١ - عند القطع بعدم طرو ما يغير الحكم، وهذا صحيح اجماعا كما نطقت به الآية الكريمة فى قوله سبحانه:
﴿(قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ)﴾ (١) الآية.
٢ - عند العلم بعدم طروء ما يغير الحكم بطريق الاجتهاد، وهذا لا يصلح حجة من المجتهد على غيره عند جمهور الاحناف.
٣ - قبل التأمل لمعرفة ما يغير الحكم، وهذا باطل بالاجماع، لانه جهل محض، ومن قبيله صلاة من اشتبهت عليه القبلة بلا سؤال ولا تحر.
٤ - لاثبات حكم مبتدأ وهو خطأ محض لا يتفق مع معنى الاستصحاب (٢).
بعض ما يتصل بالاستصحاب من
قواعد وما يتفرع عليه من أحكام
هناك بعض قواعد بناها عليه القائلون بالاستصحاب.
منها أن الاصل بقاء ما كان حتى يثبت ما يغيره ومثلوا له بالمفقود الذى تثبت
له أحكام الاحياء حتى يقوم الدليل على انتفائها. راجع كلمة (مفقود).
ومنها أن الاصل فى الاشياء الاباحة ما لم يرد ما يدل على المنع.
ومنها أن الاصل براءة الذمة حتى يثبت ما يدل على شغلها.
ومنها أن اليقين لا يزول بالشك وهذه القاعدة تتناول القواعد السابقة.
وهذه القواعد منفصلة عن الاستصحاب عند من لا يقولون به وغير مبنية عليه (راجع قاعدة).
وهناك فروع يفرعها القائلون بالاستصحاب عليه وبعض هذه الفروع لا يعترف به الحنفية والبعض الآخر يعترفون به ويستدلون عليه بغير الاستصحاب.
أما الفروع التى لا يعترفون بها فمنها الآتى:
١ - الصلح مع الانكار فانه لا صحة للصلح مع انكار المدعى عند الشافعى استصحابا لبراءة الذمة فان فائدة الصلح عنده الحصول على براءة الذمة وهى حاصلة بدون الصلح.
ويصح عند الحنفية لعدم الاعتراف بذلك الاستصحاب فللصلح فائدته.
٢ - البينة على الشفيع لاثبات ملك المشفوع به اذا أنكر المشترى ذلك.
стр. 2102
يقول الشافعى أنها لا تجب لانه مستمسك بالاصل فان وضع اليد دليل الملك الظاهر.
ويقول الحنفية بوجوبها لان التمسك بالاصل لا يصلح للالزام.
٣ - ميراث المفقود، فمن مات فى غيبته فعند الشافعى أنه يرث استصحابا لحياته.
ولا يرث عند الحنفية لان حياته بالاستصحاب لا توجب استحقاقه (١) (انظر مفقود).
وأما الذى يعترف به الحنفية فهو مثل بقاء الطهارة عن تيقن بالوضوء وشك فى الحدث وبقاء الحدث عن تيقن بالحدث وشك فى الطهارة وبقاء الزوجية عن تيقن بالنكاح وشك فى الطلاق وبقاء الملك لمن ملك شيئا بالعقد وغير ذلك.
فهذه الفروع متفق على القول بها.
الا أن الشافعية ومن على طريقتهم يقولون ان دليلها استصحاب الاصل.
والحنفية يقولون ان دليلها هو أن النص المقتضى للحكم أو ما يقوم مقام النص يقيد استمرار الحكم بوصفه ودلالته عن غير استصحاب جديد.
استصلاح
التعريف اللغوى للاستصلاح المعبر
عنه بالمصلحة فى عرف بعض
الاصوليين:
للمصلحة فى اللغة معان تدور حول الخير والمنفعة وما ينافى الفساد.
جاء فى المصباح (٢) «صلح الشئ صلاحا وصلوحا، وهو خلاف فسد، وأصلح أتى بالصلاح وهو الخير والصواب، وفى الامر مصلحة أى خير.
ويبدو لنا أن الاستصلاح فى اللغة طلب المصلحة لان السين والتاء للطلب.
فالمصلحة لغة من أثار الاستصلاح.
وقد فسرها الامام الطوفى لغة فقال:
ان لفظها مفعلة من الصلاح، وهو كون الشئ على هيئة كاملة بحسب ما يراد ذلك الشئ له، كالقلم يكون على هيئة المصلحة للكتابة.
ولما كان كل من المصلحة والاستصلاح فى عرف الاصوليين كالمترادفين حتى أن الامام الغزالى ذكر الموضوع بعنوان الاستصلاح.
стр. 2103
وفى أثناء البحث عبر عنه بالمصلحة اذ قال (١): «وقد أختلف العلماء فى جواز اتباع المصالح المرسلة.
على أنه وعد بكشف معنى المصلحة.
كما أن الجلال المحلى فى شرحه على جمع الجوامع تأثر بهذا الاتجاه اذ قال (٢): ان الوصف الذى لم يدل الدليل على اعتباره ولا الغائه يعبر عنه بالمصالح المرسلة وبالاستصلاح.
هذا وقد اكتفى الغزالى أولا فى تصوير المصلحة بايراد أقسامها اذ قال:
المصلحة بالاضافة الى شهادة الشرع ثلاثة أقسام:
ثم انه عرفها بعد ذلك (٣) بأنها المحافظة على مقصود الشرع وهو خمسة أشياء:
أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم وعقلهم، ونسلهم، ومالهم.
فكل ما يتضمن حفظ هذه الاصول الخمسة فهو مصلحة.
وكل ما يفوت هذه الاصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.
ثم سماها وصفا مخيلا ومناسبا فقال: اذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب فى كتاب القياس أردنا به هذا الجنس.
وقال: ان هذه الاصول الخمسة حفظها واقع فى مرتبة الضرورات فهى أقوى المراتب فى المصالح.
وبهذا يتبين أن الغزالى عرف المصلحة فى أقوى مراتبها.
