الخشب وطحن الحنطة على الاقوى فى الاخير وقيل مطلق التصرف مانع للرجوع ومن انتقال الملك عنه انتقاله لموت بفعله تعالى وهو أقوى من نقله بفعله ومن موانع الرجوع أخذ العوض عن الهبة أو يعوض عنها بما يتفقان عليه أو بمثلها أو قيمتها مع الاطلاق أو تكون الهبة لذى رحم قريب وان لم يحرم نكاحه أو يكون زوجا أو زوجة على الاقوى لصحيحه زراره ولو عابت لم يرجع بالارش على الموهوب وان كان بفعله لانها غير مضمونة عليه وقد سلطه على اتلافها مجانا فأبعاضها أولى ولو زادت زيادة متصلة كالسمن وان كان علف المتهب فللواهب أن جوزنا الرجوع حينئذ والمنفصلة كالولد واللبن للموهوب له لانه نماء حدث فى ملكه فيختص به سواء كان الرجوع قبل انفصالها بالولادة والحلب أم بعده لانه منفصل حكما هذا اذا تجددت الزيادة بعد ملك المتهب بالقبض فلو كان قبله فهى للواهب (١).
حكم الاسترداد فى الهبة اذا
اشترط الخيار فى الفسخ:
اذا اشترط الواهب على المتهب أن يكون له الخيار فى فسخ العقد الى مدة معينة جاز وحينئذ فله الفسخ والرجوع حتى فى هبته ذا الرحم وحتى بعد التلف ففرق بين جواز الرجوع بمعنى استرداد العين وبين فسخ العقد والاول ليس فسخا فيتوقف على بقاء العين بخلاف الثانى فانه حل للعقد فيكون نظير اشتراط الخيار فى الصلح المحاباتى اذ له أن يفسخ ويرجع بالعين أو بقيمتها اذا كانت تالفة (٢).
ما يكون به الاسترداد فى الهبة:
الرجوع يحصل اما بالقول أو الفعل كأن يقول رجعت فيما وهبت وارتجعت واسترددت المال ورددته الى ملكى وأبطلت الهبة ونقضتها وما أشبه ذلك من الالفاظ الدالة على الرجوع واللفظ الذى به يحصل الرجوع ينقسم الى قسمين صريح وهو قوله رجعت وكناية يفتقر الى النية مثل قوله أبطلت الهبة وفسختها وأما الفعل فأن يفعل الواهب فعلا لا يسوغ به الا فى ملك بأن يطأ الجارية الموهوبة أو يبيعها أو يقفها أو يهبها من آخر فالاقوى عندى أن يكون رجوعا كما أن هذه التصرفات فى زمن الخيار فسخ للبيع (٣).
مذهب الإباضية:
ومن وهب شيئا لغيره على الثواب فانه يدركه عليه فى حينه وله أن يرد الشئ
стр. 1997
بعينه فيه وان قال له الواهب لا آخذه فى ثوابى ولا آخذ فيه الا ما وهبته لك فيه فأبى أو قال له لا أعطيك الا ثوابه قبل قول المستمسك به وقيل أن الواهب اذا تمسك بشيئه فانه يرجع اليه وذلك عند جاعل العقدة فيه كتمام الفعل وان وهب له معلوما على الثواب وشرط عليه أنه اذا أحدث مثل ما جعل له عليه الشئ فانه يجعل له مثله والا فلا شئ عليه فهما على شرطهما وقيل يرجعان الى العادة فى ذلك ولو لم يشترط ثوابا ولا رجوعا، وان وهب له معلوما بأقل من قيمته منه أو بأكثر فأراد أن يرد له الشئ فى ثوابه هل يرجع عليه الواهب بما زاد عليها أو الموهوب له بما بقى عليه من الثواب ان كان أقل من القيمة فانهما يترادان ذلك على قدر ما تشارطا من زيادة أو نقص وان وهب لرجل شيئا على أن ينفق عليه كذا أنفق عليه ما شرط ولو شحم عين النخل أو القمح أو اللحم والا فليرد له ماله ولا ترد الهبة بالعيب ولو كانت هبة ثواب عند بعض الا أمة مقعدة قال بعض أو مجذومة وقيل ترد هبة الثواب بالعيب لانها (١) بيع وان انفصلت هدية من مهديها ومات المهدى قبل أن تصل الهدية الى المهدى اليه ردت الهدية لوارث المهدى فالهدية ما لم تصل المهدى اليه هى فى ملك المهدى قيل وفى ضمان حاملها والصحيح أنه لا ضمان على حاملها الا أن ضيع أو أخذ الاجرة على حملها وكذا ترد الهدية الى المهدى ان مات المهدى اليه قبل قبضها كما رد ما أهداه ﵌ الى النجاشى اليه ﵌ لموت النجاشى قبل قبضه وان ماتا جميعا قبل قبض المهدى اليه ردت لوارث (٢) المهدى ومن جعل أرضا لمقبرة فقبر فيها واحد فلا رجعة له وقيل حتى يقبر فيها اثنان وقيل ثلاثة ولا احراز على المقبرة والفقراء ونحوهم وقيل لا بد من الاحراز ممن يقوم بذلك وقيل لا رجوع فى المقبرة ولو لم يقبر واحد (٣).
حكم استرداد هدايا أحد الزوجين وما أخذ
كل من الآخر اذا حصل عيب من أحدهما:
من خطب امرأة فأهدى اليها ثم تركها فليس له عليها رد ولزمها ان أبت أى امتنعت وكذا ان أهدت اليه على أن يتزوجها ثم تركت فلا رد عليه ولزمه ان أبى وكذا ان تركا جميعا فليستردد كل من الآخر واذا تلفت ردت القيمة وقيل المثل ان أمكن وقيل ما يوزن أو يكال يرد به وما سواه يرد بالقيمة وترد الغلة والنفع ولا يدرك العناء والنفقة وان نقص أو عيب رده ونقصه ان لم يكن فيه تلف عينه وأرش العيب لا الزايد والناقص
стр. 1998
بالسعر وان غير خير فيه وقيمته وان كان بكيل أو وزن فيه وان زاد فيه كصبغ وخياطة خير فيه مع رد قيمة (١) الزائد وفى قيمته يوم الاهداء وان كان أرضا فغرسها خير فيها والغرس لصاحبه وفى أخذ العوض وان كان شجرا فغرسه فى أرضه فله قيمته يوم الاهداء وقيل يترادان القيمة ولو قام الشجر وان ارتدا ترادا وان ارتد أحدهما رد ولا يرد عليه وان وجد بأحدهما عيب كان قبل الهدايا أو حدث بعدها فبدا للآخر الترك لذلك رد المعيوب ما أخذ ولا يرد عليه ما أعطى سواء علم المعيوب بعيبه أم لا وسواء علم أنه عيب أم لا أما اذا علم فلأن أخذه غرور وأكل مال بباطل واذا لم يعلم فالرد لان فيه ما ينافى أخذ ذلك واستحقاقه وان علم الآخر بعيب صاحبه فأعطاه فلا يرد له المعيب ما أعطى وقيل يرد على المعيب ويرد المعيب ما أخذ كما يفيده قول الديوان أنه ان عيب أحدهما فرجع فرجوع وان رجع الآخر للعيب ففى كونه رجوعا قولان (٢) لكن ظاهر الديوان أن ذلك فى مطلق العيب ومحصل ذلك أن العيوب أقسام ثلاثة قسم يرد المعيوب فيه ما أخذ ان لم يعلم المعطى بعيبه وان علم لم يرد اليه المعيوب ولا يرد عليه ما أعطى لعظم عيوب هذا القسم سواء علم أن فى نفسه عيبا أم لا وسواء علم أن فيه عيبا أم لا وهى الاربعة التى ترد فى النكاح من جنون وجذام وبرص فاحش وعنة وقسم وجوده كعدمه فالراجع بوجوده فى الآخر يرد ما أخذ ولا يرد عليه ما أعطى وهو ما سوى الاربعة وسوى الرتق وهو انسداد الفرج باللحم حتى لا يمكن فيه الجماع التام والفتل وهو استرخاء الذكر فالامتناع آت من قبل الراجع وقسم يرد به ويرد عليه ان امتنع صاحبه هو السالم من الدخول على ذلك العيب لامكان استمتاع معه فى الجملة وهو الفتل (٣) والرتق، واستحسن أن لا يلزم رد فى آت من قبل الله ان حدث بعد الهدايا مثل العمى ومثل أن يزنى بها أبو الرجل قهرا وقيل يلزم الرد لان الاهداء كان على غير ما حدث.
حكم استرداد هبة الاب لابنه:
تجوز الهبة بين الاب والابن الا ما يفضل به ابنا على آخر ولا تثبت للطفل الا بالاحراز وقيل تثبت بدونه ان كان المعطى غير أب ولو أما وله الرجوع فيما أعطى ولو لبالغ ويحرم الرجوع فى عطية النكاح حتى ولو للأب (٤) ولو وهب الاب لبعض أولاده دون بعض صح وكره.
стр. 1999
حكم استرداد فى الزكاة
مذهب الحنفية:
حكم استرداد ما دفعه من الزكاة:
جاء فى البحر الرائق (١): لو عجل الانسان زكاة ماله فأيسر الفقير قبل تمام الحول أو مات أو ارتد جاز عن الزكاة ولا يستردها لانه كان مصرفا وقت الصرف فصح الاداء اليه فلا ينتقض بهذه العوارض كذا فى الولوالجية ولو (٢) دفع الزكاة الى من يظن أنه ليس بمصرف ثم تبين أنه مصرف يجزئه ولو دفعها ولم يخطر بباله أنه مصرف أم لا فهو على الجواز فاذا تبين أنه ليس بمصرف وقع تطوعا وليس له أن يسترد ما دفعه.
حكم استرداد المعجل اذا لم يقع زكاة:
قال الكاسانى فى البدائع (٣): وأما حكم المعجل اذا لم يقع زكاة أنه ان وصل الى يد الفقير فانه يكون تطوعا سواء وصل الى يده من يد رب المال أو من يد الامام أو نائبه ولا يجوز له استردادها، لان صدقة التطوع لا يحتمل الرجوع فيها بعد وصولها الى يد الفقير، وان كان المعجل فى يد الامام قائما فلرب المال أن يسترده لانه لما لم يصل الى يد الفقير لم يتم الصرف.
حكم استرداد ما عجل من الزكاة
اذا تغير النصاب:
من عجل عن أربعين (٤) بقرة مسنة فهلك من بقية النصاب واحدة ولم يستفد شيئا حتى تم الحول فان الساعى يمسك من المعجل وهو المسنة قدر تبيع لانه يجوز دفع القيمة فى الزكاة ثم يرد الساعى قدر الباقى من المسنة ولا يجوز لرب المال استرداد المسنة ويعطيه مما عنده تبيعا لان قدر التبيع من المسنة صار زكاة حقا للفقراء فلا يسترد ومثله فى تعجيل بنت المخاض من خمسة وعشرين اذا انتقص الباقى واحدة فتم الحول أمسك الساعى قدر أربع شياه، ولا يجوز لرب المال استرداد بنت المخاض ليعطيه أربع شياه، وروى بشر عن أبى يوسف أنه يجوز لرب المال استردادها ودفع أربع شياه وكذلك يسترد المسنة ويعطى تبيعا ولو كان الحول قد تم وقد زادت الاربعون الى ستين فحق الساعى فى تبيعين وليس للمالك استرداد المسنة بل يكمل الفضل للساعى.
стр. 2000
حكم استرداد ما دفعه من الزكاة
اذا نقص النصاب:
ان قدم (١) الزكاة على الحول وهو مالك النصاب جاز فلو ملك أقل فعجل خمسة عن مائتين ثم تم الحول على مائتين لا يجوز، ولو عجل شاة من أربعين وحال الحول على تسعة وثلاثين فلا زكاة عليه وفى ذلك لو كان المدفوع قد صرف الى الفقراء وقع نفلا ولا يسترده وان كان قائما فى يد الساعى أو الامام استرده، الا أن صاحب فتح القدير نقل عن الخلاصة أن الصحيح أن ما كان فى يد الساعى فانه يقع زكاة ولا يستردها، وجاء فى الفتح (٢) والزيلعى أنه ان عجل خمسة من مائتين فان حال عليه الحول وعنده مائة وخمسة وتسعون ولم تزد ولم تنقص، فان كانت تلك الخمسة قائمة فى يد الساعى فالقياس أن لا تجب الزكاة ويسترد الخمسة من الساعى لانها خرجت عن ملكه بالدفع الى الساعى وان لم تخرج فهى فى معنى الضمار (المال الذى لا يرجى رجوعه) (٣) لانه لا يملك الاسترداد قبل الحول وفى الاستحسان تجب الزكاة لان يد الساعى فى المقبوض يد المالك قبل الوجوب فقيامها فى يده كقيامها فى يد المالك، وانما لم يملك الاسترداد قبل الحول لانه عينها زكاة من هذه السنة فما دام احتمال الوجوب قائما لا يكون له أن يسترد كمن نقد الثمن فى بيع بشرط الخيار للبائع لا يمكنه الاسترداد وان ضاعت من الساعى قبل الحول ووجدها بعده لا تجب الزكاة وللمالك أن يستردها وانما يملك الاسترداد لانه زكاة عن هذه السنة ولم تصر لان بالضياع صار ضمارا فلو لم يستردها حتى دفعها الساعى للفقراء لم يضمن الا اذا كان المالك نهاه، أما اذا انتقص ما فى يده فلا تجب الزكاة فى الوجوه كلها فيسترد الخمسة التى دفعها للساعى ان كانت فى يد الساعى قائمة وان كان قد استهلكها ضمن، ولو عجل شاة عن أربعين (٤) فأخذها الساعى من عمالته وأشهد على ذلك أو جعلها الامام له عمالة فتم الحول وعند المالك تسعة وثلاثون والمعجل قائم فى يد الساعى فلا زكاة عليه ويستردها لانه لما أخذها من العمالة زالت عن ملكه فانتقص النصاب فلا زكاة فيستردها.
стр. 2001
مذهب المالكية:
حكم استرداد ما دفعه من الزكاة
اذا تغير حال الفقير:
جاء فى الحطاب (١): لو تغير حال الفقير عند الحول فارتد أو مات أو استغنى بغير الزكاة فان الزكاة قد وقعت موقعها ولا يسترد منه ما أخذه كما هو مذهب ابن القاسم فى العتبية، وقال ابن العربى:
ان قدمها لشخص فقير ثم استغنى عند الحول فان كان غناه من الزكاة فلا كلام فى الاجزاء وان كان من غير الزكاة فيتخرج فيها القولان فيما اذا أعطى لشخص ظنه فقيرا فتبين غناه قال ابن القاسم يجزئه على ما جاء فى الاسدية وقال فى الموازية لا يجزئه والجارى على قول صاحب الطراز أنها زكاة وانه لا ينظر الى تغير الاحوال والجارى على قول ابن رشد أنه ينظر الى تغير الاحوال.
