← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الميت أو لأشربن البحر أو لأحملن الجبل، ويخرج به الواجب كقوله: والله لأموتن فليس بيمين لأن الواجب متحقق فى نفسه، وجاء فى الشرح الكبير (١): ويدخل فى اليمين الممكن عقلا ولو امتنع عادة نحو لأشربن البحر ولأصعدن السماء ورتب الدردير على هذا الحنث فقال: ويحنث فى هذا بمجرد اليمين اذ لا يتصور هنا العزم على الضد لعدم قدرته على الفعل ثم قال: ودخل الممتنع عقلا نحو لأجمعن بين الضدين ويحنث فى هذا أيضا بمجرد اليمين، فالممتنع عقلا أو عادة انما يأتى فيه صيغة الحنث، وأما صيغة البر نحو لا أجمع بين الضدين فهو على بر دائما ضرورة أنه لا يمكن الفعل، وفى باب الطلاق قال خليل والدردير (٢): ونجز الطلاق أى حكم الشرع بوقوعه حالا من غير توقف على حكم ان علق بماض ممتنع عقلا نحو عليه طلاقه أو يلزمه الطلاق: لو جاء زيد أمس لجمعت بين وجوده وعدمه، أو عادة كلو جاء أمس لرفعته للسماء، أو شرعا كلو جاء أمس لزنى بامرأته، وعلق الدسوقى بقوله: لا شك أن الجمع المذكور ممتنع وقد علق الطلاق عليه من حيث انتفاؤه وبمقتضى لو لأنها دالة على انتفاء الجواب لانتفاء الشرط، وانتفاء الجمع المذكور واجب فهو فى الحقيقة قد علق الطلاق على أمر واجب عقلى محقق فلذا نجز الطلاق، والحاصل: أن الطلاق بحسب الظاهر مرتبط بالمحال بأوجهه وفى الواقع انما هو بنقيضه فاذا كان مرتبطا ظاهرا بالمحال عقلا فهو فى المعنى معلق على ضده وهو الوجوب العقلى. مذهب الشافعية: قال صاحب نهاية المحتاج: اليمين فى الشرع بالنظر لوجوب تكفيرها تحقيق أمر محتمل بما يأتى: أى بصيغة معينة يأتى بيانها، فخرج بالتحقيق لغو اليمين وبالمحتمل نحو: لاموتن أولا أصعد السماء لعدم تصور الحنث فيه بذاته فلا اخلال فيه بتعظيم اسم الله تعالى بخلاف: لا أموت ولأصعدن السماء ولأقتلن الميت فانه يمين يجب تكفيرها حالا ما لم يقيد الاخيرة بوقت كغد فيدخل غدا وذلك لهتكه حرمة الاسم (٣)، وقال فى المهذب (٤): ومن قال لامرأته: أنت طالق فى الشهر الماضى قاصدا الانشاء فالمنصوص أنها تطلق فى الحال، وقال الربيع فيه قول آخر: أنها لا تطلق، وقال فيمن قال لامرأته: ان طرت أو صعدت السماء فأنت طالق أنها لا تطلق، واختلف أصحابنا فيه فنقل أبو على

стр. 1682

ابن خيران جوابه فى كل واحدة من المسألتين الى الاخرى وجعلهما على قولين: أحدهما: تطلق لانه علق الطلاق على صفة مستحيلة فألغيت الصفة ووقع الطلاق كما لو قال لمن لا سنة ولا بدعة فى طلاقها: أنت طالق للسنة أو للبدعة. والثانى: لا تطلق لانه علق الطلاق على شرط ولم يوجد فلم يقع، وقال أكثر أصحابنا: اذا قال: أنت طالق فى الشهر الماضى طلقت، وان قال ان طرت أو صعدت السماء فأنت طالق لم تطلق قولا واحدا، وما قاله الربيع من تخريجه، والفرق بينهما أن الطيران وصعود السماء لا يستحيل فى قدرة الله وقد جعل لجعفر بن أبى طالب رضى الله عنه جناحان يطير بهما، وقد أسرى برسول الله ﷺ ، وايقاع الطلاق فى زمان ماض مستحيل، ثم قال صاحب المهذب (١) وان علق الايلاء على شرط يستحيل وجوده بأن يقول: والله لاوطئتك حتى تصعدى الى السماء أو تصافحى الثريا فهو مولى لأن معناه لاوطئتك أبدا. مذهب الحنابلة: قال صاحب كشاف القناع: وان حلف على فعل مستحيل لذاته أو مستحيل لغيره كأن قال والله لأصعدن السماء أو قال والله ان لم أصعد السماء أو قال والله لأشربن ماء الكوز ولا ماء فيه علم أن فيه ماء أو لا أو قال والله ان لم أشربه أو قال والله لأقتلن زيدا مثلا فاذا هو ميت علمه ميتا أو لم يعلمه ونحو ذلك انعقدت يمينه لأنها يمين على مستقبل وعليه الكفارة فى الحال لأنه مأيوس منه وكذا ان قال والله ان طرت أو قال والله لا طرت أو قال والله ان صعدت السماء أو قال والله لاصعدت السماء أو قال والله ان شاء الميت أو قال والله لا شاء الميت أو قال والله ان قلبت الحجر ذهبا أو قال والله لا قلبت الحجر ذهبا أو قال والله ان جمعت بين الضدين أو النقيضين أو قال والله لا جمعت بين الضدين أو النقيضين أو قال والله ان رددت أمس أو قال والله لا رددت أمس أو قال والله ان شربت ماء الكوز ولا ماء فيه أو قال والله لا شربت ماء الكوز ولا ماء فيه أو نحو ذلك من المستحيلات (٢). وفصل صاحب المغنى (٣) بين المستحيل عادة والمستحيل عقلا فمن حلف على فعل شئ مستحيل عادة كصعود السماء والطيران انعقدت يمينه وهو رأى القاضى وأبى الخطاب لأنه يتصور وجوده ولزمته الكفارة فى الحال، وأما المستحيل عقلا كرد أمس فقال أبو الخطاب لا تنعقد يمينه ولا تجب بها كفارة وقال القاضى انها تنعقد موجبة للكفارة فى الحال لأنه حلف على فعل نفسه فى المستقبل ولم يفعل كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت

стр. 1683

قبل طلاقها، وفى باب الطلاق جاء فى المغنى والشرح الكبير: فان علق الطلاق على مستحيل فقال: أنت طالق ان قتلت الميت أو شربت الماء الذى فى الكوز ولا ماء فيه أو جمعت بين الضدين أو كان الواحد أكثر من اثنين أو على ما يستحيل عادة كقوله ان طرت أو صعدت الى السماء أو قلبت الحجر ذهبا أو شربت هذا النهر كله أو حملت الجبل أو شاء الميت ففيه وجهان أحدهما يقع الطلاق فى الحال لأنه أردف الطلاق بما يرفع جملته ويمنع وقوعه فى الحال وفى الثانى فلم يصح كاستثناء الكل كما لو قال: أنت طالق طلقة لا تقع عليك أولا تنقص عدد طلاقك. والثانى لا يقع لانه علق الطلاق بصفة لم توجد ولان ما يقصد تبعيده يعلق على المحال (١)، وقيل ان علقه على ما يستحيل عقلا وقع فى الحال لأنه لا وجود له فلم تعلق به الصفة وبقى مجرد الطلاق فوقع، وان علقه على مستحيل عادة كالطيران وصعود السماء لم يقع لأنه له وجود وقد وجد جنس ذلك فى معجزات الأنبياء ﵈ وكرامات الأولياء فجاز تعليق الطلاق به ولم يقع قبل وجوده، فأما ان علق طلاقها على نفى فعل المستحيل فقال أنت طالق ان لم تقتلى الميت أو تصعدى السماء طلقت فى الحال لأنه علقه على عدم ذلك وعدمه معلوم فى الحال، وفى الثانى فوقع الطلاق كما لو قال أنت طالق ان لم أبع عبدى فمات العبد وكذلك لو قال أنت طالق لأشربن الماء الذى فى الكوز ولا ماء فيه أو لاقتلن الميت وقع الطلاق فى الحال لما ذكرناه، وحكى أبو الخطاب عن القاضى أنه لا يقع طلاقه كما لو حلف ليصعدن السماء أو ليطيرن فانه لا يحنث والصحيح أنه يحنث فان الحالف على فعل الممتنع كاذب حانث قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾. ﴿بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ» (٢) ولو حلف على فعل متصور فصار ممتنعا حنث بذلك فلأن يحنث بكونه ممتنعا حال يمينه أولى (٣). مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب: يشترط فى اليمين أن تكون على أمر مستقبل ممكن لا ماض أو ما لا يمكنه فلا يوجب كفارة بل تكون لغوا وهو ما ظن صدقها فخالف أو تكون غموسا وهى ما لم يظن صدقها فى ذلك فيأثم فيها ولا كفارة عليه (٤)، وجاء فى البحر الزخار قال: ومن حلف ليزنن الفيل وهو لا يستطيع أو ليصعدن السماء

стр. 1684

أو ليشربن ماء البحر لم تنعقد يمينه لتعذره فكانت غموسا عند القاسم والمؤيد بالله ثم قال: ولو قال: لأشربن ما فى هذا الكوز ولا ماء فيه فلا حنث للتعذر وقال: ومن حلف ليقتلن زيدا وهو ميت فلا كفارة اذ هى لغو أو غموس (١) وفى باب الطلاق جاء فى التاج المذهب (٢) اذا قال لامرأته أنت طالق أمس أو العام الماضى أو الشهر أو الأسبوع الماضيين فان الطلاق لا يقع لانه علقه بمستحيل وهو المذهب كما ذكر ذلك فى البحر الزخار (٣) كما جاء فى البحر (٤) أيضا فى باب النذر ويصح النذر بالفعل المقدور لا غير فلا ينعقد بنذر صعود السماء وصوم أمس. مذهب الإمامية: قال صاحب شرائع الاسلام: ولا تنعقد اليمين على مستحيل كقوله: والله لأصعدن السماء بل تقع لاغية، وانما تقع على ما يمكن وقوعه ولو تجدد العجز انحلت اليمين كأن يحلف ليحجن فى هذه السنة فيعجز (٥). هل يجوز التكليف بالمستحيل لذاته أو لغيره قال الغزالى فى المستصفى (٦): يشترط فى الأفعال الداخلة تحت التكليف صحة حدوثها لاستحالة تعلق الأمر بالقديم والباقى وقلب الأجناس والجمع بين الضدين وسائر المحالات التى لا يجوز التكليف بها عند من يحيل تكليف ما لا يطاق فلا أمر الا بمعدوم يمكن حدوثه، ويقول البيضاوى (٧): ان التكليف بالمحال جائز لان حكمه تعالى لا يستدعى غرضا أى انما يستحيل الأمر بما لا يقدر المكلف عليه اذا كان غرض الآمر حصول المأمور به وحكمه تعالى لا يستدعى غرضا ألبتة لاستغنائه وورود الأمر بهذا ليس للطلب كما نقله امام الحرمين فى الشامل عن أصحابنا، بل ان كان ممتنعا لذاته فالأمر به للاعلام بأنه معاقب لا محالة لأن له تعالى أن يعذب من يشاء وان كان ممتنعا لغيره فالأمر به لفائدة الأخذ فى المقدمات الا أن البدخشى (٨) يقسم المستحيل الى أقسام خمسة: أحدها: أن يكون لذاته ويعبر عنه أيضا بالمستحيل عقلا وذلك كالجمع

стр. 1685

بين الضدين والحصول فى حيزين فى وقت واحد، والثانى: أن يكون للعادة كالطيران وخلق الأجسام وحمل الجبل العظيم، والثالث: أن يكون لطريان مانع كتكليف المقيد العدو والزمن المشى، والرابع: أن يكون لانتفاء القدرة عليه حالة التكليف مع أنه مقدور عليه حالة الامتثال كالتكاليف كلها لأنها غير مقدورة قبل الفعل على رأى الأشعرى اذ القدرة عنده لا تكون الا مع الفعل، والخامس: أن يكون لتعلق العلم به كالايمان من الكافر الذى علم الله تعالى أنه لا يؤمن فان الايمان منه مستحيل اذ لو آمن لانقلب علم الله تعالى جهلا .. واذا تعذر ذلك فالقسم الخامس: جائز واقع اتفاقا اذ لو لم يكونوا مأمورين بذلك لما عصوا باستمرارهم على الكفر، قال الآمدى فى الاحكام (١): وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا وعلى وقوعه شرعا كالتكليف بالايمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبى جهل، ويسمى صاحب كشف الاسرار (٢) شرح أصول البزدوى هذا القسم بالممتنع لغيره، ويحكى اتفاق الكل على جوازه عقلا وعلى وقوعه شرعا، وأما القسم الرابع: وهو المستحيل لانتفاء القدرة عليه حالة التكليف فيقول البدخشى (٣): انه واقع عند الأشعرى بمقتضى الأصل الذى أصله وهو أن القدرة لا تكون الا مع الفعل، أما الاقسام الثلاثة الاول وهى المستحيل لذاته والمستحيل للعادة كخلق الأجسام والمستحيل لطريان مانع كتكليف المقيد العدو فقد قال البدخشى (٤): انها محل النزاع، وممن صرح بذلك مع وضوحه القرافى فى شرح المحصول والتنقيح، وحاصل ما فيها من الخلاف ثلاثة مذاهب أصحها أنه يجوز مطلقا وهو اختيار الامام وأتباعه، والثانى المنع مطلقا ونقله فى المحصول عن المعتزلة واختاره ابن الحاجب ونص عليه الشافعى كما نقله الأصفهانى فى شرح المحصول والثالث: ان كان ممتنعا لذاته فلا يجوز والا فيجوز واختاره الآمدى، واذا قلنا بالجواز ففى وقوعه مذاهب: أحدهما المنع مطلقا سواء كان ممتنعا لذاته أم لا، والثانى: الوقوع فيهما واختاره فى المحصول، والثالث التفصيل، وقد تردد النقل عن الشيخ أبى الحسن الأشعرى قال فى البرهان: وهذا سوء معرفة بمذهبه فان التكاليف كلها عنده تكليف بما لا يطلق لامرين أحدهما: أن الفعل مخلوق لله تعالى فتكليفه به تكليف بفعل غيره والثانى أنه لا قدرة عنده الا حال الامتثال والتكليف سابق، وهذا التخريج لا يستلزم وقوع الممتنع لذاته وجاء فى كتاب الاحكام

