← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

على سبيل الاشتراك المعنوى أو اللفظى بينهما أو هو حقيقة فى المتصل مجاز فى المنقطع - وعلى اختلافهم فى أن الاستثناء اخراج للمستثنى من حكم المستثنى منه، أو هو منع من دخوله فيه - وليس فيه اخراج، جاء فى كشف الأسرار شرح أصول البزدوى الحنفى: أن الكلام فى تعريف الاستثناء يتوقف على أنه فى المنقطع حقيقة كالمتصل أم مجاز؟ فذهب بعض الاصوليين الى أنه حقيقة فيه أيضا كما فى المتصل فيكون مشتركا بينهما أما بالاشتراك المعنوى كاشتراك الحيوان بين الانسان وغيره أو بالاشتراك اللفظى كاشتراك العين بين مفهوماته لأن المتصل اخراج والمنقطع مخالفة من غير اخراج فلا يشتركان فى معنى يصلح جعل اللفظ له، وقد أطلق اللفظ عليهما والأصل فى الاطلاق الحقيقة فكان مشتركا. وذهب أكثرهم الى أنه مجاز فى المنقطع لسبق الفهم الى المتصل من غير قرينة وتوقفه فى المنقطع على القرينة، ولا يمكن حمل اللفظ على الاشتراك المعنوى لانه يؤدى الى جواز استثناء كل شئ من كل شئ لوجود الاشتراك فى الاشياء معنى بوجه من الوجوه وذلك خلاف كلام العرب .. ولا على الاشتراك اللفظى مع امكان الحمل على المجاز لأنه أولى اذ لا يؤدى الى ابهام المراد لوجود القرينة اذ لا يخلو المجاز عن قرينة دالة على المراد بخلاف الاشتراك … ثم قال: وحده عند من قال بالاشتراك المعنوى هو: ما دل على مخالفة بالا غير الصفة أو احدى اخواتها … وقوله غير الصفة احتراز عن الا التى تكون صفة وهى التى تقع بعد جمع مذكر غير محصور. فانها لا تدل على الاستثناء لأن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها ولا يشمله حكمه، كما فى قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا ١» فان الا فيه بمعنى غير صفة لآلهة، ولم يقصد بها الاستثناء لأن الله تعالى غير داخل فى لفظ - آلهة - وقوله - بالا أو احدى اخواتها - لاخراج نحو - جاء القوم ولم يجئ زيد، فانه ليس استثناء وان حقق معناه، أما عند من قال بالاشتراك اللفظى ومن قال بالمجاز فى المنقطع فلا يمكن جمعهما فى حد واحد لأن أحدهما مخرج من حيث المعنى والآخر ليس بمخرج، وكل أمرين فصل أحدهما مفقود فى الآخر يستحيل جمعهما فى حد واحد، وعلى هذا قيل فى تعريف المتصل: هو اخراج بألا أو احدى اخواتها، وفى تعريف المنقطع: هو ما دل على مخالفة بألا غير الصفة أو احدى اخواتها من غير اخراج. وعرف ابن احاجب الاستثناء المتصل بأنه: لفظ أخرج به شئ من شئ بألا وأخواتها .. والمنقطع بأنه: لفظ من ألفاظ الاستثناء لم يرد به اخراج سواء كان من جنس الأول أو من غير جنسه، فلو قلت: جاء القوم ألا زيد أو زيد ليس من القوم كان منقطعا (٢) ويتفق صدر

стр. 1507

الشريعة فى التوضيح والغزالى فى المستصفى والبيضاوى فى المنهاج على أن الاستثناء حقيقة فى المتصل مجاز فى المنقطع، ولكنهم يختلفون فى التعريف فقال صدر الشريعة أن المنقطع يسمى استثناء مجازا ولم يجعله قسما من الاستثناء وعرف الاستثناء المتصل بأنه: المنع من دخول بعض ما تناوله صدر الكلام فى حكمه بألا أو احدى اخواتها - وقال أنه اختار التعبير بالمنع لأن الاستثناء لا اخراج فيه، لان الاخراج اما من حكم المستثنى منه وهو لم يدخل فيه، وأما من تناول لفظ المستثنى منه وهو داخل فيه قطعا ولا يمكن اخراجه منه (١). وعرفه البيضاوى بأنه: الاخراج بألا غير الصفة ونحوها - وهو يتفق مع ما ذكره صاحب كشف الأسرار فى تعريف الاستثناء المتصل عند القائلين بأنه مشترك لفظى بين المتصل والمنقطع، أو مجاز فى المنقطع، وما ذكره ابن الحاجب فى تعريفه (٢). وعرف الغزالى الاستثناء بأنه: قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول - وهو يتفق مع صدر الشريعة فى أن الاستثناء ليس اخراجا وانما هو بيان للمراد بصدر الكلام (٣). ونقد الآمدى تعريف الغزالى وقال أنه باطل من وجهين بينهما، وذكر تعريفا مطولا قال أنه يميز الاستثناء عن سائر أدلة التخصيص وعن الشرط والصفة والغاية (٤). اصطلاح الفقهاء مذهب الحنفية: فى تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار فى فقه الحنفية - أن الاستثناء هو تكلم بالباقى بعد الثنيا أى بعد الاستثناء، ففى قول الشخص: له على عشرة الا ثلاثة، صدر الكلام اقرار بالعشرة، وعجزه استثناء الثلاثة من العشرة والباقى بعد الثنيا سبعة، فكأنه تكلم بالباقى وهو السبعة، وقال: له على سبعة (٥). وفى فتح القدير للكمال ابن الهمام الحنفى: الاستثناء هو: بيان بألا أو احدى اخواتها أن ما بعدها لم يرد بحكم الصدر، وقال: أن هذا يشمل المتصل والمنقطع على أنه متواطئ أى مشترك معنوى بينهما، أما على أنه مجاز فى

стр. 1508

المنقطع - فيعرف المتصل بأنه: اخراج بعض أفراد الجنس من الحكم. والكمال يجرى فيما ذكره فى تعريف الاستثناء - على منهج الأصوليين، والتعريف الذى نقلناه عن ابن عابدين هو المذكور فى أكثر كتب الفقه فى مذهب الحنفية -. مذهب المالكية: جاء فى شرح منح (١) الجليل على المختصر فى فقه المالكية: أن الاستثناء هو اخراج لما دخل فى الكلام أو بألا أو احدى اخواتها. مذهب الشافعية: فى حاشية البجيرمى (٢) على المنهج فى فقه الشافعية أن الاستثناء هو: الاخراج بألا أو احدى اخواتها تحقيقا أو تقريرا كما فى المنقطع وهو مأخوذ من الثنى وهو الصرف لصرف المستثنى عن حكم المستثنى منه، وفى شرح المنهاج (٣) هو: اخراج ما لولاه لدخل فى الكلام السابق بنحو ألا. مذهب الحنابلة: وفى المغنى لابن قدامة (٤) الحنبلى من باب الاقرار أن الاستثناء هو: اخراج بعض ما تناوله المستثنى منه، من ثنيت فلانا عن رأيه اذا صرفه عن رأى كان عازما عليه، وفيه من باب الطلاق (٥) أن الاستثناء هو بيان أن المستثنى غير مراد بالكلام الاول والمنع من أن يدخل فيه ما لولاه لدخل. مذهب الظاهرية: فى المحلى لابن حزم الظاهرى (٦) أن الاستثناء ابطال لما أثبته بأول كلامه قبل أن يستثنى ما استثنى. مذهب الإمامية: فى الروضة (٧) البهية أن الاستثناء هو: اخراج ما لولاه لدخل فى اللفظ. مذهب الإباضية: فى كتاب النيل (٨) وشرحه أن الاستثناء هو: اخراج بعض من كل بأداة من أدواته. أحكام الاستثناء فى الأصول الفرق بين الاستثناء والتخصيص والنسخ: فرق الغزالى فى المستصفى (٩) بين الاستثناء والتخصيص من وجوه: الأول: أنه يشترط فى الاستثناء أن

стр. 1509

يكون متصلا أى غير متراخ عن المستثنى منه، بخلاف التخصيص فانه يجوز أن يكون متراخيا ومتأخرا عن العام فى الورود وان كان لا يتأخر عن العمل بالعام، وهذا على رأى الشافعية الذين يرون أن التخصيص قد يكون غير مقارن وأما على رأى الحنفية الذين يرون أن التخصيص لا يكون الا بمقارن مستقل فلا يتأتى هذا الفرق. الثانى: أن الاستثناء يتطرق الى الظاهر والنص جميعا اذ يجوز أن يقول: له على عشرة الا ثلاثة ويقول: اقتلوا المشركين الا زيدا .. والتخصيص لا يتطرق الى النص أصلا. الثالث: أن الاستثناء يدخل على الكلام فيمنع أن يدخل تحت اللفظ ما كان يدخل لولاه، والتخصيص يبين أن اللفظ قاصر عن البعض ومن ثم قالوا أن التخصيص هو قصر العلم على بعض أفراده ومسماه. وفرق بين الاستثناء والنسخ من هذا الوجه فقال: أن النسخ رفع للحكم بعد ثبوته بالفعل فيما كان داخلا تحت اللفظ السابق والاستثناء منع من ثبوت الحكم فيما أخرجه من تناول اللفظ له، فالنسخ رفع والاستثناء منع والتخصيص بيان. وفرق الآمدى بين الاستثناء والتخصيص فقال: أن الفرق بينهما واقع من جهة الجملة واللفظ، فان التخصيص لا يلزم فيه اللفظ اذ قد يكون بدليل العقل وبالحس. أما الاستثناء فلا بد أن يكون باللفظ والعبارة. وفرق بين الاستثناء والنسخ فقال: أن النسخ يمتنع اتصاله بالمنسوخ بل لا بد أن يكون متراخيا ومتأخرا عنه بخلاف الاستثناء فانه يكون متصلا. شروط الاستثناء يشترط لصحة الاستثناء عند الأكثرين ما يأتى: الشرط الأول: أن يكون متصلا بالمستثنى حقيقة بأن لا يفصل بينهما فاصل أصلا أو حكما بأن يفصل بينهما ما لا يعد فاصلا عرفا ويعتبر الكلام معه متصلا كانقطاع النفس والسعال والعطاس، واعتبروا الفصل بالنداء نحو لك على عشرة يازيد الا ثلاثة غير قاطع للاتصال لأنه بمثابة التنبيه والتأكيد، والعرف لا يعتبره فاصلا - وذهب البعض الى عدم اشتراط هذا الشرط وأجازوا الاستثناء المنفصل. ونقل عن ابن عباس رضى الله عنهما القول بصحة الاستثناء المنفصل وأن طال الزمان شهرا وفى بعض الروايات سنة سواء كان الفصل عمدا أو نسيانا وعن أبى العالية أربعة أشهر اعتبارا بالايلاء «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ١ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» وعن الحسن وطاووس وعطاء جواز الفصل الى آخر المجلس اعتبارا بالايجاب والقبول فى العقود وبه قال الامام أحمد، ويعد بمثابة القيام من المجلس الأعراض بالاخذ فى كلام أو عمل آخر مع استمرار المجلس لانه يعد تركا واعراضا يقطع الاتصال

стр. 1510

عرفا وبنى الفقهاء كثيرا من أحكام العقود على ذلك. وقد أشار (١) الغزالى ما نقل عن ابن عباس من القول بصحة الاستثناء المنفصل ثم قال: ولعله لا يصح عنه النقل اذ لا يليق ذلك بمنصبه، وان صح فلعله أراد به اذا نوى الاستثناء ولم يتلفظ به ثم أظهر نيته بعده وتلفظ به فيدين بينه وبين الله تعالى. وفى الأحكام للآمدى أن بعض أصحاب مالك ذهبوا الى جواز تأخير الاستثناء لفظا لكن مع أضمار الاستثناء متصلا ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين الله تعالى ولعله مذهب (٢) ابن عباس. وذهب بعض الفقهاء الى صحة الاستثناء المنفصل فى كتاب الله تعالى دون غيره استنادا الى قول الله تعالى: ﴿(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ٣)﴾ فان قوله سبحانه: «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ استثناء من - ﴿الْقاعِدُونَ﴾ -» ولم ينزل هذا الاستثناء مع الآية متصلا، وانما بعد مدة لما اشتكى عبد الله ابن أم مكتوم وغيره من أصحاب الأعذار من الصحابة رضوان الله عليهم من أنهم انما قعدوا عن الجهاد لعذر منعهم فلم يفضل الله عليهم المجاهدين ويحرمهم مما فضلهم به عليهم من الدرجة والأجر؟ فنزل هذا الاستثناء واستثنى أصحاب الاعذار من التفضيل والحرمان. وقد أجيب بأن المراد بالقاعدين من المؤمنين فى الآية - القاعدون عن واجب الجهاد بعد وجوبه عليهم وذلك معلوم بالضرورة اذ المتبادر من القعود - القعود عن أداء الواجب فلا يشمل أصحاب الأعذار اذ لم يجب عليهم الجهاد ولم يتقاعسوا عنه فلا محل لاستثنائهم - وقوله غير أولى الضرر ليس استثناء بل هو بيان تقرير للتأكد لقطع احتمال المجاز أو الخصوص - وبيان التقرير يجوز فيه الانفصال والتأخير بالاتفاق (٤)، وقد استدل الجمهور على أن الاتصال شرط فى صحة الاستثناء بما يأتى: أولا: ما روى عن النبى ﷺ أنه قال من حلف على شئ فرأى غيره خيرا منه فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه، وفى رواية «فليكفر

стр. 1511

عن يمينه وليأت الذى هو خير» فلو كان الاستثناء المنفصل صحيحا لأرشد النبى ﷺ اليه بدلا من الحنث والتكفير لانه طريق مخلص للحالف عند تأمل الخبر فى البر وعدم الحنث وهو أسهل وأيسر من التكفير والنبى ﷺ انما يقصد التيسير والتسهيل على المسلمين فحيث لم يقصد الى الاستثناء مع ذلك دل على عدم صحته منفصلا. ثانيا: أن أهل اللغة لا يعدون الكلام المشتمل على الاستثناء المنفصل المتراخى كلاما منتظما ولا يعدونه من كلام العرب، فلو قال: لفلان على عشرة دراهم، ثم قال بعد شهر أو سنة، ألا درهما، أو قال: رأيت بنى تميم، ثم قال بعد شهر أو سنة - ألا زيدا، فانه لا يعد استثناء ولا كلاما صحيحا. كالخبر والشرط حين يقول الشخص - رأيت زيدا - ثم يقول بعد شهر - قائم - فان أهل اللغة لا يعدونه بذلك مخبرا عن زيد بشئ، وحين يقول السيد لعبده - أكرم زيدا ثم يقول بعد شهر - ان دخل دارى - فانهم لا يعدون ذلك شرطا. ثالثا: أنه لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل لما علم صدق صادق ولا كذب كاذب ولا حصل وثوق بيمين ولا بوعد ولا بوعيد ولا حصل حزم بصحة عقد ولا لزوم معاملة أصلا .. لامكان الاستثناء المنفصل ولو بعد حين وابطال الكلام الأول والتحلل مما تضمنه .. ولا يخفى ما فى ذلك من التلاعب وابطال التصرفات الشرعية وضياع الحقوق وترتيب الاضرار - الامر الذى لا تقره الشريعة ولا يجيزه الدين. واستدل القائلون بصحة الاستثناء المنفصل المتراخى بما يأتى: أولا: بما روى عن النبى ﷺ أنه قال: (والله لأغزون قريشا) ثم سكت وقال بعده - ان شاء الله - ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لما فعله النبى ﷺ لكونه مقتدى به. وبما روى عنه ﷺ أن اليهود سألته عن عدة أصحاب الكهف وعن مدة لبثهم فيه فقال: «غدا أجيبكم» ولم يقل ان شاء الله، فتأخر عنه الوحى بضعة عشر يوما ثم نزل قوله تعالى: «قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ١، ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ، فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ» فقال ﵇ ان شاء الله بطريق الالحاق بخبره الأول ولو لم يكن ذلك صحيحا لما فعله.