حكم استرداد ما دفعه من الزكاة
اذا تغير المال:
روى الحطاب عن الجواهر أنه لو عجل الزكاة قبل الحول بالمدة الجائزة ثم هلك النصاب قبل تمام الحول استردها ان كانت قائمة بعينها وعلم هلاك النصاب أو بين أنها زكاة معجلة وقت الدفع وان لم يبين ذلك لم يقبل قوله، أما لو دفع الزكاة معجلة ثم ذبح شاة من الاربعين فجاء الحول ولم ينجبر النصاب لم يكن له الرجوع لانه يتهم أن يكون ذبح ندما ليرجع فيما عجل نعم لو ضاعت بأمر من الله رجع، أما الصدقة فان المالكية يرون أنه لا يجوز لمن دفع صدقة أن يستردها فقد روى ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبى جعفر أن حميد ابن أبى الصعبة تصدق على ابنه بداره ثم أراد أن يرتجعها فخاصمه الى بعض قضاة مصر فأبى أن يجيز له ارتجاعه بعد أن تصدق (٢).
مذهب الشافعية:
حكم استرداد ما دفعه من الزكاة
اذا تغير النصاب:
جاء فى مغنى المحتاج (٣): أنه لو عجل بنت مخاض عن خمس وعشرين فتوالدت قبل الحول حتى بلغت ستا وثلاثين فلا تجزئه المعجلة على الاصح، وان صارت المعجلة بنت لبون فى يد القابض فلا تجزئه بل يستردها ويعيدها أو يعطى غيرها، واذا لم يقع (٤) المعجل زكاة استرد ان كان شرط الاسترداد ان عرض مانع، والاصح أنه لو قال هذه زكاتى المعجلة فقط ولم يزد
стр. 2002
على ذلك استرد لانه عين الجهة فاذا بطلت رجع كالاجرة وعبارة الروض وشرحه متى عجل المالك أو الامام دفع الزكاة ولم يعلم الفقير أنه تعجيل لم يسترد فان علم ذلك ولو بقول المالك هذه زكاة معجلة وحال عليه الحول وقد خرج الفقير أو المالك عن أهلية الزكاة ولو باتلاف ماله استرد المعجل ولو لم يشترط الرجوع للعلم بالتعجيل وقد بطل، وان قال هذه زكاتى المعجلة فان لم تقع زكاة فهى نافلة فلا يسترد، ولو اختلفا فى علم التعجيل أى علم القابض به فالقول قول الفقير بيمينه لان الاصل عدمه، فهناك فارق بين أن يقول هذه زكاتى فقط، وبين أن يقول هذه زكاتى المعجلة اذ يسترد بالثانية ولا يسترد بالاولى لتفريطه بترك ما يدل على التعجيل فيها، والاصح انهما لو اختلفا (١) فى مثبت الاسترداد وهو التصريح بالرجوع عند عروض مانع أو فى ذكر التعجيل أو علم القابض به على الاصح صدق القابض أو وارثه بيمينه، ومتى ثبت الاسترداد والمعجل تالف وجب ضمانه بالمثل ان كان مثليا وبالقيمة ان كان متقوما لانه قبضه لغرض نفسه (٢)، ولو عين فى نيته المال المخرج عنه كأن عين هذه الشاة عن الخمس الابل أو هذه الخمسة دراهم عن الغائب لم يقع ما أخرجه من زكاة المعين زكاة عن غير ما عينه فى النية وان بان المعين تالفا لم يسترد الا أن شرط الاسترداد كأن قال هذه زكاة مالى الغائب، فان بان تالفا استرددته.
حكم استرداد ما زاد فى الزكاة:
قال صاحب مغنى المحتاج (٣): الاصح أنه لا يسترد زيادة منفصلة كلبن وولد حدثت قبل وجوب سبب الاسترداد لانها حدثت فى ملكه، واللبن فى الضرع ونحوه الصوف على ظهر الدابة كالمنفصل حقيقة لانه منفصل حكما، وقيل يستردها مع الاصل لانه تبين أنه لم يقع الموقع، أما لو حصل النقص أو الزيادة المنفصلة بعد وجوب سبب الرجوع أو كان القابض حال القبض غير مستحق فيجب الارش ويسترد الزيادة كما قاله الامام.
مذهب الحنابلة:
حكم استرداد الزكاة المعجلة قبل الحول
عند تلف النصاب أو هلاك المالك:
جاء فى كشاف القناع (٤): أنه ان عجل الزكاة ثم هلك المالك أو ارتد المالك قبل الحول فقد بان المخرج غير زكاة لانقطاع
стр. 2003
الوجوب بذلك، فاذا أراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله لم يجز ولم يرجع المعجل على المسكين سواء كان الدافع له رب المال أو الساعى وسواء أعلمه أنها زكاة معجلة أو لا، لانها دفعت الى مستحقها فلم يملك استرجاعها لوقوعها نفلا بدليل ملك الفقير لها، فان كانت الزكاة المعجلة بيد الساعى وقت تلف النصاب رجع بها ربها لتبين أنها ليست بزكاة ومفهومه أنه لا يرجع ان كانت بيد الفقير ولا فيما اذا مات المعجل أو ارتد مطلقا، قال فى المنتهى ولا رجوع الا فيما بيد ساع عند التلف، وقيل (١): ان دفعها الساعى أو ربها الى الفقير وأعلمه بالتعجيل استردت والا فلا تسترد، وقيل تسترد بكل حال.
حكم استرداد الزكاة من الغارم:
والمكاتب وابن السبيل:
ما أخذه (٢) المكاتب والغارم والغازى وابن السبيل زكاة استرد من كل منهم اذا برئ المكاتب أو الغارم أو لم يغز الآخذ للغزو أو فضل معه أو مع ابن السبيل شئ، لان من أخذ الزكاة بسبب يستقر الاخذ به وهو الفقر والمسكنة والعمالة والتآلف صح له أن يصرفه فى ما شاء كسائر ماله لان الله تعالى أضاف اليهم الزكاة بلام الملك، ومن أخذ الزكاة بسبب لا يستقر به الاخذ لم يصرفه الا فيما أخذه له خاصة لعدم ثبوت ملكه عليه من كل وجه والا استرجع منه لان الله تعالى أضاف اليهم الزكاة بفى وهى للظرفيه، فان فضل مع المكاتب شئ عن حاجته من صدقة التطوع لم يسترجع منه لان صدقة التطوع لا يعتبر فيها الحاجة بخلاف الزكاة، وان تلف من أيديهم بغير تفريط فلا رجوع عليهم (٣).
حكم استرداد الزكاة اذا وقعت
الى غير مستحقيها:
جاء فى كشاف القناع (٤): ان دفع الزكاة الى من لا يستحقها لكفر أو شرف كأن كان هاشميا أو كونه عبدا غير مكاتب ولا عامل أو لكونه قريبا من عمودى نسب المزكى أو كان ممن تلزمه مؤنته لكونه يرثه بفرض أو تعصيب وهو لا يعلم عدم استحقاقه ثم علم ذلك لم يجزئه لانه ليس بمستحق ولا يخفى حاله غالبا فلم يعذر بجهالته ويستردها ربها هى وزيادتها مطلقا سواء كانت متصلة كسمن أو كانت منفصلة كالولد، أما ان كان ما دفعه صدقة تطوع دكان المدفوع اليه غير مستحق لم يكن له أن يرجع فيها لان المقصود الثواب وهو لم يفت بخلاف الزكاة اذ المقصود فيها ابراء الذمة وهو لم يحصل:
стр. 2004
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): أن من أخرج زكاة ماله الغائب ثم تبين أن المال قد تلف فان قامت له بينة على ذلك فله أن يسترد ما أعطى وان فاتت أدى الامام اليه ذلك من سهم الغارمين لانهم أخذوها وليس لهم أخذها، وقال ابن حزم (٢): لا يجوز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول ولا بطرفة عين فان فعل لم يجزه وعليه اعادتها ويرد اليه ما أخرجه قبل وقته ولا يجوز (٣) أن يعطى المزكى زكاته لمن ليس من أهلها سواء كان عامدا أو جاهلا وعلى الآخذ أن يرد ما أخذ.
حكم استرداد ما زاد على واجب الزكاة:
قال ابن حزم (٤): النخل اذا أزهى خرص (أى حزر وقدر ما عليها من الرطب تمرا) والزم الزكاة، فاذا غلط الخارص أو ظلم فزاد أو نقص رد الواجب الى الحق فأعطى ما زيد عليه وأخذ منه ما نقص لقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ، شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً﴾ ﴿فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ٥» والزيادة من الخارص ظلم لصاحب الثمرة بلا شك وقال تعالى:
«وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٦»،﴾ فلم يوجب الله تعالى على صاحب الثمرة الا العشر.
مذهب الزيدية:
حكم استرداد الزكاة اذا تغير حال الآخذ:
اذا دفعت (٧) الزكاة الى فقير لاجل فقره فالعبرة بحال الفقير وقت الاخذ للزكاة فان كان وقت تعجيلها فقيرا أجزت ولو غنى بعد ذلك قبل وجوبها هذا على القول بأن العبرة بحال الاخذ حيث لم يشرط على الفقير لانه قد ملكها بالاخذ فأما مع الشرط فقد قالوا: هى باقية على ملك صاحبها فيكمل بها النصاب ونحو ذلك ولان المراد بحال الاخذ لم يكن حال القبض بل المراد حال وقوعه عن الزكاة اذ لا يسمى الآخذ للزكاة الا ذلك فيستردها فى هذه الصورة ولا كلام وفى البحر الزخار (٨) أن العبرة بحال الاخذ فلا يستردها ممن ارتد أو غنى بعد الصرف اليه اذ قد ملكه.
стр. 2005
حكم استرداد الزكاة المعجلة اذا
تلف المال المدفوعة عنه:
تصح الزكاة (١) مشروطة فتقف على الشرط فلو أعطى الامام عن مال غائب وانكشف تلفه قبل الحول رجع فيما بقى لا ما صرفه اذ سلطه عليه فلو قال عن مالى أو تطوعا لم يجز للتردد، ولو قال: عن زكاة مالى ان كان باقيا والا فعن الدين لم يسقط الدين مع اللبس فى بقاء المال وليس له استرجاعه أما عن استرداد الصدقة فقد جاء فى التاج المذهب (٢): أن للمتصدق أن يرجع عن الصدقة قبل أن يقبض المتصدق عليه وذلك كما أن له الرجوع فى الهبة قبل القبول وانما يمتنع الرجوع فى الصدقة سواء كانت لذى رحم أم لا اذا وقع الرجوع بعد القبول أو القبض لا قبله فله ذلك بخلاف الهبة فله الرجوع.
مذهب الإمامية:
حكم استرداد الزكاة اذا
دفعت الى غير مستحق:
يستحب (٣) أن يخص المزكى بزكاته المستحق من القرابة والجار فلو بان أن الآخذ غير مستحق ارتجعت عينا أو بدلا مع الامكان ومع التعذر يجزى ان اجتهد الدافع بالبحث عن حاله على وجه لو كان بخلافه لظهر عادة، ولو خرج المستحق (٤) عن الوصف استعيدت الزكاة وله أن يمنع من الاعادة ببذل القيمة عند القبض كالقرض، ولو تعذر استعادتها غرم المالك الزكاة من رأس المال، ولو كان المستحق على الصفات وحصلت شرائط الوجوب جاز أن يستعيدها ويعطى عوضا لانها لم تتعين (٥)، واذا عجل المزكى زكاته لغيره ثم حال عليه الحول وقد أيسر المعطى فان كان قد أيسر بذلك المال فقد وقعت موقعها ولا يسترد، وان أيسر بغيره استرد، ولو خالف المالك (٦) فلم يدفع الزكاة الى الامام مع الطلب بنفسه أو بساعيه وانما فرقها على المستحقين بنفسه لم يجز للنهى المفسد للعبادة لان طاعة الامام واجبة مطلقا، وللمالك استعادة العين مع بقائها اذ يجب دفع الزكاة الى الامام أو الفقيه الشرعى حال غيبة الامام.
حكم استرداد الزكاة من المكاتب
ومن الغارم والغازى:
انما يعطى المكاتب من الزكاة اذا لم يكن معه ما يصرفه فى كتابته ولو صرفه فى غيره والحال هذه جاز ارتجاعه وقيل: لا، ولو
стр. 2006
دفع اليه من سهم الفقراء لم يرتجع (١)، ولو صرف الغارم ما دفع اليه من سهم الغارمين فى غير القضاء ارتجع منه، والغازى يعطى من الزكاة وان كان غنيا قدر كفايته على حسب حاله، واذا غزى لم يرتجع منه، وان لم يغز استعيد ما أخذ من الزكاة، أما اذا مات المالك وكان قد عجل الزكاة فقد قال فى (٢) الخلاف للورثة أن يسترجعوا ما عجله مورثهم من الزكاة اذا كان قد مات فى أثناء الحول وانتقل ماله الى الورثة لان حوله انقطع بموته واستأنف الورثة الحول.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٣) لا رجوع الزكاة ان تلف المال قبل الوقت أو فيه بلا تضييع وكان قد أخرجها قبل الوقت ثم قال صاحب شرح النيل وفى القناطر فان عجل الزكاة ومات الذى أخذها مسكينا أو غيره قبل تمام الحول أو ارتد الذى أخذها (١) أو صار غنيا، أو تلف مال المالك أو مات فالمدفوع ليس بزكاة واسترجاعه غير ممكن الا اذا قيد الدفع بالاسترجاع فانه ينبغى أن يدركها عليه والذى عندى أنه يكفيه ذلك وهو زكاة لانه انما دفعه على نية الزكاة كما يجوز له ولا قائل بلزوم الغرم لها اذا تلف المال قبل الوقت أو فيه وفى القناطر لا يجوز التعجيل قبل الوقت فى الحول الاول.
حكم استرداد الارش فى الجروح
مذهب الحنفية:
للحنفية فى حكم استرداد الارش قولان على ما يفهم من آرائهم فى لزومه وسقوطه فقد ذكر الزيلعى أنه ان شج رجل رجلا فالتحم ولم يبق له أثر أو ضرب فجرح فبرأ وذهب أثره فلا أرش عند أبى حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف عليه أرش الالم وهو حكومة عدل وقال محمد عليه أجرة الطبيب (٤)، وان قلع سنه فنبتت مكانها أخرى سقط الارش عند أبى حنيفة وقالا عليه الارش كاملا وان أقيد فنبتت سن الاول يجب الارش ومعناه اذا قلع رجل سن رجل فأقيد أى اقتص القالع ثم نبتت سن الاول المقتص له يجب على المقتص له أرش سن المقتص منه لانه تبين أنه استوفى بغير حق لان الموجب فساد المنبت ولم يفسد حيث نبتت مكانها أخرى فانعدمت الجناية ولهذا يستأنى حولا فاذا مضى الحول ونبتت تبين أنا أخطأنا فيه وكان الاستيفاء بغير حق غير أنه سقط القصاص فيجب المال (٥).