وقد وضح هذه الاشياء الخمسة بايراد أمثلة لها فقال: ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعى الى بدعته فان هذا يفوت على الخلق دينهم، وأيضا قضاؤه لا يجاب القصاص اذ به حفظ النفوس، وقضاؤه بايجاب حد الشرب اذ به حفظ العقول التى هى ملاك التكليف، وايجاب حد الزنى اذ به حفظ النسل والانساب، وايجاب زجر الغصاب والسراق اذ به يحصل حفظ الاموال التى هى معاش الخلق وهم مضطرون اليها، وتحريم تفويت هذه الاصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التى أريد بها اصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع فى تحريم «الاعتداء» واحدة من الخمس المشار اليها.
стр. 2104
ثم بين أن ما يجرى مجرى التكملة والتتمة لهذه الخمسة فهو أقل منها، وذلك اذ يقول: أما ما يجرى مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة فكقولنا: المماثلة مرعتة فى استيفاء القصاص، لانه مشروع للزجر والتشفى، ولا يحصل ذلك الا بالمثل، وكقولنا القليل من الخمر انما حرم لانه يدعو الى الكثير منه فيقاس عليه النبيذ، فهذا دون الاول، ولذا اختلفت فيه الشرائع، أما تحريم السكر فلا تنفك عنه شريعة، لان السكر يسد باب التكليف والتعبد.
ثم تطرق الى بقية بيان رتب المصلحة على ما سنبينه فى موضعه.
ونقل الشوكانى (١) عن الخوارزمى:
أن المراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع بدفع الفاسد عن الخلق.
ونقل عن الغزالى أنها هى أن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب عقلا، ولا يوجد أصل متفق عليه.
ونقل عن ابن برهان أنها هى مالا يستند الى أصل كلى ولا جزئى.
وقد عرفها نجم الدين الطوفى فقال (٢) انها بحسب العرف هى السبب المؤدى الى الصلاح والنفع، كالتجارة المؤدية الى الربح.
وبحسب الشرع هى السبب المؤدى الى مقصود الشارع عبادة أو عادة.
علاقة المصلحة بالتشريع
فى مختلف مصادره:
نبين هذه العلاقة أولا بالنسبة للمصادر الاصلية ثم بالنسبة للمصادر التبعية.
أولا - بالنسبة للمصادر الاصلية:
يتجه جمهور الاصوليين الى أن هناك ارتباطا بين المصلحة وما نص عليه من الاحكام فى المصادر الاصلية.
يقول الشاطبى (٣): فى الرد على الرازى الذى يقول: ان أحكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك والمعتمد هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازى ولا غيره فان الله تعالى يقول فى بعثة الرسل: «رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ (٤) ويقول «وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (٥).
ثم قال الشاطبى: وأما التعاليل لتفاصيل الاحكام فى الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى.
стр. 2105
كقوله تعالى بعد آية الوضوء «ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ» (١).
وقال فى الصيام «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»﴾. (٢)
وفى الصلاة «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ»﴾. (٣)
وقال فى القبلة «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ»﴾. (٤)
وفى الجهاد «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا»﴾. (٥)
وفى القصاص «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ»﴾. (٦)
ثم قال: واذا دل الاستقراء على هذا كله وكان فى مثل هذه القضية مفيدا للعلم فنحن نقطع بأن الامر مستمر فى جميع تفاصيل الشريعة، ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد فلنجر على مقتضاه.
وقال ابن القيم (٧): يذكر الشارع العلل والاوصاف المؤثرة والمعانى المعتبرة فى الاحكام ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت واقتضائها لاحكامها وعدم تخلفها عنها الا لمانع يعارض اقتضاءها ويوجب تخلف أثرها كقوله تعالى «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ» (٨) وقوله «ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (٩) وقد ذكر ابن القيم من الامثلة.
قول الله تعالى «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ»﴾. (١٠)
وقوله «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً»﴾. (١١)
وقوله «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ»﴾. (١٢)
стр. 2106
وقوله فى اعتزال الحائض «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ»﴾. (١)
وقوله فى تحريم الخمر والميسر «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»﴾. (٢)
ثم قال ابن القيم (٣): وقد ذكر النبى ﷺ علل الاحكام والاوصاف المؤثرة فيها ليدل على ارتباطها بها وتعديلها بتعدى أوصافها وعللها.
كقوله فى نبيذ التمر «ثمرة طيبة وماء طهور».
وقوله «انما جعل الاستئذان من أجل البصر».
وقوله «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحى من أجل الدافة (٤) فكلوا وادخروا».
وقوله فى الهرة «انها ليست بنجس انها من الطوافين عليكم والطوافات».
وقوله فى تعليل النهى عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها: «انكم اذا فعلتم ذلك قطعتم ارحامكم».
وقوله وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر «أينقص الرطب اذا جف؟ قالوا نعم. فنهى عنه».
وقوله «لا يتناجى اثنان دون الثالث فان ذلك يحزنه».
وعرض الشاطبى عدة أحاديث فى ذلك ثم قال: وقد قرب النبى ﷺ الاحكام الى أمته بذكر نظائرها وأسبابها وضرب لها الامثال فقد قال له عمر رضى الله عنه: صنعت اليوم أمرا عظيما يا رسول الله. قبلت وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ : أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم. فقلت لا بأس بذلك فقال صلوات الله عليه: فصم.
فلولا أن المعانى والعلل مؤثرة فى الاحكام بنفى واثبات لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى.
وبعد ايراد أمثلة كثيرة من هذا النوع قال الشاطبى: والمقصود أن النبى صلى
стр. 2107
الله عليه وسلم يذكر فى الاحكام العلل والاوصاف المؤثرة فيها طردا وعكسا.
ثانيا - بالنسبة للمصادر التبعية:
المصادر التبعية فى جملتها مردها الى النظر والبحث وقد تناولها الاصوليون فى عدة مناسبات. كالآمدى حيث يقول:
المختار أنه لا بد أن تكون العلة فى الاصل بمعنى الباعث للمكلف على الامتثال أى مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، والا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه بل أمارة مجردة فالتعليل بها فى الاصل ممتنع. وأطال فى ذلك.