стр. 1686

للآمدى (١): المختار انما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته كالجمع بين الضدين ونحوه وجوازه فى المستحيل باعتبار غيره، قال الآمدى: واليه ميل الامام الغزالى رحمه الله تعالى، وجاء فى كتاب كشف الاسرار شرح أصول البزدوى الحنفى (٢): اعلم أن الأئمة قد اختلفوا فى جواز التكليف بالممتنع وهى المسمى تكليفا بما لا يطاق فقال أصحابنا: لا يجوز ذلك عقلا ولهذا لم يقع شرعا وقالت الأشعرية: انه جائز عقلا واختلفوا فى وقوعه والأصح عدم الوقوع، والخلاف فى التكليف بما هو ممتنع لذاته كالجمع بين الضدين والعقد بين شعيرتين - أى حبتى شعير - فأما التكليف بما هو ممتنع لغيره كايمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن مثل فرعون وأبى جهل وسائر الكفار الذين ماتوا على كفرهم فقد اتفق الكل على جوازه عقلا وعلى وقوعه شرعا فالأشعرية تمسكوا بأن التكليف منه تصرف فى عباده ومماليكه فيجوز سواء أطاق العبد أو لم يطق وهذا لأن امتناع التكليف اما أن يكون لاستحالته فى ذاته أو لكونه قبيحا، لا وجه للأول لقصور صدور الأمر من الله تعالى بالممتنع للعبد، ولا للثانى لان القبح انما يكون باعتبار عدم حصول الغرض والقديم منزه عن الغرض، وتمسك أصحابنا بأن تكليف العاجز عن الفعل بالفعل يعد سفها فى الشاهد كتكليف الأعمى بالنظر فلا يجوز نسبته الى الحكيم ﷻ ، وما مر انما هو فى التكليف بالمحال، أما التكليف المحال فقد قال البيضاوى (٣): أما التكليف المحال باسقاط الباء - فانه لا يجوز تكليف الغافل من أحال تكليف المحال فان الاتيان بالفعل امتثالا يعتمد قصد الفعل ولا يكفى مجرد الفعل لقول النبى ﷺ : إنما الاعمال بالنيات، وقال البدخشى: تكليف الغافل كالساهى والنائم والمجنون والسكران وغيرهم لا يجوزه من منع التكليف بالمحال ثم قال (٤): واعلم أن الشافعى رحمه الله تعالى قد نص فى الأم على أن السكران مخاطب مكلف كذا نقل عنه الرويانى فى البحر فى كتاب الصلاة، وحينئذ فيكون تكليف الغافل عنده جائزا لأنه فرد من أفراد المسألة كما نص عليه الآمدى وابن الحاجب، وفى المستصفى (٥) أن تكليف الناسى والغافل عما يكلف محال اذ من لا يفهم كيف يقال له: افهم، أما ثبوت الأحكام بأفعاله فى النوم والغفلة فلا ينكر كلزوم الغرامات وغيرها وكذلك تكليف السكران الذى لا يعقل محال كتكليف الساهى

стр. 1687

والمجنون والذى يسمع ولا يفهم بل السكران أسوأ حالا من النائم الذى يمكن تنبيهه ومن المجنون الذى يفهم كثيرا من الكلام، وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم فذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب وذلك مما لا ينكر. استحالة الجمع بين الحرمة والوجوب فى فعل واحد من جهة واحدة يقول الآمدى (١) فى كتابه الاحكام فى أصول الأحكام: اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب فى فعل واحد من جهة واحدة وذلك لتقابل حديهما اذ الواجب عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا فى حالة ما، أما المحظور فهو ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو فعل له وعلى ذلك فان الجمع بينهما مستحيل الا على رأى من يجوز التكليف بالمحال وانما الخلاف فى أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الأفعال الى واجب وحرام وذلك كالسجود لله تعالى والسجود للصنم، وأن يكون الفعل الواحد بالشخص واجبا حراما من جهتين وذلك كوجوب الفعل المعين الواقع فى الدار المغصوبة كالصلاة من حيث هى صلاة وتحريمه من حيث أنه غاصب شاغل لملك الغير، يقول الآمدى: ان ذلك مما جوزه أصحابنا وأكثر الفقهاء مطلقا وخالف فى الصورة الاولى بعض المعتزلة وقالوا: ان السجود نوع واحد وهو مأمور به لله تعالى فلا يكون حراما ولا منهيا عنه بالنسبة الى الصنم من حيث هو سجود والا كان الشئ الواحد مأمورا به منهيا عنه وذلك محال، وانما المحرم المنهى عنه هو قصد تعظيم الصنم وهو غير السجود فالساجد للصنم عاص بقصد تعظيم الصنم لا بنفس السجود، ويقول الغزالى (٢): اذا عرفت أن الحرام ضد الواجب لأنه المقتضى تركه والواجب هو المقتضى فعله فلا يخفى عليك أن الشئ الواحد يستحيل أن يكون واجبا حراما، طاعة معصية فى آن واحد، والواحد ينقسم الى واحد بالنوع والى واحد بالتعيين، أما الواحد بالنوع كالسجود مثلا فانه نوع واحد من الأفعال فيجوز أن ينقسم الى الواجب والحرام ويكون انقسامه بالأوصاف والاضافات كالسجود لله تعالى والسجود للصنم اذ أحدهما واجب والآخر حرام ولا تناقض، وذهب بعض المعتزلة الى أنه مناقض فان السجود نوع واحد مأمور به فيستحيل أن ينهى عنه بل الساجد للصنم عاص بقصد تعظيم الصنم لا بنفس السجود وهذا خطأ فاحش فانه اذا تغاير متعلق الأمر والنهى لم يتناقض والسجود للصنم غير السجود لله تعالى لان اختلاف الاضافات والصفات يوجب

стр. 1688

المغايرة اذ الشئ لا يغاير نفسه والمغايرة تارة تكون باختلاف النوع وتارة باختلاف الوصف وتارة باختلاف الاضافة وقد قال الله تعالى: «لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ» (١)، وليس المأمور به هو المنهى عنه والاجماع منعقد على أن الساجد للشمس عاص بنفس السجود والقصد جميعا فقولهم ان السجود نوع واحد لا يغنى مع انقسام هذا النوع الى أقسام مختلفة المقاصد اذ مقصود هذا السجود تعظيم الصنم دون تعظيم الله تعالى، واختلاف وجوه الفعل كاختلاف نفس الفعل فى حصول الغيرية الرافعة للتضاد فان التضاد انما يكون بالاضافة الى واحد ولا وحدة مع المغايرة، وأما الواحد بالتعيين كصلاة زيد فى دار مغصوبة من عمرو فحركته فى الصلاة فعل واحد بعينه هو مكتسبه ومتعلق قدرته فالذين سلموا فى النوع الواحد نازعوا ههنا فقالوا: لا تصح هذه الصلاة اذ يؤدى القول بصحتها الى أن تكون العين الواحدة من الافعال حراما واجبا وهو متناقض فقيل لهم: هذا خلاف اجماع السلف فانهم ما أمروا الظلمة عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة فى الدور المغصوبة مع كثرة وقوعها ولا نهوا الظالمين عن الصلاة فى الأراضى المغصوبة فأشكل الجواب على القاضى أبى بكر رحمه الله تعالى فقال: يسقط الوجوب عندها لا بها بدليل الاجماع ولا يقع واجبا لأن الواجب ما يثاب عليه وكيف يثاب على ما يعاقب عليه وفعله واحد هو كونه فى الدار المغصوبة وسجوده وركوعه أكوان اختيارية هو معاقب عليها ومنهى عنها، ونقول: الفعل وان كان واحدا فى نفسه فاذا كان له وجهان متغايران يجوز أن يكون مطلوبا من أحد الوجهين مكروها من الوجه الآخر وانما المحال أن يطلب من الوجه الذى يكره بعينه وفعله من حيث أنه صلاة مطلوب ومن حيث أنه فى مكان مغصوب مكروه والغصب معقول دون الصلاة والصلاة معقولة دون الغصب وقد اجتمع الوجهان فى فعل واحد ومتعلق الأمر والنهى الوجهان المتغايران، وجاء فى مسلم (٢) الثبوت يجوز فى الواحد بالجنس اجتماع الوجوب والحرمة كالسجود لله وللشمس فانهما نوعان لمطلق السجود الواحد الجنسى مع وجوب الاول وحرمة الثانى، ومنع بعض المعتزلة هذا الاجتماع مكابرة لا يلتفت اليه وصرفهم السجود الى قصد التعظيم بأن السجود ليس حراما ولا واجبا، انما الواجب تعظيم الله والمحرم تعظيم الشمس .. لا يجدى، وانما الكلام فى وجوب شئ وحرمته بأن يتصف بهما فى أشخاصه سواء سمى

стр. 1689

ذلك الشئ جنسا أو نوعا، فأما أن تتحد فيه الجهة حقيقة أو حكما كما اذا تساويا فذلك الاجتماع مستحيل فانه يلزم الاتيان به، وعدم الاتيان به، وهو جمع بين النقيضين فهذا التكليف تكليف بالنقيضين بل تكليفه محال لانه يلزم من هذا التكليف اجتماع الوجوب والحرمة فى شئ واحد ذاتا وجهة فيكون واجبا حراما وهو جمع بين الضدين فى نفس الامر، واما أن تتعدد الجهة حقيقة وحكما بحيث يمكن الافتراق من أحدهما كالصلاة فى الدار المغصوبة فعند الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية يصح هذا النحو من التكليف فالصلاة فى الارض المغصوبة واجب حرام معا فالآتى بها يستحق ثواب الصلاة وعقاب الغصب وقال القاضى أبو بكر الباقلانى لا يصح ويسقط به أى بالفعل الذى شأنه هذا الطلب. واستبعده الامام الرازى فان سقوط الطلب اما بالامتثال أو الفسخ وكلاهما منتف وعند الامام أحمد بن حنبل وأكثر المتكلمين والجبائى والإمامية لا يصح هذا النحو من التكليف ولا يسقط به الواجب قال صاحب مسلم الثبوت: ودليلنا أنه لا مانع من هذا التكليف لان عدم اتحاد المتعلقين حقيقة ثابت ههنا فان الكون فى الحيز وان كان كونا واحدا بالشخص لكنه متعدد باعتبار أنه كون من حيث أنه صلاة وكون من حيث انه غصب فبالجهة الاولى يكون واجبا وبالجهة الثانية يكون حراما فلا اتحاد فى المتعلقين أصلا فلا استحالة. استحالة ارادة المعنى الحقيقى والمجازى من لفظ واحد فى وقت واحد قال البزدوى (١): من أحكام الحقيقة والمجاز استحالة اجتماعهما مرادين بلفظ واحد ويقول صاحب مسلم الثبوت (٢) وشارحه لا يجوز الجمع بين المعنى الحقيقى والمعنى المجازى مقصودين بالحكم بالذات بخلاف الكناية فانه وان أريد فيها الموضوع له وملزومه (٣) ولكن ليسا مقصودين بل جعل الاول توطئة للثانى وأجازه الشافعية الا أن لا يمكن الجمع عقلا كافعل أمرا وتهديدا للتنافى بينهما وقال الغزالى يصح الجمع عقلا لا لغة، وقال فى كشف الاسرار (٤): اختلف الاصوليون فى جواز اطلاق اللفظ الواحد على مدلوله الحقيقى ومدلوله المجازى فى وقت واحد فذهب أصحابنا وعامة أهل الادب والمحققون من أصحاب الشافعى وعامة المتكلمين الى امتناعه، وذهب الشافعى وعامة أصحابه وعامة أهل الحديث وأبو على الجبائى وعبد الجبار ابن أحمد من المتكلمين الى جوازه مستروحين فى ذلك الى أنه لا مانع من ارادة المعنيين جميعا فان الواحد منا قد يجد نفسه

стр. 1690

مريدة بالعبارة الواحدة معنيين مختلفين كما يجد نفسه مريدة للمعنيين المتفقين جميعا ونعلم ذلك من أنفسنا قطعا فمن ادعى استحالته فقد جحد الضرورة وعاند المعقول، ألا ترى أن الواحد منا قد يجد فى نفسه اذا قال لغيره: لا تنكح ما نكح أبوك أو قال لغيره: توضأ من لمس المرأة، ارادة العقد والوط ء فى الاول، واردة المس باليد والوط ء فى الثانى حتى لو صرح به وقال: لا تنكح ما نكح أبوك وطئا ولا عقدا وتوضأ من اللمس مسا ووطئا صح ذلك من غير استحالة، فكذا يجوز أن يحمل قوله تعالى: «وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ١» على الوط ء والعقد، وأن يحمل قوله تعالى: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ» (٢) على الوط ء والمس باليد من غير استحالة، قالوا: وهذا بخلاف ما اذا أريد باللفظ الواحد معنيان متضادان كما اذا أريد بالامر الوجوب والندب أو الاباحة أو التهديد أو أريد بالمشركين الكل والبعض حيث لا يجوز مع صلاحيته لكل واحد لان العمل بهما مستحيل لان كون الفعل واجبا يأثم بتركه يضاد كونه ندبا أو مباحا لا يأثم بتركه فيستحيل الجمع بينهما، ومثل ذلك: افعل أمرا وتهديدا فانه لا يمكن الجمع للتنافى بينهما أو بالنظر الى القرينة الصارفة، وظاهر هذا يشعر بأن الاصل عندهم الجمع الا للضرورة (٣)، هذا رأى من ذهب الى جوازه، أما من (٤) ذهب الى امتناع جوازه فلهم أن القول بجواز ارادتهما يؤدى الى المحال فيكون فاسدا وبيان الاستحالة من وجوه: أحدهما: أن الحقيقة ما يكون مستقرا فى موضوعه مستعملا فيه، والمجاز ما يكون متجاوزا عن موضوعه مستعملا فى غيره، والشئ الواحد فى حالة واحدة لا يتصور أن يكون مستقرا فى موضعه ومتجاوزا عنه ضرورة أن الشئ الواحد لا يحل فى مكانين، وثانيهما أنه لو صح الاطلاق عليهما يكون المستعمل مريدا لما وضعت له الكلمة أولا لاستعمالها فيه غير مريد له أيضا للعدول بها عما وضعت له فيكون موضوعها مرادا وغير مراد وهو جمع بين النقيضين، والاستحالة فى الوجه الاول باعتبار اللفظ وفى الوجه الثانى باعتبار المعنى، وثالثها أن استعمال الكلمة فيما هى مجاز فيه يوجب اضمار كاف التشبيه لما عرف، واستعمالها فيما هى حقيقة فيه لا يوجب ذلك، وبين الاضمار وعدمه تناف، ورابعها أن المجاز لا يفهم من الخطاب الا بقرينة وتقييد، والحقيقة تفهم بالاطلاق من غير قرينة وتقييد، ويستحيل أن يكون الخطاب الواحد جامعا بين الامرين فيكون مطلقا ومقيدا فى حالة واحدة، قال فى كشف الاسرار (٥): ولكن