стр. 2007
مذهب المالكية:
روى الحطاب عن ابن شاس قوله:
الموضحة اذا برئت وعادت لهيئتها لم يسترد أرشها وكذلك سائر الجراحات الاربع واذا عاد البصر استردت ديته عند ابن القاسم وان رجعت اليه قوة الجماع رد ديته وقال اللخمى: ان أفسد شخص مخرج اللبن ولم يقطع من الثديين شيئا وجبت ديتهما عند مالك فلو عاد اللبن ردت اليه قال ابن عرفة ظاهر أقوالهم فساده من العجوز (١) كغيرها وان قطع ثديا الصغيرة فان استؤنى فتبين انه أبطلهما فلا تعودان أبدا ففيهما الدية وان شك فى ذلك وضعت الدية عند عدل واستؤنى بها فان نبتا ردت الدية الى مخرجها وان لم ينبتا أو سطرت فيبست أو مات قبل أن يعلم ذلك ففيهما الدية ومن طرح سن صبى لم يثغر خطأ وقف عقله بيد عدل فان عادت لهيئتها رجع العقل الى مخرجه وان لم تعد أعطى الصبى العقل كاملا وان هلك الصبى قبل أن تنبت سنه فالعقل لورثته وان نبتت أصغر من قدرها الذى قلعت منه كان له من العقل قدر ما نقصت ورد الباقى الى مخرجه ولو قلعت عمدا أوقف له العقل أيضا ولا يعجل بالقود حتى يستبرئ أمرها فان عادت لهيئتها فلا عقل فيها ولا قود وان عادت أصغر من قدرها أعطى ما نقصت فان لم تعد لهيئتها حتى مات الصبى اقتص منه (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أنه اذا أخذت دية العقل وغيره من بقية المعانى كالسمع والبصر ثم عاد بعد زواله استردت من المجنى عليه لان ذهابها كان مظنونا فبعودهما بان خلاف الظن وقضيته أنه لو أخبر بذهابها معصوم لم تسترد لان عودها حينئذ نعمة جديدة (٣).
قال الشافعى ﵀ (٤) واذا كسر الانف وقال لا أشم شيئا أعطى الدية بعد أن يحلف ما يجد رائحة شئ بحال وان قضى له بالدية ثم أقر أنه يجد رائحة قضى عليه برد الدية وان مر بريح مكروهة فوضع يده على أنفه فقيل قد وجد الرائحة ولم يقر بأنه قد وجدها لم يرد الدية من قبل أنه قد يضع يده على أنفه ولم يجد شيئا من الريح، وفى ذهاب الكلام الدية فان أخذت له الدية ثم نطق بعدها رد ما أخذ له من الدية وان نطق ببعض الكلام الذى ذهب ولم ينطق ببعض رد من الدية بقدر ما نطق، وان جنى على العينين فذهب ضوؤهما وجبت الدية فان أخذت الدية ثم عاد الضوء وجب رد الدية لانه لما عاد علمنا أنه لم يذهب لان الضوء اذا ذهب لم يعد، ويجب فى السمع الدية، فان جنى عليه فزال السمع وأخذت منه الدية ثم عاد السمع وجب رد الدية لان السمع
стр. 2008
لم يذهب لانه لو ذهب لما عاد وان قلع سن من ثغر ثم نبتت فهو على قولين أحدهما ترد الدية والثانى لا ترد.
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب المحرر أنه لا تؤخذ دية فى عمد ولا خطأ لما يرجى عوده ولو عاد الذاهب فى المدة أو بعدها كنبات السن واللسان والظفر ورجوع الشم والصوت لم يضمن الا أن يعود ناقصا فى قدر أو صفة فيجب لنقصه حكومة. وعنه فى الظفر خاصة يجب مع عوده على صفته خمسة دنانير ومع عوده، أسود عشرة دنانير والاول أصح وترد دية ذلك ان كانت أخذت أو غرامة طرف الجانى ان كان قد اقتص منه ثم ان عاد طرف الجانى ردت الغرامة فان ذهب البصر ثم عاد لم تجب الدية لتبين أن لا ذهاب وان كان المجنى عليه قد أخذ الدية ردها لتبين أنه أخذها بغير حق وان عاد الشعر قبل أخذ الدية سقطت ديته وان عاد بعده أى بعد أخذ الدية ترد (١) للجانى وان جنى على لسانه فذهب كلامه أو ذوقه ثم عاد لم تجب الدية لاننا تبينا أنه لم يذهب ولو ذهب لم يعد وان كان قد قبض الدية ردها وان قطع لسانه فعاد لم تجب وان كان قد أخذها ردها قاله أبو بكر لا ما وجبت فيه الدية قد عاد فوجب رد الدية كالاسنان وسائر ما يعود، وان قطع لسانه فذهب كلامه ثم عاد اللسان دون الكلام لم يرد الدية لانه قد ذهب ما تجب الدية فيه بانفراده وان عاد كلامه دون لسانه لم يردها أيضا لذلك (٢)، وان جنى عليه فذهب شمه ثم عاد قبل أخذ الدية سقطت وان كان بعد أخذها ردها لاننا تبينا أنه لم يكن ذهب (٣).
مذهب الظاهرية:
ذكر صاحب المحلى أنه إذا جنى أحد على عبد أو أمة بمأمومة أو جائفة أو قطع عضو أو غير ذلك فما قل أو كثر من الجنايات فيقوم صحيحا ثم يقوم فى أصعب ما انتهت اليه حاله ويغرم ما بين القيمتين ولا ينتظر به صحة ولا تخفف أصلا لقوله تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» (٤) وقوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (٥) فان برئ العبد أو الامة وصحا وزادت تلك الجنايات فى أثمانهما فمن رزق الله تعالى للسيد ولا رجوع للجانى من أجل ذلك بشئ مما غرم (٦).
مذهب الزيدية:
الزيدية على أنه يحق استرداد الارش فقد جاء فى البحر الزخار أنه ان أبان شخص سنا لاخر فوداها ثم ردت فنبتت
стр. 2009
كما كانت استرجعت الدية لئلا يجمع للمجنى عليه بين البدل (١) والمبدل وجاء فى التاج المذهب أنه اذا ذهب الشعر فلم يرجع ففيه ابداء حكومة فيجب فى شعر الرأس أو اللحية سواء كان بعد نباتها أو قبله حكومة مقاربة للدية وهى ما تزيد على النصف الى قدر الثلثين فان عاد الشعر لزم (٢) المجنى عليه رد ما أخذ.
مذهب الإمامية:
والإمامية فى حكم استرداد الارش على قولين فقد جاء فى تحرير الاحكام أنه اذا ذهب كلام المجنى عليه بالجناية على اللسان ثم عاد كلامه بعد دفع الدية استردت الدية من المجنى عليه، قاله فى المبسوط وجاء فى الخلاف: لا تسترد الدية وجاء فى ذهاب السمع والبصر اذا عادا بعد زوالهما حكومة عدل وفى العقل والشم اذا عادا بعد ذهابهما لم تسترد الدية لان عودهما منحة من الله تعالى (٣) وذكر صاحب الخلاف أنه اذا أخذ المجنى عليه من الجانى دية الشم ثم عاد شمه لم يجب عليه رد الدية لان رد الشم هبة من الله (٤) متجددة واذا قلع سن كبير مثغر وجبت الدية فى الحال بلا خلاف فان أخذها ثم عادت سنه لم يجب عليه رد الدية (٥).
مذهب الإباضية:
أما الإباضية فيجيزون استرداد الارش فقد جاء فى النيل أن من اقتص بظفر فنبت ظفر المقتص منه رجع على المقتص منه بالسوم وهو ما بين النبات وعدمه وان نبت ظفر المقتص كانت عليه ديته للمقتص منه لانه أخذ حقه فحدث منه غيره فعليه فيه الدية (٦). وثديا الصغيرة اذا قطعتا فان كانت ترجى اعادتهما الى هيئتهما استؤنى بهما وان لم ترج أخذت الدية وان رجعا لهيئتهما استرجعت الدية وان ماتت فى حال الانتظار ففيهما الدية (٧).
حكم الاسترداد فى السرقة
مذهب الحنفية:
يجب رد عين المسروق على صاحبه اذا كان قائما بعينه لقول النبى ﵌ على اليد ما أخذت حتى ترده وقول النبى ﷺ من وجد عين ماله فهو أحق به، وقد ورد النبى ﷺ رداء صفوان رضى الله تعالى
стр. 2010
عنه وقطع السارق منه وكذلك ان كان السارق قد ملك المسروق رجلا ببيع، أو هبة أو وصية والمسروق قائم فلصاحبه أن يأخذه لانه عين ملكه اذ السرقة لا توجب زوال الملك عن العين المسروقة فكان تمليك السارق باطلا ويرجع المشترى على السارق بالثمن الذى اشتراه (١) به وان كان المسروق قد هلك فى يد القابض وكان البيع قبل القطع أو بعده فلا ضمان لا على السارق ولا على القابض بدليل قوله تعالى:
«وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا ٢» فالله سمى القطع جزاء فلو ضم اليه الضمان لم يكن القطع كافيا فلم يكن جزاء فالله جعل القطع كل الجزاء فلم يذكر غيره وقد روى عن النبى ﵌ أنه قال: اذا قطع السارق فلا غرم عليه (٣)، ويخرج على هذا الاصل اذا استهلك السارق المسروق بعد القطع لا يضمن فى ظاهر الرواية لان عصمة المحل الثابتة حقا للمالك قد سقطت فى حق السارق لضرورة امكان ايجاب القطع فلا يعود الا بالرد الى المالك فلم يكن معصوما قبله فلا يكون مضمونا وروى الحسن عن أبى حنيفة ﵀ أنه يضمن لان المسروق بعد القطع بقى على ملك المسروق منه ألا ترى أنه يجب رده على المالك وقبض السارق ليس بقبض مضمون فكان المسروق فى يده بمنزلة الامانة فاذا استهلكها ضمن ولو استهلك المسروق رجل آخر يضمنه لان العصمة انما سقطت فى حق السارق لا فى حق غيره فيضمن (٤) .. وان أحدث السارق فى المسروق حدثا فان كان حدثا أوجب النقصان يقطع وتسترد العين على المالك وليس عليه ضمان النقصان واذا كان أحدث حدثا أوجب الزيادة فالاصل فى هذا أن السارق اذا أحدث فى المسروق حدثا لو أحدثه الغاصب فى المغصوب انقطع حق المالك ينقطع حق المسروق منه والا فلا وعلى هذا اذا قطع السارق الثوب المسروق وخاطه قميصا انقطع حق المالك لانه لو فعله الغاصب انقطع حق المغصوب منه كذا اذا فعله السارق ولا ضمان على السارق ولو صبغه أحمر أو أصفر فلا سبيل للمالك على العين المسروقة فى قول أبى حنيفة لان المغصوب منه له أصل الثوب وهو متقوم وللغاصب فيه كذلك حق متقوم الا أنه جعل الخيار للمالك لان المالك صاحب أصل والغاصب صاحب وصف وهنا فى السرقة حق السارق متقوم وحق المالك فى أصل الثوب ليس بمتقوم فى حق السارق لاجل القطع فاعتبر حق السارق وتعذر تضمينه لضرورة القطع فيكون له مجانا، وفى قولهما يأخذ المالك الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه لانه
стр. 2011
لو وجد هذا الغاصب لخير المالك بين أن يضمن الغاصب قيمة الثوب وبين أن يأخذ الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه الا أن التضمين هنا متعذر لضرورة (١) القطع فتعين الوجه الاخرى، وفى الزيلعى (٢) لو صنع المسروق دراهم أو دنانير قطع وردهما الى المسروق منه وهذا عند أبى حنيفة وقالا لا سبيل للمسروق منه عليها وهذا الخلاف أساسه أن هذا الصنع لا يقطع حق المالك فى باب الغصب عنده وعندهما يقطع حق المالك، ولو سرق حديدا أو صفرا أو نحاسا أو ما أشبه ذلك فضربها أوانى ينظر ان كان بعد الصناعة والضرب تباع وزنا فهو على الاختلاف الذى مر وان كانت تباع عددا انقطع حق المالك فيها بالاجماع كما فى الغصب ومن أمثلة ذلك مالو سرق حنطة فطحنها وما أشبه ذلك كل ذلك يقطع حق المالك فيها.
مذهب المالكية:
قال ابن شاس لو رد السارق اليمين فحلف الطالب ثبت الغرم دون القطع قال ابن عرفة هذا واضح وفى المدونة أنه ان شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة لم يقطع وضمن قيمة ذلك ولا يمين على رب المتاع وان شهد بذلك رجل واحد حلف الطالب مع شهادته وأخذ المتاع ان كان قائما ولا يقطع السارق. ووجب رد المال ان لم يقطع قال ابن عرفة موجب السرقة قطع السارق وضمانه السرقة ان لم يقطع لازم له اتفاقا، أما أقطع اليدين والرجلين اذا سرق عزر وضمن السرقة وان كان معسرا مطلقا قال مالك وأصحابه لو سرق مالا يجب فيه القطع أما لقلته أو لانه من غير حرز أو لغير ذلك فانه يتبع بذلك فى عدم ويحاص به غرماؤه واذا كان يجب فيه القطع لم يتبع فى عدمه ولا يتبع الا فى يسر متصل من يوم سرق الى يوم يقطع والا لم يتبع وان كان مليا بعد عدم تقدم قال مالك وهو الامر المجمع عندنا. وفى المدونة انما يضمن السارق السرقة اذا سرق وهو موسر فتمادى يسره الى أن قطع قال ابن عرفة وان قطع والسرقة قائمة بعينها استردها ربها وان استهلكها ففى قول المدونة أنه ان اتصل يسره بها من السرقة الى يوم القطع وجب القطع فى يده عقوبة ووجب الغرم فى ماله عقوبة أخرى فاذا كان معسرا أو أعدم فى بعض المدة فلا غرم اذ لو أوجبنا الغرم فى ذمته لاجتمع عليه عقوبتان اتباع ذمته وقطع يده وذلك لا يجوز (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج والمهذب (٤):
وعلى السارق رد ما سرق وأجرته مدة وضع يده عليه وان وقع القطع لقول النبى ﵌ على اليد
стр. 2012
ما أخذت حتى تؤديه ولان القطع حق لله تعالى والغرم حق الادمى فلم يسقط أحدهما الآخر ومن ثم لم يسقط الضمان والقطع عنه برده المال للحرز فان تلف ضمنه كمنافعه من مثل فى المثلى وأقصى قيمة فى المتقوم.
