ذلك التفصيل والبيان الآتى.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية ان الجراحات اذا برئت عن غير أثر لا شئ فيها فى قول أبى حنيفة وقال أبو يوسف فيها حكومة الألم وقال محمد على الجانى أجر الطبيب (٢) وكذلك الحكم فى الشجاج وسواء فى ذلك ما للشارع فيه تقدير محدد وما ليس له فيه تقدير.
مذهب المالكية:
يرون أن ما لا تقدير فيه من الجراح اذا برئ على شين وجب فيه حكومة عدل اما اذا برئ دون أن يترك أثرا فلا شئ فيه على الجانى - وأما ما كان فيه عقل مقدر من الشارع ففيه ما قدره الشارع مطلقا دون زيادة الا فى الموضحة اذا كانت فى الوجه أو الرأس اذا برئت على شين ففيها الدية مع حكومة عدل فى الشين على المشهور (٣). ويرد الارش للجانى اذا أخذه المجنى عليه عند عود البصر بعد ذهابه بالجناية وفى عود السمع والكلام والعقل والذوق والشم واللمس بعد الجناية عليها تأويلان عندهم.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٤): اذا أخذت دية العقل وغيره من بقية المعانى كالسمع والبصر ثم عاد بعد زواله استردت من المجنى عليه وذلك فيما للشرع تقدير فيه اما ما ليس للشارع فيه تقدير من الجروح فقد جاء فى النهاية أن لا تقويم فيه الا بعد اندماله فاذا اندمل عن أثر كان فيه حكومة عدل وان اندمل عن غير أثر أعتبر فى حكومة العدل أقرب نقص لحق المجنى عليه الى وقت اندماله حتى لا تحبط الجناية وقيل يقدر القاضى باجتهاده ويوجب شيئا حذرا من اهدار الجناية وقيل لا غرم كما لو تألم بضربة ثم زال الألم.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٥). اذا عاد البصر وكذلك ما فى معناه من السمع والكلام والذوق والمشى والنكاح بعد ذهابه بالجناية اذا عاد لم تجب الدية لعود ما ذهب من المنافع فاذا كان المجنى عليه قد أخذها ردها لتبين أنه قد أخذها بغير حق وينتظر فى أداء الدية اذا قرر عدلان من أهل الخبرة رجاء عودة الى مدة عيناها فان مضت المدة ولم يعد أو مات المجنى عليه قبل مضيها وجبت الدية.
وان قال أهل الخبرة يرجى عوده ولكن لا نعرف لذلك مدة وجبت الدية لئلا يلزم تأخير حق المجنى عليه لا الى أمد.
стр. 1414
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن ابن حزم يرى ان لا مال فى الخطأ ولا يجب منه شئ فى شبه العمد والعمد الا ما قدره الشارع ولم يصح عنده فى عمد الاطراف الا القصاص ولم يفرض فيه الشارع دية ولم يصح عندهم ما جاء فى ذلك من الآثار (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار وفيما كثر من الاعضاء فانجبر ونحوه بعد انكساره ثلث ما وجب فيه لو لم ينجبر فلو ذهب عقله ثم عاد أو ذهب بصره أو سمعه أو شمه بسبب الجناية ثم عاد فالحكومة فيه ثلث ما كان يجب لو لم يعد. وعلق صاحب الحاشية على ذلك بأن هذا فى غير المنقلة والهاشمة والموضحة والمتلاحمة والباضعة أما فيها فلا ينقص من أرشها شئ ولو انجبرت وانما هذا فى اليد والرجل والأصبع ونحوها (٢).
مذهب الشيعة الجعفرية:
جاء فى تحرير الاحكام اذا ذهب كلام المجنى عليه بالجناية على لسان ثم عاد كلامه بعد دفع الدية استردت الدية من المجنى عليه قاله فى المبسوط وجاء فى الخلاف لا تسترد الدية وجاء فى ذهاب السمع والبصر اذا عادا بعد زوالهما حكومة عدل وفى العقل والشم اذا عادا بعد ذهابهما لم تسترد الدية لان عودهما منحة من الله تعالى وفى كسر عضو من الاعضاء اذا انجبر وصلح عن غير عيب أربعة أخماس ديته (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل ولكل جارحة بانت ولو رجعت وبرئت ديتها كما لو لم ترجع فى الحواس كالسمع اذا رجعت بعد ذهابها بالجناية ديتها كذلك (٤).
أرض
تعريف لفظ أرض
الأرض مؤنث وهى اسم جنس وهى الكرة السيارة التى عليها الناس (٥).
ما يصح التيمم به من أجزاء الأرض
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى جواز التيمم بكل ما كان من جنس الارض على الراجح فى المذهب وكل ما كان بحيث اذا حرق لا ينطبع أو يلين ولا يترمد أى لا يصير رمادا فهو من أجزاء الارض بشرط الطهارة (٦).
стр. 1415
مذهب المالكية:
ذهب المالكية الى لزوم استعمال صعيد طاهر وهو ما صعد وظهر على وجه الأرض من أجزائها (١).
مذهب الشافعية والحنابلة:
لا يجوز التيمم الا بتراب ذى غبار يعلق باليد وقيده الحنابلة بكونه مباحا غير محترق (٢).
مذهب الظاهرية والإمامية:
لا يجوز التيمم الا بالأرض وبكل ما يطلق عليه اسمها وتنقسم الى تراب وغير تراب (٣).
مذهب الزيدية:
لا يجوز التيمم الا بتراب طاهر مباح منبت على الراجح فى المذهب يعلق باليد (٤)
مذهب الإباضية:
يجوز التيمم بتراب نقى نظيف طاهر منبت اجماعا على الأصح عندهم (٥) وذلك كله على تفصيل وشروط موضع بيانها مصطلح «تيمم».
تطهير الأرض النجسة
اتفقت المذاهب الثمانية على أن الأرض اذا أصابتها نجاسة كبول أو خمر فانها تطهر بالمكاثرة وهو أن يصب عليها ماء يغمرها حتى يزول أثرها من لون أو ريح ما لم يصعب وكذلك اذا أصابها ماء المطر أو السيول فغمرها وجرى عليها فانه بمنزلة الصب يطهرها لعدم اشتراط النية فاستوى ما كان بفعل الآدمى أو غيره وفى كيفية تطهيرها تفصيل فى المذاهب.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن الأرض اذا أصابتها نجاسة رطبة فان كانت رخوة يصب عليها الماء حتى تتشربه فاذا لم يبق على وجهها شئ من النجاسة وتشربتها الارض مع المياه يحكم بطهارتها اذا غلب على ظنه واجتهاده أنها طهرت ويتحقق ذلك بصب الماء عليها ثلاث مرات فى ظاهر الرواية مع التشرب فى كل مرة ويقوم هذا التشرب مقام العصر فيما يمكن عصره وان كانت الارض صلبة فان كانت صعودا يحفر فى أسفلها حفيرة يصب عليها الماء ثلاث مرات ويزال عنها الى الحفيرة ثم تكبس الحفيرة بتراب يلقيه عليها، وان كانت مستوية بحيث لا يزول الماء عنها لا تغسل لعدم الفائدة فى الغسل لكن ينبغى أن يقلب فيجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ليصير التراب الطاهر وجه الارض هكذا روى أن اعرابيا بال فى المسجد فأمر رسول الله ﷺ أن يحفر موضع بوله ويلقى عليه ذنوب من الماء ولو كبسها بتراب
стр. 1416
ألقاه عليها ان لم توجد رائحة النجاسة جازت الصلاة على ذلك التراب والا فلا (١)
مذهب المالكية:
أما المالكية فيقولون يطهر محل النجس بلا نية بغسله فالنية ليست بشرط فى طهارة الخبث وذلك ان عرف محله والمراد بالمعرفة ما يشمل الظن وان لم يعرف بأن شك فى محلين - أى استوى لديه الاحتمالان - فلا يطهر الا بغسل جميع ما شك فيه ويتحقق ذلك بأن يصب عليها ما يغمرها ويستهلك البول فيها بذهاب رائحته ولونه وليس الذنوب تقديرا وانما هو بحسب غلبة الماء على النجاسة واستهلاكها فيه (٢).
مذهب الشافعية:
أما الشافعية فيقولون يكفى فى أرض تنجست أن يصب عليها ماء يعمها ولو مرة ولو كانت الارض صلبة أو لم يقلع ترابها وظاهر أن الارض اذا لم تتشرب ما تنجست به لا بد من ازالة عينه قبل صب الماء عليها كما لو كانت فى اناء فان تنجست بجامد بأن كان رطبا فلا بد من رفعه وغسل المحل بالماء أما اذا كان بلا رطوبة فيكفى رفع عينه (٣).
مذهب الحنابلة:
أما الحنابلة فيقولون الارض المتنجسة بمائع أو ذات جرم أذيل عنها ذلك الجرم تطهر بمكاثرة الماء عليها ولو بغير عدد ولو ماء مطر لعدم اشتراط النيه فاذا ما زال وصفها من لون أو ريح ولو لم ينفصل الماء طهرت الا اذا شق زوال اللون أو الرائحة فيسقط عنه قياسا على الثوب فان كانت النجاسة متفرقة كالدم اذا جف والروث لم تطهر بالغسل بل بازالة أجزاء المكان ولو وقع بول على الارض فبادر شخص الى ازالة التراب الذى عليه أثر هذا البول طهرت الارض التى تحته لان النجس كان رطبا وقد زال وان جف البول وأزال التراب الذى عليه أثره لا تطهر الارض لان الاثر انما يبقى على ظاهر الارض الا أن يتيقن بأن ما أزاله هو الذى كانت فيه النجاسة (٤).
