هذا العدد الصحيح دون ما زاد عليه؟ رأيان والاصح النظر الى اللفظ المتكلم به لان الاستثناء تصرف لفظى يرتبط باللفظ دون تقيد بالعدد المعتبر شرعا، فلو قال:
أنت طالق خمسا الا ثلاثا وقع ثنتان اعتبارا للاستثناء من الملفوظ به لانه لفظ فاتبع فيه موجب اللفظ بناء على الاصح. وقيل تقع ثلاث لان الاستثناء يتصرف الى المملوك شرعا لان الزيادة عليه لغو فلا عبرة بها.
بناء على غير الاصح، وحينئذ يكون الاستثناء مستغرقا وكأنه قال: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا فيلغو وتقع الثلاث .. ولو قال: أنت طالق ثلاثا الا نصف تطليقة او الا أقله ولا نية له وقع ثلاث على الصحيح اذ الاقل عند الاطلاق محمول على بعض الطلقة، وتكمل الباقى دون المستثنى لان التكميل فى الايقاع لا فى الرفع. ولو نوى ب (الا أقلة) طلقة كما هو السابق الى الفهم - وقع ثنتان.
الاستثناء بالمشيئة:
اذا قال: أنت طالق ان شاء الله أو اذا أو متى شاء الله أو أراد أو أحب أو رضى أو اختار. أو قال: أنت طالق ان أو اذا أو متى لم يشاء الله، وقصد تعليق الطلاق بالمشيئة فى الاول أو بعدمها فى الثانى قبل فراغ عبارة الطلاق ولم يفصل بينهما اسمع نفسه أو غيره على ما سبق فى بيان ما هو الشرط فى التعليق بالمشيئة - لم يقع طلاق بما ذكر أصلا أما فى التعليق بالمشيئة فللخبر الصحيح - من حلف ثم قال ان شاء الله فقد استثنى - وهو عام فى الطلاق وغيره، وفى خبر لابى موسى الاصفهانى، من أعتق أو طلق واستثنى فله ثنياه. وعلل المتكلمون اعتبار قوله ان شاء الله استثناء يمنع وقوع الطلاق بأنه يقتضى مشيئة جديدة ومشيئة الله تعالى قديمة.
أما الفقهاء فقد عللوا ذلك بأن مشيئة الله تعالى لا تعلم لنا .. وفرقوا بين الاستثناء المتفرق فى الاستثناء بنحو الا حيث أبطلوه وأوقعوا الطلاق حسبما تقتضيه الصيغة المستثنى منها. والتعليق بالمشيئة حيث اعتبروه ولم يوقعوا الطلاق أصلا، مع أن كلا منهما رافع للطلاق - بأن لفظ الاستثناء المستغرق متناقض وغير منتظم بخلاف التعليق بالمشيئة فأن عبارته منتظمة وقد يقع بها طلاق اذا لم يقصد التعليق.
وأما فى التعليق بعدم المشيئة فلاستحالة الوقوع بخلاف مشيئة الله تعالى - ولان عدم المشيئة غير معلوم لنا أيضا.
فاذا ذكر المتكلم المشيئة أو عدم المشيئة ولكنه لم يقصد التعليق بل سبق لسانه اليها أو ذكرها على سبيل التبرك أو قصد الاشارة الى أن كل شئ بمشيئة الله تعالى أو لم يعلم هل قصد التعليق أولا أو أطلق. فانه يقع الطلاق حسبما تقتضيه الصيغة فى ذلك كله لانعدام التعليق حينئذ.
وكما يمنع التعليق على المشيئة انعقاد الطلاق ووقوعه يمنع انعقاد الطلاق وتعليقه على شرط آخر، كقوله: أنت طالق
стр. 1577
ان دخلت الدار ان شاء الله تعالى، حيث لا ينعقد هذا التعليق ولا تطلق ان دخلت الزوجة الدار من غير نظر الى صرف المشيئة الى الطلاق فقط أو الى الشرط المعلق عليه فقط أو اليهما معا .. ولو قال:
يا طالق ان شاء الله وقع الطلاق لان صورة النداء تشعر بحصول الطلاق عنده وحال وجوده والحاصل بالفعل لا يعلق بخلاف قوله: أنت طالق فأنه ليس نصا فى حصول الطلاق حال التكلم به أى ليس أخبارا عن طلاق حاصل، فقد يستعمل عند القرب منه وتوقع الحصول، كما يقال للقريب من الوصول:
أنت واصل وللمريض المتوقع شفاؤه، أنت صحيح فينتظم الاستثناء فى مثله
ولو قال: أنت طالق ثلاثا يا طالق ان شاء الله تعالى وقعت طلقة واحدة لان الاستثناء يرجع الى غير النداء فيرفع قوله أنت طالق ثلاثا، ويبقى قوله يا طالق فتقع به طلقة ولا يعتبر هذا النداء فاصلا يلغو معه الاستثناء لانه مما يتعلق بالزوجين كما تقدم .. وظاهر الاطلاق أنه لا فرق بين ما اذا كان اسمها طالق وغيره .. لكن جزم القاضى فيمن اسمها ذلك، بأنه لا يقع طلاق اذ يكون مجرد نداء لا يقصد به انشاء طلاق، اللهم الا أن يقول الزوج أنه قصد به الطلاق - فأنه يقع به طلاق اتفاقا ولو علق الطلاق بمشيئة الملائكة لم تطلق لان لهم مشيئة لا يعلم حصولها وكذا ان علق بمشيئة بهيمة لانه تعليق بمستحيل، ولو قال: أنت طالق ان شاء زيد فمات أو جن قبل المشيئة لم تطلق وان خرس فأشار طلقت، ولو قال: أنت طالق ان لم يشأ زيد ولم توجد مشيئته فى الحياة وقع قبيل موته أو جنونه المتصل بالموت وان مات وشك فى مشيئته لم تطلق للشك فى الصفة الموجبة للطلاق، ولو قال: أنت طالق ان لم يشأ زيد اليوم ولم يشأ فيه وقع قبيل الغروب اذ اليوم فى هذه الصورة كالعمر فيما مر (١).
مذهب الحنابلة:
يصح (٢) الاستثناء فى الطلاق عند الحنابلة، وحكى عن أبى بكر أنه لا يصح الاستثناء فى الطلاق، وحكى عنه أن الاستثناء لا يؤثر فى عدد الطلقات ويجوز فى المطلقات فلو قال: أنت طالق ثلاثا ألا واحدة وقع الثلاث عنده لعدم صحة الاستثناء فى العدد، ولو قال: نسائى طوالق ألا فلانة لم تطلق فلانة لان الطلاق لا يمكن رفعه بعد ايقاعه واستثناء العدد رفع له عن المستثنى فلا يصح ..
وأجيب بأن الاستثناء ليس رفعا لما وقع بالفعل اذ لو كان فى ذلك لما صح فى المطلقات ولا فى الاقرار والاخبار وقد
стр. 1578
أجيز فى ذلك كله بالاتفاق وانما هو مبين أن المستثنى غير مراد فى الكلام فهو يمنع أن يدخل فيه ما لولاه لدخل، فقوله تعالى ﴿(فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً)﴾ عبارة عن تسعمائة وخمسين عاما، وقوله ﴿(إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي)﴾ مقتضاه انه لم يتبرأ من الله، فكذلك قوله: أنت طالق ثلاثا ألا واحدة عبارة عن اثنين لا غير.
وقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل اذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا ألا واحدة انها تطلق طلقتين ويصح استثناء ما دون النصف باتفاق ولا يصح استثناء الكل باتفاق أيضا ويصح استثناء الاكثر والنصف عند الجمهور، ولا يصح استثناء الاكثر عند الحنابلة وفى استثناء النصف وجهان عندهم فلو قال: أنت طالق ثلاثا الا واحدة صح ووقعت ثنتان عند الكل ولو قال: ألا ثلاثا بطل ووقع الثلاث عند الكل ولو قال: الا ثنتين بطل ووقع الثلاث عند الحنابلة وصح ووقعت واحدة عند الجمهور ولو قال: أنت طالق ثنتين ألا واحدة صح ووقعت واحدة عند الجمهور واحتمل وجهين عند الحنابلة أحدهما كالجمهور والثانى لا يصح وتقع ثنتان.
ولا يصح الاستثناء الا متلفظا به فاذا طلقها بلسانه واستثنى بقلبه شيئا وقع الطلاق ولم ينفعه الاستثناء
وجملة ذلك أن ما يتصل باللفظ من قرينة أو استثناء على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما لا يصح نطقا ولا نية وهو ما يرفع حكم اللفظ كاستثناء الكل مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا فهذا لا يصح سواء نطق كما فى المثال المذكور أو نواه فقط بأن قال: أنت طالق ثلاثا ونوى بقلبه استثناء الثلاث، فيبطل الاستثناء فى الحالتين وتقع الثلاث.
ثانيها: ما يصح لفظا ولا يقبل نية لا فى الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى وهو استثناء الاقل فهذا يصح لفظا لانه من لسان العرب ولا يصح بالنية مثل ان يقول: أنت طالق ثلاثا ويستثنى بقلبه الا واحدة، فهذا لا يصح لان العدد نص فيما تناوله لا يتحمل غيره فلا يرتفع بالنية ما ثبت بنص اللفظ اذ اللفظ أقوى من النية فيقع مقتضى اللفظ وهو ثلاث وتلغو النية.
وليس هذا مثل قوله: نسائى طوالق واستثناء فلانة منهن بقلبه حيث يصح الاستثناء ولا تطلق فلانة المستثناة - لان لفظ نسائى عام يجوز التعبير به عن بعض ما يشمله وضعا، فاذا أريد به البعض صح، بخلاف ثلاثا فى قوله: أنت طالق ثلاثا فانه اسم عدد للثلاث لا يجوز التعبير به عن عدد آخر غيرها ولا يحتمل سواها فاذا أراد به اثنين بقرينة الاستثناء فقد أراد باللفظ ما لا يحتمله، وانما تعمل
стр. 1579
النية فى صرف اللفظ المحتمل الى أحد محتملاته فأما مالا يحتمله فلا. ولو عملنا به فيما لا يحتمله كان عملا بمجرد النية.
ومجرد النية لا يعمل فى النكاح والطلاق والبيع ولو قال: نسائى الأربع طوالق أو قال: أربعتكن طوالق واستثنى بعضهن بالنية لم يصح ولا يقبل ويطلق الجميع من استثنى ومن لم يستثن، على قياس أنت طالق ثلاثا واستثناء واحدة بقلبه ولا يدين فيه لانه عنى باللفظ مالا يحتمل.
ثالثها: ما يصح نطقا - واذا نواه يدين فيه فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك مثل تخصيص العام أو استعمال اللفظ فى مجازه كأن يقول نسائى طوالق ويريد بعضهن بدون استثناء ملفوظ أو يقول: أنت طالق ويريد من الوثاق، فهذا يصح ويقبل اذا تلفظ به وجها واحدا لانه وصل كلامه بما بين مراده منه، واذا لم يتلفظ ونوى هذا المراد قبل فيما بينه وبين الله تعالى لانه أراد تخصيص اللفظ العام واستعماله فى الخصوص، وهذا سائغ لغة وشائع استعمالا فلا يمنع منه ويكون اللفظ منصرفا الى ما أراده وما يحتمله ..
وهل يقبل ذلك فى الحكم؟ وجهان:
أحدهما يقبل لانه فسر كلامه بما يحتمله فيصح كما لو قال: أنت طالق أنت طالق وأراد بالثانية افهلمها أنها طلقت والثانى لا يقبل لانه خلاف الظاهر - ومن شرط هذا الضرب أن تكون النية مقارنة للفظ - فان تأخرت عنه بأن قال: نسائى طوالق ثم بعد فراغه نوى بقلبه بعضهن أو طلق نساءه ونوى بعد طلاقهن أى من وثاق - لم تنفعه النية حينئذ وطلق جميع نسائه فى الاول ولزمه الطلاق فى الثانى لانه مقتضى اللفظ والنية المتأخرة مجردة فلا تعمل.
وهل العبرة فى تصفية الاستثناء واعتباره استثناء للكل أو للبعض الاكثر أو النصف أو الاقل بما تضمنه اللفظ دون نظر الى ما يملكه من عدد الطلقات أو العبرة بعدد الطلقات التى يملكها شرعا؟ يستوى الامران ويجوز الاخذ بهذا الاعتبار أو ذاك ويرتب الحكم فى وقوع الطلاق على هذا النظر أو ذاك، فلو قال: أنت طالق خمسا ألا ثلاثا وقع ثلاث لان الاستثناء أن عاد الى الخمس التى تلفظ بها فقد استثنى الاكثر وأن عاد الى الثلاث التى يملكها فقد استثنى الكل وكلاهما غير صحيح فيبطل الاستثناء وتقع الثلاث، ولو قال: خمسا ألا طلقة ففيه وجهان أحدهما: يقع ثلاث لان الكلام مع الاستثناء جملة واحدة فكأنه نطق بما عدا المستثنى وكأنه قال: أنت طالق أربعا وفيها يقع ثلاث والثانى: يقع ثنتان كما ذكره القاضى لان الاستثناء لا يرجع الى الخمس المتلفظ بها وانما يرجع الى ما يملكه من الطلقات وهو الثلاث وما زاد عليها يلغو.
وقد استثنى واحدة من الثلاث فيصح وتقع طلقتان .. ولو قال: ثلاثا الا ربع طلقة طلقت ثلاثا لان الطلقة الناقصة فى الايقاع تكمل فتصير ثلاثا. وان قال:
стр. 1580
أنت طالق أربعا الا ثنتين، فاذا اعتبرنا الاستثناء من الاربع المتلفظ بها دون النظر الى ما يملكه، كان استثناء النصف وفيه رأيان يصح فيقع طلقتان أولا يصح فيلغو ويقع الثلاث. وعلى قول القاضى:
ينبغى ألا يصح الاستثناء ويقع ثلاث لان الاستثناء يرجع الى الثلاث فيكون استثناء الاكثر وهو باطل.
واذا كان المستثنى منه مكونا من جمل متعاطفة وكان الاستثناء جملة واحدة.
فان تعاطفت جمل المستثنى منه بالواو بأن قال: أنت طالق ثنتين وواحدة الا واحدة ففيه وجهان أحدهما لا يصح الاستثناء ويقع ثلاث لانه يعود الى الجملة الاخيرة فيكون استثناء الكل فيبطل والثانى يصح الاستثناء ويقع ثنتان لان العطف بالواو يجعل الجملتين كالجملة الواحدة فيصير مستثنيا من ثلاث وقد استثنى منها واحدة.
وكذا ان قال: أنت طالق واحدة وثنتين ألا واحدة، أو أنت طالق وطالق وطالق الا طلقة أو أنت طالق طلقتين ونصفا الا طلقة فى كل واحدة منها الوجهان المذكوران بطلان الاستثناء ووقوع الثلاث، وصحته ووقوع الثنتين.
وان كان العطف بغير الواو كقوله أنت طالق فطالق فطالق الا طلقة أو طالق ثم طالق ثم طالق الا طلقة فلا يصح الاستثناء وجها واحدا لان هذا حرف يقتضى الترتيب وكون الطلقة الاخيرة مفردة عما قبلها فيعود الاستثناء اليها وحدها فلا يصح لانه يكون استثناء الكل ويقع ثلاث حينئذ.
أما ان كان التفرق والعطف فى المستثنى بأن قال: أنت طالق ثلاثا الا طلقة وطلقة وطلقة ففيه وجهان أحدهما يلغو الاستثناء ويقع ثلاث لان العطف يوجب اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه فيصير مستثنيا ثلاثا من ثلاث وهو استثناء الكل فيبطل وتقع الثلاث والثانى يصح الاستثناء فى الطلقة الاولى لانه يكون استثناء الاقل ويبطل فى الثانية والثالثة لانه يكون استثناء الاكثر أو الكل وحينئذ تقع طلقتان.