مذهب الحنابلة:
اذا قطع السارق فان كانت السرقة باقية ردت الى مالكها وان كانت تالفة فعليه قيمتها سواء كان موسرا أو معسرا لا يختلف أهل العلم فى وجوب رد العين المسروقة على مالكها اذا كانت باقية فأما ان كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها أو مثلها ان كانت مثلية قطع أو لم يقطع موسرا كان أو معسرا (١) وان أقر مكلف بسرقة مال غائب أو شهدت بها بينة حبس، ولم يقطع حتى يحضر فان كانت العين فى يده أى يد المقر بالسرقة أو يد من شهدت البينة عليه بالسرقة أخذها الحاكم وحفظها للغائب لان الحاكم له النظر فى مال الغائب وعليه حفظه (٢) اذا سرق المسروق منه مال السارق من الحرز الذى فيه العين المسروقة ولو متميزة أو أخذ عين ماله فقط أو ومعه نصاب من مال المعتدى لم يقطع وان سرق منه نصابا من غير الحرز الذى فيه ماله أو سرق من مال من له عليه دين وهما باذلان غير ممتنعين من آدائه، أو قدر المالك على أخذ ماله فتركه وسرق من مال المعتدى أو الغريم فعليه القطع وان عجز عن استيفائه أو أرش جنايته فسرق قدر دينه أو حقه فلا قطع وان سرق أكثر من دينه فكالمغصوب منه اذا سرق أكثر من دينه على ما مضى (٣).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الواجب على السارق القطع ولا بد ثم يلزمه احضار ما سرقه ليرد الى صاحبه ان عرف أو ليكون فى جميع مصالح المسلمين ان لم يعرف صاحبه فان عدم الشئ المسروق ضمنه (٤).
مذهب الزيدية:
من وجد المال المسروق فى يد انسان والتبس حاله هل هو السارق أم لا لم يقطع بل يرد المال ان بقى والضمان ان تلف (٥) ويسترد من السارق الباقى فى يده ولو قد استهلكه حكما بطحن أو نحوه أو كان الباقى فى يد غير يد السارق بغير عوض كالهبة والصدقة والنذر ونحو ذلك فما خرج من يده بهذه الوجوه وجب رده ولو مع القطع ويجب أن يرد ما أخذ بغير عوض ولو كان قد غرم فيه من صارت العين فى يده نحو أن تكون خشبة وقد بنى عليها أو نحو ذلك قال فى المعيار فان لم يتأت نقض البناء
стр. 2013
الا بغرامة وجبت التخلية فقط كما اذا كان لاحضار العين المغصوبة مؤنة لم يكن عليه الا التخلية وان كانت العين قد تلفت فى يد من صارت فى يده بغير عوض وجب عليه الضمان المثلى بمثله والقيمى بقيمته ولو بعد القطع وكذلك لو أخرجت من يد السارق بعوض كاجارة فانها ترد العين للمالك لكن اذا كان السارق قد استهلك الاجرة استحق المستأجر المنفعة الى انقضاء الاجارة وان كان قد استهلك بعض الاجرة استحق المستأجر من المنفعة بقدر ما قد استهلك من الاجرة ويرد له باقيها وان كانت الاجرة باقية أخذت من يد السارق وردت لمالكها وهو المستأجر وترد العين لمالكها، واذا قطع السارق بما سرق فانه لا يغرم بعده أى لا يغرم بعد القطع المسروق التالف حسا لئلا يجتمع غرمان فلا يضمن ما قد أتلفه قيميا أو مثليا وسواء أتلفه قبل القطع أم بعده اذا كان قبل الحكم عليه برد السرقة فأما بعده فيضمن (١).
مذهب الإمامية:
يجب على السارق اعادة العين مع وجودها وامكان اعادتها فاذا لم تكن العين قائمة أو لم يمكن اعادتها وجب رد مثلها اذا كان المسروق مما له مثل فاذا لم يكن له مثل وجبت قيمته ان كان المسروق مما - يتقوم أما اذا كانت قائمة ولكنها تعيبت فان السارق يضمن أرشها، والقطع فى السرقة لا يغنى عن اعادة المسروق لان القطع والاعادة حكمان متغايران لان الاعادة لاخذ مال الغير عدوان وأما القطع فلأنه حد عقوبة على الذنب (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن العاصمى قال كل ما سرق وهو باق فانه يرد على من أخذ منه باتفاق وحيث أن السارق قد قطع فالذى سرقه فى حال يسره يتبع به والقطع فى السرقة لا يسقط به الغرم بالاولى لان الغرم حق المخلوق والحق ان القطع حق الله شرع ردعا عن السرقة وقيل ان كان موسرا حين سرق أخذ بالغرم ولو قطع والا فلا ان قطع وقيل يغرم ان أيسر ودام يسره حتى قطع وأما من لم يقطع أو سرق مالا قطع به فالغرم باجماع الامة واجب ومأخوذ وقيل ان وجد ما سرق ولم يتلف غرم باتفاق ولو قطع مطلقا (٣).
حكم الاسترداد فى الغصب
مذهب الحنفية:
ثبوت الحق للمغصوب منه
فى استرداد المغصوب:
الغصب هو ازالة اليد المحقة باثبات اليد المبطلة ويجب رد عينه فى مكان غصبه لقول النبى ﵌: على اليد ما أخذت حتى ترد
стр. 2014
ولقوله ﵌ لا يحل لاحدكم أن يأخذ مال أخيه لاعبا ولا جادا وأن أخذه فليرده عليه. ولانه بالاخذ فوت عليه اليد وهى مقصودة لان المالك يتوصل بها الى تحصيل ثمرات الملك من الانتفاع وأتم وجوهه رد عينه فى مكان غصبه لانه أعدل وأكمل فى رد الصورة والمعنى ورد القيمة أو المثل مخلص يصار اليه عند تعذر رد العين ولهذا يطالب برد العين قبل الهلاك، ولو أتى بالقيمة أو المثل لا يعتد به لكونه قاصرا وقيل: الموجب الاصلى هو المثل أو القيمة ورد العين مخلص ولهذا لو أبرأه عن الضمان حال قيام العين يصح حتى لا يجب عليه الضمان بالهلاك والابراء عن العين (١) لا يصح فلو هلك المغصوب عند الغاصب وجب المثل أى مثل المغصوب ان كان المغصوب مثليا وهو المكيل والموزون والعددى المتقارب كالجوز والبيض خلافا لزفر فى العددى - لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،﴾ ولان حق المالك ثابت فى الصورة والمعنى وقد أمكن اعتبارهما بايجاب المثل فكان أعدل وأتم فى جبر الفائت فكان أولى من القيمة واسمه ينبئ عن ذلك فان المثل عبارة عما يقوم مقامه من كل وجه فكان ايجابه أعدل فان انقطع المثلى عن ايدى الناس وجبت القيمة وتعتبر قيمته يوم الخصومة (٢) عند أبى حنيفة ﵀ لان المثل هو الواجب بالغصب، وهو باق فى ذمته ما لم يقض القاضى بالقيمة ولهذا لو صبر الى أن يعود المثل كان له ذلك وانما ينتقل الى القيمة بالقضاء حتى لا يعود الى المثل لوجوده بعد ذلك فتعتبر قيمته يوم الانتقال وقال ابو يوسف تعتبر قيمته يوم الغصب لان المثل لما انقطع التحق بذوات القيم وفيها تعتبر القيمة يوم الغصب فكذا فيما التحق بها. وقال محمد تعتبر قيمته يوم الانقطاع لان المثل هو الواجب بغصب ذات المثل فلا ينتقل الى القيمة الا بالعجز عنه والعجز عنه يحصل بالانقطاع فتعتبر قيمته يومئذ فلا تجب القيمة قبل انقطاع المثل للقدرة عليه (٣). أما اذا كان المغصوب لا مثل له والمراد به غير المكيل والموزون والعددى المتقارب كالثياب والحيوان والمثلى المخلوط بخلاف جنسه كالحنطة المخلوطة بالغير، والموزون الذى فى تبعيضه ضرر كالاوانى المصوغة أى لا يضمن بالمثل فقيمته يوم غصبه وهذا بالاجماع لانه تعذر اعتبار المثل صورة ومعنى وهو الكامل فيجب اعتبار المثل معنى وهو القيمة لانها تقوم مقامه ويحصل بها مثله لقول النبى ﵌ فى
стр. 2015
عبد بين رجلين يعتقه أحدهما فان كان موسرا ضمن قيمة نصيب شريكه وان كان معسرا سعى العبد فى قيمة نصيب شريكه غير مشقوق عليه، وهذا نص صريح على اعتبار القيمة فيما لا مثل له حيث أوجبها على المعتق ان كان موسرا وعلى العبد ان كان معسرا (١).
سقوط حق الاسترداد:
وانما يحق استرداد المغصوب اذا كانت عينه (٢) قائمة فى يد الغاصب وأما اذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب بحيث لا يمكن تمييزها أصلا أو الا بحرج زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدى بدلها (٣) فلو هلك فى يده أو استهلك صورة ومعنى أو معنى لا صورة سقط حق الاسترداد وثبت الضمان لان الهالك لا يحتمل الرد وعلى هذا يخرج ما اذا كان المغصوب حنطة فزرعها الغاصب أو نواة فغرسها حتى نبتت أو باقلة فغرسها حتى صارت شجرة أو بيضة فحضنها حتى صارت دجاجة أو قطنا فغزله أو غزلا فنسجه أو ثوبا فقطعه أو خاطه قميصا أو لحما فشواه أو طبخه أو شاه فذبحها وشواها أو حنطة فطحنها أو دقيقا فخبزه أو حديدا فضربه سيفا أو نحاسا فعمله آنية أو نحو ذلك فليس للمالك أن يسترد شيئا من ذلك عندنا ويزول ملكه بضمان المثل أو القيمة لان فعل الغاصب فى هذه المواضع وقع استهلاكا للمغصوب أما صورة ومعنى أو معنى لا صورة فيزول ملك المالك عنه وتبطل ولاية الاسترداد كما اذا استهلكه حقيقة، ودلالة تحقق الاستهلاك أن المغصوب قد تبدل وصار شيئا آخر بتخليق الله تعالى وايجاده لانه لم تبق صورته ولا معناه الموضوع له فى بعض المواضع ولا اسمه وقيام الاعيان انما يكون بقيام صورها ومعانيها المطلوبة منها وفى بعضها ان بقيت الصورة فقد فات معناه الموضوع له المطلوب منه عادة فكان فعله استهلاكا للمغصوب صورة ومعنى أو معنى فيبطل حق الاسترداد اذ الهالك لا يحتمل الرد كالهالك الحقيقى، واذا حصل الاستهلاك فانه يزول ملك المالك لان الملك لا يبقى فى الهالك فتنقطع ولاية الاسترداد ضرورة (٤) الا الذهب والفضة فان الغاصب لا يملكهما باتخاذه أوانى أو بضربه دنانير أو دراهم فلا ينقطع حق المالك عنها وله أن يسترده ولا يعطيه شيئا لاجل الصياغة وهذا عند أبى حنيفة ﵀ لان العين باقية من كل وجه ولم تهلك من وجه ما، وقال ابو يوسف ومحمد رحمهما الله أنه لا سبيل للمالك على ذلك
стр. 2016
ويملكهما الغاصب بضربهما دنانير أو دراهم أو أوانى وعلى الغاصب مثل ما غصب لان صنع الغاصب وقع استهلاكا لان المغصوب بالصياغة صار شئيا آخر وفوت بذلك على المالك بعض مقاصده وأجمعوا على أنه اذا سبكه ولم يصغه أو جعله مربعا أو مطولا أو مدورا أن له أن يسترده (١) ولا شئ عليه أما لو غصب صفرا أو نحاسا أو حديدا فضربه آنية فان كان يباع وزنا فهو على الخلاف الذى ذكر فى مسألة الذهب والفضة لانه لم يخرج بالضرب والصناعة عن حد الوزن وان كان يباع عددا فليس له أن يسترده بلا خلاف لانه خرج عن كونه موزونا بخلاف الذهب والفضة لان الوزن فيهما أصل ولا يتصور سقوطه أبدا (٢) ولو غصب لبنا أو آجرا أو ساجه فأدخلها فى بنائه فلا يملك المغصوب منه الاسترداد عندنا لان المغصوب بالادخال فى البناء والتركيب صار شيئا آخر غير الاول لاختلاف المنفعة اذ المطلوب من المركب غير المطلوب من المفرد فصار بها تبعا له فكان الادخال اهلاكا معنى فيوجب زوال ملك المغصوب منه ويصير ملكا للغاصب وذكر الكرخى ﵀ أن موضوع مسألة الساجة ما اذا بنى الغاصب فى حوالى الساجة لا على الساجة، فأما اذا بنى على نفس الساجة لا يبطل ملك المالك بل ينقض البناء وهو اختيار الفقيه أبى جعفر الهندوانى لان البناء اذا لم يكن على نفس الساجة لم يكن الغاصب متعديا بالبناء لينقض ازالة للتعدى واذا كان البناء عليها كان متعديا على الساجة فيزال تعديه بالنقض والصحيح أن المسألة فيها خلاف ولو غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أو شاة فذبحها ولم يشوها ولا طبخها فلا ينقطع حق المالك اذ الذبح ليس باستهلاك بل هو تنقيص وتعييب فلا يوجب زوال الملك بل يوجب الخيار للمالك فيخير بين تضمين جميع قيمته ويترك له وبين تضمين نقصانه (٣) وأخذه وقيد خرق الثوب الذى يوجب التخيير بكونه فاحشا أما اذا كان الخرق يسيرا فان عليه ضمان نقصانه يعنى مع استرداد عينه وليس له - أى للمالك - غير ذلك لان العين قائمة من كل وجه وانما دخله عيب فنقص لذلك فكان له أن يضمنه النقصان ثم قال:
والحكم فى تخيير المالك فى الثوب الذى قطع انما هو اذا لم يجدد فيه الغاصب صنعة أما اذا جدد فيه صنعة بأن خاطه قميصا مثلا فانه ينقطع به حق المالك عنه عندنا - ذكره فى النهاية معزيا الى الذخيرة قال شمس الائمة السرخسى والحكم الذى ذكرنا فى الخرق فى الثوب من تخيير المالك اذا كان الخرق فاحشا هو الحكم فى كل عين من الاعيان الا فى
стр. 2017
الاموال الربوية فان التعييب فيها فاحشا كان أو يسيرا يجعل لصاحبها الخيار بين أن يمسك العين ولا يرجع على الغاصب بشئ وبين أن يسلم العين ويضمنه مثله أو قيمته لان تضمين النقصان متعذر لانه يؤدى الى الربا ولو غصب أرضا فبنى عليها أو غرس فيها لا ينقطع ملك المالك عنها ويقال للغاصب اقلع البناء والغرس وردها فارغة لان الارض بحالها لم تتغير ولم تصر شيئا آخر فان كانت الارض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعا ويكون له البناء والغرس لان الغاصب يتضرر بالمنع من التصرف فى ملك نفسه بالقلع والمالك أيضا يتضرر بنقصان ملكه فلزم رعاية الجانبين (١)، هذا اذا تغير المغصوب، بفعل الغاصب فان تغير المغصوب بغير فعل الغاصب بأن صار العنب زبيبا والخمر خلا بنفسه والحليب جبنا والرطب تمرا فالمالك بالخيار ان شاء أخذه وان شاء تركه (٢) وضمنه، وقد اختلف فى غصب ما لا ينقل كالعقار، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله أن غصب عقارا وهلك فى يده لم يضمنه وقال محمد وزفر رحمهما الله يضمن وهو قول أبى يوسف أولا (٣) وما نقص بسكناه وزراعته ضمن النقصان كما فى النقلى وهذا بالاجماع وعلى هذا لو ركب دابة الغير بغير اذنه ولم يسيرها حتى نزل ثم هلكت لم يضمن لعدم النقل وان تلفت بركوبه يضمن لوجود الاتلاف بفعله واختلفوا فى تفسير النقصان قال نصير بن يحيى: انه ينظر بكم تستأجر هذه الارض قبل الاستعمال وبعده فيضمن ما تفاوت بينهما من النقصان وقال محمد بن سلمه يعتبر ذلك بالشراء يعنى أنه ينظر بكم تباع قبل الاستعمال وبكم تباع بعده فنقصانها ما تفاوت من ذلك فيضمنه وهو الاقيس لان العبرة لقيمة العين دون المنفعة وذكر فى النهاية ان محمد بن سلمه رجع الى قول نصير ثم انما يضمن الغاصب النقصان اذا كان النقصان فى العين وكان غير ربوى لانه دخل جميع أجزائه فى ضمانه فيجب عليه ضمان قيمة ما تعذر رده من أجزائه كلا أو بعضا وان كان النقصان لتراجع السعر فلا يضمن اذا كان استرداد العين فى مكان الغصب لان ذلك لقلة الرغبات فيه لا لنقصان فى العين بفوت الجزء وان كان المغصوب ربويا لا يمكنه أن يضمنه النقصان مع استرداد العين لانه يؤدى الى الربا اذ الجودة لا قيمة لها فى الاموال الربوية ولكنه يخير بين أن يسترد العين ولا شئ له وبين أن يتركه على الغاصب ويضمنه مثله من جنسه أو قيمته من خلاف جنسه واذا غصب ثوبا فصبغه أو سويقا (٤) فلته بسمن فالمالك بالخيار أن شاء ضمنه قيمة
стр. 2018
ثوبه أبيض ومثل السويق وان شاء أخذ المصبوغ والملتوت وغرم ما زاد الصبغ والسمن وكان صاحب الثوب أولى بالتخيير لانه صاحب أصل ولو كان الثوب ينقصه الصبغ بأن كانت قيمته ثلاثين درهما مثلا فتراجعت بالصبغ الى عشرين فعن محمد ﵀ ينظر الى ثوب يزيد فيه ذلك الصبغ فان كانت الزيادة خمسة يأخذ رب الثوب ثوبه وخمسة دراهم رواه هشام عن محمد وهو مشكل (١) ولو غيب الغاصب المغصوب وضمن قيمته ملكه وسقط حق المالك فيه لان المالك ملك بدل المغصوب رقبه ويدا فوجب أن يزول ملكه عن المبدل والقول فى القيمة للغاصب مع يمينه والبينة للمالك فان ظهر وقيمته أكثر وقد ضمنه بقول المالك أو ببينته أو بنكول الغاصب فهو للغاصب ولا خيار للمالك فيه وان ضمنه بيمين الغاصب فالمالك بالخيار اما أن يمضى الضمان. وأما يأخذ المغصوب ويرد العوض ولو ظهر وقيمته مثل ما ضمنه أو أقل فى هذه الصورة وهى ما اذا ضمنه بقول الغاصب مع يمينه ففى ظاهر الرواية يثبت له الخيار وهو الاصح ثم اذا اختار المالك أخذ العين فللغاصب أن يحبس العين حتى يأخذ القيمة التى دفعها (٢) اليه، وزوائد المغصوب أمانة لا تضمن الا بالمنع أو التعدى فاذا طلبها المالك ومنعها أو تعدى عليها الغاصب ضمنها وما نقصت الجارية بالولادة مضمون ويجبر بولدها أى أن كان فى قيمة الولد وفاء به جبر النقصان بالولد ويسقط ضمانه عن الغاصب ولو زنى بمغصوبته فردت فماتت بالولادة ضمن قيمتها.