مذهب الظاهرية والإمامية: (٥)
ذهب الظاهرية والإمامية الى أن العبرة فى طهارة الارض المتنجسة أن يصب عليها الماء صبا يزيل أثره فقط ويقول الإمامية اذا كانت الأرض صلبة أو مفروشة بالآجر فانها تطهر بالماء القليل اذا جرى عليها، لكن مجمع الغسالة يبقى نجسا ولو أريد تطهير بيت أو سكة فان أمكن اخراج ماء الغسالة بأن كان هناك طريق لخروجه فيتبع ذلك والا تحفر حفرة ليجتمع فيها ثم يجعل فيها الطين الطاهر وان كانت رخوة بحيث لا يمكن اجراء الماء عليها فلا يطهر الا بالقاء قدر كبير من الماء
стр. 1417
عليها يكفى لازالة أثر النجاسة أو نزول المطر أو جفافها بالشمس نعم اذا كانت رملا يمكن تطهير ظاهرها بصب الماء عليها ورسوبه فى الرمل فيبقى الباطن نجسا بماء الغسالة ويكفى فى طهارة أعماقه ان وصلت النجاسة اليها نفوذ الماء الظاهر فيه. ولا يعتبر انفصال الغسالة فى الماء الكثير.
مذهب الزيدية: (١)
ذهب الزيدية الى أن الارض الرخوة اذا أصابتها عين النجاسة كالبول فيها تطهر بالمكاثرة وهو غمر المتنجس فيها بالماء المزيل لاوصافها وان لم ينضب الماء فى الاصح أى يغور وكذا الصلبة اذا لم يتغير بها ويترتب على ذلك أنه لو صب ماء على أرض صلبة متنجسة وحولها أرض رخوة فتشرب الماء طهرت
مذهب الإباضية: (٢)
استدل الإباضية على طهارة بعض الاوانى بالماء بأمر النبى ﷺ بصب ذنوب ماء على بول الاعرابى فى المسجد، والاستدلال به يدل على أنهم يرون أن الأرض تطهر بصب الماء عليها بناء على هذا الحديث.
طهارة الارض بغير الماء
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى أنه اذا أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس أو بالريح وذهب أثرها جازت الصلاة على مكانها دون التيمم منها على الراجح فى المذهب (٣).
ووافقهم الإباضية فى ذلك، وقالوا وتطهر الارض بمضى الزمان وبالريح والشمس ويكفى واحد لكن اجتماعها أسرع تطهيرا ولا يتصور بالريح بلا زمان.
وقالوا ان النار تزيل النجس وهو أقوى من الشمس والريح فى إزالة عين النجاسة مما يتحملها كالارض وكيفية ذلك أن تحمى عليها النار حتى لا تطيقه اليد سواء جعلت النار على الموضع النجس أو تحته أو جنبه لا يكون للنجاسة أثر وكل ما يذهب النجس بأن يتلاشى فيه ويزول يطهر بالزمان عندهم (٤). ووافقهم الإمامية أيضا فى التطهير بالشمس اذا جففتها باشراقها عليه بولا كان النجس أو غيره فيجوز التيمم والصلاة عليه، ولا يكفى عندهم تجفيف الحرارة لانها لا تسمى شمسا ولا الهواء المنفرد بطريق أولى نعم لا يضر انضمامه اليها ويكفى فى طهارة الباطن اشراق الشمس على الظاهر مع جفاف الجميع (٥).
أما المالكية والشافعية والحنابلة:
فيقولون بعدم جواز التطهير بغير الماء (٦)
مذهب الزيدية:
وذهب الزيدية الى أن الأرض الرخوة تطهر بالنضوب أى نضوب الماء الذى يصب عليها
стр. 1418
ان زالت به عين النجاسة، أما الأرض الصلبة فلا تطهر بالجفاف عندهم وانما لا بد أن يسيح الماء عليها وقال بعضهم لا بد من الدلك مع هذا (١).
حكم ما يوجد فى باطن الأرض
من معادن وكنوز
مما يوجد فى باطن الارض المعادن والكنوز، والمعدن ما وجد فى باطن الارض بحسب الطبيعة كالذهب والحديد والنحاس ونحوها، أما الكنوز مما يدفن فى الارض بفعل الانسان، وحكم تملكها وما يجب فيها لبيت المال يرجع فيه الى مصطلح، «معدن وكنز».
أرض العشر وأرض الخراج
مذهب الحنفية:
قال أبو يوسف فى كتاب الخراج:
كل أرض أسلم أهلها عليها وهى من أرض العرب أو أرض العجم فهى لهم وهى أرض عشر بمنزلة المدينة حين أسلم عليها أهلها وبمنزلة اليمن وكذلك كل ما لا يقبل منه الجزية ولا يقبل منه الا الاسلام أو القتل من عبدة الأوثان من العرب فأرضهم أرض عشر وان ظهر عليها الامام لأن رسول الله ﷺ قد ظهر على أرض من أرض العرب وتركها فهى أرض محشر حتى الساعة، وأيما دار - أى اقليم - من دور الاعاجم ظهر عليها الامام وتركها فى أيدى أهلها فهى أرض خراج وان قسمها بين الذين غنموها فهى أرض عشر ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ظهر على أرض الأعاجم وتركها فى أيديهم فهى أرض خراج وكل أرض من أراضى الأعاجم صالح عليها أهلها وصاروا ذمة فهى أرض خراج (٢)، وفى الجامع الصغير:
كل أرض فتحت عنوة فوصل اليها ماء الأنهار فهى أرض خراج ومالم يصل اليها ماء الأنهار واستخرج منها عين فهى أرض عشر لأن العشر يتعلق بالارض النامية ونماؤها بمائها فيعتبر السقى بماء العشر أو بماء الخراج، ومن أحيا أرضا مواتا فهى عند أبى يوسف معتبرة بحيزها فان كانت من حيز أرض الخراج فهى خراجية وان كانت من حيز أرض العشر فهى عشرية، وقال محمد: ان أحياها ببئر حفرها أو بعين استخرجها أو ماء دجلة أو الفرات أو الأنهار العظام التى لا يملكها أحد فهى عشرية وكذا اذا أحياها بماء السماء وان أحياها بماء الأنهار التى احتفرها الأعاجم فهى خراجية كما ذكرنا من اعتبار الماء اذ هو السبب للنماء (٣).
стр. 1419
مذهب المالكية:
قال فى الشرح الصغير للدردير (١):
ووقفت الارض غير الموات من أرض الزراعة والدور بمجرد الاستيلاء عليها ولا يحتاج وقفها لصيغة من الامام ولا لتطييب أنفس المجاهدين بشئ من المال ولا يؤخذ للدور كراء بخلاف أرض الزراعة وفائدة وقف الدور أنها لا تباع ولا يتصرف فيها تصرف الملاك وهذا ما دامت باقية بأبنيتها التى فتحت عليها فان تهدمت وجدد فيها بناء جاز بيعها وهبتها والأخذ بالشفعة كما هو الآن بمصر ومكة وغيرها وأما الموات فلا كلام لأحد عليها، ومن أحيا منها شيئا فهو له ملكا كأرض مصر والشام والعراق من كل ما فتحت عنوة والواجب فى هذه الأرض الخراج لأنها خراجية وغير الخراجية - أى العشرية - هى أرض الصلح التى أسلم أهلها بغير قتال وأرض الموات كأرض الجبال والبرارى مثلا وهى: كل أرض لا اختصاص لأحد عليها (٢)، قال القرافى: الخراج نوعان، ما وضعه عمر رضى الله عنه على أرض العراق لما فتحها عنوة وقسمها بين المسلمين ثم رأى أن ينزلوا عنها لئلا يشتغلوا بالجهاد فتخرب أو تلهى عن الجهاد، فنزل عنها بعضهم بعوض وبعضهم بغير عوض وضرب الخراج عليها ووقفها على المسلمين، والنوع الثانى ما يصالح به الكفار على أراضيهم فتكون كالجزية يسقط باسلامهم بخلاف الأول وكذلك الحكم فى أرض العنوة كلها أنها توقف على المسلمين وتترك بيد أهلها ليعملوا فيها فاذا أسلموا لم يسقط الخراج لأنه أجرة والارض للمسلمين (٣) انظر عشر وخراج.
مذهب الشافعية:
قال فى كتاب الأنوار لعمل الأبرار:
يجب العشر مع الخراج فى الخراجية وهى أن يفتح الامام بلدة عنوة ويقسمها بين الغانمين ثم يعوضهم عنها ويقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجا كما فعله عمر رضى الله عنه بسواد العراق أو يفتح بلدة صلحا على أن تكون الأرض لنا ويسكنها الكفار بخراج معلوم فالأرض فيئ والخراج أجرة (٤) انظر عشر وخراج.
مذهب الحنابلة:
قال فى كشاف القناع: الأرض على ثلاثة أضرب للاستقراء أحدها ما فتح
стр. 1420
عنوة أى قهرا أو غلبة وهو شرعا ما أجلى عنها أهلها بالسيف فيخير الامام تخيير مصلحة فيلزمه أن يفعل ما يراه الامام أصلح لأنه نائب للمسلمين فلا يفعل الا ما فيه صلاحهم بين قسمتها على الغانمين كمنقول لأنه ﷺ قسم نصف خيبر بين الغانمين ووقف نصفها لنوائبه وحوائجه - رواه أبو داود من حديث سهل بن أبى خثعمة فتملك الأرض التى فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين بقسمها ولا خراج عليها لأنها ملك الغانمين، ولا خراج أيضا على ما أسلم أهله عليه كالمدينة أو صولح أهله على أن الأرض لهم كأرض اليمن والحيرة وبانقيا أو أحياه المسلمون كأرض البصرة فكل ذلك لا خراج عليه لأنها أرض عشرية.