стр. 1512

ثانيا: أن ابن عباس ترجمان القرآن ومن أفصح فصحاء العرب، وقد نقل عنه القول بصحة الاستثناء المنفصل ولو لم يكن صحيحا لما قال به. ثالثا: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول فجاز تأخيره كالنسخ وأدلة التخصيص المنفصلة. وأجاب الجمهور عن أدلة المخالفين بأن الحديث الأول محمول على السكوت الذى لا يخل بالاتصال الحكمى الذى أشير اليه فيما سبق فلا حجة فيه، أما الحديث الثانى فان قوله ﵇ بعد نزول الوحى عقب الانقطاع: «ان شاء الله» ليس عائدا الى الخبر الأول «أجيبكم غدا» بل هو عائد الى ذكر ربه اذا نسى الذى نزل به الوحى بعد الخبر. والتقدير أذكر ربى اذا نسيت ان شاء الله كما يقول القائل لغيره - افعل كذا - فيقول المأمور - ان شاء الله - أى افعل ان شاء الله. وأما النقل عن ابن عباس فانه كان يرى صحة اضمار الاستثناء ويدين المكلف بذلك فيما بينه وبين الله تعالى وأن تأخر الاستثناء لفظا كما أشار اليه الغزالى والآمدى فيما نقل عنهما سابقا، وهذا ليس من موضوع البحث وان صح النقل فى الموضوع فهو محجوج باتفاق أهل اللغة على عدم صحته ممن سواه وبالأدلة الاخرى التى سبقت. أما القياس على النسخ وأدلة التخصيص المنفصلة فهو قياس فى اللغة والاتفاق على أنه لا قياس فى اللغة، ثم هو منقوض بالخبر والشرط المتفق عليهما كما أشير (١) اليه. الشرط الثانى: أن يكون المستثنى ثابتا بصدر الكلام ويتناوله لفظ المستثنى منه قصدا وحقيقة ليمكن جعل الكلام تكلما بالباقى، فاذا ثبت المستثنى بالكلام ضرورة وحكما فلا يصح الاستثناء - لأنه تصرف لفظى فيقتصر عمله على ما يتناوله اللفظ ولا يعمل فيما ثبت بطريق الضرورة والحكم فلو وكل شخص شخصا بالخصومة واستثنى الاقرار بأن قال: وكلتك بمخاصمة زيد غير جائز الاقرار علىّ أو على أن لا تقر على - كان هذا الاستثناء باطلا عند أبى يوسف رحمه الله تعالى لأن الاقرار لا يثبت بصدر الكلام قصدا وحقيقة أو لا يتناوله لفظ الخصومة لانها عبارة عن المنازعة والاقرار مسالمة وتسليم بالحق المدعى وانما يدخل الاقرار فى مضمون عقد الوكالة حكما ضرورة أن الوكيل قد قام مقام الموكل فيملك ما كان يملكه فيصير الاقرار ثابتا للوكيل حكما للوكالة لا مقصودا بصدر الكلام فلا يصح استثناؤه بقوله، غير جائز الاقرار، ولا ابطاله بطريق المعارضة

стр. 1513

بقوله على أن لا تقر عليه، واذا كان الوكيل يملك الاقرار على الموكل بمقتضى الوكالة على النحو المذكور، فانه يملك الاقرار عليه فى مجلس القضاء وفى غير مجلس القضاء وهو ما كان يملكه الموكل، واذا أريد اسقاط حق الوكيل فى الاقرار فالسبيل الى ذلك عند أبى يوسف ابطال الوكالة بعزل الوكيل عنها - كالتوكيل بالبيع على أن لا يقبض الوكيل الثمن أو لا يسلم المبيع يكون استثناء باطلا لأن ذلك غير داخل فى البيع الموكل فيه - وكذلك استثناء أطراف الحيوان فى البيع لا يصح لأنها تدخل فى العقد تبعا لا مقصودا، وقد نص فى الهداية على أن ما يجوز ايراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه. ولا يجوز استثناء الانكار فى هذه الوكالة أيضا عند أبى يوسف وان كان داخلا فى الخصومة ويتناوله لفظها قصدا وحقيقة اذ الانكار خصومة ومنازعة - وذلك لأنه يكون حينئذ استثناء مستغرقا واستثناء الشئ من نفسه وهو باطل كما سيأتى: أما عند الامام محمد ﵀ فيصح استثناء الاقرار أو الانكار فى الوكالة بالخصومة أيهما شاء لأن المراد بالخصومة فى هذه الوكالة الجواب مجازا - اذ الحقيقة وهى المنازعة مهجورة شرعا للنهى عنها فى قوله تعالى: «وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ ١» فهى مستعملة فى مطلق الجواب مجازا، والجواب كما يكون بالاقرار يكون بالانكار، فيكون كل منهما ثابتا باللفظ قصدا فيجوز استثناؤه موصولا لا مفصولا لأنه يكون بيان تغيير - وأما اذا أريد بالخصومة معناها اللغوى وهو المنازعة فيكون الاستثناء فى هذه الحالة بيان تقرير لأنه فى معنى التأكيد لمنع احتمال المجاز وهو مطلق الجواب كأنه قال وكلتك فى الانكار ولم أوكلك فى الاقرار ويجوز حينئذ أن يكون منفصلا ومتراخيا. وتدل بعض العبارات على أن هذا الشرط شرط فى كون الاستثناء متصلا وحقيقة، وجاء فيها أن الشرط أن يكون المستثنى بعضا من المستثنى منه أو من جنس المستثنى (٢) منه، وقد صرح صاحب مسلم الثبوت بأن هذا الشرط متفق عليه وانما نسب الى الحنفية لأنه ذكر فى كتبهم. ويتصل بهذا اختلاف العلماء فى صحة الاستثناء من غير الجنس .. قال الغزالى فى المستصفى: الشرط الثانى أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه كقوله رأيت الناس الا زيدا، ولا تقول رأيت الناس الا حمارا، أو تستثنى جزءا مما دخل تحت اللفظ كقولك رأيت الدار الا بابها - ورأيت زيدا ألا وجهه، وهذا

стр. 1514

الاستثناء من غير الجنس، لأن اسم الدار لا ينطلق على الباب - ولا اسم زيد على وجهه بخلاف قوله مائة ثوب الا ثوبا .. وعن هذا قال قوم: ليس من شرط الاستثناء أن يكون من الجنس قال الشافعى: لو قال: على مائة درهم الا ثوبا صح ويكون معناه الا قيمة ثوب. ولكن اذا رد الى القيمة فكأنه تكلف رده الى الجنس (١)، وقد ورد الاستثناء من غير الجنس كقوله تعالى ﴿(فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ ٢ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ)﴾ ولم يكن من الملائكة فانه قال فى آية أخرى ﴿(إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ٣ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) .. ﴾. وهذا الاستثناء ليس فيه معنى التخصيص والاخراج اذ المستثنى ما كان ليدخل تحت اللفظ أصلا .. وقد تكلف قوم جوابا عن هذا فقالوا: ليس هذا استثناء حقيقة بل هو مجاز .. وهذا خلاف اللغة، فان الا فى اللغة للاستثناء والعرب تسمى هذا استثناء ولكن تقول هو استثناء من غير الجنس .. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى جوز استثناء المكيل من الموزون وعكسه ولم يجوز استثناء غير المكيل والموزون منهما فى الأقارير، وجوزه الشافعى ﵀ والاولى التجويز فى الاقارير لأنه اذا صار معتادا فى كلام العرب وجب قبوله لانتظام اسم الاستثناء اياه. نعم اسم الاستثناء عليه مجاز أو حقيقة … واختار (٤) القاضى ﵀ أنه حقيقة والأظهر عندى أنه مجاز، وفى الاحكام للآمدى «اختلف العلماء فى صحة الاستثناء من غير الجنس فجوزه أصحاب أبى حنيفة ومالك والقاضى أبو بكر وجماعة من المتكلمين والنحاة، ومنع منه الأكثرون، وأما أصحابنا فمنهم من قال بالنفى ومنهم من قال بالاثبات، ثم ساق الاستدلال والمناقشة من الطرفين (٥)». والحنفية يجعلون الاستثناء من غير الجنس استثناء منقطعا أى لم يتناوله صدر الكلام ولم يدخل تحت لفظ المستثنى منه فهو عندهم بمثابة كلام مبدأ حكما، والا فيه بمعنى لكن، كقوله تعالى: «أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ٦ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ».﴾. فان معناه أن كل ما عبدتموه أنتم وعبده آباؤكم الأقدمون، فانى أعاديهم وأجتنب عبادتهم وتعظيمهم، لكن رب العالمين ليس منهم ولذا أعبده وأعظمه وقوله تعالى «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً ٧».﴾. أى لكن يسمعون فيها - أى فى الجنة قولا سلاما سلاما. اذ

стр. 1515

السلام ليس من جنس اللغو وقوله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ١ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فان التائبين غير داخلين فى المستثنى منه وهم قوله - فأولئك - هم الفاسقون - فيجعل منقطعا بمعنى لكن أن تابوا فالله يغفر لهم. ومن الحنفية من جعل الاستثناء فى هذه الآيات متصلا بتأويلات أخرى كجعله استثناء من عموم الأحوال أما الاستثناء المقدر أى الذى له تقدير فى الشرع مثل المكيل والموزون والعددى المتقارب كالبيض والجوز من مقدر آخر من غير جنسه كاستثناء المكيل من الموزون أو عكسه واستثناء أحدهما من الدراهم والدنانير واستثناء الدراهم من الدنانير وبالعكس. هذا الاستثناء صحيح عند أبى حنيفه وأبى يوسف رحمهما الله - أى يجعل المستثنى مخرجا من المستثنى منه ويجعل المتكلم كأنه تكلم بالباقى بعد المستثنى كما فى الاستثناء المتصل الحقيقى وذلك على أساس أن المقدرات جنس واحد فى المعنى باعتبار أنها كلها تصلح ثمنا فى البيع - حتى لو اشترى عبدا باردب من القمح موصوف أو بكذا رطلا من الدهن أو بكذا عددا من الجوز - جاز البيع. ويتعين الاردب والارطال والجوز ثمنا وباعتبار أنها كلها تثبت فى الذمة بمقابلة ما هو مال وما ليس بمال حالة ومؤجلة، ويجوز استقراضها، فصار الجنس واحدا فى المعنى من حيث الثبوت فى الذمة ثبوتا صحيحا، وان كانت الصورة مختلفة، فان الدينار غير الدرهم والاردب غيرهما، فلا يكون اخراجا باعتبار الصورة، ويكون تكلما بالباقى باعتبار المعنى فيمتنع بالوجوب فى الذمة بمقدار ما يساويه اردب القمح من الدراهم من الالف فى قوله: «له على ألف درهم ألا اردب قمح» - فاذا كان الاردب يساوى مائة درهم، يجعل كأنه قال: له على تسعمائة درهم، وهو الباقى بعد استثناء قيمة الاردب كما فى قوله: له على ألف درهم الا مائة. أما محمد وزفر فيريان أن الجنس مختلف حقيقة والمستثنى غير داخل فى المستثنى منه ولا يتناوله لفظه، فلا يمكن اخراجه منه، ويكون استثناءا منقطعا بمعنى لكن، وتثبت الألف كلها فى ذمة القائل له على ألف درهم الا أردب قمح - اذ المعنى: لكن ليس له على أردب قمح (٢) والتأويل على رأى الشيخين أبى حنيفة وأبى يوسف يجعل الاستثناء فى المقدرات من الجنس وليس كما ذكر الغزالى وبعض العلماء استثناء من غير الجنس .. ومن ثم يقول الآمدى فى

стр. 1516

الأحكام: «وأما استثناء الدراهم من الدنانير وبالعكس فهو محل النزاع عند القائلين بعدم صحة الاستثناء من غير الجنس، وأن تكلف بيان صحة الاستثناء من جهة اشتراكهما فى النقدية وجوهر الثمنية آيل الى الاستثناء من الجنس (١)». الشرط الثالث من شروط صحة الاستثناء ألا يكون مستغرقا للمستثنى منه فلو قال: له على عشرة ألا عشرة كان الاستثناء باطلا ولزمته العشرة كلها لأنه يكون رفعا للاقرار بعد حصوله ورجوعا عنه بعد تحققه وهو غير جائز فى حقوق العباد، ولأن الاستثناء تكلم بالباقى بعد الثنيا، وليس فى هذا باق يتكلم به .. وهذا باتفاق الاصوليين والفقهاء. غير أن الحنفية قيدوا بطلان الاستثناء المستغرق بما اذا كان الاستثناء بلفظ الصدر نحو عبيدى أحرار الا عبيدى وزوجاتى طوالق الا زوجاتى أو بلفظ يساوى لفظ الصدر فى المفهوم نحو عبيدى أحرار الا مما ليكى أو زوجاتى طوالق الا نسائى أما اذا كان الاستثناء بلفظ غير مماثل للفظ الصدر ولا مساو له فى المفهوم فان الاستثناء يجوز ويكون صحيحا ولو كان مساويا له فى الما صدق والتناول بحسب الواقع. نحو نسائى طوالق الا زينب وعائشة وليلى، وليس له زوجات سوى هؤلاء المستثنيات وأوصيت لفلان بثلث مالى الا ألف درهم وثلث ماله فى الواقع ألف درهم .. ولأنه يكفى لصحة الاستثناء عندهم ابهام بقاء افراد تحت لفظ المستثنى منه بحسب الصورة لأن الاستثناء تصرف لفظى لا يؤثر فى صحته اهمال المعنى. أما غير الحنفية فقد منعوا الاستثناء المستغرق ولو كان بلفظ غير مماثل ولا مساو فى المفهوم. وفى مسلم الثبوت: الاستثناء المستغرق باطل. قيل اتفاقا. والحق ان الاتفاق فيما اذا كان الاستثناء بلفظ الصدر نحو عبيدى أحرار الا عبيدى أو بلفظ يساويه فى المفهوم نحو عبيدى أحرار الا مماليكى، أما بغيره كعبيدى أحرار الا هؤلاء أو الا سالما وغانما وراشدا وهم الكل من العبيد فعند الحنفية لا يمتنع لاكتفائهم بالأفراد (٢) الممكنة، واختلف العلماء فى استثناء الاكثر نحوله على عشرة الا تسعة واستثناء المساوى أى النصف نحوله على عشرة الا خمسة فذهب الأكثرون من الأصوليين والفقهاء والمتكلمين الى الجواز فيهما. وذهب الحنابلة والقاضى أبو بكر الباقلانى من الشافعية الى المنع فيهما .. وذهب الفراء وابن درستويه الى المنع فى الاكثر خاصة .. ونقل عن بعض أهل اللغة استقباح استثناء عقد صحيح

