بلغت فرأت عشرة دما وسنة أو سنتين طهرا ثم استمر بها الدم فعندهما طهرها ما رأت وحيضها عشرة أيام تدع الصلاة والصوم من أول زمان الاستمرار عشرة أيام وتصلى سنة أو سنتين فان طلقها زوجها تنقضى عدتها بثلاث سنين أو ست سنين وثلاثين يوما وأما العامة فقد اختلفوا فى التقدير فقال محمد بن شجاع طهرها تسعة عشر يوما لان أكثر الحيض فى كل شهر عشرة والباقى طهر وتسعة عشر بيقين، وقال محمد بن سلمة طهرها سبعة وعشرون يوما فما دونها حيض لان أقل الحيض ثلاثة أيام فيرفع عن كل شهر فيبقى سبعة وعشرون يوما وقال محمد بن ابراهيم الميدانى طهرها ستة أشهر الا ساعة وعليه الاكثر لان أقل المدة التى يرتفع الحيض فيها ستة أشهر وهو أقل مدة الحمل الا أن ما عليه الاصل أن مدة الطهر أقل من مدة الحبل فنقصنا منه شيئا يسيرا وهو ساعة فتنقضى عدتها بتسعة عشر شهرا الا ثلاث ساعات لجواز أن يكون وقوع الطلاق عليها فى حالة الحيض فتحتاج الى ثلاثة أطهار كل طهر ستة أشهر الا ساعة، وكل حيض عشرة أيام، وقال الحاكم الشهيد طهرها شهران وهو رواية ابن سماعة عن محمد لان العادة مأخوذة من المعاودة والحيض والطهر مما يتكرر فى الشهرين عادة اذ الغالب أن النساء يحضن فى كل شهر مرة فاذا طهرت شهرين فقد طهرت أيام عادتها والعادة تنتقل بمرتين فصار ذلك الطهر عادة لها فوجب التقدير به، قيل والفتوى على قول الحاكم لانه أيسر على المفتى والنساء، وهو قول أبى على الدقاق (١).
مذهب المالكية:
جاء فى كفاية الطالب الربانى:
ومن تمادى بها الدم بلغت أى مكثت خمسة عشر يوما وهذا اذا كانت مبتدأة لانه أكثر الحيض فى حقها، ثم بعد الخمسة عشر يوما يحكم لها بأنها مستحاضة مميزة كانت أو غير مميزة، وثمرة ذلك أنها تطهر أى تغتسل، ظاهره سواء كانت مميزة أو غير مميزة، والذى فى الجواهر أنها تغتسل ان كانت تميز ما بين الدمين وان لم تميز فغسلها عند الحكم عليها بالاستحاضة مجز … ومن ثمرته أيضا أنها تصوم وتصلى ويأتيها زوجها لان حكمها حينئذ حكم الطاهر فى جميع الاشياء (٢).
مذهب الشافعية:
يقول الرافعى المستحاضة المبتدأة المميزة وهى التى ترى الدم على نوعين أحدهما أقوى أو على ثلاثة أنواع أحدهما أقوى فترد الى التمييز بمعنى أنها تكون حائضا فى أيام الدم القوى مستحاضة فى أيام الدم الضعيف ..
ثم انه يحكم بالتمييز بثلاثة شروط، شرطان منها فى القوى وهما ألا يزيد على خمسة عشر وألا ينقص عن يوم وليلة … والثالث فى الضعيف وهو ألا ينقص عن خمسة عشر
стр. 1647
يوما وذلك لانا نريد أن نجعل الضعيف طهرا والقوى بعده حيضة أخرى … واذا بلغت الانثى سن الحيض فبدأ بها الدم لزمها أن تترك الصلاة والصوم كما ظهر الدم ولا يأتيها زوجها ثم لو انقطع لما دون أقل الحيض بان أنه لم يكن حيضا فتقضى الصلاة والصوم … واذا كانت المبتدأة مميزة فلا تشتغل بالصوم والصلاة بانقلاب دمها من القوى الى الضعيف فانها لا تدرى أنه تجاوز الخمسة عشر أم لا فلا بد لها من التربص فاذا تربصت وجاوز الخمسة عشر عرفت أنها مستحاضة وأن حيضها منحصر فى أيام القوى فتتدارك ما فات من الصوم والصلاة فى أيام الضعيف هذا حكم الشهر الاول وأما فى الشهر الثانى وما بعده فاذا انقلب الدم الى الضعيف اغتسلت وصامت وصلت ولم تتربص … ثم لو اتفق الانقطاع قبل الخمسة عشر وشفيت فى بعض الادوار فالضعيف حيض مع القوى كما فى الشهر الاول واعلم أنه لا فرق فى كون الكل حيضا مهما انقطع الدم قبل مجاوزة الخمسة عشر بين أن يتقدم القوى على الضعيف أو يتقدم الضعيف هذا هو المشهور المقطوع به .. ثم المفهوم من اطلاقهم انقلاب الدم الى الضعيف أن يتمحض ضعيفا حتى لو بقيت خطوط من السواد وظهرت خطوط من الحمرة لا ينقطع حكم الحيض وانما ينقطع اذا لم يبق السواد أصلا وصرح امام الحرمين بهذا المفهوم (١) أما المبتدأة غير المميزة ففى المجموع أن فيها قولين مشهورين نص عليهما الشافعى ﵀ فى الام فى باب المستحاضة أحدهما.
حيضها يوم وليلة والثانى ستة أيام أو سبعة … واختلفوا فى أصحهما فصحح الشيرازى .. قول الست أو السبع وصحح الجمهور فى الطريقين قول اليوم والليلة وعلى القولين ابتداء حيضها من أول رؤية الدم.
ثم ما حكم بأنه حيض من يوم وليلة أو ست أو سبع فلها فيه حكم الحائض فى كل شئ وما فوق الخمسة عشر لها فيه حكم الطاهرات فى كل شئ وأما ما بين التحديد بيوم وليلة أو سبعة أيام أو بين الخمسة عشر ففيه قولان مشهوران أصحهما باتفاق الاصحاب أن لها حكم الطاهرات فى كل شئ فيصح صومها وصلاتها وطوافها وتحل لها القراءة ومس المصحف والجماع ويصح قضاء ما تقضيه فيه من صلاة وصوم وطواف وغيرها والثانى أنها تؤمر فى هذه المدة بالاحتياط الذى تؤمر به المتحيرة كما سيأتى. فاذا استمر بها الدم فى الشهر الثانى وما بعده فالحكم كما سلف فى الشهر الاول ومتى انقطع الدم فى بعض الشهور لخمسة عشر فما دونها تبينا أن جميع الدم فى ذلك الشهر حيض فتتدارك ما ينبغى تداركه من صوم وغيره مما فعلته بعد المرد وتبينا أن غسلها بعد المرد لم يصح لوقوعه فى الحيض ولا اثم عليها فيما فعلته بعد المرد من صوم وصلاة وغيرهما لانها معذورة قال أصحابنا وتثبت الاستحاضة بمرة واحدة بلا خلاف واذا لم تعرف
стр. 1648
المبتدأة وقت ابتداء دمها فحكمها حكم المتحيرة ذكره الرافعى وهو ظاهر (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة ان المبتدأة أول ما ترى الحيض ولم تكن حاضت قبله اذا كان فى وقت يمكن حيضها وهى التى لها تسع سنين فصاعدا - اذا انقطع لأقل من يوم وليلة فهو دم فساد وان كان يوما وليلة فما زاد فانها تدع الصوم والصلاة لان دم الحيض جبلة وعادة ودم الاستحاضة لعارض والاصل عدمه. وظاهر المذهب أنها تنتظر يوما وليلة ثم تغتسل وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلى وتصوم فاذا انقطع دمها لاكثر الحيض فما دون اغتسلت غسلا ثانيا ثم تفعل ذلك فى الشهر الثانى والثالث فان كان فى الاشهر الثلاثة متساويا صار لها عادة فيجب عليها قضاء ما صامته من الفرض فيه وقد نقل عن أحمد فيها ثلاث روايات احداها أن تنتظر ستا أو سبعا والثانية تنتظر مقدار عادة نسائها والثالثة أنها تنتظر ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض - قال بعضهم وليس هاهنا موضع الروايات وانما موضع ذلك اذا اتصل الدم وصارت مستحاضة فى الشهر الرابع وقد نقل عن أحمد ما يدل على صحة قول الاصحاب (٢) ..
أما المميزة فهى التى لدمها اقبال وادبار بعضه أسود ثخين منتن وبعضه أحمر مشرق أو أصفر أو لا رائحة له ويكون الدم الاسود أو الثخين لا يزيد على أكثر الحيض ولا ينقص عن أقله فحكم هذه أن حيضها زمان الدم الاسود أو الثخين أو المنتن فان انقطع فهى مستحاضة تغتسل للحيض وتتوضأ بعد ذلك لكل صلاة وتصلى (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى فان رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض … تدع الصلاة والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها، فان تلون أو انقطع الى سبعة عشر يوما فأقل فهو طهر صحيح … وان تمادى أسود تمادت على أنها حائض الى سبع عشرة ليلة، فان تمادى بعد ذلك أسود فانها تغتسل ثم تصلى وتصوم ويأتيها زوجها وهى طاهر أبدا لا ترجع الى حكم الحائضة الا أن ينقطع أو يتلون فيكون حكمها اذا كان أسود حكم الحيض واذا تلون أو انقطع أو زاد على السبع عشرة حكم الطهر (٤)
وفى المبتدأة غير المميزة يقول ابن حزم وأما المبتدأة التى لا يتلون دمها عن السواد ولا مقدار عندها لحيض متقدم فنحن على يقين من وجوب الصلاة والصيام عليها ونحن على يقين من أن الدم الأسود منه حيض، ومنه ما ليس بحيض واذا كان الامر كذلك فلا يجوز لأحد أن يجعل برأيه بعض ذلك الدم حيضا وبعضه غير حيض لانه يكون شارعا فى الدين ما لم يأذن به الله، أو قائلا على الله تعالى ما لا علم لديه، فان كان الامر ذلك فلا يحل لها ترك يقين
стр. 1649
ما افترض الله عليها من الصوم والصلاة لظن فى بعض دمها أنه حيض ولعله ليس بحيض والظن أكذب الحديث (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار فان استمر نزول الدم عليها وبقى يتردد حتى جاوز عشرة أيام فالمرأة لا تخلو اما أن تكون مبتدأة أو معتادة. فان كانت مبتدأة عملت بعادة قرائبها من قبل أبيها فان لم يوجدن فمن قبل أمها … وهل يجب الترتيب فترجع الى الاقرب فالاقرب قال بعضهم لا ترتيب قال مولانا ﵇ وفيه نظر فان اختلفن فكانت عادة أحداهن أكثر من غيرها فاختلف المتأخرون فى ذلك وان تغير الوقت فى الشهر الثانى وما بعده فان عد من - أى نساؤها - أو كنّ موجودات وهن مستحاضات أو لم تعرف عادتهن فبأقل الطهر وأكثر الحيض، وفى شرح الابانة عند القاسمية وأحد قولى الناصر عند اللبس يكون حيضها عشرا وطهرها عشرين واحد قولى الناصر ترجع الى التمييز (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة أن رجوع المبتدأة مع فقد التمييز الى عادة نسائها اجماعى كما فى الخلاف .. وظاهر السرائر حيث قال الذى تجاوز دمها العشرة ولا تمييز لها فلترجع الى عادة نسائها من أهلها فان لم يكن نساء من أهلها فلترجع الى أبناء سنها … وصرح فى المعتبر بأن رجوعها الى نسائها مشروط باتفاقهن كلهن، واحتمل فى نهاية الاحكام رد المبتدأة الى أقل الحيض لأنه اليقين والزائد مشكوك فيه ولا يترك اليقين الا بمثله أو أمارة ظاهرة، وردها الى الاكثر لانه دم يمكن كونه حيضا ولان الغالب كثرة الدم للمبتدأة. والرجوع الى الاقران بعد الاقارب هو المشهور بين الاصحاب ومذهب الاكثر. وأكثر هذه الكتب اشترط فيها اتحاد البلد بل هو داخل تحت المشهور ومذهب الاكثر
وقال فى الخلاف فان كان نساؤها مختلفات العادة أو لا يكون لها نساء تركت الصلاة فى الشهر الاول ثلاثة أيام وفى الثانى عشرة، وقد روى ترك الصلاة فى كل شهر ستة أيام أو سبعة، فاذا لم يوجد من نسائها أو أقرانها من ترجع اليهن أو وجدن واختلفن فعند الإمامية أقوال كثيرة (٣).
أما المبتدأة المميزة فانها ترجع الى التمييز اذا توافرت شروطه والحكم برجوع المبتدأة الى التمييز هو مذهب فقهاء أهل البيت ﵈. ويقول العاملى بل لا أجد فى ذلك خلافا وحكى بعضهم الاجماع عليه. وشروط التمييز ثلاثة:
الشرط الاول اختلاف لون الدم. فما شابه دم الحيض فهو حيض وما شابه دم الاستحاضة فليس حيضا ونسب ذلك الى فقهاء أهل البيت ﵈.
الشرط الثانى مجاوزة الدم عشرة أيام.
والشرط الثالث كون ما هو بصفة الحيض
стр. 1650
لا ينقص عن الثلاثة ولا يزيد على العشرة.
وهناك شرط رابع وهو عدم قصور الضعيف المحكوم بكونه طهرا عن أقله وهو العشرة (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل، ومسائل الدماء دم الحيض ودم الاستحاضة تدور على خمسة أشياء … الاوقات والأصول والانتساب والطلوع والنزول، والنساء فى هذه الخمسة قسمان مبتدأة وهى من لم يتقرر لها وقت فى الحيض ولا فى الطهر أو لم يتقرر لها فى الطهر وذلك يتصور بمن أتاها الدم فى المرة الاولى وبمن أتاها مرارا لكن على كيفية لا يثبت معها الوقت فاذا ثبت لها الوقت فى الحيض دون الطهر بأن يزيد طهرها مثلا على أكثر مما يؤخذ وقتا للطهر ونحو ذلك من الاوقات التى لا تؤخذ فهى مبتدأة بالنسبة الى الطهر متعادة بالنسبة الى الحيض والمبتدأة بقسميها يثبت لها الوقت فى الحيض والطهر بمرة … والمبتدأة تنتسب فى الطهر بغيرها وقال بعض أصحابنا انها تنتسب فى الحيض أيضا والنفاس اذا دام بها الدم الى قريبتها أو الى مسلمة ان لم تجد قريبة ثم تنتظر بعد وقت من انتسبت اليه ثم تكون مستحاضة وذلك اذا زاد لها على أقل الحيض والصحيح انها تترك الى أقصى وقت الحيض والنفاس ثم تغتسل وتكون مستحاضة (٢) وهل تترك المستحاضة المبتدأة - عشرة وتصلى أخرى أو تدع خمسة عشر وتصلى مثلها أو تترك عشرة وتصلى عشرين أو تترك يوما وليلة وتصلى تسعة وعشرين لاعتياد الحيض فى كل شهر ان لم يمنع بآفة وأقله ذلك … أولا تترك الصلاة لشبهة عرضت بل تغتسل وتصلى حتى يفرج الله عنها … أقوال … فى المبتدأة المسحاضة … وبذلك الخلاف تنقضى عدتها ان طلقت الا على قول من قال: لا تترك الصلاة فانها لا تنقضى عليه عدتها حتى تحيض ثلاثة قروء وثلاثة أطهار بارتفاع الدم أو تأخذ بسنة أو بقول سنتين أو بقول ثلاثة أشهر تنزيلا لها منزلة الآيسة أو التى لم تحض أو تبلغ الاياس فتعتد بثلاثة أشهر (٣) راجع مصطلح عدة».