وبين وقفها للمسلمين بلفظ يحصل به الوقف كما وقف عمر الشام ومصر والعراق وسائر ما فتحه وأقره الصحابة على ذلك، ويضرب عليها الامام بعد وقفها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هى فى يده من مسلم ومعاهد يكون أجرة لها لأنها تكون أرضا خراجية.
الضرب الثانى: ما جلا عنها أهلها خوفا وفزعا وظهرنا عليها فتصير وقفا بنفس الظهور عليها قال فى الانصاف: هذا المذهب وعليه الأصحاب لأنها ليست غنيمة فتقسم فيكون حكمها حكم الفئ أى للمسلمين كلهم فلا تكون خراجية.
الضرب الثالث: مما صولحوا عليه من الارض وهو ضربان: أحدهما، أن يصالحهم الامام أو نائبه على أن الارض لنا ونقرها معهم بالخراج فهذه الارض تصير وقفا بنفس ملكنا لها كالتى قبلها ويكون خراجها أجرة لها لا تسقط باسلامهم ويؤخذ الخراج منهم وممن انتقلت اليه من مسلم ومعاهد كسائر الاجر، وما كان فى أرض الخراج من شجر وقت الوقف فثمره المستقبل لمن تقر بيده الأرض، فيه عشر الزكاة، قال فى الانصاف: هذا الصحيح من المذهب، والضرب الثانى مما صولحوا عليه: أن يصالحهم الامام أو نائبه على أن الأرض لهم ولنا الخراج عنها فهو صلح صحيح لا مفسدة فيه فهذه ملك لأربابها وتصير دار عهد خراجها كالجزية التى تؤخذ على رءوسهم ما دامت بأيديهم، ان أسلموا سقط عنهم لأن الخراج الذى ضرب عليها انما كان لأجل كفرهم فيسقط باسلامهم كالجزية وتبقى الارض ملكا لهم بغير خراج يتصرفون فيها كيف شاءوا كما لو انتقلت هذه الارض الى مسلم فانه لا خراج عليه، ولا يسقط خراجها ان انتقلت الى ذمى من غير أهل الصلح لأنه بالشراء رضى بدخوله فيما دخل عليه البائع فكأنه التزمه (١).
стр. 1421
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار (١): الخراج ما ضرب على أرض من أراضى الكفار التى فتحها المسلمون وتركت فى يد أهلها على أن يؤدوا ما ضرب عليهم فيها من الخراج وذلك كأراضى سواد الكوفة ومصر والشام وخراسان، فان المسلمين افتتحوها ولم يقسموها بل تركوها فى أيدى أهلها على خراج، وكل أرض أسلم أهلها طوعا أو أحياها مسلم فعشرية أى الواجب فيها الزكاة، عشر أو نصف عشر، ولا خراج عليها (٢).
قسمة الأرض وما يشترط لتحققها
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أنه اذا أراد شركاء قسمة أرض بينهم فأن أقروا بالملك مطلقا عن سبب الانتقال قسم باقرارهم ويذكر القاضى فى محضره أنه قسمه باقرارهم ولم يقض على أحد منهم.
وان اقروا بالملك بسبب الميراث فلا يقسم عند أبى حنيفة حتى يقيموا البينة على موت المورث وعلى عدد الورثة وعند الصاحبين يقسم بينهم باقرارهم (٣).
ويرى الحنفية أيضا انه اذا كانت أقرحة (٤) متعددة متفرقة مشتركة قسم كل قراح على حدته على الرأى الراجح فى المذهب لأن العبرة للمعنى وهو المقصود ويختلف ذلك باختلاف البلدان والمحال والجيران والقرب الى الماء اختلافا فاحشا فاذا لم تختلف اختلافا فاحشا جاز قسمتها على الوجه الذى يراه القسام عادلا. واذا كانت الارض بناء قسمت بطريق الرد على الرأى الراجح وهو أن يرد على شريكه بمقابلة البناء ما يساويه من العرصة واذا بقى فضل ولم يمكن تحقيق التسوية بأن كان لا تفى العرصة بقيمة البناء فحينئذ يرد للفضل دراهم لان الضرورة فى هذا القدر فلا يترك الاصل الا بها فان قسم ولاحدهم مسيل فى نصيب الآخر أو طريق لم يشترطه فى القسمة فان أمكن صرف الطريق والمسيل عنه ليس له حق المرور فى طريق الآخر لأنه أمكن تحقيق معنى القسمة من غير ضرر بأن لا يبقى لكل واحد منهما تعلق بنصيب الآخر بصرف الطريق والمسيل الى غيره فلا تدخل فيه الحقوق وان شرطت وان لم يمكن فسخت القسمة (٥).
وهناك تفصيل موضعه فى مصطلح (قسمة).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن قسمة العقار بالقيمة لا بالمساحة ان اختلفت أجزاء المقسوم فان اتفقت
стр. 1422
لم يحتج لتقويم بل يقسم مساحة وأفرد فى قسمة القرعة كل نوع على حدته بمعنى انه لا يضم لغيره فى القسم فلا يجمع بين نوعين ولا بين صنفين متباعدين بل كل نوع على حده (١).
مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية الى أن الأرض ان كانت مشتبهة الاجزاء أى متساوية فى القوة والضعف وليس فيها نحو زرع فتقسم وحدها ولو اجبارا فان كان فيها زرع لم تصح قسمته وحده ولا قسمتهما معا الا أن يكون فسيلا لم يبد صلاحه فتجوز قسمته معها بالتراضى وتقسم بالاجزاء فيجبر الممتنع عليها اذ لا ضرر عليه فيها واذا كانت الأرض تختلف قيمة اجزائها بحسب قوة الانبات وقرب الماء تعدل السهام بالقيمة.
واذا كانت بينهما أرض مختلفة الاجزاء بعضها عامر وبعضها خراب أو بعضها قوى والآخر ضعيف أو بعضها شجر وبناء وبعضها يباب أو بعضها يسقى بالسيح وبعضها بالناضح (البعير يستقى عليه) روعيت التسوية بين الأنصباء بقدر الأمكان اما بقسمة كل جزء على حدة وأما بمراعاة القيمة (٢) على تفصيل فى ذلك.
مذهب الحنابلة:
وقد وافق الحنابلة الشافعية فيما اذا كان فى أحد جوانب الأرض بئر وفى الآخر شجرة حيث تعدل بالقيمة ويرد لمن كان نصيبه لا يعادل الآخر ما يقع به التعادل (٣).
مذهب الظاهرية:
يرى الظاهرية قسمة كل شئ سواء كان أرضا أو دارا صغيرة أو كبيرة أو حماما (٤) على تفصيل عندهم.
مذهب الزيدية:
جعل الزيدية من شروط القسمة تقويم المختلف كالقيميات من الأراضى فلا يصح قسمتها بزارعة بل لا بد من التقويم الا مع التراضى وتقدير المستوى بالزرع فان فعلوا من دون ذلك لم يصح على تفصل فى ذلك (٥) كما جعلوا استيفاء المرافق على وجه لا يضر أى الشريكين حسب الامكان.
مذهب الإباضية:
اذا كانت الأصول فى محل واحد جازت قسمتها اتفاقا ان انقسمت على أقل الأجزاء انقساما معتبرا بأن يكون صاحب الجزء الأقل ينتفع بجزئه فيما اعتبر من الانتفاع فى ذلك المشترك وان لم يكن فى محل واحد أو لم يتساووا فى الانتفاع أو كان صاحب
стр. 1423
الأصل لا ينتفع فقد اختلفت فيها الآراء (١).
تملك الارض
تملك الارض بالتصرفات الناقلة للملكية وبالبوراثة وبالشفعة والاحياء والاقطاع على تفصيل وشروط فى المذاهب.
الارض الموات
الارض الموات هى الأرض التى لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها وفى طريقة احيائها وتملكها والانتفاع بها تفصيل موضعه مصطلح احياء.
التصرف فى الأرض وما يتبعها فيه
مذهب الحنفية:
جاء فى الهداية: ومن باع أرضا دخل ما فيها من النخل والشجر وان لم يسمه لأنه متصل بها للقرار فأشبه البناء ولا يدخل الزرع فى بيع الارض الا بالتسمية لانه متصل بها للانفصال والجذاذ فشابه المتاع الذى فيها (٢)، وجاء فى فتح القدير:
ولا يدخل الشرب والطريق فى بيع الأرض والدار الا بذكر الحقوق وكذا فى الاقرار والصلح والوصية وغيرها ويدخلان فى الاجارة والرهن والوقف والقسمة لأنها تعقد للانتفاع ولا انتفاع بدونهما بخلاف البيع فانه يعقد لملك الرقبة فقد يراد به الانتفاع بالتجارة (٣) وقال فى شرح العناية على الهداية (٤) مسائل هذا الباب مبنية على قاعدتين: احداهما أن كل ما هو متناول اسم المبيع عرفا دخل فى البيع وان لم يذكر صريحا، والثانية أن ما كان متصلا بالمبيع اتصال قرار كان تابعا له فى الدخول - انظر بيع.