стр. 1517

فلا يقول: له على مائة الا عشرة أو ألف الا مائة. احتج القائلون بصحة استثناء الأكثر والمساوى - بقوله تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ١» وقوله تعالى: «لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ٢» فقد استثنى فى الآية الأولى الغاوين من العباد المؤمنين واستثنى فى الآية الثانية العباد المخلصين من الغاوين فان كان الفريقان متساويين فى الواقع فقد استثنى المساوى وان كان الغاوون أكثر فقد استثناهم فى الآية الأولى وان كان المؤمنون المخلصون أكثر، فقد استثناهم فى الآية الثانية فكان استثناء الاكثر على الاحتمالين وواقع الامر أن الغاوين أكثر بدليل قوله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (٣) وقوله تعالى: «وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ» (٤) وقوله تعالى: «وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (٥). واحتجوا أيضا بقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً .. » (٦) فقد استثنى النصف وهو استثناء المساوى وأيضا فانه لو قال له على عشرة دراهم الا خمسة. أو الا تسعة لزمه فى الأول خمسة دراهم وفى الثانى درهم واحد وهو الباقى بعد الاستثناء فيهما، وهذا باتفاق الفقهاء ولولا صحة الاستثناء لما كان كذلك. واحتج القائلون بامتناع استثناء الأكثر والمساوى بأن الاستثناء خلاف الأصل لانه انكار بعد اقرار وجحد بعد اعتراف وانما جوز فى استثناء الأقل لمعنى فيه وهو أن المقر قد يكون وفىّ بعض ما عليه ونسيه لقلته وعند اقراره تذكره فاستثناه فلو لم يصح استثناؤه لتضرر. ولا كذلك فى الاكثر والنصف لأنه قلما ينساه. وأيضا فان استثناء غير الأقل مستقبح والمستقبح فى لغة العرب لا يكون منها. وأجيب عن الاول بأن الاستثناء ليس على خلاف الأصل والا لامتنع فى الاقل أيضا، والصدق ورفع الضرر حاصل فى الكل وعن الثانى بأن الاستقباح لا يمنع من الصحة (٧). الشرط الرابع: أن يلى الكلام بلا عاطف، فان وليه بحرف عطف كقوله: له على عشرة والا خمسة كان لغوا ولا تأثير له وحكى الاسفرايينى الاتفاق على ذلك. الاستثناء المتصل والمنقطع يطلق لفظ الاستثناء على فعل المتكلم وهو المعنى المصدرى، وعلى المستثنى،

стр. 1518

وعلى الصيغة، ولفظ الاستثناء والمستثنى حقيقة عرفية عند النحاة فى قسمى الاستثناء المتصل والمنقطع على سبيل الاشتراك اللفظى والمعنوى، أما صيغة الاستثناء (أدوات الاستثناء) فانها حقيقة فى المتصل مجاز فى المنقطع لانها موضوعة للاخراج ولا اخراج فى المنقطع وذلك على ما هو المختار وأن خالف البعض فى ذلك (١) وهذا يشير الى ما اختلف الاصوليون فى أنه حقيقة فى المتصل مجاز فى المنقطع أو حقيقة فيهما على سبيل الاشتراك - هو صيغة الاستثناء وأداته - وقد جاء فى مسلم الثبوت فى بيان الخلاف فى ذلك: (أداة الاستثناء حقيقة فى المتصل اتفاقا ومجازا فى المنقطع فى المختار، وقيل حقيقة فيهما، ثم اختلفوا، فقيل مشترك لفظى فيهما وقيل متواطئ أى وصفت لمعنى واحد مشترك بينهما وصفا واحدا (٢). وفى أصول الامام البزدوى وشرحها كشف الاسرار، وفى المستصفى للامام الغزالى أن الخلاف هو فى لفظ الاستثناء لا فى الصيغة، اذ قال البزدوى والاستثناء نوعان، وقال شارحه، أى ما يطلق عليه لفظ الاستثناء نوعان، متصل ومنقطع (٣) وقال الغزالى بعد أن تكلم على الاستثناء المنقطع أى من غير الجنس، والعرب تسمى هذا، استثناء ولكن نقول، أنه استثناء اسم من غير الجنس، ثم قال: نعم اسم الاستثناء عليه مجاز أو حقيقة وهذا ظاهر فى أن موضوع الخلاف فى كونه حقيقة فى المنقطع أو مجازا هو اطلاق اسم الاستثناء أى فى اللفظ لا فى الصيغة وأشار البدخشى فى شرحه لمنهاج الوصول للامام البيضاوى الى أنه قد ذكر أن الخلاف فى الصيغة أو اللفظ، فقد جاء فيه تعليقا على قول المنهاج (والمنقطع مجاز) وظاهر كلام المحقق وكثير من المحققين أن الخلاف فى صيغ الاستثناء لا فى لفظه لظهور أنه (أى لفظ الاستثناء) فيهما مجاز لغوى حقيقة فى عرف النحو .. وأما ما ذكره العلامة وغيره من أنه من ثنى عنان الفرس أى صرفه وانما يتحقق ذلك فى المتصل فهو صريح فى أن الخلاف فى لفظ الاستثناء .. وكذلك ما ذكره بعضهم من أن لفظ الاستثناء اذا أطلق فهم منه المتصل يدل على أن الخلاف أنما هو فى لفظ الاستثناء لا فى الصيغ (٤)، ويظهر أن هذا الخلاف لا ثمرة له اذ لم يرتب أحد عليه شيئا والاصوليون جميعا متفقون على أن الاستثناء (الصيغة أو اللفظ) حقيقة فى المتصل، واختلفوا فى المنقطع - هل الاستثناء حقيقة فيه كما فى المتصل أو مجاز فذهب البعض الى أنه حقيقة فيه كما فى المتصل على سبيل الاشتراك اللفظى أو المعنوى على ما أشير اليه سابقا لان كلا منهما يسمى استثناء والاصل فى الاطلاق الحقيقة، وذهب الاكثرون الى أنه

стр. 1519

مجاز فيه وليس بحقيقة لان الاستثناء مأخوذ من ثنيت عنان الفرس اذا عطفته وصرفته عن وجهته ولا عطف ولا صرف الا فى المتصل اذ الجملة الاولى كانت شاملة ومتناوله للمستثنى بالحكم الذى يثبته الكلام فجاء الاستثناء وصرف أول الكلام عن اثبات الحكم فى المستثنى وأخرجه منه أما فى المنقطع فالجملة الاولى باقية على حالها لم تتغير لان المستثنى لم يكن داخلا فى المستثنى منه على تقدير عدم الاستثناء .. ولان الفهم يسبق عند سماع اللفظ الى المتصل من غير توقف على قرينة، ويتوقف فى المنقطع على قرينة .. وهذا آية الحقيقة والمجاز. والمتصل هو ما كان المستثنى فيه بعضا من المستثنى منه وداخلا تحت متناول لفظه وأريد بالاستثناء أخراجه ومنع اثبات حكم المستثنى منه فيه .. والمنقطع هو ما كان المستثنى فيه غير داخل فى المستثنى منه ولم يرد بالاستثناء أخراجه من الحكم وأنما أريد اثبات حكم آخر له - سواء كان من جنس المستثنى منه كقوله جاء القوم ألا زيدا وزيدا ليس من القوم أو كان من غير جنسه كقوله تعالى «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ» فأن ابليس استثنى من الملائكة، وهو ليس من جنسهم أذ هو من الجن كما قال تعالى فى آية أخرى ﴿(إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)﴾ وقد ذهب بعض الحنفية ومنهم القاضى الامام أبو زيد والامام فخر الاسلام الى أن الاستثناء فى قوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ استثناء منقطع اذ هو استثناء من الجملة الاخيرة وهى قوله تعالى: ﴿(وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)﴾ بناء على رأيهم فى الاستثناء الواقع بعد جمل متعاطفة بالواو من أنه يرجع الى الجملة الاخيرة والمستثنى فيه غير داخل فى المستثنى منه لأن التائب من قامت به التوبة وليس فيه وصف الفسق والفاسق من قام به وصف الفسق وليس فيه وصف التوبة، لئلا يكون التائب فاسقا، فلا يكون المستثنى هنا داخلا تحت صدر الكلام المستثنى منه ولا يكون متناولا له لولا الاستثناء، فيكون منقطعا - وبوجه آخر أن التائبين وأن كانوا داخلين فى قوله وأولئك هم الفاسقون على أساس أنه أشارة الى القاذفين الذين يرمون المحصنات والتائبون قد قذفوا ورموا المحصنات فهم داخلون فى المستثنى منه ولكن لم يقصد بالاستثناء اخراجهم كما هو الاصل فى الاستثناء الحقيقى المتصل، وانما قصد اثبات حكم آخر لهم وهو أن التائب لا يبقى فاسقا. وذهب أكثر الحنفية الى أن الاستثناء فى الآية متصل، اذ المعنى، وأولئك أى الذين يرمون المحصنات هم الفاسقون أى محكوم عليهم بالفسق ألا الذين تابوا من هؤلاء القاذفين الرامين للمحصنات فانهم غير محكوم عليهم بالفسق لان التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والفسق

стр. 1520

هو المعصية والخروج عن طاعة الله تعالى. الاستثناء معيار العموم العام هو اللفظ الموضوع وضعا واحدا لكثير غير محصور المستغرق لجميع ما يصلح له، كلفظ من فى قول النبى ﷺ (من ألقى سلاحه فهو آمن) فانه موضوع لافراد كثيرة غير محصورة، ويدل فى الحديث على استغراق كل فرد ألقى سلاحه من غير حصر فى فرد معين أو أفراد معينين وللعموم ألفاظ وصيغ تدل عليه وهى: الفاظ الجموع: الجمع المعرف بالالف واللام مثل قوله تعالى ﴿(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ١ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)﴾ وقوله تعالى ﴿(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ ٢ الْمُحْسِنِينَ)﴾ وقوله تعالى ﴿(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ٣ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ)﴾ والجمع المضاف مثل قوله تعالى ﴿(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ٤ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها)﴾ وقوله تعالى ﴿(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ٥ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)﴾ والجمع المذكر فى رأى كثير من العلماء مثل قوله تعالى ﴿(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا)﴾ وفى رأى الاكثر منهم أنه لا يدل على العموم، وما فى الآية ليس استثناء، وأن ألا بمعنى غير ومن وأى، اذا كانتا شرطيتين أو استفهاميتين حيث تكونان نصا فى العموم وما، وأين للمكان ومتى للزمان، ومثل قوله تعالى ﴿(مَنْ يَعْمَلْ ٦ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)﴾ وقوله تعالى ﴿(مَنْ ذَا الَّذِي ٧ يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ)﴾ وكل وجميع من ألفاظ التأكيد وهما نصان فى العموم مثل قوله تعالى ﴿(وَخَلَقَ ٨ كُلَّ شَيْءٍ)﴾ وقوله تعالى ﴿(خَلَقَ ٩ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)﴾ والمفرد المعرف بالالف واللام مثل قوله تعالى ﴿(الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا ١٠ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ)﴾ وقوله تعالى ﴿(وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ ١١ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)﴾ والنكرة فى سياق النفى مثل (لا وصية لوارث الا أن يجيزها الورثة) ومثل (لا اله الا الله) والنكرة فى سياق الشرط مثل (اذا دخلت دارا فأنت طالق) فأن التعليق يمنعها من دخول أى دار كانت وهذا هو العموم فى جانب النفى، والنكرة الموصوفة بصفة عامة مثل قوله تعالى ﴿(وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ١٢)﴾ فأنه بمثابة التعليل للنهى عن أنكاح المشركين وهو عام بمقتضى الجمع المحلى بأل، فتكون العلة عامة لتناسب عموم الخبر، وقد اختلف العلماء فى هذه الالفاظ والصيغ فقال الكثير ومنهم الامام الشافعى، أنها حقيقة فى العموم مجاز فى الخصوص، واختاره ابن الحاجب والامام

стр. 1521

البيضاوى وذهب جماعة الى العكس وقال قوم أنها مشتركة بين الامرين، وتوقف بعض عن الحكم فى الامر بشئ واختاره الآمدى. واستدل القائلون بالعموم بأدلة منها جواز الاستثناء من هذه الصيغ مثل قوله تعالى ﴿(إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ ١ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ)﴾ فقد استثنى من الجمع المضاف (عبادى) ومثل قوله تعالى ﴿(إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي ٢ خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ لقد استثنى من اسم الجنس المفرد المحلى بالالف واللام ومثل قوله ﷺ (لا وصية لوارث ألا أن يجيزها الورثة كما جاء فى بعض الروايات فى الحديث، فقد استثنى من النكرة فى سياق النفى، ومثل كلمة التوحيد (لا اله الا الله) وهكذا بقية الصيغ التى ذكرت يجوز الاستثناء فيها، وقد ذكروا فى وجه الاستدلال بجواز الاستثناء على عموم هذه الصيغ أن الاستثناء معيار العموم وذلك لان حقيقة الاستثناء أخراج ما يجب اندراجه من الافراد تحت لفظ المستثنى منه لولاه أذ لو كان لفظ المستثنى منه غير صالح لاستغراق جميع الافراد من غير حصر، لما كان هناك داع الى اخراج بعض الافراد من الحكم بطريق الاستثناء لانه لم يكن حينئذ يقتضى ثبوت الحكم للجميع فاخراج بعض الأفراد بطريق الاستثناء دليل على أنه كان يشمل جميع الافراد ويقتضى ثبوت الحكم فى الكل لولاه، ومن ثم كان الاستثناء معيار العموم ودليلا عليه (٣). الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات: أورد بعض الاصوليين هذا الموضوع فى مسألة مستقلة بالعنوان المذكور وحكى الخلاف فيه بين الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة وبعض الحنفية من جانب وأكثر الحنفية من جانب آخر، أو بين الشافعية والحنفية بصفة عامة وأورد الأدلة والحجج والمناقشة والرد من الجانبين، كما فعل الآمدى فى الاحكام (٤). وأورده البعض الآخر على أن الخلاف بين الشافعية والحنفية فى كيفية عمل الاستثناء وأن الشافعية يقولون أن الاستثناء يعمل بطريق المعارضة لانه يقتضى ثبوت حكم فى المستثنى يخالف حكم المستثنى منه، ويتعارض فى ذلك صدر الكلام وآخره بالنسبة لما تناوله المستثنى ويبقى الحكم فيما وراء ذلك .. وأن الحنفية يقولون أن الاستثناء يعمل بطريق التغيير وبيان عدم دخول المستثنى فى حكم