ما يكون به الاسترداد:
يصير المالك (٣) مستردا للمغصوب باثبات يده عليه لانه صار مغصوبا بتفويت يده عنه، فاذا أثبت يده عليه فقد أعاده الى يده فزالت يد الغاصب ضرورة الا أن يغصبه ثانيا، وذلك كما اذا كان المغصوب عبدا فاستخدمه أو ثوبا فلبسه أو دابة فركبها أو حمل عليها فانه يصير مستردا للمغصوب منه بذلك العمل ويبرأ الغاصب من الضمان وكذلك لو كان طعاما فأكله لانه اثبت يده عليه فبطلت يد الغاصب ولو كان المغصوب عبدا فأجره من الغاصب للخدمة أو كان المغصوب ثوبا فأجره منه للبس أو دابة للركوب وقبل الغاصب الاجارة برئ عن الضمان لان الاجارة اذا صحت صارت يد الغاصب على المحل يد اجارة وانها يد محقة فتبطل يد الغصب ضرورة فيبرأ عن الضمان بالاجارة حين وجبت عليه الاجارة ولو زوج الامة المغصوبة من
стр. 2019
الغاصب لا يبرأ عن الضمان فى قياس قول أبى حنيفة وعند أبى يوسف يبرأ من الضمان بناء على الاختلاف فى كون المشترى يصير قابضا بالتزويج أم لا، ولو استأجر المغصوب منه الغاصب لتعليم العبد المغصوب عملا من الاعمال فهو جائز لكنه لا يصير مستردا للعبد ولا يبرأ الغاصب عن الضمان بل هو فى يد الغاصب على ضمانه حتى لو هلك قبل أن يأخذ فى ذلك العمل أو بعده ضمن وكذلك لو استأجره لغسل الثوب المغصوب لان الاجارة ههنا ما وقعت على المغصوب فلم تثبت يد الاجارة عليه لتبطل عنه يد الغاصب فتبقى فى يد الغاصب كما كان فبقى مضمونا كما كان.
مذهب المالكية:
ثبوت حق استرداد المغصوب:
جاء فى التاج والاكليل للحطاب قال مالك من غصب لرجل طعاما أو أداما فاستهلكه فعليه مثله بموضع غصبه منه فان لم يجد هناك مثلا لزمه أن يأتى بمثله الا أن يصطلحا على أمر جاز وان لقيه ربه بغير البلد الذى غصب فيه لم يقض عليه فيه هناك بمثله ولا قيمته وانما له عليه مثله بموضع غصبه فيه قال اللخمى ويختلف لمن غصبه طعاما فى شدة ثم صار الى رخاء فالمازرى على أنه يغرم أغلى القيم والمشهور أن الحكم لا يتغير بذلك ويقضى بمثله وصبر لوجوده وذكر ابن عرفة أن ابن القاسم قال: لو فقد المثل حين طلبه ليس عليه الا مثله بأن يصبر حتى يوجد وقال أشهب يخير الطالب فى الصبر أو القيمة وفى المدونة ان لقيه ربه بغير البلد لم يقض عليه هناك بمثله (١) ولا قيمته وقال ابن يونس لو غصبه سويقا فلته فانما عليه مثله ولا يجوز أن يتراضيا على أن يأخذه ويعطيه مالته به لانه التفاضل بين الطعامين وكذلك لو ضرب الفضة دراهم أو صاغها لم يجز له أخذها ويعطيه أجرته للتفاضل بينهما - ومن المدونة قال مالك أن عمل الغاصب من الخشبة بابا أو غصب ترابا يعمل منه بلاطا أو غصب حنطة فزرعها وحصد منها حبا كثيرا أو غصب سويقا نملته بسمن أو غصب فضة فصاغها حليا أو ضربها دراهم فعليه فى هذا كله مثل ما غصب فى صفته ووزنه وكيله أو القيمة فيما لا يكال ولا يوزن وذكر المازرى أن ابن القاسم قال من غصب قمحا فطحنه رد مثله - ولا يمكن رب القمح من أخذ الدقيق خلافا لاشهب واتفقا ان طحن القمح سويقا ولته أن ليس لرب القمح أخذه قال أشهب من غصب بيضة فحضنها تحت دجاجة له فخرج منها دجاجة فعليه بيضة مثلها خلافا لسحنون
стр. 2020
لا ما باض أو حضن قال: اشهب لو غصب دجاجة فباضت عنده فحضنت بيضها فما خرج من الفراريج فلربها أخذها معها كالولادة وأما لو حضن تحتها بيضا له من غيرها فالفراريج للغاصب والدجاجة لربها وله فيما حضنت كراء مثلها قال ابن المواز مع ما نقصها الا أن يكون نقصا بينا فيكون لربها قيمتها يوم غصبها ولا يكون له من بيضها ولا من فراريجها شئ. قال ولو غصب حمامة فزوجها حماما له فباضت وأفرخت فالحمامة والفراخ للمستحق ولا شئ للغاصب فيما أعانها ذكره من حضانته ولمستحق الحمامة فيما حضنت من بيض غيرها قيمة حضانتها ولا شئ فيما حضنه غيرها من بيضها وانما له بيض مثل بيض حمامته الا أن يكون عليه فى أخذ البيض ضرر فى تكلف حمام يحضنهم فله أن يغرم الغاصب قيمة البيض (١) واما اذا كان المغصوب عروضا أو رقيقا أو حيوانا وقد استهلكه فله قيمة ذلك ببلد الغصب يوم الغصب يأخذه بتلك القيمة أينما لقيه من البلدان ان نقصت القيمة فى غير البلد أو زادت وفى الموازية من غصب غزلا فنسجه فعليه قيمة الغزل وفى المدونة من غصب من رجل سوارين من ذهب فاستهلكهما فعليه قيمتهما مصوغين من الدراهم وله أن يأخذهما بتلك القيمة والذى رجع اليه ابن القاسم انه كذلك اذا كسرهما لزمته قيمتهما وكانا له وفى الموازية من غصب حليا فكسره ثم أعاده لهيئته أن عليه قيمته وهذا هو الصواب لان هذه الصياغة غير تلك فكأنه أفات السوار فعليه قيمته يوم أفاته وعلى مذهب أشهب يأخذهما ومن المدونة قال ابن القاسم من غصب جلد ميتة غير مدبوغ فعليه ان اتلفه قيمته ما بلغت ثم قال ابن القاسم كل ربع اغتصبه غاصب فسكنه أو اغتله أو أرضا فزرعها فعليه كراء ما سكن أو زرع بنفسه وغرم ما أكراها به من غيره ما لم يجاب وان لم يسكنها ولا انتفع بها ولا اغتلها فلا شئ عليه قال ابن القاسم وما اغتصبه من دواب أو رقيق فاستعملها شهرا وطال مكثها بيده أو اكراها وقبض كراءها فلا شئ عليه وله ما قبضه من كرائها وانما لربها عين شيئه وليس له أن يلزمه قيمتها اذا كانت على حالها لم تتغير فى يده ولا ينظر الى تغير سوق قال ابن بشير ان كان المغصوب عبدا وأمره بالصيد فلا خلاف أن الصيد لرب العبد وان كان آلة كالسيف والرمح فلا خلاف أن الصيد للغاصب وعليه أجرة ما انتفع به وان كان فرسا فقد الحقوه بالآلات وان كان جارحا كالباز والكلب فهل يلحق بالعبد؟ قولان وعن ابن يونس قال ابن القاسم فيما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر أو تناسل من الحيوان
стр. 2021
أو جز من الصوف أو حلب من اللبن فانه يرد ذلك كله مع ما اغتصبه لمستحقه وما أكل يرد المثل فى ماله مثل والقيمة فى مالا يقضى بمثله وليس له اتباع المستحق بما أنفق فى ذلك أو سقى أو عالج أو رعى ولكن له المقاصة بذلك فيما بيده من غلة لان عن عمله تكونت وان عجزت الغلة عنه لم يرجع على المستحق بشئ وهو قول اشهب وقال ابن القاسم لا شئ له أيضا فيما سقى أو عالج أو انفق وان كان ذلك سببا للغلة وقاله مالك وبه أخذ ابن المواز اذ ليس بعين قائمة ولا يقدر على أخذه ولا هو مما له قيمة بعد القلع فيرد وهو كما لو غصب مركبا خربا فأنفق فى قلفطته ومرمته وأطرافه وجوانحه ثم اغتل فيه غلة كثيرة فلربه أخذه مقلفطا مصلوحا بجميع غلته ولا غرم عليه فيما أنفق عليه الا مثل الصارى والارجل والحبال وما يؤخذ له ثمن اذا أخذ فللغاصب أخذه وان كان بموضع لا غنى عنه اذ لا يجد صاريا ولا أرجلا ولا أحبلا الا هذه أو لا يجد ذلك بموضع لا ينال حملها اليه الا بالمشقة والمؤنة العظيمة وهو ما لا بد منه مما يجرى به المركب حتى يرده الى موضعه فربه مخير بين أن يعطيه قيمة ذلك بموضعه كيفما كان أو يسلم ذلك اليه وقال فى المدونة كل ما لا منفعة فيه للغاصب بعد القلع كالجص والنقش فلا شئ له فيه وكذلك ما حفر من بئر وقال ابن رشد ان ما أحدثه الغاصب فى الشئ المغصوب على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ان كان خرج مما له عين قائمة كالصبغ والنقض فى البنيان فان كان ذلك الشئ يمكن اعادته على حاله كالبقعة بينهما وما أشبه ذلك فالمغصوب منه مخير بين أن يأمر الغاصب باعادة البقعة على حالها وازالة ما فيها من نقض ان كان فيها نقض وبين أن يعطى الغاصب قيمة ماله فيها من النقض مقلوعا مطروحا بالارض بعد أجر القلع قاله ابن شعبان وابن المواز وهذا اذا كان الغاصب ممن لا يتولى ذلك بنفسه ولا بعبيده وانما يستأجر عليه وقيل انه لا يحط من ذلك أجر القلع على مذهب ابن القاسم فى المدونة والى هذا ذهب ابن فرحون واعتل فى ذلك أن الغاصب لو هدمه لم يكن للمغصوب منه أن يأخذه بالقيمة بعد الهدم وان لم يكن فى البنيان الذى بنى الغاصب ماله قيمة اذا قلعة لم يكن للغاصب على المغصوب منه شئ ويؤيده قول النبى ﷺ ليس لعرق ظالم (١) حق ومن غصب منفعة فتلفت الذات قال ابن المواز قال ابن القاسم من سكن دارا غاصبا للسكنى فانهدمت من غير فعله فلا يضمن الا قيمة السكنى الا أن تنهدم من فعله وأما أن غصب رقبة الدار ضمن ما انهدم وكراء ما سكن قال ابن شاس لو قدم الغاصب الطعام الى مالكه فأكله مع الجهل بحاله فان الغاصب يبرأ من
стр. 2022
الضمان بل لو أكرهه على أكله فأكله برئ الغاصب وفى المدونة ما اغتصبه الغاصب فأدركه ربه بعينه لم يتغير فى بدنه فليس له غيره ولا نظر الى نقص قيمته باختلاف سوقه طال زمان ذلك سنين أو كان ساعة واحدة انما ينظر الى تغير بدنه (١) وقال ابن رشد يفيت المغصوب النقصان والعيوب وان لم تكن مفسدة سواء كانت بأمر سماوى أو بجناية الغاصب أو جناية غيره غير أنها ان كانت بأمر من السماء ولم يكن للمغصوب منه الا أن يضمنه قيمته يوم الغصب أو يأخذه ناقصا عند ابن القاسم وان كانت بجناية الغاصب فالمغصوب منه مخير بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يسقط عنه حكم الغصب فيأخذه وما نقصته جنايته يوم الجناية عند ابن القاسم أيضا وان كانت بجناية غير الغاصب فالمغصوب منه مخير بين أن يضمن الغاصب يوم الغصب ويتبع الغاصب الجانى وبين أن يسقط عن الغاصب طلبه ويتبع الجانى بحكم الجناية وقال أشهب من غصب شاة فصارت الى تغيير يسير كانكسار النهدين ونحوه له تضمينه قيمتها ان شاء فقد تحصل من هذا أنه مخير فى العيب السماوى بين أخذه بنقصه وبين أخذه قيمتها بخلاف العيب من الغاصب فانه مخير بين أخذه مع ما نقصه وبين أخذ قيمته وكذا ان كان العيب بجناية من غير الغاصب لكن ان أخذه اتبع الجانى بما نقصه.