ما يتبع الارض اذا وقفت
جاء فى فتح القدير (٥): ويجوز وقف العقار وهو الارض مبنية كانت أو غير مبنية ويدخل البناء فى وقف الارض تبعا فيكون وقفا معها وفى دخول الشجر روايتان، وقال أبو يوسف: اذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده جاز (والأكرة الحراثون) وكذا آلات الحراثة اذا كانت تبعا للارض تجوز لانها تبع للارض فى تحصيل ما هو المقصود منها وقد ثبت من الحكم تبعا مالا يثبت مقصودا كبيع الشرب والطريق لا يجوز مقصودا ويجوز تبعا ومحمد مع أبى يوسف فيه لأنه لما جاز أفراد بعض المنقول بالوقف عنده فتجويزه تبعا للعقار أولى.
وذكر فى أحكام الوقف لهلال: اذا وقف أرضا وفيها ثمرة قائمة أو
стр. 1424
غلة فهى للواقف دون الفقراء لأن الغلة القائمة لا تدخل تبعا للاصل ويدخل فيه النخل القائم والشجر وكل ما يدخل فى البيع يدخل فى الوقف ولو كان فيها نقض منقوض أو نخل فهو للورثة ان كان الوقف بعد وفاة الواقف ولو وقف أرضا ولها حصة فى نهر أو شرب أو طريق أو مغيض فالقياس عندنا أن يكون الوقف على ما أطاقت الحدود خاصة دون ما سوى ذلك واستحسن هلال جعل ما كان لها من حق موقوفا مثلها، ولا يدخل الشئ المنقوض والنخل المضروب والثمرة القائمة وقت العقد (١) على تفصيل موضعه مصطلح وقف.
ما يتبع الأرض اذا أجرت
جاء فى بدائع الصنائع: ولو استأجر الأرض مع الشرب جاز تبعا كما فى البيع ولو استأجر أرضا ولم يذكر الشرب والمسيل أصلا فالقياس أن لا يكون الشرب والمسيل كما فى البيع وفى الاستحسان كان له ويدخلان تحت اجارة الأرض من غير تسمية نصا لوجودها دلالة لأن الاجارة تمليك المنفعة بعوض ولا يمكن الانتفاع بالأرض بدون الشرب فيصير الشرب مذكورا بذكر الأرض دلالة بخلاف البيع لأن البيع تمليك العين والعين تحتمل الملك بدونه (٢)، انظر مصطلح «اجارة».
مذهب المالكية:
قال فى الشرح الصغير للدردير:
ويتناول العقد على الأرض البناء والشجر من بيع أو رهن وكذا الهبة والصدقة والوقف فمن اشترى أرضا وفيها بناء أو شجر لم يذكر حين شراء أرضها دخلا فى بيع الأرض الا لشرط أو عرف يقضى بخلاف ذلك فيعمل به وتناولت الأرض اذا بيعت أو رهنت البذر الذى لم ينبت فيدخل فى بيعها ولا يتناول بيع الأرض الزرع الظاهر عليها بل هو لبائعهم الا لشرط أو عرف ولا تتناول الأرض مدفونا بها من رخام وعمد وحلى ونقد وغير ذلك بل هو لمالكه بلا خلاف (٣) وقال فى حاشية الدسوقى: من اكترى أرضا أو دارا فيها شجر مثمر لم يبد صلاحه يجوز لذلك المكترى اشتراط دخول الشجر فى عقد الكراء ان كان الكراء وجيبة وكان طيب الثمر فى مدة الاجارة وكانت قيمة الثمر الثلث فأقل بالتقويم وأن يكون اشتراط دخولها لاجل دفع الضرر فان تخلف شرط من هذه الأربعة فلا يجوز اشتراط دخوله فى عقد الكراء فان اشترط دخوله فسد العقد أما لو كان قد بدا صلاحه وقت العقد جاز
стр. 1425
اشتراط دخوله مطلقا ولو كانت قيمته أكثر من الثلث لأنه بيع واجارة لكونه مستقلا - وأما الزرع فلا يجوز ادخاله الا اذا نقص عن الثلث مع بقية الشروط لا ان قيمته ثلثا فقد شددوا فى اشتراط دخوله فى عقد الاجارة كما شددوا فى مساقاته حيث اعتبروا فيها شروطا لم تعتبر فى مساقاة الاصل فان أكريت مشاهرة لم يجز ادخال شئ لا من الثمر ولا من الزرع (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى أسنى المطالب: اللفظ المتناول غيره فى عقد البيع ستة:
الأول الأرض ومثلها البقعة والساحة والعرصة فان باعها أو رهنها بما فيها من أشجار وأبنية دخلت فى العقد ولو بقوله بعتك أو رهنتك الأرض بما فيها أو عليها أو بها أو بحقوقها وان استثناها كبعتك أو رهنتك الأرض دون ما فيها لم تدخل فى العقد وان أطلق كبعتك أو رهنتك الأرض دخلت فى البيع لأنها للثبات والدوام فى الارض فأشبهت جزأها فتبعتها كما فى الشفعة ويؤخذ منه تقييد الأشجار بالرطبة فتخرج اليابسة وقد صرح به ابن الرفعة والسبكى كسقفها يقسم ان عرش عليها عريش لعنب ونحوه أو جعل دعامة لجدار أو غيره صارت كالوتد فتدخل فى البيع لا فى الرهن لأن البيع قوى ينقل الملك فيستتبع بخلاف الرهن ومن ثم كان الوقف والهبة كالبيع كما اقتضاه كلام الرافعى وفى معنى ذلك الصدقة والوصية ونحوهما - ولا يدخل فى بيع الأرض مسيل الماء وشربها بكسر الشين أى نصيبها من القناة والنهر المملوكين حتى يشترطه كأن يقول بحقوقها والمراد الخارج من ذلك عن الأرض أما الداخل فيها فلا ريب فى دخوله نبه عليه السبكى بخلاف ما لو اكتراها لزرع أو غراس فان ذلك يدخل (٢)، وما يتكرر ثمره فى سنتين فأكثر كالقطن الحجازى والنرجس أو يجذمرارا كالكرات والنعناع والقصب الفارسى والقت فالأصول فيه كالشجر فتدخل فى بيع الأرض والثمرة الظاهرة للبائع فلا تدخل بخلاف الكامنة لكونها كجزء من الشجر فدخلت معها فى بيع الأرض وكذا الجذة الموجودة عند بيع الأرض المشتملة على ما يجز مرارا للبائع بخلاف غير الموجودة (٣)، والبذر الكامن فى الأرض يدخل فى بيعها ما يدوم وتدخل الحجارة المخلوقة والمثبتة فى الأرض فى بيعها (٤).
قال فى تيسير الوقوف على غوامض أحكام الوقوف (٥): من وقف بستانا
стр. 1426
بحقوقه دخل شجره وكل متصل به كالبيع الا الثمار فان وقفها غير جائز وهذا اذا كان مؤبرا ويؤخذ منه قوله كالبيع أن المراد بالشجر الرطب المغروس كما تقدم فى البيع، أما اليابس أو المقلوع فلا يدخل لأنه لا يراد الدوام كما صرحوا به، ولو وقفه ولم يقل بحقوقه دخل فيه ما ذكر أيضا، أو وقفه بدون حقوقه لم يدخل شئ من ذلك فالحاصل أن ما يدخل فى البيع يدخل فى الوقف ومالا فلا كما اقتضاه كلام الرافعى وصرح به غيره، وفى البحر لا يدخل فى وقف البستان الرقيق والثيران وقال فى مغنى المحتاج: سئل السبكى عن رجل وقف أرضا بها أشجار موز والعادة أن شجر الموز لا يبقى أكثر من سنة فزالت الأشجار بعد أن نبتت من أصولها أشجار ثم أشجار على مر الزمان فأجاب بأن الأرض وما فيها من أصول الموز وفراخه وقف وما نبت بعد ذلك من الفراخ ينسحب عليه حكم الوقف ولا يحتاج الى انشاء وقف (١).
وجاء فى أسنى المطالب (٢): لو استأجر أرضا للزراعة ولها شرب معلوم لم يدخل شربها فى العقد الا لشرط أو عرف مضطرد فان اضطرب العرف بأن كانت تكرى وحدها تارة ومع الشرب أخرى أو استثنى الشرب لم يصح لاضطراب العرف فى الأول وكما لو استثنى ممر الدار فى بيعها فى الثانى الا ان وجد شرب غيره فيصح مع الاضطراب، والاستثناء لزوال المانع بالاغتناء عن شربها.