стр. 1522

المستثنى منه، ولا يقتضى ثبوت حكم فى المستثنى لا ينفى ولا باثبات. ثم أورد هؤلاء موضوع الاستثناء من الاثبات نفى وبالعكس كدليل من جانب الشافعية على أن الاستثناء يقتضى ثبوت حكم فى المستثنى مخالف لحكم المستثنى منه (١). واختلاف طريقة العرض لا يغير من حقيقة الامر شيئا، وبيان ذلك: ذهب الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة وطائفة من الحنفية الى أن الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات فاذا قلت حضر القوم ألا زيدا، فان صدر الكلام يدل على ثبوت الحضور للقوم، والاستثناء يدل على نفى الحضور عن زيد، واذا قلت ما حضر من القوم الا زيد، فان صدر الكلام يدل على نفى الحضور عن القوم والاستثناء يدل على ثبوت الحضور لزيد وذهب أكثر الحنفية الى أن الاستثناء لا يقتضى ثبوت حكم فى المستثنى أصلا لا نفيا ولا اثباتا بل هو مسكوت عنه لانعدام الدليل الذى يدل على ثبوت حكم فيه كالغاية لا تقتضى نفى الحكم فيما وراءها، واذا انعدم الحكم السابق عليها فيما وراءها فيكون لانعدام الدليل المقتضى لثبوته فيه. وقد ذكر البعض أن الحنفية لا يخالفون فى أن الاستثناء من الاثبات نفى، وأنما يخالفون فى أن الاستثناء من النفى اثبات فقط وهذا غير صحيح لانهم يخالفون فى الوجهين كليهما (٢). احتج الجمهور بما يأتى: - أولا: اجماع أهل اللغة على أن الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات وهذا اجماع منهم على أن موجب الاستثناء اثبات حكم فى المستثنى يخالف حكم المستثنى منه، وقد جرى علماء المعانى على هذا الاساس حين قرروا أن قول القائل ما زيد ألا قائما يصلح ردا على من زعم أنه ليس بقائم اذ لو لم يكن الكلام مثبتا لحكم فى المستثنى لما صلح ردا، والاتفاق على أنه لو قال: لفلان على عشرة دراهم ألا ثلاثة ألا درهمين، يلزمه تسعة دراهم لان الاستثناء الاول من الاثبات فيكون نفيا فيثبت بمقتضاه سبعة دراهم، والاستثناء الثانى من النفى فيكون اثباتا فيثبت بمقتضاه درهمان، فيكون مجموع الثابت تسعة دراهم، وقد ورد التصريح بالحكم المخالف فى الاستثناء فى قوله تعالى ﴿(فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ)﴾ وقوله تعالى ﴿(فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ)﴾ وقوله

стр. 1523

تعالى ﴿(لَنُنَجِّيَنَّهُ ١ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ)﴾. ثانيا: اجماع المسلمين وأهل اللسان على أن كلمة (لا اله الا الله) كلمة توحيد وأن الناطق بها موحد مثبت للالوهية لله وناف لها عما سواه ولا تكون كلمة توحيد الا اذا كان فى المستثنى حكم مخالف، وذلك أنما يتم بنفى الالوهية عن غير الله وأثباتها لله، ولو كان نافيا للالوهية عن غير الله فقط وليس مثبتا لها بالنسبة لله لما كان ذلك توحيدا لعدم اشعار اللفظ باثبات الالوهية لله سبحانه وذلك خلاف الاجماع. وناقش الحنفية هذه الادلة بأن النقل عن أهل اللغة محمول على العرف أذ جرى العرف بأن الاستثناء من الاثبات نفى وبالعكس والكلام فى الدلالة اللغوية لا العرفية، وما نسب الى علماء المعانى انما يصح لو كان مرادهم أنه يصلح جوابا بحسب اللغة والوضع وأما لو أرادوا انه يصلح جوابا لاجل دلالة اللفظ عليه مثل الدلالة على الكيفيات والمزايا كما هو رأيهم ووظيفتهم فلا يصلح دليلا - أما الاستثناء المكرر .. فان نتيجته لم تأت من دلالة الاستثناء على حكم مخالف كما تقولون، وانما جاءت من أن المستثنى من العشرة فى هذا الاقرار مقيد وكذا المستثنى من الثلاثة والحكم بعد الاخراج لوحظ فيه هذا التقييد فالمثال المذكور اقرار بعشرة منقوص منها ما عبر عنه بثلاثة منقوص منها اثنان، وهو الواحد فيبقى من العشرة بعد نقصان هذا الواحد تسعة فهو مقربه لانه به التكلم، وليس فى المستثنى حكم. والتصريح بالحكم المخالف دليل على عدم دلالة الاستثناء على حكم مخالف والا لما كانت هناك حاجة الى التصريح به أما كلمة التوحيد فان دلالتها على التوحيد انما جاءت من عرف الشارع لا من الوضع اللغوى، وهذا أمر خاص لا يلزم منه أن يكون كل استثناء من النفى اثبات. واستدل الحنفية بما يأتى: أولا: نقل عن أهل اللغة أن الاستثناء هو تكلم بالباقى بعد الثنيا فليس فيه تكلم بحكم آخر فى المستثنى لا نفيا ولا اثباتا، واذا كان الناس يفهمون من الاستثناء حكما مخالفا فى المستثنى فذلك بطريق الاشارة والضرورة لا بطريق القصد والتناول، فكانت حقيقة الاستثناء ووضعه لغة أخراجا وتكلما بالباقى بعد الثنيا، والاثبات والنفى جاء بالاشارة ضرورة مخالفة حكم المستثنى لحكم المستثنى منه. وثانيا: لو كان الاستثناء من النفى اثباتا لكان قول النبى ﷺ : (لا صلاة الا بطهور) وقوله (لا نكاح الا بولى) مقتضيا صحة الصلاة والنكاح وتحققهما بمجرد وجود الطهارة ووجود الولى، وذلك باطل باتفاق لان للصلاة وللنكاح شروطا أخرى لا تصح بدون توفرها

стр. 1524

وتحققها جميعا ولما كان الامر كذلك علم أن المراد بالاستثناء اخراج المستثنى عن دخوله فى حكم المستثنى منه وأنه غير متعرض لنفيه ولا اثباته ونوقش هذا الدليل بأن الاستثناء هنا استثناء من غير الجنس وهو باطل عند المخالفين كما تقدم، والمقصود من النص فيما ذكر بيان اشتراط الطهارة فى الصلاة والولى فى النكاح. والشرط وان لزم من فواته فوات المشروط، الا أنه لا يلزم من وجوده وجود المشروط، لجواز انتفاء المقتضى أو فوات شرط آخر أو وجود مانع .. ونوقش غيره من باقى الادلة. ونوقش الدليل السابق بأن هذا تسليم بدلالة الاستثناء على حكم مخالف وكونه بطريق الاشارة لا بطريق القصد تنفيه الادلة السابقة. الاستثناء بعد جمل متعاطفة اذا ورد الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض بالواو ونحوها من الفاء وثم كما ورد فى مسلم الثبوت نقلا عن التحرير فلا خلاف بين العلماء فى جواز رجوعه الى جميع الجمل المتعاطفة، والى الاخيرة منها فقط، والى ما عدا الاخيرة والى ما عدا الاولى حسبما يدل عليه الدليل وليعنيه معنى الكلام. كما فى قوله تعالى ﴿(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .. )﴾ اتفق العلماء على أن الاستثناء فى قوله (الا الذين تابوا لا يرجع الى الجملة الاولى - فاجلدوهم ثمانين جلدة - اذ التوبة لا تمنع من الجلد واقامة الحد، واتفقوا على رجوعه الى الجملة الاخيرة - وأولئك هم الفاسقون - لانه بالتوبة يزول العتق وينتهى حكمه - واختلفوا فى رجوعه الى الجملة الثانية - ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا - وترتب على ذلك اختلافهم فى قبول شهادة المحدود فى قذف اذا تاب - على ما سيأتى بيانه. وكما فى قوله تعالى ﴿(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً ١ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا)﴾ اتفقوا على رجوع الاستثناء فى قوله - الا أن يصدقوا - الى الجملة الاخيرة فقط وهى - ودية مسلمة الى أهله - لان الدية حق الاولياء فتسقط باسقاطهم بالتصدق أما تحرير الرقبة فليس حقهم بل هو حق الله تعالى فلا يعمل فيه التصدق ولا يسقط باسقاطهم وانما اختلف العلماء فى الظاهر عند الاطلاق وعدم وجود دليل أو قرينة تعين رجوعه الى بعض الجمل أو كلها - فذهب الشافعية الى أن الظاهر حينئذ رجوعه الى جميع الجمل وذهب الحنفية الى أن الظاهر رجوعه الى الجملة الاخيرة فقط، وذهب القاضى أبو بكر الباقلانى والامام حجة الاسلام الغزالى وبعض الشافعية الى الوقف لعدم العلم بأنه حقيقة فى الاخيرة فقط أو فى الكل، وذهب المرتضى من الشيعة الى القول

стр. 1525

بالاشتراك أى أنه مشترك بينهما فيتوقف الى ظهور القرنية المعينة لهذا أو ذاك، ويقول الحنفية أن القائلين بالوقف والاشتراك يوافقونهم فى أن الاستثناء راجع الى الجملة الاخيرة والتوقف انما هو فى شموله لما عداها من الجمل ولكن لعدم الدليل على الشمول عندهم وللدليل على عدم الشمول عند الحنفية. ولكن جاء فى المستصفى للغزالى - وهو من القائلين بالوقف .. وأن لم يكن بد من رفع التوقف فمذهب المعممين أولى لان الواو ظاهرة فى العطف، وذلك يوجب نوعا من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه، ولكن الواو محتملة أيضا للابتداء كقوله تعالى ﴿(لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ١ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى)﴾ وقوله ﴿(فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ ٢ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ)﴾ وذهب القاضى عبد الجبار وأبو الحسين المعتزلى وبعض المعتزلة الى التفصيل فقالوا: ان ظهر استقلال الجملة الثانية عن الاولى بأن كان الشروع فى الجملة الثانية اضرابا عن الاولى ولا يضمر فيها شئ مما فى الاولى فالاستثناء مختص بالجملة الاخيرة لان الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الاولى مع استقلالها بنفسها الى غيرها الا وقد تم مقصوده منها. وذلك على أربعة أقسام: القسم الأول: أن تختلف الجملتان نوعا كما لو قال: أكرم بنى تميم، والنحاة البصريون ألا البغاددة، اذ الجملة الاولى أمر والثانية خبر. القسم الثانى: أن تتحد الجملتان نوعا وتختلفا اسما وحكما كما لو قال (أكرم بنى تميم وأضرب ربيعة ألا الطوال) اذ هما أمران ولكن الاسم مختلف بنى تميم وربيعة وكذا الحكم الاكرام والضرب. القسم الثالث: ان تتحدا نوعا وتشتركا حكما لا اسما كما لو قال - سلم على بنى تميم، وسلم على بنى ربيعة الا الطوال. القسم الرابع: أن تتحدا نوعا وتشتركا اسما لا حكما كما لو قال (سلم على بنى تميم واستأجر بنى تميم الا الطوال) ففى كل هذه الاقسام يختص الاستثناء بالجملة الاخيرة، وهى فى قوة اقتضائها هذا الاختصاص على الترتيب المذكور، عدا الرابع فانه مع الثالث فى مرتبة واحدة أما اذا لم يظهر استقلال الجملة الثانية عن الاولى بأن لم تكن اضرابا عنها بل لها بها نوع تعلق فان الاستثناء يرجع الى الكل، وذلك أيضا على أربعة أقسام: القسم الاول: أن تتحد الجملتان نوعا واسما لا حكما ولكن الحكمين قد اشتركا فى غرض واحد، كما لو قال: (أكرم بنى تميم وسلم على بنى تميم ألا الطوال) فان الحكمين الاكرام والتسليم وان اختلفا الا انهما يشتركان فى غرض واحد وهو الاعظام.

стр. 1526

القسم الثانى: أن تتحد الجملتان نوعا وتختلفا حكما، واسم الاول مضمر فى الثانية كما لو قال: (أكرم بنى تميم واستأجرهم وربيعة ألا الطوال). القسم الثالث: أن تتحد الجملتان نوعا وتختلفا اسما - وحكم الاولى مقدر فى الثانية والغرض مشترك كما لو قال: (أكرم بنى تميم وربيعة ألا الطوال). القسم الرابع: أن يختلف نوع الجمل المتعاقبة الا أنه قد أضمر فى الاخيرة ما تقدم أو كان غرض الاحكام المختلفة فيها واحدا كما فى قوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً، وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا .. )﴾ فان الجملة الاولى - فاجلدوهم ثمانين جلدة - أمر، والثانية - ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا - نهى - والثالثة - وأولئك هم الفاسقون - خبر غير أن هذه الآية داخلة تحت القسم الاول من هذه الاقسام التى لم يظهر فيها استقلال الجملة الثانية عن الاولى، لاشتراك الاحكام فى الجمل الثلاثة، فى غرض الانتقام والاهانة - وداخله أيضا تحت القسم الثانى منها لاضمار الاسم المتقدم فيها كلها. وهذا الرأى يوافق رأى الشافعية اذ مآله رجوع الاستثناء الى الجميع ألا لمانع وهذا ما يقوله الشافعية والفرق بينهما أن هؤلاء يقصرون المانع على ما ذكروه والشافعية يطلقون المانع ليشمل غير ما ذكر - فالخلاف بين القولين فى تعيين الموانع واختار الامدى فى الاحكام أنه متى ظهر أن الواو للابتداء فالاستثناء يكون مختصا بالجملة الاخيرة كما فى القسم الاول من الاقسام الاولى لعدم تعلق أحدى الجملتين بالاخرى وهو ظاهر وحيث أمكن أن تكون الواو للعطف كما فى باقى الاقسام السبعة فالواجب الوقف حتى تظهر القرينة أو الدليل المعين .. احتج الشافعية والقائلون برجوع الاستثناء الى الجميع بما يأتى: أولا: أن الكل متفقون على أنه لو قال: (والله لا أكلت الطعام ولا دخلت الدار، ولا كلمت زيدا أن شاء الله). فأن الاستثناء فى قوله (أن شاء الله) يعود الى الجميع. فكذا فى قوله: أكرم بنى تميم وأهن بنى ربيعة ألا الطوال. يجب أن يعود الى الجميع. ثانيا: أن الاستثناء صالح أن يعود الى كل واحدة من الجمل وليس البعض أولى من البعض فوجب العود الى الجميع كالعام. وثالثا: أنه لو قال: على خمسة وخمسة ألا ستة فأنه يصح ولو كان مختصا بالاخيرة لما صح لكونه مستغرقا لها.