مذهب الشافعية:
ثبوت حق المغصوب منه
فى استرداد المغصوب:
على الغاصب الرد فورا عند التمكن وإن عظمت المؤنة فى رده ولو لم يكن متمولا كحبة بر أو كلب يقتنى وسواء أكان مثليا أم متقوما ببلد الغاصب أم منتقلا عنه ولو بنفسه أو فعل أجنبى لخبر (على اليد ما اخذت حتى تؤديه) ولو وضع العين لا بد لها بين يدى المالك مع علمه وتمكنه من أخذها أو فى داره وعلم ولو باخبار ثقة كفى ويبرأ بالرد لمن غصب منه ولو نحو مودع ومستأجر ومرتهن لا ملتقط فان تلف عنده المغصوب أو بعضه - وهو متمول - باتلاف أو تلف ضمنه اجماعا نعم لو غصب حربى مال محترم ثم عصم فان كان باقيا رده أو تالفا لم يضمنه كقن غير مكاتب غصب مال سيده وأتلفه ولو أتلف مالا محترما فى يد مالكه ضمنه بالاجماع (٢) ولو حمل الغاصب المغصوب منه على المغصوب بأن قدم له طعاما مغصوبا ضيافة فأكله فكذا القرار عليه فى الاظهر لانه المتلف واليه عادت المنفعة والثانى من قولى الشافعى أن القرار على الغاصب لانه غر الآكل وعلى الاول لو قدمه لاخر وقال له هو ملكى فالقرار على الآكل أيضا فلا يرجع بما غرمه على الغاصب لكن بهذه
стр. 2023
المقالة ان غرم الغاصب لم يرجع على الآكل لاعترافه بأن المالك ظلمه والمظلوم لا يرجع على غير ظالمه فلو غرم الغاصب رجع على قيمة الاكل بخلاف ما لو قدمه لبهيمة فأكلته وغرم الغاصب فانه لا يرجع على المالك ان لم يأذن والا رجع عليه وعلى هذا أى الاظهر فى أكل الضيف لو قدمه الغاصب لمالكه أو لم يقدمه له فأكله جاهلا بانه له برئ الغاصب لمباشرته اتلاف ماله مختارا أما اذا أكله عالما فيبرأ قطعا هذا كله ان قدمه له على هيئته (١) ويضمن المثلى بمثله سواء تلف أو اتلف فان تعذر المثل حسا كأن لم يوجد بمحل الغصب ولا حواليه كأن لم يوجد له مثل فيما ذكر الا بأكثر من ثمن المثل فالقيمة هى الواجب اذ هو الان كما لا مثل له والاصح فيما لو كان المثل موجودا عند التلف فلم يسلمه حتى فقده كما صرح به أصله ان المعتبر أقصى قيمة أى المثل من وقت الغصب الى تعذر المثل ولو نقل المغصوب المثلى أو أنتقل بنفسه أو بفعل أجنبى الى بلد أو محل آخر فللمالك أن يكلفه رده ان علم مكانه للخبر المار (على اليد ما اخذت) وان يطالبه بقيمته ولو مع قرب محل المغصوب فى الحال أى قبل الرد لوجود الحيلولة بينه وبين ملكه فاذا رده أى المغصوب أو خرج عن ملكه بعتق منه أو موت فى الايلاد ردها ان كانت باقية والا رد بدلها لزوال الحيلولة وليس له مع وجودها رد بدلها قهرا ولو توافقا على ترك التراد فى مقابلتها لم يكف بل لا بد من بيع بشرطه وقضية كلام المصنف أنه ليس للغاصب حبسه لاستردادها وهو مارجحه الرافعى كما لا يجوز للمشترى فاسدا حبس المبيع لاسترداد ثمنه وان تلف المغصوب المثلى فى البلد أو المحل المنقول أو المنتقل اليه أو عاد وتلف فى بلد الغصب طالبه بالمثل فى أى البلدين أو المحلين شاء لتوجه رد العين عليه فيهما فان فقد المثل غرمه أكثر البلدين قيمة لذلك ولو ظفر بالغاصب فى غير بلد التلف والمغصوب مثلى والمثل موجود فالصحيح أنه ان كان لا مؤنة لنقله كالنقد اليسير وكان الطريق آمنا فله مطالبته بالمثل لعدم الضرر على واحد منهما حينئذ والا بان كان لنقله مؤنة فلا مطالبة له بالمثل وليس للغاصب تكليفه قبوله لما فيه من المؤنة والضرر بل يغرمه قيمة بلد التلف وان لم تكن بلد الغصب فاذا غرمها ثم اجتمعا فى بلد الغصب لم يكن للمالك ردها وطلب المثل ولا للغاصب استردادها وبذل المثل وأما المتقوم كحيوان وأبعاضه قنا أو غيره فيضمنه بأقصى قيمة من الغصب إلى التلف (٢) واذا غصبت الخمر من مسلم فان كانت محترمة وهى التى عصرت لا بقصد الخمرية وجب ردها ما دامت العين باقية اذ
стр. 2024
له إمساكها لتصير خلا أما غير المحترمة وهى ما عصر بقصد الخمرية فتراق ولا ترد عليه (١) ولو رد الغاصب المغصوب ناقص القيمة بسبب الرخص لم يلزمه شئ لبقائه بحاله والفائت رغبات الناس ولو غصب ثوبا مثلا قيمته عشرة مثلا فصارت بالرخص درهما ثم لبسه مثلا فابلاه فصارت نصف درهم فرده لزمه خمسة وهى قسط التالف من أقصى القيم لان الناقص باللبس نصف الثوب فيلزمه قيمته أكثر ما كانت من الغصب الى التلف وهو خمسة والنقصان وهو أربعة ونصف سببه الرخص وهو غير مضمون ويجب مع الخمسة أجرة اللبس ولو اختلف المالك والغاصب فى حدوث الغلاء قبل التلف باللبس فقال المالك حدث قبله وقال الغاصب بل بعده صدق الغاصب بيمينه (٢) لانه الغارم، وان تلف المغصوب الجانى فى يد الغاصب غرمه المالك أقصى القيم من الغصب الى التلف كسائر الاعيان المغصوبة وللمجنى عليه تغريم الغاصب لان جناية المغصوب مضمونة عليه وللمجنى عليه أن يتعلق بما أخذه المالك من الغاصب بقدر حقه اذ حقه كان متعلقا بالرقبة فيتعلق ببدلها ومن ثم لو أخذ المجنى عليه الارش لم يتعلق المالك به ثم اذا أخذ المجنى عليه من تلك القيمة حقه يرجع المالك على الغاصب بما أخذه منه المجنى عليه لانه أخذه منه بجناية مضمونة على الغاصب وعليه فليس له أن يرجع عليه قبل أخذ المجنى عليه منه لاحتمال أن يبرئ الغاصب ولو رد العبد أى ألقن الجانى الى المالك فبيع فى الجناية رجع المالك بما أخذه المجنى عليه على الغاصب ولو غصب أرضا فنقل ترابها بكشط عن وجهها أو حفرها أجبره المالك على رده ان كان باقيا ولو غرم عليه اضعاف قيمته وان فرض أن لا قيمة له أو رد مثله أن تلف (٣) واعادة الارض كما كانت ولو غصب خمرا فتخللت عنده أو جلد ميته يطهر بالدباغ فدبغه فالاصح أن الخل والجلد للمغصوب منه لانهما فرعا ملكه فان تلف فى يده ضمنها والثانى من وجهين للاصحاب هما للغاصب لحصول المالية عنده فان أعرض المالك عنهما وهو ممن يعتد باعراضه فيملكه آخذه وقضية تعليل الاول اخراج الخمرة غير المحترمة وبه جزم الامام وسوى المتولى بينهما قال الشيخ وهو الا وجه ما لم يعرض المالك عنها فان أعرض لم يجب ردها عليه وليس للمالك استردادها وأعراض المالك كاعراضه عن الخمر (٤).
حكم استرداد زيادة المغصوب:
زيادة المغصوب ان كانت أثرا محضا كقصاره لثوب وخياطة بخيط من الثوب وطحن لبر وضرب سبيكة دراهم فلا شئ للغاصب بسببها لتعديه بعمله فى ملك غيره وللمالك أن يكلفه رده أى المغصوب
стр. 2025
كما كان أن أمكن ولو مع غسر كرد الحلى سبائك واللبن طينا الحاقا لرد الصفة برد العين وأرش النقص لقيمته قبل الزيادة سواء حصل النقص بها من وجه آخر أم بازالتها وعليه مع ذلك أجرة مثله لدخوله فى ضمانه وان كانت الزيادة التى فعلها الغاصب عينا كبناء وغراس كلف القلع وأرش النقص لخبر ليس لعرق ظالم حق وأعادتها كما كانت وأجرة المثل ان مضت مدة لمثلها (١) أجرة ولو خلط الغاصب المغصوب أو اختلط عنده بغيره كبر أبيض بأسمر أو بشعير وكغزل سدى نسجه بلحمته لنفسه وشمل كلامهم خلطه أو اختلاطه باختصاص كتراب بزبل وأمكن التمييز لكله أو بعضه لزمه وان شق عليه ليرده كما أخذه فان تعذر التمييز كخلط زيت بمثله أو شيرج وبر أبيض بمثله ودراهم بمثلها كما اقتضاه اطلاقهم.
وان قال ابن الصباغ وغيره باشتراكهما وما فرق به من أن كل درهم متميز فى نفسه بخلاف الزيت ونحوه منتقض بالحبوب فالمذهب أنه كالتالف فله تغريمه بدله سواء أخلطه بمثله أم بأجود أم بأردأ لانه لما تعذر رده أبدا أشبه التالف فيملكه الغاصب ان كان مما يقبل التملك (٢) ولو وطئ المغصوب الغاصب عالما بالتحريم ولم يكن أصلا لمالكها حد وأن جهلت لانه زان وان جهل تحريم الزنا مطلقا أو نشأ بعيدا عن العلماء فلا حد للشبهة وفى الحالين أى حالى علمه وجهله يجب المهر لانه استوفى المنفعة وهى غير زانية الا أن تطاوعه عالمة بالتحريم فلا يجب مهر على الصحيح لانها زانية وقد نهى عن مهر البغى وعليها الحد أن علمت بالتحريم كزناها ووط ء المشترى من الغاصب كوطئها الغاصب فى الحد والمهر وأرش البكارة ايضا ان كانت بكرا فان غرم المالك المشترى المهر لم يرجع به المشترى على الغاصب فى الاظهر لانه الذى انتفع وباشر الاتلاف وكذا ارش البكارة لانه بدل جزء منها اتلفه والثانى يرجع أن جهل الغصب لانه لم يدخل فى العقد على ضمانه فيرجع به على البائع لانه غره بالبيع وأن احبل الغاصب أو المشترى منه المغصوبة عالما بالتحريم فالولد رقيق غير نسيب، فلو انفصل حيا فمضمون على الغاصب أو ميتا بجناية فبدله للسيد وعليه اذا انفصل حيا حياة مستقرة قيمته يوم الانفصال والمتهب من الغاصب لا يرجع بالقيمة وهو أصح الوجهين ويرجع بالقيمة المشترى على الغاصب لانه غره بالبيع وغرمها ليس من قضية الشراء بل قضيته أن يسلم له الولد حرا من غير غرامة ولو تلف المغصوب عند المشترى من الغاصب وغرمه لمالكه لم يرجع بما غرمه على الغاصب عالما أو جاهلا وانما يرجع عليه بالثمن وكذا لا يرجع بالارش الذى غرمه لو تعيب عنده بآفة فى الاظهر ولا يرجع عليه بغرم منفعة استوفاها كلبس وركوب
стр. 2026
وسكنى فى الاظهر ويرجع عليه بغرم ما تلف عنده من المنافع ونحوها كثمر وتفاح وكسب من غير استيفاء اذا غرمه المالك مقابلها وبأرش نقض بنائه وغراسه اذا نقض من جهة مالك الارض فى الاصح وكل شئ لو غرمه المشترى رجع به على الغاصب كأجرة المنافع الفائتة تحت يده وقيمة الولد لو غرمه الغاصب ابتداء لم يرجع به على المشترى لان القرار على الغاصب فقط وكل شئ لو غرمه المشترى لم يرجع به على الغاصب كقيمة العين والاجزاء ومنافع استوفاها فيرجع به الغاصب اذا غرمه ابتداء على المشترى لان القرار عليه فقط لتلفه تحت يده (١).