مذهب الحنابلة:
واذا باع أرضا أو بستانا أو رهن أرضا أو بستانا أو أقر بأرض أو بستان أو أوصى بأرض أو بستان أو أوقفه أو أصدقه فى نكاح دخل أرض وغراس وبناء ولو لم يقل بحقوقها لأنها من حقوق الأرض ويتبعان الارض من كل وجه لانهما يتخذان للبقاء وليس لانتهائها مدة معلومة بخلاف الزرع والثمرة وفى مسألة البستان لأنه اسم للارض والشجر والحائط بدليل أن الأرض المكشوفة لا تسمى به فان قال: بعتك هذه الأرض وثلث بنائها أو بعتك هذه الأرض وثلث غراسها ونحوه كالربع لم يدخل فى البيع من البناء والغراس الا الجزء المسمى، وكذلك لو قال: بعتك نصف الأرض وربع الغراس لم يتناول البيع من غراس النصف سوى الجزء المسمى معه ويدخل ماء الأرض المتبقية تبعا لها بمعنى أن المشترى يصير أحق به كالبائع لا أنه يملكه اذ لا يملك الا بالحيازة، وان كان فى الأرض المبيعة زرع يجز مرة بعد أخرى كالرطبة (بفتح الراء) القضّة والبقول كالنعناع والشمر والكراث وسواء
стр. 1427
كان الزرع المذكور مما يبقى فى الأرض سنة كالهنديا أو أكثر من سنة كالرطبة أو كان بالأرض زرع تتكرر ثمرته كالقثاء والباذنجان أو كان بالأرض ما يتكرر زهره كبنفسج ونرجس وورد وياسمين ونحوها، فالأصول من جميع ذلك للمشترى لأنه يراد للبقاء أشبه الشجر أوراقه وغصونه فهو كورق الشجر وأغصانه للمشترى لأنه من أجزائها، والجزة واللقطة الظاهرتان والزهر الظاهر للبائع الا أن يشترطه المبتاع، وان كان فيها زرع لا يحصد الا مرة نبت أولا كبر وشعير لم يدخل ان لم يشترطه مشتر ولو كان فى الأرض المبيعة بذر فان كان أصله يبقى فى الأرض كالنوى وبذر الرطبة فحكمه حكم الشجر علقت عروقه أولا اذا أريد به الدوام فى الأرض. وان لم يرد به الدوام بل النقل ويسمى الشتل اذ كان أصله لا يبقى فى الأرض فكزرع. ولو باع الأرض بما فيها من البذر صح البيع فيدخل البذر تبعا. ويتناول البيع ما كان فى الأرض من الحجارة المخلوقة أو كان مبنيا كأساسات الحيطان المنهدمة والآجر المتصل بالأرض وحكم الهبة والرهن والوقف والاقرار والوصية بدار حكم بيعها (١)، وفى كشاف القناع يلزم المؤجر مع الاطلاق - أى اطلاق عقد الاجارة كل ما يتمكن به المستأجر من النفع مما جرت به عادة وعرف ويلزمه ازالة ثلج عن أرض مؤجرة ولو كان الثلج حادثا بعد الاجارة ليتمكن المستأجر من الانتفاع (٢) وقال فى المحرر. على رب الأصل ما فيه حفظه كسد الحيطان وانشاء البحار والدولاب وما يديره من آلة ودابة (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: من اشترى أرضا فهى له بكل ما فيها من بناء قائم أو شجر نابت وكذلك كل من اشترى دارا فبناؤها كله له وكل ما كان مركبا فيها من باب أو درج أو غير ذلك وهذا اجماع متيقن. وما زال الناس يتبايعون الدور والأرضين من عهد رسول الله ﷺ هكذا لا يخل يوم من أن يقع فيه بيع دار أو أرض هكذا ولا يكون له ما كان موضوعا فيها غير مبنى كأبواب وسلم ودرج وآجر ورخام وخشب وغير ذلك. ولا يكون له الزرع الذى يقلع ولا ينبت بل هو لبائعه، ومن ابتاع انقاضا أو شجرا دون الأرض فكل ذلك يقلع ولا بد (٤)، ثم قال: الوقف جائز فى الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء ان كان فيها لما روى نافع عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضا بخيبر
стр. 1428
فأتى النبى ﷺ فقال:
أصبت أرضا لم أصب قط مالا أنفس منه فكيف تأمرنى فقال: ان شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدق بها عمر انه لا يباع أصلها ولا تورث فى الفقراء والقربى والرقاب وفى سبيل الله والضيف وابن السبيل لاجناح على من وليه أن يأكل منها بالمعروف أو يطعمه صديقا غير متمول فيه (١)، ولا يجوز اجارة الأرض أصلا لا للحرث فيها ولا للغرس فيها ولا للبناء فيها ولا شئ من الأشياء أصلا لا لمدة مسماة قصيرة ولا طويلة ولا لغير مدة مسماة لا بدنانير ولا بدراهم ولا بشئ أصلا فمتى وقع فسخ أبدا ولا يجوز فى الأرض الا المزارعة بجزء مسمى مما يخرج منها أو المغارسة كذلك فقط فان كان فيها بناء قل أو كثر جاز استئجار ذلك البناء وتكون تبعا لذلك البناء غير داخلة فى الاجارة أصلا، برهان ذلك أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض (٢).
ولا يجوز أن يشترط على صاحب الأرض فى المزارعة والمغارسة والمعاملة فى ثمار الشجر لا أجير ولا عبد ولا سانية ولا قادوس ولا حبل ولا دلو ولا عمل ولا زبل ولا شئ أصلا كل ذلك على العامل بشرط رسول الله ﷺ عليهم أن يعملوها من أموالهم فوجب العمل كله على العامل فلو تطوع صاحب الأصل بكل ذلك أو ببعضه فهو حسن لقوله تعالى «وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى الروض النضير: يدخل فى بيع الأرض الشجر النابت اذا كان مما يبقى فى العادة سنة فصاعدا كالنخيل والأعناب وأصول القصب والكرات لأن ما كان كذلك فهو كالأبنية التى فيها لثبوته واستقراره، ولا يدخل فى البيع ما يعتاد قطعه من ذلك النابت اذا كان حاصلا حال البيع وذلك كالثمار وورق التوت وأغصان الحناء ونحوها ولا يدخل فى المبيع تبعا لأنها فى حكم المباينة للأصول وكالخارجة عنها فأشبهت الشئ الملقى على ظهر الأرض المبيعة أو على أغصان الشجرة المبيعة فكما أن مثل ذلك لا يدخل فى بيع الأرض والشجرة فكذلك الثمر والورق والأغصان التى يعتاد قطعها فى كل سنة أو نحوها فاذا أدخلت فى العقد دخلت ومن اشترى حقلا فيه زرع ولا يسمى زرعا الا وهو غصن طرى فلا خلاف فى أن الزع للبائع ان لم يشترطه المشترى (٤) وقال فى شرح الأزهار يدخل
стр. 1429
فى بيع الأرض الماء وان لم يذكر الا لعرف بأن تباع الأرض دون مائها والعكس ويدخل أيضا فى بيع الأرض السواقى التى يجرى الماء فيها الى الأرض والمساقى وهى الاصبات التى ينحدر منها ماء المطر الى الأرض وكذلك الحيطان وهى الجدران تدخل فى بيع الأرض تبعا واذا بيعت الأرض دخلت الطرق المعتادة ان كانت لها طرق معتادة مع البائع، والمتبع فى ذلك هو العرف فما قضى به من دخول القرار أو غيره فهذا المعول عليه ويدخل فى بيع الأرض شجر نابت مما يبقى سنة فصاعدا كالنخيل والأعناب وأصول القصب والكرات ولا يقطع ما يقتطع منه وان لم يشترط دخوله فى المبيع ولا يدخل فى بيع الأرض معدن بها ولا دفين من طعام أو غيره الا أن يدخل (١) وفى شرح الأزهار يدخل فى المبيع ونحوه كالنذر والهبة والوقف والوصية فانه يدخل فيها تبعا ما يدخل تبعا فى المبيع وقد سبق بيانه (٢) وقال أيضا: رقبة الوقف النافذ وفروعه التى لا تقطع فى العادة وقف وأما التى تقطع فى العادة فليس بوقف كأغصان التوت ولا خلاف فى الثمر الذى يؤكل أنه لا يصير وقفا ملكا لله تعالى (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: الضابط يراعى فيه اللغة والعرف العام والخاص وكذا يراعى الشرع بطريق أولى بل هو مقدم عليها ولعله أدرج فى العرف لأنه عرف خاص ثم ان اتفقت فبها والا قدم الشرعى ثم العرفى ثم اللغوى وفى بيع بستان بلفظه تدخل الأرض والشجر قطعا والبناء كالجدار وما أشبهه من الركائز المثبتة فى داخله لحفظ التراب عن الانتقال أما البناء المعد للسكنى ونحوه ففى دخوله وجهان أجودهما اتباع العادة ويدخل الطريق والشرب للعادة ولو باعه بلفظ الكرم تناول شجر العنب لأنه مدلوله لغة أما الأرض والعريش والبناء والطريق والشرب فيرجع فيها الى العرف وكذا كل ما اشتمل عليه من الأشجار وغيره وما شك فى تناول اللفظ له لا يدخل، ويدخل فى بيع القرية البناء المشتمل على الدور وغيرها والمرافق كالطريق والساحات لا الأشجار والمزارع الا مع الشرط أو العرف كما هو الغالب الآن أو القرينة وفى حكمها الضيعة فى عرف الشام (٤).
وذكر فى كتاب الخلاف اذا قال بعتك هذه الأرض ولم يقل بحقوقها وفيها
стр. 1430
بناء وشجر لم يدخل فى البيع البناء والشجر وقال أيضا فى الخلاف اذا باع أرضا مع بذر فيها فالبيع صحيح دليلنا الآية ولا مانع فى الشرع يمنع منه (١). وقال فى الروضة البهية: الثمرة لا تدخل وان كانت طلعا لم يؤبر لانها ليست كالجزء من الموقوف بدلالة العرف ويفهم منه أن ما كان كالجزء منها يدخل تبعا (٢) وفى مفتاح الكرامة لو استأجر أرضا للزرع ولها شرب معلوم والعادة تقتضى التبعية دخل لان الظاهر أن استئجارها للزرع انما هو للتعويل على دخول شربها ولان الاطلاق يحمل على العادة والمتعارف والمفروض أن كل من يستأجرها يذكر الشرب معها ومعناه أنه جرت عادتهم بذلك ولو اضطربت العادة بأن تستأجر الارض مرة منفردة وتارة معه احتمل التبعية وعدمها واحتمال التبعية أقرب لأن الاجارة للزراعة كشرط الشرب (٣).
