← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

يبين المقر صفة العبد أو الثوب وادعى جهلها تسقط قيمة عبد من أعلى العبيد أو ثوب من أعلى الثياب من الالف ويلزم المقر الباقى لان المقر أنما يؤخذ بالمحقق وهو الاقل. وهذا فى المثال المذكور، أما لو قال: له عندى عبد ألا عشرة دنانير طرحت العشرة من قيمة العبد، والباقى هو المقر به وتقدر قيمة العبد على أساس الصفة التى يبينها المقر، فأن ادعى جلهها تقدر قيمة عبد من أدنى العبيد وتسقط منها العشرة الدنانير المستثناه والباقى هو المقر به، أخذا بالقاعدة المذكورة من أنه لا يلزم المقر الا بما هو محقق وهو الاقل. ولو قال له عندى عبد ألا ثوبا أو عكسه صح وطرحت قيمة المستثنى من قيمة المستثنى منه بعد تقدير القيمتين على أساس المذكور ولو قال: له عندى ألف درهم ألا عشرة دنانير صح وطرح صرف الدنانير من الدراهم ولزمه ما بقى. ويصح الاستثناء المعنوى وهو ما أخرج بعض ما تناوله صدر الكلام دون ذكر أداة الاستثناء وصيغته كقوله: له الدار والبيت لى فأنه فى قوة قوله، له جميع الدار ألا البيت، وهذا على ما جرى به العرف اذ ذاك من أن الدار أوسع من البيت وأنه قد يشتمل على عدة بيوت فان تعددت بيوتها ولم يعين البيت الذى له بأن قال: هذه الدار لفلان ولى بيت من بيوتها فأنه يؤمر بتعيينه فأن امتنع عن التعيين مع معرفته حبس حتى يعين أو يموت. وان لم يعرفه وقال لا أدرى قيل للمقر له عين أنت فأن عين المقر أدنى البيوت أخذه بلا يمين، وأن عين أجودها حلف للتهمة وأخذه وأن قال للمقر له لا أدرى حلفا معا على نفى العلم ويبدأ المقر بالحلف، واشتركا فى البيوت بنسبة استحقاقهما (١). الاستثناء بالمشيئة: وأن وصل عبارة الاقرار وصيغته بقوله: أن شاء الله أو أن قضى الله لزمه المقر به، خلافا لابن المواز وابن عبد الحكم فأنهما قالا لا يلزمه شئ فى ذلك، لانه لما ربط الاقرار بمشيئة الله تعالى أو قضائه فقد أدخل الشك فى الالتزام اذ لا يمكن معرفة المشيئة ولا القضاء ولا الوقوف عليهما، ولا الزام مع الشك. والوجه فيما أخذ به المذهب أنه لما أقر علمنا أن الله تعالى قد شاء أو قضى بالالزام فلم يبق شك، ولان الاستثناء بالمشيئة لا يعتبر فى غير اليمين بالله .. أما لو ربط الاقرار بمشيئة انسان بأن قال: له عندى مائة ان شاء فلان فلا يلزمه شئ ولو قال فلان هذا قد شئت ذلك لانه علقه على خطر أى على أمر دائر بين التحقق وعدمه لانه حين قال ذلك كان مجوزا أن يشاء فلان وأن لا يشاء .. وقد يقول ظننت أنه لا يشاء (٢).

стр. 1542

تعدد الاستثناء: ويصح تعدد الاستثناء نحو أن يقول: له على عشرة دراهم الا أربعة الا اثنين الا واحدا. وطريقة معرفة الباقى الاخير الذى يلزم به المقر أن يستثنى كل واحد مما قبله ابتداء من الاستثناء الاخير، ليستثنى الواحد مما قبله وهو الاثنان فيبقى واحد يستثنى مما قبله وهو الاربعة فيبقى ثلاثة تستثنى مما قبلها وهو العشرة فيبقى سبعة وهى المقر بها (١). مذهب الشافعية: فى فصل الاستثناء من كتاب الطلاق فى حاشية البجرمى على المنهج من كتب الشافعية أن الاستثناء هو الاخراج بألا أو احدى أخواتها أو أخرج أو أحط تحقيقا أو تقديرا كالاستثناء المنقطع .. وهو مأخوذ من الثنى وهو الصرف لصرف المستثنى عن حكم المستثنى منه. وفى التحفة شرح المنهاج لابن حجر أن الاستثناء هو اخراج ما لولاه لدخل فى الكلام السابق بنحو ألا - كأستثنى أو أحط من الثنى أى الرجوع لانه رجوع عما اقتضاه لفظه (٢). والاستثناء عند الشافعية من الاثبات نفى ومن النفى اثبات كما هو مبين ومبسوط فى كتب الاصول فلو قال: لفلان على ثلاثة دراهم الا اثنين الا واحدا لزمه درهمان لانه أخبر بثبوت ثلاثة دراهم فى ذمته للمقر له واستثنى من هذا الاثبات درهمين فنفى لزومهما ثم استثنى من هذا النفى درهما. فأثبته فيكون قد استثنى درهما واحدا من الثلاثة التى أقر بها فيلزمه درهمان والاستثناء المبهم باطل فى العقود فلو قال: بعتك الصبرة ألا صاعا ولا يعلم صيعانها، أو بعتك الجارية ألا حملها يكون البيع باطلا، أما فى الاقارير والطلاق فأنه صحيح ويلزمه البيان، فلو قال: له على مائة درهم ألا شيئا، أو نسائى طوالق ألا واحدة منهن صح الاستثناء فيهما ويلزمه بيان المستثنى كما سيأتى ايضاحه (٣). شروط صحة الاستثناء: يشترط لصحة الاستثناء ما يأتى: (١) أن يكون المستثنى متصلا بالمستثنى منه عرفا بحيث يعد كلاما واحدا بحسب العرف. فلا يضر الفاصل اليسير كسكتة تنفس وعى أى تعب وعجز عن الكلام وعروض سعال وانقطاع صوت وسكوت للتذكر وكذا لا يضر الفصل بماله به علاقة كقوله فى الطلاق: أنت طالق يا زانية، أن شاء الله فانهم لم يعتبروا

стр. 1543

قوله يا زانية فاصلا لانه متعلق بالكلام وكأنه لبيان عذره فى الطلاق ويضر الفصل بكلام أجنبى ولو يسيرا كالحمد لله، واستغفر الله، والصلاة على النبى ﷺ ، وكذا السكوت الطويل من غير عذر .. واختلف فى الفصل بالنداء نحو: لك على مائة درهم يا فلان الا عشرين والصحيح أنه لا يضر كما قال الكافى لانه لاستدراك ما سبق وبه أفتى الرملى والمغنى والزيادى. ٢ - أن ينوى الاستثناء ويقصد اخراج المستثنى من المستثنى منه قبل فراغ الاقرار بحيث تقترن النية بكل عبارة الاقرار أو بأولها أو بآخرها أو اثنائها - أما اذا كانت بعد الفراغ منها فلا يصح الاستثناء اجماعا. وذلك لان الاستثناء رفع لبعض ما شمله اللفظ كما فى قوله: له على عشرة ألا ثلاثة أو لكل ما شمله اللفظ نحو له على عشرة أن شاء الله فيحتاج الى قصد هذا الرفع ونيته. وهذا اذا أخر الاستثناء بعد عبارة الاقرار وعقبها به كما فى الامثلة المذكورة كما هو المعتاد، فأن قدم الاستثناء نحوله على ألا ثلاثة عشرة دراهم أو أنت ألا واحدة طالق ثلاثا فأن النية ينبغى أن تكون قبل التلفظ به .. أو يقصد حال الاتيان بالاستثناء أخراجه مما بعده ليرتبط به. ٣ - أن يتلفظ به حيث يسمع نفسه مع اعتدال سمعه وعدم وجود عارض يحول دون السماع وألا لم يقبل فى الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله تعالى وهكذا يجرى التعبير عن هذا الشرط فى أكثر الكتب دون فرق بين الاستثناء والتعليق بالمشيئة أو بغيرها من الشروط .. ولكن فى الانوار أن اسماع المقر نفسه بالوضع المشار اليه شرط فى التعليق على غير المشيئة من الشروط - أما التعليق على المشيئة والاستثناء فأن الشرط فيهما أن يسمع غيره ورتب على ذلك قبول قول هذا المقر وعدم قبوله فى تحقق الاستثناء عند الانكار كما اذا اختلف الزوجان فى الاستثناء فى الطلاق. فقد نقل الشروانى فى حاشيته على شرح المنهاج ما يأتى (١): قال فى الانوار: الخامس من شروط الاستثناء أن يسمع غيره والا فالقول قولها فى نفيه وحكم بالوقوع اذا حلفت ولو قال: أنت طالق ان شاء الله أو أن لم يشأ الله لم يقع الطلاق ولكن بشروط منها أن يسمعه غيره وألا فلا يصدق وحكم بوقوعه اذا حلفت، ثم قال: وللتعليق شروط ثالثها أن يذكر الشرط بلسانه فأن نوى بقلبه لم يقبل فى الظاهر وحكم بالطلاق ولا يشترط أن يسمعه غيره .. فلو قال: أنت طالق أن كلمت زيدا وأنكرت الشرط صدق بيمينه .. ففرق بين التعليق بغير المشيئة كدخول الدار وكلام فلان وبين الاستثناء والتعليق بالمشيئة. والفرق أن التعليق بغير المشيئة

стр. 1544

ليس رافعا للحكم بل مخصص له بخلاف التعليق بالمشيئة والاستثناء فأن ما ادعاه فيهما رافع للحكم من أصله. ونقل الشروانى أيضا عن (الشبراملسى) أن معنى قولهم لم يقبل أى ظاهرا ويدين .. ومثل الاستثناء فى هذا الشرط وهو اسماع غيره التعليق بالمشيئة بخلاف التعليق بصفة أخرى، حتى لو قال: قلت أن دخلت فأنكرت صدق بيمينه. انتهى ثم قال وهذه كلها مخالفة لما فى المغنى، فأن عبارته ويشترط أيضا فى التلفظ بالاستثناء اسماع نفسه عند اعتدال سمعه فلا يكفى أن ينويه بقلبه ولا أن يتلفظ به من غير أن يسمع نفسه فأن ذلك لا يؤثر ظاهرا قطعا ولا يدين على المشهور. انتهى ما نقله الشروانى. وظاهر مما ذكر أن الامر موضع خلاف - ومما يذكر أن شروط صحة الاستثناء واحدة بالنسبة للطلاق والاقرار كما صرح بذلك (١). ٤ - أن يعرف المقر معنى الاستثناء و «لو بوجه» وعلق الشروانى على عبارة هذا الشرط بكلام جاء فيه: ويحتمل أن يكون المراد أن يعرف أن الاستثناء و «ما ألحق به» القصد منه التعليق أو التخصيص المطلق لا خصوص معانيه التفصيلية المبينة فى الفنون الادبية وأكثر العوام يفهمون هذا المجمل. فلو فرض أن شخصا لقن هذا اللفظ ثم استفسر عن معناه فلم يفصح عنه بوجه لم نرتب عليه حكمه. ٥ - أن لا يستغرق المستثنى المستثنى منه ولو بحسب المعنى كما فى الاستثناء من غير الجنس اذا فسر المقر المستثنى بمستغرق للمستثنى منه حيث يلغو الاستثناء ويبطل فان استغرق المستثنى المستثنى منه نحوله عشرة دراهم ألا عشرة أو أنت طالق ثلاثا ألا ثلاثا بطل الاستثناء اجماعا، ووجبت العشرة كلها ووقع الطلاق الثلاث، وهذا فى غير الوصية أما فى الوصية كقوله أوصيت لفلان بمائة درهم ألا مائة فأن الاستثناء يصح ولو مستغرقا ويكون رجوعا عن الوصية لان الرجوع عن الوصية جائز، أما الاقارير والطلاق فأن الرجوع فيها غير جائز ومن ثم يفسد الاستثناء اذا استغرق وانما يفسد الاستثناء المستغرق اذا اقتصر المقر على الاستثناء المستغرق كما فى الامثلة المذكورة، أما اذا كرر الاستثناء على وجه لو طبقت عليه قاعدة الاثبات والنفى يزول الاستغراق فلا يبطل الاستثناء حينئذ فلو قال: له على عشرة ألا عشرة ألا أربعة يصح الاستثناء ويلزمه أربعة لانه استثنى من العشرة الاولى عشرة ألا أربعة أى ستة فيكون الباقى أربعة هى التى تلزم، لان الاستثناء من الاثبات نفى وبالعكس فباستثناء العشرة من العشرة نفى الالتزام بشئ وباستثناء أربعة من

стр. 1545

هذا النفى أثبت الاربعة فلزمته، وفى قوله: له على عشرة ألا تسعة ألا ثمانية يلزمه تسعة لانه باستثناء التسعة من العشرة المثبتة نفى الالتزام بتسعة منها وبقى ملتزما بواحد وباستثناء الثمانية من النفى أثبت ثمانية تضاف الى الواحد الباقى يكون المثبت تسعة … ولو كرر الاستثناء فى هذا المثال فقال: له على عشرة ألا تسعة ألا ثمانية ألا سبعة وهكذا الى نهاية الاعداد نزولا كان الواجب خمسة على الاساس المذكور - وكذا على طريقة رجوع كل استثناء الى ما قبله وطرحه منه على مثال ما سبق بيانه اذا تعدد الاستثناء فى المذاهب الاخرى التى سبق الكلام عليها. وهذا كله اذا تكرر الاستثناء بدون عطف. أما اذا تكرر مع العطف كقوله: له على عشرة ألا خمسة وثلاثة، أو ألا خمسة وألا ثلاثة أسقط مجموع الاستثناءات كلها من المستثنى منه الاول فيلزم فى المثال المذكور اثنان .. فان كانت الاستثناءات بحيث لو جمعت استغرقت المستثنى منه يبطل منها ما حصل به الاستغراق ويصح ما قبله .. فلو قال: له على عشرة ألا سبعة وألا ثلاثة لغا الاستثناء الثانى وهو الثلاثة وصح ما قبله ولزمه ثلاثة ولا يجمع مفرق بالعطف فى المستثنى منه ولا فى المستثنى ولا فيهما معا لدفع الاستغراق اذا وجد ولا لتحصيله اذا لم يوجد .. فلو قال: له على درهم ودرهم ودرهم الا درهما يكون الدرهم المستثنى مستثنى مما قبله وهو الدرهم الاخير فى المستثنى منه فيكون استثناء درهم من درهم وهو مستغرق فلا تجمع الدراهم المتعاطفة فى المستثنى منه ليصير المستثنى منه ثلاثة وبذلك يندفع الاستغراق بل يبقى الامر كما هو، ويكون استثناء درهم من درهم ويلغو للاستغراق ويبقى الاقرار بدرهم ودرهم ودرهم صحيحا ويلزمه ثلاثة دراهم ويعتبر هذا استثناء من القاعدة المقررة وهى أن الاستثناء بعد معطوفات يرجع الى جميعها لا الى الاخير منها فقط. وفى قوله: له على ثلاثة دراهم ألا درهمين ودرهما - لو جمع المعطوف والمعطوف عليه فى المستثنى كان المجموع ثلاثة ويكون الاستثناء مستغرقا ويبطل بالتالى ومن ثم لا يجمع ويعتبر استثناء درهمين من ثلاثة ويلزمه درهم واحد. الاستثناء من خلاف الجنس: ولا يشترط فى صحة الاستثناء عند الشافعية اتحاد الجنس بين المستثنى والمستثنى منه بل يصح مع اتحاد الجنس كما هو ظاهر وكما فى الامثلة العديدة المتقدمة ويصح مع اختلاف الجنس نحوله على ألف درهم ألا ثوبا أو ألا عبدا أو ألا - دينارا أو ألا أردبا من القمح أو ألا رطلا من السمن مثلا وذلك لورود هذا الاستثناء لغة وشرعا قال الله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً» استثنى السلام من اللغو وهما جنسان مختلفان وعلى المقر فى نحوله على ألف