وذكر فى موضع آخر (١): أن الاصوليين اختلفوا فى اشتراط مناسبة الوصف المومى اليه: فأثبته قوم ونفاه آخرون.
ومم احتج به من يشترطون المناسبة اتفاق الفقهاء على امتناع خلو الاحكام الشرعية عن الحكم اما بطريق الوجوب على رأى المعتزلة، وأما بحكم الاتفاق على رأى أصحابنا، سواء ظهرت الحكمة أو لم تظهر، وما يسلم قطعا أنه لا مناسبة فيه ولا وهم المناسبة يعلم امتناع التعليل به.
فهذا وأمثاله يوضح نظرة الفقهاء الى ارتباط الاحكام الاجتهادية بالحكم والمصالح.
الفرق بين المصلحة
وكل من الحكمة والعلة:
أما المصلحة فقد أوردنا فيها عدة تعريفات متقاربة.
منها ما قاله الخوارزمى من أنها المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق.
وأما العلة فقد عرفها الاصوليون بعدة تعريفات نقلها الاسنوى فى شرحه على المنهاج (٢).
قال الغزالى: هى الوصف المؤثر فى الاحكام بجعل الشارع لا بذاته.
وقالت المعتزلة هى المؤثر لذاته فى الحكم وهو مبنى على مذهبهم فى التحسين والتقبيح.
وقال الآمدى وابن الحاجب هى الباعث على الحكم أى الوصف المشتمل على حكمة صالحة بأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم.
وقال الامام الرازى أنها المعرف للحكم واختاره البيضاوى.
ويمثل الاصوليون للعلة بأمثلة عديدة.
стр. 2108
منها الاسكار فى تحريم الخمر.
ومنها السفر فى القصر والفطر.
وذكر الشوكانى (١) أن لها أسماء تختلف باختلاف الاصطلاحات.
فيقال لها السبب والامارة والداعى والمستدعى والباعث والحامل والمناط والدليل والمقتضى والموجب والمؤثر.
وأما الحكمة فقد عرفها الشوكانى:
بأنها الحاجة الى جلب مصلحة أو دفع مفسدة، ونقل عن بعض الاصوليين أنها ان كانت ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها وهو اختيار الآمدى والصفى الهندى.
وفى دراسة الاصول ما يبين أن بين العلة والحكمة ارتباطا خصوصا على مذهب القائلين بأنها بمعنى الباعث.
ويتجلى الفرق بين هذه الامور الثلاثة فى جزئيات عديدة، منها أنهم يعللون مشروعية القصر فى الصلاة والفطر فى رمضان بالسفر الذى هو وصف ضابط مشتمل على الحكمة المقصودة للشارع من شرع الحكم وهى دفع المشقة، وهذا الدفع نفسه يعتبر مصلحة للعباد ففى هذا المثال يتجلى أن العلة هى ذلك الوصف (السفر) وأن الحكمة هى دفع المشقة، ويترتب على ذلك التيسير الذى هو مصلحة:؟
ومنها أنهم يعللون تحريم الشارع للخمر باسكارها، ويقولون: ان الحكمة هى دفع ما يترتب على الاسكار من الشرور التى تنتج عن زوال العقل بسبب الاسكار وبذا تتحقق المصلحة وهى الامن من تلك المفاسد.
غير أن الذى يتناوله الاصوليون فى بحث المصلحة هو المصلحة باعتبارها دليلا مستقلا غير مرتبط بغيره وهو ما يعبرون عنه بالمصالح المرسلة.
مراتب المصلحة
يبين الاصوليون أن مراتب المصلحة ثلاثة ولكل منها ما يكمله:
المرتبة الاولى: الضروريات وما يكملها.
وقد تقدم بيانها فى تصوير الغزالى لمفهوم المصلحة.
المرتبة الثانية: كما يعبر الغزالى: (٢)
ما يقع فى رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات كتسليط الولى على تزويج الصغيرة والصغير فذلك لا ضرورة اليه لكنه محتاج اليه فى اقتناء المصالح وتقييد الاكفاء خيفة من الفوات وطلبا للصلاح المنتظر فى المآل، وليس هذا كتسليط الولى على تربيته وارضاعه، وشراء الملبوس والمطعوم لاجله فان ذلك من الضرورات. أما النكاح فى حال الصغر
стр. 2109
فلا يرهق اليه توقان الشهوة ولا حاجة الى تناسل بل يحتاج اليه لصلاح المعيشة بارتباط العشائر والتظاهر بالاصهار وأمور من هذا الجنس لا ضرورة اليها أما ما يجرى مجرى التتمة لهذه الرتبة فهو كقولنا لا تزوج الصغيرة الا من كفء، وبمهر مثل فانه أيضا مناسب ولكنه دون أصل الحاجة الى النكاح ولهذا اختلف العلماء فيه.
المرتبة الثالثة: ما لا يرجع الى ضرورة ولا حاجة، ولكن يقع لرفع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا ورعاية أحسن المناهج فى العادات والمعاملات.
مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته من حيث أن العبد نازل القدر والرتبة بتسخير المالك اياه فلا يليق بمنصبه التصدى للشهادة.
أما سلب ولايته فهو من مرتبة الحاجات لان ذلك مناسب للمصلحة اذ ولاية الاطفال تستدعى استغراقا وفراغا، والعبد مستغرق بالخدمة فتفويض أمر الطفل اليه اضرار به.
أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى ولكن سلب منصب الشهادة لخسة قدرة ليس كسلب ذلك لسقوط الجمعة عنه.
ثم قال الغزالى (١): ان الواقع فى الرتبتين الاخيرتين «الحاجية والتحسينية» لا يجوز الحكم بمجرده ان لم يعتضد بشهادة أصل، الا أنه لا بعد فى أن يؤدى اليه اجتهاد مجتهد، وان لم يشهد الشرع بالرأى فهو كالاستحسان، فان اعتضد بأصل فذاك قياس.