ويصح الاستثناء من الاستثناء ولكن لا يصح منه فى الطلاق الا مسألة واحدة على اختلاف فيها، وهى قوله: أنت طالق ثلاثا ألا اثنتين ألا واحدة فانه يصح فى رأى من يجيز استثناء النصف فيقع به طلقتان ولا يقال أن فى هذه المسألة استثناء اثنين من ثلاث وهو استثناء الاكثر فكيف أجيز؟ لأنه لم يسكت على استثناء الاثنتين من الثلاث بل وصلهما باستثناء لاحق استثنى فيه طلقة فكأنه استثنى من الثلاث اثنتين ناقصتين واحدة أى واحدة فيبقى اثنان .. ولو قال: أنت طالق ثلاثا ألا ثلاثا ألا اثنتين لم يصح لان استثناء اثنتين من الثلاث لا يصح لانه استثناء الاكثر واستثناء الثلاث من الثلاث لا يصح أيضا لانه استثناء الكل ومن ثم يقع فى هذه المسألة ثلاث.
стр. 1581
تعليق الطلاق بالمشيئة:
لو قال لزوجته أنت طالق ان شاء الله تعالى طلقت وان قال لأمته: أنت حرة ان شاء الله عتقت نص أحمد رحمه الله تعالى على وقوع الطلاق والعتق اذا علق كل منهما على مشيئة الله تعالى فى رواية جماعة وهو مذهب كثير من أهل العلم وفقهاء الامصار منهم مالك، وحكى عنه أنه يقع العتق، دون الطلاق، وفرق بينهما بأن العتق لله والطلاق ليس لله ولا فيه قربة اليه، ولان من نذر العتق صح ولزمه الوفاء به ومن نذر الطلاق لا يلزمه الوفاء به .. وقد ذهب أبو حنيفة والشافعى الى أنه اذا علق الطلاق أو العتق على مشيئة الله تعالى لا يقع، قد روى عن أحمد ما يدل على ذلك، لانه علقه على ما لا يعلم وجودها، ولقول النبى ﷺ من حلف فقال:
ان شاء الله لم يحنث، واحتج الحنابلة ومن رأى رأيهم بما روى عن ابن عباس أنه قال: اذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ان شاء الله فهى طالق .. وما روى ابن عمر وأبو سعيد قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى الاستثناء جائزا فى كل شئ ألا فى الطلاق والعتاق وهذا نقل للاجماع فيه حيث لم يعلم له مخالف ولانه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كقوله: أنت طالق ثلاثا ألا ثلاثا أو هو ازالة ملك فلا يصح تعليقه، أو تعليق على ما لا سبيل الى علمه فكان كالتعليق على المستحيلات يلغو ويقع الطلاق فى الحال على أحد وجهين ولا حجة فى الحديث الذى استند اليه المخالفون لان الطلاق انشاء وليس يمينا حقيقة وان سمى بذلك فهو مجاز لا تترك الحقيقة من أجله، وانما يسمى يمينا اذا كان معلقا على شرط يمكن فعله وتركه، والقول بأن التعليق على المشيئة تعليق بما لا سبيل الى علمه مردود بأن مشيئة الله الطلاق قد علمت بمباشرة الآدمى سببه وهو اللفظ ولئن سلم فهو كالتعليق على المستحيلات يلغو ويقع الطلاق فى الحال ولو قال أنت طالق الا أن يشاء الله طلقت لانه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لا تعلم .. وان قال ان لم يشأ الله أو ما لم يشأ الله فعلى وجهين، أحدهما يقع الطلاق فى الحال لان وقوع طلاقها اذا لم يشأ الله محال فلغت هذه الصفة، أى لغا التعليق ووقع الطلاق فى الحال وثانيهما لا يقع الطلاق بناء على أنه تعليق على المحال مثل أنت طالق ان جمعت بين الضدين أو ان شربت الماء الذى فى هذا الكوز ولا ماء فيه، حيث لا يقع الطلاق فيه فى أحد الوجهين.
وان قال: أنت طالق ان دخلت الدار ان شاء الله فعن أحمد فيه روايتان أحداهما يقع الطلاق ان دخلت الدار ولا ينفعه الاستثناء لان الطلاق والعتاق ليسا من الايمان، فلا يعتبر التعليق على المشيئة فيهما استثناء كما يدل ظاهر الحديث والثانية يكون هذا التعليق استثناء ولا يقع الطلاق لانه علق الطلاق على دخول
стр. 1582
الدار والطلاق اذا علق بشرط صار يمينا وحلفا فصح الاستثناء فيه لعموم قوله ﷺ (من حلف على يمين فقال: ان شاء الله لم يحنث) وفارق مسألة ما اذا لم يعلق الطلاق فأنه لا يكون يمينا حينئذ فلا يدخل فى العموم.
وان قال: أنت طالق لتدخلن الدار ان شاء أو لا تدخلى الدار ان شاء الله لم تطلق دخلت الدار أو لم تدخلها لانها ان دخلتها فقد فعلت المحلوف عليه وان لم تدخلها فقد علمنا ان الله لم يشأ لانه لو شاءه لوجد فان ما شاء الله كان وهذا فى المثال الاول، وفى المثال الثانى أن لم تدخل الدار فقد فعلت المحلوف عليه، وان دخلت علمنا ان الله تعالى قد شاء الدخول هذا أن تعلقت المشيئة بالشرط وهو دخول الدار أو عدم دخولها وان علق المشيئة بالطلاق لم يقع الطلاق على المذهب وان لم تعلم نيته فالظاهر رجوعه الى الدخول ويحتمل ان يرجع الى الطلاق والحكم هو ما ذكر فى كل منهما. وان علق الطلاق على مشيئة الزوجة فقال: أنت طالق ان شئت أو اذا شئت أو متى شئت أو كلما شئت أو كيف شئت أو حيث شئت وأنى شئت لم تطلق حتى تشاء وتنطق بالمشيئة بلسانها فتقول: قد شئت لان ما فى القلب لا يعلم حتى يعبر عنه اللسان فيتعلق الحكم به دون ما فى القلب فلو شاءت بقلبها ولم تنطق بلسانها لم يقع طلاق ولو قالت قد شئت بلسانها وهى كارهة للطلاق وقع الطلاق اعتبارا بالنطق .. وكذلك ان علق الطلاق بمشيئة غيرها يصح ومتى وجدت المشيئة باللسان من هذا الغير وقع الطلاق سواء كان على الفور أو التراخى نص عليه أحمد فى تعليق الطلاق بمشيئة فلان.
وان قال: أنت طالق ان شئت وشاء أبوك، فقالت: قد شئت ان شاء أبى فقال أبوها: قد شئت لم تطلق لانها لم تشأ فان المشيئة أمر خفى لا يصح تعليقها على شرط، وقد قال ابن المنذر فى هذا الشأن: اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل اذا قال لزوجته: أنت طالق ان شئت فقالت: قد شئت ان شاء فلان، انها قد ردت الامر ولا يلزمها الطلاق وان شاء فلان هذا وذلك لانه لم يوجد منها مشيئة وانما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط، وتعليق المشيئة بشرط ليس مشيئة ..
ولو قال: أنت طالق الا ان يشاء زيد فمات أو جن أو خرس طلقت فى الحال، لانه أوقع الطلاق وعلق رفعه بشرط ولم يوجد الشرط ولو قال: أنت طالق واحدة الا أن يشاء زيد ثلاثا فشاء زيد ثلاثا فقال أبو بكر تطلق ثلاثا فى أحد الوجهين لان السابق الى الفهم من هذا الكلام ايقاع الثلاث اذ شاءها زيد، وفى بعض المذاهب لا تطلق اذا شاء زيد ثلاثا لان المعنى أنت طالق واحدة ألا أن يشاء زيد ثلاثا فلا تطلقى .. ولا يصح الاستثناء فى الطلاق فى أية صورة من صوره ولا يترتب عليه حكمه
стр. 1583
ألا أن يكون متصلا بالمستثنى منه وقد تقدم الكلام على شروط الاستثناء فى الاقرار.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى فى كتاب المحلى (١): من قال: أنت طالق ان شاء الله، أو قال: ألا أن يشاء الله أو قال: ألا أن لا يشاء الله، فكل ذلك سواء ولا يقع بشئ من ذلك طلاق، برهان ذلك قول الله ﴿(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ)﴾ وقوله ﴿(وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ)﴾ ونحن نعلم أن الله تعالى لو أراد امضاء هذا الطلاق ليسره لاخراجه بغير استثناء .. فصح أنه تعالى لم يرد وقوعه أذ يسره لتعليقه بمشيئته .. وقد روى عن ابن طاووس عن أبيه فيمن قال لامرأته:
أنت طالق ان شاء الله قال: له ثنياه وعن ابراهيم النخعى فيمن قال لامرأته: أنت طالق ان شاء الله قال: لا يحنث، ومن طريق وكيع عن أبيه عن الليث قال: اجتمع عطاء ومجاهد وطاووس والزهرى على أن الاستثناء جائز فى كل شئ .. وبه يقول أبو حنيفة والشافعى وكثيرون غيرهما: وقال آخرون لا يسقط الطلاق بالاستثناء استنادا الى ما روى عن أبى حمزة قال: سمعت ابن عباس يقول: اذا قال لامرأته: أنت طالق ان شاء الله فهى طالق وبه يقول مالك، وروى عن ابن أبى ليلى ان طلق واستثنى فالطلاق واقع، وان أخرجه مخرج اليمين فله استثناؤه.
وقال مالك: فأن قال: أنت طالق ان شاء زيد أو قال: ألا ان لا يشاء زيد أو ألا أن يشاء زيد فانها لا تطلق ألا أن يشاء زيد، واحتجوا فى ذلك بأن مشيئة زيد تعرف ومشيئة الله تعالى لا تعرف.
وهذا باطل، بل مشيئة زيد لا يعرفها أبدا أحد غيره وغير الله تعالى لانه قد يكذب. وأما مشيئة الله تعالى فمعروفة بلا شك لان كل ما نفذ فقد شاء الله تعالى كونه، وما لم ينفذ فلا نشك أن الله تعالى لم يشأ كونه.
مذهب الزيدية:
لا يجرى الاستثناء فى الطلاق عند الزيدية ألا اذا خرج مخرج الحلف به واليمين نحو: أنت طالق لادخلن هذه الدار غدا، أو لا تكلمى فلانا، أو لتفعلن كذا ..
فانهم يعقدون فصلا للكلام على الحلف بالطلاق والتحليف به وحكم التحليف به شرعا والحنث فى ذلك ثم يتحدثون فيه عن الاستثناء فى الحلف بالطلاق بألا أو احدى أخواتها، وتعليقه بمشيئة الله تعالى ومشيئة غيره، ولم يتكلموا عن الاستثناء فى الطلاق فى غير حالة الحلف أو التحليف به.
وأيضا هم يستدلون على جواز الاستثناء بالمشيئة بحديث (من حلف على يمين فقال ان شاء الله فقد استثنى)
стр. 1584
وهو ظاهر فى اليمين وبعض الائمة لا يرى جواز الاستثناء فى الطلاق ألا اذا أخرجه مخرج اليمين كابن أبى ليلى.
ويشترط الزيدية فى صحة الاستثناء أن يكون متصلا بالجملة الاولى أى بالمستثنى منه فلو سكت بعد الجملة الاولى زمانا ثم استثنى لم يصح استثناؤه واغتفروا السكوت قدر التنفس أو بلع الريق أو العطاس أو أى عذر مما يعرض للانسان ويحول دون مواصلة الكلام، وأجاز البعض السكوت للتذكر أى تذكر ما يتكلم به وما يستثنيه كما ذكر الشافعية.
ويشترطون فى صحة الاستثناء أيضا أن يكون غير مستغرق للمستثنى منه فلو قال: أنت طالق واحدة ألا واحدة لا يصح الاستثناء ويلغى وتقع واحدة بلفظ الانشاء .. ويصح استثناء الاكثر وهو قول الجمهور، فلو قال أنت طالق ثلاثا الا اثنتين صح ووقعت طلقة واحدة، وفائدة ذلك أن لا يكون الطلاق بدعيا ..
وزاد بعض العلماء شرطا ثالثا وهو أن يكون المتكلم عازما على الاستثناء قبل الكلام واختاره فى الانتصار. وقيل ان هذا هو ظاهر كلام أهل المذهب على عكس ما ذكره البعض لانهم نصوا على أن الرجوع عن الطلاق بعد انفاذه لا يصح والاتيان بالاستثناء بعد الكلام بدون قصد سابق ولا نية يعتبر رجوعا عن الطلاق بعد وقوعه وهو لا يجوز، أما اذا كانت هناك نية سابقة بالاستثناء فيكون المقصود بالطلاق هو ما وراء المستثنى فقط ولا يكون فيه رجوع بعد الايقاع بل يكون الاستثناء من تمام الكلام وأجزائه.
وكما يكون الاستثناء من التطليقات على ما ذكرنا يكون من الزوجات المطلقات بالشروط السابقة ويجوز فيه استثناء الاكثر أيضا فلو قال: نسائى طوالق ألا فلانة وفلانة وكان له ثلاث نسوة جاز وطلقت التى لم تستثن.
تعليق الطلاق على المشيئة:
يصح تعليق الطلاق بمشيئة الله تعالى عند الزيدية وهم يرون أن مشيئة الله الطلاق وعدم مشيئته اياه تعرف من حكم الطلاق المراد ايقاعه شرعا، فاذا كان الطلاق محظورا أو مكروها، كما اذا أراد طلاقها لتحل لمن طلقها ثلاثا قبل ذلك أو كان الزوج فى حالة يستحب له فيها النكاح ولم يجد سواها، فانه يقال فى هذه الحالة أن الله لا يشاء هذا الطلاق واذا كان الطلاق واجبا أو مندوبا أو مباحا كما اذا كان يتهمها بالزنا أو كانت العشرة معها سيئة تؤدى الى مساوئ ومكاره فانه يقال فى هذه الحالة أن الله يشاء الطلاق.
فاذا قال: أنت طالق ألا أن يشاء الله حبسك، أو الا أن يشاء الله عدم طلاقك فان كان الطلاق فى حالته محظورا أو مكروها شرعا فان الله تعالى يكون قد شاء حبسها وعدم طلاقها وبالتالى يكون المعلق عليه قد حصل فلا تطلق وان كان الطلاق
стр. 1585
واجبا أو مندوبا شرعا، فانه يقع لان الله تعالى لا يشاء امساكها ولا عدم طلاقها واذا قال: أنت طالق ألا أن يشاء الله ولم يقل حبسك ولا عدم طلاقك فيحتمل ألا أن يشاء الله طلاقك ويحتمل ألا أن يشاء الله حبسك فله نيته - فان كان مراده ألا أن يشاء الله عدم طلاقك أو لم تكن نية فانه يرجع الى معرفة حكم الطلاق الى ما ذكر من حيث الوجوب والندب أو الحظر والكراهة وان كان مراده ألا أن يشاء الله طلاقك يقع الطلاق اذ لا معنى للاستثناء حينئذ.
وهم يعتبرون المجلس فى التعليق على مشيئة الله تعالى ولا يعتبرون الطلاق واقعا أو غير واقع على الفور وهم ينظرون فى ذلك الى أن التعليق على مشيئة الله تعالى وان كاد مجرد تعليق وليس فيه تمليك ألا أن الزوج هو الذى يستطيع أن يبين ما اذا كان الطلاق محظورا أو مطلوبا شرعا وبالتالى يستطيع أن يبين هل تحققت المشيئة أو لم تتحقق وذلك يستلزم تراخيا فكان لا بد من اعتبار المجلس.