стр. 1691

الفريق الاول اعترض على هذه الاوجه .. ثم ساق اعتراضاتهم ورد عليها بكلام كثير يرجع اليه فى مكانه ثم قال: واختيار أكثر المحققين أن ارادة المعنيين تجوز عقلا ولكن لا تجوز لغة لان أهل اللغة وضعوا قولهم «حمار» للبهيمة المخصوصة وحدها، وتجوزوا به فى البليد وحده ولم يستعملوه فيهما معا أصلا. استحالة تنفيذ العقد أو الشرط وأثر ذلك: جاء فى منتهى الارادات (١): من شرط لزوجته أن لا يخرجها من منزل أبويها فمات أحد الابوين بطل الشرط لان المنزل صار لاحد الابوين بعد أن كان لهما فاستحال اخراجها من منزل أبويها فبطل الشرط، وكذا ان تعذر سكنى المنزل لنحو خراب فله أن يسكن بها حيث أراد سواء رضيت أو لا لانه الاصل والشرط عارض وقد زال فرجعنا الى الاصل وهو محض حقه. وفى عقد الاجارة ينفسخ العقد اذا طرأ ما يتعذر معه الانتفاع لانه يفوت به غرض المستأجر، جاء فى الاجارة من الاصل للامام محمد بن الحسن: اذا سقطت الدار كلها كان لمستأجرها أن يخرج منها سواء أكان صاحب الدار شاهدا أم غائبا، وروى هشام عن محمد فيمن استأجر بيتا فقبضه ثم انهدم فبناه المؤجر فقال المستأجر بعد بنائه: لا حاجة لى فيه، أنه قال: ليس للمستأجر ذلك، وقال القدورى: الصحيح أن العقد ينفسخ فى مثل هذه الحال لان المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت (٢) .. وينظر تفصيل الكلام فى ذلك فى مصطلح عقد ومصطلح شرط. استحالة الدعوى قد تكون الدعوى مستحيلة وغير ممكنة التحقق وفى هذه الحالة لا تسمع الدعوى - انظر مصطلح دعوى. استحباب التعريف فى اللغة استحباب مصدر فعله استحب، وقد جاء فى المعجم الوسيط (٣) أنه يقال: استحب فلان الشئ اذا آثره واختاره

стр. 1692

وفضله، ويقال استحبه عليه كما فى قوله تعالى ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ)﴾ (١) وذكر صاحب القاموس المحيط ان استحب تأتى بمعنى أحب على أصل المادة قبل زيادة الالف والسين والتاء (٢). التعريف فى اصطلاح الفقهاء وعلماء الاصول ذكر ابن أمير الحاج ان المستحب فى فقه الحنفية هو ما لم يواظب الرسول ﷺ على فعله وان لم يفعله بعد ما رغب فيه (٣). وروى الاسنوى أن المستحب اسم من أسماء المندوب فقد جاء فى نهاية السول ان المندوب يسمى سنة ونافلة - قال فى المحصول: ويسمى - أى المندوب أيضا مستحبا وتطوعا ومرغبا فيه واحسانا. ثم عرف الاسنوى المندوب بأنه ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه (٤). وذكر صاحب كشف الاسرار على أصول البزدوى أن المستحب اسم من اسماء النفل ثم عرف النفل بقوله: وأما حد النفل - وهو المسمى بالمندوب والمستحب والتطوع - فقيل ما فعله خير من تركه فى الشرع (٥) - ثم عاد فقال: واما الاستحباب فيدل بوضعه على ميلان الطبع الى الشئ والمحبة له (٦). وقال الرهاوى فى حاشيته على شرح المنار: المستحب ما وصل الينا بدليل دل على رجحانه ايقاعا منه ﷺ على وجه لا يلام على تركه (٧). وعرفه القمى من الإمامية فى قوله: فى قوانين الاصول. والاستحباب هو رجحان الفعل مع عدم المنع من الترك (٨) وهكذا عبر عنه الفقهاء والاصوليون تارة بالمندوب وتارة بالنافلة. انواع الاستحباب ذكر صاحب كتاب قوانين الاصول أن الاستحباب قسمان، استحباب نفسى واستحباب للغير، أما الاستحباب النفسى فمثل استحباب نفس الطهارة وقت حصول الحدث، وأما الاستحباب للغير فذلك مثل استحباب غسل الجنابة للصلاة المندوبة (٩).

стр. 1693

مراتب الاستحباب وللاستحباب مراتب متفاوتة تبعا لما تتعلق به، فقد ذكر ابن عابدين فى حاشيته أن مراتب الاستحباب متفاوتة كمراتب السنة والواجب والفرض، فيكون بعض المستحبات تركه مكروه تنزيها، وبعضها تركه غير مكروه مثل ترك الاذان والاقامة للمسافر فانهما مستحبان يكره تركهما، ومثل الاكل يوم الاضحى فانه لو لم يؤخره الى ما بعد الصلاة لا يكره مع أن التأخير مستحب (١). حكم متابعة النبى ﷺ روى صاحب نهاية السول ان آراء الفقهاء فى حكم متابعة النبى ﷺ فيما لم يظهر فيه قصد القربة ولم نعلم وجهه وقصده به من كونه واجبا أو مندوبا أو غير هذا أو ذاك - تدور حول أربعة مذاهب: أولها أن الفعل يدل على اباحة متابعته ﷺ مطلقا لان فعل النبى ﷺ لا يكره ولا يحرم والاصل عدم الوجوب والندب لان رفع الحرج عن الفعل والترك ثابت وزيادة الوجوب والندب لا تثبت الا بدليل ولم يتحقق فتبقى الاباحة. الثانى أنه: يدل على الندب لقول الله تعالى «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (٢). فان وصف الاسوة بالحسنة يدل على الرجحان، والوجوب منتف لكونه خلاف الاصل، ولقوله (لكم) ولم يقل (عليكم) فتعين الندب. والثالث أنه: يدل على الوجوب لقول الله تعالى «فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ» (٣) .. والامر للوجوب، ولقول الله تعالى «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي» (٤) فانه يدل على أن محبة الله تعالى مستلزمة للمتابعة، ومحبة الله تعالى واجبة اجماعا، ولازم الواجب واجب، فتكون المتابعة واجبة. الرابع أنه: لا يدل على شئ من الاحكام بالتعيين لاحتمال هذه الامور الثلاثة واحتمال أن يكون من خصائصه ﷺ فيتوقف الى ظهور البيان (٥). وذكر صاحب شرح مختصر المنتهى هذه المذاهب الاربعة، ثم أضاف مذهبا خامسا قال عنه انه هو الذى اختاره ابن الحاجب، وهو التفصيل بأنه ان ظهر قصد القربة فالندب والا فالاباحة لانه اذا ظهر قصد القربة ظهر الرجحان

стр. 1694

فحكم به والمنع من الترك زيادة لم تثبت الا بدليل، والاصل عدمه فثبت الرجحان بدون المنع من الترك وهو الندب. واذا لم يظهر قصد القربة ظهر الجواز لبعد المعصية ولا وجوب ولا ندب بالاصل. وأيضا لما نفى الحرج فى قول الله تعالى «زَوَّجْناكَها» مع احتمال الوجوب والندب ولم يثبتهما فهم منه أن مقتضى فعله الاباحة دونهما (١). أما صاحب شرح المنار فقد ذكر أن أحوال فعل النبى ﷺ أربعة مباح ومستحب وواجب وفرض (٢). وروى صاحب قوانين الاصول أن آراء الفقهاء تدور بين وجوب المتابعة مطلقا أو استحبابها مطلقا أو اباحتها مطلقا أو وجوب التوقف فيها، غير أنه قرر أن استحباب متابعة النبى ﷺ هو أقوى تلك الاقوال، لاصالة البراءة من الوجوب وعدم دليل قائم عليه، ولان احتمال الاباحة مقهور بأكثرية الراجح فى أفعالهم، ولان ذلك مقتضى الاحتياط لاحتمال الوجوب بل والندب أيضا فيستحب، ولان ذلك مقتضى عمومات ما دل على حسن التأسى بعد نفى دلالتها على الوجوب وذلك مثل قراءة السورة فى الصلاة وغسل الوجه من الاعلى (٣). حكم ترك المستحب يتبع حكم ترك المستحب ما يقصد بالمستحب وقد اختلف الحنفية فى حكم تركه فقال جماعة لا يترتب على تركه كراهة على ما جاء فى البحر الرائق من أنه ان كان ذلك الشئ الذى تركه المصلى مستحبا أو مندوبا وليس بسنة كما هو على اصطلاحنا فينبغى أن لا يكون تركه مكروها أصلا كما صرحوا به من أنه يستحب يوم الاضحى أن لا يأكل أولا الا من أضحيته ولو أكل أولا من غير أضحيته فليس بمكروه، فلم يلزم من ترك المستحب ثبوت كراهته (٤). غير أن ابن نجيم تعقب ذلك بقوله: الا أنه يشكل عليه ما قالوه من ان المكروه تنزيها مرجعه الى خلاف الاولى، ولا شك فى أن ترك المستحب خلاف الاولى (٥). ووفق ابن عابدين فى حاشيته بين الرأيين مستندا الى ما ذكره بعض الائمة من أن الكراهة المنفية هى الكراهة التحريمية فلا ينافى ثبوت الكراهة التنزيهية كما لا يخفى، وذلك قوله: وعلى هذا ففى ترك المستحب والمندوب كراهة الا أنه ينبغى أن تكون دون كراهة ترك السنة غير المؤكدة كما قدمه ابن نجيم من أن الاثم فى ترك السنة

стр. 1695

المؤكدة دون ترك الواجب وأنه مقول بالتشكيك ولا مانع من أن تكون الكراهة كذلك وفى شرح المنية ما نصه: فالحاصل أن المستحب فى حق الكل وصل السنة بالمكتوبة من غير تأخير الا أن المستحب فى حق الامام أشد حتى يؤدى تأخيره الى الكراهة لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها (١). بخلاف المقتدى والمنفرد. ونظير هذا قولهم: يستحب الاذان والاقامة للمسافر ولمن يصلى فى بيته فى المصر، ويكره تركهما للاول دون الثانى فعلم أن مراتب الاستحباب متفاوتة كمراتب السنة والواجب والفرض فيكون بعض المستحبات تركها مكروه تنزيها وبعضها غير مكروه، ومنه الاكل يوم الاضحى فانه لو لم يؤخره الى ما بعد الصلاة لا يكره مع أن التأخير مستحب والمراد نفى الكراهة أصلا ثم قال: وبذلك يندفع الاشكال لان المكروه تنزيها الذى ثبتت كراهته بالدليل يكون خلاف الاولى، ولا يلزم من كون الشئ خلاف الاولى أن يكون مكروها تنزيها ما لم يوجد دليل الكراهية. والحاصل أن خلاف الاولى أعم من المكروه تنزيها، وترك المستحب خلاف الاولى دائما لا مكروه تنزيها دائما، بل قد يكون مكروها ان وجد دليل الكراهة والا فلا (٢). العلاقة بين الاستحباب والوجوب جاء فى حاشية قوانين الاصول أن الواجب ضد لكل واحد من الاستحباب والكراهة والاباحة (٣)، ثم ذكر أنه قد يجتمع الوجوب النفسى مع الاستحباب للغير كاستحباب غسل الجنابة للصلاة المندوبة على القول بوجوبه لنفسه، وكذلك قد يجتمع الوجوب الغيرى مع الاستحباب النفسى على القول الآخر ويرى ابن رشد أن الاستحباب يغاير الجواز والوجوب فقد قال: وأما استقبال القبلة بالذبيحة فان قوما استحبوا ذلك وقوما أجازوا ذلك وقوما أوجبوه وقوما كرهوا أن لا يستقبل بها القبلة (٤). هذا ويمكن أن يحمل الامر على الاستحباب فقد ذكر صاحب قوانين الاصول أنه اذا قال قائل: ان ظاهرت فاعتق رقبه، وان ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة فانه يمكن الجمع