أما الواقع فى رتبة الضرورات فلا بعد فى أن يؤدى اليه اجتهاد مجتهد وان لم يشهد له أصل معين، ومثل له بالكفار اذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الاسلام وقتلوا الاسارى أيضا، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما وهذا لا عهد به فى الشرع.
ثم قال: يجوز أن يقال ان هذا الاسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين أقرب الى مقصود الشرع.
فهاهنا التفات الى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودا للشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بقتل من لم يذنب لم يشهد له أصل معين.
فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف.
стр. 2110
كونها ضرورية وقطعية وكلية، وليس فى معناها ما لو تترس الكفار فى قلعة بمسلم اذ لا يحل رمى الترس اذ لا ضرورة، اذ يمكن العدول عن القلعة اذ لم نقطع بظفرنا بها اذ ليست قطعية بل ظنية،.
وليس فى معناها أيضا جماعة فى سفينة لو طرحوا واحدا لنجوا، لانها ليست كلية اذ يحصل بها هلاك عدو محصور، ولانه ليس يتعين واحد للاغراق الا أن يتعين بالقرعة ولا أصل لها - هنا.
وليس منها أيضا قطع اليد للاكلة - نحو الجذام - حفظا للروح لان المصلحة فيه ليست قطعية لاحتمال أن يكون القطع سببا ظاهرا فى الهلاك وأطال فى ذكر ومناقشة جزئيات من هذا الموضوع.
ومن هذه الدراسة يتبين أن الغزالى لا يعتبر المصلحة دليلا الا اذا كانت مرسلة وكانت ضرورية قطعية كلية.
أما كونها مرسلة فقد صدر كلامه بالنص عليها اذ يقول كما نقلنا عنه وقد اختلف العلماء فى اعتبار المصالح المرسلة.
وأما كونها ضرورية قطعية كلية فهو واضح من مسلكه فى شرح هذه المراتب.
يقول الاسنوى (١): ان رأى الغزالى أنه يؤخذ بالمصالح المرسلة ان كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية.
وفسر الاسنوى الضرورية بما تكون احدى الضروريات الخمس.
وفسر القطعية بأنها هى التى يجزم بحصول المصلحة فيها.
وفسر الكلية بأنها التى تكون موجبة لفائدة عامة للمسلمين.
وسنتعرض لتفصيل مذاهب الاصوليين عند بيان أقسام المصلحة.
أما الشاطبى فمسلكه فى بيان مراتب المصلحة (٢) هو: أن المقاصد التى ينظر فيها قسمان.
أحدهما يرجع الى قصد الشارع والاخر يرجع الى قصد المكلف.
ثم قال: ان تكاليف الشريعة ترجع الى حفظ مقاصدها فى الخلق وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
أحدها أن تكون ضرورية.
والثانى أن تكون حاجية.
والثالث أن تكون تحسينية.
стр. 2111
فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد فيها فى قيام مصالح الدين والدنيا بحيث اذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج، وفى الاخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين، والحفظ لها يكون بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.
والثانى: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها.
فأصول العبادات راجعة الى حفظ الدين من جانب الوجود كالايمان والصلاة.
والعادات راجعة الى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا كتناول المأكولات والمشروبات والملبوسات.
والمعاملات راجعة الى حفظ النسل والمال من جانب الوجود والى حفظ النفس والعقل أيضا لكن بواسطة العادات والجنايات ويجمعها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر - ترجع الى حفظ الجميع من جانب العدم.
وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقرة اليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدى فى الغالب الى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادى المتوقع فى المصالح العامة.
وهى جارية فى العبادات والمعاملات والجنايات.
ففى العبادات كالرخص المخففة بالنسبة الى لحوق المشقة بالمرض والسفر.
وفى العادات كاباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال.
وفى المعاملات كالقراض والمساقاة والسلم.
وفى الجنايات كالحكم باللوث والقسامة وضرب الدية على العاقلة وتضمين الصناع.
وأما التحسينات: فمعناها الاخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الاحوال المدنسات التى تأنفها العقول الراجحات.
ويجمع ذلك قسم مكارم الاخلاق.
وهى جارية فى العبادات كازالة النجاسة وستر العورة وأخذ الزينة.
وفى العبادات كآداب الاكل والشرب والاسراف والاقتار فى المتناولات.
وفى المعاملات كالمنع من بيع النجاسات وفضل الماء والكلأ.
стр. 2112
وفى الجنايات كمنع قتل النساء والصبيان والرهبان فى الجهاد.
فهذه الامور راجعة الى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية اذ ليس فقدانها بمخل بأمر ضرورى ولا حاجى، وانما جرت مجرى التحسين والتزيين.
ثم قال الشاطبى (١): لكل تكملة لها من حيث تكملة شرط وهو أن لا يعود اعتبارها على الاصل بالابطال اذ فى ابطال الاصل. ابطال التكملة، ولو قدرنا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوت المصلحة الاصلية لكان حصول الاصلية أولى لما بينها من التفاوت.
ومثل بعدة أمثلة، منها الجهاد مع ولاة الجور اذ قال العلماء بجوازه اذ لو ترك ذلك لكان ضررا على المسلمين، فالجهاد ضرورى والوالى فيه ضرورى والعدالة فيه مكملة للضرورة، والمكمل اذا عاد للأصل بالابطال لم يعتبر، ولذلك جاء الامر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبى ﷺ ، ومنها ما جاء بالامر بالصلاة خلف الولاة السوء فان ترك ذلك ترك سنة الجماعة، والجماعة من شعائر الدين المطلوبة، والعدالة مكملة لذلك المطلوب ولا يبطل الاصل بالتكملة «أى بسببها».
ثم قال الشاطبى (٢): المقاصد الضرورية فى الشريعة أصل للحاجية والتحسينية فلو فرض اختلال الضرورى باطلاق لا ختل كل من الحاجى والتحسينى باختلاله، ولا يلزم من اختلالهما اختلال الضرورى باطلاق.
نعم قد يلزم من اختلال التحسينى باطلاق اختلال الحاجى بوجه ما.