стр. 1546

درهم الا ثوبا أن يبين الثوب المستثنى بثوب قيمته دون ألف درهم حتى يصح الاستثناء ويلزمه الباقى بعد أسقاط قيمة الثوب من الالف فأن بين بثوب قيمته ألف درهم بطل الاستثناء لانه لما بين الثوب بالالف صار كأنه تلفظ به وهو مستغرق والاستثناء المستغرق باطل اجماعا. الجهالة فى الاستثناء: اذا وقعت جهالة أو اجمال فى الاستثناء سواء فى المستثنى نحوله على ألف درهم ألا شيئا أو فى المستثنى منه نحوله على ألف ألا درهما أو له على مال ألا ثوبا أو ألا عبدا أو فيهما معا نحوله على مال ألا مالا أو شئ الا شيئا - فلا يعتبر الاستثناء باطلا بل يصح وعلى المقر البيان بما يرفع الجهالة ويفسر الاجمال ويلزم بهذا البيان الزاما لتعلق حق الغير به - فأن فسر المستثنى بأقل من المستثنى منه ان كان المستثنى منه واضحا أو بأقل مما فسره به أن كانا مجملين صح الاستثناء ويطرح المستثنى أو قيمته من المستثنى منه أو قيمته والباقى يكون هو المقر به الذى يلزمه شرعا، وأن فسر الثانى بأكثر من الاول أو بما يساويه أو كان فى الواقع أكثر منه أو مساويا له - لغا الاستثناء وبطل لانه يكون مستغرقا حينئذ والمستغرق باطل كما تقدم. ولو قال هؤلاء العبيد لفلان الا واحدا صح الاستثناء وعليه البيان لتعلق حق الغير به - فان مات مجهلا خلفه وارثه فى البيان، فأن مات العبيد الا واحدا وقال المقر أنه الذى عناه بالاستثناء صدق بيمينه اذا كذبه المقر له وحلف اليمين على الصحيح .. ولو قتل العبيد قتلا موجبا للضمان ألا واحدا، وقال أنه الذى عناه بالاستثناء قبل تفسيره لبقاء أثر الاقرار وهو القيمة .. ورتبوا على ذلك أنه لو قال: غصبت هؤلاء العبيد ألا واحدا وماتوا جميعا ألا واحدا قال أنه الذى عناه بالاستثناء يصدق لبقاء أثر اقرار هنا بالضمان كما فى صورة القتل. ويصح الاستثناء من العين نحو هذه الدار لفلان الا هذا البيت وهذه الدراهم له الا هذا الدرهم وهذا الثوب له الا كمه وقيل لا يصح هذا الاستثناء لان الاقرار بالعين يتضمن ملك جميعها للمقر له فاذا استثنى بعضا منها يكون رجوعا بخلاف الدين فأن الاستثناء فيه لا يعتبر رجوعا بالنسبة للمستثنى اذ هو فيه عبارة عن الباقى ونوقش بأن هذا تحكم والمعنى فيهما واحد ومن ثم وصف هذا القول بالشذوذ. الاستثناء بالمشيئة: اذا عقب الشخص اقراره بالمشيئة كأن يقول: له على ألف ان شاء الله أو الا ان يشاء الله، او بعدم المشيئة كأن يقول ان لم يشأ الله - يكون قد ربط اقراره بالمشيئة أو بعدمها ويمنع هذا

стр. 1547

الربط انعقاد الاقرار ويرفع أثره ولا يلزمه به شئ، لان المعلق عليه وهو المشيئة أو عدمها غير معلوم ولا يمكن لاحد أن يقف عليه. ولان الثبوت على خلاف المشيئة فى حالة التعليق بعدمها محال. ويستوى فى رفع الاقرار المعلق على المشيئة وعدم انعقاده أن يتأخر الشرط كما فى الامثلة المذكورة أو يتقدم الشرط على جملة الاقرار نحو أن يقول: أن شاء الله لك عندى ألف درهم. وسمى الربط بالمشيئة استثناء لصرفه الكلام عن الجزم والثبوت حالا من حيث التعليق بما لا يعرف، ومثل أن من أدوات الشرط غيرها كمتى ومثل التعليق بمشيئة الله تعالى التعليق بمشيئة الملائكة، فلو قال: له عندى ألف أن شاء جبريل أو ميكائيل لم يلزمه شئ. ويشترط فى الاستثناء بالمشيئة ما يشترط فى الاستثناء العام الا عدم الاستغراق فلا بد أن ينوى المشيئة قبل التلفظ بها ويقصد التعليق والربط عند التلفظ بها. وأن ينوى الاتيان بها قبل الفراغ من الاقرار مقارنا للعبارة كلها أو بعضها، وأن لا يفصل بأكثر من سكتة التنفس، وأن يقصد بذكر المشيئة التعليق بها، فلو سبق ذكرها الى لسانه لتعوده ذكرها أو قصد بذكرها التبرك أو بيان ان كل شئ بمشيئة الله تعالى أو لم يعلم هل قصد التعليق أو لا أو أطلق، ولم يقصد التعليق فى كل هذه الصور فأن ذكر المشيئة لا يرفع الثبوت ولا يبطل أثر الاقرار. تعدد الاستثناء: اذا تعددت الاستثناءات ينظر فأن كانت متعاطفة نحو، لزيد على عشرة الا أربعة والا ثلاثة، أو الا أربعة وثلاثة جمعت هذه الاستثناءات وطرح مجموعها من المستثنى منه الاول والباقى يكون هو المقر به، فيلزمه فى المثال المذكور ثلاثة دراهم ألا اذا استغرق المجموع المستثنى منه فيلغو من الاستثناءات ما حصل به الاستغراق نحوله على عشرة الا سبعة والا ثلاثة فأن المجموع عشرة وهو مستغرق فتلغو الثلاثة ويكون الباقى بعد الاستثناء الاول ثلاثة. وكذلك الحكم اذا تعددت الاستثناءات بدون عطف واستغرق الاخير منها السابق عليه بأن ساواه نحوله على عشرة الا اثنين ألا اثنين، أو زاد عليه نحوله على عشرة الا أربعة الا خمسة حيث تعود كلها الى المستثنى منه الاول ويطرح مجموعها منه والباقى يكون هو المقر به فيلزم ستة فى المثال الاول وواحد فى المثال الثانى. أما اذا تعددت الاستثناءات بدون عطف ولم يستغرق الاخير منها السابق بأن كان أقل منه نحوله على عشرة الا خمسة الا ثلاثة رجع كل استثناء الى ما قبله وطرح منه لأنه أقرب اليه ولا تعود

стр. 1548

كلها الى المستثنى منه الاصلى لان الاستثناء الاول يخالف المستثنى منه فى الكيف بناء على أن الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات، فيلزمه فى المثال المذكور ثمانية لانه أثبت بالاقرار عشرة ثم نفى بالاستثناء الاول خمسة فتبقى خمسة ثم أثبت باستثناء الثانى ثلاثة تضاف الى الخمسة فيكون قد أثبت ثمانية وتلزمه الثمانية وعلى طريقة عودة كل واحد الى ما قبله يقال نطرح الثلاثة الاخيرة من الخمسة يبقى اثنان نطرح من العشرة يبقى ثمانية هى المقر بها والتى تلزمه. مذهب الحنابلة: يعرف الحنابلة الاستثناء بأنه صرف اللفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه، أو هو: اخراج بعض ما تناوله المستثنى منه .. من ثنيت فلانا عن رأيه اذا صرفته عن رأى كان عازما عليه .. وثنيت عنان دابتى اذا صرفتها عن وجهتها التى كانت تذهب اليها. ويقولون ان الاستثناء فى الاقرار لا يصح من غير الجنس لان غير الجنس ليس داخلا فى الكلام ولا يتناوله المستثنى منه فلا يكون استثناؤه صرفا للكلام عن صوبه ولا ثنيا له عن وجه استرساله، وانما سمى الاستثناء من غير الجنس استثناء تجوزا وهو فى حقيقته استدراك والا فيه بمعنى لكن .. والاستدراك لا يأتى ألا بعد الجحد والانكار ولا يأتى بعد الاثبات ألا أن تذكر بعده جملة تتصل به وتقطعه عن الاثبات ومن ثم لا يأتى بعد الاقرار لانه اثبات للمقر به فاذا ذكر الاستدراك بعده كان باطلا وان ذكرت بعده جملة كأن يقول: له عندى مائة درهم الا ثوبا لى عليه. فأنه مع الجملة التى ذكرت يفيد معنى آخر لا يتصل بالاقرار، فيكون فى المثال المذكور مقرا بمائة درهم مدعيا للثوب، فيقبل اقراره وتبطل دعواه كما لو صرح بذلك بغير أسلوب الاستثناء فتلزمه المائة ويسقط الاستثناء. واختلف فى استثناء الدراهم من الدنانير وبالعكس نحوله على دينار الا ثلاثة دراهم أو له على ألف درهم الا دينارا - هل يصح أو لا. فذهب أبو بكر الى أنه لا يصح لانه استثناء من خلاف الجنس وقد بينا وجه عدم الصحة فيه. واختار الخرقى صحته لان قدر أحدهما معلوم من الاخر ويعبر بأحدهما عن الآخر - فان قوما يجعلون تسعة دراهم دينارا. وآخرون يجعلون ثمانية دراهم دينارا. فاذا استثنى أحدهما من الآخر علم أنه أراد التعبير بأحدهما عن الآخر، فاذا قال: له على دينار الا ثلاثة دراهم فى موضع يعبرون فيه عن الدينار عن تسعة دراهم كان معناه له على تسعة دراهم الا ثلاثة، ومهما أمكن حمل الكلام على وجه صحيح لم يجز ألغاؤه - وقال أبو الخطاب لا فرق بين العين والورق وغيرهما لاختلاف الجنس

стр. 1549

فاذا صح الاستثناء فيهما صح فى الثياب وغيرها .. وقد ذكرنا الفرق .. ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل رواية الصحة على ما اذا كان أحدهما يعبر به عن الآخر أى يعلم قدره منه ورواية البطلان على ما اذا انتفى ذلك. ولو ذكر نوعا من جنس واستثنى منه نوعا آخر من ذلك الجنس نحو أن يقول: لفلان عندى عشرة أرادب قمحا هنديا الا ثلاثة أرادب قمحا أمريكيا لم يجز للاختلاف الكبير، وهو يخالف العين والورق لان قيمة أحد النوعين لا تعلم من الآخر ولا يعبر بأحدهما عن الآخر، ويحتمل على قول الخرقى جوازه لتقارب المقاصد من النوعين فهما كالعين والورق .. والاول أصح لان العلة الصحيحة فى العين والورق غير ذلك. أما الاستثناء من الجنس فأنه صحيح وجائز بلا خلاف، ويكون اخراجا لبعض ما كان يدخل فى المستثنى منه ويتناوله لفظه واقرارا بالباقى بعد الاستثناء لان الاستثناء يمنع أن يدخل فى اللفظ ما لولاه لدخل اذ لو دخل بالفعل لما أمكن اخراجه فاذا قال: له على مائة درهم الا عشرة كان اقرارا بتسعين درهما وان قال: هذه الدار لفلان الا هذا البيت صح وكان اقرارا بما سوى البيت منها سواء كان البيت أكثر من نصف الدار أو أقل. وحكم الاستثناء بسائر أدواته حكم الاستثناء بالا، فاذا قال: له على عشرة دراهم سوى درهم أو ليس درهما أو خلا درهما أو ما خلا أو ما عدا درهما أو لا يكون درهما أو غير درهم بنصب غير - صح فى ذلك كله وكان مقرا بتسعة دراهم، وان رفع (غير) فان كان من أهل العربية لا يكون استثناء اذ تكون حينئذ صفة لعشرة ويكون مقرا بعشرة وأن لم يكن من أهل العربية لزمته تسعة لان الظاهر أنه انما يريد الاستثناء لكنه رفعها جهلا منه بالعربية لا قصدا للصفة. شروط الاستثناء: ويشترط لصحة الاستثناء عند الحنابلة أن يكون متصلا بالكلام قبله، فأن سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه أو فصل بين المستثنى والمستثنى منه بكلام أجنبى لم يصح الاستثناء لانه اذا سكت أو عدل عن اقراره الى شئ آخر استقر حكم ما أقر به فلا يمكن رفعه بعد ذلك بالاستثناء بخلاف ما اذا كان مستمرا فى كلامه لم ينقطع ولم يعدل عنه فأنه لا يثبت حكمه وينتظر ما يتم به كلامه فاذا ذكر الاستثناء فى هذه الحالة تعلق حكمه بالكلام. وأن لا يكون مستغرقا للمستثنى منه وهذا متفق عليه لان الاستثناء رفع بعض ما تناوله اللفظ واستثناء الكل رفع للكل فلو صح صار الكلام لغوا غير مفيد فأن قال: له على مائة درهم ألا مائة بطل الاستثناء ولزمته المائة المقر بها … وأن قال: له على درهم

стр. 1550

ودرهم ألا درهما أو ثلاثة دراهم ودرهمان ألا درهمين، أو ثلاثة ونصف ألا نصفا لم يصح الاستثناء ولزمه جميع ما أقر به قبل الاستثناء، لان الاستثناء راجع الى ما قبله وهو مساو فيكون مستغرقا فيبطل. وفيه وجه آخر أنه يصح لان الواو العاطفة تجمع بين العددين وتجعل الجملتين كالجملة الواحدة، ومن أصل الحنابلة أن الاستثناء اذا تعقب جملا معطوفا بعضها على بعض بالواو عاد الى جميعها كما قالوا فى قول الله تعالى «وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا» أن الاستثناء عائد الى الجملتين فاذا تاب القاذف قبلت شهادته واذا رجع الاستثناء الى الكل فى الأمثلة المذكورة كان استثناء الاقل وليس استثناء الاكثر ولا المستغرق فيصح .. والوجه الاول أولى لان الواو لم تخرج الكلام عن أن يكون جملتين والاستثناء يرفع أحداهما ولا نظير لهذا فى كلامهم، ولان صحة الاستثناء تجعل احدى الجملتين مع الاستثناء لغوا لانه أثبت شيئا بلفظ مفرد ثم رفعه كله فلا يصح كما لو استثنى منها وهى غير معطوفة على بعضها .. أما الآية فليست من هذا القبيل لأن الاستثناء فيها لم يرفع احدى الجملتين وأنما أخرج من الجملتين معا من اتصف بصفة فنظيره ما لو قيل للبواب: من جاء يستأذن فأذن له واعطه درهما الا فلانا، ونظير مسألتنا ما لو قال: أكرم زيدا وعمر الا عمرا وأن قال: له على درهمان وثلاثة ألا درهمين قيل يصح لان الاستثناء يعود الى الكل فيكون استثناء الاقل وهو صحيح وقيل لا يصح لانه يعود الى الجملة الثانية اذ هى أقرب فيكون استثناء الاكثر لانه أكثر من النصف وهو باطل عند الحنابلة وذكر وجه آخر فى تعليل عدم الصحة وهو أن الاستثناء يرجع الى الجملة الاولى للمساواة كما فى قوله: أكرم زيدا وعمرا ألا زيدا وهو مستغرق فيكون باطلا. وكذلك يشترط لصحة الاستثناء عند الحنابلة أن لا يستثنى الاكثر مما يتناوله المستثنى منه وهو ما زاد على النصف، فأن استثنى الاكثر بطل الاستثناء عندهم خلافا لابى حنيفة ومالك والشافعى وأصحابهم حيث يصح استثناء الاكثر عندهم، فلو قال: له على مائة درهم ألا تسعين صح الاستثناء عند الائمة الثلاثة ولزمه عشرة وبطل عند الحنابلة ولزمته المائة كلها لانه لم يرد الاستثناء فى لسان العرب الا فى الاقل، وقد أنكروا استثناء الاكثر فلو قال مائة الا تسعة وتسعين لم يكن متكلما بالعربية وكان عيا فى الكلام ولكنة، ويقال: صمت الشهر الا يوما ولا يقال صمت الشهر الا تسعة وعشرين يوما، ويقال: لقيت القوم جميعهم ألا واحدا أو اثنين، ولا يقال لقيت القوم جميعهم الا أكثرهم .. واذ لم يكن صحيحا فى الكلام لم يرتفع به الاقرار كما فى استثناء الكل وفى استثناء النصف وجهان أحدهما يجوز