المعتادة
مذهب الحنفية:
يقرر الحنفية أن الدم اذا زاد على عشرة أيام وللمرأة عادة معروفة دونها ردت الى أيام عادتها فيكون الزائد على العادة استحاضة وان كان داخل العشرة.
وهل تترك الصلاة بمجرد رؤيتها الزيادة؟ اختلف فيه فذهب أئمة بلخ الى أنها تؤمر بالاغتسال والصلاة لان حال الزيادة التى هى دون العشرة متردد بين الحيض والاستحاضة لانه ان انقطع الدم قبل العشرة كان حيضا وان جاوز العشرة كان استحاضة فلا تترك الصلاة مع التردد، وقال مشايخ بخارى لا تؤمر بالاغتسال
стр. 1651
والصلاة لأنا عرفناها حائضا بيقين ودليل بقاء الحيض وهو رؤية الدم قائم ولا يكون استحاضة حتى تستمر فيجاوز العشرة ولا دليل على ذلك فلا تؤمر بالاغتسال والصلاة حتى يتبين أمرها فان جاوز العشرة أمرت بقضاء ما تركت من الصلاة بعد أيام عادتها - لانه ظهر أنه دم استحاضة لا يمنع الصلاة - قال فى المجتبى وهو الاصح .. واذا زاد الدم على العادة ولكنه لم يجاوز العشرة فالكل حيض بالاتفاق وانما الخلاف فى أنه يصير عادة لها أولا الا اذا رأت فى الثانى كذلك ..
فعندهما لا وعند أبى يوسف نعم .. وانما تظهر ثمرة الخلاف فيما لو استمر بها الدم فى الشهر الثانى فعند أبى يوسف يقدر حيضها من كل شهر ما رأته آخرا وعندهما على ما كان قبله … فاذا رأت أطهارا مختلفة ودماء مختلفة بأن رأت فى الابتداء خمسة دما وسبعة عشر طهرا ثم أربعة وستة عشر ثم ثلاثة وخمسة عشر ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن ابراهيم تبنى على أوسط الاعداد وعلى قول أبى عثمان سعيد بن مزاحم تبنى على أقل المرتين الأخيرتين فعلى الاول تدع من أول الاستمرار أربعة وتصلى ستة عشر وذلك دأبها وعلى الثانى تدع ثلاثة وتصلى خمسة عشر فهذه عادة جعلية لها فى زمان الاستمرار ولذلك سميت جعلية لانها جعلت عادة للضرورة هكذا فى المصفى وفى غيره معزوا الى المبسوط ان كان حيضها مرة تحيض خمسة ومرة سبعة فاستحيضت فانها تدع الصلاة خمسة أيام ثم تغتسل لتوهم خروجها من الحيض وتصلى يومين بالوضوء لوقت كل صلاة لانها مستحاضة ولا يقربها زوجها فى هذين اليومين ولو كان آخر عدتها ليس للزوج مراجعتها فيها وليس لها أن تتزوج بآخر فيهما ثم تغتسل بعدهما لتوهم خروجها الآن فتأخذ بالاحتياط فى كل جانب وهذا التفصيل خلاف ما فى المصفى … وحاصله أنها تأخذ بالاقل فى حق الصلاة والصوم وانقطاع الرجعة وبالاكثر فى التزوج وتعيد الاغتسال واذا رأت المعتادة قبل أيامها ما يكون حيضا وفى أيامها ما لا يكون حيضا أو رأت قبلها ما لا يكون وكذا فيها واذا جمعا كان حيضا أو رأت قبلها ما يكون ولم تر فيها شيئا لا يكون شئ من ذلك حيضا عند أبى حنيفة والامر موقوف الى الشهر الثانى عند الصاحبين فان رأت فيه كذلك يكون الكل حيضا (١).
مذهب المالكية:
ويرى المالكية أن المعتادة اما أن تختلف عادتها واما أن لا تختلف فاذا لم تختلف استظهرت على مدة عادتها بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، فاذا كانت عادتها سبعة أيام فى كل الشهور ثم استمر بها الدم فانها تمكث هذه المدة المذكورة وفوقها ثلاثة أيام ثم تصير بعد ذلك مستحاضة تصوم وتصلى ويأتيها زوجها. واذا كانت عادتها أربعة عشر يوما مكثت هذه المدة ثم تستظهر بيوم
стр. 1652
واحد فان استمر بها الدم رغم ذلك تصير بعد الخمسة عشر مستحاضة، وأما اذا اختلفت عادتها استظهرت على أكثر مدتها مثل أن تحيض فى بعض الازمنة عشرة أيام وفى بعضها الآخر خمسة أيام فانها تستظهر على العشرة بثلاثة أيام تصبح بعدها مستحاضة (١).
ويقول المالكية: - ان الدم المميز فى زمن الاستحاضة بتغير رائحة أو لون أو رقة أو ثخن أو بتألمها - لا بكثرة أو قلة - بعد طهر تمّ خمسة عشر يوما، حيض فان لم تميز فهى مستحاضة ولو مكثت طول عمرها أى باقية على أنها طاهر ولو مكثت طول عمرها وتعتد عدة المرتابة بسنة بيضاء وكذا لو ميزت قبل تمام الطهر فهى مستحاضة أى ولا عبرة بذلك التمييز ولا فائدة له كما نقله أبو الحسن عن التونسى. ولا تستظهر المميزة بل تقتصر على عادتها اذا ثبت أن الدم المميز بعد طهر تم حيض واستمر ذلك الدم المميز نازلا عليها فانها تمكث أكثر عادتها فقط وترجع مستحاضة كما كانت قبل التمييز ولا تحتاج لاستظهار لانه لا فائدة فيه لان الاستظهار فى غيرها رجاء أن ينقطع الدم وهذه قد غلب على الظن استمراره وهذا قول مالك وابن القاسم خلافا لان الماجشون حيث قال باستظهارها على أكثر عادتها. على أن عدم الاستظهار عند مالك وابن القاسم مقيد بما اذا تغير الدم الذى ميزته بعد عادتها ولم يستمر على حالته - بصفة الحيض المميز - واما لو استمر على حالته - بصفته المذكورة - فانها تستظهر على أكثر عادتها على المعتمد خلافا لمن قال ان عدم الاستظهار عند مالك وابن القاسم مطلق غير مقيد (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع اذا كان لها عادة دون خمسة عشر يوما فرأت الدم وجاوز عادتها وجب عليها الامساك كما تمسك عنه الحائض لاحتمال الانقطاع قبل مجاوزة خمسة عشر فيكون الجميع حيضا … وان جاوز خمسة عشر علمنا أنها مستحاضة فيجب عليها أن تغتسل. ثم ان كنت غير مميزة ردت الى عادتها فيكون حيضها أيام العادة فى القدر والوقت وما عدا ذلك فهو طهر تقضى صلاته قال أصحابنا وسواء كانت العادة أقل الحيض والطهر أو غالبا أو أقل الطهر وأكثر الحيض أو غير ذلك وسواء قصرت مدة الطهر أو طالت طولا متباعدا فترد فى ذلك الى ما اعتادته من الحيض والطهر ويكون ذلك دورها أى قدر كان. فان استمر بها الدم فى الشهر الثانى وجاوز العادة اغتسلت عند مجاوزة العادة لان الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها واذ قد علمنا بالشهر الاول أنها مستحاضة فالظاهر بقاؤها مستحاضة فتغتسل فى كل شهر عند مجاوزة العادة وتصلى وتصوم - يعنى تصير طاهرا فى كل شئ من الصوم والصلاة والوط ء والقراءة وغيرها … وهكذا تفعل فى كل شهر فان انقطع دمها فى بعض
стр. 1653
الشهور على خمسة عشر فما دونها علمنا أنها ليست مستحاضة فى هذا الشهر وأن جميع ما رأته فيه حيض فتتدارك ما يجب تداركه من الصوم وغيره وكذا ان كانت قضت فى هذه الايام صلوات أو طافت أو اعتكفت تبينا بطلان جميع ذلك لمصادفته الحيض … واذا صامت بعد أيام العادة فى الشهر الثانى وما بعده وطافت وفعلت غير ذلك مما تفعله الطاهر المستحاضة صح ذلك ولاقضاء عليها بلا خلاف (١).
واذا تقدم حيضها أو تأخر أو زاد أو نقص ثم استحيضت بعد هذا، فانها ترد الى آخر ما رأت من ذلك لان ذلك أقرب الى شهر الاستحاضة (٢).
أما اذا كان لها عادات منتظمات مثل أن تحيض من شهر ثلاثة أيام ثم من الذى بعده خمسة ثم من الذى بعده سبعة ثم تعود فى الشهر الرابع الى الثلاثة وفى الخامس الى الخمسة وفى السادس الى السبعة … وهكذا فتكررت لها هذه العادة ثم استحيضت وأطبق الدم ففى ردها الى العادة وجهان مشهوران … أصحهما ترد اليها … والثانى لا ترد (٣).
أما اذا كانت معتادة مميزة بان كان عادتها خمسة من أول الشهر مثلا .. ثم استحيضت وهى مميزة فان وافق التمييز العادة بأن رأت الخمسة الاولى سوادا وباقى الشهر حمرة فحيضها الخمسة بلا خلاف وان لم يوافقها فثلاثة أوجه (٤).
وان كانت المستحاضة ناسية مميزة وهى التى كانت لها عادة فنسيت عادتها ولكنها تميز الحيض من الاستحاضة باللون فانها ترد الى التمييز (٥).
مذهب الحنابلة:
من أقسام المستحاضة عند الحنابلة من لها عادة ولا تمييز لها لكون دمها على صفة واحدة فلا يتميز بعضه عن بعض … وكذلك ان كان مختلفا فى صفاته الا أن الدم الذى يصلح للحيض دون أقل الحيض أو فوق أكثره فهذه لا تمييز لها فاذا كانت لها عادة قبل أن تستحاض انتظرت أيام عادتها واغتسلت عند انقضائها ثم تتوضأ بعد ذلك لوقت كل صلاة وتصلى. لحديث أم سلمة (٦)، وقد روى فى حديث فاطمة أن رسول الله ﷺ قال لها «دعى الصلاة قدر الايام التى كنت تحيضين فيها ثم اغتسلى وصلى» متفق عليه وفى لفظ قال: اذا أقبلت الحيضة فاتركى الصلاة فاذا ذهب قدرها فاغسلى عنك الدم وصلى متفق عليه وروت أم حبيبة أنها سألت النبى ﷺ عن الدم فقال لها «أمكثى قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلى وصلى» رواه مسلم وروى عدى بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله
стр. 1654
عليه وسلم قال فى المستحاضة «تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصوم وتصلى وتتوضأ عند كل صلاة» أخرجه أبو داود والترمذى (١).
ويقول ابن قدامة: - من أقسام المستحاضة من لها عادة وتمييز وهى من كانت لها عدة فاستحيضت ودمها متميز بعضه أسود وبعضه أحمر، فان كان الاسود فى زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز فى الدلالة فيعمل بهما وان كان أكثر من العادة أو أقل ويصلح أن يكون حيضا ففيه روايتان. أحدهما يقدم التمييز فيعمل به وتدع العدة وهو ظاهر كلام الخرقى. ولم يفرق بين معتادة وغيرها واشترط فى ردها الى العادة الا يكون دمها متصلا … وظاهر كلام أحمد اعتبار العادة وهو قول أكثر الاصحاب لأن النبى ﷺ رد أم حبيبة والمرأة التى استفتت لها أم سلمة الى العادة ولم يفرق ولم يستفصل بين كونها مميزة أو غيرها. وحديث فاطمة قد روى فيه ردها الى العادة وفى لفظ آخر ردها الى التمييز فتعارضت روايتان وبقيت الأحاديث الباقية خالية عن معارضة فيجب العمل بها (٢) فاذا كانت المستحاضة ذاكرة لوقت عادتها ولكنها نسيت عدد أيامها كالتى تعلم أن حيضها فى العشر الأول من الشهر ولا تعلم عدده فهى فى قدر ما تجلسه كالمتحيرة - التى سيأتى حكمها تفصيلا - تجلس ستا أو سبعا فى أصح الروايتين الا أنها تجلسها من العشر دون غيرها. وهل تجلسها من أول العشر أو بالتحرى؟ على وجهين. وقد تكون المستحاضة ناسية لوقتها ذاكرة لعدد أيامها وهذه تتنوع نوعين أحدهما الا تعلم لها وقتا أصلا، فانها تجلس خمسة من كل شهر. أما من أوله أو بالتحرى على اختلاف الوجهين والثانى أن تعلم لها وقتا مثل أن تعلم أنها كانت تحيض أياما معلومة من العشر الأول من كل شهر فانها تجلس عدد أيامها من ذلك الوقت دون غيره. ولا يعتبر التكرار فى الناسية لأنها عرفت استحاضتها فى الشهر الأول فلا معنى للتكرار .. واذا ذكرت الناسية عادتها بعد جلوسها فى غيره رجعت الى عادتها لأن تركها لعارض النسيان فاذا زال العارض عادت الى الأصل وان تبين أنها كانت تركت الصلاة فى غير عادتها لزمها اعادتها. ويلزمها قضاء ما صامته من الفرض فى عادتها (٣).
المذهب الظاهرى:
جاء فى المحلى «فأما التى قد حاضت وطهرت فتمادى بها الدم فحكمها كالحكم الذى تقرر للمبتدأة التى يتمادى بها الدم - الا فى تمادى الدم الأسود متصلا فانها اذا جاءت الأيام التى كانت تحيضها أو الوقت الذى كانت تحيضه أما مرارا فى الشهر أو مرة فى الشهر أو مرة فى أشهر أو فى عام -: فاذا جاء ذلك الأمد أمسكت عما تمسك به الحائض، فاذا انقضى ذاك الوقت اغتسلت وصارت
стр. 1655
فى حكم الطاهر فى كل شئ وهكذا أبدا ما لم يتلون الدم أو ينقطع. فان كانت مختلفة الأيام بنت على آخر أيامها قبل أن يتمادى بها الدم (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: وأما ان كانت معتادة يعنى ثبتت لها عادة وقتا وعددا - فأما التى أتاها مرة واحدة مثلا ثم استحيضت فى الثانية أو تغيرت عادتها واستحيضت حال تغيرها فحكمها حكم المبتدأة - وأما التى قد ثبتت عادتها ثم استحيضت قبل تغيرها فتجعل قدر عادتها حيضا فيكون حكمها حكم الحائض فى ذلك القدر، وتجعل الزائد على ذلك القدر طهرا فيكون لها أحكام الطاهر فتقضى ما تركت من الصلاة فى الأيام الزائدة على العادة. وجاء فى موضع آخر أن للمستحاضة أحوال منها تلك الحالة التى أتاها الدم فى غير وقت عادتها عقيب طهر صحيح وزاد عددها على ما تعتاده واستمر بها الدم فلم تغير عادتها به فلزمها أن تجعل ما بعد العشر استحاضة الى وقت عادتها ثم تجعل الزائد على العدد المعتاد فى الشهور المستقبلة مما تجوز فيه بأنه طهر أو حيض فاستوى فى الوط ء جانب الحظر والاباحة الى آخر اليوم العاشر فرجح جانب الحظر.