стр. 1527

واحتج - الحنفية بما يأتى: أولا: أن الاستثناء اذا تكرر كان الاستثناء الثانى عائدا الى الجملة الاستثنائية لا الى الجملة الاولى فدل على اختصاص الاستثناء بالجملة الاخيرة دون المتقدمة، وذلك كما لو قال: له على عشرة ألا أربعة ألا اثنين) فأن الاستثناء الثانى يختص بالاربعة دون العشرة. ثانيا: أن الاستثناء دعت اليه الحاجة وهو لا يستقل بنفسه فاقتضت الضرورة والحاجة أن يعود الى غيره - وهذه الضرورة تندفع بعوده الى ما يليه فلا حاجة لعوده الى غير الذى يليه، وانما رجح الذى يليه على غيره لانه أقرب اليه من غيره كالضمير بعد متعدد يعود الى أقرب مذكور. ثالثا: أن شرط صحة الاستثناء أن يكون متصلا بالمستثنى منه، والجملة الاخيرة فاصلة بينه وبين ما سبقها من الجمل فلا يصح رجوعه اليها. رابعا: أن حكم الجملة الاولى ظاهر فى الثبوت عموما، ورفعه عن البعض بالاستثناء مشكوك فيه، اذ يحتمل الاختصاص بالجملة الاخيرة فلا يرفع من حكم الاولى شيئا ويحتمل عوده للكل فيرفع من حكمها بمقداره، فكان الرفع مشكوكا فيه، فلا يعارض الظاهر وهو ثبوت حكم الاولى عموما ولا يرجع اليها. واحتج القائلون بالاشتراك بما يأتى: أولا: أنه يحسن الاستفهام من المتكلم بالاستثناء عقب الجمل المتعاطفة عن أرادته عوده للكل أو للاخيرة، ولو كان حقيقة فى أحد هذه المحامل دون غيره لما حسن الاستفهام. ثانيا: أنه يصح اطلاق الاستثناء موضوع الكلام وأرادة عوده الى الجملة الاخيرة والى الجمل كلها والى بعضها دون البعض باجماع أهل اللغة والاصل فى الاطلاق الحقيقة والمعانى مختلفة فكان مشتركا لفظيا. واحتج القائلون بالوقف بأنه اذا بطل التعميم والتخصيص لان كلا منهما تحكم ورأينا العرب تستعمل كلا منهما - ولا يمكن الحكم بأن أحدهما حقيقة والاخر مجاز - وجب التوقف حتما ألا أن يثبت نقل متواتر من أهل اللغة أنه حقيقة فى أحدهما مجاز فى الاخر. وقد ورد فى القرآن رجوع الاستثناء الى الكل والى الجملة الاخيرة والى بعض الجمل السابقة دون بعض - كقوله تعالى: ﴿(فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ١ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ .. )﴾ فأن قوله - فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام - راجع الى

стр. 1528

الخصال الثلاثة، وكقوله تعالى «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ ١ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً)﴾ فأن الاستثناء يبعد رجوعه الى ما يليه اذ يؤدى الى أن لا يتبع الشيطان بعض من لم يشمله فضل الله ورحمته، ومن ثم قيل أنه راجع الى قوله - لعلمه الذين يستنبطونه منهم - ألا قليلا منهم لا يعلمونه لتقصير وأهمال وغلط أو الى قوله - اذاعوا به - وكقوله تعالى ﴿(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا)﴾ فأن الاستثناء فيه راجع الى الجملة الاخيرة على ما أشير اليه سابقا وكما فى آية القذف - فأن الاستثناء فيها راجع الى الجملة الاخيرة باتفاق وغير راجع الى الجملة الاولى باتفاق، ومختلف فى رجوعه الى الجملة الثانية على ما سبق أيضا وقد انبنى على اختلاف الائمة فى مرجع الاستثناء فى آية القذف اختلافهم فى قبول شهادة المحدود فى القذف اذا تاب وعمل عملا صالحا - فلما قال الحنفية أن الاستثناء مختص بالجملة الاخيرة وهى قوله تعالى - ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ -﴾ ولا يرجع الى قوله تعالى - ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً﴾ - قالوا لا تقبل شهادة المحدود فى قذف ولو تاب وعمل صالحا، لعموم هذا النص وعدم خروج من تاب وعمل صالحا من حكمه وهو النهى عن قبول شهادته بالاستثناء .. ولما قال الشافعية وكذا المالكية والحنابلة: أن الاصل فى الاستثناء المتعقب جملا متعاطفة أن يرجع الى جميع الجمل - قالوا أنه يرجع فى هذه الآية الى الجملة الثانية - ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا - ويخرج من حكمها وهو عدم قبول شهادة التائب المصلح - فتقبل شهادته كما يرجع الى الاخيرة وأخرج من حكمها وهو الفسق هذا التائب، ولولا أن الدليل منع من رجوعه الى الجملة الاولى لرجع اليها وأخرج التائب المصلح من حكمها وهو وجوب الجلد، وهذا الدليل هو أن الجلد حق الادمى وهو المقذوف فلا يسقط بالتوبة. ومن ثم قالوا أن شهادة المحدود فى قذف تقبل اذا تاب وأصلح. ويقول الحنفية أن الدليل الذى منع من رجوع الاستثناء الى الجملة الاولى هو الذى يمنع من رجوعه الى الجملة الثانية، اذ أهدار شهادة المحدود فى القذف تعتبر من تتمة الحد الواجب ايقاعه عليه وهو مناسب لاعتباره من الحد لان الحد شرع للزجر، وهذا أشد فى الزجر من الجلد عند أصحاب المروءة، وجريمة القذف تحصل باللسان فكان من المناسب أن يهدر كلام هذا اللسان فى الشهادة كالسرقة لما كانت

стр. 1529

باليد جعل حدها قطع تلك اليد (١). تعدد الاستثناء اذا ورد الاستثناء على الاستثناء وتعددت الاستثناءات فأن تعاطفت أى عطف بعضها على بعض عادت كلها الى المستثنى منه الاصلى وأخرجت من حكمه أى جمعت كلها مع بعضها وأخرج المجموع من المستثنى منه، نحو له على عشرة دراهم الا ثلاثة وألا اثنين، يلزمه خمسة وهى الباقى المقربه بعد استثناء الثلاثة والاثنين من العشرة وذلك لوجوب تساوى المعطوف والمعطوف عليه فى الحكم. وكذلك اذا كان الاستثناء الثانى مستغرقا للاول بدون عطف سواء كان الثانى مساويا للاول نحو (له على عشرة دراهم ألا اثنين ألا اثنين). أو أزيد منه نحو (له على عشرة دراهم ألا اثنين ألا ثلاثة) فأن الاستثناءات كلها ترجع الى المستثنى منه الاصلى وتخرج من حكمه كما فى حالة تعاطفها - فيلزمه فى المثال الاول ستة دراهم، وفى المثال الثانى خمسة، الباقى فى كل منهما بعد طرح مجموع الاستثناءات من المستثنى منه، وان لم تكن الاستثناءات متعاطفة ولم يكن الثانى مستغرقا لما قبله فان الاستثناءات ترتبط ببعضها ويعود الاخير الى سابقه وهكذا وحينئذ يجب أن يراعى ما جرى عليه الشافعية وجمهور العلماء من أن الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات فيطرح النافى ويحتفظ بالمثبت كله أو بعضه على حسب نتيجة الاستثناء والباقى أخيرا هو المقربه فلو قال: (له على عشرة دراهم ألا ثمانية ألا سبعة ألا ستة - فالثمانية استثناء من الاثبات وهو على عشرة - فتكون نفيا فلا يلزمه من العشرة ألا اثنان الباقى بعد الثمانية المنفية - وقوله ألا سبعة - استثناء من النفى وهو ألا ثمانية - فتكون اثباتا فتلزمه السبعة مع الاثنين الباقية من العشرة فتكون تسعة - وقوله ألا ستة استثناء من الاثبات فتكون نفيا لالتزامه بها ويطرح هذا النفى من مجموع ما لزمه فيما سبق وهو تسعة يكون الباقى ثلاثة وهو ما يلزمه بمقتضى هذا الاقرار. وهذه هى طريقة الشافعية فى تعدد الاستثناءات وبيان ما يلزم فيه. أما الحنفية فأنهم يتفقون مع الشافعية فى حالة تعاطف الاستثناءات المتعددة اذ يقولون برجوعها كلها الى المستثنى منه

стр. 1530

الاصلى بشرط ألا يستغرق مجموعها المستثنى منه الاصلى، وألا بطل الاستثناء للاستغراق، ولو قيل يبطل منه ما أدى الى الاستغراق فقط ويبقى ما قبله لكان له وجه كما قال البعض لان كلام العاقل يصان عن اللغو والعبث بقدر الامكان، والذى جعله لغوا وعبثا هو ما أدى الى الاستغراق فيقتصر عليه، فلو قال: له على عشرة ألا خمسة وألا ثلاثة وألا اثنين، بطل الاخير والاول أصح لانه كلام واحد لا يتجزأ. وفى الاستثناء المستغرق: اذا كان الثانى هو المستغرق نحو - له على عشرة ألا خمسة الا عشرة يبطل الثانى للاستغراق ويصح الاول فيلزم فى هذا المثال خمسة .. واذا كان الاول هو المستغرق نحو له على عشرة ألا عشرة ألا خمسة ففيه ثلاثة أراء: الاول: أنه يبطل الاستثناءان جميعا، الاول لانه مستغرق والثانى لانه استثناء من باطل ويلزمه عشرة والثانى - أنه يصح الاستثناءان ويلزمه خمسة باستثناء الثانى من الاول والباقى من المستثنى منه الاصلى لان الكلام انما يتم بآخره، وبهذا الاخر ظهر أن الاستثناء الاول غير مستغرق - وقد قالوا أن هذا أقيس، والثالث - أنه يبطل الاستثناء الاول للاستغراق، ويصح الثانى ويجع الى المستثنى منه الاصلى وقد قالوا أن هذا ضعيف ولم يذكروا وجهه. وظاهر من كلام الحنفية فى هذا الاستثناء المستغرق أنهم ينظرون فى اعتبار الاستثناء مستغرقا الى المستثنى منه الاصلى بينما ينظر الشافعية الى استغراق الاستثناء الاخير لما قبله. أما فى حالة تعدد الاستثناءات بدون عطف ولا استغراق نحو - له على عشرة دراهم ألا خمسة ألا أربعة ألا ثلاثة ألا اثنين ألا واحد - فالاصل فيه عندهم أن يصرف كل استثناء الى ما سبقه ويرجع اليه لانه أقرب مذكور اليه ويبدأ بالمستثنى الاخير فيخرج مما قبله مباشرة والباقى يخرج مما قبله وهكذا الى أن تصل الى الاستثناء الاول فيخرج ما بقى منه عن المستثنى منه الاصلى وما بقى يكون هو القدر المقر به والذى يلزم المقر .. ففى المثال المذكور نطرح المستثنى الاخير وهو واحد مما قبله وهو الاثنان يبقى واحد نطرحه من الثلاثة يبقى اثنان نطرحهما من الاربعة يبقى اثنان نطرحهما من الخمسة تبقى ثلاثة نطرحهما من العشرة المستثنى منه الاصلى تبقى سبعة وهو المقدار المقر به والذى يلزم المقر .. وهكذا فى كل الامثلة التى يتعدد فيها الاستثناء بدون عطف ولا استغراق وهناك طريقة أخرى وهى أن تجمع الاعداد التى مراتبها فردية أى الاول والثالث والخامس وهكذا على حدة، ونجمع الاعداد التى مراتبها زوجية

стр. 1531

أى الثانى والرابع والسادس وهكذا، ثم نطرح مجموع الثانية من مجموع الاولى والفرق بينهما هو المقدار المقر به، والنتيجة واحدة فى الطريقتين، ففى المثال المذكور يقال (١٠ + ٤ + ٢) - (٥ + ٣ + ١) -١٦ - ٩ - ٧ وهو المقدار المقر به. وهو نفس ما أنتجته الطريقة الاولى (١). أحكام الاستثناء فى الفقه الاستثناء فى الاقرار مذهب الحنفية: يرى الحنفية - كما سبق أن ذكرنا - أن الاستثناء تكلم بالباقى بعد الثنيا وأن قول الشخص: لفلان على عشرة دراهم الا ثلاثة يعتبر أقرارا بالباقى بعد المستثنى فكأنه قال - لفلان على سبعة دراهم - فالاستثناء قرينة على أن صدر الكلام المستثنى منه لم يتناول المستثنى فى حق الحكم - فيكون المتكلم مقرا من أول الامر بالباقى وهو سبعة فى المثال المذكور، وليس مقرا أولا بعشرة دراهم ثم أخرج منها ثلاثة بالاستثناء وألا لكان رجوعا عن الاقرار فى القدر المستثنى والرجوع عن الاقرار فى حق العباد غير مقبول ولا جائز شرعا. شروط صحة الاستثناء: يشترط لصحة الاستثناء شروط هى: ١ - أن يكون متصلا بالمستثنى منه بحسب العرف أى لا يفصل بينهما فاصل أجنبى أو انقطاع ألا لضرورة، وألا بطل الاستثناء ولزم المقر ما اقتضاه الكلام قبله، فلو قال: لفلان على مائة جنيه وسكت مدة من غير ضرورة ثم قال ألا خمسين، فان هذا الاستثناء يكون باطلا وتلزمه المائة كلها لان تمام الكلام بآخره فاذا انقطع فقد تم ولا يعتبر الاستثناء بعد ذلك .. ولا يضر انقطاع الكلام لضرورة كالتنفس والسعال وأخذ الفم - كما لا يضر بالنداء نحو أن يقول: لك عندى ألف درهم يا فلان، الا مائة لان النداء تنبيه المنادى لما يلقى من الكلام فلا يعتبر أجنبيا عن الكلام ويستوى أن يكون المنادى مفردا أو مضافا وأن يكون المنادى هو المقر له أو غيره … ومن قبيل الفصل بكلام أجنبى الفصل بتهليل أو تكبير أو تسبيح أو اشهاد، نحو: لفلان على مائة. درهم فاشهدوا - ألا عشرين، فاذا فصل بشئ من ذلك لم يصح الاستثناء. ٢ - أن لا يكون المستثنى مستغرقا للمستثنى منه بلفظه نحو أن يقول: لفلان على عشرة دراهم ألا عشرة أو بما يساويه نحو أن يقول: لفلان على عشرة دراهم ألا خمسة وخمسة، أو يقول: عبيدى أحرار ألا مماليكى فأن خمسة وخمسة تساوى عشرة - ومماليكى تساوى عبيدى - ففى جميع ذلك لا يصح الاستثناء وتجب العشرة كلها ويعتق العبيد