وقد يلزم من اختلال الحاجى باطلاق اختلال الضرورى بوجه ما.
فلذلك اذا حوفظ على الضرورى فينبغى المحافظة على الحاجى.
واذا حوفظ على الحاجى فينبغى أن يحافظ على التحسينى.
واذا ثبت أن التحسينى يخدم الحاجى وأن الحاجى يخدم الضرورى فان الضرورى هو المطلوب.
وأطال الشاطبى (٣) فى بيان أن الضرورى أصل لما سواه من الحاجى والتكميلى وأن اختلال الضرورى يلزم منه اختلال الباقين باطلاق وأنه لا يلزم من الاختلال الحاجى والتحسينى اختلال الضرورى، وأنه قد يلزم من اختلال التحسينى باطلاق أو الحاجى باطلاق اختلال الضرورى بوجه ما، وأنه ينبغى المحافظة على الحاجى وعلى التحسينى للضرورى.
стр. 2113
والامدى فى كتابه الاحكام فى أصول الاحكام (١): لم يخرج فى ذكر هذه المراتب وتصويرها بأمثلتها عما أوردناه عن كل من الغزالى والشاطبى.
وقد تناول العز بن عبد السّلام فى كتابه قواعد الاحكام مراتب المصلحة والمفسدة باصطلاح آخر اذ قال: ان مصالح الدارين ومفاسدهما فى رتب متفاوتة فمنها ما هو أعلاها ومنها ما هو أدناها ومنها ما يتوسط بينهما.
ثم قال: فكل مأمور به ففيه مصلحة الدارين أو احداهما، وكل منهى عنه ففيه مفسدة فيهما أو فى احداهما فما كان من الاكتساب محصلا لاحسن المصالح فهو أفضل الاعمال، وما كان محصلا لاقبح المفاسد فهو أرذل الاعمال فلا سعادة أصلح من العرفان والايمان وطاعة الله سبحانه، ولا شقاوة أقبح من الجهل بالله والكفر والفسوق، ويتفاوت ثواب الآخرة بتفاوت المصالح فى الاغلب وبتفاوت عقابها بتفاوت المفاسد فى الاغلب.
أنواع المصلحة
يقول الآمدى فى أقسام الوصف المناسب بالنظر الى اعتباره (٢) ان هذا الوصف اما أن يكون مقبولا فى نظر الشارع أولا.
وأطال فى الكلام عن المعتبر.
ثم أورد (٣) الوصف المناسب الذى لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار، ولا ظهر الغاؤه فى صورة ويعبر عنه بالمناسب المرسل.
ثم أورد المناسب الذى لم يشهد له أصل بالاعتبار وظهر مع ذلك الغاؤه واعراض الشارع عنه فى صورة.
وقال: ان هذا مما اتفق على ابطاله وامتناع التمسك به، ومثل له بقول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع فى نهار رمضان وهو صائم يجب عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث لم يأمره باعتاق رقبة مع اتساع ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر اعتاق رقبة فى قضاء شهواته، فكانت المصلحة فى ايجاب الصوم مبالغة فى زجره، فهذا وان كان مناسبا غير أنه لم يشهد له شاهد فى الشرع بالاعتبار مع ثبوت الغاية بنص الكتاب.
ثم تناول الآمدى (٤): بعد ذلك المناسب المرسل بعنوان المصالح المرسلة فذكر آراء العلماء فيه بقوله: وقد اتفق الفقهاء من الحنفية والشافعية وغيرهم على امتناع التمسك به وهو
стр. 2114
الحق، الا ما نقل عن مالك أنه يقول به مع انكار أصحابه لذلك عنه.
ولعل النقل - ان صح عنه فالاشبه أنه لم يقل بذلك فى كل مصلحة بل فيما كان من المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا لا فيما كان من المصالح غير ضرورى ولا كلى ولا وقوعه قطعى.
ثم أورد المثال الذى سبق لنا ايراده عن الغزالى، وهو تترس الكفار بجماعة من المسلمين.
ثم قال (١): ان المصالح - على ما بينا - منقسمة الى ما عهد من الشرع اعتباره، وما عهد من الشرع الغاؤه.
وقال: ان هذا القسم متردد بين ذينك القسمين، وليس الحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى.
وهذا النقل الذى أورده الآمدى يختلف عما أورده غيره فى المسألة كالاسنوى اذ يقول (٢): ان المناسب المرسل وهو المسمى بالمصالح المرسلة فيه ثلاثة مذاهب.
أحدها: أنه غير معتبر مطلقا قال ابن الحاجب: وهو المختار، وقال الآمدى: انه الحق الذى اتفق عليه الفقهاء.
والثانى: أنه حجة مطلقا وهو مشهور عن مالك، واختاره امام الحرمين، قال ابن الحاجب: وهو منقول عن الشافعى أيضا، وكذلك قال امام الحرمين، الا أنه اشترط فيه أن تكون تلك المصالح شبيهة بالمصالح المعتبرة.
والثالث: وهو رأى الغزالى واختاره البيضاوى: أنه ان كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية اعتبرت والافلا.
ثم فسر كلا من الضرورية والقطعية والكلية بما سبق ذكره ومثل لهذا النوع بمثال التترس السابق أيضا.
وقد أورد الكمال بن الهمام فى المسألة (٣): أن المناسب المرسل ينقسم الى.
ما علم الغاؤه كصوم الملك عن كفارته لمشقة الصوم، بخلاف الاعتاق فانه سهل عليه، والصيام مع القدرة على الاعتاق مخالف للنص فهذا القسم معلوم الالغاء.
стр. 2115
وما لم يعلم الغاؤه ولم يعلم اعتبار جنسه فى جنس الحكم أو عينه فى جنس الحكم أو جنسه فى عين الحكم وهو الغريب المرسل.
وهما مردودان اتفاقا.
وما علم اعتبار أحدهما وهو المرسل الملائم ويسمى بالمصالح المرسلة.
وعن الشافعى ومالك قبوله.
ثم أورد مذهب الغزالى وتمثيله وتصويره على ما تقدم.