стр. 1551

وهو ظاهر كلام الخرقى لتخصيصه الابطال بما زاد على النصف لانه ليس بأكثر فجاز كالاقل، والثانى لا يجوز وذكره أبو بكر لانه لم يرد فى كلامهم ألا القليل من الكثير والنصف ليس بقليل .. فلو قال: له على عشرة الا خمسة ألا ثلاثة الا درهمين ألا درهما بطل الاستثناء على رأى أبى بكر لانه استثنى النصف وصح على الرأى الآخر لانه اذا استثنى الكل أو الاكثر يبطل الاستثناء ويسقط أن وقف عليه ولم يصله بغيره فان وصله باستثناء آخر لم يبطل ويستعمل لتصفية الكلام وتحديد نتيجته لان الاستثناء مع المستثنى منه عبارة عن الباقى .. واذا صح الاستثناء فيلزمه فى المثال المذكور سبعة لانه على قاعدة الاثبات والنفى كما هو الاصل عند الحنابلة، باستثناء الخمسة يكون قد نفى ثبوت خمسة من العشرة وباستثناء الثلاثة يكون قد أثبتها تضاف الى الخمسة فيصير المثبت ثمانية وباستثناء الاثنين يكون قد نفى ثبوتهما فيبقى الثابت منه وباستثناء الدرهم يكون قد أثبته يضاف الى الستة فيصير الثابت سبعة فتلزم، وعلى طريقة رجوع كل استثناء الى ما قبله كما هو الشأن عند تعدد الاستثناءات باستثناء الدرهم من الاثنين يبقى واحد يستثنى من الثلاثة يبقى اثنان يطرحان من الخمسة تبقى الثلاثة تستثنى من العشرة يبقى سبعة وهو المقر بها. أما ان قال: له على ثلاثة ألا ثلاثة ألا درهمين، فأن الاستثناء يكون باطلا كله وجها واحدا لانه فى الثانى استثنى درهمين من ثلاثة وهو استثناء الاكثر وقد وقف عليه فيبطل، واذا بطل الثانى بطل الاول لانه يكون استثناء الكل من الكل .. وأن قال: له على خمسة دراهم ألا درهمين ودرهما لزمته الخمسة فى أحد الوجهين لانه بجمع المستثنى يكون قد استثنى ثلاثة من خمسة وهو استثناء الاكثر فيبطل الاستثناء ويلزمه المقر به. وفى الوجه الآخر يلزمه ثلاثة دراهم ويبطل الاستثناء الثانى. استثناء المفسر من المبهم وبالعكس: اذا قال شخص: لفلان على ألف درهم الا خمسين فالمستثنى دراهم ولا يحتاج الى بيان وتفسير لأن العرب لا تستثنى فى الاثبات الا من الجنس .. وان قال: له على ألف الا خمسين درهما فالجميع دراهم كذلك لما ذكر .. وهذا اختيار ابن حامد والقاضى وهو قول أبى ثور. وقال أبو الحسن التميمى وأبو الخطاب يكون الألف مبهما يرجع فى تفسيره اليه. ويقبل تفسيره فيه أيا كان موافقا للجنس أو مخالفا له، غير أنه اذا كان مخالفا للجنس يبطل الاسثناء ويلزمه كل المقر به المستثنى منه خلافا للمالكية والشافعية الذين يرون قبول التفسير والعمل به مطلقا واذا فسر بما يخالف الجنس عليه بيان القيمة وتطرح القيمة من المستثنى منه ويلزم بالباقى ان كانت أقل من المستثنى منه أو قيمته. أما اذا كانت أكثر أو مساوية فيبطل

стр. 1552

الاستثناء للاستغراق، وذلك لأن الاستثناء من غير الجنس صحيح عندهم. ولان لفظه فى الألف مبهم والدارهم لم تذكر تفسيرا له فيبقى على ابهامه ويحتاج للتفسير. وقال الحنابلة فى تأييد رأيهم أنه لم يرد عن العرب الاستثناء فى الاثبات الا من الجنس فمتى علم أحد الطرفين علم أن الآخر من جنسه كما لو علم المستثنى منه فان الاتفاق على أن المستثنى يكون من جنسه لتلازم المستثنى والمستثنى منه فى الجنس فما ثبت فى أحدهما يثبت فى الآخر. جهالة المستثنى: اذا قال شخص لفلان عندى هؤلاء العبيد الا واحدا صح ولزمه تسليم تسعة فان عينه فقال الا هذا وأشار الى واحد معين صح وكان مقرا بمن سواه وان قال:: الا واحدا ولم يعينه صح لأن الاقرار يصح مجهولا فكذلك الاستثناء منه ويرجع فى تعيين المستثنى اليه لأن الحكم يتعلق بقوله وهو أعلم بمراده به وان عين من عدا المستثنى صح وكان الباقى له. فان مات العبيد الا واحدا فقال هو المستثنى فهل يقبل قوله؟. ذكروا فيه وجهين، أحدهما يقبل ذكره القاضى والثانى لا يقبل ذكره أبو الخطاب لأنه يرفع به الاقرار كله اذ مقتضاه الا يأخذ المقر له شيئا فكان كاستثناء الكل والصحيح الأول وهو قبول قوله فى التعيين لانه يقبل تعيينه فى حياتهم لمعنى هو موجود بعد موتهم. وهو تعلق الحكم بقوله وهو أعلم بمراده به فيقبل التفسير كحالة حياتهم، وليس هذا رفعا للاقرار كما يقال وانما تعذر تسليم المقر به لتلفه لا لمعنى يرجع الى التفسير فاشبه ما لو عينه فى حياته فتلف بعد التعيين. فان قتل العبيد كلهم الا واحدا قبل تفسيره بهذا الواحد قولا واحدا لأن المقر له يحصل له قيمة المقتولين فبقى أثر الاقرار بالقيمة بخلاف الموت فانه لا يحصل للمقر له شئ فوقع الخلاف هناك لذلك، وان قتلوا كلهم فله قيمة أحدهم ويرجع فى التعيين اليه. وان قال: غصبتك هؤلاء العبيد الا واحدا وماتوا الا واحدا قبل تفسيره به وجها واحدا لأن المقر له يستحق قيمة الهالكين فلا يقضى التفسير بالباقى الى سقوط الاقرار فكان كحالة القتل حيث بقى أثر الاقرار بالقيمة، بخلاف حالة الموت بدون غصب. ولو قال: له على ألف الا شيئا صح الاستثناء وعليه التفسير ولا يقبل تفسيره بأكثر من خمسمائة لأن الشئ يحتمل القليل والكثير لكن لا يجوز استثناء الأكثر فتعين حمله على مادون النصف، وكذلك ان قال: الا قليلا لأنه مبهم فأشبه قوله: الا شيئا.

стр. 1553

تعدد الاستثناء: اذا تعددت الاستثناءات، فان كانت متعاطفة أى معطوفا بعضها على بعض جمعت كلها وطرح المجموع من المستثنى منه الأصلى، فاذا قال: لفلان على عشرة دراهم الا أربعة وثلاثة واثنين، أو الا أربعة والا ثلاثة والا اثنين بقى درهم واحد لان مجموع الاستثناءات تسعة تطرح من العشرة فيبقى واحد وان لم تكن متعاطفة فيجرى الأمر فيها على قاعدة الاثبات والنفى عبارة الاقرار اثبات والاستثناء الأول نفى والثانى اثبات وهكذا، ويجوز ارجاع كل استثناء الى ما قبله والباقى مما قبله وهكذا والنتيجة فى الأمرين واحدة، ففى المثال المذكور اذا ذكر بدون عطف بأن قال: له على عشرة دراهم الا أربعة الا ثلاثة الا اثنين يبقى سبعة. عبارة الاقرار أثبتت عشرة، والاستثناء الأول نفى أربعة فتبقى الستة الباقية مثبتة والاستثناء الثانى أثبت ثلاثة تضاف الى الستة فيصير المثبت تسعة والاستثناء الثالث نفى اثنين، فيبقى المثبت سبعة. وبالطريقة الثانية يستثنى اثنان من ثلاثة فيبقى واحدا يستثنى من الاربعة فيبقى ثلاثة تستثنى من العشرة فتبقى سبعة واذا وصلت الاستثناءات الى حد الاستغراق أو استثناء الاكثر أو النصف فيمكن معرفة الحكم فيها من الامثلة التى ذكرت فى الموضوعات السابقة وهى بطلان المستغرق والاكثر، وجريان الخلاف فى النصف الاستثناء بالمشيئة: فى المغنى لابن قدامة، وان قال: لك على ألف ان شاء الله تعالى كان مقرا، نص عليه أحمد، وقال أصحاب الشافعى ليس باقرار لانه علق اقراره على شرط فلم يصح كما لو علقه على مشيئة زيد، ولأن ما علق على مشيئة الله تعالى لا سبيل الى معرفته ولنا أنه وصل اقراره بما يرفعه كله، ولا يصرفه الى غير الاقرار فلزمه ما أقر به وبطل ما وصله به كما لو قال: له على ألف الا ألفا ولأنه عقب الاقرار بما لا يفيد حكما آخر ولا يقتضى رفع الحكم فأشبه ما لو قال: له على ألف فى مشيئة الله تعالى .. وان قال: لك على ألف ألا أن يشاء الله صح الاقرار لأنه أقر ثم علق على أمر لا يعلم لرفع الاقرار فلم يرتفع .. وان قال لك على ان شئت أو ان شاء زيد لم يصح الاقرار وقال القاضى يصح لأنه عقبه بما يرفعه فصح الاقرار دون ما يرفعه كاستثناء الكل وكما لو قال: ان شاء الله .. ولنا أنه علقه على شرط يمكن علمه فلم يصح لأن الاقرار اخبار بحق سابق فلا يتعلق على شرط مستقبل ويفارق التعليق على مشيئة الله تعالى من وجهين الأول: ان مشيئة الله تعالى تذكر فى الكلام تبركا وصلة وتفويضا الى الله تعالى لا للاشتراط كقول الله تعالى: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ» وقد علم الله أنهم سيدخلون بغير شك ويقول الناس صلينا ان شاء الله

стр. 1554

تعالى مع تيقنهم بصلاتهم بخلاف مشيئة الآدمى والثانى ان مشيئة الله تعالى لا تعلم الا بوقوع الأمر فلا يمكن وقف الامر على وجودها، ومشيئة الآدمى يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا يتوقف الأمر على وجودها والماضى لا يمكن وقفه فيتعين حمل الأمر هنا على المستقبل فيكون وعدا لا اقرارا (١). مذهب الظاهرية: ومن (٢) قال لفلان عندى مائة دينار دينا ولى عنده مائة قفيز قمح أو قال: الا مائة قفيز تمر أو نحو ذلك أو الا جارية، ولا بينة عليه بشئ ولا له، قوم القمح الذى ادعاه فان ساوى المائة الدينار التى أقر بها أو ساوى أكثر فلا شئ عليه وان ساوى أقل قضى بالفضل للذى أقر له .. برهان ذلك أنه لم يقر له قط اقرارا تاما بل وصله بما أبطل به أول كلامه فلم يثبت له قط على نفسه شيئا، ولو جاز أن يؤخذ ببعض كلامه دون بعض لوجب أن يقتل من قال لا اله الا الله لأن نصف كلامه كفر صحيح وهو قوله: لا اله فيقال له: كفرت ثم ندمت، وهذا فاسد جدا، ولوجب أيضا أن يبطل الاستثناء كله بمثل هذا لأنه ابطال لما اثبته بأول كلامه قبل أن يستثنى ما استثنى .. وقد قال قوم: انما يجوز الاستثناء من نوع ما قبله لا من نوع غيره، قال أبو محمد وهذا باطل لأن الله تعالى يقول: «إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِلاّ مَنْ ظَلَمَ» ويقول سبحانه: «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ» فاستثنى ابليس من الملائكة وليس منهم بل من الجن الذين ينسلون، والملائكة لا تنسل واستثنى تعالى «مَنْ ظَلَمَ» من المرسلين وليسوا من أهل صفتهم. وقال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس … الا اليعافير والا العيس وليس اليعافير والعيس من الانيس، وقد استثناهم الشاعر العربى الفصيح. فالاستثناء جائز وصحيح عند ابن حزم دون شرط ولا قيد الا الاتصال، ويعمل به سواء كان من الجنس أو من غير الجنس وسواء استثنى الكل أو الأكثر أو المساوى أو الاقل، ولم يذكر ابن حزم حكم الاستثناء بالمشيئة فى الاقرار. مذهب الزيدية: اذا وصل الشخص الاستثناء باقراره صح ويعمل به فيلزمه الباقى بعد اسقاط المستثنى فاذا قال: لفلان على مائة درهم الا عشرين صح ولزمه ثمانون وهم يفرقون فى عبارة الاقرار والالتزام بين قول (على) وقوله: (عندى) فالأولى تستعمل فى الاقرار مما يثبت فى الذمة كالدين فاذا قال لفلان على كذا ونحوه كقبلى أو فى ذمتى كان هذا اللفظ موضوعا لما يثبت فى الذمة كالدين ويشمل

стр. 1555

القصاص أيضا فاذا فسر بالدين كالدراهم والدنانير أو بالقصاص قبل كلامه وان فسر بالعين كالثياب والعبيد لا يقبل كلامه وان قال عندى له كذا ونحوه كمعى له أو فى بيتى له كان هذا اللفظ موضوعا للعين فيقبل قوله اذا فسر بذلك. وهذا مبنى على أصل اللغة أما فى عرفنا الآن فلا فرق بين عندى وعلى فى الاستعمال للدين، فلو قال عندى لفلان كذا احتمل الدين والعين، فان كان ثم قرينة عمل بها والا فهو للعين لأن الاصل براءة الذمة من الدين، وعلى المقر بيان هل هى أمانة أو ضمانة .. وهذا يتعلق بأصل الاقرار، وانما ذكر هنا للحاجة اليه فى الكلام على استثناء المفسر من المبهم وبالعكس واعتبار بعض الكلام بيانا وتفسيرا وكذلك فى اعتبار الجنس فى قبول البيان. شروط صحة الاستثناء: ويشترط لصحة الاستثناء عند الزيدية أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه فان كان من غير جنسه نحو أن يقول: له على مائة الا ثوبا لا يصح الاستثناء ويلزمه مائة مما فسر به من غير الثياب من جنس ما يثبت فى الذمة من الديون لأنه عبر بكلمة (على) وهى كما ذكرنا تستعمل فى الديون والقصاص فلا يقبل التفسير الا بما يثبت فى الذمة أما ما لا يثبت فى الذمة فلا يصلح تفسيرا هنا، اذ المراد بالجنس فى الشرط هو جنس ما يثبت فى الذمة حيث عبر بكلمة (على) أو كلمة (عندى) اذا قطعنا النظر عن أصل اللغة وأخذنا بما جرى عليه العرف الآن وكانت هناك قرينة تعين ما يثبت فى الذمة مع كلمة عندى، وجنس ما لا يثبت فى الذمة حيث عبر بكلمة عندى. فاذا استثنى دراهم من دنانير أو بالعكس كان استثناء من الجنس لأن الكل يثبت فى الذمة واذا استثنى ثيابا من عبيد أو بالعكس كان استثناء من الجنس لأن الكل أعيان لا تثبت فى الذمة. وقيل يصح الاستثناء من غير الجنس لقوله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً» فان السلام ليس من جنس اللغو وقوله تعالى: «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ» وابليس من الجن وليس من الملائكة. فاذا قال: له على مائة الا دينارا صح أن يفسر المائة بغير الدنانير، ولكن على شرط أن يكون ذلك الغير بحيث لو أخرج منه قدر الدينار بقى منه شئ لأن من شروط صحة الاستثناء أن يكون غير مستغرق. ويشترط لصحة الاستثناء أيضا أن يكون المستثنى متصلا بالمستثنى منه عرفا بمعنى أن لا يفصل بينهما فاصل من سكوت طويل أو كلام أجنبى ونحو ذلك - ولا يضر الفصل بسكوت عارض لانقطاع نفس أو بلع ريق أو نحو ذلك - فان فصل بينهما فاصل يقطع الاتصال عرفا كان الاستثناء باطلا. فلو