واذا علق الطلاق على مشيئة نفسه، قيل لا يعتبر المجلس اذ لا تمليك ولا داعى للتراخى فهو يستطيع أبداء مشيئته ايجابا أو سلبا فيعتبر وقوع الشرط فقط، وقيل يعتبر المجلس لان الامر يتعلق بالنفس والقلب فأن وجد الرضى والاطمئنان طلقت وان وجد الكراهية أو لم يجد شيئا لا رضا ولا كراهية لم تطلق … وان علق الطلاق بمشيئتها فقالت شئت وهى كاذبة يقع الطلاق فى الظاهر لاخبارها بالمشيئة وهل يقع فى الباطن أو لا؟ وجهان الاول لا يقع لان الطلاق معلق بمشيئة القلب ولم يحصل، والثانى يقع لان الشرط قد وجد بقولها شئت ورجحه الامام والمختار الاول .. ويعتبر المجلس هنا لانه تعليق للطلاق بمشيئتها وتمليك ايقاعه لها، وهى فى حاجة الى التروى والتفكير للبحث عن حقيقة شعورها.
وان علق الطلاق بمشيئة غير الله تعالى بأن قال: أنت طالق ألا أن يشاء أبوك، فان الامر يتعلق بمشيئته فان شاء امساكها لا تطلق وان شاء طلاقها طلقت وكذا ان سكت ولم يبد المشيئة لانه جعل الاستثناء ظهور المشيئة فلا فرق بين أن يظهرها أو لا يظهرها لانتفاء الاستثناء فى الحالين ولان الظاهر فى حال السكوت انه لم يشأ امساكها. ولا حكم لمشيئة المجنون والصبى غير المميز أما الصبى المميز فتعتبر مشيئته وفى السكران خلاف ويعتبر المجلس ان كان الغير المعلق على مشيئته حاضرا، وان كان غائبا اعتبر مجلس بلوغه الخبر.
وان قال: أنت طالق لولا الله أو لولا أبوك لم يقع طلاق أصلا لان معنى لولا امتناع الشئ لوجود غيره فكأنه قال: لست طالقا لوجود أبيك وقد قيل لم صححتم هذا الاستثناء مع أنكم لم تصححوا الاستثناء المستغرق وهما متماثلان فى الاستغراق وأجيب بأن هذا
стр. 1586
الاستثناء فيه معنى الشرط كأنه قال:
أنت طالق ان لم يشأ أبوك وبأن هذا الاستثناء فى التحقيق غير مستغرق.
وأدوات الاستثناء هى: ألا وغير وسوى وعدا وخلا وما عدا وما خلا، وكلها للنفى ما عدا ألا فانها للنفى والاثبات فاذا قال امرأتى طالق ما أملك غير عشرة دراهم أو سوى أو عدا أو خلا أو ما عدا أو ما خلا عشرة دراهم فمعنى ذلك نفى ملك غير العشرة ولا يقتضى اثبات ملك العشرة فلا يعد كاذبا ولا يحنث اذا كان لا يملك عشرة ولا تطلق امرأته اذن لان ملك العشرة ليس داخلا فى معنى اليمين ولا هو من مفهومه .. أما ألا فانها للنفى والاثبات فلو قال:
امرأتى طالق ما أملك ألا عشرة دراهم كان ذلك نفيا لملك غير العشرة واثباتا لملك العشرة فلو كان فى ملكه أقل أو أكثر من عشرة كان كاذبا ويحنث وتطلق امرأته ولو حلف امرأتى طالق لا يأكل هذه الرمانة غير زيد، فألقيت الرمانة فى البحر لا يحنث ولا تطلق امرأته لانه يحلف على نفى أكل الغير اما أكل زيد فليس محلوفا عليه فاذا ألقيت فى البحر تحقق نفى أكل الغير المحلوف عليه، واذا حلف امرأتى طالق لا يأكل الرمانة ألا زيد فألقيت فى البحر يحنث وتطلق امرأته، لان الحلف على أكل زيد الرمانة مقصود له فيحنث بفواته (١).
وقال البعض أن أدوات الاستثناء كلها للنفى والاثبات لغة وشرعا بدليل أن العرب لا تفرق بين قول: لا اله الا الله، ولا اله غير الله أو سوى الله، يعلم ذلك بالضرورة ولا ينكره ألا مكابر، وقد قال الله تعالى فى أكثر من ست آيات حاكيا ما بين الانبياء وأقوامهم ومقررا: قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره، وقال على كرم الله وجهه فى نهج البلاغة:
الحمد لله الذى لا اله غيره ولو كانت لمجرد النفى ما ساغ ولا استقامت الحجة للرسل على أقوامهم، ولما ثبتت الالوهية لله بهذا التركيب وذهب بعض آخر الى أن - ألا للنفى فقط كغير وسوى، ورد بأنه لو كان كذلك ما صلحت كلمة لا اله الا الله - للتوحيد ونوقش فى هذه وفى الاحتجاج السابق للبعض فى غير وسوى، بأن هذه الامور لا تفيد الاثبات بظاهر اللفظ ووضعه اللغوى وانما تقيده من قوانين أخرى .. والعبرة فى ذلك كله بالعرف والعرف يفهم من التراكيب المذكورة فى ألا وفى غيرها، النفى والاثبات.
مذهب الإمامية:
ذكر الإمامية أن من فسر الطلقة بأكثر من الواحدة كأن يقول: أنت طالق ثلاثا أو ثنتين يلغو التفسير وتقع طلقة واحدة بقوله أنت طالق، ولان الطلاق الثلاث فى مجلس واحد كقوله أنت طالق ثلاثا يقع به طلاق واحد، وقيل يبطل الجميع ولا يقع به شئ لانه بدعة لقول الصادق، من طلق ثلاثا فى مجلس فليس بشئ.
стр. 1587
وقالوا أن الطلاق لا يصح تعليقه على شرط وهو ما احتمل الوجود والعدم، أو صفة وهى ما يقطع بحصوله عادة كطلوع الشمس وزوالها، ألا أن يكون الشرط حاصلا بالفعل وقت التلفظ بالطلاق لانه حينئذ يكون تنجيزا - ومن الشرط تعليقه على مشيئة الله تعالى، فلا يصح تعليقه عليها، ويكون باطلا (١).
وبهذا يكون مجال الاستثناء فى الطلاق بنوعيه عندهم منعدما ومن ثم لم يتحدثوا فى الاستثناء فيه.
مذهب الإباضية:
يقول الإباضية: اذا قال الزوج لزوجته:
أنت طالق تطليقة ألا سدسا أو ألا نصفا أو أقل أو أكثر وان قال لها أنت طالق تطليقتين ألا واحدة أو ألا نصف تطليقة أو أقل أو أكثر وان قال لها: أنت طالق ثلاثا ألا واحدة أو ألا نصفا أو أقل أو أكثر، أو نحو ذلك لم ينفع استثناؤه - أى فتقع واحدة فى الاول واثنتان فى الثانى وثلاث فى الثالث وان قال: أنت طالق ثلاثا الا واحدة أو الا اثنتين أو الا ثلاثا لا ينفع الاستثناء وتطلق ثلاثا فى الجميع، وقيل اذا قال ثلاثا ألا واحدة أو الا اثنتين ينفع الاستثناء ويقع الباقى بعده وهو اثنتان أو واحدة، ويظهر أن أصحاب هذا الرأى لا يبطلون الا الاستثناء المستغرق فقط.
التعليق على المشيئة:
اذا قال: طلقتك ان شاء الله أو ألا أن يشاء الله طلقت واحدة، وان قال عبدى حر ان شاء الله لم يعتق وقيل يعتق وان قال: طلقتك ان شاء الملائكة أو الجن أو هذا الميت أو الجماد أو الجمل أو البقرة أو الشاة أو المجنون ونحو ذلك مما له مشيئة لا يتوصل اليها وما لا مشيئة له طلقت، وان قال: ان شاء الطفل فقال:
شئت طلقت وان قال ان شاء جبريل طلقت وقيل لا حتى تعلم مشيئته وتوقف بعض، والصحيح الاول.
وان قال: ان شاء فلان فقال فلان شئت طلقت وان مات قبل أن تعلم مشيئته لم تطلق، وان علق على مشيئة الزوجة وقالت شئت طلقت، وان علق على مشيئة نفسه رجع الامر الى اختياره (٢).
احكام الاستثناء فى اليمين
مذهب الحنفية:
والاستثناء (٣) نحو أن يقول أن شاء الله أو الا أن يشاء الله أو ما شاء الله أو الا أن يبدو لى غير هذا، أو الا أن أرى غير هذا أو ألا أن أحب غير هذا، أو قال: أن أعاننى الله أو يسر الله أو قال: بمعونة الله أو بتيسيره ونحو ذلك
стр. 1588
فأن قال شيئا من ذلك موصولا لم تنفذ اليمين وان كان مفصولا انعقدت.
وفى موضع آخر: والاستثناء نوعان:
استثناء وضعى واستثناء عرفى، أما الوضعى فهو أن يكون بلفظ موضوع للاستثناء وهو كلمة الا وما يجرى مجراها وأما العرفى فهو تعليق بمشيئة الله تعالى وانه ليس باستثناء فى الوضع لانعدام كلمة الاستثناء بل الموجود كلمة الشرط الا انهم تعارفوا اطلاق اسم الاستثناء على هذا النوع.
وحقيقة النوع الثانى أنه تعليق بالشرط الا أن الشرط فيه لا يوقف عليه ولا يعلمه أحد ومن ثم لا يحصل المعلق عليه وبالتالى كان فيه تعطيل ورفع للحكم ومن الشروط التى تعم النوعين الاتصال العرفى بأن لا يفصل بينهما فاصل عرفا من غير ضرورة وهل من الشروط أن يكون مسموعا
ذكر الكرخى أنه ليس بشرط حتى لو حرك لسانه وأتى بحروف الاستثناء يصح وان لم يكن مسموعا لان الكلام هو الحروف المنظومة وقد وجدت، فأما السماع فليس بشرط لكونه كلاما فان الاصم يصح استثناؤه وان كان لا يسمع … وذكر أبو جعفر الهندوانى أنه شرط ولا يصح الاستثناء بدونه لان الحروف المنظومة وان كانت كلاما عند الكرخى فهى عندنا دلالة على الكلام وعبارة عنه لا نفس الكلام فى النائب والشاهد جميعا فلم توجد الحروف المنظومة هنا لان الحروف لا تتحقق بدون الصوت فالحروف المنظومة لا تتحقق بدون الاصوات المتقطعة بتقطيع خاص، فاذا لم يوجد الصوت لم توجد الحروف فلم يوجد الكلام عند الكرخى ولا دلالة الكلام عندنا فلم يكن استثناء.
والصحيح ما ذكره الفقيه أبو جعفر.
ويختص النوع الاول وهو الاستثناء الوضعى بشرط عدم الاستغراق لان الاستثناء يجرى مجرى التخصيص والتخصيص يجرى على بعض أفراد العموم لا على الكل اذ يكون نسخا حينئذ لا تخصيصا وهذا اذا كان بلفظ المستثنى منه أو بما يساويه فى الدلالة اللغوية بحسب الوضع كلفظ نسائى وزوجاتى ولفظ عبيدى ومماليكى، اما اذا كان بلفظ آخر غير لفظ الصدر وليس مساويا له فى الدلالة اللغوية بحسب الوضع وان كان مساويا له فى الدلالة الخارجية، فانه يصح الاستثناء ولو كان مستغرقا اذ يكفى توهم ان هناك باقيا بحسب اللفظ فى صحة الاستثناء.
وأما النوع الثانى من الاستثناء فهو التعليق على مشيئة الله تعالى، وهو يرفع الحكم ويمنع الانعقاد بالنسبة لما حصل فيه التعليق يمينا أو طلاقا أو عتقا أو غيرها، قال الله خبرا عن موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ﴿(سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً)﴾ وصح استثناؤه حتى لم يصر بترك الصبر مخلفا فى الوعد ولولا صحة الاستثناء لصار مخلفا فى الوعد
стр. 1589
بالصبر، والخلف فى الوعد لا يجوز والنبى معصوم وقال ﴿(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ)﴾ أى ألا أن تقول ان شاء الله ولو لم يحصل به صيانة الخبر عن الخلف فى الوعد لم يكن للأمر به معنى. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال:
من حلف على يمين وقال ان شاء الله فلا حنث عليه، وهذا نص فى الثانية، وروى أنه قال من حلف بطلاق أو عتق وقال ان شاء الله فلا حنث عليه، والحلف بالطلاق أو العتاق نوع من اليمين وروى أنه ﷺ قال: من استثنى فله ثنياه.
واذا قال: والله لا أفعل كذا الا ان أستطيع .. فأن عنى استطاعة الفعل وهو المعنى الذى يقصد فلا يحنث أبدا لانها مقارنة للفعل عندنا فلا توجد ما لم يوجد الفعل .. وأن عنى به استطاعة الاسباب وهى سلامة الالات والاسباب والجوارح والاعضاء فان كانت له هذه الاستطاعة فلم يفعل حنث وألا فلا .. وهذا لان لفظ الاستطاعة يحتمل كل واحد من المعنيين لأنه يستعمل فيهما قال الله تعالى ﴿(ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ)﴾ وقال ﴿(إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)﴾ والمراد منه استطاعة الفعل. وقال تعالى ﴿(وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)﴾ وقال ﴿(فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)﴾ والمراد منه استطاعة سلامة الاسباب والآلات
فأى ذلك نوى صحت نيته وان لم يكن نية يحمل على استطاعة الاسباب وهو أن لا يمنعه مانع من العوارض والاشتغال لانه يراد بها ذلك فى العرف والعارة فعند الاطلاق ينصرف اليه وهذا ظاهر فى أن الاطلاقين متساويان وأنه اذا نوى أحدهما صحت نيته وصدق فيها على الاطلاق بلا فرق بين الديانة والقضاء.
لكن جاء فى تنوير الابصار وشرحه (١):
حلف ليأتينه غدا ان استطاع فهى استطاعة الصحة أى سلامة آلات الفعل المحلوف عليه وصحة أسبابه، والمراد بالآلات الجوارح فالمريض ليس بمستطيع، والمراد بصحة الاسباب التهيؤ لارادة الفعل مختارا، فالممنوع غير مستطيع فتقع عند الاطلاق على رفع الموانع المعنوية والحسية كالمرض والسلطان والجنون والنسيان وأن نوى القدرة الحقيقية المقارنة للفعل صدق ديانة لا قضاء على الاوجه لانه خلاف الظاهر .. وفى الفتح: وقيل يصدق ديانة وقضاء لانه نوى حقيقة كلامه ..
لان اسم الاستطاعة يطلق بالاشتراك على كل من المعنيين والأول أوجه لأنه وان كان مشتركا بينهما لكن تعورف استعماله عند الاطلاق عن القرينة لاحد المعنيين بخصوصه فصار ظاهرا فيه بخصوصه فلا يصدقه القاضى بخلاف الظاهر.
فان ما جاء فى ابن عابدين صريح فى أن نية القدرة الحقيقية المقارنة للفعل من
стр. 1590
لفظ الاستطاعة بنية خلاف الظاهر ومن ثم يصدق المتكلم فى أنه أراد ذلك ديانة لا قضاء.
وفى شروح الهداية أن من حلف يمينا على شئ من فعل أو ترك وقال أن شاء الله متصلا بيمينه بأن قال: والله لا أوخل دار فلان غدا أن شاء الله أو والله لاصومن غدا ان شاء الله - فلا حنث عليه فى ذلك ان فعل المحلوف عليه فى الاول أو لم يفعله فى الثانى لعدم انعقاد اليمين مع الاستثناء وكذلك اذا أتى بصيغة النذر مع الاستثناء بأن قال: لله على أن أصوم غدا ان شاء الله لم يلزمه شئ لعدم انعقاد النذر.
وهذا قول أكثر أهل العلم، لقول النبى ﷺ فيما روى عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم (من حلف على يمين وقال: ان شاء الله فقد برّ فى يمينه). وقوله ﷺ (من حلف على يمين وقال:
ان شاء الله فلا حنث عليه) رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وقال الترمذى: حديث حسن .. ولانه تعليق للمحلوف عليه بمشيئة الله تعالى، فان من قال: والله لا أخرج اليوم ان شاء الله فقد علق خروجه بمشيئة الله تعالى فاذا خرج لا يحنث اذ المعنى ان شاء الله عدم الخروج لا أخرج فاذا خرج تبين أن الله تعالى لم يشأ عدم الخروج (١).