ثم قال: ان المختار عند أكثر العلماء رده اذ لا دليل على الاعتبار وهو دليل شرعى فلا يصح بدون اعتبار فوجب رده.
ثم أورد الكمال بن الهمام المناقشة بما سنبينه عند الكلام على الادلة.
أما الشوكانى فقد صور الخلاف تصويرا يختلف عن هؤلاء جميعا فقال (١):
وقد اختلفوا فى القول بالمصالح المرسلة على مذاهب:
الاول: منع التمسك بها مطلقا واليه ذهب الجمهور.
الثانى: الجواز مطلقا وهو المحكى عن مالك.
قال الجوينى فى البرهان: وأفرط مالك فى القول بها حتى جره الى استحلال
القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها فى غالب الظن وان لم يجد لها مستندا.
وقد حكى القول بها عن الشافعى فى القول القديم.
وقد أنكر جماعة من المالكية ما نسب الى مالك من القول بها ومنهم القرطبى اذ قال: ذهب الشافعى ومعظم أصحاب أبى حنيفة الى عدم الاعتماد عليها وهو مذهب مالك، وقد اجترأ امام الحرمين وجازف فيما نسبه الى مالك من الافراط فى هذا الاصل، وهذا لا يوجد فى كتب مالك ولا فى شئ من كتب أصحابه، ونقل عن ابن دقيق العيد أنه قال:
الذى لا أشك فيه ان لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء فى هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره فى الجملة لكن لهذين ترجيح فى الاستعمال لها على غيرهما.
ثم نقل الشوكانى عن القرافى أنها عند التحقيق معتبرة فى جميع المذاهب لانهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار ولا نعنى بالمصالح المرسلة غير ذلك. ثم قال:
المذهب الثالث: ان كانت ملائمة لاصل كلى من أصول الشرع أو جزئى جاز بناء الاحكام عليها والا فلا حكاه ابن برهان فى الوجيز عن الشافعى وقال: انه الحق المختار قال امام الحرمين: ذهب الشافعى ومعظم أصحاب أبى حنيفة الى تعليق
стр. 2116
الاحكام بالمصالح المرسلة بشرط الملاءمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالاصول.
وقال: المذهب الرابع: ان كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة فان فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر.
وأطال الشوكانى فى بيان هذا المذهب على غرار ما نقلناه عن الامام الغزالى.
ثم نقل عن ابن المنير أن حاصل كلام الغزالى الى رد الاستدلال بها لتضييقه فى قبولها باشتراط ما لا يتصور وجوده.
قال الزركشى: ان هذا تحامل من ابن المنير فان الفقيه يفرض المسائل النادرة لاحتماله وقوعها بل المستحيلة لرياضة الافهام.
ونقل الشوكانى عن ابن دقيق العيد أنه قال: لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح لكن الاسترسال فيها وتحقيقها محتاج الى نظر سديد وربما يخرج عن الحد، وقد نقلوا عن عمر رضى الله عنه أنه قطع لسان الحطيئة بسبب الهجو، فان صح ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة، وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة، وهذا يجر الى النظر فيما يسمى المصلحة المرسلة. قال: وشاورنى بعض القضاة فى قطع أنملة شاهد لمنعه من الكتابة بسبب قطعها وكل هذا منكرات عظيمة المواقع فى الدين واسترسال قبيح فى أذى المسلمين.
وقد اتجه ابن السبكى فى هذا الموضوع (١) الى تقسيم الوصف المناسب ثلاثة أقسام بعدة اعتبارات كما يقول الشربينى فى تقديره وهو يقضى بأن ما اعتبرناه مراتب تقسيم للوصف باعتبار نفس المقصود وهذه التقسيمات هى:
التقسيم الاول: لهذا الوصف باعتبار افضائه الى المقصود.
التقسيم الثانى باعتبار نفس المقصود.
التقسيم الثالث بالنظر الى اعتبار الشارع للوصف أو عدم اعتباره.
وهو يقول فى التقسيم الاول (٢): انه قد يحصل المقصود من شرع الحكم يقينا أو ظنا كالبيع والقصاص، وقد يكون محتملا على السواء كحد الخمر أو يكون نفيه أرجح كنكاح الآيسة للتوالد الذى هو المقصود من النكاح فان انتفاءه فى نكاحها أرجح من حصوله.
ثم ذكر أحكام تلك الاقسام والاختلاف فيها وليست من صميم موضوعنا.
أما التقسيم الثانى باعتبار نفس المقصود فبينه بقوله: والمناسب من حيث
стр. 2117
شرع الحكم له أقسام: ضرورى فحاجى فتحسينى.
وعرف الضرورى بأنه ما تصل الحاجة فيه الى حد الضرورة ومثل لذلك بحفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض، وبين المحلى فى شرحه أن حفظ الدين شرع له قتل الكفار، وعقوبة الداعين الى البدع، وأن حفظ النفس شرع له القصاص، وان حفظ العقل شرع له حد السكر، وأن حفظ النسب شرع له حد الزنى وأن حفظ المال شرع له حد السرقة وحد قطع الطريق وان حفظ العرض شرع له حد القذف.
وقال: ان هذا زاده ابن السبكى والطوفى.
ثم قال ابن السبكى ويلحق بالضرورى مكمله كالحد فى قليل المسكر.
كما عرف المحلى الحاجى فى شرحه بأنه يحتاج اليه ولا يصل الى حد الضرورة.
ومثل له ابن السبكى بالبيع والاجارة اذ هما مشروعان للملك المحتاج اليه ولا يفوت بفواته لو لم يشرع شئ من الضروريات السابقة (١).
ثم قال: ان الحاجى قد يكون ضروريا فى بعض الصور كالاجارة لتربية الطفل.
وقال: ان مكمل الحاجى - أى الملحق
به - كخيار البيع الذى شرع للتروى تحقيقا للسلامة عن الغبن.
وعرف التحسينى بأنه ما استحسن عادة من غير احتياج اليه وقسمه قسمين.