стр. 1556

قال: له على مائة درهم ثم سكت سكوتا طويلا بدون عذر ولا سبب مبرر، أو اشتغل بكلام أو عمل آخر، ثم قال: الا عشرين بطل الاستثناء ولزمته المائة كلها. وكذلك يشترط لصحة الاستثناء أن يكون المستثنى غير مستغرق للمستثنى منه، فان كان مستغرقا بطل الاستثناء ولزمه المقر به المستثنى منه، فلو قال: له على عشرة دراهم الا عشرة بطل الاستثناء ولزمته العشرة كلها. واذا توفرت هذه الشروط وكان المستثنى منه مبهما، وفسر المقر المستثنى فان هذا التفسير يكفى لبيان المستثنى منه ويعتبر تفسيرا له، فان قال: له على مائة الا دينارا كان بيان المستثنى بالدنانير تفسيرا للمستثنى منه وكانت المائة المقر بها دنانير ويلزمه الباقى بعد طرح المستثنى، فان لم يتصل المستثنى بالمستثنى منه أو كان مستغرقا له كان الاستثناء باطلا ولا يعتبر تفسير المستثنى تفسيرا للمستثنى منه فى هذه الحالة بل يكون للمقر الحق فى تفسيره بما أحب، فلو قال: له على مائة ثم سكت سكوتا طويلا بدون عذر ولا مبرر - ثم قال: الا دينارا أو قال: له على مائة الا مائة دينار. لا يعتبر تفسير المستثنى فى المثالين تفسيرا للمستثنى منه لأن الاستثناء باطل فيهما ويلزم المقر بالمائة، وعليه أن يفسرها بما يريد. واعتبر الزيدية الشرط فى صحة الاستثناء عدم الاستغراق، أما استثناء الاكثر نحو له عشرة الا سبعة واستثناء النصف نحو له على عشرة الا خمسة فيبدو أنه صحيح كما هو رأى الجمهور. تعدد الاستثناءات: الوجه فى صحة الاستثناء من الاستثناء قوله تعالى: «إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امْرَأَتَهُ» واذا تعددت الاستثناءات اعتبرت فيها قاعدة الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات. مع ملاحظة أن الاستثناء المستغرق لما قبله باطل سواء كان مساويا له أو أكثر منه. فلو قال: له على عشرة الا تسعة الا ثمانية الا سبعة الا ستة لزمه ثمانية، لأن عبارة الاقرار أثبتت الالتزام بعشرة والاستثناء الاول نفى تسعة، فيبقى واحد مثبت، وقد اثبت الاستثناء الثانى ثمانية تضاف الى الواحد فيصير المثبت تسعة، نفى منها الاستثناء الثالث سبعة فيبقى من المثبت اثنان يضاف اليهما ستة أثبتها الاستثناء الأخير فيكون المثبت ثمانية. ولو قال: له على عشرة الا ثلاثة الا خمسة لزمه سبعة لأن استثناء الخمسة من الثلاثة مستغرق فيبطل، فيبقى استثناء الثلاثة من العشرة ويكون الباقى سبعة وهو اللازم .. وان قال: له على عشرة الا سبعة الا سبعة الا خمسة لزمه ثمانية، لأن استثناء السبعة من السبعة مستغرق فيبطل .. ويبقى ما عداه وقد نفى من العشرة سبعة وبقى ثلاثة يضاف اليها

стр. 1557

خمسة، وله وجه آخر هو ربط استثناء الخمسة بما قبلها واعتبارهما كلاما واحدا وكأنه قال: عشرة الا سبعة الا سبعة ليس فيها خمسة، أى عشرة الا سبعة الا اثنين فيكون اللازم على هذا الوجه خمسة (١). مذهب الإمامية: عرف الإمامية الاستثناء بأنه: اخراج ما لولاه لدخل فى اللفظ السابق. وقالوا: ان تعقيب الاقرار بالاستثناء مقبول وصحيح بشروط هى: أن يكون المستثنى غير مستوعب ولا مستغرق للمستثنى منه، ويستوى أن يكون المستثنى هو الأكثر أو الاقل أو المساوى .. فلو قال: له على مائة الا عشرين أو الا خمسين أو الا تسعين صح ولزمه الباقى من المائة بعد المستثنى لأن المستثنى والمستثنى منه كالشئ الواحد فلا يتفاوت الحال بكثرته وقلته ولوقوعه فى القرآن وغيره من اللفظ الفصيح العربى فان كان المستثنى مستوعبا للمستثنى منه بطل الاستثناء ولزمه المقر به، فلو قال: له على مائة الا مائة، بطل ولزمته المائة كلها، لأنه يكون ابطالا للكلام السابق فيبطل هو صيانة لكلام العاقل عن اللغو، ولا يحمل على الغلط ولو ادعاه لم يسمع منه، هذا اذا لم يتعقبه استثناء آخر يزيل استغراقه كما لو عقب المثال المذكور بقوله: الا تسعين بأن قال: له على مائة الا مائة الا تسعين فيصح الاستثناءان ويلزمه تسعون لان الكلام جملة واحدة لا يتم الا بآخره وآخره يصير الأول غير مستوعب، فان المائة المستثناة تنفيه لانها استثناء من مثبت والتسعين مثبتة لأنها استثناء من منفى فيصير جملة الكلام فى قوة: له تسعون وكأنه استثنى من أول الأمر عشرة. وأن يكون متصلا بالمستثنى منه بما جرت به العادة والعرف، فيعتفر التنفس بينهما والسعال وغيرهما مما لا يعد فاصلا عرفا، فان فصل بسكوت طويل بدون عذر أو بفاصل يعتبر قاطعا عرفا وعادة فان الاستثناء يبطل ويلزمه المقر به، فلو قال: له على عشرة ثم سكت طويلا بلا عذر أو قطع بكلام أجنبى، ثم قال: الا ثلاثة بطل الاستثناء ولزمه العشرة. ولو كان الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل فى اللفظ كان المستثنى والمستثنى منه متناقضين ومن ثم قالوا ان الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات، اما الأول فجمع عليه، وأما الثانى فلأنه لولاه لم تكن كلمة التوحيد - لا اله الا الله - كافية فيه لأنه لا يتم الا باثبات الالوهية لله تعالى ونفيها عما عداه سبحانه، والنفى هنا حاصل ولو لم يحصل لم يتم التوحيد - وعلى ذلك فلو قال: له على مائة الا تسعين فهو اقرار بعشرة لأن المستثنى منه اثبات للمائة، والمستثنى نفى للتسعين منها فبقى عشرة فتلزمه، ولو قال: الا تسعون بالرفع فهو اقرار بمائة لأنه لم يستثن منها شيئا لان

стр. 1558

الاستثناء من الموجب التام لا يكون الا منصوبا فلما رفعه لم يكن استثناء وانما - الا - فيه بمعنى غير يوصف بها وبتاليها ما قبلها، ولما كانت المائة مرفوعة بالابتداء كانت التسعون مرفوعة صفة للمرفوع، والمعنى له على مائة موصوفة بأنها غير تسعين، وهذه الصفة مؤكدة صالحة للاسقاط والا الوصفية معروفة عند النحاة بكونها صفة لجمع منكر كما فى قوله تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا»﴾. ولو قال: ليس له على مائة الا تسعون فهو اقرار بتسعين لأن المستثنى من المنفى التام يكون مرفوعا - فلما رفع التسعين علم انه استثناء من النفى فيكون اثباتا للتسعين بعد نفى المائة. ولو قال: الا تسعين فلا يكون اقرارا لأن نصب المستثنى دليلا على كون المستثنى منه موجبا، ولما كان ظاهره النفى حمل على أن حرف النفى داخل على الجملة المثبتة المشتملة على الاستثناء أعنى مجموع المستثنى والمستثنى منه وهى: له - على مائة الا تسعين - فكأنه قال: المقدار الذى هو مائة الا تسعين ليس له على، أعنى العشرة الباقية، الباقية بعد الاستثناء. والأولى أن يقال فى توجيه عدم لزوم شئ فى هذه الصورة أنه فى حالة النصب يحتمل أن يكون استثناء من النفى فيكون اثباتا للتسعين واقرارا بها ويحتمل أن يكون استثناء من المثبت والنفى موجه الى مجموع الجملة فلا يكون اقرارا بشئ ومع الاحتمال لا يلزمه شئ. الاستثناء من غير الجنس: ولو استثنى من غير الجنس صح وان كان مجازا - للتصريح بارادته، ولأمكان تأويله بالمتصل بأن يضمر قيمة المستثنى ونحوها مما يطابق المستثنى منه. وفى الاستثناء من غير الجنس، يطرح المستثنى باعتبار قيمته من المستثنى منه فاذا بقى منه بقية وان قلت لزمت وان لم يبق منه شئ مطلقا بطل الاستثناء للاستغراق كما لو قال: له على مائة الا ثوبا، فانه يصح ويطالب بتفسير الثوب فان بقى من قيمته بقية من المائة بعد اخراج القيمة قبل التفسير، وان استغرقها بطل الاستثناء على الأقوى والزم المائة، وقيل بطل التفسير خاصة ويطالب بغيره فى حدود أوضاع الاستثناء وقواعده. تعدد الاستثناءات: ولو تعدد الاستثناء، فان كان بعاطف رجعت كلها الى المستثنى منه الأصلى وطرح مجموعها منه ولا فرق فى هذه الحالة بين ما اذا تكرر حرف الاستثناء كقوله له على عشرة الا أربعة والا ثلاثة، أو لم يتكرر كقوله: له على عشرة الا أربعة وثلاثة ولا بين ما اذا زاد الاستثناء الثانى على الأول كقوله: له على عشرة الا أربعة والا خمسة أو ساواه كقوله: له على عشرة الا أربعة والا أربعة أو نقص عنه كما فى المثال الأصلى السابق.

стр. 1559

وكذلك الحكم اذا لم تكن بعاطف، وزاد الاستثناء الثانى على الأول كقوله: له على عشرة الا أربعة الا خمسة أو ساواه كقوله: له على عشرة الا أربعة الا أربعة فانها تعود الى المستثنى منه الأصلى ويطرح مجموعها منه - وانما رجعت الاستثناءات فى الأحوال المذكورة الى المستثنى منه لانه فى حالة العطف يجب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى الحكم فهما كالجملة الواحدة، أما فى حالة زيادة الثانى على الأول ومساواته له بدون عطف فلأنه لو عاد الاستثناء الأخير الى الاقرب قبله للزم الاستغراق لأنه زائد عليه أو مساو له وفى كليهما هو مستغرق له، والاستغراق باطل فيصان الكلام عن الهذر اللازم من عودهما معا الى المستثنى منه. ولكن يشترط فى عود الاستثناءات فى الأحوال المذكورة الى المستثنى منه الا يترتب عليه استغراق مجموعها للمستثنى منه كما فى الأمثلة السابقة. فان لزم الاستغراق وكان من الثانى خاصة كما لو قال: له على عشرة الا خمسة الا خمسة لغا الثانى لانه هو الذى أوجب الفساد، وكذا فى حالة العطف سواء كان الثانى مساويا للأول كما ذكر أم كان أزيد منه كما لو قال: له على عشرة الا ثلاثة والا سبعة أو نقص كما لو قدم السبعة على الثلاثة فى المثال المذكور. وان تعددت الاستثناءات وكانت بدون عاطف، ولم يكن الثانى أزيد من الأول ولا مساويا له بأن كان التعدد بدون عاطف وكان الاستثناء الثانى أنقص من الأول كأن يقول: له على عشرة الا تسعة الا ثمانية أو يزيد على ما ذكر استثناءات أخرى كل واحد أقل مما قبله - رجع التالى الى متلوه أى رجع كل واحد منها الى ما قبله، لقربه، اذ لو عاد الى البعيد لزم ترجيحه على الاقرب بدون مرجح، وعوده الى الأقرب والبعيد معا يوجب التناقض اذ المستثنى والمستثنى منه متخالفان نفيا واثباتا كما مر .. ففى المثال المذكور يلزمه تسعة، لأن قوله الأول اقرار بعشرة حيث أنه اثبات والاستثناء الأول نفى التسعة منها لانه من الاثبات، فيبقى واحد مثبت والاستثناء الثانى اثبات لثمانية لانه من النفى، ويضمها الى الواحد الثابت يكون المثبت تسعة وهو ما يلزمه .. ولو أنه أضاف فى المثال المذكور استثناءات أخرى بأعداد متعاقبة نزولا فقال: الا سبعة الا ستة حتى وصل الى الواحد لزمه خمسة لأنه بالاستثناء الثالث نفى سبعة من التسعة المثبتة مما قبله فبقى اثنان وبالرابع أثبت ستة فيصير المثبت ثمانية وبالخامس نفى خمسة منها فبقى ثلاثة مثبتة وبالسادس أثبت أربعة فصار المثبت سبعة وبالسابع نفى ثلاثة منها فبقى المثبت أربعة وبالثامن أثبت اثنين فصار المثبت ستة وبالتاسع نفى واحدا، فبقى المثبت خمسة وهو ما يلزمه .. والضابط أن تجمع الاعداد المثبتة وهى التى مقامها

стр. 1560

زوجى على حدة، والأعداد المنفية وهى التى مقامها فردى على حدة - وتطرح مجموع المنفية من مجموع المثبتة والباقى هو المقر به الذى يلزم المقر ومجموع الأعداد المثبتة فى المثال ٣٠ ومجموع المنفية ٢٥ فيكون الباقى ٥ ويوضع هكذا (١٠ + ٨ + ٦ + ٤ + ٢) - (٩ + ٧ + ٥ + ٣ + ١) -٣٠ - ٢٥ - ٥ احكام الاستثناء فى الطلاق مذهب الحنفية: يقول الحنفية أنه يرد على الطلاق نوعان من الاستثناء، الاول: ربط الطلاق بالمشيئة وتعليقه عليها كقول الزوج لزوجته - أنت طالق ان شاء الله تعالى - ويسمى الاستثناء العرفى أو استثناء التبطيل لأن هذا التعليق يبطل حكم اللفظ ويمنع ثبوته، والثانى: بيان بألا أو احدى أخواتها ان ما بعدها لم يرد بحكم الصدر كقول الزوج لزوجته: أنت طالق ثلاثا الا اثنتين أو الا واحدة - فان هذا الاستثناء بين أن ما بعد الا وهو الثنيات أو الواحدة غير مراد بحكم الصدر وهو الوقوع على الزوجة ويسمى الاستثناء الوضعى أو استثناء التحصيل .. ويبطل هذا النوع من الاستثناء بخمسة أمور بالسكتة اختيارا وبالزيادة على المستثنى منه وبالمساواة وهذه محترزات شروط فى صحة الاستثناء سيأتى بيانها، وباستثناء بعض الطلقة وبابطال البعض كأنت طالق ثنتين وثنتين الا ثلاثا على ما سيأتى تفصيله. وتسمية الربط بالمشيئة والتعليق عليها استثناء واطلاق هذا الاسم عليه توقيفى أى وارد فى اللغة لا اصطلاحى فقط قال الله تعالى: «إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ» (١) أى لا يقولون أن شاء الله وفى الحديث من حلف على شئ فقال ان شاء الله فقد استثنى وانما يثبت حكم الاستثناء فى صيغ الاخبار وان كان انشاء ايجاب لأن الايجاب يقع ملزما فيحتاج الى ابطاله بالاستثناء وذكره ليس الا لذلك، بخلاف الامر والنهى لأن الأمر لا يقع ملزما لقدرته على عزله فلا حاجة الى الاستثناء ليجب اعتبار صحته، فلو قال: اعتقوا عبدى بعد موتى ان شاء الله لا يعمل الاستثناء فلهم عتقه وكذا لو قال بع عبدى هذا ان شاء الله كان للمأمور بيعه، بخلاف ما لو قال بعت عبدى ان شاء الله فان التعليق بالمشيئة يبطل الايجاب. وفى حاشية البيضاوى للخفاجى فى التفسير من سورة الكهف قال الراغب: الاستثناء رفع ما يوجبه عموم سابق كما فى قوله تعالى: (٢) «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾

стр. 1561

﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ» أو رفع ما يوجبه اللفظ كقوله: امرأتى طاق ان شاء الله». الاستثناء بالمشيئة: جاء فى الهداية وشرح العناية (١): واذا قال لامرأته أنت طالق ان شاء الله متصلا لم يقع الطلاق لقوله ﵊: «ومن حلف بطلاق أو عتاق وقال: ان شاء الله تعالى متصلا لا حنث عليه» ولأنه أتى بصورة الشرط دون حقيقته لان حقيقة الشرط عبارة عما يكون على خطر وتردد ومشيئة الله تعالى ليست كذلك لثبوتها قطعا أو انتفائها قطعا فلا تردد فيكون تعليقا من حيث الصورة. والتعليق اعدام العلية قبل وجود الشرط - ومعنى ذلك أن صيغة الطلاق عند الحنفية قد جعلها الشارع سببا فى وقوع الطلاق متى صدرت من الأهل لايقاع الطلاق وأضيفت الى المحل لوقوعه، والتعليق عندهم يمنع انعقاد هذه السببية، ويتوقف انعقاد الصيغة سببا لوقوع الطلاق فى حالة التعليق على تحقق الأمر المعلق عليه فاذا تحقق انعقدت السببية وترتب أثر عليها ويكون المعلق عندئذ بمثابة المنجز وهذا هو معنى قولهم ان التعليق اعدام العلية قبل وجود الشرط، والشرط فى التعليق على المشيئة غير معلوم لنا أصلا أى لا يمكن لأحد أن يقف عليه، فيكون التعليق بالمشيئة اعداما من الاصل وليس اعداما للعلية قبل وجود الشرط كما هو الشأن فى التعليق، ومن ثم كان هذا التعليق ابطالا للكلام. وقد علق صاحب الفتح الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى على الحديث المتقدم بقوله - غريب بهذا اللفظ ومعناه مروى، أخرج أصحاب السنن الاربعة من حديث أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: من حلف على يمين فقال: ان شاء الله فقد استثنى ولفظ النسائى .. ولفظ الترمذى، فلا حنث عليه وأخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه، وقال الترمذى: حديث حسن غريب. وعلق على قول الهداية - والشرط لا يعلم هنا فيكون اعداما من الاصل - بقوله: يشير الى أن التعليق بالمشيئة ابطال وهو قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى كقوله تعالى ﴿(وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ)﴾ (٢) وقول الشاعر (اذا شاب الغراب أتيت أهلى. وعاد الثأر كاللبن الحليب) وعند أبى يوسف تعليق ملاحظة للصيغة وهما لاحظا المعنى وهو أولى. وقد نقل الخلاف بين أبى يوسف

стр. 1562

ومحمد على عكسه .. وثمرته تظهر فيما اذا قدم الشرط فقال: ان شاء الله أنت طالق تطلق على التعليق لعدم الفاء فى موضع وجوبها فلا يتعلق. ولا تطلق على الابطال، بخلاف - ان شاء الله فأنت طالق - أى فانه يبطل ولا تطلق على التعليق أيضا لان الربط بالفاء موجود فوجد التعليق التام. وفيما اذا جمع بين يمينين فقال: أنت طالق ان دخلت الدار وعبدى حر ان كلمت زيدا ان شاء الله فعلى التعليق يعود الى الجملة الثانية فلو كلمت زيدا لا يقع، ولو دخلت الدار يقع. وعلى الابطال، يعود الى الكل لعدم الاولوية بالابطال فلو كلمت زيدا أو دخلت الدار لا يقع … ولو أدخله فى الايقاعين فقال أنت طالق وعبدى حر ان شاء الله ينصرف الى الكل فلا تطلق ولا يعتق بالاجماع أما عندهما فلما قلنا من عدم الاولوية بالابطال .. وأما عند أبى يوسف فلانه كالشرط، والشرط اذا دخل على ايقاعين يتعلقان به. وفيما اذا حلف لا يحلف بالطلاق وقاله حنث على التعليق لا الابطال .. وفى فتاوى قاضيخان ان الفتوى على قول أبى يوسف ألا أنه عزى اليه الابطال، فتحصل أن الفتوى على أنه ابطال. وفى فصل الاستثناء من باب الطلاق (١) قال لها أنت طالق ان شاء الله متصلا مسموعا لا يقع الطلاق للشك فى مشيئة الله تعالى الطلاق لعدم الاطلاع عليها. وان ادعى الاستثناء وانكرته قبل قوله فى ظاهر المروى. وقيل لا يقبل الا ببينة وعليه الاعتماد والفتوى احتياطا لغلبة الفساد .. وحكم من لم يوقف على مشيئته كالانس والجن والملائكة والجوار كذلك وكذا ان شرك كأن شاء الله وشاء زيد لم يقع أصلا .. ومثل أن لا وان لم واذا. وما. وما لم يشأ. ومن الاستثناء: أنت طالق لولا أبوك أو لولا حسنك أو لولا انى أحبك … ولو قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا ان شاء الله أو أنت حر وحر ان شاء الله - طلقت ثلاثا وعتق العبد، لان اللفظ الثانى لغو … وكذلك يقع الطلاق بقوله: ان شاء الله أنت طالق فانه تطليق عندهما تعليق عند أبى يوسف لاتصال المبطل بالايجاب فلا يقع كما لو أخر. وقيل: الخلاف بالعكس، وعلى كل فالمفتى به عدم الوقوع اذا قدم المشيئة ولم يأت بالفاء. فان أتى بها لم يقع اتفاقا. وثمرته فيمن حلف لا يحلف بالطلاق وقاله حنث على التعليق لا الابطال .. وبأنت طالق بمشيئة الله لا تطلق لان الباء للالصاق فكانت كالصاق الجزاء بالشرط .. وعلق ابن عابدين فى حاشيته على قول الدر المختار - فأنه تطليق عندهما تعليق عند أبى يوسف - بقوله: اعلم أن التعليق بمشيئة الله تعالى ابطال عندهما أى رفع لحكم الايجاب السابق .. وعند أبى يوسف تعليق. ولهذا شرط كونه متصلا

стр. 1563

كسائر الشروط الاخرى ولهما أنه لا طريق للوصول الى معرفة مشيئة تعالى فكان ابطالا بخلاف بقية الشروط. وعلى كل لا يقع الطلاق فى مثل، أنت طالق ان شاء الله تعالى .. نعم تظهر ثمرة الخلاف فى مواضع: منها ما اذا قدم الشرط ولم يأت بالفاء فى الجواب كأن شاء الله أنت طالق فعندهما لا يقع لانه ابطال فلا يختلف، وعنده يقع لان التعليق لا يصح بدون الفاء فى موضع وجوبها، ومنها ما اذا حلف لا يحلف بالطلاق بأن قال لامرأته: أن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال: لها: أنت طالق ان شاء الله طلقت امرأته فى قول أبى يوسف لأنه يمين لوجود الشرط والجزاء. ولا تطلق على قول محمد لانه ليس يمين اذ هو عنده للابطال .. ثم نقل ابن عابدين عدة نقول بآراء بعض العلماء فى أن الخلاف بالعكس أى أن المشيئة ابطال عند أبى يوسف تعليق عند محمد .. ثم قال: والحاصل أن أبا يوسف قائل بأن المشيئة تعليق ولكن اختلف فى التخريج على قوله. فقيل: تلزمه الفاء فى الجواب كما فى بقية الشروط فيقع بدونها وقيل لا فلا يقع وان محمدا قائل بأنها ابطال واختلف فى التخريج على قوله، فقيل: انما تكون ابطالا أن صح الربط بوجود الفاء فى الجواب فلو حذفت فى موضع وجوبها وقع منجزا وهو معنى كونها حينئذ للتطليق وقيل انها عنده للابطال مطلقا فلا يقع وان سقطت الفاء أما أبو حنيفة فقيل مع أبى يوسف وقيل مع محمد. وعلق على قوله - وقيل الخلاف بالعكس - بقوله: يعنى الخلاف فى أن التعليق بالمشيئة هل هو ابطال أو تعليق فقيل انه ابطال عند أبى يوسف تعليق عند محمد، ولم يذكر هذا القائل أبا حنيفة. وسواء قيل ان التعليق أو الابطال قول أبى يوسف أو قول غيره فالمفتى به عدم الوقوع. وظاهر مما ذكرنا أن أئمة المذهب متفقون على أنه اذا ربط الطلاق بمشيئة الله تعالى وكان الربط تاما بين الشرط والجزاء بأن قال لزوجته أنت طالق ان شاء الله تعالى فلا يقع الطلاق. وقال محمد: أن ربط على الشرط يتحقق تمام الربط بينهما. واختلفوا فى توجيه الحكم فقال أبو يوسف أنه تعليق على أمر لا يمكن الوقوف عليه فأن مشيئة الله لا يطلع عليها أحد فلا يقع الطلاق. وقال محمد: أن ربط الطلاق بمشيئة الله ابطال لحكم الصيغة من الاصل لأن التعليق يقتضى اعدام علية الصيغة للحكم الى وجود الشرط، والشرط هنا لا يعرف فكان اعداما من الاصل ولا يعتبر يمينا معلقة على المشيئة .. أما أبو حنيفة فقد اختلف النقل عنه والراجح انه موافق للامام محمد … وكذلك يكون الحكم اذا قدم الشرط على الجزاء وأتى بالفاء فى الجواب بأن قال: ان شاء الله فأنت طالق حيث لا يقع الطلاق بالاتفاق لتمام الربط بالفاء بين الشرط والجزاء، فكان تعليقا أو ابطالا على الخلاف.

стр. 1564

أما اذا قدم الشرط على الجزاء ولم يأت بالفاء فى الجواب بأن قال: ان شاء الله أنت طالق. حيث يكون هناك ربط بين الشرط المتقدم والجزاء المتأخر. فهل يبطل هذا التعليق على المشيئة فى رأى أبى يوسف كما يبطل التعليق على غير المشيئة اذا جاء على هذا النحو خاليا من الربط بالفاء فى موضع وجوبها ويكون ذلك تنجيزا للطلاق فيقع .. أو أن للربط بالمشيئة وضعا آخر لا يبطل معه التعليق فى حالة انعدام الربط بالفاء فى موضع وجوبها على خلاف التعليق بغيرها من الشروط الاخرى ومن ثم يكون التعليق صحيحا وبالتالى لا يقع الطلاق فى هذه الحالة أيضا عند أبى يوسف .. وهل عدم وجود الفاء فى موضع وجوبها يفك الارتباط بين عبارتى الشرط والجزاء فلا يكون ابطالا للطلاق بالمشيئة فى هذه الحالة بل يكون تنجيزا للطلاق فيقع كما هو رأى أبى حنيفة ومحمد، أو ان عدم وجود الفاء لا يفك الارتباط بين العبارتين الحاصل من اقترانهما فيبقى الارتباط بينهما قائما ويكون ابطالا للطلاق واعداما لحكمه فلا يقع. قد اختلف التخريج على كلا الرأيين ولذلك اختلفت نسبة الاقوال الى الائمة فى الحكم بوقوع الطلاق وعدمه فى هذه الحالة وأيا ما كان توجيه الاراء ونسبة الاقوال، فالمعول عليه للفتوى هو أنه لا يقع الطلاق وان عدم التصريح بالرابط فى التعليق على المشيئة لا يؤثر فى صحة الارتباط وقيامه بين الشرط والجزاء فيها. ومثل أن الشرطية فى التعليق على المشيئة، ألا. فاذا قال: أنت طالق ألا ان يشاء الله تعالى، فهو كقوله ان شاء الله تعالى - وان لم أى ان لم يشأ الله - فهو تعليق على عدم المشيئة، وكما لا يعلم ان الله قد شاء أمرا فأنه لا يعلم انه لم يشأ ذلك الامر - واذا - أى اذا شاء الله - وما - أى ما شاء الله فلا يقع اما على كونها مصدرية ظرفية ظاهر للشك، وأما على كونها موصولا اسميا فكذلك اذ المعنى حينئذ أنت طالق الطلاق الذى شاء الله ومشيئته لا تعلم - وما لم يشأ - اذ معناه مدة عدم مشيئة الله طلاقك فهو تعليق على عدم المشيئة كما فى أن لم - ولو قال: أنت طالق كيف شاء الله تطلق واحدة رجعية لأن المضاف الى المشيئة حال الطلاق وكيفيته من المفرد والمتعدد والرجعى والبائن لا أصله فيقع أقله وهو الواحدة الرجعية لانه المتيقن ومن الاستثناء قوله: أنت طالق لولا أبوك أو لولا جمالك أو لولا انى أحبك، فلا يقع به طلاق لان لولا تدل على امتناع الجزاء الذى هو الطلاق لوجود الشرط الذى هو وجود الاب أو جمالها أو محبته لها. ومثل التعليق على مشيئة الله تعالى فيما ذكر التعليق على مشيئة من له مشيئة لا يوقف عليها كالجن والملائكة فلو قال أنت طالق ان شاء الجن، أو أن شاء ابليس أو

стр. 1565

الشيطان، أو ان شاءت الملائكة، أو ان شاء جبريل أو عزرائيل، فلا يقع الطلاق فى كل ذلك لما ذكر فى مشيئة الله .. وكذلك التعليق على مشيئة من لا مشيئة له أصلا، كقوله: أنت طالق ان شاء الكتاب أو الجدار أو القلم. وان علق على مشيئة الله تعالى ومشيئة من تعرف مشيئته بأن قال: أنت طالق ان شاء الله وشاء زيد، لم يقع طلاق أصلا حتى لو شاء زيد لأنه معلق على مشيئتين ومشيئة الله لا تعرف. ويشترط فى ترتيب الاحكام على الربط بالمشيئة - الاتصال أى أن تذكر متصلة بالكلام على وجه يعتبر اتصالا عرفا فلا يضر الانقطاع للتنفس وان كان له منه بد فلو سكت قدر التنفس بلا تنفس فعلا يعتبر فاصلا يبطل معه الاستثناء، فالسكوت قدر النفس بلا تنفس مبطل والسكوت للتنفس ولو بلا ضرورة عفو وكذا لا يضر الانقطاع للسعال أو الجشاء أو امساك الفم اذا أتى بالاستثناء عقب رفع اليد عن فمه. أما اذا سكت بعد الرفع مدة فلا يصح الاستثناء وكذلك لا يضر الفصل بكلام يفيد التأكيد نحو أنت طالق طالق ان شاء الله - اذا نوى به التأكيد - أو يفيد التكميل نحو أنت طالق واحدة وثلاثا ان شاء الله، فان قوله - وثلاثا يفيد التكميل فى العدد لأن ذكر الثلاث بعد الواحدة يفيد ذلك بخلاف ما لو قال: أنت طالق ثلاثا وواحدة فانه يكون لغوا ويبطل الاستثناء لأن ذكر الواحدة بعد الثلاث لا يفيد شيئا .. أو يفيد شيئا جديدا كانشاء طلاق نحو أنت طالق يا طالق ان شاء الله أو ايجاب حد أو لعان نحو أنت طالق يا زانية ان شاء الله أو نداء نحو أنت طالق يا فلانة ان شاء الله حيث يصح الاستثناء وينصرف الى الكل ولا يقع طلاق بخلاف الفاصل اللغو نحو أنت طالق رجعيا ان شاء الله .. فان قوله رجعيا لا فائدة فيه لكونه مدلول الصيغة شرعا والفصل بالذكر كسبحان الله فانه يقطع الكلام ويبطل الاستثناء ولو قال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا ان شاء الله بطل الاستثناء وطلقت ثلاثا، لأن قوله وثلاثا فاصل لغو يبطل الاستثناء ولا وجه لجعله تأكيدا للفصل بالواو بخلاف ما اذا قال: أنت طالق ثلاثا ثلاثا، فانه لا يعتبر فاصلا اذ يحمل على التأكيد، وهذا عند الامام خلافا لهما لأن التكرار للتأكيد شائع فيحمل عليه وعلى هذا الخلاف لو قال: أنت طالق وطالق وطالق ان شاء الله بطل الاستثناء وطلقت ثلاثا عند الامام وصح الاستثناء ولا يقع شئ عند الصاحبين لقوله طالق أربعا، ان شاء الله وان بدأ التلفظ بصيغة الطلاق والمشيئة فماتت الزوجة بعد قوله أنت طالق وقبل قوله: ان شاء الله صح الاستثناء ولا يقع الطلاق لأن ما جرى من الزوج تعليق لا تطليق وموتها لا ينافى التعليق لأنه مبطل لحكم الصيغة وهو الوقوع، والموت أيضا مبطل فلا يتنافيان فيكون الاستثناء