مذهب الحنابلة:
ثبوت حق المغصوب منه
فى استرداد المغصوب:
ويلزم الغاصب رد المغصوب ان قدر على رده وان غرم عليه أضعاف قيمته اذا كان باقيا لقول رسول الله ﷺ على اليد ما اخذت حتى ترده ولانه جنى فكان ضرر ذلك عليه فان قال الغاصب خذ منى أجر رده وتسلمه منى هاهنا أو بذل له، أكثر من قيمته ولا يسترده لم يلزم المالك قبول ذلك لانها معاوضة فلا يجبر عليها كالبيع وان قال المالك دعه لى فى مكانه الذى نقلته اليه لم يملك الغاصب رده لانه اسقط عنه حقا فسقط وان لم يقبله كما لو ابرأه من دينه وان قال رده لى الى بعض الطريق لزمه لانه يلزمه جميع المسافة فلزمه بعضها المطلوب وسقط عنه ما اسقطه كما لو اسقط عنه بعض دينه وان طلب منه حمله الى مكان آخر فى غير طريق الرد لم يلزم الغاصب ذلك سواء كان أقرب الى المكان الذى يلزمه رده اليه أولا لانه معاوضة وان قال دعه فى مكانه وأعظنى اجر رده لم يلزمه ذلك ومهما اتفقا عليه من ذلك جاز لان الحق لهما لا يخرج عنهما وان خلطه بما يتميز منه لزمه تخليصه ورده وان بنى عليه لزمه رده الا أن يكون قد بلى واذا غصب الغاصب (٢) دارا فباعها فبناها المشترى أو نقضها ثم بناها فالحكم لا يختلف لكن للمالك مطالبة من شاء منهما والرجوع عليه فان رجع على الغاصب رجع الغاصب على المشترى بقيمة ما تلف من الاعيان لان المشترى دخل على أنه مضمون عليه بالعوض فاستقر ضمانه عليه وان رجع المالك على المشترى رجع المشترى على الغاصب بنقص التالف ولم يرجع بقيمة ما تلف وهل يرجع كل واحد منهما على صاحبه بالاجر على روايتين وليس له مطالبة المشترى بشئ من الاجر الا بأجر مدة مقامها فى يديه لان يده انما ثبتت عليها حينئذ (٣) وان غصب عصيرا فصار خمرا فعليه
стр. 2027
مثل العصير لانه تلف فى يديه فان صار خلا وجب رده وما نقص من قيمة العصير ويسترجع ما أداه من بدله لان الخل عين العصير تغيرت صفته وقد رده فكان له استرجاع ما أداه بدلا عنه كما لو غصبه فغصبه منه غاصب ثم رده عليه (١) وان ضمن المالك المودع أو المتهب رجعا بهما على الغاصب وان ضمن المالك الغاصب رجع الغاصب على الاخر بما لم يرجع به القابض عليه لو ضمنه ويسترد المشترى والمستأجر من الغاصب ما دفعا اليه من المسمى فى البيع والاجارة بكل حال وان ولدت المغصوبة من مشتر أو متهب فالولد حر ويفديه بقيمته يوم وضعه ويرجع بالغداء على الغاصب وان تلفت عند مشتر فعليه قيمتها ولا يرجع بها ولا بأرش بكارة على غاصب بل يرجع المشترى الجاهل بالحال على الغاصب بثمن ومهر وأجرة نفع وثمرة وكسب قن وقيمة ولد (٢).
وان كان المغصوب دابه ضمن ما نقص من قيمتها ولو بتلف احدى عينيها.
وان نقصت قيمة العين المغصوبة بتغير السعر لم يضمن سواء ردت العين أو تلفت.
وان نقصت لمرض ثم عادت القيمة ببرئه أو ابيضت عينه ثم زال بياضها ونحوه رده الغاصب ولم يلزمه شئ لان القيمة لم تنقص فلم يلزمه شئ.
وان استرده المالك معيبا مع الارش ثم زال العيب فى يد مالك المغصوب لم يجب على مالكه رد الارش لاستقرار الارش بأخذ العين ناقصة عن حال غصبها نقصا أثر فى قيمته (٣) وان كان الغاصب زرع الارض المغصوبة فاسترجعها ربها والزرع قائم كان الزرع لصاحب الارض وعليه النفقة وان استحقت بعد أخذ الغاصب الزرع فعليه أجرة الارض (٤)، وان غصب ارضا فغرسها فاثمرت فاسترجعها ربها بعد أخذ الغاصب ثمرتها فهى له وان استرجعها والثمرة فيها فكذلك لانها ثمرة شجرة فكانت له كما لو كانت فى أرضه ولانها نماء أصل محكوم به للغاصب فكان له كاغصانها وورقها ولبن الشاه وولدها وقال القاضى هى لمالك الارض ان استرجعها فى الغراس لان احمد قال فى رواية على بن سعيد اذا غصب ارضا فغرسها فالنماء لمالك الارض قال القاضى وعليه من النفقة ما انفقه الغارس من مؤن الثمرة لان الثمرة فى معنى الزرع فكان لصاحب الارض (٥) اذا استرجعه قائما فيها كالزرع وان غصب لوحا فرقع به سفينة
стр. 2028
لم يقلع حتى ترسى اذا كانت السفينة يخلف غرقها بقلع اللوح لم يقلع حتى تخرج الى الساحل. وان كان فى اعلاها لا تغرق بقلع لزمه قلعه ولصاحب اللوح طلب قيمته فاذا أمكن رد اللوح استرجعه ورد القيمة كما لو غصب عبدا فأبق وقال أبو الخطاب ان كان فيها حيوان له حرمة أو مال لغير الغاصب لم يقلع كالخيط وان كان فيها مال للغاصب أو لا مال فيها فكذلك فى أحد الوجهين والوجه الثانى يقلع فى الحال لانه أمكن رد المغصوب فلزمه وان أفضى الى تلف مال الغاصب كرد الساجة المبنى عليها (١).
مذهب الظاهرية:
حق المغصوب منه فى استرداد المغصوب:
من أخذ شيئا من مال غيره فسواء كان عمدا أو غير عمد فصاحبه أحق به بعينه ان كان قائما أو ضمان مثله ان كان قد تلف عينه أو لم يقدر عليه فلا يحل لأحد مال مسلم ولا مال ذمى إلا بما أباح الله على لسان رسوله ﷺ فى القرآن أو السنة (٢) ويضمن الغاصب كل ما مات من الولد والنتاج وما تلف من الغلة ويضمن الزيادة فى الجسم والقيمة لان كل ذلك مال المغصوب منه لان الغاصب معتد بامساكه مال غيره وللمغصوب منه أن يعتدى عليه بمثل ما اعتدى لقول الله تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ (٣). وحق المجنى عليه فى عين ماله فما دامت العين موجودة فلا حق له فى غير ذلك فان عدم قضى له بالمثل فان عدم المثل فكل ما قاومه وساواه فهو أيضا مثل له (٤).
مذهب الزيدية:
للمالك الرجوع بالعين المغصوبة والاجرة ان كان لها أجرة على كل ممن قبض تلك العين فيجب رد العين (٥) المغصوبة ولو نقد ما لم تستهلك ولا يجزى الغاصب دفع القيمة عوضا عنه ولا العوض الا مع الرضى وتكون معاطاة ما لم يعقدا فان استهلكت حسا وجب العوض ويجب على الغاصب أن يستفدى المغصوب متى خرج عن يده بوجه من الوجوه بشرطين أحدهما أن يكون المغصوب غير النقدين وهما الدراهم والدنانير فان كان نقدا لم يلزم استفداؤه بل يرد مثله ولو وقفا، وأما الفلوس فكسائر القيميات يجب على الغاصب استفداؤها وكذا المثلى.
الشرط الثانى، أن يمكنه استفداؤه بما لا يجحف بماله فان استفداه المالك رجع
стр. 2029
بما دفع على الغاصب لانه غرم لحقه بسببه وأما الاوراق من السجلات ونحوها اذا غصبها غاصب فيرجع بما يستفدى مثلها بمثله لا بما زاد على ذلك واذا صارت (١) العين المغصوبة الى يد رجل لم يعلم أنها غصب فغرم فيها غرامة وطلبها مالكها فقبضها بعد التثبيت بأنه يستحقها كان لهذا المغرور الذى صارت الى يده أن يغرم الغار له غراماته وهو الذى أعطاه اياها من دون أن يعلمه أنها غصب ولو كان الذى أعطاه اياها جاهلا بأن يكون مغرورا أيضا فانه يسقط الرجوع عليه بالغرامات بل يسلمها وحكى عن بعضهم أنه لا رجوع على الجاهل نعم فيغرم الغار للمشترى كلما غرم فيها أى فى تلك العين أو بنى عليها ويرجع هو على الذى غره بها ثم كذلك حتى ينتهى الرجوع الى الذى سلمها وهو عالم بغصبها وظاهر كلام الهادى ان كل مغرور يرجع وأنه لا فرق بين أن يصير الشئ المغصوب الى المغرور بعوض أولا لان احسانه بطل بالتغرير وقال البعض اذا صارت اليه بغير عوض لم يرجع لان الواهب محسن وما على المحسنين من سبيل الا أن المغرور لا يغرم الغار ما كان قد اعتاض منه نحو أن يشترى جارية مغصوبة وهو جاهل لغصبها فيطأها فيطلبها المالك ويطلب مهرها فانه يلزمه تسليمها ويسلم مهرها ولا يرجع بالمهر على البائع لانه قد استوفى بدله وهو الوط ء وكذلك لو كانت دارا فسكنها أو دابة فركبها أو ثوبا فلبسه فأن الحكم واحد فى ذلك وأما اذا لم يلبس ولم يسكن ولم يركب فان الاجرة تلزمه لمالكها ويرجع بها على من غره والقرار فى ضمان العين المغصوبة اذ تنوسخت على الآخر منهم قبضا وان كان كل واحد من القابضين مطالبا ومعنى كون قرار الضمان عليه انه اذا طالبه المالك غرم ولم يرجع على أحد بما غرم واذا طالب المالك غيره رجع عليه ذلك الغير بما دفع وانما يكون قرار الضمان عليه ان علم أن تلك العين مغصوبة فحينئذ يستقر عليه الضمان مطلقا أى سواء أتلفها أو تلفت عنده من غير جناية أو جنى عليها ولم يكن عالما بأنها غصب فانه يكون قرار الضمان عليه سواء كان عالما أم جاهلا غالبا احتراز من صورة فانه يجنى ولا يكون القرار عليه وذلك نحو الخياط اذا استؤجر على تقطيع ثوب مغصوب وهو لا يعلم فقطعه قميصا أو نحوه فنقص بهذا التقطيع فان الخياط يغرم أرش ذلك النقص ويرجع به على الذى أمره وان كان هو الجانى واذا أبرأ المالك آخر الغاصبين فانهم جميعا يبرؤن ببرائه الا اذا ابرأ غيره من الاولين فانه لا يبرأ الباقون ببرائة بل يبرأ هو وحده وللمالك مطالبة الباقين هذا الذى يقتضيه مذهب يحيى وقال المؤيد بالله فى أحد قوليه بل الصورتان سواء فى أنهم يبرؤن جميعا، واذا صالح غير من قرار الضمان عليه
стр. 2030
المالك وهو غير الغاصب الاخير فالصلح اما بمعنى الابراء أو بمعنى البيع فمعنى الابراء وهو أن تكون العين المغصوبة قد تلفت وصار الواجب للمالك القيمة فصالحه بعض غير من قر الضمان عليه ليدفع بعض القيمة عن جميعها فان المصالح يرجع عليهم بقدر ما دفع للمالك وللمؤيد بالله قولان أحدهما أنه ينزل بمنزلة المالك فله أن يطالب من قبله ومن بعده.
والثانى لا يطالب الامن قرار الضمان عليه وفى أحد قولى المؤيد بالله يبرؤن جميعا واذا كانت المصالحة التى وقعت من أحد الغاصبين بمعنى البيع نحو أن تكون العين باقية فيصالحه عنها بشئ يدفعه له أو تكون قد تلفت فيصالحه عن قيمتها بغير النقدين فانه هنا يملك تلك العين أن كانت باقية أو عوضها ان كانت تالفة فيرجع بالعين على آخر الغاصبين ان بقيت والا فالواجب له البدل فيرجع بمثلها ان كانت من المثليات وقيمتها ان كانت من القيميات وفيه قولان هل يرجع على من شاء أو على من قرار الضمان عليه وهكذا لو اتهب تلك العين أو ملكها بأى وجوه (١) التمليك ولو غير الغاصب العين المغصوبة مع أكثر منافعها الى غرض يتعلق بها فى الغالب فاذا كان التغيير الى غرض مقصود خير المالك بينها أى بين أخذ العين وبين القيمة فان شاء أخذها ولا أرش يستحقه وان شاء أخذ قيمتها سليمة يوم الغصب ما لم تكن العين وقفا فليس له أن يختار القيمة بل يختارها بعينها مع أرشها الا أن يكون ذلك التغيير فى شئ يمكنه تقويمه على انفراد، وان غير العين المغصوبة الى غير غرض كتمزيق الثوب ضمن الغاصب أرش النقصان اليسير وهو النصف فما دون ولا خيار للمالك بل يأخذ العين وأرشها وخير المالك فى النقصان الكثير وهو ما زاد على النصف بين أخذ قيمتها صحيحة وبين أخذ عينها مع الارش (٢) وان تصرف الغاصب فى الغصب سواء كان باجارة أو نحوها من العقود التى تلحقها الاجازة فموقوف على اجازة المالك اذ الغاصب فضولى فان أجاز لفظا أو أجرى منه ما هو بمعنى الاجازة كالمطالبة بالاجرة مع علمه بالتأجير صحت الاجازة واستحق المسمى وأما اذا لم يجز المالك بقى العقد موقوفا حتى يرد أو يفسخ واستحق المالك أجرة المثل يطالب بها من شاء من الغاصب أو المستأجر فان طالب الغاصب بأجرة المثل وقد أجره بأقل لزم الغاصب أن يوفى الى قدر أجرة المثل وان أجر بأكثر لزمه دفع أجرة المثل والزائد عليها لا يستحقها الغاصب لعدم ملكه للاصل وان طالب المالك المستأجر فان كانت الاجرة المسماه مثل أجرة المثل سلمها للمالك وان كانت أكثر لم يلزم ان يسلم الا أجرة المثل وان كان المسمى أقل من أجرة المثل لزم المستأجر توفية المسمى الى قدر أجرة المثل ولا
стр. 2031
يرجع على الغاصب بما وفى من ذلك ان كان قد علم أن العين غصب انتفع بها فان لم يعلم بالغصب ولا انتفع رجع على الغاصب لانه غرم لزمه (١) بسببه ويجوز للمالك ونحوه كالولى والوكيل قلع الزرع من أرضه ونحوه من غرس ولو كره الغاصب وله عليه أجرته أى أجرة ما عمل لذلك القلع ان كان لمثله أجرة ونوى الرجوع عليه ولكن لا يجوز له أن يفسد زرع الغاصب فى وقت لا يكون لبقائه أجرة فى ذلك الوقت ان تمكن من قلعه بدونه أى من غير افساد فان لم يمكن القلع أو كان لبقاء مثله مدة القلع أجرة جاز افساده ولو ليلا فان أفسد وهو متمكن من الازالة من دون افساد أولا يكون لبقائه أجرة ضمن ما بين قيمة الغرس مقلوعا صالحا للغرس فى محل آخر وقيمته فاسدا فان لم يكن له قيمة بعد القلع ضمن قيمته مقلوعا صالحا للغرس وللمالك الرجوع بالعين المغصوبة وأرش نقصانها والاجرة لمدة بقائها عند الغاصب ان كان لها أجرة وان لم يؤجر على كل حال فمن كان قد قبض تلك العين المغصوبة لا باذن الشارع فان كان باذن الشارع كالضالة واللقيطة فلا يضمن الاجرة ويبرأ بالرد الى الموضع المعتاد واذا صارت العين المغصوبة الى يد رجل جهل كونها غصبا فغرم فيها غرامة بأن علفها أو صبغها أو بنى عليها جدارا ثم قبضها مالكها بعد الحكم له بها كان لهذا المغرور الذى صارت الى يده أن يغرم الغار له غراماته فى الصبغ والعلف وأما الاحجار فهى باقية على ملكه فلا يرجع بذلك لانها لم تستهلك ويرجع أيضا على غار الغار حيث تعذر تغريم الغار لتمرده أو غيبته ولو كان الذى أعطاه اياها جاهلا انها غصب كان يكون مغرورا أيضا فانه لا يسقط الرجوع عليه بالغرامات بل يسلم للمشترى كل ما غرم فيها أى فى تلك العين أو بنى عليها ويرجع هو على الذى غره بها سواء كان بعوض أم لا لان احسانه بطل بالتغرير ثم كذلك حتى ينتهى الرجوع الى الذى غصبها عالما أم جاهلا الا أن يكون الاول مشفوعا منه وسلم بالحكم لم يرجع عليه اذ لم يغر الشفيع الا أن المغرور لا يغرم الغار ما كان قد اعتاض منه كما لو سكن الدار أو زرع الارض وركب على الدابة ثم سلم الاجرة فلا يرجع بها على البائع لاستيفائه عوضها وما لم يقتص به رجع على الغار أو ضمن له ضمان الدرك رجع به على البائع ولو مع العلم والغرار فى ضمان العين المغصوبة اذا تنوسخت على الآخر منهم قبضا وان كان كل واحد من القابضين مطالبا ومعنى كون قرار الضمان عليه أنه اذا طالبه المالك غرم ولم يرجع على أحد بما غرم واذا طالب المالك غيره رجع عليه ذلك الغير بما دفع (٢) وانما يجب مثل المثل اذ وجد مثله فى البريد وصح للغاصب تملكه يوم الغصب وان لم يصح للغاصب تملكه نحو
стр. 2032
أن يغصب المسلم خمرا أو خنزيرا على ذمى فان كان باقيا وجب رده بعينه ولو مباشرة لا تخلية لانهم مقرون عليه وان كان تالفا فقيمته تجب عليه يوم الغصب ويشترط فى ضمان المثل بمثله اذا استمر مثليا الى وقت الاستهلاك وكان مثليا عند الغاصب والمغصوب منه ولم يصر بعد الغصب أو مع أحدهما قيميا وان لا يكن كذلك بل غصبه وهو مثلى ثم صار قيميا قبل الاستهلاك أو كان فى يد الغاصب قيميا ومع المغصوب منه مثليا أو والعكس احتار المالك فى هاتين الصورتين ان شاء طلب المثل أو القيمة حيث هو قيمى عند الاخذ أو عند مصيره قيميا حيث هو عند الاخذ مثلى وصورة ذلك فى العنب لانه يوزن فى جهة ولا يوزن فى أخرى ونحو أن يغصبه عنبا ويتلفه زبيبا أو السنابل ويتلفها حبا أو الحب ويتلفه مبلولا أو مدفونا فحصل من هذا أنه لا يتعين رد المثل الا بشروط ثلاثة.