وفى الروضة البهية كل ما يتوقف عليه توفية المنفعة فعلى المالك والأقوى الرجوع فيه الى العرف فان اضطرب أو انتفى فعلى المستأجر (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: ومن باع أرضا أو أوصى بها أو وهبها أو أخرجها من ملكه بوجه ما وفيها نخل وشجر ولم يقل: كل ما فيها ولا وما فيها فهل يدخل ذلك بقوله بعتها كلها أو أوصيت بها كلها أو نحو ذلك أى يدخل بزيادة كلها أو لا حتى يقول بعتها كلها مثلا وكل ما فيها أو بعتها وما فيها أو بكلها وكل ما فيها وهو الصحيح. قولان، وظاهر كلامه أنه ان لم يقل كلها ولم يقل وما فيها لم يدخل ذلك اجماعا وليس كذلك بل فى دخوله خلاف والحق عدم الدخول ويدخل ذلك فى البيع بلفظ فدان وقطعة وبستان وجنه وحديقة ونحو ذلك وان بلا ذكر (وما فيها) لا كالبيع بلفظ أرض لا يدخل فيه ذلك بلا ذكر (وما فيها) ونحو ذلك على أحد القولين لان لفظ الفدان والقطعة والجنان والبستان ونحوهن اسم للأرض بما فيها (٥) وقال أيضا فيما يتبع المبيع: تبع بلا قيمة مبيعا فى بيع ما يشمله اسمه ويفسد ان نزع منه اتفاقا كأرض وما نبت فيها من حب شجر ونوى تمر فلمشتريها ماله سعفة مما نبت من نوى النخلة وهى ورقة النخل والنوى، وما لا سعفة له بان خرجت له عروق ولم ينبت على الارض فهو له بالاولى، وماله سعفتان فصاعدا للبائع وقيل لمشترى الأرض ما لم يدر عليه ليف وما دار عليه ليف فللبائع وقيل
стр. 1431
للمشترى ما لم يتمر من النوى ولو دار عليه ليف وللبائع ما أتمر، ولمشترى الارض من الشجر شجر التين والزيتون والخوخ ما له ورقة وقيل ما له ورقتان وقيل ما لم يتمر وللبائع ما فوق ذلك وقيل ليس للمشترى فى النخل والشجر شئ ولو لم تكن الا سعفة أو ورقة، وان قال بعت الارض وما فيها دخلت الشجرة والنخلة ولو أتمرتا، وما نبت من ودى - صغار الفسيل - من أصل نخل فلمشترى نخلة ما خرج من أصلها ولم يحط به ليف، وللبائع ما أحاط به ليف، ولمشتريها ما خرج من أصلها ولم يتمر وللبائع ما أتمر، وما ثبت للبائع من ذلك كله فله تركه فى موضعه وحوضه (١).
وكراء الماء الذى يتبع الأرض وتزرع منه فهو تابع لكرائها فكراؤها هو كراؤه ولذا لم يذكروه وذكروا الأرض وحدها (٢).
موات الأرض
تعريفه
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: (٣) هى أرض خارج البلد لم تكن ملكا لأحد ولا حقا له خاصا فلا يكون داخل البلد موات أصلا وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها مجتطبا لأهلها أو مرعى لهم لا يكون مواتا لان ما كان من مرافق أهل البلدة فهو حق أهل البلدة كفناء دارهم، وفى ظاهر الرواية ليس بشرط أن يكون بعيدا عن العمران حتى ان بحرا لو جزر - أى انحسر - ماؤه أو أجمة عظيمة لم تكن ملكا لاحد تكون أرض موات فى ظاهر الرواية.
مذهب المالكية:
قال فى حاشية الدسوقى: موات الأرض من اضافة الصفة للموصوف أى الأرض الميتة.
وموات الأرض ما سلم عن الاختصاص بوجه من الوجوه كأن يكون بعمارة ولو اندرست وبحريمها كمحتطب ونحو ذلك مما تقتضيه المصلحة (٤).
مذهب الشافعية:
الأرض التى لم تعمر قط أى لم يتيقن عمارتها فى الاسلام من مسلم أو ذمى وليست من حقوق عامر ولا من حقوق المسلمين (٥).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: قال الأزهرى:
هى الأرض التى ليس لها مالك ولا بها ماء ولا عمارة ولا ينتفع بها ويسمى ميتة ومواتا بفتح الميم والواو وقال فى المغنى: وفى القاموس: الموات كغراب وسحاب: مالا روح فيه وأرض لا مالك لها وهى الأرض المستقلة عن الاختصاصات
стр. 1432
أو ملك معصوم مسلم أو كافر (١) وبهذا لم يخرج الحنابلة عن التعريف اللغوى
مذهب الظاهرية:
كل أرض لا مالك لها ولا يعرف أنها عمرت فى الاسلام (٢).
مذهب الزيدية:
قال فى شرح الأزهار (٣): الموات من الأرض، التى لم تزرع ولم تعمر ولا جرت عليها يد ملك أحد، وموتان بفتح الميم والواو وهى الأرض الميتة.
مذهب الإمامية:
قال فى مفتاح الكرامة: الأرض التى لا مالك لها ولا ينتفع بها أحدكما فى الصحاح والمصباح، وفى النهاية: أنها الأرض التى لم تزرع ولم تعمر ولا جرى عليها ملك أحد، وفى التذكرة: هى الارض الخربة الدارسة التى باد أهلها واندرس رسمها وعليه لو بقيت (٤) آثار الانهار والسواقى أو المروز لم تكن مواتا، ولهم تعريفات أخرى تنظر فى مصطلح أحياء الموات.
مذهب الإباضية:
قال فى شرح النيل: ذكروا عن رسول الله ﷺ أنه قال: من أحيا أرضا ميتة فهى له. وهو أن يعمر أرضا لا تنبت شيئا مثل السبخة أو جدران الماء ان لم تعرف فيها لاحد دعوى وقال آخرون: اذا لم يكن فيها أثر العمران ولم تعرف لاحد قبله، ومنهم من يقول: من عمر أرض البرارى والقفار ولم تعرف لاحد (٥).
اقطاع الامام الأرض
مذهب الحنفية:
ذكر فى رد المحتار لابن عابدين (٦) قال أبو يوسف رحمه الله تعالى فى كتاب الخراج: وللامام أن يقطع كل موات وكل ما ليس فيه ملك لاحد ويعمل بما يرى أنه خير للمسلمين وأعم نفعا، وقال أيضا:
وكل أرض ليست لاحد ولا عليها أثر عمارة فاقطعها رجلا فعمرها فان كانت فى أرض الخراج أدى عنها الخراج وان كانت عشرية ففيها العشر، وقال فى ذكر القطائع: ان عمر اصطفى أموال كسرى وأهل كسرى وكل من فر عن أرضه أو قتل فى المعركة وكل مغيض ماء أو أجمة فكان عمر يقطع من هذا لمن أقطع قال أبو يوسف: ذلك بمنزلة بيت المال الذى لم يكن لاحد ولا فى يد وارث فللامام العادل ان يجيز منه ويعطى من كان له غناء فى الاسلام ويضع ذلك موضعه ولا يحابى به فكذلك هذه الأرض فهذا سبيل القطائع عنده فى أرض العراق، وانما صارت القطائع يؤخذ منها العشر لانها بمنزلة الصدقة، قلت: وهذا صريح
стр. 1433
فى أن القطائع قد تكون من الموات وقد تكون من بيت المال لمن هو من مصارفه وانه يملك رقبة الارض، ولذا قال يؤخذ منها العشر لانها بمنزلة الصدقة ويدل له قوله أيضا: وكل من أقطعه الولاة المهديون أرضا من أرض السواد وأرض العرب والجبال من الاصناف التى ذكرنا أن للامام أن يقطع منها فلا يحل لمن يأتى بعده من الخلفاء أن يرد ذلك، ولا يخرجه من يد من هو فى يده وارث أو مشتر، قال والأرض عندى بمنزلة المال فللامام أن يجيز من له غناء فى الاسلام ومن يقوى به على على العدو، ويعمل فى ذلك بالذى يرى أنه خير للمسلمين وأصلح لامرهم وكذلك الارضون يقطع الامام منها من أحب من الأصناف فهذا يدل على أن للامام أن يعطى الأرض من بيت المال - على وجه التمليك لرقبتها كما يعطى المال حيث رأى المصلحة اذ لا فرق بين الارض - والمال فى الدفع للمستحق أنظر اقطاع.
مذهب المالكية:
قال فى حاشية الدسوقى (١). ويكون الاختصاص بسبب اقطاع الامام أرضا من موات أو من أرض تركها أهلها لأنها فضلت عن حاجتهم ولا بناء فيها ولا غرس - ومن الموات ما عمرت ثم درست وطال الزمن فان أقطعها الامام لانسان بعد طول اندراسها فقد ملكها واختص بها ومثل الامام نائبه ان أذن له فى الاقطاع وان لم يعين له من يقطع له. ثم اقطاع الامام ليس من الاحياء وانما الاحياء بلا تعمير بعده نعم الاقطاع تمليك مجرد فله بيعه وهبته ووقفه ويورث عنه ان حازه فان مات الامام قبل أن يحوزه من أقطعه له كان الاقطاع باطلا ومعنى كونه تمليكا مجردا أنه لا يحتاج معه الى عمارة والمراد أنه مجرد عن شائبة العوضية باحياء أو غيره، ولا يقطع الامام معمور أرض العنوة الصالحة لزراعة الحب ملكا بل امتاعا وانتفاعا ولا يقطع أيضا عقارها ملكا ومفهومه أن الصالحة لزراعة النخل فقط له اقطاعها ملكا وهو كذلك لانها موات وأما ما لا يصلح لزراعة الحب وليس عقارا للكفار فانه من الموات يقطعه ملكا أو امتاعا أى انتفاعا مدة حياته مثلا أو أربعين سنة وان صلح لغرس الشجر وانما لم يقطع المعمور ملكا لانه يصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليه وأما أرض الصلح فليس للامام اقطاعها مطلقا لأنها على ملك أهلها لا علاقة للامام بها سواء كانت معمورة أو مواتا ثم ما أقطعه الامام من العنوة ان كان لشخص بعينه انحل عنه بموته واحتاج لا قطاع بعده، وان كان لشخص وذريته وعقبه استحقته الذرية بعده، للانثى كالذكر الا لبيان تفضيل كالوقف - أنظر اقطاع.