стр. 1566

صحيحا ولا يقع الطلاق عليهما أما اذا مات هو قبل قوله ان شاء الله فان الاستثناء يبطل ويقع الطلاق لعدم اتصال الاستثناء بعبارة الطلاق. ويشترط أيضا فى عمل الاستثناء بالمشيئة أن يكون مسموعا اذا تلفظ به بحيث لو قرب شخص اذنه الى فمه يسمعه أى أن المراد بكونه مسموعا ما شأنه أن يسمع وان لم يسمعه المنشئ فعلا لكثرة أصوات أو لصمم ومن ثم فاستثناء الاصم صحيح .. وهذا عند الهندوانى وهو الصحيح. وعند الكرخى ليس بشرط ولا يتنافى بين هذا وبين ما سيأتى من أنه لا يشترط التلفظ بالاستثناء لأن الشرط ليس هو التلفظ وانما الشرط هو السماع عند التلفظ. واذا ادعى الزوج الاستثناء عقب الطلاق بأن قال: قلت بعده، ان شاء الله وأنكرت الزوجة أنه استثنى بأن قالت سمعت الطلاق ولم أسمع الاستثناء، هل يقبل قوله أو لا يقبل الا ببينة ودليل يؤيده واذا كان يقبل قوله فهل يقبل بيمينه أو بدون يمين. اختلفوا. ففى ظاهر الرواية يقبل قوله ولم يذكر اليمين، واستظهر البعض أن الغرض ان الزوجة تنكر عليه الاستثناء وتنازعه، وقد قالوا: ان عليها فى هذه الحالة أن لا تمكنه من نفسها وتنازعه فتكون هناك خصومة ومنازعة فينبغى أن يكون قبول قوله بيمينه .. وهذا ما لم تكن هناك بينة على أنه لم يستثن، والا وجب العمل بالبينة ولا يقال كيف تقوم بينة على عدم الاستثناء وهو نفى لانه فى المعنى أمر وجودى اذ هو عبارة عن ضم الشفتين عقب التكلم بالصيغة قال فى البحر: ولو شهدوا بأنه طلق أو خالع بلا استثناء أو شهدوا بأنه لم يستثن تقبل. وهذا مما تقبل فيه البينة على النفى، لانه فى المعنى أمر وجودى لأنه عبارة عن ضم الشفتين عقيب التكلم بالموجب .. وان قالوا طلق ولم نسمع منه غير كلمة الخلع، والزوج يدعى الاستثناء فالقول له لجواز أنه قاله ولم يسمعوه والشرط سماعه لا سماعهم على ما عرف فى الجامع الصغير. وكذا لا يقبل قوله اذا ظهر منه ما يدل على صحة الطلاق كقبض البدل أو ذكره لأن دعواه الاستثناء تتنافى مع ذلك. وقيل لا يقبل قوله الا ببينة ودليل يؤيده، أخذا بالحيطة والحذر لغلبة الفساد على الناس ونزوعهم الى المغالبة ولو بالباطل ولأن قول الزوج انه استثنى بعد الطلاق على خلاف الظاهر اذ هو يدعى ابطال حكم صيغة الطلاق بعد التلفظ بها، فينبغى الا يؤخذ بقوله الا ببينة تؤيده وهذا هو الذى عليه الاعتماد والفتوى. وقال الكمال بن الهمام: والذى عندى أن ينظر فان كان الرجل معروفا بالصلاح والشهود لا يشهدون على النفى ينبغى أن يؤخذ بما فى المحيط من عدم الوقوع تصديقا له، وان عرف بالفسق أو جهل حاله فلا لغلبة الفساد فى هذا الزمان -

стр. 1567

وعقب ابن عابدين فى حاشيته على قول الكمال بن الهمام بقوله: ولا يخفى أن هذا تحقيق للقول الثانى المفتى به لأن المشايخ عللوه بفساد الزمان أى فيكون الزوج متهما، واذا كان صالحا تنتفى التهمة فيقبل قوله، فلا يكون هذا قولا ثالثا. ولا يشترط فى الاستثناء بالمشيئة القصد كما هو ظاهر المذهب - فلو جرى ذكر المشيئة على لسان الزوج بعد التكلم بالطلاق دون قصد الى التعليق والابطال صح الاستثناء ولا يقع الطلاق كما لو قال لزوجته أنت طالق فجرى على لسانه أو غير طالق بدون قصد. فانه لا يقع طلاق، ولأن الطلاق مع الاستثناء ليس طلاقا. وكذلك لا يشترط التلفظ بالاستثناء ولا بالطلاق، فلو تلفظ بالطلاق وكتب الاستثناء موصولا أو عكس أو كتبهما معا أو أزال الاستثناء بعد الكتابة فانه يصح فى ذلك كله ولا يقع طلاق فى جميع الصور. وكذلك لا يشترط العلم بمعنى الاستثناء ومعرفة أثره شرعا فلو أتى بالمشيئة عقب الطلاق جاهلا ما تدل عليه وتؤدى اليه صح ولا يقع الطلاق كسكوت البكر اذا زوجها أبوها ولا تدرى أن السكوت رضا يمضى به العقد عليها. ولو شهد اثنان لشخص أنه أتى بالمشيئة عقب التلفظ بصيغة الطلاق موصولا. وهو لا يذكر أنه أتى بالمشيئة ان كان بحال لا يدرى معها ما يجرى على لسانه لغضب أو نحوه جاز له أن يعتمد على شهادتهما ويأخذ بعدم وقوع الطلاق .. وليس المراد أنه وصل الى حالة من نقصان الوعى لا يدرى معها ما يقول ولا يقصده ولا يفهم معناه كالمدهوش والنائم مثلا فان هذا لا يقع طلاقه شرعا من غير استثناء وانما المراد أنه قد ينسى ما وقع منه وما قاله لاشتغال فكره باستيلاء الغضب عليه. الاستثناء بالأداة: هذا هو النوع الثانى من الاستثناء الذى يرد على الطلاق عند الحنفية وهو بيان بألا أو احدى أخواتها أن ما بعدها لم يرد بحكم الصدر. ويشترط فى هذا الاستثناء أن يكون متصلا بالمستثنى منه نحو أن يقول: أنت طالق ثلاثا الا واحدة متصلا، فان فصل بينهما بسكتة اختيارا أو بكلام لغو لا يفيد معنى يتصل بسياق الكلام نحو أن يقول: أنت طالق ثلاثا ثم يسكت بدون عذر مدة ثم يقول الا واحدة .. أو يقول أنت طالق ثلاثا الحمد لله رب العالمين الا واحدة فان الاستثناء يكون باطلا وتطلق ثلاثا. أما الفصل بسكتة لعذر التنفس أو السعال أو نحو ذلك أو بكلام لا يعد لغوا فلا يضر ويصح الاستثناء.

стр. 1568

ويشترط أيضا ألا يزيد المستثنى على المستثنى منه ولا يساويه أى ألا يكون مستغرقا. فلو قال: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا أو الا أربعا بطل الاستثناء لأن استثناء الكل باطل اذ الاستثناء هو تكلم بالباقى بعد المستثنى، وليس فى هذه الحالة باق يتكلم به فلا يصح. ولو قال: أنت طالق واحدة وثنتين الا ثنتين أو قال: أنت طالق ثنتين وواحدة الا ثنتين يبطل الاستثناء ويقع الثلاث، لأنه فى الاول أخرج الثنتين من الثنتين وهو مساو مستغرق، وفى الثانى أخرج الثنتين من الواحدة وهو أكثر مستغرق فبطل وبقى قوله أنت طالق واحدة وثنتين وقوله أنت طالق ثنتين وواحدة وكذا لو قال: ثنتين وواحدة الا واحدة يبطل للاستغراق ويقع الثلاث، أما لو قال: واحدة وثنتين الا واحدة فانه يصح ويقع اثنتان لأن اخراج واحدة من ثنتين صحيح .. والأصل أن الاستثناء انما ينصرف الى ما يليه، واذا تعقب جملا فهو قيد للأخيرة منها .. وانما يبطل استثناء الكل أو الأزيد اذا لم يكن بعده استثناء يكون خبرا للصدر، فان كان بعده استثناء بخبر الصدر بحيث لا يكون مستغرقا صح الاستثناء. وعلى هذا تفرع ما لو قال: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا واحدة حيث يصح الاستثناء وتقع واحدة أو قال: أنت طالق ثلاثا الا ثنتين الا واحدة يصح وتقع ثنتان. وهذا من تعدد الاستثناء ويأتى بيانه. ومن أصل الحنفية ان استثناء الكل انما يبطل اذا كان بلفظ الصدر أو بلفظ يساويه كما سبقت الاشارة اليه فى شروط الاستثناء أما اذا كان بلفظ يغاير لفظ الصدر فانه يصح اذا كان لفظ الصدر عاما بحسب وصفه يشمل المستثنى وغيره باعتبار عمومه، وان ساواه فى الوجود الخارجى وفرعوا على ذلك ما اذا قال كل امرأة لى طالق الا هذه وأشار الى امرأته وليس له امرأة سواها فانها لا تطلق بناء على صحة الاستثناء لأن المساواة فى الوجود لا تمنع صحته متى عم لفظ المستثنى منه بحسب الوضع لأن الاستثناء تصرف لفظى فينظر فيه الى صيغة المستثنى منه فان عمت المستثنى وغيره وضعا صح ولفظ كل امرأة يعم فى الوضع هذه وغيرها، بخلاف أنتن طوالق مخاطبا زوجاته الا هؤلاء وأشار اليهن وليس له سواهن فانه لا يصح الاستثناء للاستغراق ويطلقن لأن قوله أنتن لا يعم غير المخاطبات، أما لو قال: أنتن طوالق الا هذه وأشار الى واحدة من المخاطبات فانه يصح ولا تطلق المشار اليها، لأن لفظ أنتن يعم المستثناة وغيرها. ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة الا ثلاثا أو الا واحدة يبطل الاستثناء لعدم وجود تعدد يصح معه اخراج شئ اذ لا عموم للفظ العدد أصلا. وينظر فى كون الاستثناء كلا أو بعضا الى جملة الكلام المتلفظ به لا الى جملة الكلام الذى يحكم بصحته شرعا فى الطلاق وهو الثلاث، فلو قال: أنت طالق خمسا الا ثلاثا صح الاستثناء ووقع ثنتان

стр. 1569

ولو نظر الى ما يحكم بصحته من الخمسة وهو الثلاث لزم استثناء الثلاثة من الثلاث وهو مستغرق فيلغو الاستثناء وتقع الثلاث .. ولو قال: أنت طالق عشرا الا تسعا تقع واحدة والا ثمانية تقع ثنتان والا سبعا تقع ثلاث ولو نظر الى ما يحكم بصحته من الكلام لبطل الاستثناء كما ذكر. تعدد الاستثناء: قال فى الفتح: وأصل صحة الاستثناء من الاستثناء قوله تعالى: «إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امْرَأَتَهُ»﴾. واذا تعدد الاستثناء فان كان بالواو أى عطف بعضه على بعض بالواو - وقد تقدم النقل عن صاحب مسلم الثبوت أن غير الواو من حروف العطف كالفاء وثم مثل الواو فى ذلك - تجمع الاستثناءات كلها ويطرح المجموع من الصدر أى المستثنى منه نحو أنت طالق عشرا الا خمسا والا ثلاثا والا واحدة تقع واحدة لأن مجموع الاستثناءات تسعة ويطرحها من العشرة تبقى واحدة. أما اذا تعددت بدون عطف كان كل استثناء اسقاطا مما يليه أى مما قبله، فلو قال: أنت طالق عشرا الا تسعا الا ثمانية الا سبعة تقع ثنتان لأنه اسقاط السبعة من الثمانية يبقى واحد تسقطه من التسعة تبقى ثمانية تسقطها من العشرة تبقى ثنتان. وهناك طريقة أخرى وهى أن تجمع الاعداد التى مراتبها فردية أى الأول والثالث والخامس وهكذا، والاعداد التى مراتبها زوجية - أى الثانى والرابع والسادس وهكذا - ثم نطرح مجموع الأعداد الزوجية من الاعداد الفردية هكذا فى المثال المذكور (١٠ + ٨ - ٩ + ٧) - ١٨ - ٢١٦. وهناك طرق أخرى لا محل للاستطراد فى ذكرها. واخراج بعض التطليقة لغو بخلاف ايقاعه، فلو قال: أنت طالق ثلاثا الا نصف تطليقة وقع الثلاث وهو قول محمد وهو المختار وقيل على قول أبى يوسف يقع ثنتان لأن التطليقة لا تتجزأ فى الايقاع فكذا لا تتجزأ فى الاستثناء فكأنه قال الا واحدة والجواب أن الايقاع انما لا يتجزأ لمعنى فى الموقع وهو لم يوجد فى الاستثناء فيتجزأ فيه فصار كلامه عبارة عن تطليقتين ونصف فتطلق ثلاثا، وكذا فى الفتح وقال ابن عابدين وحاصله أن ايقاع نصف التطليقة مثلا غير متصور شرعا فكان ايقاعا للكل بخلاف استثناء النصف فانه ممكن لكنه يلغو لأن النصف الباقى تقع به طلقة (١). مذهب المالكية: الاستثناء فى الطلاق عند المالكية قاصر على اخراج عدد من الطلقات التى ينشئها المتكلم بصيغة الطلاق بألا أو احدى أخوانها وهى سوى وخلا وعدا وحاشا كأن يقول: أنت طالق ثلاثا

стр. 1570

الا واحدة ولا يعتبرون ربط الطلاق بمشيئة الله تعالى أو بمشيئة غيره ممن له مشيئة تعلم أو لا تعلم أو لا مشيئة له أصلا نوعا من الاستثناء ولو فى المعنى، وانما هو تعليق، والأمر فى ذلك من حيث الاحكام وما قد يترتب عليه من آثار يختلف من صورة الى صورة كما سيتضح مما يذكر بعد والاستثناء فى الطلاق باخراج عدد من الطلقات التى تصلح لها الصيغة المتكلم بها بألا أو احدى أخواتها صحيح عند المالكية فلو قال الزوج لزوجته أنت طالق ثلاثا الا واحدة أو الاثنتين صح وطلقت ثنتين فى الأول وواحدة فى الثانى ولكن يشترط لصحة الاستثناء عندهم ما يأتى: الأول: أن يكون متصلا بالمستثنى منه حقيقة بأن لا يفصل بينهما فاصل مطلقا أو حكما بأن يفصل بينهما فاصل اضطرارى كالسعال والعطاس مما لا يعد فاصلا عرفا - وهل يضر الفصل بالمحلوف عليه - ان كان كدخول الدار مثلا بأن يقول: أنت طالق ثلاثا ان دخلت الدار الا ثنتين أولا يضر هذا الفصل على اعتبار أن الشرط فى صورة الحلف هو اتصال الاستثناء بالمحلوف به وهو المستثنى منه كقوله: أنت طالق ثلاثا الا اثنتين ان دخلت الدار. أو بالمحلوف عليه كقوله: أنت طالق ثلاثا ان دخلت الدار الا اثنتين: قولان. الثانى: أن لا يكون المستثنى مستغرقا للمستثنى منه ويريدون بالمستغرق أن يزيد المستثنى على المستثنى منه بأن يقول: أنت طالق ثنتين الا ثلاثا ولكنهم يلحقون المساوى كقوله: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا بالزائد فى الحكم ويقولون ان الاستثناء يكون لغوا وباطلا فى الصورتين ويقع ما تضمنته عبارة الطلاق المستثنى منها وهو اثنتان فى الأول وثلاث فى الثانى .. ويستوى فى ذلك أن يكون الاستغراق بذاته أو بالتكميل فلو قال: أنت طالق ثلاثا الا ثنتين وربعا. أو أنت طالق ثنتين وربعا الا ثلاثا كان الاستثناء مستغرقا لأن جزء الطلقة يكمل ويجب طلقة فكأنه قال: ثلاثا ولو كان الاستثناء مستغرقا وأعقبه استثناء آخر غير مستغرق فهل ينظر الى الكلام كله على أنه مرتبط ببعضه وأن اعتباره بآخره أو ينظر الى الاستثناء المستغرق وحده فيلغى ثم يرد ما بعده الى الكلام؟ رايان الأول: الفاء الاستثناء الأول وهو الثلاث للاستغراق واستثناء الثانى وهو الواحدة من المستثنى منه الأصلى فيقع به ثنتان، والثانى: استثناء الثانى من الأول فيبقى ثنتان نطرح من الاصل فتبقى واحدة وهى التى تقع، وهذا الذى أخذ به ابن الحاجب وقال ابن عرفة انه الحق. وعلى الأول جرى العلامة خليل تبعا لابن شاس. الشرط الثالث: ان يقصد الاستثناء