قال ﵇ فقلنا ولا تصلى. وكان القياس الا تصوم أيضا كالصلاة الا أنه قد ورد أن صوم يوم الشك أولى من افطاره فقلنا بل تصوم (٢).
ومن ناحية أخرى فان المستحاضة المعتادة اذا نسيت عادتها دون وقتها وذلك بأن تكون ذاكرة لوقتها ناسية لعددها فانه اذا جاء وقت حيضها المعتاد فانها تقطع فى ثلاثة أيام ابتداؤها من ذلك الوقت أنها تحيض. ثم تجوز فى كل يوم بل فى كل وقت مما زاد على الثلاث أنه حيض وأنه طهر وأنه انتهاء حيضها وابتداء طهرها وهكذا فى سبعة أيام بعد الثلاث.
وبعد الثلاث والسبع تعمل على أن ما بعدها طهر. وحكمها فى هذه السبع من الشهور المستقبلة حكم المتحيرة والتى سيأتى ذكرها. لكن تغتسل فى هذه الأيام السبعة. التى جوزتها انتهاء حيض وابتداء طهر بعد مضى الشهر الاول لا فى السبع منه.
مذهب الإمامية:
يذهب الإمامية الى أنه اذا تجاوز الدم بالمرأة عشرة أيام فان كانت ذات عادة مستقرة - وهى التى يتساوى دمها أخذا وانقطاعا مدة شهرين متواليين - فانها ترجع الى تلك العادة اجماعا.
هذا اذا لم تكن ذات تمييز يخالفها، وهى التى سيأتى حكمها، أما اذا كانت المعتادة غير مميزة فانها تترك الصلاة والصوم برؤية الدم فان جاوز دمها العشرة ترجع الى عادتها (٣) ومعنى
стр. 1656
ذلك أن الزائد على أيام عادتها يعتبر استحاضة.
أما اذا كانت المعتادة مميزة فلا يخلو اما أن يكون التمييز غير مخالف للعادة فى زمانه وفى هذه الحالة تعمل بالعادة والتمييز وذلك بدهى لأن كلا من الامرين يؤكد ما يدل عليه الآخر، واما أن يكون التمييز مختلفا عن العادة من حيث الزمان، وفى حكم هذه الحالة أقوال ثلاثة:
أحدهما: أنه يجب عليها أن تقدم العادة لأنها أقوى من التمييز، وهو مذهب الأكثر وسائر المتأخرين.
والقول الثانى: أن التمييز أرجح من العادة والقول الثالث: أن المستحاضة مخيرة فى العمل بأى منهما وهو مذهب الطوسى (١) واذا نسيت المعتادة عادتها فان كانت ذاكرة لوقت الحيض ناسية للعدد فان الحكم فيها ان كانت ذاكرة لأول الحيض أن تجعل حيضها أقل ما يمكن الحيض فيه وهو ثلاثة أيام ثم تغتسل بعد ذلك وتصلى فيما بعد اذا عملت ما تعمله المستحاضة عند كل صلاة احتياطا وان ذكرت آخر الحيض جعلت ما قبله حيضا ثلاثة أيام ووجب عليها الغسل فى آخرها وعملت فيما عدا ذلك ما تعمله المستحاضة وتصلى، وان كانت غير ذاكرة لأول الحيض ولآخره فينبغى لها أن تجعل ذلك اليوم مقطوعا على أنه حيض ولا تجعل ما قبله حيضا لجواز أن يكون ذلك أول الحيض ولا تجعل ما بعده لجواز أن يكون ذلك آخر الحيض وينبغى أن تترك الصلاة والصوم ذلك اليوم. وفيما عدا ذلك تعمل عمل المستحاضة عند كل صلاة ثم تقضى الصوم عشرة أيام لأنها تعلم أن أكثر الحيض لا يكون أقل من عشرة أيام احتياطا (٢).
أما اذا كانت ذاكرة للعدد ناسية للوقت فانها تتخير فى تخصيص وقت للحيض ان لم يتميز دمها. وان تميز دمها خصصت العدد بما هو بصفة الحيض أى أنها تتخير مع عدم الأمارة .. وقيل تعمل فى الجميع عمل المستحاضة وتغتسل لانقطاع الحيض فى كل وقت يحتمله ..
وفى الخلاف: الناسية لوقتها ولا تمييز لها تترك الصوم والصلاة فى كل شهر سبعة أيام وتغتسل وتصلى الباقى وتصوم فيما بعد ولا قضاء عليها فى صوم ولا صلاة اجماعا (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: ان كانت عادتها ثلاثة أيام ثم تمادى بها الدم بعدها فانتظرت فرأت طهرا على تمام اليومين اللذين انتظرت فيهما .. وتوالى لها ذلك ثلاث مرات فلتنتقل لخمسة فان زادت بعدها وتوالى فالى سبعة ثم هى كذلك الى عشرة (٤). واذا زاد الدم أكثر من أيام الانتظار تركت الصلاة فى أيام الانتظار وأغتسلت وصلت بعدها فاذا عاد لها ذلك فعلت كذلك وهى
стр. 1657
مستحاضة فيما زاد .. وما ميزته مستحاضة بعد طهر تام حيض فى العبادات قال ابن حارث اتفاقا وفى العدة قولان: قال ابن بشير ان كانت أيام الدم أكثر فمستحاضة بلا خلاف وان كانت أقل أو سواء فمستحاضة على المشهور (١).
حكم المتحيرة:
يراد بالمتحيرة فى اصطلاح الفقهاء:
المستحاضة التى استمر بها الدم ونسيت عادتها وعدد أيامها وأولها وآخرها ودورها (٢) وسميت بالمتحيرة لتحيرها فى شأنها. وقد تسمى محيرة أيضا لأنها تحير الفقيه فى أمرها (٣) وبعض المذاهب يطلق على من استمر بها الدم الى مالا نهاية عبارة (المرتابة) (٤) وبعضهم يسميها المبتلاة (٥).
مذهب الحنفية:
جاء فى فتح القدير أن المرأة اذا كانت صاحبة عادة فاستمر بها الدم ونسيت عدد أيامها وأولها وآخرها ودورها فانه يجب عليها أن تتحرى وتمضى على أكبر رأيها، فان لم يكن لها رأى - وهى المحيرة - لا يحكم لها بشئ من الحيض والطهر على التعيين بل تأخذ بالأحوط فى حق الاحكام فتجتنب ما تجتنبه الحائض من القراءة والمس ودخول المسجد وقربان الزوج، وتغتسل لكل صلاة فتصلى به الفرض والوتر وتقرأ ما تجوز به الصلاة فقط، وقيل الفاتحة والسورة لأنهما واجبتان، وان حجت تطوف طواف الزيارة لأنه ركن ثم تعيده بعد عشرة أيام، وتطوف للصدر لأنه واجب وتصوم شهر رمضان ثم تقضى خمسة وعشرين يوما لاحتمال كونها حاضت من أوله عشرة ومن آخره خمسة أو بالعكس ثم يحتمل أنها حاضت فى القضاء عشرة فتسلم خمسة بيقين. وهل يقدر لها طهر فى حق العدة؟ اختلفوا فيه والفتوى على قول محمد بن الحسن وهو تقدير طهرها بشهرين (٦).
مذهب المالكية:
يعبر المالكية عن المتحيرة بتعبير المرتابة، ويبدو أنهم لم يفردوا لها أحكاما خاصة تميزها عن باقى المستحاضات على خلاف ما قررته المذاهب الأخرى.
فقد جاء فى الشرح الكبير: والدم المميز فى زمن الاستحاضة بتغير رائحة أو لون أو رقة أو ثخن أو بتألمها
بعد طهر تم خمسة عشر يوما حيض، فان لم تميز فهى مستحاضة ولو مكثت طول عمرها (٧) وقد علق العلامة الدسوقى على هذه العبارة الأخيرة بقوله: أى باقية على أنها طاهر ولو مكثت طول عمرها وتعتد عدة المرتابة بسنة بيضاء
стр. 1658
مذهب الشافعية:
وعند الشافعية فى حكم المتحيرة - وهى التى نسيت عادتها قدرا ووقتا قولان أحدهما أنها مردودة الى المبتدأة.
والثانى وهو أصحهما أنها مأمورة بالاحتياط غير مردودة الى المبتدأة.
ويمكن حصر أحكامها فى ستة أمور:
الاول: أنه لا يحل وطؤها. وعن الماوردى أنه لا بأس بوطئها.
الثانى: أن المتحيرة لا تقرأ القرآن لاحتمال الحيض. وعلى قول تقرأ اذ لا نهاية لعذرها. وهل تزيد على الفاتحة فى الصلاة؟ وجهان أظهرهما نعم، وحكمها فى دخول المسجد حكم الحائض أما مس المصحف وحمله فحرام عليها.
الثالث: أنها تصلى الخمس أبدا لان كل وقت أفرد بالنظر فمن الجائز كونها طاهرة فيه فتأخذ بالاحتياط وهل لها أن تتنفل؟ فيه وجهان أصحهما نعم. ثم يلزمها أن تغتسل لكل فريضة لاحتمال الانقطاع قبلها ويجب أن يقع غسلها فى الوقت كالتيمم. ولا يلزمها المبادرة الى الصلاة عقيب الغسل وقيل يلزمها كما فى وضوء المستحاضة (١).
الرابع: أن المتحيرة تصوم جميع شهر رمضان لاحتمال أنها طاهر فى الكل والمنقول عن الشافعى رضى الله عنه أنه يجزيها خمسة عشر يوما. وأكثر الاصحاب على اختلاف الطبقات لا يجزيها الا أربعة عشر يوما لاحتمال أن يبتدئ حيضها فى أثناء نهار ويمتد خمسة عشر يوما فينقطع فى أثناء نهار أيضا فتنبسط الخمسة عشر على ستة عشر ويفسد صومها - ثم عليها أن تقضى ستة عشر يوما وهذا اذا كان الشهر كاملا .. اما اذا كان ناقصا فعلى المنقول عن الشافعى لا يختلف وتقضى أربعة عشر يوما. وعلى قول الاكثرين المقضى لا يختلف ويحسب لها ثلاثة عشر يوما … ثم انها اذا أدت الصلاة الخمس. لا يجب عليها القضاء ويجزيها ذلك الاداء لانها ان كانت طاهرا وقت الصلاة المؤداة أجزأها ما فعلت والا فلا صلاة عليها اذ لا يجب قضاء صلوات أيام الحيض وأيضا فان قضاء الصلاة يفضى الى حرج شديد (٢).
الخامس: اذا كان عليها قضاء يوم واحد فانما تخرج عن عهدته بصوم ثلاثة أيام بأن تصوم يوما متى شاءت وتفطر يوما وتصوم اليوم الثالث ثم اليوم السابع عشر وأما اذا قضت أكثر من يوم فتضعف ما عليها وتزيد يومين ثم تصوم نصف المجموع ولاء متى شاءت وتصوم مثل ذلك من أول السادس عشر فتخرج عن العهدة - ولو أنها صامت ما عليها على الولاء متى شاءت من غير زيادة وأعادته من أول السابع عشر وصامت بينهما يومين - لخرجت عن العهدة. وان كانت الصلوات التى تريدها أكثر من واحدة فلها طريقان أحدهما أن تنزلها منزلة الصلاة الواحدة فتصليها على الولاء ثلاث مرات، والثانى أن تنظر فيما عليها ان لم يكن فيه اختلاف فتضعفه وتزيد عليه صلاتين أبدا وتصلى نصف
стр. 1659
الجملة ولاء ثم النصف الآخر فى أول السادس عشر من أول الشروع فى النصف الاول. والطواف بمثابة الصلاة واحدا كان أو عددا. ويكفى غسل واحد للطواف السادس: عدة المتحيرة اذا طلقها زوجها نقل عن الرافعى أن عدتها تنقضى بثلاثة أشهر لان الغالب أن يكون للمرأة فى كل شهر حيضة. ثم فى كيفية اعتدادها بالاشهر كلام ذكر فى باب العدة.
أنظر عدة
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أن المستحاضة التى تكون ناسية لوقتها وعددها يسميها الفقهاء المتحيرة وحكمها أنها تنتظر فى كل شهر ستة أيام أو سبعة يكون ذلك حيضا ثم تغتسل وهى فيما بعد ذلك مستحاضة تصوم وتصلى وتطوف، وعن أحمد أنها تنتظر أقل الحيض ثم ان كانت تعرف شهرها وهو مخالف للشهر المعروف انتظرت ذلك من شهرها وان لم تعرف شهرها انتظرت من الشهر المعروف لانه الغالب ولا تخلو المتحيرة من أن تكون جاهلة بشهرها أو عالمة به فان كانت جاهلة بشهرها رددناها الى الشهر الهلالى فحيضناها فى كل شهر حيضة لحديث حمنة ولأنه الغالب فترد اليه كردها الى الست أو السبع وان كانت عالمة بشهرها حيضناها فى كل شهر من شهورها حيضة لان ذلك عادتها فترد اليها كما ترد المعتادة الى عادتها فى عدد الايام الا أنها متى كان شهرها أقل من عشرين يوما لم نحيضها منه أكثر من الفاضل عن ثلاثة عشر أو خمسة عشر يوما لانها لو حاضت أكثر من ذلك لنقص طهرها عن أقل الطهر ولا سبيل اليه. وهل تنتظر أيام حيضها من أول كل شهر أو بالتحرى والاجتهاد؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجلسه من أول كل شهر اذا كان يحتمل ولأن المبتدأة تجلس من أول الشهر مع أنه لاعادة لها فكذلك الناسية ولان دم الحيض دم جبلة والاستحاضة عارضة فاذا رأت الدم وجب تغليب دم الحيض.
الوجه الثانى: أنها تجلس أيامها من الشهر بالتحرى والاجتهاد وهذا قول أبى بكر وابن أبى موسى (١).
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم: فان لم تعرف وقت حيضها لزمها فرضا أن تغتسل لكل صلاة وتتوضأ لكل صلاة أو تغتسل وتتوضأ وتصلى الظهر فى آخر وقتها ثم تتوضأ وتصلى العصر فى أول وقتها ثم تغتسل وتتوضأ وتصلى المغرب فى آخر وقتها ثم تتوضأ وتصلى العتمة فى أول وقتها ثم تغتسل وتتوضأ لصلاة الفجر وان شاءت أن تغتسل فى أول وقت الظهر للظهر والعصر فكذلك لها وفى أول وقت المغرب والعتمة فذلك لها، وتصلى كل صلاة لوقتها ولا بد وتتوضأ لكل فرض ونافلة فى يومها وليلتها فان عجزت عن ذلك وكان عليها فيه حرج تيممت (٢).