مذهب الشافعية:
قال فى أسنى المطالب اقطاع الامام
стр. 1434
الموات لا لتمليك الرقبة كالتحجر فلا يقطع شخصا أرضا يعجز عنه ويصير المقطع أحق بما أقطعه لتظهر فائدة الاقطاع ويستثنى ما أقطعه النبى ﷺ فلا يملكه الغير بالاحياء قياسا على أنه لا ينقض ما حماه أما اذا أقطعه لتمليك رقبته فيملكه وهل يلتحق المندرس الضائع بالموات فى جواز الاقطاع؟ وجهان: أصحها فى البحر نعم (١).
مذهب الحنابلة:
قال فى كشاف القناع الاقطاع قسمه الأصحاب الى ثلاثة أقسام اقطاع تمليك، واقطاع استغلال.
واقطاع ارفاق. وقسم القاضى اقطاع التمليك الى موات وعامر ومعادن وجعل اقطاع الاستغلال على ضربين عشر وخراج - وللامام اقطاع موات لمن يحييه لانه ﵊ أقطع بلال بن الحارث العقيق وأقطع وائل بن حجر أرضا وأقطع أبا بكر وعمر وعثمان وجمعا من الصحابة ولا يملك الموات بالاقطاع لانه لو ملكه ما جاز استرجاعه بل يصير المقطع كالمتحجر الشارع فى الاحياء لانه ترجح بالاقطاع على غيره ويسمى تمليكا لمآله اليه ولا ينبغى للامام أن يقطع الا ما قدر على احيائه لان فى اقطاعه أكثر من ذلك تضيقا على الناس فى حق مشترك بينهم مما لا فائدة فيه فان أقطع الامام أحدا أكثر مما يقدر على احيائه ثم تبين عجزه عن احيائه استرجعه الامام منه كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من العقيق الذى أقطعه اياه رسول الله ﷺ .
اقطاع الاستغلال:
ويجوز للامام اقطاع غير موات تمليكا وانتفاعا للمصلحة والظاهر أن مراد الاصحاب بالمصلحة التى يجوز الاقطاع لاجلها ابتداء ودواما.
مذهب الظاهرية:
قال فى المحلى: كل أرض لا مالك لها ولا يعرف أنها عمرت فى الاسلام فهى لمن سبق اليها وأحياها سواء باذن الامام فعل ذلك أو بغير اذنه لا اذن فى ذلك للامام ولا للامير ولو أنه بين الدور فى الامصار ولا لأحد أن يحمى شيئا من الارض عمن سبق اليها بعد رسول الله ﷺ فلو أن الامام اقطع انسانا شيئا لم يضره ذلك ولم يكن له أن يحميه ممن سبق اليه فان كان احياؤه ذلك مضرا بأهل القرية ضررا ظاهرا لم يكن لاحد أن ينفرد به لا باقطاع الامام ولا بغيره كالملح الظاهر والماء الظاهر والمراح ورحبة السوق والطريق والمصلى ونحو ذلك وأما ما ملك يوما باحياء أو بغيره ثم دثر واشغر حتى عاد كأول حاله فهو ملك لمن كان له لا يجوز لأحد تملكه بالاحياء أبدا فان جهل أصحابه فالنظر فيه الى الامام ولا يملك الا باذنه (٢).
стр. 1435
مذهب الزيدية:
قال فى البحر الزخار: للامام اقطاع الموات لا قطاعه ﷺ الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام أى وقف ثم رمى بسوطه فقال ﷺ أعطوه من حيث بلغ السوط - اخرجه أبو داود، ولفعل أبى بكر وعمر، روى أن أبا بكر اقطع اقطاعا لمن أحياه وملكه اياه لمصلحة هناك واقطع عمر العقيق وهو على ميل من المدينة ولم ينكر ذلك ولا يقطع أحدا أكثر مما يستطيع احياءه لاضراره ومن أقطع له يكون كالمتحجر فى الحكم الا أن الاقطاع لا يفتقر فى ثبوت الحق الى ضرب الاعلام بل يثبت الحق بمجرده، وله أيضا اقطاع بقاع فى الاسواق والطرق الواسعة بغير اضرار بأن يقطع حق من سبق اليها بعد رفع قماشه ويجعل غيره أولى فلا يستحق العود اليه، وفوائد الارض الظاهرة كالملح المأربى والبحرى وحجارة الارضية والقدور لا يصح تحجرها ولا تملك بالاحياء والاقطاع لرجوعه ﷺ عن اقطاع الابيض بن حمال ملح مأرب، وأما الباطنة كمعادن الذهب والفضة والفيروزج ونحوها مما يستتر فى طبقات الارض ففى اقطاعه وجهان أصحها يصح (١).
مذهب الإمامية:
قال فى مفتاح الكرامة: الموات ملك للامام ﵇ فيجوز له أن يفعل به ما يشاء من اقطاع ونحوه فاذا أقطعه وجب اتباع اقطاعه بمعنى أن المقطع يصير أولى من غيره فى الاحياء كما يصير المحجر أولى من غيره فيما يحجره ولا يزاحمه الغير ولا يصح رفع هذا الاختصاص بالاحياء، والاقطاع وحده كاف فى حصول الاولية، والاختصاص وان لم يحصل تحجر، وقد أقطع النبى ﷺ بلال بن الحارث العقيق فلما ولى عمر قال:
ما أقطعته لتحجبه فاقطعه الناس، وأقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام فرمى بسوطه طلبا للزيادة على الحضر فأعطاه من حيث وقع السوط - والعقيق واد بظاهر المدينة - والحضر بالحاء المهملة والضاد المعجمة وهو عدوه ومعنى قام أى عجز عن التقدم والاقطاع يفيد الاختصاص أى صار أحق به بلا خلاف بين المسلمين وقال أيضا فى مفتاح الكرامة نقلا عن المبسوط: اذا حجر أرضا وباعها لم يصح بيعها وهو شاذ فأما عندنا فلا يصح بيعه لانه لا يملك رقبة الارض بالاحياء وانما يملك التصرف بشرط أن يؤدى للامام ما يلزمه عليها والظاهر من عبارة المبسوط أن التحجير احياء والاحياء عنده مطلقا لا يملك رقبة الارض وقد سبق أن الاقطاع كالتحجير (٢).
(أنظر اقطاع).
مذهب الإباضية:
قال فى شرح النيل (٣): ان أقطع الملك
стр. 1436
الاعظم لأمير أو قاض أو وال أرضا أو مالا فله أخذه اذا كان على وجه الشرع ولو حاباهم دون نظائرهم ويترك ما بنى الولاة أو الامراء أو القضاة من المساجد أو المدارس أو الحصون أو الصوامع للأذان أو نحو ذلك فى مال الله وقال أيضا:
ولسابق فى مباح دفاع منازع فيه وقتاله اذ هو أولى به وكذا ما أقعده فيه حاكم أو نحوه كامام (١).
«أنظر اقطاع».
إساءة
تعريف الاساءة فى اللغة
جاء فى لسان العرب: (٢) أساء الرجل اساءة خلاف أحسن، وأساء اليه نقيض أحسن اليه، وأساء الشئ أفسده، ويقال: أسأت به واليه وعليه وله، وساءه فعل به ما يكره قال الله : (٣) ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها فاذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم … » وجاء فى القرآن أيضا قوله تعالى: (٤) «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ» والسيئة الخطيئة، والسئ والسيئة عملان قبيحان، وفى القرآن الكريم قول الله تعالى: (٥) ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ»،﴾ والسوء: الفجور والمنكر، وقال الزجاج فى معنى السوء الوارد فى قول الله (٦) «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ» السوء: خيانة صاحبه والفحشاء ركوب الفاحشة، وقال اللحيانى: السوء: اسم جامع للآفات والداء، (٧) والمفسرون يذهبون الى أن معنى الاساءة الوارد فى قول الله «وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها» هو المعصية.
ومما تقدم يتبين أن الاساءة لفظ شامل يطلق على الفعل القبيح ويطلق على الخطيئة ويطلق على فعل المكروه بالغير ويطلق على المعصية والمنكر أو هو كما قال اللحيانى: اسم جامع للآفات والداء.