стр. 1532

جميعهم .. فلو كان الاستغراق آتيا من الخارج لا من اللفظ بأن كان لفظ المستثنى منه صالحا الدلالة لغة على أكثر من المستثنى ولكن لا يوجد من مدلوله فى الخارج والواقع ألا بقدر المستثنى صح الاستثناء وبطل الاقرار، وذلك نحو أن يقول: زوجاتى طوالق الا هؤلاء وأشار الى جميع زوجاته، أو الا هندا وسلمى وأم كلثوم، وهن فى الواقع كل زوجاته، أو يقول: لفلان ثلث مالى الا ألفا وهو فى الواقع لا يملك الا ثلاثة آلاف وثلث ماله هو ألف - فان الاستثناء يصح فى جميع هذه الصور ويبطل الكلام ولا تطلق زوجاته ولا يجب عليه شئ للمقر له بثلث المال، لان الشرط فى صحة الاستثناء عدم الاستغراق بحسب الظاهر لا بحسب الحقيقة، وهذا يتحقق اذا كان الاستغراق آتيا من الخارج لا من اللفظ. ٣ - أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه نحو أن يقول: لفلان على عشرة جنيهات ألا أربعة فأن هذا الاستثناء يصح وتجب ستة جنيهات فاذا لم يكن من جنسه كما فى استثناء الثياب والغنم والدواب من الدراهم والدنانير أو من المكيل والموزون والعددى نحو أن يقول: له على مائة دينار ألا ثوبا أو ألا شاة، فأنه لا يصح ويبطل الاستثناء ويجب المقر به كله لانه لا مناسبة بين الثياب والدواب وبين الدراهم والدنانير أو المكيل والموزون مثلا فى وصف أو فى معنى جامع بينهما، وهذا بالاتفاق بين فقهاء الحنفية واختلفوا فى استثناء الدراهم والدنانير والمقدرات التى لها تقدير فى العرف أو الشرع كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة - بعضها من بعض ولكن من خلاف الجنس نحو أن يقول: لفلان على ألف درهم الا دينارا، أو الا أردب قمح أو ألا رطل زيت أو الا مائة جوزة .. فقال الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى، أن هذا الاستثناء صحيح وهو الاستحسان لان المقدرات كلها تعتبر من جنس واحد فى المعنى اذ يحميها أولا الصلاحية للثمنية حتى لو اشترى شخص دارا بكذا أردبا من القمح موصوفة أو بكذا قنطارا من السمن أو بكذا عددا من الجوز - جاز البيع ويتعين ما ذكر فى مقابلة المبيع ثمنا له كالدراهم والدنانير على السواء .. ويحميها ثانيا الثبوت دينا فى الذمة بمقابلة ما هو مال فى المعادلات المالية، وما ليس بمال بأن تكون مهرا فى النكاح وبدلا فى الخلع حالة ومؤجلة. ويجوز استقراضها. فصار الجنس واحدا من حيث الثبوت فى الذمة دينا صحيحا .. ولكن الصورة مختلفة فلا يمكن أن يجعل الاستثناء تكلما بالباقى ألا باعتبار قيمة المستثنى فنطرح قيمة المستثنى من المستثنى منه وما بقى يكون هو الواجب الذى يلزم المقر، فان استغرق قيمة المستثنى كل المستثنى منه بطل الاستثناء للاستغراق ووجب المقر به كله وقال محمد

стр. 1533

وزفر رحمهما الله تعالى أن هذا الاستثناء لا يصح وتجب الالف كلها فى المثال المذكور، وهذا هو القياس لان الاستثناء عندنا تكلم بالباقى ولا يتأتى ذلك الا فيما يكون المستثنى فيه داخلا تحت المستثنى منه ومن متناولاته والمستثنى هنا غير داخل لاختلاف الجنس، ومن ثم يجعل الاستثناء فيه منقطعا وتكون الا بمعنى لكن، وكأنه قال فى المثال المذكور: لفلان على ألف درهم، لكن الدينار أو أردب القمح ليس على، ونفى وجوبه لا يؤثر فى وجوب الالف درهم كلها كما فى استثناء الثوب. والشاة من الالف درهم، ومن ثم تجب الالف درهم كلها. ويتصل بما ذكر ما اذا أقر الشخص بمالين واستثنى بعدهما شيئا ولم يبين أن المستثنى من أيهما - وقد ذكروا فى حكم هذه المسألة أنه ان كان المقر له بالمالين واحدا نحو أن يقول: لفلان على ألف درهم ومائة دينار وألا درهما صرف الاستثناء الى الثانى وان لم يكن من جنسه فى القياس لانه متصل به وقد فصل بينه وبين الاول ذكر الثانى. وفى الاستحسان أنه يصرف الى جنسه الاول أو الثانى، ففى المثال المذكور يصرف الاستثناء الى الدراهم فى الاستحسان لانه من جنسها والفاصل من تتمة الكلام فلا يؤثر وعلى ذلك فيجب على المقر مائة دينار كاملة وتسعمائة وتسعة وتسعون درهما، وفى القياس يصرف الاستثناء الى الثانى أى الدنانير لاتصاله به، والجنس غير مختلف فى الدراهم والدنانير بل والمقدرات الخاصة على ما سبقت الاشارة اليه فتطرح قيمة الدرهم المستثنى من الدنانير ويجب عليه حينئذ ألف درهم ومائة دينار الا قيمة درهم وان كان المقر له بالمالين متعددا نحو أن يقول: لفلان على ألف درهم ولفلان آخر على مائة دينار الا درهما صرف الاستثناء الى الثانى مطلقا سواء كان المستثنى من جنس المال الاول أو الثانى .. وهذا كله عند الشيخين أبى حنيفة وأبى يوسف، وقال محمد ان كان المالان لرجل واحد صرف الاستثناء الى جنسه الاول أو الثانى لان الاستثناء من غير الجنس غير صحيح عنده، وأن كان المالان لرجلين لم يصح الاستثناء أصلا لوقوع الشك فى أصل الاستثناء بالنسبة لكل منهما على التعيين. ٤ - أن يكون المستثنى منه دالا على المستثنى قصدا بحسب لفظه لا تبعا وتضمنا، فلو كان دالا عليه تبعا لم يصح استثناؤه حينئذ، ويترتب على ذلك ما يأتى: (أ) اذا أقر لشخص ببيت أو دار واستثنى منهما البناء لم يصح الاستثناء ويجب للمقر له الارض والبناء معا لان كلا من البيت والدار لا يشمل البناء بحسب اللفظ ولكن البناء تابع

стр. 1534

لما ذكر فأشبه الوصف بل هو يقع موقع الوصف فعلا اذ يقال: بيت مبنى ودار مبنية .. واستثناء الوصف لا يجوز لانه يدخل تبعا لا قصدا. (ب) اذا أقر لآخر بدار واستثنى منها بيتا صح الاستثناء لان الدار تشمل البيت بحسب اللفظ ويدخل فيها قصدا لانه جزء منها. (ج) اذا أقر له بأرض ألا بناءها لم يصح الاستثناء ويجب للمقر له الارض والبناء معا لأن البناء تابع للعرصة أى الارض والوجه فى ذلك كله أن الدار والبيت والارض اسم لما وضع عليه البناء وليس اسما للارض والبناء معا، ولكن البناء يدخل تبعا فى بيع الدار والبيت والاقرار بهما، حتى أنه لو استحق البناء قبل القبض فى بيع الدار والبيت لا يسقط شئ من الثمن بمقابلته بل يتخير المشترى فى أخذ الارض بكل الثمن أو ترك البيع، والفص فى الخاتم والنخلة فى البستان نظير البناء فى الدار تدخل تبعا ومن ثم لا يصح استثناؤهما ألا أن يستثنى النخلة بأصولها لأن أصولها تدخل فى الاقرار قصدا لا تبعا فيصح الاستثناء حينئذ. وهذا بخلاف ما اذا قال: هذه الدار لفلان ألا ثلثها أو ألا البيت الفلانى منها فأنه لى، فأن الاستثناء فيه صحيح ويكون للمقر له من الدار ما عدا الثلث وما عدا البيت المستثنى، لان المستثنى فى ذلك داخل فى المستثنى منه قصدا لا تبعا اذ هو بعضه وجزء منه حتى لو استحق ثلث الدار أو بيت منها فى بيع الدار سقطت حصته من الثمن وكان المشترى مخيرا بين اخذ الباقى بمقابله من الثمن وبين الرد سواء كان الاستحقاق قبل القبض أو بعده كما هو مبسوط فى أحكام البيع من كتاب البيع فى ابن عابدين. وأما العرصة فهى اسم للارض خالية من البناء فلا يدخل فيها البناء لا أصلا ولا تبعا ومن ثم لا يصح استثناؤه منها كما أنه غير تابع لها فى الاقرار بها أو فى بيعها حتى لو قال: بناء هذه الدار لى وعرصتها لك كان كما قال لان العرصة هى البقعة لا البناء فقصر الحكم عليها يمنع دخول الوصف وهو البناء تبعا ولكن لو قال: بناؤها لى وأرضها لك كان البناء للمقر له أيضا لدخوله تبعا للارض فى الاقرار، وقد قيل ان هذه التفرقة بين الارض والعرصة لا تتمشى مع العرف اذ العرف لا يفرق بينهما، وكذلك العرف يقضى بأن البيت يطلق على مجموع الارض والبناء صغيرا كان أو كبيرا وهو عرف عام ولو أخذ به لتغير الحكم. جاء فى الهداية وتكملة الفتح من باب الاقرار: من أقر بدار واستثنى بناءها لنفسه بأن قال: هذه الدار لفلان ألا بناءها فأنه لى لم يصح الاستثناء وكان للمقر له الارض والبناء لأن البناء داخل تبعا لانه وصف فى الدار أذ يقال: دار

стр. 1535

مبنية والوصف يدخل تبعا لا قصدا، ولهذا لو استحق البناء قبل القبض فى بيع الدار لا يسقط شئ من الثمن بمقابلته بل يتخير المشترى، والفص فى الخاتم والنخلة فى البستان نظير البناء فى الدار .. وهذا بخلاف ما اذا قال: هذه الدار لفلان الا البيت الفلانى منها فأن الاستثناء صحيح لان المستثنى داخل فى المستثنى منه قصدا لا تبعا اذ هو بعضه، حتى لو استحق فى البيع سقطت حصته من الثمن وكان المشترى مخيرا سواء قبل القبض أو بعده - كما فى أحكام البيع ولو قال: بناء هذه الدار لى وعرصتها لفلان يكون كما قال لأن العرصة عبارة عن البقعة دون البناء بخلاف ما اذا قال بناؤها لى وأرضها لفلان حيث يكون البناء للمقر له أيضا لان الاقرار بالارض اقرار بالبناء على أن الارض أصل والبناء تبع والاقرار بالاصل اقرار بالتبع فصار الاقرار بالارض كالاقرار بالدار. وقد قال صاحب التكملة - كون البيت داخلا فى الدار لفظا ومقصودا مشكل على القول بأن الدار اسم للعرصة كما ذكروه فى باب الأيمان واستدلوا به على أن من حلف لا يدخل الدار فدخلها بعد ما تهدمت وصارت صحراء حنث اذ على تقدير أن يكون البيت داخلا فى الدار لفظا ومقصودا يكون جزءا من مدلول لفظ الدار فلا تكون الدار حينئذ اسما للعرصة فقط بل لمجموع العرصة والبيوت فاذا تهدمت وصارت صحراء لزم أن تنعدم بانعدام بعض أجزائها فلم يظهر وجه الحنث فى المسألة المذكورة. وأيضا فأن ما ذكروه مخالف لما جرى به العرف من أن البيت اسم لبناء مسقف له حوائط أربعة أو ثلاثة، والمقرر أن الايمان مبنية على العرف وكذلك الامر فى الاقرار وغيره من التصرفات ينبغى أن يرجع فيها الى العرف فى كل زمن ومكان ولا يتقيد بعرف خاص ونقل صاحب التكملة كما نقل ابن عابدين فى حاشيته فى فصل الاستثناء من الاقرار عن الذخيرة فى مسألة الاقرار بالعرصة دون البناء وبالارض دون البناء، وتبعيته لهذه دون تلك، ضابطا جاء فيه أن تخريج هذه المسائل مبنى على أصلين. الاول: أن الدعوى قبل الاقرار لا تمنع صحة الاقرار بعدها والدعوى بعد الاقرار فى بعض ما دخل تحت الاقرار لا تصح، أى أن الاقرار بعد الدعوى صحيح دون العكس. والثانى: أن اقرار الانسان حجة على نفسه وليس بحجة على غيره: وبناء على ذلك: ١ - اذا قال: بناء هذه الدار لى وأرضها لفلان كانت الارض والبناء لفلان لانه قد أدعى أولا أن البناء له، ثم أقر بأن الارض لفلان والبناء يتبع الارض فى الاقرار فيكون قد أقر بالبناء لفلان هذا بعد ادعائه أنه له فيصح الاقرار .. واذا قال أرضها لى وبناؤها لفلان فكما

стр. 1536

قال، لانه قد ادعى البناء لنفسه أولا ضمن أدعاء الارض ثم أقر بأن البناء لفلان بعد الدعوى فيصح الاقرار ويؤمر المقر له بنقل البناء من أرض المقر .. واذا قال: أرض هذه الدار لفلان وبناؤها لى فالارض والبناء للمقر له، لانه أقر أولا بأن البناء لفلان تبعا للاقرار له بالارض، ثم ادعى بعد ذلك البناء لنفسه والدعوى بعد الاقرار ببعض ما دخل تحت الاقرار لا تصح واذا قال: أرض هذه الدار لفلان وبناؤها لفلان آخر فالارض والبناء للمقر له الاول، لانه أقر أولا بالبناء للاول ضمن اقراره له بالارض، ثم أقر بالبناء للثانى، وهذا اقرار على الاول والاقرار على الغير لا يصح. واذا قال: بناء هذه الدار لفلان وأرضها لفلان آخر فهو كما قال، لانه أقر أولا بالبناء للاول ثم أقر ثانيا على هذا الاول بالبناء للثانى تبعا لاقراره له بالارض فكان اقرارا على الغير فلم يصح. جهالة المستثنى والاصل فى الاستثناء أن يكون المستثنى معلوما غير أن ذلك ليس بشرط فى صحته فيجوز أن يكون المستثنى مجهولا نحو أن يقول: لفلان على مائة درهم ألا شيئا أو الا قليلا أو ألا بعضا فأن الاستثناء يكون صحيحا فى الجميع، ويجب على المقر فى الامثلة المشار اليها أكثر من نصف المائة المستثنى منها لان استثناء الشئ أو البعض أو القليل استثناء الاقل عرفا مما يثبت فى الذمة ويطالب به المقر فيكون الباقى بعد الاستثناء أكثر من المستثنى عرفا. والاكثرية تتحقق بالزيادة على النصف غير أنه لا يمكن تحديد هذه الزيادة الا بالرجوع الى المقر ومن ثم يكون القول قوله فى ذلك اذ هو المجمل فيكون البيان اليه، ويجب عليه أن يبين .. فاذا لم يبين يحكم بزيادة أو فى ما تتحقق به الزيادة على النصف. فيزاد فى المثال المذكور درهم على نصف المائة وبذلك يلزمه واحد وخمسون درهما. وقد أقر بشئيين واستثنى أحدهما كقوله: لفلان على أردب قمح وأردب شعير الا أردب قمح كان الاستثناء باطلا لأنه مستغرق والاستثناء المستغرق باطل كما تقدم .. واذا استثنى أحدهما وبعض الاخر بأن قال: لفلان على أردب قمح وأردب شعير ألا اردب قمح وكيلة شعير ينظر فان أخر استثناء كيلة الشعير كما فى المثال، كان الاستثناء باطلا كله لانه لما بطل استثناء أردب القمح للاستغراق صار لغوا وقد صار قاطعا للكلام بين المستثنى منه واستثناء كيلة الشعير فصار الاستثناء منفصلا وشرط صحته الاتصال كما تقدم فكان باطلا لذلك .. أما أن قدم استثناء كيلة الشعير على استثناء أدرب القمح بأن قال: ألا كيلة شعير وأردب قمح فأنه يصح استثناء كيلة الشعير من الثانى بالاتفاق لعدم الفاصل حينئذ.