стр. 1660
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار والمتحيرة الناسية لوقتها وعددها، كمجنونة سنين استحيضت فيها ان ذكرت ابتداء الدم قدرت منه والا فان ذكرت لها حالة طهر قدرت فان لم. صلت وصامت واحترمت المسجد والمصحف والوط ء والقراءة الا الصلاة، واغتسلت لكل صلاة وقيل تكون من وقتها كالمبتدأة وهو قوى ما لم تتيقن مخالفة لقرائبها (١)، وجاء فى موضع آخر فأما التى التبس وقتها وعددها وهل تخلط شهرا بشهر أم لا … فان عرفت أنها لا تخلط شهرا بشهر تحيضت من ابتداء الدم عشرا لمجيئه وقت امكانه، فان جهلت ابتداءه، وعرفت تقدمه بعشر فصاعدا فان كانت فى وسط الشهر صلت بالغسل الى آخر الشهر ثم بالوضوء فى أول كل شهر ثلاثة أيام بالغسل الى آخر الشهر تفعل كذلك مستمرا فى غير شهر الابتداء وتصوم هذه رمضان ثم تقضى منه واحدا وعشرين لتجويز العشر الاولى والاخرى منه حيضا، والحادى والعشرين لجواز الخلط، اذ يجوز ابتداؤه فى وسط اليوم فى أول الشهر فتوفى من الحادى عشرفيتم قضاؤها لمضى أربعة وأربعين من أول شوال لجواز كون أول شوال طهرا وأخره طهرا وبطلان صوم يوم العيد منه ويوم اخر لجواز الخلط فى العاشر وأول القعدة حيض فبطل منه أحد عشر يوما لجواز الخلط فى الحادى عشر والثلاث بعده يصح القضاء فيها فيكمل القضاء بمضى أربعة عشر يوما من ذى القعدة (٢)
مذهب الإمامية:
يرى الإمامية أن الاحوط رد المتحيرة الى أسوأ الاحتمالات، ويتلخص حكمها عندهم فى عدة أمور هى:
الاول: منع الزوج من الوط ء فان فعل فلا كفارة عليه.
الثانى والثالث منعها من قراءة العزائم ومنعها من المساجد ويشمل الدخول واللبث ومنعها من الطواف وأباحه لها بعضهم الرابع أمرها بالصلاة وقيدها بعضهم بالفرائض .. ويرى البعض الآخر أن لها التنفل كالمتيمم وكذا الصوم المندوب والطواف. وهل تقضى الصلاة المفروضة؟ عندهم وجوه! أحدها عدم وجوب قضاء الصلاة، وثانيها وجوب القضاء.
ثالثها: احتمال الوجهين.
الخامس: الغسل عند كل صلاة - أى مفروضة - لاحتمال الانقطاع
ويجب أن توقع الغسل فى الوقت لانها طهارة ضرورية فأشبهت التيمم ولو أوقعته قبل الوقت فان انطبق أول الصلاة على أول الوقت وآخر الغسل جاز.
السادس: صوم جميع رمضان وقضاء أحد عشر يوما اذا علمت أنها لا تحيض فى الشهر الا مرة وقيل تقضى واحدا وعشرين ويقول العاملى قال علماؤنا تقضى صوم عشرة احتياطا والوجه قضاء أحد عشر.
السابع: أن المتحيرة لا يمكن أن تطلق الا على ما روى أنها تترك الصوم والصلاة فى كل شهر سبعة أيام وتصوم وتصلى فيما بعد (٣)،
стр. 1661
وفى المنتهى أنه لا تنقضى عدتها الا بانقضاء ثلاثة أشهر لان الغالب أن المرأة ترى فى كل شهر حيضة … ولا يراجعها زوجها الا قبل تسعة وثلاثين يوما
الثامن: اذا أرادت قضاء صلاة قضتها ثلاثا فتغتسل لانقطاع الحيض وتصليها أول طلوع الشمس مثلا من يوم وتفعل مثل ذلك قبل اكمال عشرة أيام أى يوم شاءت فى أى ساعة شاءت وتفعل مثل ذلك ثالثة فى مثل ذلك الوقت من الحادى عشر (١).
مذهب الإباضية:
الإباضية يطلقون على المتحيرة اسم المبتلاة، فقد جاء فى شرح النيل «وان تمادى بها - أى بالمبتدأة - بعد الانتظار انتسبت سنة، تترك اثنى عشر وتصلى كما قالت من تنتسب اليها فاذا تمت السنة كانت مبتلاة لانها بانتسابها الى أمرأة كأنها تلك المرأة وكان وقت تلك المرأة وقتها بخلافها بعد فانها ابتليت بانعقاد علتها بحكم الشرع على مدة مخصوصة للحيض والطهر ويكون صلاتها أقل من حيضها تدع الصلاة اثنا عشر يوما وقيل أحد عشر وقيل ثلاثة عشر غاية الحيض ومدة الانتظار على الخلاف فيها وتصلى عشرة فهى مستحاضة تغتسل لكل صلاتين وتجمعهما وتغتسل للفجر وحده وان أفردت اغتسلت لكل صلاة حتى يفرج الله ما بها من علة وقيل ذلك الغسل مستحب والواجب غسل واحد بعد الاثنى عشر أو ما ذكر ولا انتساب لها فى الطهر سواء أكان لها وقت فى الحيض أم لا عند الربيع ولا انتظار لها وتصلى عشرة وتترك عشرة … وهل يحكم بابتلائها بعد سنة أو سنتين أو ثلاث أو بثلاث مرات أو من أول حيضها؟ خلاف والذى فى الديوان أنها اذا حاضت ثلاث مرات وانتسبت ثلاث مرات كانت مبتلاة تصلى عشرة وتترك اثنى عشر. وذكر فيه أن المبتلاة من أول وقتها أو من بعد ما كانت مستحاضة اذا رأت الطهر من بعد ما حاضت ثلاثة أيام أو أكثر الى عشرة فاغتسلت وصلت فانها تأخذ ذلك وقتا للحيض مثل التى لا وقت لها قبل ذلك، وان غلطت بالزيادة أو النقصان فى وقت قريبتها أو غلطت قريبتها رجعت الى الصواب وأعادت لما تركت وتعيد ما صلت من وقت حيضها ومن تشاكل عليها وقت طهرها بعد ما كانت مبتلاة صلت عشرة وتركت اثنى عشر (٢).
تداخل الاستحاضة مع الطهر والحيض
التلفيق وما يتعلق به
مذهب الحنفية:
والطهر المتخلل بين الدمين فى مدة الحيض فهو كالدم المتوالى. وهذه احدى الروايات عن أبى حنيفة ﵀ ووجهه أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالاجماع فيعتبر أوله وآخره كالنصاب فى باب الزكاة وعن أبى يوسف ﵀ وهو روايته عن أبى حنيفة وقيل هو آخر أقواله أن الطهر اذا كان أقل من خمسة عشر يوما لا يفصل وهو
стр. 1662
كله كالدم المتوالى لأنه طهر فاسد (١).
مذهب المالكية:
جاء فى كفاية الطالب الربانى: أن الملفقة هى التى تقطع طهرها أى تخلله دم فصارت تحيض قبل تمام الطهر الفاصل، وقد أشار اليها صاحب المختصر بقوله وان تقطع طهر لفقت أيام الطهر فقط على تفصيلها ثم هى مستحاضة وتغتسل كلما انقطع وتصوم وتصلى وتوطأ - قال بهرام ضمت أيام الدم بعضها الى بعض فان حصل معها ما يحكم بأنه أكثر الحيض صارت بعد ذلك مستحاضة، وتغتسل كلما انقطع لانها لا تدرى هل يعاودها دم أم لا وتصوم وتصلى ولا فرق بين أن تكون أيام الدم أكثر أو أقل أو مساوية، وقد علق العلامة العدوى على ذلك فقال ان كانت معتادة فتلفق عادتها واستظهارها وان كانت مبتدأة لفقت نصف شهر، فالمراد بالاكثر هو القدر المتحصل من أيام عادتها واستظهارها المختلف ذلك باختلاف أحوال النساء - قال أحمد زروق والمراد من قولهم ان الدم المتخلل كله كدم واحد أنها تلفق أيام الدم بعضها الى بعض حتى تنتهى لما هو حكمها من عادة أو غيرها - ثم تكون بعد ذلك مستحاضة فاذا اجتمع من أيام الدم قدر عادتها والاستظهار أو خمسة عشر يوما كانت مستحاضة فى بقية عمرها كما هو مصرح به وتعتد عدة المستحاضة (٢).
مذهب الشافعية:
يقول صاحب المهذب: اذا تخلل دم الاستحاضة طهر بأن رأت يوما وليلة دما ويوما وليلة نقاء وعبر الخمسة عشر فهى مستحاضة. وقال ابن بنت الشافعى الطهر فى اليوم السادس عشر يفصل بين الحيض وبين ما بعده فيكون الدم فى الخمسة عشر حيضا وفى النقاء الذى بينهما قولان فى التلفيق لانا حكمنا فى اليوم السادس عشر لما رأت النقاء بطهارتها وأمرناها بالصوم والصلاة.
وما بعده ليس بحيض بل هو طهر فكان بمنزلة ما لو انقطع الدم بعد الخمسة عشر ولم يعد، والمنصوص أنها مستحاضة اختلط حيضها بالاستحاضة (٣).
مذهب الحنابلة: (٤)
يقول ابن قدامة التفليق ضم الدم الى الدم الذى بينهما طهر
فاذا رأت يوما طهرا ويوما دما ولم يجاوز أكثر الحيض فانها تضم الدم الى الدم فيكون حيضا وما بينهما من النقاء طهر … ولا فرق بين أن يكون زمن الدم أكثر من زمن الطهر أو مثله أو أقل منه مثل أن ترى يومين دما ويوما طهرا أو يومين طهرا ويوما دما أو أقل أو أكثر فان جميع الدم حيض اذا تكرر ولم يجاوز لمدة أكثر الحيض، فان كان الدم أقل من يوم مثل أن ترى نصف يوم دما ونصفه طهرا أو ساعة وساعة فقال الأصحاب يضم الدم الى الدم فيكون حيضا وما بينهما طهر اذا بلغ المتجمع منه أقل الحيض فان لم يبلغ ذلك فهو دم
стр. 1663
فساد وفيه وجه آخر لا يكون الدم حيضا الا أن يتقدمه حيض صحيح متصل … فان جاوز الدم أكثر الحيض بأن يكون بين طرفيه أكثر من خمسة عشر يوما مثل أن ترى يوما دما ويوما طهرا الى ثمانية عشر يوما فهى مستحاضة.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم حكم التى كانت أيامها مختلفة متنقلة أن تبنى على آخر حيض حاضته (١)، وهى فى الايام التى ينقطع عنها دم الحيض تعتبر طاهرا وأن أى دم تراه غير الدم الاسود لا يؤثر فى طهرها لانه دم استحاضة فاذا انقطع عنها الدم الاسود ولو ساعة فلتغتسل وتصلى (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى المنتزع المختار أن النقاء من الدم المتوسط أثناء خروج الدم نحو أن تدمى يوما وتنقى يوما بعده وتدمى فى الثالث فان النقاء المتوسط حيض شرعى وكذا لو دمت يوما ونقت ثمانيا ودمت العاشر فان الثمانى حيض .. وقال البعض لا يكون النقاء حيضا الا اذا توسط بين دمى حيض - ووجه هذا القول ان اليوم الاول لم يبلغ أقصى الحيض واليوم الآخر رأته بعد العشرة فيكون اليومان الاول والآخر استحاضة - وقيل لا فرق، وثمرة الخلاف تظهر حيث ترى يوما دما وتسعة نقاء ويوما دما فعلى القول الثانى لا حيض وعلى القول الثالث القائل بعدم الفرق يكون اليوم الاول حيضا وكذلك التسع - والدم الذى يكون فى الحادى عشر استحاضة - وقد أضيف النقاء الى الحيض لانه لم يتم طهرا صحيحا (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة: لو استمر الدم ثلاثة أيام وانقطع ورأته قبل العاشر وانقطع على العاشر فالدمان وما بينهما حيض ولو لم ينقطع عليه فالحيض الاول خاصة (٤). وحيث أنهم يقولون أن كل ما ليس بدم حيض ولا جرح فهو دم استحاضة فان هذا الدم الثانى هو دم استحاضة، وفى شرائع الاسلام.
لو رأت الدم قبل العادة وفى العادة فان لم يتجاوز العشرة فالكل حيض وان تجاوز جعلت العادة حيضا وكان ما تقدمها استحاضة وكذا لو رأت فى وقت العادة وبعدها ولو رأت قبل العادة وفى العادة وبعدها: فان لم يتجاوز العشرة فالجميع حيض، وان زاد عن العشرة فالحيض وقت العادة والطرفان استحاضة … ولو كانت عادتها فى كل شهر مرة عددا معينا فرأت فى شهر مرتين بعدد أيام العادة كان ذلك حيضا ولو جاءت فى كل مرة أزيد من العادة لكان حيضا اذا لم يتجاوز العشرة فان تجاوز تحيضت بقدر عادتها وكان الباقى استحاضة (٥).
стр. 1664
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن المرأة اذا رأت الدم ثم انقطع نظرت بين انقطاعه وعوده فان كان مقدار طهر تام فالدم الثانى حيض وان كان غير تام فحيضة ملتقطة فتضم الثانى للأول وتلغى ما بين ذلك من الايام فاذا تحصل من ذلك عادتها خاصة أو مع الاستظهار أو خمسة عشر يوما فهى حيضة ثم هى بعد ذلك مستحاضة، وتغتسل المستحاضة الملفقة كلما انقطع … وقيل وقتها عشرة بتلفيق الجميع، أيام الدم وأيام الطهر
ولا وقت لها عند مشترط الثلاثة فى البناء لأنه لم يتقدم لها من الدم الا يوم أو يومان فلو تقدم لها ثلاث وصلت ستة وفى العاشر رأت دما كان وقتها أربعة وقيل عشرة بتلفيق أيام الدم والطهر جميعا (١).
عدة المستحاضة
مذهب الحنفية:
جاء فى فتح القدير وممن ذكرنا من النساء اللاتى أنهن يعتددن بالاشهر ..
المستحاضة التى نسيت عادتها، فاذا قدرت بثلاثة أشهر علم أنها حاضت ثلاث حيض بيقين بخلاف التى لم تنس فانها ترد الى أيام عادتها فجاز كون عادتها أول الشهر فتخرج من العدة فى خمسة أو ستة من الثالث ويلاحظ أن اطلاقهم فى الانقضاء بثلاثة أشهر فى المستحاضة الناسية لا يصح الا اذا طلقها أول الشهر أما لو طلقها بعد ما مضى من الشهر قدر ما يصح حيضة ينبغى أن يعتبر ثلاثة أشهر غير باقى هذا الشهر، ويجب فى التى بلغت مستحاضة مثل المستحاضة التى عادتها ثلاثة أشهر (٢).
مذهب المالكية:
ذكر العلامة الدردير أن المرأة اذا استحيضت وقد ميزت بين الحيض والاستحاضة برائحة أو لون أو كثرة فتعتد بالاقراء … وان لم تميز المستحاضة المطلقة بين الدمين … تربصت تسعة من الاشهر استبراء لزوال الريبة لانها مدة الحمل غالبا - وتعتبر تلك التسعة من يوم الطلاق على ما فى المدونة - ثم اعتدت - بعد تلك التسعة - بثلاثة أشهر أخرى - وحلت بعد السنة - أى انقضت عدتها وحلت للازواج - حرة أو أمة (٣).