وكما أن الاستثناء بالمشيئة يمنع انعقاد اليمين والنذر ويبطل حكمهما فأنه يبطل كل ما يتعلق بالقول اذا استعمل فى انشاء العقود والتصرفات والالتزامات بصيغة الاخبار كان ذلك فى العبادات كالنذر فى الطاعات والقرب وكالاعتاق أو فى المعاملات كالطلاق والاقرار أما اذا كان بصيغة الامر كأن يقول اعتقوا عبدى بعد موتى ان شاء الله، أو بصيغة النهى كأن يقول لوكيله لاتبع لفلان ان شاء الله فان الاستثناء لا يصح ويبقى الامر والنهى قائمين ويكون للمأمور أن يعتق العبد، ويكون على الوكيل ألا يبيع لفلان … وقد أشير الى ذلك وذكر الفرق فى أول الكلام على أحكام الاستثناء فى الطلاق.
والاستثناء تصرف لفظى يتعلق بالاقوال والالفاظ على الوضع المذكور وبالصورة المشار اليها أما الاعمال التى محلها القلب كالنية فلا يتعلق بها استثناء ولا تجرى فيها أحكامه، فاذا نذر نذرا مطلقا أن يصوم أو تعلق بذمته صوم يشترط فيه تبييت النية من الليل، وعند حصول النية تلفظ بها مع استثناء متصل أى قال ان شاء الله متصلا بالنية - فأن هذا الاستثناء لا يؤثر فى النية ولا يبطلها فلو بقى على هذه النية التى اتصل بها الاستثناء وصام فعلا صح صومه لتحقق شرط النية الصحيحة فيه.
وقد قال البعض ان ذكر المشيئة عند نية العبادة ليس للاستثناء وانما هو للتبرك
стр. 1591
واستمداد العون من الله تعالى على أداء العبادة وقال انه اذا أراد حقيقة الاستثناء يصح وتبطل النية ولا يصح الصوم لفقدان شرط النية الصحيحة لانه يكون استثناء حقيقة تعلق بعبارة النية وارتبط بلفظها فيترتب عليه حكمه (١).
وقد رأينا فيما ذكره صاحب البدائع وفى صيغ الاستثناء التى ذكرها كاستثناء يلحق باليمين أنها تشمل الاستثناء بنوعيه الوضعى أى ما يكون بألا أو احدى أخواتها والعرفى أى ما يكون تعليقا على مشيئة الله تعالى وربطا بها.
وقد ذكر فقهاء الحنفية فروعا كثيرة فى أبواب اليمين المختلفة استثنى فيها الحالف بعضا مما حلف عليه، وتناوله بصيغة يمينه بالا أو احدى أخواتها واعتبروا هذا الاستثناء صحيحا ورتبوا عليه حكمه وقرروا فى المستثنى حكما يخالف حكم المستثنى منه.
من ذلك: اذا حلف لا يخرج ألا الى جنازة ثم خرج اليها قاصدا عند انفصاله من باب داره من الداخل الى الخارج الخروج الى الجنازة ثم أتى وهو فى الخارج أمرا آخر لا يحنث لانه حلف على الخروج وهو عام يشمل أى خروج لأى غرض فيحنث به واستثنى الخروج على قصد الجنازة فلا يحنث فيه - وأتيانه أمرا آخر بعد الخروج للجنازة ليس فيه خروج لهذا الامر فلا يحنث بذلك وكذلك قالوا: اذا حلف على زوجته بالطلاق قائلا ان خرجت ألا الى المسجد فأنت طالق فخرجت تريد المسجد ثم بدالها فذهبت الى غير المسجد لم تطلق اذ الوضع فيه كما فى سابقه ومن ثم اتحد الحكم فيهما واذا حلف على زوجته بالله بأن قال:
والله لا تخرجى ألا بأذنى أو بالطلاق بأن قال:
ان خرجت ألا بأذنى فأنت طالق صح وشرط لكل خروج اذن واذا خرجت بأذنه فلا حنث واذا خرجت بدون اذنه حنث ألا أن تكون مضطرة للخروج لحصول هدم أو غرق أو حريق أو وقوع فرقة بينهما، ولو نوى الاذن مرة واحدة صدق ديانة لانه محتمل كلامه ولا يصدق فى القضاء لانه خلاف الظاهر، ولو قال: حتى آذن لك يكفى الاذن مرة وتنحل اليمين بخلاف الاستثناء فانه استثنى فيه من كل خروج خروجا مصحوبا باذن، ولا يقال - ان الحالف فى هذه الفروع عبر بقوله لا تخرج أو لا تخرجى ثم استثنى والاستثناء معيار العموم، والمقرر أن الفعل لا يعم ولا يتنوع اذ العموم للاسماء لا للافعال فكيف يصح هذا الاستثناء لا يقال ذلك لان التنوع والعموم فى الفعل هنا انما هو بواسطة المصدر لا أصالة والمصدر وهو الخروج يتناول كل خروج فهو قد استثنى من كل خروج خروجا مصحوبا باذن.
واذا قال ان زرت زيدا ألا أن يقدم أخوه من السفر فأمرأتى طالق - قالوا اذا زاره قبل قدوم أخيه يقع الطلاق وأن زاره بعد القدوم لا يقع بناء على
стр. 1592
قوله (ألا أن) للغاية كأنه قال: حتى يقدم أخوه، وهو اذا قال ذلك ينتهى اليمين بالقدوم فلا يحنث فيما بعد ..
وقال صاحب الفتح ان فى ذلك التأويل والتقدير شيئا وهو أن (ألا) من أدوات الاستثناء والاستثناء فى مثل هذا يكون من عموم الاوقات أو الاحوال على معنى، امرأته طالق فى جميع الاوقات أو الاحوال ألا وقت قدوم أخيه أو ألا حال قدوم أخيه فيقتضى أنه لو كلمه بعد القدوم يحنث أيضا كما فيما قبله لانه لم يخرج من أوقات وقوع الطلاق ألا وقت قدوم أخيه.
وهكذا فى كثير من الفروع يصحح الفقهاء الاستثناء بألا أو احدى أخواتها فى اليمين ويرتبون عليه حكمه ..
الاستثناء بالنية:
قال فقهاء الحنفية أن نية تخصيص العام تصح ديانة لا قضاء خلافا للخصاف فانها تصح عنده قضاء أيضا .. فقد ذكروا أنه اذا حلف لا يأكل طعاما أو لا يشرب شرابا أو لا يلبس ثوبا بأن قال: ان أكلت طعاما أو شربت شرابا أو لبست ثوبا فامرأتى طالق أو فعبدى حر.
ثم قال انه نوى طعاما معينا كالخبز أو نوى شرابا معينا كاللبن أو نوى ثوبا من القطن مثلا فانه يصدق فى قوله هذا ديانة لأنه ذكر لفظا عاما قابلا للتخصيص، وهو قوله - طعاما أو شرابا - وكلها نكرة وقعت فى سياق الشرط فتعم كالنكرة فى سياق النفى فصح تخصيص هذا العام بالنية فاذا قال نويت معينا بما حلفت عليه قبل منه ذلك وصدق فيه ديانة أى فيما بينه وبين الله تعالى باجماع فقهاء الحنفية، ولا يصدق قضاء أى لا يصدقه القاضى اذا كان فى خصومة وتوجهت عليه اليمين وحلف بصيغة العام وقال نويت به معينا وقال الخصاف يصدق قضاء أيضا، وقد قيل انه اذا كان محلفه ظالما وحلف ونوى تخصيص العام وعلم القاضى بحالة لا يقضى عليه بل يصدقه أخذا بقول الخصاف وفى ابن عابدين قال فى الفتاوى الهندية عن الخلاصة ما حاصله: أراد السلطان استحلافه بأنك ما تعلم غرماء فلان وأقرباءه ليأخذ منهم شيئا بغير حق لا يسعه أن يحلف والحيلة أن يذكر اسم الرجل وينوى غيره وهذا صحيح عند الخصاف لا فى ظاهر الرواية فان كان الحالف مظلوما يفتى بقول الخصاف.
ونية تخصيص العام نوع من الاستثناء وصورة من صوره، اذ هى اخراج بعض ما تناوله اللفظ ولولا هذا الاخراج لدخل.
والحنفية متفقون على أن العرف اللفظى مخصص للعام، وقال بعضهم ان العرف العملى كذلك مخصص للعام كحرمت الطعام على نفسى وعرفهم وعادتهم أكل البر انصرف اليه كالعرف
стр. 1593
اللفظى فى الدراهم على النقد الغالب.
وفى بحث التخصيص من التحرير فى قول الحنفية للكمال ابن الهمام «مسألة» العادة العرف العملى مخصص عند الحنفية خلافا للشافعية، وقد حكى اختلاف الحنفية فى ذلك.
غير أن التخصيص بالعرف اللفظى أو العملى ليس استثناء ولا يعد من بابه هنا اذ لا دخل للمتكلم فى هذا التخصيص وانما هو فى تطبيق الفقيه والمفتى.
مذهب المالكية:
الاستثناء فى اليمين عند المالكية يكون بالمشيئة ويكون بألا أو احدى أخواتها - وهو بالمشيئة يكون بان شاء الله أو لا أن يشاء الله كأن يقول: والله لأفعلن كذا ان شاء الله - أو والله لا أفعل كذا الا أن يشاء الله واطلاق الاستثناء على ان شاء الله حقيقة عرفية وان كان مجازا فى الاصل لانه فى الحقيقة شرط، ويكون فى الحلف بالله فقط يمينا منعقدة كأن يحلف على أمر مستقبل لقصد البر كما فى المثالين المذكورين أو يمينا غموسا وهى ما يحلف على أمر اثباتا أو نفيا مع تيقن الكذب أو مع الشك أو الظن فى حصول المحلوف عليه نحو والله ان زيدا قد جاء أو أن محمدا قد نجح مع أنه لم يجئ أو لم ينجح أو مع الشك أو الظن بذلك ومثل الا أن يشاء، الا أن يريد الله أو الا أن يقضى الله على الأظهر، اذ قد وقع خلاف فى هذين اللفظين والأظهر الجواز كما فى المشيئة ويكون الاستثناء بان شاء الله فى النذر المبهم وهو الذى لم يعين مخرجه نحو على نذر لا أفعل كذا أو لأفعلن كذا ان شاء الله والاستثناء على هذه الصورة يفيد الحالف وتكون نتيجته عدم لزوم الكفارة فى اليمين عند الحنث وهذا باتفاق واختلف فى حله اليمين وازالتها من أصلها على قولين، وتظهر فائدة الخلاف فيمن حلف واستثنى ثم حلف انه ما حلف، وفيمن حلف انه لا يحلف ثم حلف واستثنى فيحنث فيهما على رأى من يقول انه يرفع الكفارة ولا يحل اليمين، ولا يحنث على الرأى الثانى القائل انه يحل اليمين ويرفع الكفارة واذا حلف لا يكفر فحلف واستثنى فلا شئ عليه فيهما.
والاستثناء بألا أو احدى أخواتها وهى خلا وعدا وحاشا وليس ولا يكون مثل والله لا أدخل دار زيد الا أن يشاء الله أو ما خلا الله أو ما حاشا الله أو ما عدا الله. أو ليس الله، أو لا يكون الله ..
وكذلك ما فى معنى الاستثناء من شرط أو صفة أو غاية مثل والله لا أدخل دار زيد ان كان فيها أو لا أدخل دار زيد الجديدة أو الفلانية أو مدة غيبته أو مرضه أو الى آخر الشهر.
ويكون هذا النوع من الاستثناء فى الحلف بالله تعالى فقط أيضا ويعم جميع صوره ومتعلقاته مستقبله أو ماضيه منعقدة كانت اليمين أو غموسا فمن حلف
стр. 1594
ليشربن ماء البحر الا أكثره أو ليحملن الجبل شيئا منه على اعتبار أن بدل البعض استثناء فى المعنى لا أثم عليه فى اليمين وهذه هى فائدة الاستثناء فى ذلك، وقيل ان هذا النوع من الاستثناء يجرى فى جميع الايمان سواء كانت بالله تعالى على نحو ما ذكر أو كانت بالطلاق نحو أنت طالق ثلاثا ان دخلت الدار الا واحدة أو بالعتق، نحو عبيدى أحرار ان صاموا رمضان الا واحدا فان هذا الاستثناء ينفع ويترتب عليه حكمه فتطلق ثنتين ويعتق العبيد الا واحدا وحينئذ يختص الاستثناء بالاستثناء بالا دون المشيئة لانها لا تعمل فى الطلاق والعتق عندهم ويشترط لاعتبار الاستثناء وترتب أثره عليه سواء كان بالمشيئة أو بألا أو اخواتها أن يكون متصلا والمعتبر اتصاله بالمقسم عليه حيث تعلق الاستثناء به نحو والله لأشربن البحر الا أكثره أو الا أن يشاء الله واما أن تعلق بالمقسم به كما فى الطلاق حيث يكون الاستثناء بألا أو احدى أخواتها فهل لا بد من اتصاله بالمقسم به نحو عليه الطلاق ثلاثا الا واحدة لا يفعل كذا أو ليفعلن كذا أو يكتفى باتصاله بالمقسم عليه نحو عليه الطلاق ثلاثا بألا يفعل كذا أو ليفعلن كذا الا واحدة، خلاف فان لم يتصل الاستثناء على النحو المذكور لم يفد ولا يترتب عليه حكم سواء فى المشيئة أو الاستثناء بالاداة، ويغتفر الفصل لعارض لا يمكن دفعه كسعال أو عطاس أو انقطاع نفس أو تثاؤب وان اجتمعت هذه الأمور أو تكررت أما الفصل بأجنبى كرد السلام أو حمد العاطس أو تشميته فانه يضر.
وان ينوى الاستثناء لا أن جرى على لسانه سهوا فلا يفيد حينئذ مشيئة كان أو غيرها.
وان يقصد بالاستثناء حل اليمين من أول النطق بالله أو فى أثناء اليمين أو بعد فراغ من اليمين بدون فصل ولو بتذكر آخر كأن يقول شخص للحالف وهو يحلف: قل الا أن يشاء الله فيقولها عقب فراغه من المحلوف عليه دون فصل، فان فعل ذلك نفعه الاستثناء وترتب عليه حكمه. وهذا احتراز عن ذكر الاستثناء بقصد التبرك بان شاء الله وعن عدم القصد لشئ. وان ينطق بالاستثناء ولو سرا بحركة اللسان. وهذا اذا لم يكن الحلف فى حق وجب عليه أو شرط فى نكاح أو عقد بيع، فان كان الحلف فى شئ من ذلك لم ينفعه الاستثناء سرا بحركة اللسان وتلزمه الكفارة شرعا وهذا عند سحنون وأصبغ وابن المواز لأن اليمين حينئذ على نية المحلف عندهم وهو لا يرضى بالاستثناء فلو قيل ينفع الاستثناء سرا يكون على غير رضاه ويكون مضرا به وهذا لا يجوز، وخالف ابن القاسم فى العتبية وقال ينفع الاستثناء فيما ذكر ولو سرا فلا تلزمه الكفارة وان كان يحرم عليه بمنعه حق الغير، وما قاله ابن القاسم خلاف المشهور.
ولا يشترط التلفظ بالاستثناء ولو سرا
стр. 1595
فى حلف الشخص بقوله: الحلال على حرام أو كل حلال على حرام لا أفعل كذا أو لأفعلن كذا، اذا قصد الحالف اخراج زوجته من هذا اليمين بحيث لا تحرم عليه ولا يلزمه فيها شئ اذا حنث فى يمينه بفعل المحلوف عليه فى الأول أو بعزمه على عدم الفعل فى الثانى.
لا يشترط التلفظ بالاستثناء فى هذا بل تكفى فيه النية أولا أى قبل التلفظ باليمين أو فى أثناء النطق به على الخلاف فى ذلك ولو مع قيام البينة واختلف هل يحلف على ما ادعاه من الاخراج والعزل أو لا يحلف ويصدق بمجرد دعواه العزل والاخراج الا أن يكون الأمر متعلقا بوثيقة حق فلا ينفعه العزل على الأصح.