أحدهما أو يوجد فى البريد.
الثانى أن يصح للغاصب تملكه.
الثالث أن لا يصير فى موضع أحدهما قيميا أما اذا كان التالف قيميا بالواجب فى التالف القيمى قيمته يوم الغصب وان تلف مع زيادة غير مضمونة فلا يلزم الغاصب الا قيمة العين يوم الغصب لا لتلك الزيادة أما فى الزيادة المضمونة فيخير المالك بين تضمين الغاصب قيمته يوم تجدد الغصب فى الزيادة مكانه وبين أن يضمنه قيمة التالف يوم التلف ومكانه واذا اختار أحدهما برئ الغاصب من الثالنى ويتعين الاخير وهو التقويم يوم التلف ومكانه لغير الغاصب وهو حيث كان المستهلك جانيا غير غاصب نحو أن يتلفها قبل أن ينقلها فانه لا يلزمه الا قيمتها فى موضع اتلافها (١) ولو طلب المالك العين المغصوبة فى مجلس غير موضع الغصب وجب على الغاصب تسليمها فى المجلس الذى وقع فيه الطلب ان كانت العين موجودة فيه أى فى مجلس الطلب فان لم تكن فيه لم يجب والقول للغاصب فى مجلس الطلب واذا كانت العين المغصوبة فى جدار للغاصب لزمه هدمه وكذلك اذا كان فى زجاجة له ولم يمكن استخراجها الا بكسرها أو ابتلعتها بهيمة له أو بغيره يجوز ذبحها وجب شراؤها بما لا يحجف ان أمكن ووجب أيضا أن يهدم وان يكسر ويذبح للرد ما هى فيه حيث له ذلك يعنى حيث له أن يهدم ويكسر ويذبح فأما لو لم يجز الهدم نحو أن يركب لوحا مغصوبا على سفينة أو خشبة مغصوبة فى بيت وفى السفينة أو البيت نفوس محترمة ولم يمكنهم الخروج أو مال لغير الغاصب يخشى تلفه بنزع اللوح أو الخشبة ولو لم يجحف أو مال له بجحف به اذا تلف فانه لا يهدم حينئذ، وكذا فى الكسر والذبح فأما غير المأكول اذا ابتلع الجوهرة المغصوبة فانه لا يجوز له ذبحه وكذا اذا كان خيط جرحه بخيط مغصوب ونزعه يضره وهو محترم الدم فانه لا يجوز نزعه بل يلزم العوض فاذا تعذر الرد لزم القيمة.
стр. 2033
حكم استرداد الغاصب
ما أنفقه على المغصوب
جاء فى شرح الازهار أن من غصب عينا وغرم فيها غرامات نحو أن تكون دابة فعلفها لا يرجع بما غرم فيها (١)، واذا كان الغاصب قد زاد فى العين المغصوبة زيادة كان له فصل ما ينفصل بغير ضرر وان لا تنفصل تلك الزيادة الا بمضره تلحق العين خير المالك بين أن تقلع الحلية ويأخذ أرش الضرر أو يدفع قيمة الحلية للغاصب (٢).
مذهب الإمامية:
حكم استرداد المغصوب
اذا تعدد الغاصب
الايدى المتعاقبة على المغصوب أيدى ضمان فيتخير المالك فى تضمين من شاء منهم العين والمنفعة أو تضمين الجميع بدلا واحدا بالتقسيط وان لم يكن متساويا لان جواز الرجوع على كل واحد بالجميع يستلزم جواز الرجوع بالبعض وله تقسيط ما يرجع به على أزيد من واحد وترك الباقية ويرجع الجاهل منهم بالغصب اذا رجع عليه على من غره فسلطه على العين أو المنفعة ولم يعلمه بالحال وهكذا الآخر الى أن يستقر الضمان على الغاصب العالم وان لم تتلف العين فى يده أو يستقر الضمان على من تلفت العين فى يده فيرجع عليه لو رجع عليه دونه كذا يستقر ضمان المنفعة على من استوفاها عالما (٣).
حكم استرداد المغصوب:
يحق للمغصوب منه أن يطالب الغاصب برد المغصوب فان امتنع الغاصب من أدائه كان له أن يحبس غريمه والزامه بحقه (٤) لانه يجب رد المغصوب على مالكه وجوبا فوريا اجماعا ولقول النبى صلى الله علية وسلم على اليد ما أخذت حتى تؤدى ما دامت العين باقية يمكنها ردها سواء كانت علي هيئتها يوم غصبها أم زائدة أم ناقصة ولو أدى رده الى عسر وذهاب مال الغاصب كالخشبة فى بنائه واللوح فى سفينته لان البناء على المغصوب لا حرمة له وكذا مال الغاصب فى السفينة حيث يخشى تلفه أو غرق السفينة على الاقوى نعم لو خيف غرقه أو غرق حيوان محترم أو مال لغيره لم ينتزع الى أن يصل الساحل فان تعذر رد العين لتلف ونحوه ضمنه الغاصب بالمثل ان كان المغصوب مثليا وهو المتساوى الاجزاء والمنفعة المتقاربة الصفات كالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والادهان وإلا يكن مثليا فالقيمة العليا من حين الغصب الى حين التلف لان كل حالة زائدة من حالاته فى ذلك الوقت مضمونه كما يرشد اليه أنه لو تلف حينئذ ضمنها فكذا اذا تلف
стр. 2034
بعدها وقيل أنه يضمن الا على من حين الغصب إلى حين الرد أى رد الواجب وهو القيمة وهذا القول مبنى على أن القيمى يضمن بمثله كالمثلى وإنما ينتقل إلى القيمة عند دفعها لتعذر المثل فيجب أعلى القيم إلى حين دفع القيمة لأن الزائد فى كل آن سابق من حين الغصب مضمون تحت يده ولهذا لو دفع العين حالة الزيادة كانت للمالك فاذا تلفت فى يده ضمنها وعلى القول المشهور من ضمان القيمى بقيمته ابتداء ولا وجه لهذا القول وقيل إنما يضمن بالقيمة يوم التلف لا غير لأن الواجب زمن بقائها أنما هو رد العين والغاصب يخاطب بردها حينئذ زائدة كانت أم ناقصة من غير ضمان شئ من النقص إجماعا فإذا تلفت وجبت قيمة العين وقت التلف لانتقال الحق إليها حينئذ لتعذر البدل ونقل المحقق فى الشرائع عن الأكثر أن المعتبر القيمة يوم الغصب بناء على أنه أول وقت ضمان العين ويضعف بأن ضمانها حينئذ انما يراد به كونها لو تلفت لوجب بدلها لا وجوب قيمتها اذ الواجب مع وجود العين منحصر فى ردها.
حكم استرداد المغصوب اذا عيب:
اذا تعيب المغصوب ولم تذهب عينه ضمن أرشه اجماعا لانه عوض عن أجزاء ناقصة أو أوصاف وكلاهما مضمون سواء كان النقص من الغاصب أم من غيره ولو من قبل الله تعالى ولو كان العيب غير مستقر بل يزيد على التدريج فان لم يمكن قطعه أو التصرف فيه فعلى الغاصب ضمان ما يتجدد أيضا وان أمكن ففى زوال الضمان وجهان من استناده الى الغاصب وتفريط المالك واستقرب صاحب اللمعة عدم الضمان ويضمن أيضا أجرته ان كان له أجرة لطول المدة التى غصبه فيها سواء استعمله أولا لان منافعه أموال تحت اليد فتضمن بالفوات والتفويت ولو تعددت المنافع فان أمكن فعلها جملة أو فعل أكثر من واحدة وجب رد أجرة ما أمكن والا كالخياطة والكتابة فأعلاها أجرة ولو كانت الواحدة أعلى منفردة عن منافع متعددة يمكن جمعها ضمن الاعلى وغيره ولو جنى على العبد المغصوب جان غير الغاصب فعلى الجانى أرش الجناية وعلى الغاصب ما زاد عن أرشها من النقص ان اتفق زيادة فان كانت الزيادة مما له مقدر كقطع يده الموجب لنصف قيمته شرعا فنقص بسببه ثلثا قيمته فعلى الجانى النصف وعلى الغاصب السدس الزائد من النقص ولو لم يحصل زيادة فلا شئ على الغاصب بل يستقر الضمان على الجانى ولو مثل الغاصب بالعبد انعتق لقول الصادق ﵇ كل عبد مثل به فهو حر وغرم قيمته للمالك ولو غصب ما ينقصه التفريق مثل الخفين أو المصراعين أو الكتاب سفرين فتلف أحدهما قبل الرد ضمن قيمته أى قيمة التالف مجتمعا مع الآخر ونقص الآخر فلو كان قيمة الجميع عشرة وقيمة كل واحد مجتمعا خمسة ومنفردا ثلاثة ضمن سبعة لان النقصان الحاصل فى يده مستند الى تلف عين مضمونة عليه
стр. 2035
وما نقص من قيمة الباقى فى مقابلة الاجتماع فهو بفوات صفة الاجتماع فى يده أما لو لم تثبت يده على الباقى بل غصب أحدهما ثم تلف فى يده أو أتلفه ابتداء ففى ضمان قيمة التالف مجتمعا أو منفردا أو منضما الى نقص الباقى كالاول أوجه، أجودها الاخير لاستناد الزائد الى فقد صفة وهى كونه مجتمعا حصل الفقد منه ولو زادت قيمة المغصوب بفعل الغاصب فلا شئ عليه لعدم النقصان ولا له لان الزيادة حصلت فى مال غيره الا أن تكون الزيادة عينا من مال الغاصب كالصبغ فله قلعه لانه مال ان قبل الفصل ولو بنقص قيمة الثوب جمعا بين الحقين ونقص الثوب ينجبر بأن الغاصب يضمن أرش الثوب ولا يرد ان قلعه يستلزم التصرف فى مال الغير بغير اذن وهو ممتنع بخلاف تصرف مالك الثوب فى الصبغ لانه وقع عدوانا لان وقوعه عدوانا لا يقتضى اسقاط ماليته فان ذلك عدوان آخر بل غايته ان ينزع ولا يلتفت الى نقص قيمته أو اضمحلاله للعدوان بوضعه ولو غصب شاة فأطعمها المالك جاهلا بكونها شاته ضمنها الغاصب له لضعف المباشرة بالغرور فيرجع على السبب وتسليطه المالك على ماله وصيرورته بيده على هذا الوجه لا يوجب البراءة لان التسليم غير تام فان التسليم التام تسليمه على أنه ملكه يتصرف كتصرف الملاك وهنا ليس كذلك بل اعتقد أنه للغاصب وانه أباحه اتلافه بالضيافة وقد يتصرف بعض الناس فيها بما لا يتصرفون فى أموالهم كما لا يخفى وكذا الحكم فى غير الشاة من الاطعمة والاعيان المنتفع بها كاللباس ولو أطعمها غير صاحبها فى حالة كون الآكل جاهلا ضمن المالك قيمتها من شاء من الآكل والغاصب لترتب الايدى كما سلف والقرار أى قرار الضمان على الغاصب لغروره للآكل باباحته الطعام مجانا مع أن يده ظاهرة فى الملك وقد ظهر (١) خلافه ولو مزج الغاصب المغصوب بغيره أو امتزج فى يده بغير اختياره كلف قسمته بتمييزه ان أمكن التمييز وان شق كما لو خلط الحنطة بالشعير أو الحمراء بالصفراء لوجوب رد العين حيث يمكن ولو لم يمكن التمييز كما لو خلط الزيت بمثله أو الحنطة بمثلها وصفا ضمن المثل أن مزجه بالاردأ لتعزر رد العين كاملة لان المزج فى حكم الاستهلاك من حيث اختلاط كل جزء من مال المالك بجزء من مال الغاصب وهو أدون من الحق فلا يجب قبوله بل ينتقل الى المثل وهذا مبنى على الغالب من عدم رضاه بالشركة أو قول فى المسألة والاقوى تخييره بين المثل أو الشركة مع الارش لان حقه فى العين لم يسقط لبقائها كما لو مزجها بالاجود والنقص بالخلط يمكن جبره بالارش والا يمزجه بالاردأ بل بالمساوى أو الاجود كان شريكا بمقدار عين ماله لا قيمته لان الزيادة الحاصلة صفة حصلت بفعل الغاصب عدوانا فلا يسقط حق المالك مع بقاء عين ماله كما لو صاغ الذهب والفضة وعلف الدابة فسمنت وقيل يسقط حقه من العين للاستهلاك فيتخير الغاصب بين الدفع من العين لانه متطوع بالزيادة ودفع