стр. 1537

واذا استثنى عددين بينهما حرف الشك من عدد آخر نحو أن يقول: لفلان على ألف درهم ألا مائة درهم أو خمسين يطرح العدد الاكبر من العددين المردد بينهما من المستثنى منه والباقى يكون هو الواجب فيلزمه تسعمائة درهم فى المثال المذكور، لان الاستثناء تكلم بالباقى بعد المستثنى والمستثنى مشكوك فيه والاصل براءة الذمة فلا يلزم الزائد بالشك ويجب الاقل، وهذا تفريع على أصل الحنفية فى الاستثناء من أن الحكم انما يثبت للباقى بعد المستثنى .. ومن ثم حكموا بشغل الذمة بما يتيقن ثبوته فقط. وفى رواية أخرى يطرح أقل العددين المردد بينهما بحرف الشك والباقى هو الواجب فيلزمه فى هذا المثال تسعمائة وخصون درهما لان الالف قد ثبتت جميعها فى الذمة بمقتضى صدر الكلام، والتردد وقع فى القدر المخرج فيحكم باخراج المتيقن به وهو الاقل وهذا يوافق أصل الشافعية فى الاستثناء من أنه اخراج للمستثنى من حكم المستثنى منه بطريق المعارضة. وقد ورد التصريح بتصحيح كل من الروايتين. الاستثناء بالمشيئة: جاء فى الهداية وشرح العناية فى باب الاستثناء من كتاب الاقرار .. ومن أقر بحق وقال أن شاء الله متصلا بأقراره بأن قال: لفلان على مائة درهم أن شاء الله لم يلزمه الاقرار لان الاستثناء بمشيئة الله أما ابطال كما هو مذهب أبى يوسف أو هو تعليق كما هو مذهب محمد. وثمرة الخلاف تظهر فيما اذا قدم المشيئة أى قدم الشرط على الجزاء ولم يأت بالفاء التى تربط بينهما بأن قال: ان شاء الله أنت طالق، فعند أبى يوسف لا يقع الطلاق لأنه أبطال وعند محمد يقع لانه تعليق وفى التعليق اذا قدم الشرط ولم يذكر حرف الجزاء الرابط بينهما لم يتعلق وبقى الطلاق من غير شرط فيكون تنجيز ويقع الطلاق .. وكيفما كان لم يلزمه الاقرار لانه أن كان الاول وهو الابطال فقد بطل الاقرار، وأن كان الثانى وهو التعليق فكذلك أما لان الاقرار لا يحتمل التعليق بالشرط لانه أخبار عما سبق والتعليق أنما يكون بالنسبة للمستقبل وبينهما منافاة وأما لانه فى صورة الاستثناء بالمشيئة التعليق فيها على شرط لا يوقف عليه والتعليق به غير صحيح. وفى تكملة فتح القدير للعلامة قاضى زادة تعليقا على قول صاحب الهداية - لان الاستثناء بمشيئة الله أما ابطال كما هو مذهب أبى يوسف أو تعليق كما هو مذهب محمد - كذا ذكره الامام قاضيخان فى طلاق الجامع الكبير واختاره البعض، وقيل الاختلاف على العكس أى أن الاستثناء بالمشيئة تعليق عند أبى يوسف وأبطال عند محمد كما ذكر فى الفتاوى الصغرى والتتمة واختاره بعض آخر .. ثم أشار الى المسألة التى تظهر فيها ثمرة الخلاف وهى ما اذا قدم الشرط

стр. 1538

على الجزاء ولم تذكر الفاء. وقال: وكيفما كان لم يلزمه الاقرار معللا بما سبق ذكره عن الهداية وزاد قوله. ولانه اخبار متردد بين الصدق والكذب فأن كان صدقا لا يصير كذبا بفوات الشرط وأن كان كذبا لا يصير صدقا بوجود الشرط، فلغا تعليقه بالشرط، وأما لانه شرط لا يوقف عليه فان وقوع مشيئة الله تعالى مما لا يكاد يطلع عليه أحد والتعليق بما لا يوقف عليه غير صحيح لانه يكون أعداما من الاصل ولو قال: لفلان على ألف ان شاء فلان فقال فلان: هذا قد شئت فهذا اقرار باطل لانه علقه بشرط فى وجوده خطر والاقرار لا يحتمل التعليق بالخطر لان التعليق بما فيه خطر يمين والاقرار لا يحلف به. وقد نقل صاحب التكملة عن المبسوط من كتاب الاقرار أنه قال: لو قال: غصبتك هذا العبد أمس أن شاء الله لم يلزمه شئ استحسانا وفى القياس استثناؤه باطل لان ذكر الاستثناء بمنزلة ذكر الشرط وذلك انما يصح فى الانشاء دون الاخبار. ولكن استحسن لان الاستثناء مخرج للكلام عن أن يكون عزيمة لا أن يكون فى معنى الشرط فان الله تعالى أخبر عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿(سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً)﴾ ولم يصبر ولم يعاقب على ذلك، والوعد من الانبياء كالعهد من غيرهم فدل على أن الاستثناء مخرج للكلام عن أن يكون عزيمة، والاقرار لا يكون ملزما ألا بكلام هو عزيمة .. وقال النبى ﷺ (من استثنى فله ثنياه). وفى مجمع الانهر فى باب الاستثناء من كتاب الاقرار .. (ومن وصل باقراره أن شاء الله بطل اقراره لان التعليق بمشيئة الله تعالى أبطال عند محمد فبطل قبل انعقاده للحكم وتعليق لا يوقف عليه عند أبى يوسف فكان أعداما من الاصل كما فى الدرر وغيره، ولكن فى العناية خلافه لانه قال: ومن قال لفلان على مائة درهم أن شاء الله لم يلزمه الاقرار لان الاستثناء بمشيئة الله تعالى أما ابطال كما هو مذهب أبى يوسف أو تعليق كما هو مذهب محمد كما قررناه فى الطلاق فتلزم المنافاة الا أن يحمل على اختلاف الروايتين، وكذا أن علقه بمشيئة من لا تعرف مشيئتهم كالملائكة والجن لأنه لا تعرف مشيئتهم فلا يقع عليه شئ لأن الاصل براءة الذمم فلا يثبت بالشك، وفى البحر وكذا بمشيئة فلان وأن شاء وكذا كل اقرار علق بشرط على خطر ولم يتضمن دعوى أجل. وفى تنوير الابصار وشرحه الدر المختار فى باب الاستثناء من كتاب الاقرار ولو وصل بأقراره أن شاء الله تعالى أو فلان أو علقه بشرط على خطر بطل اقراره. وعلق ابن عابدين فى حاشيته على قول التنوير بطل أقراره بقوله: على قول أبى يوسف أن التعليق بالمشيئة ابطال،

стр. 1539

وقال محمد: تعليق بشرط لا يوقف عليه، والثمرة تظهر فيما اذا قدم المشيئة فقال: أن شاء الله أنت طالق، عند أبى يوسف لا يقع لانه ابطال، وعند محمد يقع لانه تعليق فاذا قدم الشرط ولم يذكر الجزاء لم يتعلق وبقى الطلاق من غير شرط .. ولو جرى على لسانه أن شاء الله من غير قصد وكان قصده أيقاع الطلاق لا يقع لان الاستثناء موجود حقيقة والكلام معه لا يكون ايقاعا. ثانيا: بالنسبة للاقرار: أما بالنسبة للاقرار فان ربط الاقرار بالمشيئة يبطل الاقرار بالاتفاق سواء قيل أنه ابطال أو تعليق ولم يفرقوا هنا بين ما اذا تقدم الشرط على الجزاء أو تأخر عنه، وبين ذكر الفاء فى الجواب وعدم ذكرها فيه فى حالة تقدم الشرط وذلك لمعنى فى الاقرار ليس موجودا فى الطلاق ولا فى غيره من التصرفات المنشئة وهو ان الاقرار أخبار عما هو واقع بالفعل فى الزمن السابق والتعليق أنما يكون بالنسبة للمستقبل .. وأيضا الاقرار التزام من المقر بما أقر به للمقر له. والالتزام لا يكون الا بكلام هو عزيمة أى يدل على العزم والتصميم والاستثناء مخرج للكلام عن أن يكون عزيمة على ما ذكره صاحب المبسوط فى الاقرار ونقله عنه صاحب تكملة الفتح كما أشرنا اليه (١). تعدد الاستثناء: ويصح تكرار الاستثناء كأن يقول: لفلان على عشرة دراهم ألا سبعة ألا خمسة ألا ثلاثة ألا درهما، وطريقة معرفة الباقى الاخير الحاصل من مجموع التركيب فى عبارة الاقرار والذى يلزم به المقر - أن نطرح الاخير وهو الدرهم مما قبله وهو الثلاثة فيبقى درهمان نطرحهما مما قبل وهو الخمسة فيبقى ثلاثة نطرحهما مما قبل وهو السبعة فيبقى أربعة نطرحهما من العشرة فيبقى ستة وهو الباقى الاخير الذى يلزم به المقر. وهناك طريقة أخرى وهى أن نطرح مجموع الاعداد التى مراتبها زوجية وهى الثانى والرابع والسادس وهكذا من مجموع الاعداد التى مراتبها فردية وهى الاول والثالث والخامس وهكذا وباقى الطرح هو الباقى الاخير المقر به .. ففى المثال المذكور يقال (١٠ + ٥ + ١) - (٧ + ٣) -١٦ - ١٠ - ٦ وهو الباقى المقر به.

стр. 1540

وهذا اذا تكرر الاستثناء بدون واو أى بدون حرف عطف بينهما كما فى الامثلة التى ذكرت. فان كانت بالواو أى بحرف عطف بينها كان الكل اسقاطا من الصدر أى المستثنى منه الاول فلو قال: لفلان على عشرة دراهم الا خمسة وألا ثلاثة وألا درهما اسقطنا مجموع الاستثناءات وهو تسعة من الصدر المستثنى منه الاول وهو عشرة ويكون الباقى واحدا هو المقر به (١). مذهب المالكية: يعرف المالكية الاستثناء بأنه اخراج لما دخل فى الكلام أولا بألا أو احدى أخواتها، وهو عندهم من مخصصات العام كالشافعية ومثله الشرط والصفة والغاية وبدل البعض (٢). ويجرى الاستثناء عندهم فى الاقرار والطلاق والعتق واليمين بالله والنذر. شروط صحة الاستثناء: ويشترط فى صحة الاستثناء أن يكون متصلا بالمستثنى منه ولا يضر الفصل بأمر عارض كسعال وعطاس، وأن يكون غير مستغرق للمستثنى منه ولا مساويا له، فاستثناء الزائد نحو لك على عشرة ألا اثنى عشر والمساوى نحو لك على عشرة ألا عشرة، باطل .. ويجوز استثناء أكثر المستثنى منه وأبقاء أقله نحو له على عشرة ألا تسعة خلافا لعبد الملك .. وأن ينطق المقر بالاستثناء بحيث يسمع نفسه على الاقل، وهذا فى الاستثناء فى الاقرار لان الحق فيه للمخلوق. أما الاستثناء فى غير الاقرار فيكفى النطق به ولو سرا بحركة لسانه دون أن يسمع أحدا ولو نفسه وأن يقصد الاستثناء أى اخراج المستثنى من المستثنى منه فلو جرى الاستثناء على لسانه من غير أن يقصد الاخراج فلا يعول عليه. ولا يشترط فى صحة الاستثناء اتحاد الجنس بين المستثنى والمستثنى منه بل يجوز الاستثناء مع اتحاد الجنس كاستثناء الدراهم والدنانير والمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة والمتفاوتة والاعيان من جنسها الدراهم من الدراهم والدنانير من الدنانير وهكذا، ومع اختلاف الجنس كاستثناء الثوب والعبد من الدراهم والدنانير وبالعكس واستثناء الثياب من العبيد وبالعكس .. فلو قال له على ألف درهم ألا عبدا أو ألا ثوبا صح وسقطت من الالف قيمة العبد أو الثوب ولزمه ما بقى وتعتبر القيمة يوم الاستثناء ويقال للمقر اذكر صفة العبد أو الثوب فاذا ذكرها قوم على الصفة التى ذكرها وطرحت قيمته من الالف وما بقى يكون هو المقر به الذى يلزم المقر. وأن استغرقت قيمة العبد أو الثوب بعد تقديرها الالف المستثنى منها بطل الاستثناء وصح الاقرار، ولزمت المقر الالف بتمامها .. وان لم

стр. 1541

يبين المقر صفة العبد أو الثوب وادعى جهلها تسقط قيمة عبد من أعلى العبيد أو ثوب من أعلى الثياب من الالف ويلزم المقر الباقى لان المقر أنما يؤخذ بالمحقق وهو الاقل. وهذا فى المثال المذكور، أما لو قال: له عندى عبد ألا عشرة دنانير طرحت العشرة من قيمة العبد، والباقى هو المقر به وتقدر قيمة العبد على أساس الصفة التى يبينها المقر، فأن ادعى جلهها تقدر قيمة عبد من أدنى العبيد وتسقط منها العشرة الدنانير المستثناه والباقى هو المقر به، أخذا بالقاعدة المذكورة من أنه لا يلزم المقر الا بما هو محقق وهو الاقل. ولو قال له عندى عبد ألا ثوبا أو عكسه صح وطرحت قيمة المستثنى من قيمة المستثنى منه بعد تقدير القيمتين على أساس المذكور ولو قال: له عندى ألف درهم ألا عشرة دنانير صح وطرح صرف الدنانير من الدراهم ولزمه ما بقى. ويصح الاستثناء المعنوى وهو ما أخرج بعض ما تناوله صدر الكلام دون ذكر أداة الاستثناء وصيغته كقوله: له الدار والبيت لى فأنه فى قوة قوله، له جميع الدار ألا البيت، وهذا على ما جرى به العرف اذ ذاك من أن الدار أوسع من البيت وأنه قد يشتمل على عدة بيوت فان تعددت بيوتها ولم يعين البيت الذى له بأن قال: هذه الدار لفلان ولى بيت من بيوتها فأنه يؤمر بتعيينه فأن امتنع عن التعيين مع معرفته حبس حتى يعين أو يموت. وان لم يعرفه وقال لا أدرى قيل للمقر له عين أنت فأن عين المقر أدنى البيوت أخذه بلا يمين، وأن عين أجودها حلف للتهمة وأخذه وأن قال للمقر له لا أدرى حلفا معا على نفى العلم ويبدأ المقر بالحلف، واشتركا فى البيوت بنسبة استحقاقهما (١). الاستثناء بالمشيئة: وأن وصل عبارة الاقرار وصيغته بقوله: أن شاء الله أو أن قضى الله لزمه المقر به، خلافا لابن المواز وابن عبد الحكم فأنهما قالا لا يلزمه شئ فى ذلك، لانه لما ربط الاقرار بمشيئة الله تعالى أو قضائه فقد أدخل الشك فى الالتزام اذ لا يمكن معرفة المشيئة ولا القضاء ولا الوقوف عليهما، ولا الزام مع الشك. والوجه فيما أخذ به المذهب أنه لما أقر علمنا أن الله تعالى قد شاء أو قضى بالالزام فلم يبق شك، ولان الاستثناء بالمشيئة لا يعتبر فى غير اليمين بالله .. أما لو ربط الاقرار بمشيئة انسان بأن قال: له عندى مائة ان شاء فلان فلا يلزمه شئ ولو قال فلان هذا قد شئت ذلك لانه علقه على خطر أى على أمر دائر بين التحقق وعدمه لانه حين قال ذلك كان مجوزا أن يشاء فلان وأن لا يشاء .. وقد يقول ظننت أنه لا يشاء (٢).