ويرى المالكية أن المرأة المدخول بها اذا توفى عنها زوجها واستحيضت ولم تميز وارتابت - أى حصل لها ريبة فى حملها فانها تنتظر الحيضة والحال أنه قد مضى عليها من تاريخ الوفاة أربعة أشهر وعشرا - فان رأت الحيض بأن حصل لها تمييز حلت والا فانها تنتظر تسعة أشهر من يوم الوفاة لانها مدة الحمل غالبا فان زالت الريبة حلت والا تزل فأقصى مدة الحمل.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج .. وعدة مستحاضة غير متحيرة بأقرائها المردودة هى اليها حيضا وطهرا فترد معتادة لعادتها فيهما ومميزة
стр. 1665
لتمييزها كذلك ومبتدأة ليوم وليلة فى الحيض وتسع وعشرين فى الطهر فعدتها تسعون يوما من ابتداء دمها ان كانت حرة لاشتمال كل شهر على حيض وطهر غالبا. قال الاذرعى ان المجنونة التى ترى الدم تعتد بالاشهر كالصغيرة وهذا هو الاصح لكن يتعين حمله على انبهام زمن حيضها وعدم معرفته اذ غايتها أن تكون حينئذ كالمتحيرة اما اذا عرف حيضها فتعتد به (١).
مذهب الحنابلة: (٢)
يقول ابن قدامة فى عدة المستحاضة انها لا تخلو اما أن يكون لها حيض محكوم به بعادة أو تمييز ولا تكون كذلك فان كان لها حيض محكوم به بذلك فحكمها حكم غير المستحاضة اذا مرت بها ثلاثة قروء فقد انقضت عدتها، قال أحمد: المستحاضة تعتد أيام اقرائها التى كانت تعرف، وان علمت ان لها فى كل شهر حيضة ولم تعلم موضعها فعدتها ثلاثة أشهر، وان شكت فى شئ تربصت حتى تستيقن أن القروء الثلاث قد انقضت. وان كانت مبتدأة لا تمييز لها أو ناسية لا تعرف لها وقتا ولا تمييزا فعن أحمد فيها روايتان:
احداهما ان عدتها ثلاثة أشهر وهو قول عكرمة وقتادة وأبى عبيد والرواية الثانية:
تعتد بمنزلة من رفعت حيضتها لا تدرى ما رفعها. قال أحمد: اذا كانت قد اختلطت ولم تعلم اقبال الدم وادباره اعتدت سنة لحديث عمر لأن به يتبين الحمل، وهو قول اسحاق لأنها لم تتيقن لها حيضا مع انها من ذوات القروء فكانت عدتها سنة كالتى ارتفع حيضها. وعلى الرواية الاولى ينبغى أن يقال: اننا متى حكمنا بأن حيضها سبعة أيام من كل شهر فمضى لها شهران بالهلال وسبعة أيام من أول الثالث فقد انقضت عدتها وان قلنا القروء الاطهار فطلقها فى آخر شهر ثم مر لها شهران وهل الثالث فقد انقضت عدتها.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: واما المستحاضة التى لا يتميز دمها ولا تعرف أيام حيضها فان كانت مبتدأة لم يكن لها أيام حيض قبل ذلك فعدتها ثلاثة أشهر لانها لم يصح عنها حيض قط فهى من اللائى لم يحضن فان كانت ممن كان لها حيض معروف فنسيته أو نسيت مقداره ووقته فعليها أن تتربص مقدارا توقن فيه أنها قد أتمت ثلاثة أطهار وحيضتين وصارت فى الثالثة ولا بد، فاذا مضى المقدار المذكور فقد حلت لانها من ذوات الأقراء بلا شك فعليها اتمام ثلاثة قروء واما اذا تميز دمها فأمرها بين اذا رأت الدم الاسود فهو حيض واذا رأت الاحمر أو الصفرة فهو طهر وكذلك التى لا يتميز دمها الا أنها تعرف أيامها فانها تعتد اذا جاءت أيامها التى كانت تحيض فيها حيضا، وبأيامها التى كانت تطهر فيها طهرا وأما المستريبة فان كانت عدتها بالاقراء أو الشهور فأتمتها الا أنها تقدر أنها حامل وليست موقنة بذلك ولا بأنها ليست حاملا، فهذه امرأة لم
стр. 1666
توقن أنها من ذوات الاقراء قطعا ولا توقن أنها من ذوات الشهور حتما ولا توقن أنها من ذوات الاحمال بتا. هذه صفتها ولا شك نعلم ذلك حسا ومشاهدة فاذ هى كذلك فلا بدلها من التربص حتى توقن أنها حامل فتكون عدتها وضع حملها أو توقن أنها ليست حاملا فتتزوج أن شاءت اذا ايقنت أنها لا حمل بها لانها قد تمت عدتها المتصلة بما أوجبها الله تعالى من الطلاق. أما الاقراء واما الشهور … وأقصى ما يكون التربص من آخر وط ء وطأها زوجها خمسة أشهر فلا سبيل الى أن يتجاوزها الا وهى موقنة بالحمل أو ببطلانه لأن رسول الله ﷺ أخبر أنه بعد أربعة أشهر ينفخ فيه الروح واذا نفخ فيه الروح فهو حى واذا كان حيا فلا بد له ضرورة من حركة. وأما المختلفة الاقراء فلا بد لها من تمام اقرائها بالغه ما بلغت لاحد لذلك لان الله تعالى أوجب عليها أن تتربص ثلاثة قروء ولم يجعل الله تعالى لذلك حدا محدودا «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى المنتزع المختار أن المستحاضة عليها أن تتحرى للعدة والصلاة .. فان حصل لها ظن بتمييز الحيض من الطهر عملت به وان لم يحصل لها ذلك. فقيل تعتد بثلاثة أشهر، لان الغالب فى الحيض أنه يأتى فى الشهر مرة.
وهذا الرأى قوى اذا كانت عادتها أن الدم يأتيها فى الشهر مرة ثم التبس فى أى وقت منه .. وأما من علمت أن حيضتها تأتى فى كل شهر مرة وانما نسيت تعيين الوقت فانها تعتد بثلاثة أشهر على الاصح … وأما اذا جهلت العدد فانها تنتظر فى الحيضة الثالثة أكثر الحيض وهو عشرة أيام ولا تتحرى ولها فى جميع العشرة النفقة والكسوة، وله مراجعتها فيها لان الاصل عدم مضى العدة. هذا فى المعتادة ..
وأما اذا كانت مبتدأة واستحيضت، ثم طلقت فانها ترجع الى عادة قرائبها من قبل أبيها (٢).
مذهب الإمامية:
روى صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه عن أبى عبيد الله ﵇ أنه قال: عدة المستحاضة التى لا تطهر ثلاثة أشهر. وسأله محمد بن مسلم عن عدة المستحاضة فقال تنتظر قدر اقرائها فتزيد يوما أو تنقص يوما فان لم تحض فلتنظر الى بعض نسائها فلتعتد باقرائها (٣).
مذهب الإباضية:
يقول شارح النيل فى باب العدة والمستحاضة تحسب أيام ترك الصلاة حيضا فاذا تمت ثلاث حيض تزوجت، ومن قال بالتمييز يأمرها أن تحسب أيام ترك الصلاة بتمييزها دم الحيض عن الاستحاضة، وان لم تميز مكثت تسعة أشهر للحمل وثلاثة كما تمكث الآيسة ثلاثة وتزوجت (٤).
стр. 1667
استحالة
التعريف اللغوى
جاء فى لسان العرب (١): المحال من الكلام ما عدل به عن وجهه، وحوله جعله محالا، وكلام مستحيل أى محال، وجاء فى معنى حال: كل شئ تغير عن الاستواء الى العوج فقد حال فى معنى واستحال وهو مستحيل.
التعريف الشرعى
استعمل الفقهاء الاستحالة بمعنى التغير والتبدل من شئ الى شئ آخر فقد جاء فى دليل العروة (٢) الوثقى:
الاستحالة هى تبدل حقيقة الشئ وصورته النوعية الى صورة أخرى، وجاء فى (٣) ابن عابدين: أن التطهير يكون بانقلاب العين ثم قال: والدهن النجس يصير فى الصابون يفتى بطهارته لانه تغير، والتغير يطهر عند محمد فان العلة عنده هى التغيير وانقلاب الحقيقة ثم قال: خمر صارت خلا وعذرة صارت رمادا فان ذلك كله انقلاب حقيقة الى حقيقة أخرى، وفى الفتاوى الهندية (٤): من المطهرات الاستحالة ومثل لها بتخلل الخمر، وفى منتهى الارادات (٥) قال: ولا تطهر النجاسة بالاستحالة ومثل لها بالدم يستحيل قيحا، هذا فى عرف الفقهاء.
أما فى اصطلاح الأصوليين فانهم يستعملون الاستحالة بمعنى الامتناع أى الذى يمتنع حدوثه ووقوعه كالجمع بين الضدين كما قال البزدوى (٦): من أحكام الحقيقة والمجاز: استحالة اجتماعهما مرادين بلفظ واحد وكما قال الآمدى (٧):
المختار امتناع التكليف بالمستحيل لذاته كالجمع بين الضدين ونحوه.
استحالة النجس الى طاهر بالاحراق أو غيره
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (٨): من الامور التى يكون بها التطهير انقلاب العين ثم قال:
стр. 1668
فان كان فى الخمر فلا خلاف فى الطهارة وان كان فى غيره كالخنزير والميتة تقع فى المملحة فتصير ملحا يؤكل والسرقين والعذرة تحترق فتصير رمادا تطهر عند محمد خلافا لابى يوسف حيث أنه يرى (١) أن الاشياء النجسة لا تطهر بانقلاب عينها، وفى التجنيس اختار قول أبى يوسف اذ قال: خشبة أصابها بول فاحترقت ووقع رمادها فى بئر يفسد الماء، وكذلك رماد العذرة وكذا الحمار اذا مات فى مملحة لا يؤكل الملح هذا قول أبى يوسف ودليله أن الرماد أجزاء تلك النجاسة فتبقى النجاسة من وجه فالتحقت بالنجس من كل وجه احتياطا.
وقال فى البحر الرائق (٢): وضم الى محمد أبا حنيفة فى المحيط وكثير من المشايخ اختاروا قول محمد، وفى الخلاصة وعليه الفتوى، وفى فتح القدير أنه المختار لأن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة وتنتفى الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها فكيف بالكل؟ فان الملح غير العظم واللحم فاذا صار ملحا ترتب حكم الملح ونظيره فى الشرع النطفة نجسة وتصير علقة وهى نجسة وتصير مضغة فتطهر، والعصير طاهر فيصير خمرا فينجس ويصير خلا فيطهر فعرفنا من ذلك أن استحالة العين تستتبع زوال الوصف المترتب عليها.
وفى فتح القدير (٣): وعلى قول محمد فرعوا الحكم بطهارة صابون صنع من زيت نجس، وفى الخلاصة:
فأرة وقعت فى دن خمر فصار خلا يطهر اذا رمى بالفأرة قبل التخلل، وان تفسخت الفأرة فيها لا يباح، ولو وقعت الفأرة بالعصير ثم تخمر العصير ثم تخلل لا يطهر، وفى الظهيرية كذلك اذا صب الماء فى الخمر ثم صارت الخمر خلا تطهر وهو الصحيح.
وفى حاشية ابن عابدين (٤) بعد أن قال:
ان العلة عند محمد هى التغيير وانقلاب الحقيقة وأنه يفتى به للبلوى قال: ومقتضاه عدم اختصاص ذلك الحكم بالصابون الذى صنع من زيت نجس فيدخل فيه كل ما كان فيه تغيير وانقلاب حقيقة وكان فيه بلوى عامة فيقال كذلك فى الدبس المطبوخ اذا كان ذبيبه متنجسا ولا سيما أن الفأر يدخله فيبول ويبعر فيه وقد يموت فيه وقد بحث كذلك بعض شيوخ مشايخنا فقال: وعلى هذا اذا تنجس السمسم ثم صار طحينة يطهر خصوصا وقد عمت به البلوى وقاسه على ما اذا وقع عصفور فى بئر حتى صار طينا لا يلزم اخراجه لاستحالته.
стр. 1669
وفى الفتاوى الهندية (١) قال اذا حرق، رأس الشاة ملطخا بالدم وزال عنه الدم يحكم بطهارته. والطين النجس اذا جعل منه الكوز والقدر فطبخ يكون طاهرا هكذا فى المحيط وكذا اللبن اذا لبن بالماء النجس وأحرق قال والدباغ يطهر الجلود النجسة لان الدباغ تطهير للجلود كلها الا جلد الانسان والخنزير كذا ذكر الكرخى لما روى عن النبى ﷺ أنه قال أيما اهاب دبغ فقد طهر كالخمر تخلل فتحل وروى أن النبى ﷺ مر بفناء قوم فاستسقاهم فقال هل عندكم ماء فقالت امرأة: لا يا رسول الله الا فى قربة لى ميتة فقال ﷺ ألست دبغتيها فقالت نعم فقال دباغها طهورها ولان نجاسة الميتات لما فيها من الرطوبات والدماء السائلة وأنها تزول بالدباغ فتطهر كالثوب النجس اذا غسل ثم الدباغ على ضربين حقيقى وحكمى فالحقيقى هو أن يدبغ بشئ له قيمة كالقرظ والعفص والسبخة ونحوها والحكمى أن يدبغ بالتشميس والتتريب والالقاء فى الريح والنوعان مستويان فى سائر الأحكام لا فى حكم واحد وهو أنه لو أصابه الماء بعد الدباغ الحقيقى لا يعود نجسا وبعد الدباغ الحكمى فيه روايتان (٢).
مذهب المالكية:
يذهب المالكية الى أن ما استحال الى صلاح فهو طاهر وأن ما استحال الى فساد كان نجسا فقد جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى (٣) عليه: من الطاهر لبن الآدمى ولو كافرا لاستحالته الى صلاح ثم جاء فى موضع آخر (٤): اذا تغير القئ وهو الخارج من الطعام بعد استقراره فى المعدة كان نجسا وعلة نجاسته الاستحالة الى فساد فان لم يتغير كان طاهرا واعتبر المالكية كذلك أن المسك طاهر لان أصله دم انعقد وعلة طهارته استحالته الى صلاح أى استحالة أصله وانما كان طاهرا مع نجاسة أصله للاستحالة، وكذلك فأرته وهى الجلدة التى يكون فيها المسك تعتبر طاهرة للاستحالة أيضا ولو أخذت بعد الموت والفرق بينه وبين اللبن والبيض الخارجين بعد الموت مع أن كلا استحال الى صلاح وعدم استقذار هو شدة الاستحالة فى المسك الى صلاح (٥).