الاول غير معارض للقواعد كسلب العبد أهلية الشهادة، ومعارض لها كالكتابة فانها غير محتاج اليها، اذ لو منعت لا تضر، لكنها مستحسنة فى العادة للتوصل بها الى العتق، وان كانت خارجة عن قاعدة امتناع بيع الشخص بعض ماله ببعض آخر.
أما التقسيم الثالث فهو ان الوصف ان اعتبر بنص أو اجماع سمى مؤثرا لظهور تأثيره بما اعتبر به، وان لم يعتبر بنص ولا اجماع، وانما اعتبر بترتيب الحكم على وفق الوصف سمى ملائما.
وكل من الوصف المؤثر والملائم يسمى فى اصطلاح الاصوليين بالمصلحة المعتبرة.
أما اذا كان الوصف المناسب غير معتبر لا بنص ولا باجماع، ولا بترتب الحكم على وفقه، فانه لا يخلو أمره اما أن يدل الدليل على الغائه، وهذا لا يعلل به، ومثل له بمواقعة الملك زوجته فى نهار رمضان، فان حاله يناسب التكفير ابتداء بالصوم ليرتدع به دون الاعتاق، اذ يسهل عليه بذل المال فى سبيل الشهوة، ويسمى هذا القسم
стр. 2118
بالغريب لبعده عن الاعتبار، وان لم يدل الدليل على الغائه كما لم يدل على اعتباره فهو المرسل ويعبر عنه بالمصالح المرسلة وبالاستصلاح.
واتجه ابن السبكى والمحلى فى تصوير الخلاف فى قبول هذا النوع أو رفضه الى أن الامام مالكا قبله مطلقا رعاية للمصلحة حتى جوز ضرب المتهم بالسرقة ليقر، وان كان الجلال المحلى قال ان ذلك معارض بأن المتهم قد يكون بريئا وأن ترك الضرب للمذنب أهون من ضرب البرئ، وكاد أمام الحرمين يوافقه على مناداته عليه بالنكير.
ووضح ذلك العطار فى حاشيته (١).
بأن قرب موافقة امام الحرمين لمالك من جهة أن كلا منهما اعتبر المصالح المرسلة، الا أن امام الحرمين قيد ما اعتبره منها بكونها مشبهة لما علم اعتباره شرعا، ومالك لم يقيد به.
وقال ابن السبكى والمحلى فى، هذا النوع: ان الاكثر من العلماء رده مطلقا لعدم ما يدل على اعتباره، وأورد أن قوما ردوه فى العبادات، لانه لا نظر فيها للمصلحة، بخلاف غيرها كالبيع والحد، ويرى ابن السبكى - خلافا للغزالى - أن المصلحة الضرورية الكلية القطعية ليست من هذا النوع لانها مما دل الدليل على اعتباره فهى حق قطعا
ومثل لها برمى الكفار الترس بأسر المسلمين كما مثل لها الغزالى.
وبهذا يتبين ان لابن السبكى مسلكا فى التقسيم، وايراد الخلاف يختلف عن مسلك الآخرين، كما أنه يبدو فيه الاستقلال بمذهب على حدة فى تطبيق مسألة التترس اذ عده من المصالح المعتبرة.
وقد اتجه فى مسلك ابن السبكى فى هذه التقسيمات السالمى الاباضى (٢).
وقد جعل هذا التقسيم للحكمة التى تشتمل عليها العلة وسماها جلب مصلحة ودفع مفسدة (٣).
وقد توسع فى ايراد أمثلة الاقسام فمثل لحفظ الدين بمشروعية الجهاد وقتل الزنديق والمرتد والساحر وعقوبة أهل البدع.
ومثل فى حفظ النفس بمشروعية القصاص والدية والعقوبة على من اتهم بالقتل.
ومثل فى حفظ المال بحد السارق وقاطع الطريق وسائر أنواع الضمانات ومثل فى حفظ العرض بحد القاذف واللعان.
стр. 2119
ومثل لما يلحق بالضرورى باعتبار البلوغ فى قتل المحارب واعتبار التكافؤ فى القصاص وتحريم الخلوة بالاجنبيات وتحريم شرب قليل المسكر.
وقد تفرد فى تصوير الحاجى بتقسيمه الى نوعين (١):
أحدهما ما يحتاج اليه فى نفسه كالبيع والاجارة والنكاح والمساقاة والمضاربة والولاية وما أشبه ذلك من أنواع المعاملات فان هذه الاشياء وان ظنت أنها ضرورية فبحسب الاحتياج الى المعاوضة لا تؤدى الى فوات شئ، وقد يكون بعضها ضروريا كشراء المأكول والاجارة فى تربية الصغير.
والنوع الثانى: ما كانت الحاجة الى غيره لكنه وسيلة الى حصوله كوجوب الكفارة ومهر المثل وكذا الخيار والشفعة ورفع الغبن ويسمى هذا النوع مكملا للحاجى.
كما تفرد فى تقسيم الاستسحانى بكونه تارة يوافق القياس وتارة يخالفه.
ومثل للاول بحكمة النظافة من الانجاس والزكاة وصلة الارحام ومكارم الاخلاق وكسلب العبد أهلية القضاء والشهادة والخلافة وان كان ذا عقل ودين وعدل.
ومثل للمخالف للقياس بمكاتبة السيد عبده.
ثم تفرد أيضا فى التصوير بأن هناك نوعا من الشرعيات لا يلوح فيه تعليل جزئى ولم يمكن أن يلوح فيه تعليل كلى وهو العبادات البدنية كالصلاة والصوم لان العقل لا يهتدى الى معانيها ولم يلح من الشارع الاطرف من مباديها لكن فيها تذليل النفس للعبادة والتعظيم لخالقها (٢).
وقد أورد فى بحث المصالح المرسلة (٣) ما ورد ضمنا فى ما نقلناه عن الآخرين من الاصوليين، وأشار الى أنه عد هذا النوع من الاستدلال لانه ليس بنص ولا اجماع ولا قياس، وأن ما عدا هذه الثلاثة من باب الاستدلال «انظر مصطلح استدلال».