стр. 1571

والاخراج وينويه فلو جرى على لسانه من غير قصد لا يصح. الرابع: أن يتلفظ به ولو سرا بأن يحرك به لسانه وينطق به وان لم يسمعه أحد، وهذا اذا لم يكن المراد من الحلف التوثق لحق من الحقوق والا لا ينفع الاستثناء اذا كان سرا بل لا بد من سماع التلفظ به لأن اليمين على نية المحلف عندهم كما هو مقرر فى باب اليمين وقد لا يتفق الاستثناء مع نية المحلف فيقع المحظور وينجم اشكال. واذا تعدد الاستثناء من غير استغراق فنطبق القاعدة المقررة عند الجمهور وهى أن الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات فلو قال: أنت طالق ثلاثا الا ثنتين الا واحدة أو أنت طالق البتة الا ثنتين الا واحدة - والبتة ثلاث - فالثلاث المستثنى منها اثبات، والثنتان، الاستثناء الأول نفى فتبقى واحدة مثبتة والواحدة الاستثناء الثانى اثبات تضاف الى الواحدة السابقة المثبتة فتقع بذلك ثنتان. واذا يكون المستثنى منه من أجزاء متعاطفة بحرف عطف الواو أو الفاء أو ثم، ثم استثنى بأن قال: أنت طالق واحدة وثنتين الا ثنتين ينظر فان نوى الاستثناء من الجميع المعطوف والمعطوف عليه وقعت واحدة لأن المجموع المستثنى منه ثلاث وقد استثنى ثنتين فيتبقى واحدة وتقبل نيته بدون يمين ولو فى القضاء. وان نوى الاستثناء من المعطوف وحده أو المعطوف عليه وحده وقع الثلاث لأن الاستثناء يكون ملغى للاستغراق اذ هو أزيد ان كان الاستثناء من المعطوف عليه ومساو ان كان من المعطوف. وان لم ينو شيئا وقع الثلاث كذلك على الراجح لأن من المحتمل فى هذه الحالة أن يكون الاستثناء من الجميع فتقع واحدة كما تقدم وان يكون من المعطوف أو من المعطوف عليه فتقع الثلاث، فوقع الشك فى الواحدة أو الثلاث فيحكم بالثلاث احتياطا فى أمر الحل والحرمة. وهل يلغى ما زاد على الثلاث من عدد الطلاق الذى اشتمل عليه الكلام المتلفظ به لأنه غير صحيح شرعا فصار معدوما شرعا وهو كالمعدوم حسا أو يعتبر العدد المتلفظ بالغا ما بلغ فيستثنى منه لوجوده لفظا وان كان معدوما شرعا؟ قولان لسحنون، فلو قال: أنت طالق خمسا الا ثنتين فعلى الأول يلغى ما زاد على الثلاث أقصى العدد الذى حدد الشارع للمطلقات وعصمة الزوجية وقد استثنى منها ثنتين فتقع واحدة، وعلى الثانى لا تلغى الزيادة، ويبقى العدد المتلفظ به نظرا لوجوده لفظا وهو خمسة وقد استثنى منه اثنتين فيقع ثلاث، وهذا هو الراجح الذى رجع اليه سحنون واستظهره ابن رشد، وقال فى التوضيح وهو الأقرب وقال ابن عبد السلام أنه أقوى فى النظر .. ولو قال: أنت طالق خمسا الا ثلاثا يلزمه

стр. 1572

على الأول ثلاث لبطلان الاستثناء بالاستغراق حيث ألغى الزائد فكان استثناء من الثلاث ويلزمه على الثانى اثنان كما هو ظاهر. تعليق الطلاق بالمشيئة: واذا علق الطلاق بمشيئة الله تعالى بأن قال: أنت طالق ان شاء الله تعالى أو الا أن يشاء الله تعالى فان الطلاق يتنجز ويقع فى الحال لأن مشيئة الله لا اطلاع لأحد عليها لانه لا يمكن الاطلاع على ذات الله فى الدنيا أصلا حتى تعلم مشيئته وحينئذ فيحتمل وقوع الطلاق وعدم وقوعه فالطلاق مشكوك فى وقوعه وعدم وقوعه، فالبقاء مع الزوجة على هذه الحالة بقاء على زوجة مشكوك فى حلها .. وكذلك ان قال: أنت طالق ان شاءت الملائكة أو الجن لأنه لا اطلاع لنا على مشيئتهما وان علق الطلاق على شئ كدخول الدار مثلا ثم ربط الأمر بعد ذلك بمشيئة الله تعالى أو بمشيئة الملائكة أو الجن بأن قال: أنت طالق ان دخلت الدار ان شاء الله تعالى، فينظر: ان صرف المشيئة الى الطلاق أو صرفها الى الطلاق والدخول أو لم تكن نية أصلا يصرفها الى شئ تنجز الطلاق ووقع اذا حصل المعلق عليه وهو دخول الدار بالاتفاق .. أما اذا صرف. المشيئة الى المعلق عليه فقط وهو دخول الدار فقد وقع خلاف: فقال ابن القاسم يلزم الطلاق ويقع اذا حصل المعلق عليه وهو دخول الدار ولا يلزم شئ اذا لم تدخل لأن الشرط معلق بمحقق فان كل شئ بمشيئة الله والاستثناء لاغ وتناقض وتعقيب بالواقع فانه معلوم انها لا تدخل الا اذا شاء الله الدخول فكان كالاستثناء المستغرق اذا لم يبق بعد المستثنى حالة أخرى .. وقال أشهب وابن الماجشون: لا يقع طلاق ولو حصل المعلق عليه ودخلت الدار فعلا. وان علق الطلاق على مشيئة آدمى حى بأن قال: أنت طالق ان شاء زيد أو الا أن يشاء زيد وزيد على قيد الحياة يرتبط الامر بمشيئته ان شاء طلقها ووقع الطلاق وان لم يشأ لم يقع. أما ان كان زيد حيا وقت التعليق ثم مات قبل أن تعلم مشيئته فلا شئ على الحالف أى لا يلزمه طلاق لعدم تحقق المشيئة، وكذلك اذا كان زيد ميتا وقت التعليق لا شئ على الحالف سواء كان يعلم أنه ميت حينئذ أو لا يعلم ولكن ظهر أنه كان ميتا (١). مذهب الشافعية: (٢) الاستثناء على ضربين ضرب يرفع العدد لا أصل الطلاق كالاستثناء بألا أو احدى اخواتها .. وضرب يرفع أصل الطلاق كالتعليق

стр. 1573

بالمشيئة كأنت طالق ان شاء الله تعالى، وهذا يسمى استثناء شرعيا لاشتهاره فى العرف قال بعض المحققين: وسميت كلمة استثناء لصرفها الكلام عن الجزم والثبوت حالا من حيث التعليق بما لا يعلمه الا الله تعالى وقال صاحب التحفة: ان الاستثناء هو الاخراج بنحو الا كأستثنى وأحط، وكذا التعليق بالمشيئة وغيرها من سائر التعليقات كما اشتهر شرعا، وقد وقع الاستثناء فى القرآن والسنة وكلام العرب، ويصح الاستثناء فى الطلاق قياسا على غيره مما ورد فيه النص وجميع ما يأتى من الشروط عام فى النوعين ما عدا الاستغراق. وعلق الشروانى على قوله ما عدا الاستغراق بقوله: أما الاستغراق فيشترط عدمه فى النوع الأول أعنى الاخراج بنحو الا. وأما النوع الثانى أعنى التعليق بالمشيئة وغيرها فيكون مستغرقا غالبا. شروط الاستثناء: وقد أشرنا فى الكلام على الاستثناء فى الاقرار الى شروط صحة الاستثناء على التفصيل وهى على الاجمال: الاتصال بالمستثنى منه عرفا بحيث يعد كلاما واحدا لاجماع أهل اللغة على ذلك خلافا لما حكى عن ابن عباس رضى الله عنهما من جواز انفصال الاستثناء الى شهر أو سنة أو أبدا على ما قيل. وجوزوا الفصل بما له صلة وتعلق بالكلام كقوله: أنت طالق ثلاثا يا زانية، أو يا طالق الا واحدة، وقالوا انه لبيان العذر فى التطليق، ولتعلقه بالزوجين بخلاف الكلام الأجنبى وان قل فان الفصل به يمنع صحة الاستثناء ولم يجيزوا الفصل فى الطلاق بنحو استغفر الله وأجازه البعض فى الاقرار لأنه اخبار يحتمل الكذب أما الطلاق فانه انشاء. والقصد: أى قصد الاستثناء والاخراج قبل الفراغ من عبارة المستثنى منه بحيث تقترن النية بأى جزء من أجزاء المستثنى منه ان أخر الاستثناء عن الصيغة بأن قال: أنت طالق ثلاثا الا واحدة، أما ان قدم الاستثناء بأن قال: أنت الا واحدة طالق ثلاثا فيلزمه أن ينويه قبل التلفظ به أو يقصد حال الاتيان به انه استثناء مما يأتى بعده ليحصل الربط بين المستثنى والمستثنى منه، واستحسن بعضهم عدم اشتراط نيته قبل التلفظ به واكتفى باشتراط النية عند الاتيان به انه استثناء مما يأتى بعده. ومعرفة معناه ولو من وجه: أى أن يعرف المتكلم بالاستثناء ان القصد منه هو التعليق أو التخصيص باجمال لاخصوص معانيه التفصيلية التى أفاض العلماء فى بيانها فى كتب الاصول والفقه واللغة، وأكثر الناس يفهمون هذا المعنى الاجمالى حتى لو أن شخصا لقن اللفظ مع الاستثناء ثم سئل عن معناه فلم يفصح عنه،

стр. 1574

لا يترتب على هذا الاستثناء حكمه لفقدان الشرط وهو معرفة المعنى. والتلفظ بحيث يسمع نفسه: اذا كان سمعه معتدلا ولم تحط به عوارض تحول دون السماع من ضجيج أو صخب، والا لا يقبل وظاهر ما ذكر ان اسماع نفسه شرط فى صحة الاستثناء بألا واخواتها وفى التعليق بالمشيئة، وقد نقل الشروانى عن الانوار وغيره ان هذا شرط فى التعليق على غير المشيئة كدخول الدار أو التكلم مع شخص معين أو الذهاب الى بيت أحد من الناس أو نحو ذلك من الشروط، أما الاستثناء بألا واخواتها والتعليق على المشيئة فالشرط فيهما أن يسمع غيره، وفرقوا بين الأمرين بأن التعليق بأى شرط غير المشيئة كالدخول ليس رافعا للطلاق لا أصلا ولا عددا وانما هو مخصص له فقط بخلاف التعليق بالمشيئة فأنه يرفع أصل الطلاق وبخلاف الاستثناء فانه يرفع العدد ويزيله، ورتبوا على هذا الفرق واختلاف الشرط أنه اذا قال: أنت طالق ان كلمت زيدا وأنكرت الزوجة حصول الشرط وتمسك الزوج بحصوله، كان القول قوله بيمينه لان الشرط فيه أن يسمع نفسه وقد يكون سمع هو ولم يسمع غيره فيصدق بيمينه، أما لو قال: أنت طالق ان شاء الله، أو أنت طالق ثلاثا ألا واحدة، وأنكرت الزوجة التعليق على المشيئة أو الاستثناء وتمسك هو بحصوله كان القول قولها فى نفى الشرط والاستثناء ويحكم بوقوع الطلاق اذا حلفت اليمين لان الشرط فيهما أن يسمع غيره فالظاهر يشهد لها غير أن الشروانى بعد أن نقل عن الانوار وغيره ما هو صريح فى التفرقة بين الاستثناء والمشيئة وبين التعليق بغيرها من الشروط والصفات واختلاف الشرط والحكم فيهما عند الانكار قال فى آخر النقول: وهذه كلها مخالفة لما فى المغنى وعبارته ويشترط أيضا فى التلفظ بالاستثناء اسماع نفسه عند اعتدال سمعه فلا يكفى أن ينويه بقلبه ولا أن يتلفظ به من غير أن يسمع نفسه فان ذلك لا يؤثر ظاهرا قطعا ولا يدين على المشهور. ويبدو أن الامر موضع خلاف بين فقهاء المذهب. وعدم الاستغراق: أى أن لا يستغرق المستثنى المستثنى منه، فأن استغرقه بأن قال: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا بطل الاستثناء ووقع الثلاث ولو قال: أنت طالق ثلاثا الا ثنتين وواحدة وقعت واحدة لان القاعدة المقررة أنه اذا تكون المستثنى أو المستثنى منه أو هما معا من اعداد متفرقة معطوف بعضها على بعض، لا تجمع هذه الاعداد المتعاطفة بعضها على بعض لتحصيل الاستغراق توصلا لابطال الاستثناء ولا لدفع الاستغراق توصلا لتصحيح الاستثناء وانما يفرد كل بحكمه، ففى المثال المذكور، المستثنى يكون من اثنتين وواحدة وبينهما حرف عطف ولو جمعا لكانا ثلاثا، والمستثنى منه ثلاث فيكون مستغرقا فيبطل وتقع الثلاث - فلا يجمع المتفرق بل يلغو قوله وواحدة لحصول الاستغراق

стр. 1575

بها ويبقى ثلاثا الا اثنتين فتقع واحدة، ولو قال: أنت طالق ثنتين وواحدة الا واحدة - المتفرق فيه فى المستثنى منه، ولا يجمع طبقا للقاعدة المذكورة، فيكون قد استثنى واحدة وهو مستغرق فيبطل الاستثناء ويبقى قوله أنت طالق ثنتين وواحدة فيقع الثلاث واذا قال المتكلم قصدت الاستثناء من المجموع ينبغى أن يقبل. وقد يقال: اذا كان الاستغراق يبطل الاستثناء لانه رفع لما أثبته بصدر الكلام فلا يقبل ومن ثم اشترط لصحة الاستثناء عدم الاستغراق فلم يصح التعليق بالمشيئة وهو ابطال للطلاق ورفع لاصله .. والجواب أن مقتضى النظر والقواعد أن لا يصح التعليق بالمشيئة لانه ابطال ورفع لما ثبت بالصدر. ولكنه خرج بالنص أى الخبر الصحيح - من حلف ثم قال ان شاء الله فقد استثنى وهو عام فى الطلاق وغيره، وفى خبر لابى موسى الاصفهانى - من أعتق أو طلق واستثنى فله ثنياه - أما الآخر وهو الاستثناء بألا فلم يرد فيه نص فبقى على الاصل - وأيضا فان الاستثناء المستغرق عبارة عن كلام متناقض غير منتظم ولا يفهم منه معنى صحيح بخلاف التعليق بالمشيئة فأنه كلام منتظم سليم بدليل أنه لا يقع به الطلاق كما اذا سبق لسانه الى ذكر المشيئة دون قصد أو قصد بذكره التبرك لا التعليق. وقد لا يقع كما اذا ذكرها قصدا وتلفظ بها وأراد التعليق واذا أتى بعد الاستثناء المستغرق استثناء آخر وكانت نتيجة التصفية بمقتضى القواعد زوال الاستغراق فلا يعول عليه وفى هذه الحالة يصفى الاستثناء على أساس أن الاستثناء من الاثبات نفى ومن النفى اثبات كما هو رأى الشافعية وجمهور الاصوليين خلافا للحنفية. فلو قال: أنت طالق ثلاثا ألا ثنتين ألا واحدة وقع ثنتان، لان المعنى ثلاثا يقعن الا ثنتين لا يقعان فتبقى واحدة تقع تضاف اليها واحدة بقوله الا واحدة تقع، ولو قال: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا ألا ثنتين وقعت ثنتان أيضا لانه لما عقب الاستثناء المستغرق بغيره خرج عن الاستغراق فلا يلغو ويكون المعنى ثلاثا تقع الا ثلاثا لا تقع الا ثنتين تقعان، ويمكن الاخذ بقاعدة رجوع كل استثناء الى ما قبله ففى المثال الاول تستثنى واحدة من اثنتين تبقى واحدة فتستثنى من الثلاث فتبقى اثنتان هما الواقعتان وفى الثانى تستثنى اثنتان من الثلاث تبقى واحدة تستثنى من الثلاث تبقى اثنتان .. وهكذا وقيل تقع ثلاث فى المثال الثانى لان الاستثناء الاول مستغرق فيلغو ويصبح فاصلا بين المستثنى منه والاستثناء الثانى فيلغو أيضا ويبقى قوله: أنت طالق ثلاثا وقيل تقع فيه واحدة، الغاء للمستغرق فقط وارجاعا للثانى الصحيح الى أصل الكلام. ثم هل العبرة فى الاستثناء باللفظ المذكور أيا كان العدد المستثنى منه، والعدد المستثنى دون نظر الى القدر الذى حدده الشارع لعدد الطلقات التى يملكها الزوج على زوجته وهو الثلاث، أو ينظر الى