стр. 1696

بين القولين بحمل المقيد - وهو مؤمنة - على الاستحباب بمعنى حمل الامر وهو قوله اعتق رقبة مؤمنة مثلا على الاستحباب فتكون الرقبة المؤمنة أفضل أفراد الواجب التخييرى (١). بينما ذكر ابن قدامة المقدسى أنه شاع فى ألسنة الفقهاء أن الامر ينقسم الى أمر ايجاب وأمر استحباب (٢). العلاقة بين الاستحباب والندب والسنة والنفل والاباحة ذكر صاحب التقرير والتحبير أن مطلق السنة ينقسم الى سنة الهدى والى سنن زائدة والى نفل، أما سنة الهدى فتاركها مضلل ملوم كالاذان والجماعة، وأما السنن الزائدة فكما فى أكله ﷺ وقعوده ولبسه، وأما النفل - وهو المشروع زيادة على الفرائض والواجبات والسنن - فهو ما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب ولا يعاتب على تركه لعدم الفرضية والوجوب والسنية، ومن النفل الركعتان الاخريان من الرباعية للمسافر لانه يثاب على فعلمها ولا يعاقب ولا يعاتب على تركهما فلم ينوبا عن سنة الظهر على الصحيح، ومن النفل كذلك ما تعلق به دليل ندب يخصه وهو المستحب والمندوب كالركعتين والاربع قبل العصر والسنة بعد المغرب (٣). ثم ذكر أن السنة فى فقه الحنفية هى ما واظب النبى ﷺ على فعله مع ترك ما بلا عذر. وما لم يواظب النبى ﷺ على فعله فهو مندوب ومستحب (٤). ثم ذكر أن المباح من أسمائه الجائزة وأنه كما يطلق على المباح يطلق على ما لا يمتنع شرعا مباحا كان أو واجبا أو مندوبا أو مكروها، وعلى ما لا يمتنع عقلا واجبا كان أو راجحا أو متساوى الطرفين أو مرجوحا، وعلى ما استوى الامران فيه سواء استويا شرعا كالمباح أو عقلا كفعل الصبى، وعلى المشكوك فيه فى الشرع أو العقل بالاعتبارين وهما استواء الطرفين وعدم الامتناع (٥). والخرشى على أن المستحب مندوب، فقد جاء فى شرحه قول الامام خليل (وندب اعلامها به) يعنى أنه يستحب اعلام البكر أن صمتها اذن منها (٦) … الخ. وذكر البخارى فى كشف الاسرار فى بيان حد النفل - أن النفل هو المسمى بالمندوب والمستحب والتطوع (٧) العلاقة بين الاستحباب والادب يذهب كثير من الائمة الى أن الادب أعم من الاستحباب على معنى أن الادب يشمل الاستحباب والندب والتطوع والنفل. فقد

стр. 1697

ذكر الطحطاوى من الحنفية فى حاشيته أن الادب يسمى بالنفل لانه زائد عن الفرض وبالمستحب لان الشارع يحبه وبالمندوب لان الشارع بين ثوابه وبالتطوع لان فاعله متبرع به (١). وفى حاشية الصفتى ان المراد بالآداب هو ما يطلب من المكلف تحصيله سواء كان واجبا كتجنب الرائحة الكريهة أو سنة كالغسل أو مستحبا كالتطيب (٢). وقصره الشبراملسى فى حاشيته على نهاية المحتاج على المستحب فقال الآداب جمع أدب وهو المستحب (٣). وعبر صاحب كشاف القناع عن الادب بالاستحباب (٤) اذ قال فى باب أداب المشى الى الصلاة (ويستحب أن يقول اذا خرج من بيته ولو لغير صلاة بسم الله … الخ). وكذلك فعل صاحب مفتاح الكرامة اذ قال فى آداب الخلوة (ويستحب شد البدن وتغطية الرأس (٥) … الخ). استحسان تعريف الاستحسان الاستحسان فى اللغة مصدر استحسن الشئ عده حسنا جاء فى الاحكام للامدى (٦): هو فى اللغة مشتق من الحسن ومثله فى كشف الاسرار (٧). وهو فى عرف الاصوليين كما يقول الغزالى (٨): له ثلاثة معان: الاول أنه الذى يسبق الى الفهم أى ما يستحسنه المجتهد بعقله. الثانى (٩) أنه دليل ينقدح فى نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على ابرازه واظهاره. الثالث (١٠) وهو منقول عن الكرخى وبعض أصحاب أبى حنيفة أنه قول بدليل يندرج تحته أجناس منها العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل خاص من القرآن ومنها أن يعدل بها عن نظائرها بدليل السنة. ويقول الامدى (١١): انه قد اختلف أصحاب أبى حنيفة فى تعريفه فمنهم من قال: انه عبارة عن دليل ينقدح فى نفس المجتهد لا يقدر على اظهاره لعدم مساعدة العبارة

стр. 1698

عنه .. ومنهم من قال: انه عبارة عن العدول عن موجب قياس الى قياس أقوى منه .. ثم قال (١): ونقل عن أبى الحسن البصرى تعريفه بأنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الالفاظ لوجه هو أقوى منه وهو فى حكم الطارئ وعلق الآمدى على هذا التعريف بأنه قصد بقوله غير شامل شمول الالفاظ الاحتراز عن العدول عن العموم الى القياس لكونه لفظا شاملا وعلق على قوله وهو فى حكم الطارئ بأنه احتراز عن قولهم: تركنا الاستحسان بالقياس فانه ليس استحسانا من حيث أن القياس الذى ترك له الاستحسان ليس فى حكم الطارئ بل هو الاصل. ثم أورد مناقشات لجملة هذه التعريفات بما سنورده بعد. وعرفه صدر الشريعة فى التنقيح بأنه دليل يقابل القياس الجلى الذى تسبق اليه الافهام وقال فى التوضيح (٢): أن بعض الناس تحيروا فى تعريفه. والصحيح فى تعريفه ما أوردناه من أنه دليل يقع فى مقابلة القياس الجلى. وفى التحرير للكمال والتيسير عليه لباد شاه (٣): ان الاستحسان القياس الخفى بالنسبة الى قياس ظاهر متبادر ويقال لما هو أعم من ذلك وهو كل دليل واقع فى مقابلة القياس الظاهر بنص كالسلم أو أجماع كالاستصناع أو ضرورة كطهارة الحياض والآبار لعموم البلوى وقد جاء مثل ذلك فى المرقاة وشرحها مرآة الاصول (٤) وعرفه الامام السرخسى فى مبسوطه (٥)، نقلا عن شيخه بأنه ترك القياس والاخذ بما هو أوفق للناس وقيل طلب السهولة فى الاحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام وأورد عدة تعريفات حول هذا المعنى ترجع كما قال الى أنه ترك العسر لليسر. وقد انفرد ابن السبكى بايراد تعريف للاستحسان (٦): بأنه العدول عن الدليل الى العادة للمصلحة كدخول الحمام من غير تعيين زمن المكث وقدر الماء والاجرة: وقال الشاطبى (٧): الاستحسان فى مذهب مالك. الاخذ بمصلحة جزئية فى مقابلة دليل كلى ثم نقل عن ابن العربى أنه ايثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارض به فى بعض مقتضياته. وأنه قال فى أحكام القرآن: ان الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين وقد نقل الشوكانى (٨): هذا التعريف عن الباجى ونسبه الى أصحاب مالك فقط والسالمى الاباضى فى طلعة الشمس (٩): يدور مع صاحب جمع الجوامع فى فلكه حول ما أورده من تعريفات.

стр. 1699

وجاء فى المسودة فى أصول الفقه لآل تيمية الحنابلة (١): ان الاستحسان فسره الحلوانى بأوجه ثم قال: ويحتمل عندى أن يكون الاستحسان ترك القياس الجلى وغيره لدليل نص من خبر واحد أو غيره أو ترك القياس لقول الصحابى فيما لا يجرى فيه القياس. وهذا ظاهر كلام أبى الخطاب فى كتاب الهداية فى مسألة العينة حيث قال لا يجوز استحسانا وقال انه رأى مثل ذلك التعريف للفخر اسماعيل فى كتابه الجدل. النسبة بين الاستحسان والقياس مجال الكلام فى النسبة بين الاستحسان والقياس يتجلى فى مسلك الحنفية وأول ما يوجهنا فى مراجعنا عبارة البزودى القائل: (٢) ان الاستحسان عندنا أحد القياسين، ويقول صدر الشريعة (٣): ان القياس ينقسم الى جلى وخفى فالخفى يسمى بالاستحسان لكنه أعم من القياس الخفى فان كل قياس خفى استحسان وليس كل استحسان قياسا خفيا لان الاستحسان قد يطلق على غير القياس الخفى لكن الغالب فى كتب أصحابنا يريد الحنفية أنه اذا ذكر الاستحسان أريد القياس الخفى - فى مقابل الجلى وقد أوضح الكمال فى التحرير كما أوضح أمير بادشاه فى شرحه هذا المقام (٤)، اذ نصا على أن الحنفية قسموا القياس الى جلى وهو ما تبادر الى الافهام وجهه والى ما هو خفى من هذا التبادر وهو ما يسمى بالاستحسان والاول الذى هو الجلى يسمى بلفظ القياس فكأنه لكماله يختص باسم القياس فلفظ القياس يستعمل فى معنيين أحدهما الاعم المقسم للجلى والخفى. والثانى ما يقابل الخفى وهو الجلى وقد يطلق الاستحسان على ما هو اعم من القياس الخفى وهو بهذا الاعتبار كل دليل فى مقابلة القياس الظاهر نصا كان كالسلم أو اجماعا كالاستصناع أو ضرورة كطهارة الحياض والآبار وقريب من هذا ما أورده منلاخسرو والازبدى فى المرقاة وشرحها المرآة (٥) ولا يخرج ما فى كشف الاسرار على البزدوى (٦)، والمنار للنسفى وشرحه لابن ملك (٧): عن هذا التصوير فى النسبة بين القياس والاستحسان الذى يفيد أن الاستحسان يطلق على قسم من القياس لا يخرج عنه كما يطلق على ما هو أعم من هذا القسم فيكون بين الاستحسان والقياس عموم وخصوص وجهى. الصلة بين الاستحسان والمصلحة يبدو مما أوردنا من التعريفات أن الاستحسان دليل مستقل ينفرد بمفهومه

стр. 1700

وما صدقاته عن المصلحة وقد يتصل الاستحسان بالمصلحة فى تصوير بعض الاصوليين للاستحسان كالسرخسى الذى عرفه بأنه ترك القياس والاخذ بما هو أرفق للناس، فان الاخذ بما هو أرفق للناس يتصل اتصالا قريبا بالمصلحة وكذلك سائر التعريفات التى أوردها للاستحسان بأنها تدور كما بينا حول ما يتصل بالمصلحة. وهو أيضا يتصل بالمصلحة فى تعريف ابن السبكى للاستحسان الذى تقدم من أنه العدول عن الدليل الى العادة للمصلحة وهذا يقتضى أن المصلحة ملاحظة فى الاستحسان باعتبار ابتنائه عليها عند ابن السبكى. آراء الفقهاء فى اعتبار الاستحسان نرى البدء فى ايراد الاقوال بما ذكره الشوكانى مع تأخره الزمنى لانه سرد الاراء بما يبين موقف الاصوليين من الاستحسان ثم نعقب بما ننقله عن كتب الاصول القديمة برأى كل مذهب أصولى ووجهة نظر صاحبه يقول: الشوكانى (١). ونسب القول بالاستحسان الى أبى حنيفة وحكى عن أصحابه ونسبه امام الحرمين الى مالك وأنكره القرطبى فقال: ليس معروفا من مذهبه وكذلك أنكر أصحاب أبى حنيفة ما حكى عنه من القول به - وسيتجلى ما نقل عن أبى حنيفة وهو القول بالاستحسان بالرأى الذى أنكر أصحابه نسبته اليه - وقد حكى عن الحنابلة فقال ابن الحاجب فى المختصر: قالت به الحنفية والحنابلة وأنكره غيرهم ثم قال الشوكانى وقد أنكره الجمهور حتى قال الشافعى من استحسن فقد شرع. وروى عنه أنه قال القول بالاستحسان باطل. ونقل عن جماعة من المحققين أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه لانهم ذكروا فى تفسيره أمورا لا تصلح للخلاف ثم اشار الى تلك الامور. ونقل عن الباجى أن الاستحسان الذى ذهب اليه أصحاب مالك هو القول بأقوى الدليلين كتخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر قال وهذا هو الدليل فان سموه استحسانا فلا مشاحة فى التسمية. وقال ابن الانبارى: الذى يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان الذى حاصله استعمال مسألة جزئية فى مقابلة قياس كلى. ونقل عن ابن السمعانى أن الخلاف لفظى فان تفسير الاستحسان بما يشنع به عليهم لا يقولون به وان الاستحسان بالعدول عن دليل الى دليل أقوى لا ينكره أحد. ويقول الشوكانى انه سبقه الى مثل هذا القفال فقال: ان كان المراد بالاستحسان ما دلت عليه الاصول بمعانيها فهو حسن لقيام الحجة به وهذا لا ننكره ونقول به وان كان ما يقع فى الوهم من استقباح الشئ واستحسانه من غير حجة فهو محظور والقول به غير سائغ وانتهى الشوكانى الى أن ذكر الاستحسان فى بحث مستقل لا فائدة فيه أصلا لانه ان كان راجعا للأدلة الاخرى فهو تكرار وان كان خارجا عنها فليس من الشرع فى شئ.