فاذا قال الحالف: الحلال على حرام أو كل حلال على حرام لا أفعل كذا أو لأفعلن كذا ونوى عزل زوجته واخراجها من هذا اليمين وقصد به ما عداها من الحلال، ثم حنث فى يمينه بأن فعل المحلوف عليه فى الأول أو عزم على عدم فعله فى الثانى لا تحرم الزوجة لأن اللفظ العام وهو الحلال أو كل أريد به الخصوص وهو ما عدا الزوجة بخلاف الاستثناء فانه لا خراج ما تناوله اللفظ أو لا فهو من العام المخصوص وهو الذى عمومه مراد تناولا لا حكما لقرينة التخصيص بالاستثناء وليست المسألة المذكورة من قبيل الاستثناء لانعدام القرينة اللفظية الدالة على عدم تعلق الحكم فيها بالزوجة اذ النية أمر خفى لا اطلاع لأحد عليه.
واشترط سبق النية على التلفظ باليمين أو مقارنتها للنطق به على الخلاف كما ذكرنا لأنها لو تأخرت عن اليمين وطرأت بعد النطق به لا تكفى ولا بد من الاستثناء نطقا متصلا مستوفيا جميع الشروط التى أشير اليها.
وهذه المسألة تسمى عند فقهاء المالكية - المحاشاة لأن الحالف فيها حاشا الزوجة أولا وأخرجها من يمينه.
وهل المحاشاة قاعدة مطردة وان مسألة الحلال على حرام أو كل حلال على حرام فرد من أفرادها وصورة من صورها أو انها خاصة بمسألة الحلال على حرام؟ خلاف (١).
مذهب الشافعية:
تجمع كتب الشافعية على أن التعليق بالمشيئة كما يرفع حكم الطلاق ويمنع ثبوته - يمنع تعليق الطلاق على شرط آخر كقوله أنت طالق ان دخلت الدار ان شاء الله، ويمنع العتق تنجيزا كقوله: أنت حر ان شاء الله أو تعليقا كقوله: أنت حر ان صمت رمضان ان شاء الله ويمنع اليمين كقوله: والله لأفعلن كذا ان شاء الله والنذر كقوله: لله على أن أصوم غدا ان شاء الله، وكل تصرف غير ما ذكر من كل عقد وحل واقرار ونية عبادة ..
وهذا صريح فى أن الشافعية يصححون الاستثناء بالمشيئة فى نية العبادة
стр. 1596
ويقولون ان المشيئة تمنع انعقاد هذه النية فلو انه تلفظ بنية الصوم وقال ان شاء الله متصلا بطلت المشيئة على خلاف ما ذكرناه عن الحنفية.
وقد جاء فى كتاب الأم للامام الشافعى رضى الله تعالى (١) عنه قيل للشافعى رحمه الله تعالى: فانا نقول فى الذى يقول: والله لا أفعل كذا وكذا ان شاء الله - انه ان كان أراد بذلك الثنيا فلا يمين عليه ولا كفارة ان فعل وان لم يرد بذلك الثنيا، وانما قال ذلك لقول الله : «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ» أو قال: ذلك سهوا أو استهتارا فانه لا ثنيا، وعليه الكفارة ان حنث وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وانه ان حلف فلما فرغ من يمينه فسق الثنيا بها، أو تدارك اليمين بالاستثناء بعد انقضاء يمينه ولم يصل الاستثناء باليمين فانه ان كان فسقا بها تباعا فذلك له استثناء وان كان بين ذلك صمات فلا استثناء له.
قال الشافعى رحمه الله تعالى: من قال والله أو حلف بيمين ما كانت بطلاق أو عتاق أو غيره أو أوجب على نفسه شيئا ثم قال ان شاء الله موصولا بكلامه فقد استثنى ولم يقع عليه شئ من اليمين وان حنث، والوصل أن يكون كلامه فسقا وان كان بينه سكتة كسكتة الرجل بين الكلام للتذكر أو العى أو النفس أو انقطاع الصوت ثم وصل الاستثناء فهو موصول .. وانما القطع ان يحلف ثم يأخذ فى كلام ليس من اليمين من أمر أو نهى أو غيره أو يسكت السكات الذى يبين أنه يكون قطعا فاذا قطع ثم استثنى لم يكن له الاستثناء .. فان حلف فقال:
والله لأفعلن كذا وكذا الا أن يشاء فلان فله أن يفعل ذلك الشئ حتى يشاء فلان فان مات أو خرس أو غاب لم يفعل ..
وان قال: لا أفعل كذا وكذا الا أن يشاء فلان فليس له أن يفعل ذلك الشئ الا أن يشاء فلان فان مات فلان أو خرس لم يكن له أن يفعل ذلك الشئ حتى يعلم ان فلانا شاء قال الشافعى رحمه الله تعالى:
وان حلف فقال: والله لأفعلن كذا وكذا لوقت الا أن يشاء فلان لم يحنث ان شاء فلان، وان مات فلان أو خرس أو غاب حتى يمضى وقت يمينه حنث لأنه انما يخرجه من الحنث مشيئة فلان .. ولو كانت المسألة بحالها فقال: والله لا أفعل كذا وكذا الا أن يشاء فلان .. لم يفعل حتى يشاء فلان، وان غاب فلان فلم يعرف شاء أو لم يشأ لم يفعل، فان فعله لم أحنثه من قبل انه يمكن أن يكون فلان شاء.
فالشافعية يصححون الاستثناء فى اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتاق أو غير ذلك وفى النذر ويقولون ان التعليق والربط بمشيئة الله تعالى تمنع انعقاد
стр. 1597
اليمين والنذر ولا يحنث الحالف فى اليمين فعل أو ترك كما لا يلزم الناذر شئ مما أوجبه على نفسه .. وذلك بشرط أن يكون ذكر المشيئة متصلا بالكلام باليمين لا يفصل بينهما كلام ليس من اليمين أو سكوت طويل بدون عذر ولا مقتض من تنفس أو عطاس أو نحو ذلك ..
ويشترط أن يقصد به الاستثناء دون التبرك أو التأسى أو السهو أو الاستهتار فان قال: والله لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا أو حلف بأى يمين أخرى بطلاق أو عتاق أو غير ذلك أو أوجب على نفسه شيئا بطريق النذر بأن قال: لله على أن أصوم كذا أو أتصدق بكذا، ثم قال: بعد ذلك كله ان شاء الله موصولا بكلامه وقصد بهذا القول الاستثناء ولم يقله على سبيل السهو أو الاستهتار ولم يقصد به التبرك أو الائتناس بالقرآن الكريم فى قول الله: «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ» اذا فعل ذلك على هذا الوضع، كان مستثنيا ولم يقع عليه شئ من اليمين وان حنث ولم يلزمه شئ مما أوجبه على نفسه بالنذر ويستوى فى ذلك أن يتقدم الشرط أو يتأخر.
هذا فى التعليق على مشيئة الله تعالى والربط بها، أما التعليق على مشيئة الشخص كقوله: والله لأسافرن ان شاء زيد يرتبط الامر بمشيئة زيد فان شاء لزمه السفر والا حنث وان لم يشأ لم يلزمه السفر وان لم تعلم مشيئته لموت أو خرس أو غيبة لم يحنث لأنه لم يوجد الشرط، وهو العلم بمشيئة زيد.
وان قال: والله لأخرجن من المنزل الا أن يشاء زيد فقد ألزم نفسه الخروج الا أن يشاء زيد عدم خروجه، فيما لم يشأ زيد عدم خروجه له ان يخرج واذا خرج فقد بر فى يمينه، واذا شاء زيد فليس له أن يخرج وان خرج حنث وان جهلت المشيئة أو شك فى حصولها لموت أو خرس أو غيبة لا يخرج لأن خروجه تعلق على مشيئة زيد عدم الخروج أو على عدم مشيئة زيد خروجه، ولم توجد هذه ولا تلك.
وان قال: والله لا أخرج الا أن يشاء زيد، فليس له أن يخرج الا أن يشاء زيد خروجه، وان جهلت المشيئة أو شك فى حصولها لموت أو خرس أو غيبة فليس له أن يخرج حتى يعلم ان زيدا قد شاء الخروج.
وان قيد المحلوف عليه بوقت بأن قال:
والله لأخرجن اليوم الا أن يشاء زيد، ثم خرج فى اليوم بعد مشيئة زيد حنث، وان خرج مع جهالة المشيئة وشك فى حصولها بقية اليوم حنث لأنه انما يخرجه من الحنث مشيئة زيد بالفعل وهو ما لم يحصل .. وان قال: والله لا أخرج اليوم الا أن يشاء زيد لا يخرج الا أن يشاء زيد وان خرج بدون المشيئة حنث
стр. 1598
وان غاب زيد فلم يعرف شاء او لم يشأ لا يخرج لعدم التأكد من تحقق الشرط، وان خرج لا يحنث لاحتمال تحقق الشرط وهو المشيئة ومن الممكن أن يقال ذلك فى صور الشك كلها .. ويستوى فى ذلك كله أن يتأخر الشرط عن اليمين أو يتقدم عليها (١).
مذهب الحنابلة:
واذا حلف (٢) فقال ان شاء الله تعالى فان شاء فعل وان شاء ترك ولا كفارة عليه اذ لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام وجملة ذلك أن الحالف اذا قال ان شاء الله مع يمينه فهذا يسمى استثناء، فان ابن عمر رضى الله عنهما روى عن النبى ﷺ أنه قال: «من حلف فقال ان شاء الله فقد استثنى» رواه أبو داود. وأجمع العلماء على تسميته استثناء، وأنه متى استثنى فى يمنيه لم يحنث فيها ..
والأصل فى ذلك قول النبى ﷺ : «من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث» رواه الترمذى .. ولأنه متى قال لأفعلن ان شاء الله فقد علمنا أنه متى شاء الله فعل ومتى لم يفعل لم يشأ الله ذلك فان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ويشترط أن يكون الاستثناء متصلا باليمين بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبى ولا يسكت بينهما سكوتا يمكنه الكلام فيه، فأما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أو عى أو عارض من عطشه أو شئ غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت حكمه. وبهذا قال مالك والشافعى وأصحاب الرأى لأن النبى ﷺ قال: من حلف فاستثنى، وهذا يقتضى كونه عقيبه، ولأن الاستثناء من تمام الكلام فاعتبر اتصاله به كالشرط وجوابه وخبر المبتدأ والاستثناء بألا ..
وعن أحمد رواية أخرى أنه يجوز الاستثناء اذا لم يطل الفصل بينهما، قال فى رواية المروزى حديث أبن عباس أن النبى ﷺ قال: «والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: ان شاء الله» انما هو استثناء بالقرب ولم يخلط كلامه بغيره .. وقال قتادة: له أن يستثنى قبل أن يقوم أو يتكلم واحتج بحديث - لأغزون قريشا.
ويشترط أن يستثنى بلسانه ولا ينفعه الاستثناء بالقلب فى قول عامة أهل العلم .. لان النبى ﷺ قال: (من حلف فقال ان شاء الله) والقول هو النطق. ولان اليمين تنعقد بالنية فكذا الاستثناء. وقد روى عن أحمد أنه أن كان مظلوما فاستثنى فى نفسه رجوت أن يجوز اذا خاف على نفسه، فهذا فى حق الخائف على نفسه لان يمينه غير منعقدة أو لانه بمنزلة المتأول، وأما فى حق غيره فلا، وقد تقدم فى الكلام على أحكام الاستثناء
стр. 1599
فى الطلاق أن هناك ما يصح نطقا واذا نواه بالقلب يدين فيما بينه وبين الله تعالى وذلك مثل تخصيص العام أو استعمال اللفظ فى مجازه مثل أن يقول نسائى طوالق يريد بعضهن أو ينوى بقوله أنت طالق من الوثاق، فهذا يقبل اذا نواه فيما بينه وبين الله تعالى وهل يقبل فى الحكم؟ روايتان أحداهما يقبل لانه فسر كلامه بما يحتمله، والثانية لا يقبل لانه خلاف الظاهر. اللهم ألا أن يفرق بين الطلاق واليمين.
واشترط القاضى أن يقصد الاستثناء فلو أراد الجزم فسبق لسانه الى الاستثناء من غير قصد أو كانت عادته جارية بالاستثناء فجرى لسانه على العادة من غير قصد لم يصح الاستثناء لان اليمين لما لم ينعقد من غير قصد فكذلك الاستثناء وهذا مذهب الشافعية. وذكر بعضهم أنه لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتداء يمينه، فلو حلف غير قاصد للاستثناء ثم عرض له بعد فراغه من اليمين فاستثنى لم ينفعه ولا يصح لان هذا يخالف عموم الخبر، فان النبى ﷺ قال: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث) ولان لفظ الاستثناء يكون عقيب يمينه فكذلك نيته.
ويصح الاستثناء فى كل يمين تكون فيها الكفارة عند الحنث كاليمين بالله تعالى والظهار والنذر .. قال ابن أبى موسى من استثنى فى يمين تدخلها كفارة فله ثنياه لانها أيمان مكفرة فدخلها الاستثناء كاليمين بالله تعالى .. فلو قال: أنت على كظهر أمى ان شاء الله تعالى، أو أنت على حرام ان شاء الله أو ان دخلت فأنت على كظهر أمى ان شاء الله. أو لله على أن أتصدق بمائة درهم ان شاء الله لم يلزمه شئ لانها ايمان فتدخل فى عموم قوله ﷺ (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث).
ويتفرع على ذلك انه لو قال: والله لأشربن اليوم الا ان يشاء الله أو لا أشرب الا أن يشاء الله لم يحنث بالشرب ولا بتركه لما ذكرنا من الاثبات. ولا فرق بين تقديم الاستثناء وتأخيره فى هذا كله، فاذا قال: والله ان شاء الله لا أشرب اليوم أو لأشربن ففعل أو ترك لم يحنث لان تقديم الشرط وتأخيره سواء. وقال الله تعالى: «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ، وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ»﴾.
أما اذا علق على مشيئة شخص فان الامر يرتبط بمشيئته وجودا وعدما ويترتب الحنث أو البر على الفعل أو الترك تبعا للمشيئة وعدمها.
فلو قال: والله لأشربن اليوم ان شاء زيد فشاء زيد لزمه الشرب، فان تركه حتى مضى اليوم حنث، وان لم يشأ زيد لم يلزمه يمين، فان لم تعلم مشيئته لغيبته أو جنون أو موت انحلت اليمين لانه لم يوجد الشرط.
стр. 1600
وان قال: والله لا أشرب الا أن يشاء زيد فقد منع نفسه الشرب ألا أن توجد مشيئة زيد فان شاء فله الشرب، وان لم يشأ لم يشرب وان خفيت مشيئته لغيبة أو موت أو جنون لم يشرب وان شرب حنث لانه منع نفسه الا أن توجد المشيئة فلم يكن له أن يشرب قبل وجودها.
وان قال: والله لأشربن الا أن يشاء زيد فقد ألزم نفسه الشرب الا أن يشاء زيد أن لا يشرب لان الاستثناء ضد المستثنى منه والمستثنى منه ايجاب لشربه بيمينه فان شرب قبل مشيئة زيد بر فى اليمين، وان قال زيد قد شئت أن لا يشرب انحلت اليمين لأنها معلقة لعدم مشيئته لترك الشرب ولم تنعدم فلم يوجد الشرط .. وان قال:
قد شئت ان يشرب أو ما شئت ان لا يشرب لم تنحل اليمين لان هذه المشيئة غير المستثناه، فان خفيت مشيئته لزمه الشرب لانه علق وجوب الشرب بعدم المشيئة وهى معدومة بحكم الاصل .. وان قال:
والله لا أشرب اليوم ان شاء زيد فقال زيد:
قد شئت ان لا تشرب فشرب حنث، وان شرب قبل مشيئته لم يحنث لان الامتناع من الشرب معلق بمشيئته ولم تثبت مشيئته فلم يثبت الامتناع بخلاف التى قبلها ..