стр. 1576

هذا العدد الصحيح دون ما زاد عليه؟ رأيان والاصح النظر الى اللفظ المتكلم به لان الاستثناء تصرف لفظى يرتبط باللفظ دون تقيد بالعدد المعتبر شرعا، فلو قال: أنت طالق خمسا الا ثلاثا وقع ثنتان اعتبارا للاستثناء من الملفوظ به لانه لفظ فاتبع فيه موجب اللفظ بناء على الاصح. وقيل تقع ثلاث لان الاستثناء يتصرف الى المملوك شرعا لان الزيادة عليه لغو فلا عبرة بها. بناء على غير الاصح، وحينئذ يكون الاستثناء مستغرقا وكأنه قال: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا فيلغو وتقع الثلاث .. ولو قال: أنت طالق ثلاثا الا نصف تطليقة او الا أقله ولا نية له وقع ثلاث على الصحيح اذ الاقل عند الاطلاق محمول على بعض الطلقة، وتكمل الباقى دون المستثنى لان التكميل فى الايقاع لا فى الرفع. ولو نوى ب (الا أقلة) طلقة كما هو السابق الى الفهم - وقع ثنتان. الاستثناء بالمشيئة: اذا قال: أنت طالق ان شاء الله أو اذا أو متى شاء الله أو أراد أو أحب أو رضى أو اختار. أو قال: أنت طالق ان أو اذا أو متى لم يشاء الله، وقصد تعليق الطلاق بالمشيئة فى الاول أو بعدمها فى الثانى قبل فراغ عبارة الطلاق ولم يفصل بينهما اسمع نفسه أو غيره على ما سبق فى بيان ما هو الشرط فى التعليق بالمشيئة - لم يقع طلاق بما ذكر أصلا أما فى التعليق بالمشيئة فللخبر الصحيح - من حلف ثم قال ان شاء الله فقد استثنى - وهو عام فى الطلاق وغيره، وفى خبر لابى موسى الاصفهانى، من أعتق أو طلق واستثنى فله ثنياه. وعلل المتكلمون اعتبار قوله ان شاء الله استثناء يمنع وقوع الطلاق بأنه يقتضى مشيئة جديدة ومشيئة الله تعالى قديمة. أما الفقهاء فقد عللوا ذلك بأن مشيئة الله تعالى لا تعلم لنا .. وفرقوا بين الاستثناء المتفرق فى الاستثناء بنحو الا حيث أبطلوه وأوقعوا الطلاق حسبما تقتضيه الصيغة المستثنى منها. والتعليق بالمشيئة حيث اعتبروه ولم يوقعوا الطلاق أصلا، مع أن كلا منهما رافع للطلاق - بأن لفظ الاستثناء المستغرق متناقض وغير منتظم بخلاف التعليق بالمشيئة فأن عبارته منتظمة وقد يقع بها طلاق اذا لم يقصد التعليق. وأما فى التعليق بعدم المشيئة فلاستحالة الوقوع بخلاف مشيئة الله تعالى - ولان عدم المشيئة غير معلوم لنا أيضا. فاذا ذكر المتكلم المشيئة أو عدم المشيئة ولكنه لم يقصد التعليق بل سبق لسانه اليها أو ذكرها على سبيل التبرك أو قصد الاشارة الى أن كل شئ بمشيئة الله تعالى أو لم يعلم هل قصد التعليق أولا أو أطلق. فانه يقع الطلاق حسبما تقتضيه الصيغة فى ذلك كله لانعدام التعليق حينئذ. وكما يمنع التعليق على المشيئة انعقاد الطلاق ووقوعه يمنع انعقاد الطلاق وتعليقه على شرط آخر، كقوله: أنت طالق

стр. 1577

ان دخلت الدار ان شاء الله تعالى، حيث لا ينعقد هذا التعليق ولا تطلق ان دخلت الزوجة الدار من غير نظر الى صرف المشيئة الى الطلاق فقط أو الى الشرط المعلق عليه فقط أو اليهما معا .. ولو قال: يا طالق ان شاء الله وقع الطلاق لان صورة النداء تشعر بحصول الطلاق عنده وحال وجوده والحاصل بالفعل لا يعلق بخلاف قوله: أنت طالق فأنه ليس نصا فى حصول الطلاق حال التكلم به أى ليس أخبارا عن طلاق حاصل، فقد يستعمل عند القرب منه وتوقع الحصول، كما يقال للقريب من الوصول: أنت واصل وللمريض المتوقع شفاؤه، أنت صحيح فينتظم الاستثناء فى مثله ولو قال: أنت طالق ثلاثا يا طالق ان شاء الله تعالى وقعت طلقة واحدة لان الاستثناء يرجع الى غير النداء فيرفع قوله أنت طالق ثلاثا، ويبقى قوله يا طالق فتقع به طلقة ولا يعتبر هذا النداء فاصلا يلغو معه الاستثناء لانه مما يتعلق بالزوجين كما تقدم .. وظاهر الاطلاق أنه لا فرق بين ما اذا كان اسمها طالق وغيره .. لكن جزم القاضى فيمن اسمها ذلك، بأنه لا يقع طلاق اذ يكون مجرد نداء لا يقصد به انشاء طلاق، اللهم الا أن يقول الزوج أنه قصد به الطلاق - فأنه يقع به طلاق اتفاقا ولو علق الطلاق بمشيئة الملائكة لم تطلق لان لهم مشيئة لا يعلم حصولها وكذا ان علق بمشيئة بهيمة لانه تعليق بمستحيل، ولو قال: أنت طالق ان شاء زيد فمات أو جن قبل المشيئة لم تطلق وان خرس فأشار طلقت، ولو قال: أنت طالق ان لم يشأ زيد ولم توجد مشيئته فى الحياة وقع قبيل موته أو جنونه المتصل بالموت وان مات وشك فى مشيئته لم تطلق للشك فى الصفة الموجبة للطلاق، ولو قال: أنت طالق ان لم يشأ زيد اليوم ولم يشأ فيه وقع قبيل الغروب اذ اليوم فى هذه الصورة كالعمر فيما مر (١). مذهب الحنابلة: يصح (٢) الاستثناء فى الطلاق عند الحنابلة، وحكى عن أبى بكر أنه لا يصح الاستثناء فى الطلاق، وحكى عنه أن الاستثناء لا يؤثر فى عدد الطلقات ويجوز فى المطلقات فلو قال: أنت طالق ثلاثا ألا واحدة وقع الثلاث عنده لعدم صحة الاستثناء فى العدد، ولو قال: نسائى طوالق ألا فلانة لم تطلق فلانة لان الطلاق لا يمكن رفعه بعد ايقاعه واستثناء العدد رفع له عن المستثنى فلا يصح .. وأجيب بأن الاستثناء ليس رفعا لما وقع بالفعل اذ لو كان فى ذلك لما صح فى المطلقات ولا فى الاقرار والاخبار وقد

стр. 1578

أجيز فى ذلك كله بالاتفاق وانما هو مبين أن المستثنى غير مراد فى الكلام فهو يمنع أن يدخل فيه ما لولاه لدخل، فقوله تعالى ﴿(فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً)﴾ عبارة عن تسعمائة وخمسين عاما، وقوله ﴿(إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي)﴾ مقتضاه انه لم يتبرأ من الله، فكذلك قوله: أنت طالق ثلاثا ألا واحدة عبارة عن اثنين لا غير. وقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل اذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا ألا واحدة انها تطلق طلقتين ويصح استثناء ما دون النصف باتفاق ولا يصح استثناء الكل باتفاق أيضا ويصح استثناء الاكثر والنصف عند الجمهور، ولا يصح استثناء الاكثر عند الحنابلة وفى استثناء النصف وجهان عندهم فلو قال: أنت طالق ثلاثا الا واحدة صح ووقعت ثنتان عند الكل ولو قال: ألا ثلاثا بطل ووقع الثلاث عند الكل ولو قال: الا ثنتين بطل ووقع الثلاث عند الحنابلة وصح ووقعت واحدة عند الجمهور ولو قال: أنت طالق ثنتين ألا واحدة صح ووقعت واحدة عند الجمهور واحتمل وجهين عند الحنابلة أحدهما كالجمهور والثانى لا يصح وتقع ثنتان. ولا يصح الاستثناء الا متلفظا به فاذا طلقها بلسانه واستثنى بقلبه شيئا وقع الطلاق ولم ينفعه الاستثناء وجملة ذلك أن ما يتصل باللفظ من قرينة أو استثناء على ثلاثة أضرب: أحدها: ما لا يصح نطقا ولا نية وهو ما يرفع حكم اللفظ كاستثناء الكل مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا فهذا لا يصح سواء نطق كما فى المثال المذكور أو نواه فقط بأن قال: أنت طالق ثلاثا ونوى بقلبه استثناء الثلاث، فيبطل الاستثناء فى الحالتين وتقع الثلاث. ثانيها: ما يصح لفظا ولا يقبل نية لا فى الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى وهو استثناء الاقل فهذا يصح لفظا لانه من لسان العرب ولا يصح بالنية مثل ان يقول: أنت طالق ثلاثا ويستثنى بقلبه الا واحدة، فهذا لا يصح لان العدد نص فيما تناوله لا يتحمل غيره فلا يرتفع بالنية ما ثبت بنص اللفظ اذ اللفظ أقوى من النية فيقع مقتضى اللفظ وهو ثلاث وتلغو النية. وليس هذا مثل قوله: نسائى طوالق واستثناء فلانة منهن بقلبه حيث يصح الاستثناء ولا تطلق فلانة المستثناة - لان لفظ نسائى عام يجوز التعبير به عن بعض ما يشمله وضعا، فاذا أريد به البعض صح، بخلاف ثلاثا فى قوله: أنت طالق ثلاثا فانه اسم عدد للثلاث لا يجوز التعبير به عن عدد آخر غيرها ولا يحتمل سواها فاذا أراد به اثنين بقرينة الاستثناء فقد أراد باللفظ ما لا يحتمله، وانما تعمل

стр. 1579

النية فى صرف اللفظ المحتمل الى أحد محتملاته فأما مالا يحتمله فلا. ولو عملنا به فيما لا يحتمله كان عملا بمجرد النية. ومجرد النية لا يعمل فى النكاح والطلاق والبيع ولو قال: نسائى الأربع طوالق أو قال: أربعتكن طوالق واستثنى بعضهن بالنية لم يصح ولا يقبل ويطلق الجميع من استثنى ومن لم يستثن، على قياس أنت طالق ثلاثا واستثناء واحدة بقلبه ولا يدين فيه لانه عنى باللفظ مالا يحتمل. ثالثها: ما يصح نطقا - واذا نواه يدين فيه فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك مثل تخصيص العام أو استعمال اللفظ فى مجازه كأن يقول نسائى طوالق ويريد بعضهن بدون استثناء ملفوظ أو يقول: أنت طالق ويريد من الوثاق، فهذا يصح ويقبل اذا تلفظ به وجها واحدا لانه وصل كلامه بما بين مراده منه، واذا لم يتلفظ ونوى هذا المراد قبل فيما بينه وبين الله تعالى لانه أراد تخصيص اللفظ العام واستعماله فى الخصوص، وهذا سائغ لغة وشائع استعمالا فلا يمنع منه ويكون اللفظ منصرفا الى ما أراده وما يحتمله .. وهل يقبل ذلك فى الحكم؟ وجهان: أحدهما يقبل لانه فسر كلامه بما يحتمله فيصح كما لو قال: أنت طالق أنت طالق وأراد بالثانية افهلمها أنها طلقت والثانى لا يقبل لانه خلاف الظاهر - ومن شرط هذا الضرب أن تكون النية مقارنة للفظ - فان تأخرت عنه بأن قال: نسائى طوالق ثم بعد فراغه نوى بقلبه بعضهن أو طلق نساءه ونوى بعد طلاقهن أى من وثاق - لم تنفعه النية حينئذ وطلق جميع نسائه فى الاول ولزمه الطلاق فى الثانى لانه مقتضى اللفظ والنية المتأخرة مجردة فلا تعمل. وهل العبرة فى تصفية الاستثناء واعتباره استثناء للكل أو للبعض الاكثر أو النصف أو الاقل بما تضمنه اللفظ دون نظر الى ما يملكه من عدد الطلقات أو العبرة بعدد الطلقات التى يملكها شرعا؟ يستوى الامران ويجوز الاخذ بهذا الاعتبار أو ذاك ويرتب الحكم فى وقوع الطلاق على هذا النظر أو ذاك، فلو قال: أنت طالق خمسا ألا ثلاثا وقع ثلاث لان الاستثناء أن عاد الى الخمس التى تلفظ بها فقد استثنى الاكثر وأن عاد الى الثلاث التى يملكها فقد استثنى الكل وكلاهما غير صحيح فيبطل الاستثناء وتقع الثلاث، ولو قال: خمسا ألا طلقة ففيه وجهان أحدهما: يقع ثلاث لان الكلام مع الاستثناء جملة واحدة فكأنه نطق بما عدا المستثنى وكأنه قال: أنت طالق أربعا وفيها يقع ثلاث والثانى: يقع ثنتان كما ذكره القاضى لان الاستثناء لا يرجع الى الخمس المتلفظ بها وانما يرجع الى ما يملكه من الطلقات وهو الثلاث وما زاد عليها يلغو. وقد استثنى واحدة من الثلاث فيصح وتقع طلقتان .. ولو قال: ثلاثا الا ربع طلقة طلقت ثلاثا لان الطلقة الناقصة فى الايقاع تكمل فتصير ثلاثا. وان قال:

стр. 1580

أنت طالق أربعا الا ثنتين، فاذا اعتبرنا الاستثناء من الاربع المتلفظ بها دون النظر الى ما يملكه، كان استثناء النصف وفيه رأيان يصح فيقع طلقتان أولا يصح فيلغو ويقع الثلاث. وعلى قول القاضى: ينبغى ألا يصح الاستثناء ويقع ثلاث لان الاستثناء يرجع الى الثلاث فيكون استثناء الاكثر وهو باطل. واذا كان المستثنى منه مكونا من جمل متعاطفة وكان الاستثناء جملة واحدة. فان تعاطفت جمل المستثنى منه بالواو بأن قال: أنت طالق ثنتين وواحدة الا واحدة ففيه وجهان أحدهما لا يصح الاستثناء ويقع ثلاث لانه يعود الى الجملة الاخيرة فيكون استثناء الكل فيبطل والثانى يصح الاستثناء ويقع ثنتان لان العطف بالواو يجعل الجملتين كالجملة الواحدة فيصير مستثنيا من ثلاث وقد استثنى منها واحدة. وكذا ان قال: أنت طالق واحدة وثنتين ألا واحدة، أو أنت طالق وطالق وطالق الا طلقة أو أنت طالق طلقتين ونصفا الا طلقة فى كل واحدة منها الوجهان المذكوران بطلان الاستثناء ووقوع الثلاث، وصحته ووقوع الثنتين. وان كان العطف بغير الواو كقوله أنت طالق فطالق فطالق الا طلقة أو طالق ثم طالق ثم طالق الا طلقة فلا يصح الاستثناء وجها واحدا لان هذا حرف يقتضى الترتيب وكون الطلقة الاخيرة مفردة عما قبلها فيعود الاستثناء اليها وحدها فلا يصح لانه يكون استثناء الكل ويقع ثلاث حينئذ. أما ان كان التفرق والعطف فى المستثنى بأن قال: أنت طالق ثلاثا الا طلقة وطلقة وطلقة ففيه وجهان أحدهما يلغو الاستثناء ويقع ثلاث لان العطف يوجب اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه فيصير مستثنيا ثلاثا من ثلاث وهو استثناء الكل فيبطل وتقع الثلاث والثانى يصح الاستثناء فى الطلقة الاولى لانه يكون استثناء الاقل ويبطل فى الثانية والثالثة لانه يكون استثناء الاكثر أو الكل وحينئذ تقع طلقتان. ويصح الاستثناء من الاستثناء ولكن لا يصح منه فى الطلاق الا مسألة واحدة على اختلاف فيها، وهى قوله: أنت طالق ثلاثا ألا اثنتين ألا واحدة فانه يصح فى رأى من يجيز استثناء النصف فيقع به طلقتان ولا يقال أن فى هذه المسألة استثناء اثنين من ثلاث وهو استثناء الاكثر فكيف أجيز؟ لأنه لم يسكت على استثناء الاثنتين من الثلاث بل وصلهما باستثناء لاحق استثنى فيه طلقة فكأنه استثنى من الثلاث اثنتين ناقصتين واحدة أى واحدة فيبقى اثنان .. ولو قال: أنت طالق ثلاثا ألا ثلاثا ألا اثنتين لم يصح لان استثناء اثنتين من الثلاث لا يصح لانه استثناء الاكثر واستثناء الثلاث من الثلاث لا يصح أيضا لانه استثناء الكل ومن ثم يقع فى هذه المسألة ثلاث.
следующие страницы →