стр. 1701

ويتصل بهذا اتصالا قريبا ما أورده عبد العزيز البخارى (١): فى قوله. واعلم أن بعض النقاد حين طعن على أبى حنيفة وأصحابه ﵏ اذ يقولون استحسانا لا قياسا فى بعض الاحكام فى تركهم القياس بالاستحسان، فقالوا ان الاستحسان دليل لم يعرف عن أحد من حملة الشرع سوى أبى حنيفة وأصحابه بل هو قول بالتشهى فكان ترك القياس به تركا للحجة لاتباع هوى أو شهوة نفس فكان باطلا وقال عبد العزيز البخارى فى رده على النقاد ان القياس الذى تركه الحنفية بالاستحسان ان كان حجة شرعية فالحجة الشرعية حق وماذا بعد الحق الا الضلال وان كان باطلا فالباطل واجب الترك مع أن الحنفية قد ذكروا فى بعض المواضع أنهم يأخذون بالقياس ويتركون الاستحسان به فيقول فى بعض المواضع قياسا لا استحسانا - فكيف يجوزون الاخذ بالباطل والعمل به. ثم قال ونقل عن الشافعى أيضا أنه بالغ فى انكار الاستحسان وقال من استحسن فقد شرع وانتهى البخارى بأن كل ذلك طعن من غير روية. ثم نتطرق من هذا الى بيان وجهات نظر القائلين بالاستحسان ومخالفيهم من مصادرهم بادئين بوجهة نظر الحنفية فى قولهم به ومرادهم منه يقول عبد العزيز البخارى فى هذا المقام (٢). ان أبا حنيفة أجل قدرا وأشد ورعا من أن يقول فى الدين بالتشهى. وقال ان البزدوى عقد باب القياس والاستحسان ليبين أن كل واحد من القياس والاستحسان على نوعين وأن الاستحسان عند الحنفية أحد القياسين. ثم قال ان أبا حنيفة اذا قال تركت الاستحسان أراد بذلك التنبيه على أن فيه علة سوى علة الاصل أو معنى آخر يوجب ذلك الحكم وأن الاحب أن يذهب اليه لكن لما لم يترجح عندى ما أخذته. ثم أورد أن المخالفين لا ينكرون على أبى حنيفة الاستحسان بالاثر أو بالاجماع أو بالضرورة لان ترك القياس بهذه الدلائل مستحسن بالاتفاق وانما انكروا عليه الاستحسان بالرأى فانه ترك للقياس بالتشهى على زعمهم. وأورد أن البزدوى دفع طعنهم بقوله (٣): انما الاستحسان الذى وقع التنازع فيه عند أصحابنا أحد القياسين وليس قسما آخر اخترعوه بالتشهى من غير دليل، ولا شك أن القياسين اذا تعارضا فى حادثة وجب ترجيح أحد القياسين ليعمل به اذا أمكن لكنه سمى بالاستحسان اشارة الى أنه الوجه الاول فى العمل به لترجحه على الاخر. ثم انتهى الى أن القياس متروك فى معارضة الاستحسان أصلا فان الاضعف يسقط فى مقابلة الاقوى. ثم قال (٤): ان هذا هو الحكم فى كل معارضة فان الدليلين اذا تعارضا فظهر لاحدهما رجحان على الاخر وجب

стр. 1702

العمل به وسقط الآخر أصلا فكذلك فى القياس والاستحسان. ويقول صدر الشريعة (١)، والاستحسان حجة عندنا لان ثبوته بالدلائل التى هى حجة اجماعا وقد أنكر بعض الناس العمل بالاستحسان جهلا منهم فان أنكروا هذه التسمية فلا مشاحة فى الاصطلاح وان أنكروه من حيث المعنى فباطل أيضا لانا نعنى به دليلا من الادلة المتفق عليها ليقع فى مقابلة القياس الجلى ويعمل به اذا كان أقوى من القياس الجلى فلا معنى لانكاره ثم أورد أقسامه التى سنذكرها بعد ليبرهن على عدم خروج الاستحسان عن الادلة المتفق عليها ومن تعليق السعد على ذلك أنه يقول بعد ما استقرت الآراء على أنه اسم لدليل متفق عليه نصا كان أو اجماعا أو قياسا خفيا اذا وقع فى مقابلة قياس تسبق اليه الافهام فهو حجة عند الجميع من غير تصور خلاف (٢). ويقول الشاطبى المالكى فى الموافقات (٣): ان مذهب مالك فى الاستحسان أنه الاخذ بمصلحة جزئية فى مقابلة دليل كلى كما نقلنا عنه ثم قال: ومقتضاه الرجوع الى تقديم الاستدلال المرسل على القياس فان من استحسن لم يرجع الى مجرد ذوقه وتشهيه وانما رجع الى ما علم من قصد الشارع فى الجملة فى أمثال تلك الاشياء المفروضة كالمسائل التى يقتضى القياس فيها امرا الا أن ذلك الامر يؤدى الى فوت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك وكثيرا ما يتفق هذا فى الاصل الضرورى مع الحاجى، والحاجى مع التكميلى فيكون اجراء القياس مطلقا يؤدى الى حرج ومشقة فى بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك فى الحاجى مع التكميلى أو الضرورى مع التكميلى وأورد عدة أمثلة للاستحسان ثم نقل عن ابن العربى عدة أمثلة لتأييد الاستحسان يقول بعض فقهاء الاستحسان فى العلم قد يكون أغلب من القياس ثم نقل ابن العربى عن ابن القاسم أنه يروى عن مالك القول بأن الاستحسان تسعة أعشار العلم ثم قال الشاطبى (٤): فهذا كله يوضح لك أن الاستحسان غير خارج عن مقتضى الادلة الا أنه نظر الى لوازم الادلة ومآلاتها سواء .. ونقل عن اصبغ أنه بالغ فى الاستحسان حتى قال: ان المعرفة فى القياس يكاد يفارق السنة وأن الاستحسان عماد العلم. ومما قاله الامام الشافعى فى كتابه الام (٥) فى ابطال الاستحسان: اذا قال الحاكم والمفتى فى النازلة ليس فيها خبر ولا قياس استحسن فلا بد أن يزعم أن جائزا لغيره أن يستحسن خلافه فيقول كل حاكم فى بلد ومفت بما يستحسن. فيقال فى الشئ الواحد بضروب من الحكم والفتيا

стр. 1703

فاذا كان هذا جائزا عندهم فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاءوا وان كان ضيقا فلا يجوز أن يدخلوا فيه وان قال الذى يرى منهم ترك القياس: بل على الناس اتباع ما قلت: قيل له من أمر بطاعتك حتى يكون على الناس اتباعك، أرأيت ان ادعى عليك غيرك هذا أتطيعه أم تقول: لا أطيع الا من أمرت بطاعته؟ فكذلك لا طاعة لك على أحد. وجاء فى الرسالة للشافعى (١): أن حراما على أحد أن يقول بالاستحسان اذا خالف الاستحسان الخبر، وفى مقام آخر يقول ان حلال الله وحرامه أولى ألا يقال فيه بالتعسف ولا الاستحسان ابدا انما الاستحسان تلذذ ولا يقول فيه الا عالم بالاخبار عاقل بالتشبيه عليها (٢). ونقل صاحب المسودة (٣) عن شيخه أنه قال: أطلق أحمد القول بالاستحسان فى مواضع وأورد طائفة منها. ثم ذكر عن اياس بن معاوية أن كتب مالك مشحونة بالاستحسان وذكر بعض الفروع المستحسنة عن الشافعى. ونقل عن أحمد فى رواية أبى طالب ما يشعر بابطال الاستحسان اذ يقول (٤): أصحاب أبى حنيفة اذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا فنحسن هذا وندع القياس فيدعون ما يزعمون أنه الحق بالاستحسان وأنا أذهب الى كل حديث جاء ولا أقيس عليه. قال القاضى هذا يدل على ابطال الاستحسان ولكن أبا الخطاب يقول انه يرى أن أحمد أنكر عليهم القول بالاستحسان من غير دليل ولهذا قال انهم يتركون القياس الذى يزعمون أنه الحق بالاستحسان فلو كان الاستحسان عن دليل ذهبوا اليه ولم ينكره لانه حق. ويصور ابن حزم (٥)، الاستحسان بأنه الحكم بما رآه الحاكم أصلح فى العاقبة وفى الحال. ونقل عن المالكية القول به فى كثير من مسائلهم وأن الحنفية أكثروا فيه جدا وقال: أنكره الشافعيون والطحاوى من أصحاب أبى حنيفة ثم ساق ما اعتبره دليلا للقائلين بالاستحسان ورد عليهم بكلام كثير من جملته قوله: ومن المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان لانه لو كان كذلك لكان الله يكلفنا ما لا نطيق ولكان يأمرنا بالاختلاف الذى نهانا عنه لانه لا يجوز أصلا أن يتفق استحسان العلماء كلهم على قول واحد على اختلاف هممهم وطبائعهم. ثم قال ونحن نجد الحنفيين قد استحسنوا ما استقبحه المالكيون وبالعكس فبطل أن يكون الحق فى دين الله مردودا الى استحسان بعض الناس الى أن يقول: فصح أن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال، ثم يرد على من يحتج على صحة الاخذ بالاستحسان بالاثر ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، بأن هذا لا يعلمه اسند الى رسول الله صلى الله

стр. 1704

عليه وسلم من وجه أصلا وأما الذى لا شك فيه فهو أنه لا يوجد فى سند صحيح وانما عرف عن ابن مسعود. ثم قال: وهذا لو أتى من وجه صحيح لما كان فيه متعلق لانه يكون اثبات اجماع المسلمين فقط لانه لم يقل ما رآه بعض المسلمين حسنا: ثم رد على القائلين (١): بأن الاستحسان هو أدق القياسين بقوله: ان كان هاهنا قياس يوجب ترك قياس آخر ويضاده فقد صح بطلان دلالة القياس وثبت بالبرهان الضرورى ابطال القياس كله لان الحق لا يتضاد ولا يبطل بعضه بعضا والا كان كله باطلا. أقسام الاستحسان عند القائلين به وسنده يقسم الحنفية الاستحسان الى أنواع متعددة يصورها قول النسفى وشارحه والرهاوى فى حاشيته (٢): الاستحسان أنواع يكون بالاثر والاجماع والضرورة والقياس الخفى كالسلم فان القياس يأبى جوازه لعدم المعقود عليه عند العقد وانما كان المعقود عليه معدوما لانه محل العقد والعقد لا ينعقد فى غير محله الا أنا تركناه بالنص وهو قوله ﵇ من أسلم منكم فليسلم فى كيل معلوم الحديث، الا أنا تركنا القياس بالاثر الموجب للترخيص وهو ما روى أنه ﵇. نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص فى السلم، والاستصناع فيما فيه تعامل الناس مثل أن يأمر انسانا بأن يخرز له خفا بكذا ويبين صفته ومقداره ولم يذكر له أجلا والقياس يقتضى ألا يجوز لانه بيع معدوم لكنهم استحسنوا تركه بالاجماع لتعامل الناس فيه، وهنا أجاب عما يتوهم أن الاجماع معارض بالنص وهو قوله ﵇ «لا تبع ما ليس عندك» فقال ان النص صار مخصوصا فى حق هذا الحكم بالاجماع. ومثلوا للضرورة بتطهير الاوانى والحياض والابار فان القياس يقتضى عدم تطهيرها اذا تنجست لانه لا يمكن صب الماء عليها حتى تطهر لانه كلما صب عليه الماء تنجس بملاقاة النجس والنجس لا يفيد الطهارة. لكنهم تركوا العمل بالقياس لضرورة عامة الناس، ومثلوا للقياس الخفى بطهارة سؤر سباع الطير فان القياس الظاهر يقتضى نجاسته لان لحمه حرام كسؤر سباع البهائم وفى الاستحسان طاهر لان سباع البهائم ليست بنجس العين ونجاسة سؤرها باعتبار أنها تأكل بلسانها فيختلط لعابها النجس بالماء وسباع الطير تأخذ بمنقارها وهو ليس بنجس من الميت فعظم الحى أولى وقد أوضح الرهاوى هذا المقام فقال أن لحم سباع الطير حرام والسؤر معتبر باللحم فيكون نجسا كسؤر سباع البهائم بجامع السؤر وهذا المعنى ظاهر الاثر لانهما استويا فى نجاسة اللحم لكنهم استحسنوا أن يكون طاهرا مكروها لانها تشرب بمنقارها على سبيل الاخذ والابتلاع من غير مخالطة لعابه وهو عظم جاف طاهر لا رطوبة فيه فلا يتنجس الماء بملاقاته فيكون سؤرها

стр. 1705

كسؤر الآدمى ومأكول اللحم لانعدام العلة الموجبة للنجاسة وهى الرطوبة النجسة الحاصلة فى آلة الشرب كما فى سباع البهائم فانها تشرب بلسانها وهو رطب بلعابها المتولد من لحمها النجس وما كان متولدا من النجس فهو نجس الا أنه يكره كراهة تنزيه لان سباع الطير لا تحترز عن تناول الميتات والنجاسات بمنقارها فيتوهم بقاء شئ من ذلك عليها كالدجاجة المخلاة حتى لو لم تأكلها لا يكره وقد علق الرهاوى المصرى فى حاشيته على شرح المنار فقال ان الاستحسان يطلق على معنى أعم من القياس وهو ترك القياس الجلى بدليل أقوى وهو بهذا الاعتبار يكون أربعة أقسام وهى التى ذكرها النسفى ويطلق على معنى أخص منه وهو قسم منه اذ هو القياس الخفى وبهذا يظهر ان بين القياس بالمعنى الاعم وبين الاستحسان بالوجه الاخص عموما وخصوصا من وجه لوجود القياس بدون الاستحسان فى صورة القياس الجلى فى مقابلة الخفى ووجود الاستحسان دون القياس فى صورة الاستحسان بالاثر والاجماع والضرورة ووجودهما معا فى القياس الخفى فى مقابلة الجلى وبين القياس الجلى والاستحسان الخفى مباينة. وبين الاستحسان بالمعنى الأعم وبينه بالمعنى الأخص عموم وخصوص مطلق وكذا بين القياس بالمعنى الاعم والاخص. تقسيم الاستحسان من ناحية قوة الاثر وضعفه يرى الحنفية (١): أن من الاستحسان قسما قوى تأثيره وظهر صحته وهذا عندهم مقدم على القياس الجلى الذى ضعف أثره - وهو الاستحسان المعمول به عندهم - ومثلوا له بسؤر سباع الطير فانه نجس بالقياس على سؤر سباع البهائم وهذا معنى ظاهر الأثر لكنه فى الاستحسان طاهر لأن نجاسة السبع ليست لعينه بدليل جواز الانتفاع بجلده وهذا الاستحسان قوى أثره الباطن فرجح على القياس لأن الاعتبار للأثر ألا يرى أن الدنيا ظاهرة والعقبى باطنة ولكن ترجح العقبى لقوة أثرها من حيث الدوام والصفاء على الدنيا لضعف أثرها من حيث الكدورة والفناء. وأما اذا ضعف تأثيره وقوى تأثير مقابله الذى هو القياس فانه يقدم عندهم القياس على الاستحسان - وهذا ما يعبرون فيه بقولهم فى بعض الاحكام قياسا لا استحسانا مثال ذلك أن القارئ اذا تلا آية السجدة فى صلاته فانه يركع بها ان شاء ركوعا غير ركوع الصلاة ثم يعود الى محض القيام أو ركوع الصلاة على خلاف بينهم فى ذلك. ثم يقولون ان له السجود اذا شاء الا أن الركوع يحتاج الى النية دون السجدة وان كان فى وسط السورة ينبغى أن يسجد