وفى الحطاب أنه حكم بطهارة المسك لأنها استحالت عن جميع صفات الدم وخرجت عن اسمه الى صفات والى اسم
стр. 1670
يختص بها فطهرت لذلك كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات الى اللحم فيكون طاهرا وانما لم تنجس فأرة المسك بالموت لأنها ليست بحيوان ولا جزء منه (١)، وحكم المالكية كذلك بنجاسة المنى والمذى والودى لاستحالة أصلها وهو الدم الى فساد (٢)، الا أنه قد اختلف (٣) فى الرماد المتخلف من احراق النجس فقيل بنجاسته بناء على أن النجاسة اذا تغيرت أعراضها لا تتغير عن الحكم الذى كانت عليه عملا بالاستصحاب، وقال الدردير والمعتمد أنه طاهر قال الدسوقى فان النار تطهر سواء أكلت النجاسة أكلا قويا أو لا خلافا لمن قال بنجاسته كخليل ثم قال: وعلى القول المعتمد فالخبز المخبوز بالروث النجس طاهر ولو تعلق به شئ من الرماد وكذا ينبنى عليه طهارة ما حمى من الفخار بنجس وكذا عرق حمام به وكذلك قال خليل (٤) بنجاسة دخان النجس وضعفه الدردير ثم قال: والمعتمد طهارته أيضا وفى الحطاب ذكر فى الطراز عن مالك فى المرتك (مرهم) المصنوع من عظام الميته لا يصلى به وعن ابن الماجشون أنه يصلى به وقال ابن عرفة روى الشيخ ان جعل مرتك صنع من عظم ميتة لقرحة وجب غسله، والنبات الذى نبت من بذر نجس أو متنجس أو سقى بماء نجس يكون طاهرا (٥)، ثم قال فى التوضيح: اختلفت عبارة أهل المذهب فى جلد الميتة المدبوغ فقال أكثرهم: مطهر طهارة مقيدة أى يستعمل فى اليابسات والماء وحده وقال عبد الوهاب وابن رشد: انه نجس ولكن رخص فى استعماله فى ذلك ولذلك لا يصلى عليه وهو خلاف لفظى ولفظ ابن رشد فى سماع أشهب من كتاب الطهارة: المشهور من قول مالك المعلوم من مذهبه: أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ وانما يجوز الانتفاع به فى المعانى التى ذكرت ثم قال: والدبغ هو ما أزال الريح والرطوبة وحفظ الجلد من الاستحالة كما تحفظه الحياة (٦).
مذهب الشافعية:
فرق الشافعية (٧) بين ما هو نجس لعينه وبين ما هو نجس لمعنى فيه، فأما الأشياء النجسة لعينها كالعذرة والسرجين وعظام الميتة فقالوا لا تطهر بالاستحالة وأما ان كانت نجاستها لمعنى فيه كالخمر فانها باستحالتها يزول هذا المعنى فتكون
стр. 1671
طاهرة، وقال فى المهذب (١): ولا يطهر شئ من النجاسات بالاستحالة الا شيئان أحدهما جلد الميتة اذا دبغ والثانى الخمر ثم قال صاحب المهذب: وان أحرق العذرة أو السرجين حتى صار رمادا لم تطهر لان نجاستهما لعينهما وتخالف الخمر فان نجاستها لمعنى معقول وقد زال ذلك، وأما دخان النجاسة اذا أحرقت ففيه وجهان:
أحدهما أنه نجس لأنه أجزاء متحللة عن النجاسة فهو كالرماد، والثانى أنه ليس بنجس لانه بخار نجاسة فهو كالبخار الذى يخرج من الجوف ثم قال: وان طبخ اللبن (٢) (الطوب النئ) الذى خلط بطينة السرجين لم يطهر لأن النار لا تطهر النجاسة وقال أبو الحسن بن المرزبان اذا غسل طهر ظاهره فتجوز الصلاة عليه، وفى نهاية المحتاج: والمستحيل فى باطن الحيوان نجس فمنه دم ولو تحلب من سمك وكبد وطحال لقول الله تعالى:
«أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» (٣) وخرج بالمسفوح الكبد والطحال، ومنه قيح لكونه دما يستحيل الى نتن وفساد وماء قرح ونفط وجدرى متغير وقئ اتفاقا وهو الراجع بعد الوصول الى المعدة ولو ماء وان لم يتغير كما قاله الشيخان النووى والرافعى ثم قال: والمسك طاهر لخبر مسلم: المسك أطيب الطيب وكذا فأرته بشعرها ان انفصلت فى حال حياة الظبية أى ولو كان الانفصال فى حال الحياة محتملا فيما يظهر أو بعد ذكاتها والا فنجسان كما أفاده الشيخ فى المسك قياسا على الانفحة ثم قال: ومذى وودى وكذا منى غير الآدمى كسائر المستحيلات، أما منى الآدمى فطاهر فى الاظهر، ومقابل الاصح أنه نجس مطلقا لاستحالته فى الباطن ثم قال: لو استحالت البيضة دما وصلح للتخلق فطاهرة والا فلا، ولبن مالا يؤكل غير لبن الآدمى كلبن الاتان لكونه من المستحيلات فى الباطن قال: وليست العلقة وهى دم غليظ يستحيل اليه المنى والمضغة بنجسة فى الاصح (٤).
مذهب الحنابلة:
قال ابن قدامة فى المغنى (٥) ظاهر المذهب أنه لا يطهر شئ من النجاسات للاستحالة الا الخمر اذا انقلبت بنفسها خلا وما عداه لا يطهر كالنجاسات اذا احترقت فصارت رمادا والخنزير اذا وقع فى الملاحة وصار ملحا والدخان الصاعد من وقود النجاسة والبخار المتصاعد من الماء النجس اذا اجتمعت منه نداءة على جسم صقيل ثم قطر فهو نجس، وقال أيضا ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة قياسا على
стр. 1672
الخمرة اذا انقلبت وجلود الميتة اذا دبغت والجلالة اذا حبست والاول ظاهر المذهب وقد نهى الامام أحمد ﵀ عن الخبز فى تنور شوى فيه خنزير، وفى موضع آخر قال ابن قدامة (١) ولا تطهر النجاسة بالاستحالة فلو أحرق السرجين النجس وصار رمادا أو وقع كلب فى ملاحة فصار ملحا لم تطهر لأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة فلم تطهر بها كالدم إذا صار قيحاً أو صديدا وقال (٢) اذا كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة كالرميم والروث والدم اذا جف فاختلطت بأجزاء الارض لم تطهر بالغسل لان عينها لا تنقلب ولا تطهر الا بازالة أجزاء المكان بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة وقال فى موضع آخر الآجر المعجون بالنجاسة نجس لان النار لا تطهره فان غسل طهر ظاهره لان النار أكلت أجزاء النجاسة الظاهرة وبقى أثرها فتطهر بالغسل كالأرض النجسة وبقى باطنها نجسا لان الماء لم يصل اليه فان صلى عليه بعد الغسل فهو كما لو صلى على بساط طاهر مفروش على أرض نجسة ولذلك اذا انكسر من الآجر النجس قطعة فظهر بعض باطنه فهو نجس لا تصح الصلاة عليه (٣) وفى كشاف القناع (٤) قال ان الصابون الذى عمل من زيت نجس يعتبر نجسا
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: اذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام فبطل عنه الاسم الذى به ورد ذلك الحكم فيه وانتقل الى اسم آخر وارد على حلال طاهر فليس هو ذلك النجس ولا الحرام بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر (٥) وكذلك اذا استحالت عين الحلال الطاهر فبطل عنه الاسم الذى به ورد ذلك الحكم فيه وانتقل الى اسم آخر وارد على حرام أو نجس فليس هو ذلك الحلال الطاهر بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر كالعصير يصير خمرا أو الخمر يصير خلا أو لحم خنزير تأكله دجاجة يستحيل فيها لحم دجاج حلالا وكالماء يصير بولا والطعام يصير عذرة والعذرة والبول تدهن بهما الأرض فيعودان ثمرة حلالا ومثل هذا كثير وكنقطة ماء تقع فى خمر أو نقطة خمر تقع فى ماء فلا يظهر لشئ من ذلك أثر وهكذا كل شئ والاحكام للاسماء والاسماء تابعة للصفات التى هى حد ما هى فيه المفرق بين أنواعه (٦) ثم قال ابن حزم الظاهرى فى موضع آخر اذا أحرقت العذرة أو الميتة
стр. 1673
أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا فكل ذلك طاهر برهان ذلك أن الاحكام انما هى على ما حكم الله تعالى بها فيه مما يقع عليه ذلك الاسم الذى به خاطبنا الله فاذا سقط ذلك الاسم فقد سقط ذلك الحكم وأنه غير الذى حكم الله تعالى فيه، والعذرة غير التراب وغير الرماد (١)، وكذلك الخمر غير الخل والانسان غير الدم الذى منه خلق والميتة غير التراب، ثم قال فى موضع آخر: (٢) وتطهير جلد الميتة أى ميتة كانت ولو أنها جلد خنزير أو كلب أو سبع أو غير ذلك فانه بالدباغ بأى شئ دبغ طاهر فاذا دبغ حل بيعه والصلاة عليه وكان كجلد ما ذكى مما يحل أكله، وانتقل الى موضوع آخر فقال: واناء الخمر ان تخللت الخمر فيه فقد صار طاهرا يتوضأ فيه ويشرب منه وان لم يغسل فان اهرقت أزيل أثر الخمر ولا بد بأى شئ من المطهرات مزيل ويطهر الاناء حينئذ سواء كان فخارا أو عودا أو خشبا أو نحاسا أو حجرا أو غير ذلك (٣) وكل شئ مائع من ماء أو زيت أو سمن أو لبن أو ماء ورد أو عسل أو مرق أو طيب أو غير ذلك أى شئ كان اذا وقعت فيه نجاسة أو شئ حرام يجب اجتنابه أو ميتة فان غير ذلك لون ما وقع فيه أو طعمه أو ريحه فقد فسد كله وحرم أكله ولم يجز استعماله ولا بيعه (٤) واذا تغير لون الحلال الطاهر بما مازجه من نجس أو حرام أو تغير طعمه بذلك أو تغير ريحه بذلك فاننا حينئذ لا نقدر على استعمال الحلال الا باستعمال الحرام وهو محرم استعماله ولذلك وجب الامتناع (٥) منه لا لأن الحلال الطاهر حرم ولا تنجست عينه وكذلك اذا كانت النجاسة أو الحرام على جرم طاهر فأزلناها فان النجس لم يطهر والحرام لم يحل لكنه زايل الحلال الطاهر فقدرنا على أن نستعمله حينئذ حلالا طاهرا كما كان، ثم قال فى موضع آخر (٦) الماء والدم والخمر والبول وكل ما فى العالم لكل نوع منه صفات ما دامت فيه فهو ماء له حكم الماء ودم له حكم الدم وخمر له حكم الخمر وبول له حكم البول فاذا زالت عنه لم تكن تلك العين ماء ولا دما ولا خمرا ولا بولا واذا سقط خمر أو بول أو دم فى ماء أو فى خل أو فى لبن أو فى غير ذلك فان بطلت الصفات التى من أجلها سمى الدم دما والخمر خمرا والبول بولا وبقيت صفات الشئ الذى وقع فيه فليس ذلك الجرم الواقع يعد خمرا ولا دما ولا بولا بل هو ماء على الحقيقة أو لبن على الحقيقة وهكذا فى كل شئ فان غلب الواقع مما ذكرنا وبقيت صفاته بحسبها وبطلت صفات الماء أو اللبن أو الخل فليس هو ماء
стр. 1674
بعد ولا خلا ولا لبنا بل هو بول على الحقيقة أو خمر على الحقيقة أو دم على الحقيقة، فان بقيت صفات الواقع ولم تبطل صفات ما وقع فيه فهو ماء وخمر أو ماء وبول أو ماء ودم وهكذا ولم يحرم علينا استعمال الحلال من ذلك وهكذا كل شئ فى العالم فالدم يستحيل لحما فهو حينئذ لحم وليس دما والعين واحدة واللحم يستحيل شحما فليس لحما بعد بل هو شحم والعين واحدة والزبل والبراز والبول والماء والتراب يستحيل كل ذلك فى النخلة ورقا ورطبا فليس شئ من ذلك حينئذ زبلا ولا ترابا ولا ماء بل هو رطب حلال طيب والعين واحدة وهكذا فى سائر النبات كله والماء يستحيل هواء متصعدا وملحا جامدا فليس هو ماء، بل ولا يجوز الوضوء به والعين واحدة ثم يعود ذلك الهواء وذلك الملح ماء فليس حينئذ هواء ولا ملحا بل هو ماء حلال يجوز الوضوء به.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار (١) أن الاستحالة مطهرة للنجاسة وفى موضع آخر قال (٢) والقئ نجس عند الاكثر ودون ملء الفم طاهر لخروجه من أعماق البدن فأشبه الدم فخفف ثم قال (٣): من النجس لبن غير المأكول عند الاكثر لاستحالته من فضلته كالمنى وهو من المأكول طاهر اجماعا وفى موضع آخر قال (٤): والمصل والقيح كالدم لاستحالتهما عنه الى نتن فلا يطهر بها ومنه (٥) العذرة تصير رمادا تطهر لتغير صفاتها ولان النجس يطهر بالاستحالة التامة كالخمر يصير خلا أو تغير تركيبها كالنطفة تصير حيوانا وفى موضع آخر قال (٦) الأرض المتنجسة لا تطهر بالشمس والريح أما اللبن المسرقن أى المختلط بالسرقين فقال الامام يحيى انه يطهر بالطبخ فى الاصح للاستحالة لها بالماء ثم قال (٧) ان الأرض الرخوة تطهر بالمكاثرة وهو غمر المتنجس بالماء المذهب لأوصافها اذ به زوالها ..
مذهب الإمامية:
قال صاحب دليل العروة الوثقى:
الاستحالة (٨) وهى تبدل حقيقة الشئ وصورته النوعية الى صورة أخرى فانها تطهر النجس بل المتنجس كالعذرة تصير ترابا والخشبة المتنجسة اذا صارت رمادا والبول أو الماء المتنجس بخارا والكلب ملحا وهكذا كالنطفة تصير حيوانا والطعام النجس جزءا من الحيوان وأما تبدل الاوصاف وتفرق الاجزاء فلا اعتبار بهما كالحنطة
стр. 1675
اذا صارت طحينا أو عجينا أو خبزا والحليب اذا صار جبنا، وفى صدق الاستحالة على صيرورة الخشب فحما تأمل، وكذا فى صيرورة الطين خزفا أو آجرا ومع الشك بالاستحالة لا يحكم بالطهارة ثم قال فى الحاشية: ان التبدل دائما يكون فى الصورة النوعية وأما المادة فهى لا تتبدل الى مادة أخرى من دون فرق بين هذه المادة وتلك المادة الا بالصورة أما المادة فهى واحدة فيهما والسر فى ذلك هو أن المادة لا توجد وحدها مجردة عن الصورة ثم ان التبدل فى الصورة وان شئت فعبر عنه بتبدل الحقيقة الذى هو الصورة النوعية يكون على أنحاء فتارة يتبدل بالتفريق كما تصنع النار بالأجسام فانها تتفرق الى رماد ودخان وبخار ونحو ذلك، وأخرى بالتبدل الى نوع آخر بلا تفريق كما فعل فى المملحة التى تبدل الحيوان مثلا ملحا وكما فى بعض العيون فى ايران على ما نقله البعض من تبديل ما يدخل فيها الى الحجرية وكما يدعيه أهل الآثار من وجدانهم بعض المتحجرات، وقال صاحب شرائع الاسلام: والشمس (١) اذا جففت البول وغيره من النجاسات على الأرض والبوارى والحصر طهر موضعه وكذا كل ما لم يمكن نقله كالنباتات والابنية وتطهر النار ما أحالته وفى موضع آخر يقول (٢) وأدخنة الأعيان النجسة عندنا طاهرة وكذا كل ما أحالته النار فصيرته رمادا أو دخانا على تردد ..