стр. 1542

تعدد الاستثناء: ويصح تعدد الاستثناء نحو أن يقول: له على عشرة دراهم الا أربعة الا اثنين الا واحدا. وطريقة معرفة الباقى الاخير الذى يلزم به المقر أن يستثنى كل واحد مما قبله ابتداء من الاستثناء الاخير، ليستثنى الواحد مما قبله وهو الاثنان فيبقى واحد يستثنى مما قبله وهو الاربعة فيبقى ثلاثة تستثنى مما قبلها وهو العشرة فيبقى سبعة وهى المقر بها (١). مذهب الشافعية: فى فصل الاستثناء من كتاب الطلاق فى حاشية البجرمى على المنهج من كتب الشافعية أن الاستثناء هو الاخراج بألا أو احدى أخواتها أو أخرج أو أحط تحقيقا أو تقديرا كالاستثناء المنقطع .. وهو مأخوذ من الثنى وهو الصرف لصرف المستثنى عن حكم المستثنى منه. وفى التحفة شرح المنهاج لابن حجر أن الاستثناء هو اخراج ما لولاه لدخل فى الكلام السابق بنحو ألا - كأستثنى أو أحط من الثنى أى الرجوع لانه رجوع عما اقتضاه لفظه (٢). والاستثناء عند الشافعية من الاثبات نفى ومن النفى اثبات كما هو مبين ومبسوط فى كتب الاصول فلو قال: لفلان على ثلاثة دراهم الا اثنين الا واحدا لزمه درهمان لانه أخبر بثبوت ثلاثة دراهم فى ذمته للمقر له واستثنى من هذا الاثبات درهمين فنفى لزومهما ثم استثنى من هذا النفى درهما. فأثبته فيكون قد استثنى درهما واحدا من الثلاثة التى أقر بها فيلزمه درهمان والاستثناء المبهم باطل فى العقود فلو قال: بعتك الصبرة ألا صاعا ولا يعلم صيعانها، أو بعتك الجارية ألا حملها يكون البيع باطلا، أما فى الاقارير والطلاق فأنه صحيح ويلزمه البيان، فلو قال: له على مائة درهم ألا شيئا، أو نسائى طوالق ألا واحدة منهن صح الاستثناء فيهما ويلزمه بيان المستثنى كما سيأتى ايضاحه (٣). شروط صحة الاستثناء: يشترط لصحة الاستثناء ما يأتى: (١) أن يكون المستثنى متصلا بالمستثنى منه عرفا بحيث يعد كلاما واحدا بحسب العرف. فلا يضر الفاصل اليسير كسكتة تنفس وعى أى تعب وعجز عن الكلام وعروض سعال وانقطاع صوت وسكوت للتذكر وكذا لا يضر الفصل بماله به علاقة كقوله فى الطلاق: أنت طالق يا زانية، أن شاء الله فانهم لم يعتبروا

стр. 1543

قوله يا زانية فاصلا لانه متعلق بالكلام وكأنه لبيان عذره فى الطلاق ويضر الفصل بكلام أجنبى ولو يسيرا كالحمد لله، واستغفر الله، والصلاة على النبى ﷺ ، وكذا السكوت الطويل من غير عذر .. واختلف فى الفصل بالنداء نحو: لك على مائة درهم يا فلان الا عشرين والصحيح أنه لا يضر كما قال الكافى لانه لاستدراك ما سبق وبه أفتى الرملى والمغنى والزيادى. ٢ - أن ينوى الاستثناء ويقصد اخراج المستثنى من المستثنى منه قبل فراغ الاقرار بحيث تقترن النية بكل عبارة الاقرار أو بأولها أو بآخرها أو اثنائها - أما اذا كانت بعد الفراغ منها فلا يصح الاستثناء اجماعا. وذلك لان الاستثناء رفع لبعض ما شمله اللفظ كما فى قوله: له على عشرة ألا ثلاثة أو لكل ما شمله اللفظ نحو له على عشرة أن شاء الله فيحتاج الى قصد هذا الرفع ونيته. وهذا اذا أخر الاستثناء بعد عبارة الاقرار وعقبها به كما فى الامثلة المذكورة كما هو المعتاد، فأن قدم الاستثناء نحوله على ألا ثلاثة عشرة دراهم أو أنت ألا واحدة طالق ثلاثا فأن النية ينبغى أن تكون قبل التلفظ به .. أو يقصد حال الاتيان بالاستثناء أخراجه مما بعده ليرتبط به. ٣ - أن يتلفظ به حيث يسمع نفسه مع اعتدال سمعه وعدم وجود عارض يحول دون السماع وألا لم يقبل فى الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله تعالى وهكذا يجرى التعبير عن هذا الشرط فى أكثر الكتب دون فرق بين الاستثناء والتعليق بالمشيئة أو بغيرها من الشروط .. ولكن فى الانوار أن اسماع المقر نفسه بالوضع المشار اليه شرط فى التعليق على غير المشيئة من الشروط - أما التعليق على المشيئة والاستثناء فأن الشرط فيهما أن يسمع غيره ورتب على ذلك قبول قول هذا المقر وعدم قبوله فى تحقق الاستثناء عند الانكار كما اذا اختلف الزوجان فى الاستثناء فى الطلاق. فقد نقل الشروانى فى حاشيته على شرح المنهاج ما يأتى (١): قال فى الانوار: الخامس من شروط الاستثناء أن يسمع غيره والا فالقول قولها فى نفيه وحكم بالوقوع اذا حلفت ولو قال: أنت طالق ان شاء الله أو أن لم يشأ الله لم يقع الطلاق ولكن بشروط منها أن يسمعه غيره وألا فلا يصدق وحكم بوقوعه اذا حلفت، ثم قال: وللتعليق شروط ثالثها أن يذكر الشرط بلسانه فأن نوى بقلبه لم يقبل فى الظاهر وحكم بالطلاق ولا يشترط أن يسمعه غيره .. فلو قال: أنت طالق أن كلمت زيدا وأنكرت الشرط صدق بيمينه .. ففرق بين التعليق بغير المشيئة كدخول الدار وكلام فلان وبين الاستثناء والتعليق بالمشيئة. والفرق أن التعليق بغير المشيئة

стр. 1544

ليس رافعا للحكم بل مخصص له بخلاف التعليق بالمشيئة والاستثناء فأن ما ادعاه فيهما رافع للحكم من أصله. ونقل الشروانى أيضا عن (الشبراملسى) أن معنى قولهم لم يقبل أى ظاهرا ويدين .. ومثل الاستثناء فى هذا الشرط وهو اسماع غيره التعليق بالمشيئة بخلاف التعليق بصفة أخرى، حتى لو قال: قلت أن دخلت فأنكرت صدق بيمينه. انتهى ثم قال وهذه كلها مخالفة لما فى المغنى، فأن عبارته ويشترط أيضا فى التلفظ بالاستثناء اسماع نفسه عند اعتدال سمعه فلا يكفى أن ينويه بقلبه ولا أن يتلفظ به من غير أن يسمع نفسه فأن ذلك لا يؤثر ظاهرا قطعا ولا يدين على المشهور. انتهى ما نقله الشروانى. وظاهر مما ذكر أن الامر موضع خلاف - ومما يذكر أن شروط صحة الاستثناء واحدة بالنسبة للطلاق والاقرار كما صرح بذلك (١). ٤ - أن يعرف المقر معنى الاستثناء و «لو بوجه» وعلق الشروانى على عبارة هذا الشرط بكلام جاء فيه: ويحتمل أن يكون المراد أن يعرف أن الاستثناء و «ما ألحق به» القصد منه التعليق أو التخصيص المطلق لا خصوص معانيه التفصيلية المبينة فى الفنون الادبية وأكثر العوام يفهمون هذا المجمل. فلو فرض أن شخصا لقن هذا اللفظ ثم استفسر عن معناه فلم يفصح عنه بوجه لم نرتب عليه حكمه. ٥ - أن لا يستغرق المستثنى المستثنى منه ولو بحسب المعنى كما فى الاستثناء من غير الجنس اذا فسر المقر المستثنى بمستغرق للمستثنى منه حيث يلغو الاستثناء ويبطل فان استغرق المستثنى المستثنى منه نحوله عشرة دراهم ألا عشرة أو أنت طالق ثلاثا ألا ثلاثا بطل الاستثناء اجماعا، ووجبت العشرة كلها ووقع الطلاق الثلاث، وهذا فى غير الوصية أما فى الوصية كقوله أوصيت لفلان بمائة درهم ألا مائة فأن الاستثناء يصح ولو مستغرقا ويكون رجوعا عن الوصية لان الرجوع عن الوصية جائز، أما الاقارير والطلاق فأن الرجوع فيها غير جائز ومن ثم يفسد الاستثناء اذا استغرق وانما يفسد الاستثناء المستغرق اذا اقتصر المقر على الاستثناء المستغرق كما فى الامثلة المذكورة، أما اذا كرر الاستثناء على وجه لو طبقت عليه قاعدة الاثبات والنفى يزول الاستغراق فلا يبطل الاستثناء حينئذ فلو قال: له على عشرة ألا عشرة ألا أربعة يصح الاستثناء ويلزمه أربعة لانه استثنى من العشرة الاولى عشرة ألا أربعة أى ستة فيكون الباقى أربعة هى التى تلزم، لان الاستثناء من الاثبات نفى وبالعكس فباستثناء العشرة من العشرة نفى الالتزام بشئ وباستثناء أربعة من

стр. 1545

هذا النفى أثبت الاربعة فلزمته، وفى قوله: له على عشرة ألا تسعة ألا ثمانية يلزمه تسعة لانه باستثناء التسعة من العشرة المثبتة نفى الالتزام بتسعة منها وبقى ملتزما بواحد وباستثناء الثمانية من النفى أثبت ثمانية تضاف الى الواحد الباقى يكون المثبت تسعة … ولو كرر الاستثناء فى هذا المثال فقال: له على عشرة ألا تسعة ألا ثمانية ألا سبعة وهكذا الى نهاية الاعداد نزولا كان الواجب خمسة على الاساس المذكور - وكذا على طريقة رجوع كل استثناء الى ما قبله وطرحه منه على مثال ما سبق بيانه اذا تعدد الاستثناء فى المذاهب الاخرى التى سبق الكلام عليها. وهذا كله اذا تكرر الاستثناء بدون عطف. أما اذا تكرر مع العطف كقوله: له على عشرة ألا خمسة وثلاثة، أو ألا خمسة وألا ثلاثة أسقط مجموع الاستثناءات كلها من المستثنى منه الاول فيلزم فى المثال المذكور اثنان .. فان كانت الاستثناءات بحيث لو جمعت استغرقت المستثنى منه يبطل منها ما حصل به الاستغراق ويصح ما قبله .. فلو قال: له على عشرة ألا سبعة وألا ثلاثة لغا الاستثناء الثانى وهو الثلاثة وصح ما قبله ولزمه ثلاثة ولا يجمع مفرق بالعطف فى المستثنى منه ولا فى المستثنى ولا فيهما معا لدفع الاستغراق اذا وجد ولا لتحصيله اذا لم يوجد .. فلو قال: له على درهم ودرهم ودرهم الا درهما يكون الدرهم المستثنى مستثنى مما قبله وهو الدرهم الاخير فى المستثنى منه فيكون استثناء درهم من درهم وهو مستغرق فلا تجمع الدراهم المتعاطفة فى المستثنى منه ليصير المستثنى منه ثلاثة وبذلك يندفع الاستغراق بل يبقى الامر كما هو، ويكون استثناء درهم من درهم ويلغو للاستغراق ويبقى الاقرار بدرهم ودرهم ودرهم صحيحا ويلزمه ثلاثة دراهم ويعتبر هذا استثناء من القاعدة المقررة وهى أن الاستثناء بعد معطوفات يرجع الى جميعها لا الى الاخير منها فقط. وفى قوله: له على ثلاثة دراهم ألا درهمين ودرهما - لو جمع المعطوف والمعطوف عليه فى المستثنى كان المجموع ثلاثة ويكون الاستثناء مستغرقا ويبطل بالتالى ومن ثم لا يجمع ويعتبر استثناء درهمين من ثلاثة ويلزمه درهم واحد. الاستثناء من خلاف الجنس: ولا يشترط فى صحة الاستثناء عند الشافعية اتحاد الجنس بين المستثنى والمستثنى منه بل يصح مع اتحاد الجنس كما هو ظاهر وكما فى الامثلة العديدة المتقدمة ويصح مع اختلاف الجنس نحوله على ألف درهم ألا ثوبا أو ألا عبدا أو ألا - دينارا أو ألا أردبا من القمح أو ألا رطلا من السمن مثلا وذلك لورود هذا الاستثناء لغة وشرعا قال الله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً» استثنى السلام من اللغو وهما جنسان مختلفان وعلى المقر فى نحوله على ألف
следующие страницы →