стр. 1706

لها ثم يقوم فيقرأ ما بقى فان ركع فى موضع السجدة أجزأه، فان ختم السورة ثم ركع لم يجزه نواها أو لم ينوها لانها صارت دينا فى الذمة فلا تتأدى بالركوع ولا بالسجدة الصلاتية. فهم يقولون بأن الركوع يقوم مقام سجدة التلاوة ويجزى عنها قياسا لان الركوع والسجود متشابهان فى معنى الخضوع وفى الاستحسان لا يجوز لأنا أمرنا بالسجود، والركوع غيره وهذا أثر الاستحسان الظاهر لان المأمور به لا يتأدى بغيره لكن القياس أولى بالعمل لقوة أثره الباطن. والركوع فى الصلاة يعمل ما هو المقصود من السجود لأن الركوع فيها عبادة كالسجود فيسقط عنه السجود بخلاف سجود الصلاة حيث لا يجوز اقامة الركوع مقامه فصار الأثر الخفى للقياس فهو حصول المقصود بالركوع مع الفساد الظاهر وهو اعتبار نفس الشبه والعمل بالمجاز مع امكان الحقيقة أولى من الأثر الظاهر للاستحسان وهو العمل بالحقيقة مع الفساد الخفى وهو جعل غير المقصود مساويا للمقصود. الاستحسان ليس من قبيل تخصيص العلة جاء فى التوضيح لصدر الشريعة بعد الكلام على الاستحسان (١) أن الاستحسان ليس من باب تخصيص العلة وان كان بعض الناس زعم أنه كذلك، وبين صدر الشريعة كونه ليس من باب تخصيص العلة بما يوردونه فى موضوع تخصيص العلة من أن ترك القياس بدليل أقوى منه لا يعتبر تخصيصا لعلته، وقد علق السعد على ذلك بتعليل يقول فيه: ان انعدام الحكم فى صورة الاستحسان انما هو لانعدام العلة وأوضح ذلك بأن موجب نجاسة سؤر سباع الوحش هو الرطوبة النجسة فى الآلة الشاربة ولا يوجد ذلك فى سباع الطير فينتفى الحكم بالنجاسة لذلك وهذا معنى ترك القياس الجلى الضعيف الأثر بدليل قوى وهو قياس خفى قوى الأثر فلا يكون من تخصيص العلة فى شئ. وهو بهذا يرد على مثل أبى الخطاب الذى ينص على أن الاستحسان يرجع الى تخصيص العلة على ما نقله عنه آل تيمية فى المسودة (٢)، وعبارتهم قال أبو الخطاب: معنى الاستحسان أن بعض الأمارات تكون أقوى من القياس فيعدل اليها من غير أن يفسد القياس وهذا راجع الى تخصيص العلة قال: وشيخنا يمنع من تخصيص العلة ويقصر القول بالاستحسان ولا أعرف لقوله وجها. استحقاق تعريف الاستحقاق جاء فى لسان العرب (٣) استحق الشئ استوجبه ومنه قوله تعالى «فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً» اى استوجباه ويقال

стр. 1707

استحق الدار على المشترى الذى اشتراها أى ملكها عليه وأخرجها الحاكم من يد المشترى الى يد من استحقها. ونقل ابن عابدين (١): عن الفارابى استحق فلان الامر استوجبه، الامر مستحق بفتح الحاء ومنه قولهم خرج المبيع مستحقا. ٢ هـ. قال ابن عابدين: ان هذا يشير الى توافق المعنيين اللغوى والشرعى وهو ظهور كون الشئ حقا واجبا للغير. حكم استحقاق المبيع بعضه أو كله مذهب الحنفية: ان استحق بعض المعقود عليه قبل القبض. ولم يجز المستحق بطل العقد فى القدر المستحق لانه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملك البائع ولم توجد الاجازة من المالك. فبطل وللمشترى الخيار فى الباقى. ان شاء رضى به بحصته من الثمن. وان شاء رده، سواء كان استحقاق ما استحقه يوجب العيب فى الباقى أو لا يوجب لانه اذا لم يرض المستحق فقد تفرقت الصفقة على المشترى قبل التمام فصار كعيب ظهر فى السلعة قبل القبض وذلك يوجب الخيار فكذا هذا، وان كان الاستحقاق يعد قبض البعض دون البعض فكذلك الجواب سواء ورد الاستحقاق على المقبوض وعلى غير المقبوض، فان كان قبض الكل ثم استحق بعضه. بطل البيع فى القدر المستحق لما قلنا ثم ينظر. ان كان استحقاق ما استحق يوجب العيب فى الباقى. بأن كان المعقود عليه شيئا واحدا حقيقة وتقديرا. كالدار والكرم والارض والعبد ونحوها فالمشترى بالخيار فى الباقى ان شاء رضى بحصته من الثمن وان شاء رد - لان الشركة فى الاعيان عيب وكذلك ان كان المعقود عليه شيئين من حيث الصورة شيئا واحدا من حيث المعنى فاستحق احدهما فله الخيار فى الباقى، وذلك كنعلين أو خفين أو مصراعى باب لانهما فى المعنى والمنفعة كشئ واحد. والمعتبر هو المعنى، وان كان استحقاق ما استحق لا يوجب العيب فى الباقى بأن كان المعقود عليه شيئين صورة ومعنى كالعبدين فاستحق أحدهما. أو كان صبرة حنطة أو جملة وزنى فاستحق بعضه. فانه يلزم المشترى الباقى بحصته من الثمن لانه لا ضرر فى تبعيضه فلم يكن له خيار الرد وروى عن أبى حنيفة فى استحقاق بعض المكيل والموزون أن له رد ما بقى دفعا لضرر مؤنة القسمة. وجه الظاهر. أنه لا يضره التبعيض لا فى القيمة ولا فى المنفعة والاستحقاق لا يمنع تمام الصفقة لان تمامها برضا العاقد وقد تحقق لا برضا المستحق (٢). حكم استحقاق ما يدخل فى البيع تبعا كل شئ يدخل فى البيع تبعا لا حصة له من الثمن. لكن يخير المشترى فيه.

стр. 1708

وفى جامع الفصولين. لو شرى أرضا فيها أشجار حتى دخلت بلا ذكر. فاستحقت الاشجار. قيل: لا حصة لها من الثمن كثوب قن وبردعة حمار. فان ما يدخل تبعا لا حصة له من الثمن. وقيل: الرواية أنه يرجع بحصة الأشجار والفرق أنها مركبة فى الأرض فكأنه استحق بعض الارض. بخلاف الثياب فالتبعية هنا أقل ولذا كان للبائع أن يعطى غيرها لو كانت ثياب مثله. ثم قال: الشجر وكل ما يدخل تبعا اذا استحق بعد القبض ينبغى أن يكون له حصة من الثمن وفى الخانية وضع محمد أصلا وهو كل شئ اذا بعته وحده لا يجوز بيعه. واذا بعته مع غيره جاز، فاذا استحق ذلك الشئ قبل القبض. كان المشترى بالخيار، ان شاء أخذ الباقى بجميع الثمن، وان شاء ترك. وكل شئ اذا بعته وحده يجوز بيعه. فاذا بعته مع غيره فاستحق كان له حصة من الثمن فصار الحاصل أن ما يدخل فى البيع تبعا اذا استحق بعد القبض كان له حصة من الثمن فيرجع على البائع بحصته وان استحق قبل القبض. فان كان لا يجوز بيعه وحده كالشرب فلا حصة له من الثمن فلا يرجع بشئ بل يخير بين الاخذ بكل الثمن. وبين الترك. وان جاز بيعه وحده كالشجر وثوب القن كان له حصة من الثمن. فيرجع بها على البائع وهذا اذا لم يذكر فى البيع لما فى جامع الفصولين اذا ذكر البناء والشجر كانا مبيعين قصدا لا تبعا (١). حكم الاستحقاق فى زوائد المبيع ومن اشترى شاة فولدت عنده فاستحقها رجل فان كان ببينة استحق ولدها معها، وان كان بمجرد اقرار المشترى له بها لا يستحق نتاجها بذلك (٢) وكذا النكول لأنه فى حكم الاقرار (٣) وكذا الحكم فى كل الزوائد (٤). ووجه الفرق بين البينة والاقرار، ان البينة حجة مطلقة ثابتة فى حق جميع الناس غير مقتصرة على المقضى عليه فانها كاسمها مبينة فيظهر بها ملكه من الأصل والنتاج كان متصلا بها فيكون له، اما الاقرار فحجة على المقر يثبت الملك فى المخبر به ضرورة صحة الاخبار وقد اندفعت باثباته بعد الانفصال فلا يظهر ملك مستحق من الأصل، فلا يكون الولد له (٥). وهذا اذا لم يدع المقر له النتاج فلو ادعاه كان له لان الظاهر أنه له وكذا سائر الزوائد (٦). واذا قلنا أن النتاج للمستحق بالبينة فقضى القاضى بالأم هل يدخل فى القضاء فيصير هو أيضا مقضيا

стр. 1709

به قيل: نعم تبعا كما ان ثبوت استحقاقه تبعا، وقيل لا بل يشترط القضاء بالولد أيضا لانه أصل يوم القضاء لانفصاله واستقلاله فلا بد من الحكم به وهو الأصح فى المذهب. واذا ادعى المشترى استحقاق المبيع على بائعه ليرجع بثمنه فلا بد أن يفسر الاستحقاق ويبين سببه ثم اذا بين سبب الاستحقاق وصح ذلك وأنكر البائع البيع وأقام المشترى البينة على البيع. قبلت بينته وكان له الرجوع بالثمن. والاستحقاق لا بد أن يرد على ما كان عليه ملك البائع. ليرجع المشترى عليه بالثمن ففى الجامع الكبير لو اشترى ثوبا فقطعه وخاطه ثم استحق بالبينة لا يرجع المشترى على البائع بالثمن لأن الاستحقاق ما ورد على ملكه لأنه لو كان ملكه فى الاصل انقطع بالقطع والخياطة كمن غصبه فقطعه وخاطه ملكه. فالأصل أن الاستحقاق اذا ورد على ملك البائع الكائن من الأصل يرجع عليه وان ورد عليه بعد ما صار الى حال لو كان غصبا ملكه به لا يرجع (١). حكم الاستحقاق فى رجوع المشترى بالنفقة لو استحقت البقرة لم يرجع المشترى على البائع بما أنفق. ولو حفر بئرا أو نقى البالوعة أو رم من الدار شيئا ثم استحقت. لم يرجع بشئ على البائع لأن حكم القاضى بالاستحقاق يوجب الرجوع بقيمة ما يمكن نقضه وتسليمه لا بما أنفقه وهو هنا أجرة الحفر والترميم بطين ونحوه مما لا يمكن نقضه وتسليمه. ولو حفر بئرا وطواها يرجع بقيمة الطى. لا بنفقة الحفر. وكذا لو حفر ساقية. ان قنطر عليها. رجع بقيمة بناء القنطرة لا بنفقة حفر الساقية. وبالجملة فانما يرجع اذا بنى فيها أو غرس بقيمة ما يمكن نقضه وتسليمه الى البائع وهذا ان لم يكن عالما بان البائع غاصب فلو علم لم يرجع. لأنه مغتر لا مغرور ولا يرجع بقيمة جص وطين. هل يرجع المستحق على المشترى بالكسب والغلة ولو اشترى طاحونة وكانت فى يده مدة ثم استحقها مستحق فليس له أن يطالب المشترى بغلة الطاحونة. لأنه ليس من أجزاء المبيع بل من كسبه وفعله ولا تجب الأجرة عن تلك المدة لانه استغلها بتأويل عقد أو ملك (٢). استحقاق البيع بعد هلاكه أو نقصانه واذا ورد الاستحقاق بعد هلاك المبيع كموت الدابة مثلا فالمستحق لا بد له من اقامة البينة على قيمتها يوم الشراء.