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب الايضاح (٣): كل ما يكون به زوال العين من الشمس والريح والنار والدباغ وسائر المائعات فانه مطهر وفى متن النيل قال (٤) ان الزمان والريح والشمس تطهر الارض وما اتصل بها كحائط ونبات، وفى ما صنع منه قولان وكذا فى الحيوان، وقالوا: ان النار أقوى من الشمس والريح فى ازالة عينه، والدباغ يطهر الجلود وان من ميتة على الاصح وجاء فى شرح النيل (٥): ان النجس اذا صار جمرا أو رمادا ففيه قولان أحدهما أنه يطهر بالإحراق والثانى أنه لا يصير طاهراً به فهو ذات واحدة تغير لونها أما ما تنجس أى أصابته نجاسة من غيره فإنه يطهر بالاحتراق فيكون جمره ورماده ولهبه طاهرا لأن ما تنجس بغيره تزول نجاسته بمزيل كالنار ونصوا على أن النجاسة تزال بالنار وقالوا: إنها أقوى من الشمس والريح فى إزالة عين النجاسة فيما يتحملها كالأرض والفخار بأن يحمى
стр. 1676
عليه حتى لا تطيقُه اليد سواء جعلت النار على موضع النجاسة أو تحته أو وصلته الحرارة التى لا تطيقها اليد حتى ولو لم تترك أثرا، وللإباضية فى غبار النجس ورماده قولان: أحدهما أنه يطهر بالإحراق والراجح عندهم أنه لا يطهر بالاحراق لان غبرة الشئ جزء لطيف منه، أما دخانه فقد قالوا بطهارته لأنه لا توجد فيه ذات النجس ولا طعمه ولا لونه ولا رائحة يحكم عليه بالنجاسة بها، أما المتنجس بغيره فلا خلاف عندهم فى طهارة غباره ورماده وجمره ودخانه.
استحالة الخمر الى شئ آخر
مذهب الحنفية:
تطهر الخمر بالتخلل وذلك بالقاء شئ فيها وهو كالتخلل بنفسها وذلك لانقلاب عينها، قال فى الفتح: ولو صب ماء فى خمر أو بالعكس ثم صار خلا طهر فى الصحيح بخلاف ما لو وقعت فيها فأرة ثم أخرجت بعد ما تخللت فى الصحيح لأنها تنجست بعد التخلل بخلاف ما لو أخرجت قبله، وكذا لو وقعت فى العصير أو ولغ فيه كلب ثم تخمر ثم تخلل لا يطهر وهو المختار كما فى البحر عن الخلاصة، وفى الخانية: خمر صب فى قدر الطعام ثم صب فيه الخل وصار حامضا بحيث لا يمكن أكله لحموضته، وحموضته حموضة الخل لا بأس بأكله، وعلى هذا كل ما صب فيه الخل وصار خلا، وكذا لو وقعت فأرة فى خمر واستخرجت قبل التفسخ ثم صارت خلا حل فلو بعده لا يحل، والخل النجس لم يتغير، واذا ألقى فى الخمر رغيف أو بصل ثم صار الخمر خلا فالصحيح أنه طاهر (١).
مذهب المالكية:
فى التاج (٢) والاكليل قال ابن رشد:
لا خلاف أن الخمر نجسة واذا تخللت من ذاتها طهرت وفى الحطاب: والخمر اذا تحجر أى صار حجرا وهو المسمى بالطرطار ويستعمله الصباغون، فاذا ذهب منه الاسكار طهر أما لو كان الاسكار باقيا فيه بحيث لو بل فشرب أسكر فليس بطاهر ونقله البرزلى عن المازرى فى مسائل الأشربه، ولو تخللت الخمر بالقاء شئ فيه كالخل والملح والماء ونحوه يطهر الخل وما ألقى فيه قاله فى الجواهر والذخيرة وغيرهما، ونقل البرزلى أنه لو وقع فى قلة خمر ثوب ثم تخللت والثوب فيها طهر الثوب والخل، قال البرزلى فى أواخر الاشربة: اذا بقى فى اناء الخمر يسير فصب عليه عصير أو خل فقال أصبغ: فسد الجميع قال الباجى: أما فى العصير فصحيح لأن العصير لا يصير الخمر عصيرا فهو عصير حلت فيه نجاسة وأما الخل فلا لأن الخل يصير الخمر خلا فيطهر الجميع، ولا يستعمل ذلك الخل الا بعد مدة يقدر فيها أن الخمر تخللت فان ترك العصير حتى صار خلا طهر
стр. 1677
الجميع، واختلف فى حكم تخليلها فحكى فى البيان فى ذلك ثلاثة أقوال، وقال فى كتاب الاطعمة والمشهور عندنا أنه مكروه، فان فعل أكل وعليه اقتصر فى الجواهر (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أنه لا يطهر نجس العين بالاستحالة الا شيئان أحدهما خمر وان كانت غير محترمة حقيقة كانت الخمرة - وهى المتخذة من عصير العنب - أم غيرها وهى المعتصرة من غيره ثم قال: وما تقرر من طهارة النبيذ بالتخلل هو المعتمد كما صححاه فى بابى الربا والسلم لاطباقهم على صحة السلم فى خل التمر والزبيب المستلزمة لطهارتهما لأن النجس لا يصح بيعه ولا السلم فيه اتفاقا، ولو تخللت الخمر بنفسها تطهر بالتخلل لان علة النجاسة والتحريم الاسكار وقد زالت، ولأن العصير لا يتخلل الا بعد التخمر غالبا فلو لم نقل بالطهارة لربما تعذر الخل وهو حلال اجماعا، ولو بقى فى قعر الاناء دردى خمر فظاهر اطلاقهم كما قاله ابن العماد أنه يطهر تبعا للاناء سواء استحجر أم لا كما يطهر باطن الدن بل هذا أولى، وظاهر كلامهم أيضا أنه لا فرق فى العصير بين المتخذ من نوع واحد وغيره فلو جعل فيه عسلا أو سكرا أو اتخذه من نحو عنب ورمان أو بر وزبيب طهر بانقلابه خلا وبه جزم ابن العماد، وليس فيه تخليل بمصاحبة عين لأن نفس العسل أو البر ونحوهما يتخمر كما رواه أبو داود وكذلك السكر فلم يصحب الخمر عين أخرى، ولو جعل مع نحو الزبيب طيبا متنوعا ونقع ثم صفى وصارت رائحته كرائحة الخمر فيحتمل أن يقال: ان ذلك الطيب ان كان أقل من الزبيب تنجس والا فلا أخذا من قولهم: لو ألقى على عصير خل دونه تنجس والا فلا لان الاصل والظاهر عدم التخمر ولا عبرة بالرائحة حينئذ ويحتمل خلافه وهو أوجه، ويكفى فى الطهارة زوال النشوة وغلبة الحموضة ولا تشترط نهايتها بحيث لا تزيد، وكذا ان نقلت من شمس الى ظل وعكسه فى الاصح أو من دن الى آخر، أو فتح رأس ظرفه للهواء لزوال الشدة المطربة من غير نجاسة خلفتها سواء أقصد بكل منها التخلل أم لا ومقابل الاصح لا تطهر، فان خللت بوقوع شئ فيها ولو بنفسه أو بالقاء الريح ونحوه شيئا فيها فلا تطهر لان من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه غالبا سواء كان له دخل فى التخليل كبصل وخبز حار أم لا كحصاة، ولا فرق بين ما قبل التخمر وما بعده ولا بين أن تكون العين طاهرة أو نجسة، نعم ان كانت طاهرة ونزعت منها قبل التخلل طهرت أما النجسة فلا، وان نزعت قبله لأن النجس يقبل التنجيس ولو عصر نحو العنب ووقع فيه
стр. 1678
بعض حبات لا يمكن الاحتراز عنها لم تضر فيها يظهر (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: تطهر الخمرة بالاستحالة اذا انقلبت خلا بنفسها لأن نجاستها انما كانت لشدتها المسكرة الحادثة لها وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها فوجب أن تطهر كالماء الكثير الذى تنجس بالتغير اذا زال تغيره بنفسه ولا يلزم عليه سائر النجاسات لكونها لا تطهر بالاستحالة لأن نجاستها لعينها، والخمر نجاستها لأمر زال بالانقلاب، واذا انقلبت الخمر خلا بنقلها من موضع الى موضع آخر أو من دن الى دن آخر بغير قصد التخليل تطهر كما لو انقلبت بنفسها، ثم قال: فان خللت أى فعل بها شئ تصير به خلا ولو بنقلها لقصد التخليل لم تطهر لأنه يحرم تخليلها فلا يترتب عليه الطهارة والدليل على تحريم تخليل الخمر حديث مسلم عن أنس قال: سئل النبى ﷺ عن الخمر تتخذ خلا قال: لا، والنبيذ كالخمر، ودنها أى الخمرة مثلها فيطهر بطهارتها تبعا لها ولو مما لم يلاق الخل مما فوقه مما أصابه الخمر فى غليانه فيطهر كالذى لاقاه الخل (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٣): اذا تخللت الخمر أو خللت فالخل حلال بالنص طاهر لما روى عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : نعم الادام الخل، فعم ﵇ ولم يخص والخل ليس خمرا، وجاء فى موضع آخر من المحلى ما يدل على أنه اذا ألقى فى الخمر سمك ثم وجده بعد أن استحالت الخمر خلا فانه يكون طاهرا ويحل تناوله لطهارة الخمر بالتخلل، واذا وجده قبل الاستحالة لا يكون طاهرا ولا يحل تناوله ولا يجوز الا أن يهراق الجميع (٤).
مذهب الزيدية:
قالت الزيدية: الخمر نجس لعموم تحريمها فاذا تخللت بنفسها طهرت لعدم العلاج وقيل لا تطهر بذلك كعلاجها، والدن والمغرفة يطهران بالاستحالة (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى دليل العروة الوثقى أن الخمر اذا انقلبت خلا فانه يطهر سواء كان بنفسه أو بعلاج كالقاء شئ من الخل والملح فيه سواء استهلك أو بقى على حاله، وفيه أيضا: ويشترط فى طهارة الخمر بالانقلاب عدم وصول نجاسة خارجية اليه
стр. 1679
فلو وقع فيه حالة كونه خمرا شئ من البول أو غيره أو لاقى نجسا لم يطهر بالانقلاب (١) ثم قال صاحب شرائع الاسلام: تطهر الخمر اذا انقلبت خلا سواء كان انقلابها بعلاج أو من قبل نفسها وسواء كان ما يعالج به عينا باقية أو مستهلكة وان كان يكره العلاج ولا كراهية فيما ينقلب من قبل نفسه، ولو ألقى فى الخمر خلا حتى تستهلكه لم تحل ولم تطهر وكذا لو ألقى فى الخمر خل فاستهلكه الخل وقيل يحل اذا ترك حتى تصير الخمر خلا ولا وجه له (٢).
مذهب الإباضية:
قال صاحب كتاب الايضاح: الخمرة نجسة ولا تطهر الا بالتحول (٣).
الحلف على شئ يستحيل تحققه
مذهب الحنفية:
اذا كان المحلوف عليه مستحيل الوجود والتحقق فقد اختلف الحنفية فى انعقاد اليمين وعدم انعقادها على الوجه الآتى:
أولا: اذا كان مستحيل الوجود حقيقة فذهب أبو حنيفة ومحمد وزفر الى أن اليمين لا تنعقد أصلا، كما اذا حلف ليشربن الماء الذى فى هذا الكوز ولا ماء فيه وهو لا يعلم ذلك لان شرط انعقاد اليمين وبقائها أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة ولان فائدة اليمين هى البر وهاهنا المحلوف عليه وهو شرب الماء الذى فى الكوز المشار اليه لا يتصور حقيقة لعدم وجود ماء فيه وبالتالى يكون البر غير ممكن فلا تنعقد اليمين، وذهب أبو يوسف الى أن اليمين تنعقد ويحنث الحالف فى الحال لان شرط انعقاد اليمين عنده أن يكون الحلف على أمر مستقبل وهنا حلف على أمر مستقبل وهو شرب الماء فتنعقد اليمين الا أن البر غير ممكن لعدم وجود ماء فى الكوز عند الحلف فيحنث.
ثانيا: اذا كان المحلوف عليه مستحيلا عادة وليس مستحيلا حقيقة كما اذا حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبا فان المحلوف عليه ليس مستحيل الوجود والتحقق حقيقة بدليل أنه وقع فعلا بالنسبة للملائكة وبعض الأنبياء والجن ولكنه مستحيل عادة، وفى ذلك ذهب الائمة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد الى ان اليمين تنعقد ويحنث الحالف فى الحال، وذهب زفر الى أن اليمين لا تنعقد أصلا كما فى المستحيل الحقيقى، وخلاصة ما ذكر أن اليمين تنعقد فى الامرين ويحنث الحالف بعدها عند أبى يوسف ولا تنعقد فى الامرين ولا حنث عند زفر ولا تنعقد فى المستحيل حقيقة عند أبى حنيفة ومحمد، وتنعقد ويحنث الحالف بعدها فى المستحيل عادة عندهما، والفرق لأبى حنيفة ومحمد أنه فى المستحيل حقيقة
стр. 1680
لا يمكن تحقق المحلوف عليه مطلقا ولا يتصور امكان التحقق ومن ثم لم تنعقد اليمين، أما فى المستحيل عادة فان المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة بل قد وقع وجوده فى خارج الحياة ولكن لم تجر العادة به فكان البر متصورا ولذا انعقدت اليمين ولكن لعدم الامكان فيما جرت به العادة يحنث الحالف فى الحال (١) وما مر انما هو فى الحلف بالله أما الحلف بالطلاق والعتاق فركنه هو ذكر شرط وجزاء مربوط بالشرط معلق به، ومن شرائط هذا الركن أن يكون الشرط أمرا فى المستقبل متصور الوجود حقيقة لا عادة فان كان مما يستحيل وجوده حقيقة لا ينعقد كما اذا قال لامرأته: ان ولج الجمل فى سم الخياط فأنت طالق، أو قال لها: ان اجتمع الضدان فأنت طالق لان مثل هذا الكلام يذكر لتأبيد النفى أى طلاقك أمر لا يكون أصلا ورأسا كما لا يلج الجمل فى سم الخياط وكما لا يجتمع الضدان قال الله تعالى:
«وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» (٢) أى لا يدخلونها رأسا، وعلى هذا يخرج ما اذا قال: ان لم أشرب الماء الذى فى هذا الكوز فامرأته طالق أو عبده حر أو قال: ان لم أقتل فلانا ولا ماء فى الكوز وفلان ميت وهو يعلم بذلك أو لا يعلم به والكلام فيه على ما مر (٣)، وكذلك يشترط الاحناف فى المنذور به أن يكون متصور الوجود فى نفسه شرعا فلا يصح النذر بما لا يتصور وجوده شرعا كالمرأة اذا قالت لله على أن أصوم أيام حيضى لأن الحيض مناف للنذر شرعا اذ الطهارة من الحيض والنفاس شرط وجود الصوم الشرعى (٤).