تعريف الاساءة فى اصطلاح الفقهاء:
والفقهاء يسايرون أهل اللغة فى المعنى المقصود من لفظ اساءة لكن التعبير بنفس اللفظ غير شائع فى استعمالاتهم وانما نراهم يعبرون عنها بالمعنى المقصود منها فالاساءة اذا كانت ناتجة عن تجاوز الحد فى حق قرره الشرع فان الفقهاء يعبرون عن ذلك بلفظ المضارة والضرر والاضرار،
стр. 1437
وهو تعبير القرآن الكريم فيمن اتخذ الحق الذى اعطاه الله للمالك فى الوصية ببعض ماله سبيلا الى ايذاء الورثة بالوصية مضارة لهم، قال الله (١) «وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ» والثابت كذلك شرعا أن السيد له ولاية تأديب عبده وان الزوج له ولاية تأديب زوجته وذلك فى حدود قررها الشرع فاذا خرج كل من السيد والزوج عن الحدود المقررة شرعا فى التأديب فقد أساء استعمال حقه وألحق بغيره ضررا يستحق عليه العقوبة، وفى الحديث ما رواه ابن عمر مرفوعا عن النبى ﷺ أنه قال:
من لطم عبده فكفارته عتقه (٢)، على أن بعض الفقهاء ذكر لفظ الاساءة ثم فسرها بمعنى الضرر، يقول خليل والدردير من المالكية فى الشرح الصغير (٣) ان حصل نزاع بين الزوجين بعث الحاكم حكمين للاصلاح بينهما فان تعذر الاصلاح حكما بالطلاق بلا مال يأخذانه للزوج من الزوجة ان كانت الاساءة من الزوج، أو حكما بالخلع - أى بمال - يأخذانه من الزوجة للزوج ان كانت الاساءة منها، وان أساءا معا أى بأن كان كل من الزوج والزوجة يضر بصاحبه تعين الطلاق بلا خلع، وهكذا نرى الفقهاء يعبرون فى المواضع التى يساء فيها استعمال الحق بلفظ المضارة أو بلفظ الضرر والاضرار، وتفصيل الكلام فى ذلك ينظر فى هذه المصطلحات.
ومن ناحية أخرى فان اساءة استعمال الحق قد تتعدد أنواعها بتعدد موضوعاتها وذلك مثل الشركة فى الارتفاق واساءة استعمال الحق فيها مثل حق الشرب وحق الطريق وحق المسيل، ومثل ذلك أيضا حقوق الجوار واساءة استعمال الحق فيها، وقد اتفق الفقهاء على أثم من يتصرف فى ملكه تصرفا يسئ الى جاره، ومثل ذلك أيضا العقود واساءة استعمال الحق فيها وذلك أن العقود الشرعية ترتب حقوقا لكلا العاقدين، وقد قرر الشارع أحكاما فى العقود لمنع اساءة استعمالها ومن ذلك ان عقد (٤) الاجارة ينتهى بانتهاء مدته، فاذا انتهى وفى الارض زرع فان الارض تستمر فى يد المستأجر بأجرة المثل ولا يسوغ للمالك أن يسترد الارض من المستأجر قبل أن يحصد زرعه والا كان هذا مضارة به ..
стр. 1438
وتفصيل الكلام فى ذلك ينظر فى مصطلحاته الخاصة به مثل ارتفاق وشركة وعقد وجوار وغير ذلك ..
أما اذا كانت الاساءة ناتجة عن سوء طبع وكان الحاق الضرر بالغير غير مستند الى حق أسئ استعماله فان الفقهاء يعبرون عن ذلك باسم الفعل نفسه فاذا كان الحاق الضرر بالغير من ناحية المال مثلا فان ذلك يعرف عند الفقهاء باسم السرقة أو باسم الغصب أو باسم النهب أو باسم الاختلاس، واذا كان الضرر لاحقا بالنفس أو أطرافها سمى ذلك عند الفقهاء جناية وجرحا وهكذا، واذا كان الضرر لاحقا بالعرض سمى ذلك قذفا أو زنا وهكذا ويرجع فى بيان أحكام ذلك كله الى مصطلحاته الخاصة به.
استئذان
الاستئذان فى اللغة وفى الشرع
هو طلب الاذن، واستأذنه طلب منه الاذن (١).
والفقهاء أيضا يستعملونه بهذا المعنى فقد قال صاحب البدائع (٢): الاستئذان هو طلب الاذن.
مجاله: مجال الاستئذان ومسائله كثيرة منتشرة فى كتب الفقه الا أن الأحكام التى وردت فى كثير منها تتعلق بلفظ الاذن أكثر من تعلقها بلفظ الاستئذان كاذن السيد لعبده فى التجارة واذن الصبى والعبد بالتزوج واذن الورثة فى الوصية وقد ذكرت هذه الأحكام مفصلة فى مصطلح «اذن» فيرجع اليها.
لكن أخفى أماكن الاستئذان المشهورة فى كتب الفقه موضعان وهما:
الموضع الأول: استئذان البكر فى الزواج وأصل الكلام فيه قول رسول الله ﷺ : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن، والبكر تستأمر واذنها سكوتها» وهل الاستئذان واجب أو سنة وهل هذا الحكم بالنسبة للأب أو يشمل غيره من الأولياء وما كيفية الاستئذان وما السنة فى ذلك ثم ما حكم ما لو زوجها وليها بدون استئذان؟ وتفصيل القول فى ذلك يرجع فيه الى مصطلح «اذن» ومصطلح «استئمار».
الموضع الثانى: الاستئذان فى دخول البيوت وأصل الكلام فيه قول الله : (٣) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ﴾
стр. 1439
﴿تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ» وقد بسط الفقهاء القول فى ذلك كثيرا من حيث حكم الاستئذان وكيفيته ومن يباح له الدخول بغير استئذان ومن لا يباح له ذلك الا بالاستئذان ومن حيث الأماكن نفسها اذا كانت مسكونة أو غير مسكونة ويشمل ذلك أيضا الدخول على الزوجة وعلى المحرم وعلى الأجنبى ويشمل كذلك الأوقات التى يباح فيها بدون استئذان والتى لا يباح فيها الا بالاستئذان وكذلك الحكم بالنسبة للأشخاص كالطفل والأعمى وغير ذلك من الأحكام.
وتفصيل الكلام فى ذلك يرجع فيه الى مصطلح «دخول».
استئمار
تعريف الاستئمار
أولا فى اللغة:
الائتمار والاستئمار المشاورة. وكذا التآمر على وزن التفاعل وفى الحديث آمروا النساء فى أنفسهن أى شاوروهن فى تزويجهن (١).
ثانيا: فى اصطلاح الفقهاء: طلب الأمر أى الاذن (٢).
الفرق بين الاستئمار والاستئذان
هو أن الاستئمار لا يكون جوابه الا بالنطق لأنه طلب الأمر. والامر لا يكون الا بالنطق أما الاستئذان فهو طلب الاذن. وهو يصح بالسكوت (٣).
من تستأمر من النساء
مذهب الحنفية:
تستأمر (٤) من النساء البالغة بكرا كانت أو ثيبا. لما روى عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت رسول الله ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة فخيرها النبى ﷺ ولقوله ﵇ (٥): «البكر تستأمر فى نفسها واذنها صماتها والثيب تشاور». وما (٦) روى أن رجلا زوج بنته وهى كارهة وهى تريد عم صبيانها ففرق رسول الله صلى
стр. 1440
الله عليه وسلم بينها وبين الذى زوجها منه أبوها ثم زوجها عم أولادها. وهذه المرأة كانت ثيبا لأن الراوى قال وهى تريد عم صبيانها.
ويندب (١) استئمار أمهات البنات لأمره ﷺ بذلك فى قوله:
«تؤامر النساء فى أبضاع بناتهن».
مذهب المالكية (٢):
تستأمر من النساء:
١ - المجنونة جنونا غير مطبق. ينتظر افاقتها اذا كانت ثيبا بالغة ولا يزوجها أبوها الا برضاها.
٢ - البكر العانس عند ابن وهب، لأنها لما عنست صارت كالثيب.
٣ - البكر اذا أراد أبوها زواجها لذى عاهة كخصى مقطوع الانثيين، ومجنون ومبرص ومجذوم وعنين ومجبوب وعبد ولو كان عبد الأب. وفى هذا لا بد من رضاها بالقول.
٤ - الثيب البالغة بنكاح صحيح أو فاسد مختلف فى فساده أو مجمع عليه ودرأ الحد.
أما من ثيبت بعارض الزنا وتكرر منها ذلك حتى زال حياؤها صغيرة كانت أو كبيرة فالارجح أنها لا تستأمر وفى قول تستأمر.
٥ - البكر التى رشدها أبوها وأذنها بالقول. ومثل البكر التى رشدها أبوها البكر اذا رشدها الوصى لا يزوجها الا برضاها وأذنها بالقول أيضا.
٦ - المرأة التى أقامت ببيتها الذى دخلت فيه مع زوجها سنة من يوم الدخول وأنكرت بعد فراقها الوط ء تنزيلا لاقامتها السنة منزلة الثيوبة.
٧ - الثيب الموصى بنكاحها يزوجها الوصى برضاها.
٨ - البالغ (٣) عند عدم الأب ووصيه تزوج باذنها فان كانت ثيبا أعربت عن نفسها وان كانت بكرا كفى صمتها.
٩ - اليتيمة غير البالغ اذا خيف فسادها بفقر أو زنا أو عدم حاضن شرعى أو ضياع مال أو دين وبلغت من السنين عشرا يزوجها وليها باذنها بالقول ولكن الراجح أنه يكفى صمتها.
١٠ - بكر (٤) عضلت لم يذكر المتيطى هذه فى جملة الابكار اللاتى يتكلمن لكنه قال فى الوثيقة ما نصه بعد ثبوت أنها بكر عضلها أبوها فأنكحها فلان بعد أن استأمرها ولا يكون رضاها الا بالنطق.
١١ - للحاكم (٥) تزويج ابنة الغائب المجبرة دون غيره من الاولياء فى غيبته البعيدة