стр. 1710

فيضمن المشترى القيمة ويرجع على بائعه بالثمن لا بما ضمن كغاضب الغاضب (١). ولو أضر الزرع بالارض. فللمستحق أن يضمن المشترى النقصان. ولا يرجع المشترى على بائعه الا بالثمن (٢) - ولا ضمان بهلاك الزوائد ومنها موت الولد. أما استهلاكها فتضمن به (٣). استحقاق المبيع: هل يوجب انفساخ العقد أو توقفه؟ ومتى ينفسخ البيع بالاستحقاق جاء فى النهاية: أن القضاء باستحقاق المبيع على المشترى لا يوجب انفساخ العقد الذى بينه وبين البائع ولكن يوجب توقفه على اجازة المستحق وتبعه الجماعة (٤). وفى الفتاوى الصغرى. اشترى شيئا ثم استحق من يده. ثم وصل الى المشترى يوما. لا يؤمر بالتسليم الى البائع. لأنه وان جعل مقرا بالملك للبائع لكن بمقتضى الشراء وقد انفسخ الشراء بالاستحقاق فينفسخ الاقرار (٥). واختلف فى البيع متى ينفسخ. ١ - فقيل: اذا قبضه المستحق. ٢ - وقيل: بنفس القضاء. ٣ - والصحيح: أنه لا ينفسخ ما لم يرجع المشترى على بائعه بالثمن حتى لو أجاز المستحق بعد ما قضى له أو بعد ما قبضه قبل أن يرجع المشترى على بائعه يصح - وقال شمس الأئمة الحلوانى: الصحيح من مذهب أصحابنا أن القضاء للمستحق - لا يكون فسخا للبياعات ما لم يرجع كل على بائعه بالقضاء. ٤ - وفى الزيادات روى عن أبى حنيفة أنه لا ينتقض ما لم يأخذ العين بحكم القضاء. ٥ - وفى ظاهر الرواية: لا ينفسخ ما لم يفسخ وهو الأصح. ومعنى هذا أن يتراضيا على الفسخ (٦). ويمكن التوفيق بين هذه الاقوال بأن المقصود أنه لا ينتقض بمجرد القضاء بالاستحقاق. بل يبقى العقد موقوفا بعده على أجازة المستحق أو فسخه على الصحيح فاذا فسخه صريحا فلا شك فيه - وكذا لو رجع المشترى على بائعه بالثمن وسلمه اليه. لأنه رضى بالفسخ وكذا لو طلب المشترى من القاضى أن يحكم على البائع بدفع الثمن فحكم له بذلك أو تراضيا على الفسخ - ففى ذلك كله ينفسخ العقد. فليس المراد من هذه العبارات حصر الفسخ بواحد من هذه الصور بل أيها وجد بعد الحكم بالاستحقاق انفسخ العقد (٧).

стр. 1711

أثر الاستحقاق فى بيع المقايضة لو اشترى دارا بدابة وأخذت الدار بالشفعة ثم استحقت الدابة بطلت الشفعة ويأخذ البائع الدار من الشفيع لبطلان البيع - وذلك لأن الاستحقاق فى بيع المقايضة. يبطل البيع. ففى جامع الفصولين: استحقاق بدل المبيع يوجب الرجوع بعين المبيع قائما وبقيمته هالكا. مذهب المالكية: اذا استحق بعض المبيع فان كان شائعا فيما لا ينقسم كبعض الحيوان قليلا كان المستحق أم كثيرا خير المشترى بين التمسك بالباقى والرجوع بحصة المستحق من الثمن وبين رد البيع والرجوع بجميع الثمن. لضرر الشركة (١) - ولا يحرم عليه التمسك بالاقل. بخلاف ما اذا كان المستحق معينا (٢). وان كان ذلك البعض المستحق شائعا فيما ينقسم خير أيضا عند استحقاق الثلث فأكثر. بين أن يتمسك بالباقى ويرجع بحصة المستحق من الثمن. وبين أن يرد البيع. - وان كان المستحق الشائع دون الثلث. وجب التمسك بالباقى. ورجع بحصة المستحق من الثمن. وان كان المستحق جزءا معينا. وكان من مقوم كالعروض والحيوان - فان كان المستحق وجه الصفقة. تعين رد البيع. (٣) - وكذا ان استحق كله (٤). وان كان البعض المستحق مثليا. فان استحق الاقل. رجع بحصته من الثمن - وان استحق الاكثر. خير فى التمسك والرجوع بحصته من الثمن .. وفى الرد (٥) ولا يحرم التمسك بأقله. بل يجوز. لان منابه من الثمن معلوم (٦) ومن زرع أرضا بوجه شبهة. بأن اشتراها أو ورثها أو اكتراها من غاصب ولم يعلم بغصبه ثم استحقها ربها قبل فوات ما تراد له تلك الارض. فليس للمستحق الاكراء تلك السنة وليس له قلع الزرع. لأن الزارع غير متعد فان فات الابان .. أى وقت ما تراد لزرعه تلك الارض .. فليس للمستحق على الزارع شئ من كراء تلك السنة. لأنه قد استوفى منفعتها والغلة لذى الشبهة والمجهول للحكم كما يأتى:

стр. 1712

حكم الاستحقاق فى زيادة الشئ المستحق ونقصانه ان كان الشئ المستحق تغير بزيادة فلا يخلو ان يتغير بزيادة من قبل الذى استحق من يده الشئ أو بزيادة من ذات الشئ - فأما الزيادة من ذات الشئ فيأخذها المستحق مثل أن تسمن الدابة أو يكبر نتاجها - أما الزيادة من قبل المستحق منه. فمثل ان يشترى الدار فبنى فيها فتستحق من يده فان المستحق مخير بين أن يدفع قيمة الزيادة ويأخذ ما استحقه - وبين أن يدفع اليه المستحق من يده قيمة ما استحق - أو يكونا شريكين. هذا بقدر قيمة ما استحق من يده. وهذا بقدر قيمة ما بنى أو غرس. وهو قضاء عمر بن الخطاب (١). حكم الاستحقاق فى غلة الشئ المستحق اذا كان ضامنا بشبهة ملك فلا خلاف أن الغلة للمستحق منه ونعنى بالضمان أنها تكون من خسارته اذا هلكت عنده. وأما اذا كان غير ضامن. مثل أن يكون وارثا ويطرأ عليه وارث آخر فيستحق بعض ما فى يده فانه يرد الغلة. وأما من أى وقت تصح الغلة للمستحق - فقيل: يوم الحكم. وقيل: من يوم ثبوت الحق .. وقيل من يوم توقيفه واذا قلنا: ان الغلة تجب للمستحق فى أحد هذه الأوقات الثلاثة فاذا كانت أصولا فيها ثمرة. فأدرك هذا الوقت الثمر ولم يقطف بعد فقيل: انها للمستحق ما لم تقطف. وقيل: ما لم تيبس وقيل ما لم يطب ويرجع عليه بما سقى وعالج المستحق من يديه. وهذا اذا كان اشترى الاصول قبل الابار وأما ان كان اشتراها بعد الابار. فالثمرة للمستحق عند ابن القاسم ان جزت ويرجع بالسقى والعلاج وقال أشهب هى للمستحق مالم تجز (٢). ومن أحيا أرضا ظنها مواتا فتبين أنها مملوكة فلا غلة له بل لمستحقها وان كان ذا شبهة ذكره ابن يونس ولم يحك فيه خلافا. ولذا قال أبو الحسن: الغلة لا تكون لكل ذى شبهة (٣). بل انما تكون لمن أدى ثمنا أو نزل منزلته (٤) - أى ما كان خلفا له. مذهب الشافعية: اذا جمع فى البيع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه كالخنزير والشاة ففيه قولان. أحدهما: تفرق الصفقة فيبطل البيع فيما لا يجوز ويصح فيما يجوز لانه ليس ابطاله

стр. 1713

فيهما لبطلانه فى أحدهما بأولى من تصحيحه فيهما لصحته فى أحدهما. والقول الثانى أن الصفقة لا تفرق فيبطل العقد فيهما، واختلف فى علته، فمنهم من قال: يبطل. لأن العقد جمع حلالا وحراما فغلب التحريم ومنهم من قال: يبطل لجهالة الثمن. وذلك لانه اذا باع خنزيرا وشاة بألف سقط ما يخص الخنزير من الثمن فتصير الشاة مبيعا بما بقى وذلك مجهول حال العقد فيبطل (١)، وتفصيل هذا فى تفريق الصفقة - (انظر صفقة) واذا استحق المبيع رجع بالثمن على البائع. علم بالاستحقاق حال العقد أو لم يعلم لأنه أزيلت يده عن الرقبة بسبب كان فى يد البائع (٢) ولو خرج المبيع مستحقا ولم يقبضه المشترى لم يكن للمستحق مطالبة المشترى به لعدم قبضه له حقيقة - وكذا لو باعه المشترى قبل نقله فنقله المشترى الثانى فليس للمستحق مطالبة المشترى الاول لعدم قبضه له حقيقة (٣) وان وضع البائع المبيع بين يدى المشترى فخرج مستحقا لم يضمنه أى لم يطالب ببدله وان أمره بوضعه على الراجح لأنه لم يضع يده عليه وضمان اليد لا بد فيه من حقيقة وضعها (٤)، ولو اعترف المشترى للبائع بالملك ثم استحق المبيع فانه يرجع عليه بالثمن لأنه انما اعترف له بالملك لظاهر اليد - لأن اليد دليل الملك شرعا فعذر بالاعتراف المستند اليها (٥)، ولو استحق المبيع باعتراف المشترى أو بنكوله عن يمين نفى علمه باستحقاق المبيع مع يمين المدعى المردودة - لم يرجع بالثمن على البائع لتقصيره باعترافه مع شرائه أو بنكوله. وحرج بالمشترى البائع فلا يقبل اعترافه على المشترى ويبقى البيع بحاله الا أن يكون اعترافه بالاستحقاق فى زمن الخيار فيجعل فسخا للبيع ثم لو عاد المبيع الى البائع بأرث أو بغيره لزمه تسليمه للمدعى (٦). فان استحق ببينة أو بتصديق البائع والمشترى للمدعى رجع المشترى على البائع بالثمن إن كان باقيا - وببدله أن كان تالفا (٧). مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة اذا اشترى انسان أرضا فغرسها أو بنى فيها فخرجت الارض مستحقة وقلع غرسه وبناءه رجع المشترى على البائع بما غرمه بسبب ذلك من ثمن أقبضه وأجرة غارس وبان وثمن مؤن مستهلكة وأرش نقص بقلع ونحو ذلك وأجرة دار لأن البائع غر المشترى ببيعه اياها وأوهمه أنها ملكه وكان ذلك

стр. 1714

سببا فى غراسه وبنائه وانتفاعه فرجع عليه بما غرمه. ولا يرجع المشترى بما أنفق على الحيوان المشترى ولا بخراج الارض اذا اشترى أرضا خراجية وغرم خراجها ثم ظهرت مستحقة فلا يرجع المشترى بذلك على البائع لأن المشترى دخل فى الشراء ملتزما ضمان ذلك لأن عقد البيع يقتضى النفقة على المبيع ودفع خراجه (١). ولمستحق الارض قلع الغراس والبناء بلا ضمان نقص لموضعه فى ملكه بغير اذنه كالغاصب (٢). مذهب الظاهرية: وعند الظاهرية لو استحق بعض ما اشترى، أقله أو أكثره فالصفقة كلها مفسوخة مردودة لأن العقد لم يتم صحيحا وما لم يصح فهو فاسد، ولا شئ على المستحق فيما أنفق كثر أم قل (٣). مذهب الزيدية: اذا استحق المبيع كله وجب على المشترى رده لمستحقه واذا علم استحقاقه فلا يجوز له تأخير الرد حتى يحكم به ولو تعذر عليه الرجوع بالثمن على البائع ولا شئ له على من استحقه وفسخ الحاكم للعقد باستحقاق رفع للعقد من أصله (٤)، فيجب على المشترى أيضا رد ثمراته الأصلية والفرعية ان كان عالما (٥) لان الحكم كاشف لتقدم الاستحقاق (٦). وان كان جاهلا طابت له الفرعية يعنى الكراء فقط لأنه مع الجهل يملك غلتها وعليه الاجرة. واذا استحق من المبيع قبل التسليم ما ينفرد بالعقد كثوب من ثوبين أو من ثياب أو نحو ذلك فانه يرده لمستحقه على التفصيل السابق ويصح البيع فى الباقى. مذهب الإمامية: وعند الإمامية: لو اشترى سلعتين فاستحقت احداهما فان المشترى يتخير بين التزام الأخرى بقسطها من الثمن وبين الفسخ فيها. ولا فرق فى الصفقة المتبعضة بين كونها متاعا واحدا أو أمتعة فظهر استحقاق بعضه لان أصل الصفقة البيع الواحد (٧). وتمامه مفصلا فى تبعيض الصفقة «انظر صفقة» وقال الشيخ فى النهاية اذا ابتاع أرضا وغرس فيها واستحقت فللمستحق قلع الغرس ويرجع المبتاع على البائع بقيمة ما ذهب منه فان كان ما غرسه قد أثمر كان ذلك لرب الأرض

стр. 1715

وعليه ما أنفقه وأجرة مثله فى عمله (١). مذهب الإباضية وعند الإباضية: ان استحق مبيع أو موهوب أو مصدق به أو نحو ذلك فخرج لمستحقه ببينة عادلة فلمستحقه أخذه ولمشتريه الثمن على بائعه ان خرج من يد صاحبه بغير حق. وقيل: يأخذ المشترى رب الشئ بالثمن ويرجع رب الشئ بالثمن على البائع. وأما ان كان بيد البائع بحق كأمانة أو وديعة أو بكراء أو لقطه فان المستحق لا يدرك ماله حتى يعطى للمشترى ما اشتراه به. ويرجع هو على البائع بما أعطى وهو المعتمد (٢). ما يرجع به المشترى على البائع عند الاستحقاق يرجع المشترى على البائع ان اشترى منه شيئا فاستحق من يده. بالثمن الذى أعطاه له. وقيل بمثله ان كان مثليا وبقيمته ان كان قيميا ووجه من قال يرجع عليه بالثمن. ان البيع بعد الاستحقاق منفسخ. فاذا انفسخ البيع. رجع عليه بما اعطاه له. واستدل للقول الآخر. بأن اتفاقهم انما هو على أن يبيع له ما هو له وعلى ذلك وقع البيع. فاذا غره بما ليس له فعليه مثله أو قيمته لأن المثل فى ذلك من كل الوجوه يتعذر (٣). اما غلة الشئ المستحق فهى لصاحبه فيما بينه وبين الله (٤). واما فى الحكم فهى للمشترى ونحوه من موهوب له ومأجور به وغير ذلك مما عدا الغاصب (٥). واستحقاق بعض المبيع على وجهين معلوم ومجهول فان استحق بعض مبيع معلوم وذلك كفدان يستحق منه النصف خير المشترى بين امساك الباقى وأخذ ما يخص المستحق من الثمن وبين الرجوع بالثمن كله على البائع فيأخذ البائع أصله والمستحق ما استحق. وانما جعلوا له الخيار لأن الشريك عيب (٦). وان استحق مجهول. مثل ان اشترى أكثر من فدان فاستحق منه واحد مثلا لا بعينه فسخ البيع كله (٧).