وان خفيت مشيئته فهى فى حكم المعدومة ..
والمشيئة فى هذه المواضع أن يقول بلسانه.
واذا استثنى فى الطلاق والعتاق بأن قال لزوجته: أنت طالق ان شاء الله أو قال لعبده: أنت حر ان شاء الله، أو علق ذلك على شرط كقوله أنت طالق أو أنت حر ان دخلت الدار ان شاء الله - فقد اختلفت الروايات عن الامام أحمد رحمه الله تعالى فأكثر الروايات عنه أنه توقف فى الجواب لاختلاف الناس فيهما وتعارض الادلة. وفى موضع قطع بأن الاستثناء فيهما لا ينفع المستثنى ويقع الطلاق والعتاق لانهما ليسا من الايمان فلا يدخلان فى قول النبى ﷺ (من حلف على يمين فقال ان شاء الله لم يحنث) والقول بأنهما علقا على مشيئة الله تعالى وهى لا تعلم فيقع الطلاق والعتاق غير مسلم لان مشيئة الله الطلاق تعلم متى باشر الآدمى سببه وهو اللفظ … وعنه ما يدل على أن الاستثناء ينفع فيهما ولا يقعان وهو قول كثير من أهل العلم لعموم قوله ﷺ : (من حلف على يمين فقال ان شاء الله لم يحنث - وحكى عنه أن الاستثناء لا ينفع فى العتق فيقع وينفع فى الطلاق فلا يقع وعلله ﵀ بأن العتق لله بخلاف الطلاق فانه يتقرب به اليه. ولان من نذر العتق لزمه الوفاء به ومن نذر الطلاق لا يلزمه الوفاء به فافترقا، وروى عن الامام أحمد أنه اذا علق الطلاق أو العتق على شرط بأن قال: أنت طالق ان دخلت الدار ان شاء الله ينفع الاستثناء ولا تطلق لانه يكون يمينا حينئذ ويدخل فى عموم الحديث السابق، أما بدون تعليق فلا يسمى يمينا.
стр. 1601
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): من حلف على شئ ثم قال موصولا بكلامه ان شاء الله تعالى أو الا أن يشاء الله أو الا أن لا يشاء الله أو نحو هذا، أو قال: الا أن أشاء، أو الا أن لا أشاء، أو الا أن بدل الله ما فى قلبى، أو الا أن يبدو لى أو الا أن يشاء فلان، أو أن شاء فلان - فهو استثناء صحيح وقد سقطت اليمين عنه بذلك ولا كفارة عليه ان خالف ما حلف عليه. فلو لم يصل الاستثناء بيمينه لكن قطع قطع ترك للكلام ثم ابتدأ الاستثناء لم ينتفع بذلك وقد لزمته اليمين فان حنث فيها فعليه الكفارة .. ولا يكون الاستثناء الا باللفظ وأما بنية دون لفظ فلا .. لقول الله تعالى «وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ» فهذا لم يعقد اليمين ونحن على يقين من أن الله تعالى لو شاء تمام تلك اليمين لانفذها وأتمها فاذا لم ينفذها ولا أتمها فنحن على يقين من أنه تعالى لم يشأ كونها، وهو انما التزمها ان شاء الله تعالى، والله تعالى لم يشأها فلم يلتزمها قط ..
وكذلك اشتراطه مشيئة نفسه أو مشيئة زيد لأن مشيئته لا تعلم الا من قبله فهو مصدق فيها ومشيئة زيد لا ندرى أصدق فى دعواه أنه شاء أو لم يصدق، ولا ندرى أيضا أصدق فى دعواه انه لم يشأ أو لم يصدق؟ فلسنا على يقين من لزوم هذه اليمين التى حلف بها فلم يجز أن تلزمه كفارة بالشك.
وفى الحديث عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث)، فهذا دليل فى مشيئة الله. وروى عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ من حلف فاستثنى فان شاء رجع وان شاء ترك غير حنث فهذا عموم لكل استثناء كما ذكرنا.
وقوله ﷺ فقال: ان شاء الله، أو فاستثنى - يقتضى القول والقول لا يكون الا باللسان ولا يكون بالنية أصلا وقال قوم ان استثنى فى نفسه أجزأه وعن ابراهيم النخعى قال:
لا حتى يجهر بالاستثناء كما جهر باليمين وعن حماد فى الاستثناء ليس بشئ حتى يسمع نفسه، وعن الحسن البصرى اذا حرك لسانه أجزأ عنه الاستثناء ..
قال أبو محمد وبهذا نقول لانه قول صحيح يعنى حركة اللسان وأما وصل الاستثناء باليمين فان أبا ثور قال: لا يكون مستثنيا حتى ينوى الاستثناء فى حين نطقه باليمين لا بعد تمامها لأنه اذا أتم اليمين ولم ينو فيها الاستثناء كان قد عقد يمينه فلزمته، ولا ينفع الاستثناء، قال أبو محمد ولا يعترض بالنظر (الرأى) على حديث رسول الله ﷺ فقد قال ﵇: (من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث) فأثبت له اليمين أولا ثم أسقطها ﷺ عنه بقوله فقال ان شاء الله -
стр. 1602
لأن الفاء تعطى أن يكون الثانى بعد الاول بلا مهلة فصح ما قلناه.
وقالت طائفة: الاستثناء جائز أبدا متى أراد أن يستثنى كما روى عن ابن عباس انه قال: له ثنياه بعد كذا وكذا - قيل بعد سنين وقيل بعد أربعة أشهر وقيل بعد شهر وقيل متى ذكر، وقيل مادام فى المجلس - وقال بعضهم لو كان ما قال ابن عباس ما لزمت أحدا كفارة أبدا.
واستدل ابن حزم على ما اختاره من لزوم الوصل باليمين بقوله تعالى ﴿(وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ … )﴾ فقد أوجب الله تعالى الكفارة على من عقد اليمين. والحديث المار جعل الاستثناء مردودا على اليمين بالفاء فى لغة العرب فوجب تعقيبا بلا مهلة.
ويمين الابكم واستثناؤه لازمان على حسب طاقته من صوت بصوته أو اشارة تصدر عنه ان كان مصمتا لا يقدر على أكثر من ذلك اذ الابكم والمصمت مخاطبان بشرائع الاسلام كغيرهما. وقد قال الله تعالى ﴿(لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها)﴾ وقال رسول الله ﷺ (اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) توجب عليهما من التكاليف ما استطاعاه ولزم أن يسقط عنهما ما ليس فى وسعهما وأن يقبل منهما ما يخبران به عن أنفسهما حسب ما يطيقان والأيمان أخبار من الحالف عن نفسه فيلزمهما ما التزماه.
ومن حلف ايمانا على أشياء كثيرة على كل شئ منها يمين مثل، والله لا أكلت اليوم.
وو الله لا كلمت زيدا. والله لا دخلت داره ونحو ذلك فهى أيمان كثيرة، أن حنث فى شئ منها فعليه كفارة فيه فان عمل آخر فكفارة أخرى فان عمل ثالثا فكفارة ثالثة وهكذا ما زاد. لانها ايمان متغايرة وأفعال متغايرة وأحناث متغايرة ان حنث فى يمين لم يحنث بذلك فى أخرى بلا شك، فلكل يمين حكمها.
فلو حلف كذلك ايمانا كثيرة على أشياء كثيرة على كل منها يمين ثم قال فى آخرها ان شاء الله أو استثنى بشئ ما، فهل يرجع الاستثناء الى كل هذه الأيمان أو يرجع الى بعضها، أو ان الامر منوط بنيته؟ خلاف. قال قوم: ان كان كل ذلك موصولا يرجع الى نيته ويصدق فيما قال فان قال:
أردت بالاستثناء جميع الايمان فلا حنث عليه فى شئ منها، وأن قال: نويت آخرها فهو كما قال .. وقال أبو ثور: الاستثناء راجع الى جميع الايمان، وقال أبو حنيفة: لا يكون الاستثناء الا لليمين التى تلى الاستثناء جميعا على رأى الحنفية فى الاستثناء والصفة والشرط والغاية اذا وقعت بعد جمل معطوف بعضها على بعض بالواو حيث قالوا انها ترجع الى الجملة الاخيرة.
стр. 1603
قال أبو محمد وبهذا نأخذ - لانه قد عقد الأيمان السالفة ولم يستثن فيها وقطع الكلام فيها وأخذ فى كلام آخر فبطل أن يتصل الاستثناء بها فوجب الحنث فيها ان حنث والكفارة. وكان الاستثناء فى اليمين التى اتصل بها.
مذهب الزيدية:
ويصح الاستثناء فى اليمين عند الزيدية لقوله ﷺ (من استثنى فله ثنياه) والثنيا بالضم - كالرجعى والبشرى - الاستثناء. سواء كان من المحلوف منه كقوله. والله لا أكلم الناس الا زيدا أو لا ألبسن الثياب الا الحرير أو لا آكلن الطعام الا البر حيث يحلف من الجنس العام ويستثنى بعض أفراده فالاستثناء هنا من المحلوف منه. أو كان من المحلوف عليه. كأن يحلف على نسائه ليدخلن الدار الا فاطمة. فهذا استثناء من المحلوف عليه.
ويشترط فى الاستثناء أن يكون متصلا وقول ابن عباس يصح متراخيا. وما ورد من التحديد بسنة أو أقل أو أكثر ليس القصد منه التحديد بمدة وأنما الغرض منه أن الفصل بزمن لا يضر طال هذا الزمن أو قصر.
وأن لا يكون مستغرقا للمستثنى منه.
فان كان مستغرقا بطل الاستثناء وبقى المستثنى منه تابعا .. وفى حكم المستغرق كل عبد لى حر الا هذا وليس له عبد سواه. وكل زوجة لى طالق الا هذه ولا زوجة له سواها بخلاف ما لو قال: هاتان طالقتان وأشار الى زوجتين له الا هذه.
أو قال زينب وفاطمة طالقتان الا فاطمة حيث لا يصح الاستثناء لانه يكون رجوعا عن الطلاق بعد وقوعه بالفعل نتيجة للتعيين بالاشارة أو بالاسم فى المستثنى منه ولانه عموم فى المستثنى منه كما هو ظاهر.
ويشترط أن يكون الاستثناء ملفوظا فلا يجوز الاستثناء بالنية الا فيما بينه وبين الله فقط حيث يجوز ويصدق فيما نواه سواء كان لفظ العام المستثنى منه والذى أريد تخصيصه بالنية أو أريد به خاص.
ملفوظا ومنطوقا به فى الكلام أولا. فلو قال: والله لا آكل الطعام وقال: نويت به البر أو قال: نويت الا البر صح فيهما وصدق فيما قاله ويكون من قبيل العام الذى أريد به الخصوص فى الاول ومن قبيل العام المخصوص فى الثانى .. وكذلك لو قال:
والله لا أكلم الناس وقال قصدت به عمرا أو قصدت الا عمرا. فالعام المستثنى منه مذكور ومنطوق به فى المثالين .. ولو قال:
والله لا أكلم زيدا .. أو والله لا آكل ..
وقال: أردت عاما فى الاول وهو لا أكلم زيدا بشئ أولا أكلمه أبدا. وأردت عاما فى الثانى وهو لا آكل شيئا - صح ذلك منه ويصح أن يستثنى من هذا العام المقدر ما شاء بالنية كأن يقول: عنيت الكلام فى شأن معين أو الا أشارة. أو يقول: عنيت لا آكل مطبوخا أو ألا خبزا.
стр. 1604
وقال البعض: لا يصح الاستثناء بالنية الا اذا كان المستثنى منه ملفوظا حيث يقتصر التقدير على المخرج. أما تقدير المخرج والمخرج منه فانه يفتح بابا واسعا للتأويل والخروج من التبعات والالتزامات وليس كل انسان يخاف الله ويقدر عاقبة الامور.
ولا يقبل الاستثناء بالنية فى القضاء والحكم عند الكل لان الاحكام لا تبنى على النوايا وانما تبنى على الظاهر وهذا فى الطلاق والعتاق اذا نازعت الزوجة فى الطلاق أو نازع العبد فى العتق ولم يصادقا وقيل ان ربط القبول فى العتق بمصادقة العبد فيه نظر لأن العتق حق الله تعالى وقيل ان مصادقة العبد انما هى فى عدم حصول شرط العتق لا فى العتق نفسه. أما فى الحلف بالله تعالى فيقبل الاستثناء بالنية فى القضاء والحكم.
ولا يصح الاستثناء بالنية اذا كان المستثنى منه عددا منصوصا معينا فى النفى نحو أن يحلف لا آكل هذه العشر رمانات ونحو ذلك وينوى بقلبه الا واحدة فان النية لا تكفى هنا بل لا بد من اللفظ والا لم يصح الاستثناء .. وأما فى الاثبات فلا فرق بين العدد المعين وغير المعين فلا يبرأ الا بالجميع حيث لم يستثن وبالبعض الباقى مع الاستثناء من غير فرق بين التعيين وغيره (١).
مذهب الإمامية:
يرى الإمامية أن اتباع مشيئة الله تعالى لليمين يمنع انعقادها وبالتالى لا يكون فيها حنث ولا تجب الكفارة سواء عرفت المشيئة وجودا أو عدما أو لم تعرف. وتعرف المشيئة من متعلق اليمين اذ ينبغى أن يكون متعلقها طاعة واجبا أو مندوبا أو ترك مكروه أو حرام أو مباحا راجحا دينا أو دنيا أو متساويا، وفيما عدا المباح هو مطلوب للشرع على سبيل الامر أو النهى فيعرف وجود المشيئة فى المطلوب على سبيل الامر وعدمها فى المطلوب على سبيل النهى. أما المباح فلا يتعلق به طلب للشارع وبالتالى لا تعرف فيه مشيئة الله تعالى وذهب البعض الى أن التعليق على المشيئة لا يمنع انعقاد اليمين الا فيما لا تعرف فيه المشيئة كالمباح دون الواجب والمندوب وترك الحرام والمكروه لانه متى عرفت مشيئة الله يجرى الامر على حسب تلك المشيئة ويرتبط بها وجودا وعدما كما فى مشيئة الانسان اذا علقت عليها اليمين. وأجيب بأن النص فى الحديث عن أثر المشيئة فى اليمين أناط الامر بقول ان شاء الله وأطلق دون نظر الى معرفة مشيئة الله تعالى وعدم معرفتها ومع وجاهة الرأى لا اجتهاد فى مقابلة النص. ويجب أن تكون المشيئة متصلة باليمين عادة فلا يضر الفصل الاضطرارى لنحو التنفس والسعال الذى لا يعتبر فاصلا عرفا. وان تكون ملفوظة منطوقا بها فلا تصح بالنية وأن يقصد الحالف اليها عند النطق بها وأن
стр. 1605
انتفى القصد عند التلفظ باليمين أما اذا قصد المشيئة عند التلفظ باليمين ثم انتفى القصد عند النطق بها فلا يصح. ولا فرق بين ان يقصد بذكر المشيئة التعليق عليها أو يقصد التبرك لاطلاق حديث النبى ﷺ (من حلف على يمين فقال ان شاء الله فلا حنث) حيث جعل المناط قول ان شاء الله دون نظر الى المقصود منه.
أما التعليق على مشيئة الغير فانه يحبس اليمين ويوقفها على تلك المشيئة ان علق عقدها عليها كقوله: لأفعلن كذا ان شاء زيد فان شاء زيد وجب الفعل ويحنث بالترك.
وان لم يشأ زيد لا يجب الفعل وان جهل الشرط لسبب من الاسباب كالموت أو الخرس أو الغيبة لم ينعقد اليمين ..
وان أوقف اليمين على مشيئة زيد كقوله:
لأفعلن الا أن يشاء زيد انعقدت اليمين ولزمه الفعل ما لم يشأ زيد حلها ويعلق مشيئته عدم الفعل. فلا تبطل الا أن يعلم الشرط وهو المشيئة.
وكذا فى جانب النفى كقوله: لا أفعل كذا ان شاء زيد أو الا أن يشاء زيد حيث يتوقف انتفاء الفعل على مشيئة زيد فى الاول وينتفى بدون المشيئة فى الثانى ..