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب (٥): قال الشيخ بهرام فى شرحه الصغير: اليمين تحقيق ما لم يجب أى اليمين الموجبة للكفارة، هى تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله تعالى أو صفته، والمراد بتحقيق ما لم يجب تحقيق ما لم يثبت أى يتحقق ثبوته وهو ما يحتمل الموافقة والمخالفة: أعنى البر والحنث فلو قال: والله لأحملن الجبل وو الله لأشربن البحر كان يمينا لأن حمل الجبل وشرب البحر لا يتحقق ثبوته، ولو قال: والله لا أحمل الجبل وو الله لا أشرب البحر لم يكن يمينا لان عدم حمله الجبل وشربه البحر متحقق الثبوت، ثم قال: ويدخل فى قوله تحقيق ما لم يجب: الممكن كقوله: والله لأدخلن الدار، والممتنع كقوله: والله لأقتلن زيدا
стр. 1681
الميت أو لأشربن البحر أو لأحملن الجبل، ويخرج به الواجب كقوله: والله لأموتن فليس بيمين لأن الواجب متحقق فى نفسه، وجاء فى الشرح الكبير (١): ويدخل فى اليمين الممكن عقلا ولو امتنع عادة نحو لأشربن البحر ولأصعدن السماء ورتب الدردير على هذا الحنث فقال: ويحنث فى هذا بمجرد اليمين اذ لا يتصور هنا العزم على الضد لعدم قدرته على الفعل ثم قال: ودخل الممتنع عقلا نحو لأجمعن بين الضدين ويحنث فى هذا أيضا بمجرد اليمين، فالممتنع عقلا أو عادة انما يأتى فيه صيغة الحنث، وأما صيغة البر نحو لا أجمع بين الضدين فهو على بر دائما ضرورة أنه لا يمكن الفعل، وفى باب الطلاق قال خليل والدردير (٢): ونجز الطلاق أى حكم الشرع بوقوعه حالا من غير توقف على حكم ان علق بماض ممتنع عقلا نحو عليه طلاقه أو يلزمه الطلاق: لو جاء زيد أمس لجمعت بين وجوده وعدمه، أو عادة كلو جاء أمس لرفعته للسماء، أو شرعا كلو جاء أمس لزنى بامرأته، وعلق الدسوقى بقوله: لا شك أن الجمع المذكور ممتنع وقد علق الطلاق عليه من حيث انتفاؤه وبمقتضى لو لأنها دالة على انتفاء الجواب لانتفاء الشرط، وانتفاء الجمع المذكور واجب فهو فى الحقيقة قد علق الطلاق على أمر واجب عقلى محقق فلذا نجز الطلاق، والحاصل:
أن الطلاق بحسب الظاهر مرتبط بالمحال بأوجهه وفى الواقع انما هو بنقيضه فاذا كان مرتبطا ظاهرا بالمحال عقلا فهو فى المعنى معلق على ضده وهو الوجوب العقلى.
مذهب الشافعية:
قال صاحب نهاية المحتاج: اليمين فى الشرع بالنظر لوجوب تكفيرها تحقيق أمر محتمل بما يأتى: أى بصيغة معينة يأتى بيانها، فخرج بالتحقيق لغو اليمين وبالمحتمل نحو: لاموتن أولا أصعد السماء لعدم تصور الحنث فيه بذاته فلا اخلال فيه بتعظيم اسم الله تعالى بخلاف: لا أموت ولأصعدن السماء ولأقتلن الميت فانه يمين يجب تكفيرها حالا ما لم يقيد الاخيرة بوقت كغد فيدخل غدا وذلك لهتكه حرمة الاسم (٣)، وقال فى المهذب (٤): ومن قال لامرأته: أنت طالق فى الشهر الماضى قاصدا الانشاء فالمنصوص أنها تطلق فى الحال، وقال الربيع فيه قول آخر: أنها لا تطلق، وقال فيمن قال لامرأته: ان طرت أو صعدت السماء فأنت طالق أنها لا تطلق، واختلف أصحابنا فيه فنقل أبو على
стр. 1682
ابن خيران جوابه فى كل واحدة من المسألتين الى الاخرى وجعلهما على قولين:
أحدهما: تطلق لانه علق الطلاق على صفة مستحيلة فألغيت الصفة ووقع الطلاق كما لو قال لمن لا سنة ولا بدعة فى طلاقها:
أنت طالق للسنة أو للبدعة.
والثانى: لا تطلق لانه علق الطلاق على شرط ولم يوجد فلم يقع، وقال أكثر أصحابنا:
اذا قال: أنت طالق فى الشهر الماضى طلقت، وان قال ان طرت أو صعدت السماء فأنت طالق لم تطلق قولا واحدا، وما قاله الربيع من تخريجه، والفرق بينهما أن الطيران وصعود السماء لا يستحيل فى قدرة الله وقد جعل لجعفر بن أبى طالب رضى الله عنه جناحان يطير بهما، وقد أسرى برسول الله ﷺ ، وايقاع الطلاق فى زمان ماض مستحيل، ثم قال صاحب المهذب (١) وان علق الايلاء على شرط يستحيل وجوده بأن يقول: والله لاوطئتك حتى تصعدى الى السماء أو تصافحى الثريا فهو مولى لأن معناه لاوطئتك أبدا.
مذهب الحنابلة:
قال صاحب كشاف القناع: وان حلف على فعل مستحيل لذاته أو مستحيل لغيره كأن قال والله لأصعدن السماء أو قال والله ان لم أصعد السماء أو قال والله لأشربن ماء الكوز ولا ماء فيه علم أن فيه ماء أو لا أو قال والله ان لم أشربه أو قال والله لأقتلن زيدا مثلا فاذا هو ميت علمه ميتا أو لم يعلمه ونحو ذلك انعقدت يمينه لأنها يمين على مستقبل وعليه الكفارة فى الحال لأنه مأيوس منه وكذا ان قال والله ان طرت أو قال والله لا طرت أو قال والله ان صعدت السماء أو قال والله لاصعدت السماء أو قال والله ان شاء الميت أو قال والله لا شاء الميت أو قال والله ان قلبت الحجر ذهبا أو قال والله لا قلبت الحجر ذهبا أو قال والله ان جمعت بين الضدين أو النقيضين أو قال والله لا جمعت بين الضدين أو النقيضين أو قال والله ان رددت أمس أو قال والله لا رددت أمس أو قال والله ان شربت ماء الكوز ولا ماء فيه أو قال والله لا شربت ماء الكوز ولا ماء فيه أو نحو ذلك من المستحيلات (٢).
وفصل صاحب المغنى (٣) بين المستحيل عادة والمستحيل عقلا فمن حلف على فعل شئ مستحيل عادة كصعود السماء والطيران انعقدت يمينه وهو رأى القاضى وأبى الخطاب لأنه يتصور وجوده ولزمته الكفارة فى الحال، وأما المستحيل عقلا كرد أمس فقال أبو الخطاب لا تنعقد يمينه ولا تجب بها كفارة وقال القاضى انها تنعقد موجبة للكفارة فى الحال لأنه حلف على فعل نفسه فى المستقبل ولم يفعل كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت
стр. 1683
قبل طلاقها، وفى باب الطلاق جاء فى المغنى والشرح الكبير: فان علق الطلاق على مستحيل فقال: أنت طالق ان قتلت الميت أو شربت الماء الذى فى الكوز ولا ماء فيه أو جمعت بين الضدين أو كان الواحد أكثر من اثنين أو على ما يستحيل عادة كقوله ان طرت أو صعدت الى السماء أو قلبت الحجر ذهبا أو شربت هذا النهر كله أو حملت الجبل أو شاء الميت ففيه وجهان أحدهما يقع الطلاق فى الحال لأنه أردف الطلاق بما يرفع جملته ويمنع وقوعه فى الحال وفى الثانى فلم يصح كاستثناء الكل كما لو قال: أنت طالق طلقة لا تقع عليك أولا تنقص عدد طلاقك.
والثانى لا يقع لانه علق الطلاق بصفة لم توجد ولان ما يقصد تبعيده يعلق على المحال (١)، وقيل ان علقه على ما يستحيل عقلا وقع فى الحال لأنه لا وجود له فلم تعلق به الصفة وبقى مجرد الطلاق فوقع، وان علقه على مستحيل عادة كالطيران وصعود السماء لم يقع لأنه له وجود وقد وجد جنس ذلك فى معجزات الأنبياء ﵈ وكرامات الأولياء فجاز تعليق الطلاق به ولم يقع قبل وجوده، فأما ان علق طلاقها على نفى فعل المستحيل فقال أنت طالق ان لم تقتلى الميت أو تصعدى السماء طلقت فى الحال لأنه علقه على عدم ذلك وعدمه معلوم فى الحال، وفى الثانى فوقع الطلاق كما لو قال أنت طالق ان لم أبع عبدى فمات العبد وكذلك لو قال أنت طالق لأشربن الماء الذى فى الكوز ولا ماء فيه أو لاقتلن الميت وقع الطلاق فى الحال لما ذكرناه، وحكى أبو الخطاب عن القاضى أنه لا يقع طلاقه كما لو حلف ليصعدن السماء أو ليطيرن فانه لا يحنث والصحيح أنه يحنث فان الحالف على فعل الممتنع كاذب حانث قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾.
﴿بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ» (٢) ولو حلف على فعل متصور فصار ممتنعا حنث بذلك فلأن يحنث بكونه ممتنعا حال يمينه أولى (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب: يشترط فى اليمين أن تكون على أمر مستقبل ممكن لا ماض أو ما لا يمكنه فلا يوجب كفارة بل تكون لغوا وهو ما ظن صدقها فخالف أو تكون غموسا وهى ما لم يظن صدقها فى ذلك فيأثم فيها ولا كفارة عليه (٤)، وجاء فى البحر الزخار قال: ومن حلف ليزنن الفيل وهو لا يستطيع أو ليصعدن السماء
стр. 1684
أو ليشربن ماء البحر لم تنعقد يمينه لتعذره فكانت غموسا عند القاسم والمؤيد بالله ثم قال: ولو قال: لأشربن ما فى هذا الكوز ولا ماء فيه فلا حنث للتعذر وقال: ومن حلف ليقتلن زيدا وهو ميت فلا كفارة اذ هى لغو أو غموس (١) وفى باب الطلاق جاء فى التاج المذهب (٢) اذا قال لامرأته أنت طالق أمس أو العام الماضى أو الشهر أو الأسبوع الماضيين فان الطلاق لا يقع لانه علقه بمستحيل وهو المذهب كما ذكر ذلك فى البحر الزخار (٣) كما جاء فى البحر (٤) أيضا فى باب النذر ويصح النذر بالفعل المقدور لا غير فلا ينعقد بنذر صعود السماء وصوم أمس.
مذهب الإمامية:
قال صاحب شرائع الاسلام: ولا تنعقد اليمين على مستحيل كقوله: والله لأصعدن السماء بل تقع لاغية، وانما تقع على ما يمكن وقوعه ولو تجدد العجز انحلت اليمين كأن يحلف ليحجن فى هذه السنة فيعجز (٥).
هل يجوز التكليف
بالمستحيل لذاته أو لغيره
قال الغزالى فى المستصفى (٦): يشترط فى الأفعال الداخلة تحت التكليف صحة حدوثها لاستحالة تعلق الأمر بالقديم والباقى وقلب الأجناس والجمع بين الضدين وسائر المحالات التى لا يجوز التكليف بها عند من يحيل تكليف ما لا يطاق فلا أمر الا بمعدوم يمكن حدوثه، ويقول البيضاوى (٧): ان التكليف بالمحال جائز لان حكمه تعالى لا يستدعى غرضا أى انما يستحيل الأمر بما لا يقدر المكلف عليه اذا كان غرض الآمر حصول المأمور به وحكمه تعالى لا يستدعى غرضا ألبتة لاستغنائه وورود الأمر بهذا ليس للطلب كما نقله امام الحرمين فى الشامل عن أصحابنا، بل ان كان ممتنعا لذاته فالأمر به للاعلام بأنه معاقب لا محالة لأن له تعالى أن يعذب من يشاء وان كان ممتنعا لغيره فالأمر به لفائدة الأخذ فى المقدمات الا أن البدخشى (٨) يقسم المستحيل الى أقسام خمسة: أحدها: أن يكون لذاته ويعبر عنه أيضا بالمستحيل عقلا وذلك كالجمع
стр. 1685
بين الضدين والحصول فى حيزين فى وقت واحد، والثانى: أن يكون للعادة كالطيران وخلق الأجسام وحمل الجبل العظيم، والثالث: أن يكون لطريان مانع كتكليف المقيد العدو والزمن المشى، والرابع: أن يكون لانتفاء القدرة عليه حالة التكليف مع أنه مقدور عليه حالة الامتثال كالتكاليف كلها لأنها غير مقدورة قبل الفعل على رأى الأشعرى اذ القدرة عنده لا تكون الا مع الفعل، والخامس: أن يكون لتعلق العلم به كالايمان من الكافر الذى علم الله تعالى أنه لا يؤمن فان الايمان منه مستحيل اذ لو آمن لانقلب علم الله تعالى جهلا .. واذا تعذر ذلك فالقسم الخامس: جائز واقع اتفاقا اذ لو لم يكونوا مأمورين بذلك لما عصوا باستمرارهم على الكفر، قال الآمدى فى الاحكام (١): وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا وعلى وقوعه شرعا كالتكليف بالايمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبى جهل، ويسمى صاحب كشف الاسرار (٢) شرح أصول البزدوى هذا القسم بالممتنع لغيره، ويحكى اتفاق الكل على جوازه عقلا وعلى وقوعه شرعا، وأما القسم الرابع: وهو المستحيل لانتفاء القدرة عليه حالة التكليف فيقول البدخشى (٣): انه واقع عند الأشعرى بمقتضى الأصل الذى أصله وهو أن القدرة لا تكون الا مع الفعل، أما الاقسام الثلاثة الاول وهى المستحيل لذاته والمستحيل للعادة كخلق الأجسام والمستحيل لطريان مانع كتكليف المقيد العدو فقد قال البدخشى (٤): انها محل النزاع، وممن صرح بذلك مع وضوحه القرافى فى شرح المحصول والتنقيح، وحاصل ما فيها من الخلاف ثلاثة مذاهب أصحها أنه يجوز مطلقا وهو اختيار الامام وأتباعه، والثانى المنع مطلقا ونقله فى المحصول عن المعتزلة واختاره ابن الحاجب ونص عليه الشافعى كما نقله الأصفهانى فى شرح المحصول والثالث:
ان كان ممتنعا لذاته فلا يجوز والا فيجوز واختاره الآمدى، واذا قلنا بالجواز ففى وقوعه مذاهب: أحدهما المنع مطلقا سواء كان ممتنعا لذاته أم لا، والثانى:
الوقوع فيهما واختاره فى المحصول، والثالث التفصيل، وقد تردد النقل عن الشيخ أبى الحسن الأشعرى قال فى البرهان: وهذا سوء معرفة بمذهبه فان التكاليف كلها عنده تكليف بما لا يطلق لامرين أحدهما: أن الفعل مخلوق لله تعالى فتكليفه به تكليف بفعل غيره والثانى أنه لا قدرة عنده الا حال الامتثال والتكليف سابق، وهذا التخريج لا يستلزم وقوع الممتنع لذاته وجاء فى كتاب الاحكام