стр. 1716

حكم استحقاق ما باعه المفلس مذهب المالكية: عند المالكية: اذا بيعت سلعة من مال المفلس أو لميت بعد الفلس والموت أو قبلهما ثم استحقت تلك السلعة. فان المستحق من يده يرجع على كل واحد من الغرماء بالحصة التى كانت تنوبه فى الحصاص فقط. فلا يأخذ أحد عن أحد. فلو كان عليه عشرون دينارا مثلا لاثنين ولم يوجد عنده الا سلعتان فبيعت كل سلعة بعشرة. فأخذ كل واحد من غريميه عشرة على قدر دينه ثم استحقت احدى السلعتين. فان المستحق من يده يرجع على كل واحد منهما بثلث ما فى يده وهو ثلاثة وثلث. لأنه غريم طرأ على الغرماء (١). مذهب الشافعية: لو خرج ما باعه المفلس قبل الحجر مستحقا والثمن المقبوض غير باق فكدين قديم ظهر - لأن البيع المستوجب للدين كان قبل الحجر - وحكمه ان يشارك المشترى الغرماء من غير نقض القسمة وذلك لثبوته قبل الحجر بخلافه بعد الحجر. فانه لا أثر له لانه دين حادث - بالبيع بعد الحجر - لم يتقدم سببه. وبخلاف ما اذا كان الثمن باقيا فانه يرده. واذا استحق ما باعه الحاكم أو أمينه والثمن المقبوض غير باق. قدم المشترى ببدله على الغرماء ولا يضارب به معهم. لئلا يرغب الناس عن شراء مال الناس فكان التقديم من مصالح الحجر. وفى قول يحاص الغرماء كسائر الديون (٢). مذهب الحنابلة: لو باع المفلس شيئا أو باعه وكيله وقبض المفلس أو وكيله الثمن فتلف وتعذر رده وخرجت السلعة مستحقة وحجر على المفلس ساوى المشترى بما كان دفعه الغرماء. فيضرب له به معهم كسائر الديون (٣). مذهب الإمامية: لو خرج المبيع على المفلس مستحقا رجع المشترى على كل واحد من الغرماء بجزء من الثمن ان كان قد تلف ويحتمل الضرب مع الغرماء. لأنه دين على المفلس. والاقرب التقديم. لانه من مصالح الحجر. لئلا يرغب الناس عن الشراء وظاهر الكتاب. ان التلف بعد قبض الغرماء له. وهو حينئذ مضمون عليهم لقبضهم اياه للاستيفاء. فيتخير المشترى فى الرجوع عليهم جميعا كل بقدر ما يتلف فى يده. والرجوع على المفلس. فيقدم به. أو يضرب مع الغرماء فان رجع على

стр. 1717

الغرماء. لم يرجعوا به على المفلس. سواء كانوا عالمين أو جاهلين لأن قبضهم كان مضمونا. نعم لهم الرجوع بدينهم. لانه باق وان رجع على المفلس. رجع هو على الغرماء (١). حكم استحقاق المرهون مذهب الحنفية: عند الحنفية: لو استحق بعض المرهون بعد الرهن ينظر الى الباقى ١ - ان كان الباقى بعد الاستحقاق مما يجوز رهنه ابتداء لا يفسد الرهن فيه. ٢ - وان كان مما لا يجوز رهنه ابتداء فسد الرهن فى الكل. كاستحقاق بعض الرهن شائعا لانه لما استحق بعضه تبين أن العقد لم يصح فى القدر المستحق وأنه لم يقع الا على الباقى فكأنه رهن هذا القدر ابتداء فينظر فيه ان كان محلا لابتداء الرهن يبقى الرهن فيه والا فيفسد فى الكل، كما لو رهن هذا القدر ابتداء (٢). وان باع العدل الرهن وأوفى المرتهن الثمن ثم استحق الرهن فضمنه العدل كان بالخيار ان شاء ضمن الراهن قيمته وان شاء ضمن المرتهن الثمن الذى أعطاه وليس له أن يضمنه غيره. وكشف هذا أن المرهون لو باعه العدل ثم استحق فاما أن يكون هالكا أو قائما. ففى الوجه الاول المستحق بالخيار ان شاء ضمن الراهن قيمته لانه غاصب فى حقه وان شاء ضمن العدل لانه متعد فى حقه بالبيع والتسليم. فان ضمن الراهن نفذ البيع وصح الاقتضاء وهو قبض المرتهن الثمن بمقابلة دينه - لانه ملكه بأداء الضمان فتبين أنه أمره ببيع ملك نفسه (٣). وان ضمن العدل ينفذ أيضا. لانه ملكه بأداء الضمان فتبين أنه باع ملك نفسه والعدل بالخيار ان شاء رجع على الراهن بالقيمة لانه وكيل من جهته عامل له فيرجع عليه بما لحقه من العهدة. ونفذ البيع وصح الاقتضاء. فلا يرجع المرتهن على الراهن بشئ من دينه وان شاء رجع على المرتهن بالثمن لانه تبين أنه أخذ الثمن بغير حق لانه ملك المرهون بأداء الضمان ونفذ بيعه فصار الثمن له. وانما أداه اليه على حسبان أنه ملك الراهن. فاذا تبين أنه ملكه لم يكن راضيا بأداء الثمن الى المرتهن. فله ان يرجع به عليه واذا رجع بطل الاقتضاء فيرجع المرتهن على الراهن بدينه (٤). هذا اذا سلم الثمن للمرتهن فان كان هلك فى يده قبل التسليم. ليس له ان يرجع الا على

стр. 1718

الراهن لانه وكيل الراهن بالبيع عامل له فكان عهدة عمله عليه فى الاصل. لا على غيره الا أن له أن يرجع على المرتهن اذا قبض الثمن. لما ذكرنا. فاذا لم يقبض وجب العمل بالاصل. فيرجع على الراهن بما ضمن وبطل الرهن بالاستحقاق. ويرجع المرتهن بدينه على الراهن (١). وفى الوجه الثانى وهو أن يكون قائما فى يد المشترى فللمستحق أن يأخذه من يده لانه وجد عين ماله. ثم للمشترى أن يرجع على العدل بالثمن. لانه العاقد وحقوق العقد فى باب البيع ترجع الى العاقد وقد أدى الثمن اليه. ليسلم له المبيع ولم يسلم. ثم العدل بالخيار، ان شاء يسترد من المرتهن ما أوفاه من الثمن وعاد دينه على الراهن كما كان. وان شاء رجع بما ضمن على الراهن وسلم للمرتهن ما قبض. مذهب المالكية: اذا استحق بعض الرهن المعين فان الباقى يكون رهنا عن جميع الدين ولا فرق بين أن يكون بعد قبض الرهن أو قبل قبضه. واما غير المعين فيأتيه ببدل البعض المستحق. وأما اذا استحق كله. فان كان قبل قبض الرهن. فان المرتهن يخير فى امضاء العقد ويبقى دينه بلا رهن. وبين الفسخ. وان حصل الاستحقاق بعد القبض بقى دينه بلا رهن. الا أن يغره فيخير فى الفسخ وعدمه واذا استحق غير المعين بعد القبض. فعليه خلفه على الارجح وقبل القبض لا يتصور (٢) ومن رهن عقارا أو حيوانا أو عرضا فاستحق شخص حصته منه وتركها تحت يد المرتهن فتلفت. فانه لا يضمن تلك الحصة المستحقة. لان بالاستحقاق خرجت من الرهنية. وصار المرتهن أمينا فلا يضمن الا ما بقى (٣). وظاهر اطلاقهم. عدم تقييد ذلك باحضار الرهن أو ثبوت بقائه عنده وقت الاستحقاق (٤). مذهب الشافعية: لو تلف ثمن المرهون فى يد المأذون العدل أو غيره. ولو المرتهن. ثم استحق المرهون المبيع فان شاء المشترى رجع على المأذون العدل أو غيره لانه واضع اليد ومحله ان لم يكن نائب الحاكم. لاذنه له فى البيع لنحو غيبة الراهن. والا لم يكن طريقا .. لان يده كيد الحاكم - وان شاء رجع على الراهن. لانه الموكل ومن ثم كان القرار عليه. لان المبيع له فكانت العهدة عليه. فيرجع مأذونه عليه ما لم يقصر فى تلفه على الاوجه (٥).

стр. 1719

مذهب الحنابلة: اذا قبض المرتهن الرهن فوجده مستحقا. لزمه رده على مالكه والرهن باطل من أصله فان أمسكه مع علمه بالغصب حتى تلف فى يده. استقر عليه الضمان وللمالك تضمين أيهما شاء فان ضمن المرتهن. لم يرجع على أحد بذلك. وان ضمن الراهن رجع عليع (١) وان لم يعلم بالغصب حتى تلف بتفريطه. فالحكم كذلك. لان الضمان يستقر عليه. وان تلف بغير تفريطه. ففيه ثلاثة أوجه. أحدهما. يضمن ويستقر الضمان عليه. لان مال غيره تلف تحت يده العادية فاستقر الضمان عليه كما لو علم. الثانى: لا ضمان عليه. لانه قبضه على أنه أمانة من غير علمه فلم يضمنه كالوديعة فعلى هذا يرجع المالك على الغاصب لا غير. الثالث: أن للمالك تضمين أيهما شاء ويستقر الضمان على الغاصب فان ضمن الغاصب. لم يرجع على أحد. وان ضمن المرتهن. رجع على الغاصب. لانه غره (٢). وان استحق الرهن المبيع. رجع المشترى على الراهن. لان المبيع له. فالعهدة عليه كما لو باع بنفسه. وحينئذ لا رجوع له على العدل ان أعلمه العدل أنه وكيل. لانه لا يقال: يرجع المشترى على العدل لكونه قبض الثمن بغير حق لانه سلم اليه على أنه أمين فى قبضه يسلمه الى المرتهن فلم يجب عليه ضمانه فان لم يعلمه أنه وكيل. فان المشترى يرجع على العدل فان علم المشترى باستحقاق المبيع بعد تلف الثمن فى يد العدل رجع المشترى أيضا على الراهن بالثمن. ولا شئ على العدل حيث أعلم المشترى بالحال. لما تقدم فاما المرتهن فقد بان له أن عقد الرهن كان فاسدا. لكون الراهن رهنه ما لا يملكه بغير اذن ربه وان كان الراهن مفلسا حيا أو ميتا وباع العدل وتلف ثمنه بيده. ثم ظهر مستحقا كان المرتهن والمشترى أسوة الغرماء. لانهم تساووا فى ثبوت حقوقهم فى الذمة وان خرج الرهن مستحقا بعد دفع الثمن الى المرتهن. رجع المشترى على المرتهن بما قبضه لانه قبضه بغير حق فكان رجوعه عليه كما لو قبضه منه (٣). مذهب الظاهرية: اذا استحق الرهن أو بعضه. بطلت الصفقة كلها (٤). مذهب الزيدية: اذا استحق فى يد العدل رجع بما لزمه على الراهن اذا انكشف بطلان الرهن (٥). مذهب الإمامية: لو خرج الرهن مستحقا فالعهدة على الراهن لا على العدل ان علم المشترى.

стр. 1720

بوكالته فان علم بعد تلف الثمن فى يده رجع على الراهن، ولو علم بعد دفع الثمن الى المرتهن. رجع المشترى عليه لا على العدل (١). مذهب الإباضية: ان استحق الشئ المتفق على رهنه أو بعضه كلف أن يرهن له غيره (٢). وان استحق المرتهن لنفسه أو لمن ولى أمره أو غير المرتهن بعض الرهن شيئا من جملة أشياء مرهونة. فالباقى رهن عند الربيع .. وانفسخ عند ابن عبد العزيز. واذا استحق الرهن مستحق بقى نماؤه وغلته فى الرهن (٣). حكم الاستحقاق بعد الاخذ بالشفعة مذهب الحنفية: عند الحنفية لو ورث رجل دارا فبيعت دار بجنبها فأخذها بالشفعة ثم بيعت دار الى جنب الثانية فأخذها بالشفعة. ثم استحقت الدار الموروثة وطلب المستحق الشفعة. فان المستحق يأخذ الدار الثانية. والوارث أحق بالثالثة. لان بالاستحقاق تبين أن الدار التى يشفع بها الوارث كانت ملك المستحق. فتبين أنه أخذ الثانية بغير حق اذ تبين أنه لم يكن جارا فكانت الشفعة فى الثانية للمستحق والوارث يكون أحق بالثالثة لان الملك كان ثابتا للوارث عند بيع الثالثة فكان السبب وهو جوار الملك ثابتا له عنده ثم بطل بالاستحقاق وبطلان الملك لا يوجب بطلان الشفعة (٤). مذهب المالكية: وعند المالكية عهدة الشفيع على المشترى المأخوذ منه بالشفعة ان استحقها أحد من يد الشفيع فانه يأخذها من غير أن يدفع فيها شيئا ويرجع المشترى على البائع بالثمن (٥). مذهب الشافعية: وعند الشافعية ان استحق الشقص فالشفيع فيما يرجع به على المشترى من ثمن ونقص قيمة بناء وغرس وغيرهما كالمشترى من الغاصب فيما يرجع به على المشترى من ثمن ونقص قيمة بناء وغرس وغيرهما كالمشترى من الغاصب فيما يرجع به عليه (٦) أنظر غصب: مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة اذا ظهر الشقص المشفوع مستحقا رجع الشفيع على المشترى بالثمن ثم المشترى على البائع وان خرج مستحقا وقد أخذ الاول ثم الثانى منه ثم الثالث منهما فالعهدة على المشترى لان الشفعة مستحقة بعد الشراء وحصول الملك للمشترى فكانت العهدة
следующие страницы →