فلا يحرم الفعل قبل مشيئته ولا يحل قبلها (١).
مذهب الإباضية:
يجرى الاستثناء فى اليمين عند الإباضية بأن يقول الحالف عقيب اليمين - ان شاء الله أو ان أراد أو قضى أو أذن - أو الا أن يشاء الله أو يريد أو يقضى أو يأذن - ونحو ذلك ..
وهل الاستثناء عندهم يحل اليمين بعد انعقادها أو يمنع انعقادها أصلا؟ خلاف.
وعلى هذا أو ذاك فلا حنث فى اليمين ولا كفارة مع الاستثناء … وجوز بعضهم الاستثناء بذكر الله عقب اليمين بأى اسم وبأى عبارة وبأى لغة بجملة أو مفرد وضع للاستثناء أو لم يوضع مثل أن يقول بعد اليمين الله أو رب اغفرلى أو استغفر الله أو ربى أو الرحمن أو الرحيم اذا نوى بذلك الاستثناء .. ويهدم هذا الاستثناء اليمين اذا أريد به الهدم عند من يجيزه ويشترط فى الاستثناء أن يكون متصلا على الصحيح. ولا يضر الفصل لعطس أو تثاؤب أو غلط لسان أو عى أو تنفس أو بلع ريق. ويضر ولا يبقى للاستثناء أثر اذا فصل بكلام أو فعل أو سكوت طويل أو أكل أو شرب .. وقيل يصح الاستثناء ما لم يقم من المجلس أو يأخذ فى عمل آخر يقطعه. وقيل يصح ولو بعد مدة طالت أو قصرت ويشترط أن يكون الاستثناء منطوقا ومتلفظا بحيث يسمع نفسه وقيل غيره. وان حرك لسانه ولم يسمع أذنيه فقولان فلا تكفى نية القلب ولا يصح الاستثناء فى النفى مطلقا وقيل يصح مطلقا. وقيل
стр. 1606
يصح بشرط أن يحلف الشخص بنفسه لا بتحليف غيره له. وقيل ان استحلفه جائر ظلما فله الاستثناء فى نفسه وان استحلفه غيره بحق فلا. وانما اشترط التلفظ بالاستثناء على الصحيح لانه حل أو منع لليمين الذى هو لفظ وما كان لفظ لا ينحل عقده الا بلفظ .. وهذا الخلاف جار فى الحلف هل ينعقد بالنية بلا لفظ أو لا ينعقد الا بلفظ مع القصد.
ويشترط أن يقصد الاستثناء قبل تمام اليمين … وعلى القول باشتراط الاتصال والقصد وهو الصحيح اذا انعدمت هذه الشروط أو بعض منها فهل يهدم الاستثناء اليمين أولا؟ خلاف مثاره هل الاستثناء يحل اليمين أو يمنع انعقادها. فان كان حالا لليمين جاز اتصاله وانفصاله وحدوثه بعد اليمين وقصده معه ..
ويكون هادما لليمين على أى وضع من هذه الاوضاع - وان كان مانعا من انعقاد اليمين لم يكن الا متصلا مقصودا قبل تمام اليمين - بحيث لو لم يكن كذلك لم يهدم اليمين والذى اختاره صاحب النيل أنه يشترط الاتصال والتلفظ وأنه يهدم اليمين، ويستوى أن يكون متأخرا عن اليمين كما هو الأصل أو متقدما عليه.
وهذا كله فى الحلف بالله تعالى أو باسم من اسمائه تعالى أو صفة من صفاته.
أما فى الطلاق والعتاق والظهار. فان خرج مخرج اليمين بأن علق على شرط كقوله:
زوجتى طالق ان دخلت دار فلان ان شاء الله فان الاستثناء يصح ويهدم الطلاق والعتق والظهار. ولا يقع شئ منها معه لأنه يكون يمينا حينئذ. ويشمله حديث من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث.
واذا لم يعلق على شرط فلا يكون يمينا.
ولا ينفع فيه الاستثناء وبالتالى يقع الطلاق والعتق. فلو قال: زوجتى طالق ان شاء الله أو عبدى حر ان شاء الله.
أو زوجتى فلانه على كظهر أمى ان شاء الله. لا ينفعه الاستثناء ويقع الطلاق والعتق وينعقد الظهار .. وقيل ينفع الاستثناء فى ذلك كله سواء كان يمينا أم لم يكن.
ولا ينفع الاستثناء بالنسبة لشئ ماض كما فى اليمين الغموس وهى الحلف على أمر فى الماضى أنه فعله وهو لم يفعله أو أنه لم يفعله وقد فعله أو أنه كان وهو لم يكن أو انه لم يكن وهو قد كان. كو الله لقد فعلت كذا وهو لم يفعله وهكذا فان قال بعد هذا الحلف ان شاء الله لم ينفعه ويحنث من حينه وعليه الكفارة فى ذمته وانما ينفع الاستثناء فى اليمين على أمر مستقبل فعلا كان أو تركا كو الله لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا (١).
الاستثناء فى الوصية والهبة
والبيع والاجارة والعتق
يجرى الاستثناء فى كثير من أبواب الفقه وعقود المبادلات والتصرفات التى نظم الشارع شروطها وأحكامها ومقوماتها
стр. 1607
على أساس من رعاية مصالح الناس وتيسير حياتهم غير الابواب والعقود التى عرضنا لبيان أحكام الاستثناء فيها على شئ من البسط والتفصيل اقتضتهما طبيعة الموضوع .. غير أن الاستثناء فى هذه الابواب والعقود الأخرى لا يأخذ نفس الوضع والطابع الذى أخذه وتميز به فى الابواب التى عرضنا لها من حيث استقلال البحث وتفصيله وتقسيمه وترتيبه وأحكامه وآثاره ومن حيث اضطراده واحتلاله مكانا فى المذاهب المختلفة يختلف ضيقا وسعة وأجمالا وتفصيلا وتفريعا وتطبيقا فقد يجرى الحديث عن الاستثناء فى الابواب والعقود الاخرى فى مسألة أو مسائل محدودة وفى بعض المذاهب دون البعض.
ففى باب الوصية يتحدث الحنفية عن الاستثناء فى مسألة من مسائلها وهى ما اذا أوصى بجارية حامل لشخص واستثنى حملها بأن قال: أوصيت بهذه الجارية لفلان الا حملها، فقالوا: تصح الوصية ويصح الاستثناء. فتنصب الوصية على الجارية وحدها دون الحمل وتستحق بمقتضى الوصية وطبقا لشروطها وأحكامها للموصى له. ويمنع الاستثناء دخول الحمل فيها فلا تشمله ولا يستحق بالوصية ويبقى على ملك الموصى كما كان قبل الوصية.
وانما يصح الاستثناء فى ذلك مع أن اسم الجارية المستثنى منه لا يتناول الحمل المستثنى بحسب الوضع ولا يندرج تحته بطريق القصد وانما يدخل فى الوصية عند الاطلاق وعدم ذكر الاستثناء تبعا لأمه لانه قبل الوضع جزء منها - وقد علمنا أن الاستثناء تصرف لفظى لا يرد الا على ما يتناوله لفظ المستثنى منه وعلى سبيل القصد لا على سبيل الاقتضاء والتضمن وانما صح الاستثناء مع ذلك باعتبار أن القصد منه هو تقرير ملك الموصى فى الحمل كما كان قبل الوصية .. ولان المقرر أنه يصح الايصاء بالحمل منفردا رغم احتمال عدم وجوده وما قد يكون فيه من غرر. لان الوصية ليس عقد معاوضة يترتب على الغرر فيه ضرر - فصح استثناؤه من الوصية لأن القاعدة المقررة عند الحنفية أن ما يجوز أفراده بعقد يصح استثناؤه من ذلك العقد.
ومثل ما ذكر ما لو أوصى بالجارية الحامل لشخص وأوصى بحملها لشخص آخر حيث تصح الوصية فى كل منهما ويستحق الموصى له فيهما ما أوصى له به.
اذ الوصية أخت الميراث والميراث يجرى فى الحمل فكذلك تجرى فيه الوصية:
بخلاف ما لو أوصى بجارية ألا خدمتها حيث لا يصح الاستثناء لأن الميراث لا يجرى فى الخدمة.
ولو وهب جارية ألا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء لان الاستثناء فى العقد بمنزلة الشرط الفاسد. وعقد الهبة لا
стр. 1608
يتأثر بالشروط الفاسدة ولكن يبطل الشرط. فصحت الهبة وبطل الاستثناء بخلاف الوصية حيث يصح فيها الاستثناء لانها أوسع العقود تقبلا للشروط.
والاصل فى تشريعها تحقيق الخير والنفع فينبغى تيسير الوصول الى ذلك.
وبناء على القاعدة المذكورة وهى أن ما جاز افراده بعقد صح استثناؤه من هذا العقد: منع الحنفية استثناء الحمل فى البيع لأنه لا يجوز ايراد عقد البيع على الحمل منفردا لنهى النبى ﷺ عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة والمضامين جمع مضمونة ما فى أصلاب الابل من الماء الذى يتخلق منه نتاجها. والملاقيح جمع ملقوحة ما سيكون فى بطن الانثى مستقبلا. أما الموجود بالفعل فى بطونها فهو حمل وبيعه فاسد لا باطل .. وحبل الحبلة بفتح الباء ما سوف يحبله الجنين الذى فى البطن.
أى نتاج النتاج لدابة أو رقيق. ولما فى بيع الحمل من الغرر لأنه مشكوك فى وجوده ولان فيه مصلحة للبائع واذا كان أفراد الحمل بالبيع غير جائز شرعا.
فاستثناؤه فيه غير صحيح كأطراف الحيوان لا يصح استثناؤها عند بيعه لأنه لا يجوز أفرادها بعقد البيع فاذا باع جارية ألا حملها. فسد البيع لان الاستثناء بمنزلة الشرط وهو فاسد كما ذكرنا والبيع يفسد بالشرط الفاسد.
واستثناء الحمل بالنسبة للعقود على مراتب: تارة يفسد العقد والاستثناء معا كما فى البيع والاجارة والرهن لان هذه العقود تبطل بالشروط الفاسدة وتارة يصح العقد ويبطل الاستثناء كما فى الهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، لأنها لا تبطل بالشروط الفاسدة ولكن يبطل الشرط. وتارة يصح العقد والشرط معا كما فى الوصية لأنها كما قلنا أوسع العقود تحملا للشروط (١).
ويتحدث المالكية عن الاستثناء فى الوصية فى نفس المسألة التى تحدث عنه فيها الحنفية فقد ذكروا أنه لو أوصى لشخص بجارية وهى حامل من زوج أو من زنا دخل الحمل فى الوصية مع الجارية لانه كجزء منها واستحق الموصى له الجارية والحمل طبقا لشروط الوصية وأحكامها - ان لم يستثنه الموصى فان استثناه لم يدخل فى الوصية ولا يستحقه الموصى له ويبقى على ملك الموصى كما كان قبل الوصية، ولو وضعته أمه فى حياة السيد لم يدخل فى الوصية كذلك. بخلاف ما اذا أوصى بعتق الجارية وهى حامل حيث يدخل الحمل فى الوصية تبعا لامه ولو استثناه الموصى لا يصح الاستثناء لان الشارع يتشوف الى العتق ومن ثم يكمل عتق العبد فى حال عتق جزء منه أما الوصية فلا تكمل اذا أوصى السيد لشخص بجزء من عبده.
والهبة مثل الوصية عند المالكية يصح
стр. 1609
استثناء الحمل فيها على النحو المذكور فى الوصية (١).
ويتحدث الحنابلة عن الاستثناء فى الوصية عند الكلام على قسمة الوصية واستخراج النصيب الموصى به اذا وقع الاستثناء. فقد عقد ابن قدامة (٢) فى المغنى فصولا تحدث فيها عن كيفية تقسيم الوصية واستخراج النصيب الموصى به اذا ذكر فيها استثناء وبدأ بقوله: اذا خلف ثلاثة بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم ألا ربع المال فخذ مخرج الكسر أربعة وزد عليه سهما تكن خمسة فهذا النصيب وزد على عدد البنين واحدا واضربه فى مخرج الكسر تكن ستة عشر. تدفع الى الوصى خمسة وتستثنى منه أربعة يبقى لهم سهم ولكل ابن خمسة .. وان شئت خصصت كل ابن بربع وقسمت الربع الباقى بينه وبينهم على أربعة .. ويمضى فى تقسيم الوصية واستخراج النصيب الموصى به على وجوه مختلفة على أساس افتراض أصل المسألة واستثناءات مختلفة ثم يفرض مسألة أخرى واستثناءات أخرى ويستعرض الحلول والتقسيمات على هذا النحو، ثم وثم وهكذا وهو كما ترى استثناء يتصل بتحديد النصيب الموصى به كالاستثناء من العدد فى الاقرار والطلاق.
وفى البيع يجيز الحنفية استثناء ما يجوز اقراره بعقد البيع كالبيت من الدار، يجوز أن يبيع له الدار ألا بيتا من بيوتها لانه يجوز بيع البيت منفردا فيصح استثناؤه فيه. ولا يجيزون استثناء ما لا يصح ايراد العقد عليه منفردا كاستثناء الحمل فى بيع الجارية الحامل، واستثناء الاطراف فى بيع الحيوان واستثناء المنفعة فى بيع العين ونحو ذلك.
ويرى المالكية أنه يجوز استثناء المنفعة فى بيع العين لمدة سنة فى الدور وسنتين فى الارض وثلاثة أيام فى الدابة ونحوها وكذلك فى الاجارة يعتبر المدة المشار اليها.
ويجيز الحنابلة فيما نقل عن الامام أحمد رضى الله عنه استثناء بعض منافع ما يخرجه العاقد من ملكه فى جميع العقود كخدمة العبد وسكنى الدار وركوب الدابة أو الحمل عليها، يجوز استثناء ما ذكر عند بيع هذه الاعيان اذا كان ما استثناه مما يجوز تمليكه للغير بعقد من العقود.
وما ذكر يجوز تمليكه للغير بعقد الاجارة مثلا اذ يؤجر العبد للخدمة والدار للسكنى والدابة للركوب. وكذا بعقد الاعارة.
وذلك أخذا من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه اذا استثنى ظهر بعيره الى المدينة حين باعه للنبى ﷺ كما جوز الامام احمد للمعتق أن يستثنى خدمة العبد مدة حياته أو حياة سيده أخذا من حديث سفينة اذ أعتقته أم سلمة رضى الله عنها واشترطت عليه أن يقوم بخدمة النبى ﷺ ما عاش.
راجع مصطلحات (وصية وهبة ..
واجارة .. وعتق) ..
стр. 1610
استجرار
التعريف فى اللغة
استجر مادتها «جرر» والجر الجذب جره يجره جرا. واستجر الفصيل عن الرضاع أخذته قرحة فى فيه أو سائر جسده فكف عنه لذلك وأجررته الدين اذا أخرته له، وفلان يجارى فلانا أى يطاوله، وجره ماطله أو حاباه واستجر الشئ جره - المال أخذه شيئا فشيئا، وفى المادة معان أخرى كثيرة (١).
تعريف الاستجرار عند الفقهاء
مذهب الحنفية:
عرف صاحب الدر المختار (٢) الحنفى الاستجرار بأنه ما يستجره الانسان من البياع اذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها، ثم ذكر حكم الاستجرار فقال ان ذلك جائز استحسانا، وعلق ابن عابدين فى حاشيته على هذا التعريف فنقل عن البحر أن من شرائط المعقود عليه أن يكون موجودا فلم ينعقد بيع المعدوم، ومما تسامحوا فيه وأخرجوه عن هذه القاعدة: ما فى القنية: الاشياء التى تؤخذ من البياع على وجه الخرج كما هو العادة من غير بيع كالعدس والملح والزيت ونحوها ثم اشتراها بعدما انعدمت صح فيجوز بيع المعدوم هنا، وقال بعض الفضلاء ليس هذا بيع معدوم انما هو من باب ضمان المتلفات باذن مالكها عرفا تسهيلا للامر ودفعا للحرج كما هو العادة، ولم يرتض بعض فقهاء الحنفية كالحموى وغيره هذا المعنى، وقال ابن عابدين ان المسألة استحسان ويمكن تخريجها على قرض الاعيان ويكون ضمانها بالثمن استحسانا وكذلك حل الانتفاع فى الاشياء القيمية لان قرضها فاسد لا يحل الانتفاع به وان ملكت بالقبض ثم قال ابن عابدين وفى النهر خرجت المسألة على كون المأخوذ من العدس ونحوه بيعا بالتعاطى وأنه لا يحتاج فى مثله الى بيان الثمن لانه معلوم قال ابن عابدين ان ما فى النهر مبنى على أن الثمن معلوم لكنه على هذا لا يكون من بيع المعدوم بل كلما أخذ شيئا انعقد بيعا بثمنه المعلوم، قال فى الولواجية:
دفع دراهم الى خباز فقال اشتريت منك مائة من خبز وجعل يأخذ كل يوم خمسة أمناء فالبيع فاسد وما أكل فهو مكروه لانه اشترى خبزا غير مشار اليه فكان البيع مجهولا، ولو أعطاه الدراهم وجعل يأخذ منه كل يوم خمسة أمناء ولم يقل فى الابتداء اشتريت منك يجوز وهذا حلال وان كان نيته وقت الدفع الشراء لانه
стр. 1611
بمجرد النية لا ينعقد البيع وانما ينعقد البيع الآن بالتعاطى، والآن المبيع معلوم فينعقد البيع صحيحا، ورتب ابن عابدين على ذلك صحة البيع فيما اذا تأخر دفع الثمن فقال: ووجه ما مر أن ثمن الخبز معلوم فاذا انعقد بيعا بالتعاطى وقت الاخذ مع دفع الثمن قبله فكذا اذا تأخر دفع الثمن بالأولى وهذا ظاهر فيما اذا كان ثمنه معلوما وقت الأخذ مثل الخبز واللحم أما اذا كان ثمنه مجهولا فانه وقت الاخذ لا ينعقد بيعا بالتعاطى لجهالة الثمن فاذا تصرف فيه الآخذ وقد دفعه البياع برضاه بالدفع وبالتصرف فيه على وجه التعويض عنه لم ينعقد بيعا وان كان على نية البيع لان البيع لا ينعقد بالنية فيكون شبيه القرض المضمون بمثله أو بقيمته فاذا توافق على شئ بدل المثل أو القيمة برئت ذمة الآخذ لكى يبقى الاشكال فى جواز التصرف فيه اذا كان قيميا فان قرض القيمى لا يصح فيكون تصحيحه هنا استحسانا كقرض الخبز والخميرة ثم قال ابن عابدين ويمكن تخريجه على الهبة بشرط العوض أو على المقبوض على سوم الشراء، وفى الاشباه ورد: لو أخذ من الارز والعدس وما أشبهه وقد كان دفع اليه دينارا مثلا لينفق عليه ثم اختصما بعد ذلك فى قيمته هل تعتبر قيمته يوم الاخذ أو يوم الخصومة قال فى التتمة تعتبر يوم الاخذ، قيل له: لو لم يكن دفع اليه شيئا بل كان يأخذ منه على أن يدفع اليه ثمن ما يجتمع عنده، قال:
يعتبر وقت الأخذ لأنه سوم حين ذكر الثمن، وفى كل ما ورد عن استجرار تفصيل كثير فى المذاهب يرجع فيه الى مصطلح (بيع) ومصطلح (قرض) ومصطلح (قيمة).
مذهب المالكية:
قال مالك: ولا بأس أن يضع الرجل عند الرجل درهما ثم يأخذ منه بربع أو بثلث أو بكسر معلوم سلعة معلومة بذلك الكسر واذا لم يكن فى ذلك سعر معلوم وقال الرجل آخذ منك بسعر كل يوم فهذا لا يحل لانه غرر يقل مرة ويكثر مرة ولم يفترقا على بيع معلوم قال الشارح وهذا كما قال:
ان الرجل يجوز له أن يضع عند الرجل درهما ويأخذ منه ببعضه ما شاء ويترك عنده الباقى وذلك يكون على ثلاثة أوجه أحدها أن يضعه عنده مهملا وذلك جائز.
الثانى - أن يقول له آخذ به منك كذا وكذا من التمر أو كذا وكذا من اللبن أو غير ذلك يقدر معه فيه سلعة ما ويقدر ثمنها قدرا ما ويترك ذلك حالا يأخذه متى شاء أو يؤقت له وقتا ما فهذا جائز.
والثالث - أن يترك عنده فى سلعة معينة أو غير معينة على أن يأخذ منها فى كل يوم بسعره عقدا على ذلك ببيعها فان ذلك غير جائز لان ما عقد عليه من الثمن مجهول وذلك من الغرر الذى يمنع صحة البيع (١)، وجاء فى حاشية الدسوقى
стр. 1612
والشرح الكبير، ان الاظهر مراعاة أحوال الناس والزمان والمكان كما يفيده قوله الا بعرف (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية فى المجموع اذا كان يأخذ من البياع شيئا ولم يعطه شيئا ولم يتلفظا ببيع بل نويا أخذه بثمنه المعتاد ويحاسبه بعد مدة ويعطيه كما يفعل كثير من الناس فانه باطل بلا خلاف لانه ليس ببيع لفظى ولا معاطاة ولا يعد بيعا فهو باطل فليعلم وليحذر منه ولا يغتر بكثرة من يفعله فان كثيرا من الناس يأخذ الحوائج من البياع مرة بعد مرة من غير مبايعة ولا معاطاة ثم بعد مدة يحاسبه ويعطيه العوض وهذا باطل بلا خلاف، وفى نهاية المحتاج قال: أما الاستجرار من يباع فباطل اتفاقا أى حيث لم يقدر الثمن كل مرة وفى المغنى قال الاذرعى وهذا ما أفتى به البغوى وذكر ابن الصلاح فى فتاويه نحوه ثم قال صاحب مغنى المحتاج لكن الغزالى فى الاحياء سامح فى الاستجرار فقال:
وأخذ الحاجات من البياع يقع على ضربين أحدهما أن يقول أعطنى بكذا لحما أو خبزا مثلا وهذا هو الغالب فيدفع اليه مطلوبه فيقبضه ويرضى به ثم بعد مدة يحاسبه ويؤدى ما اجتمع عليه فهذا مجزوم بصحته عند من يجوز المعاطاة فيما أراه. والثانى أن يلتمس مطلوبه من غير تعرض لثمن كأعطنى رطل خبز أو لحم مثلا فهذا محتمل، وفى نهاية المحتاج أن الغزالى سامح فى الاستجرار بناء على جواز المعاطاة، قال صاحب مغنى المحتاج هذا ما رأى الغزالى اباحته ومنعها النووى، وما قيل من أن هذا لا يعد معاطاة ولا بيعا فيه نظر بل يعده الناس بيعا والغالب أن يكون قدر ثمن الحاجة معلوما لهما عند الاخذ والعطاء وان لم يتعرضا له لفظا (٢).
مذهب الحنابلة:
قال أبو داود فى مسائله، باب فى الشراء ولا يسمى الثمن سمعت أحمد سئل عن الرجل يبعث الى البقال فيأخذ منه الشئ بعد الشئ ثم يحاسبه بعد ذلك قال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس، قال أبو داود: وقيل لاحمد:
يكون البيع ساعتئذ؟ قال: لا. قال الشيخ تقى الدين وظاهر هذا أنهما اتفقا على الثمن بعد قبض المبيع والتصرف فيه وأن البيع لم يكن وقت القبض وانما كان وقت التحاسب وأن معناه صحة البيع بالسعر ثم قال: وأصرح من ذلك ما ذكر فى مسألة المعاطاة عن مثنى بن جامع عن
стр. 1613
أحمد فى الرجل يبعث الى معامل له ليبعث اليه بثوب فيمر به فيسأله عن ثمن الثوب فيخبره فيقول له اكتبه - والرجل يأخذ التمر فلا يقطع ثمنه ثم يمر بصاحب التمر فيقول له اكتب ثمنه فأجازه اذا ثمنه بسعر يوم أخذه وهذا صريح فى جواز الشراء بثمن المثل وقت القبض لا وقت المحاسبة سواء ذكر ذلك فى العقد أو أطلق لفظ الاخذ زمن البيع. وعلى هذا لو اختلفا والعين قائمة ردت وان فاتت فالقيمة، وقال الخلال تحت عنوان ذكر البيع بغير ثمن مسمى ثم ذكر حرب سألت الامام أحمد قلت الرجل يقول لرجل ابعث لى جريبا من بر واحسبه على بسعر ما تبيع قال: لا يجوز هذا حتى يبين له السعر، وعن اسحاق بن منصور: قلت للامام أحمد الرجل يأخذ من الرجل سلعة فيقول: أخذتها منك على ما تبيع الباقى قال لا يجوز وعن حنبل قال عمى: أنا أكرهه لانه بيع مجهول والسعر يختلف يزيد وينقص وروى حنبل عن أبى عبيدة أنه كره ذلك (١)، وجاء فى أعلام الموقعين:
اختلف الفقهاء فى جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت العقد:
وصورتها البيع ممن يعامله من خباز أو لحام أو سمان أو غيرهم: يأخذ منه كل يوم شيئا معلوما ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع ويعطيه ثمنه فمنعه الاكثرون وجعلوا القبض به غير ناقل للملك وهو قبض فاسد يجرى مجرى المقبوض بالغصب لانه مقبوض بعقد فاسد هذا وكلهم الا من شدد على نفسه يفعل ذلك ولا يجد منه بدا وهو يفتى ببطلانه وأنه باق على ملك البائع ولا يمكنه التخلص من ذلك الا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قل ثمنها أو كثر: وان كان ممن شرط الايجاب والقبول لفظا فلا بد مع المساومة أن يقرن بها الايجاب والقبول لفظا «القول الثانى» وهو الصواب المقطوع به وهو عمل الناس فى كل عصر ومصر جواز البيع بما ينقطع به السعر وهو منصوص الامام أحمد واختاره شيخنا وسمعته يقول هو أطيب لقلب المشترى من المساومة يقول لى أسوة بالناس آخذ بما يأخذ به غيرى، قال والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه بل هم واقعون فيه وليس فى كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ولا اجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرمه (٢)، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل وأكثرهم يجوزون عقد الاجارة بأجرة المثل كالنكاح والغسال والخباز والملاح وقيم الحمام والمكارى، والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام فغاية البيع بالسعر أن يكون
стр. 1614
بيعه بثمن المثل فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن المثل فى هذه الصورة وغيرها فهذا هو القياس الصحيح ولا تقوم مصالح الناس الا به. فان قالوا «فالحيلة» فى الجواز أن يأخذ ذلك قرضا فى ذمته فيجب عليه للدافع مثله ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم. فانه بيع للدين من الغريم وهو جائز. ولكن قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرر الآخذ. وقد ينخفض فيعطيه المثل فيتضرر الاول فالطريق الشرعية التى لم يحرمها الله تعالى ورسوله ﷺ أولى بهما.
استجمار
تعريفه فى اللغة
الاستجمار مأخوذ من الجمار وهى الحجارة الصغيرة (١).
التعريف الشرعى عند الفقهاء
ازالة النجاسة الخارجة من السبيلين بحجر أو نحوه.
والفرق بينه وبين الاستنجاء أن الاستنجاء عام يطلق على استعمال الماء فى ازالة الخارج من السبيلين، ويطلق على استعمال الحجر أو نحوه فى ازالة هذا الخارج.
حكمه
اتفق الأئمة على وجوب ازالة النجاسة: اما باستعمال الحجر أو نحوه فى ذلك وهو الاستجمار فمشروع ولكنهم اختلفوا فى حكمه، وقد ذكر أصحاب كل مذهب حكمه مع بيان ما يستجمر به وما لا يستجمر به كما يلى:
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى أن الاستجمار سنة مؤكدة للرجال والنساء، وقيل هو مستحب وقال شيخ الاسلام: الاستنجاء نوعان بالحجر والماء، فبالحجر سنة واتباع الماء أدب وفضيلة، وهو يكون لكل خارج من السبيلين الا الريح اذ لم يصحبه خبث.
ما يجزئ فيه:
ويجزئ فيه الحجر وما يقوم مقلمه من التراب وغيره من كل عين، طاهرة قالعة للنجاسة، غير محترمة، ولا متقومة كمدر (٢)، وانما يجزئ الحجر أو نحوه اذا كان الخارج معتادا، أما اذا كان غير معتاد بأن كان قيحا أو دما لم يجز فيه الا الماء، ولو كان مذيا يجزئ فيه الحجر أيضا ومثله الودى، وقيل يجزئ الحجر اذا كان الغائط لم يجف ولم يقم الشخص من موضعه، أما اذا قام أوجف فلا يجزئ الا الماء لأنه بقيامه قبل أن يستنجى بالحجر يزول الغائط عن موضعه ويتجاوز مخرجه وبجفافه لا يزيله الحجر.
والمستحاضة لا يجب عليها الاستنجاء لوقت كل صلاة اذا لم يكن غائط ولا بول
стр. 1615
لأنه قد سقط اعتبار نجاسة دمها كذا فى الواقعات، فان تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فى الطهارة الا الماء عند محمد، ولا تطهر بالحجر لأنه من باب ازالة النجاسة الحقيقية عن البدن هذا وان كان ما جاوز المحل من النجاسة أكثر من قدر الدرهم وجبت ازالته بالماء اجماعا، وان كان أقل ففيه خلاف.
فعندهما لا يجب ازالته بالماء بل يجزئه الحجر، وعند محمد لا يجزئه الحجر، وجاء فى الفتاوى: اذا تجاوزت النجاسة مخرجها وهى أكثر من قدر الدرهم يجب ازالتها، وان كانت أقل ولكن اذا ضم مع موضع الاستنجاء يصير أكثر من قدر الدرهم لا يضم عندهما وقال محمد يضم.
ما يكره الاستنجاء به:
لا يستنجى بما هو نجس كالرجيع (١) ولا بما يتوقع منه الضرر كالزجاج ولا بما هو محترم كالطعام (٢).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن الاستجمار واجب ويجوز بكل يابس طاهر منق غير مؤذ ولا محترم والمراد من اليابس الحجر وهو الأصل أو غيره من خشب أو مدر أو قطن أو خرق أو صوف أو نحو ذلك، والمحترم اما لكونه مطعوما لآدمى كخبز ونحوه، أو لكون حرمته لحق الغير ككون الشى الذى يستجمر به مملوكا للغير ومنه جدار الغير ولو وقفا، وكره بروث وعظم طاهرين وبجدار مملوك له فاذا وجدت أوصاف اليابس المذكورة جاز الاستجمار فان فقد منها شئ لم يجز لكن يجزئ أن أنقى المحل كالمحترم والنجس اليابس الذى لا يتحلل منه شئ وهناك بعض الحالات لا يصح فيها الاستجمار بل يتعين استعمال الماء وهى: ازالة المنى، وازالة دم الحيض والنفاس أو الاستحاضة، وكذا فى حدث بول أو غائط انتشر عن المخرج انتشارا كثيرا، وكذا فى مذى خرج بلذة معتادة سواء كانت بنظر أو بملاعبة بشهوة (٣).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: يجب الاستنجاء من كل خارج ملوث سواء كان الخارج من القبل أو من الدبر بماء أو حجر، ولو كان الخارج نادرا كالدم وانتشر فوق العادة ولم يجاوز الخارج من الدبر الصفحة، ولا الخارج من القبل الحشفة فيجوز الاستجمار فى ذلك على أظهر الأقوال فى المذهب، ومقابله يتعين الماء فى النادر والمنتشر، وفى معنى الحجر كل جامد طاهر قالع للنجاسة غير محترم (٤).
مذهب الحنابلة:
ويرى الحنابلة أن الاستنجاء يكون بالحجر