هذا مسلك من اتجه من الاصوليين الى بيان مراتب المصلحة وأنواعها وحكم كل نوع منها وذكر الخلاف فى ذلك.
على أن هناك من الاصوليين من لا يسلك هذه المسالك التى أوردناها فى اعتبار المصلحة من جعلها على درجات تارة وايراد أقسام لها تارة أخرى وبيان حكم كل قسم من هذه الاقسام، وانما ينظرون الى أن المصلحة فى ذاتها أمر
стр. 2120
يعتبره الشارع على تفاوت بينهم فى النظرة اليها، ومن هؤلاء الامام الشاطبى والامام ابن قيم الجوزية والعز بن عبد السّلام ثم نعقب بعد ذلك بمسلك الطوفى الذى توسع فى المصلحة حتى قدمها فى المعاملات على النص والاجماع.
واليك عبارات كتبهم التى تمثل ذلك.
يقول الشاطبى فى كتاب المقاصد (١):
ان وضع الشرائع انما هو لمصالح العباد فى العاجل والآجل معا … الى أن يقول (٢): تكاليف الشريعة ترجع الى حفظ مقاصدها فى الخلق وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: الضرورية، والحاجية والتحسينية، ثم صور كل قسم منها على غرار ما سبق لنا ايراده.
ثم أورد (٣): أن كل مرتبة من هذه المراتب ينضم اليها ما هو كالتتمة والتكملة مما لو فرضنا فقده لم يخل بحكمتها الاصلية، وأورد أمثلة لذلك.
ثم انتقل (٤) الى بيان أن كل تكملة لها من حيث هى تكملة شرط وهو أن لا يعود اعتبارها على الاصل بالابطال، وذلك أن كل تكملة يقضى اعتبارها الى رفض أصلها فلا يصح اشتراطها عند ذلك لوجهين.
أحدهما. أن فى ابطال الاصل ابطال التكملة وبرهن على ذلك.
والثانى أنا لو قدرنا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الاصلية لكان حصول الاصلية أولى لما بينهما من التفاوت. وأفاض الشاطبى فى بيان ذلك.
ثم أورد (٥) أن المقاصد الضرورية فى الشريعة أصل للحاجية والتحسينية فلو فرض اختلال الضرورى باطلاق لاختلا باختلاله باطلاق ولا يلزم من اختلالهما اختلال الضرورى باطلاق، نعم قد يلزم من اختلال التحسينى باطلاق اختلال الحاجى بوجه ما، وقد يلزم من اختلال الحاجى باطلاق اختلال الضرورى بوجه ما فلذلك اذا حوفظ على الضرورى فينبغى المحافظة على الحاجى، واذا حوفظ على الحاجى فينبغى ان يحافظ على التحسينى، واذا ثبت أن التحسينى يخدم الحاجى، وان الحاجى يخدم الضرورى فان الضرورى هو المطلوب. فهذه مطالب خمسة:
أحدها: أن الضرورى أصل لما سواه من الحاجى والتكميلى.
والثانى ان اختلال الضرورى يلزم منه اختلال الباقين باطلاق.
стр. 2121
والثالث أنه لا يلزم من اختلال الباقين اختلال الضرورى.
والرابع انه قد يلزم من اختلال التحسينى باطلاق أو الحاجى باطلاق اختلال الضرورى بوجه ما.
الخامس أنه ينبغى المحافظة على الحاجى وعلى التحسينى من أجل الضرورى، وأفاض فى بيان ذلك ولما كان كل من الوجهين الرابع والخامس يحتاج الى ايضاح فانا نذكر ما قاله فى بيان ذلك.
قال الشاطبى (١). بيان الرابع من أوجه أحدهما أن كل واحدة من هذه المراتب لما كانت مختلفة فى تأكد الاعتبار فالضروريات آكدها ثم تليها الحاجيات والتحسينات وكانت مرتبطا بعضها ببعض كان فى ابطال الاخف جرأة على ما هو آكد منه ومدخل للاخلال به فصار الاخف كأنه حمى للآكد، فالمخل بما هو مكمل كالمخل بالمكمل من هذا الوجه، ومثال ذلك الصلاة فان لها مكملات وهى هنا سوى الاركان والفرائض، ومعلوم أن المخل بها متطرق للاخلال بالفرائض والاركان، لان الاخف طريق الى الاثقل، وفى الحديث لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده.
ويقول بعضهم انى لاجعل بينى وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمها - فالمتجرئ على الاخف بالاخلال به معرض للتجرؤ على ما سواه.
ثم قال: والوجه الثانى أن كل درجة بالنسبة لما هو آكد منها كالنفل بالنسبة الى ما هو فرض فستر العورة واستقبال القبلة بالنسبة الى أصل الصلاة كالمندوب اليه.
وقد تقرر فى كتاب الاحكام أن المندوب اليه بالجزء ينتهض أن يصير واجبا بالكل فالاخلال بالمندوب مطلقا يشبه الاخلال بالركن من أركان الواجب، لانه قد صار ذلك المندوب بمجموعه واجبا فى ذلك الواجب، ولو أخل الانسان بركن من أركان الواجب من غير عذر بطل أصل الواجب الى أن قال: الرابع ان كل حاجى وتحسينى انما هو خادم للاصل الضرورى ومؤنس له ومحصل لصورته الخاصة، اما مقدمة له أو مقارنا أو تابعا فهو أحرى أن يتأدى به الضرورى على أحسن حالة وبين ذلك بالامثلة ثم قال: فأنت ترى أن هذه المكملات الدائرة حول حمى الضرورى خادمة له ومقوية لجانبه فلو خلت عن ذلك أو عن أكثره كان خللا فيها، وعلى هذا الترتيب يجرى سائر الضروريات مع مكملاتها لمن اعتبرها.
ثم بين الشاطبى المطلب الخامس فقال (٢): انه ظاهر مما تقدم لانه اذا
стр. 2122
كان الضرورى قد يختل باختلال مكملاته كانت المحافظة عليها لاجله مطلوبة، ولانه اذا كانت زينة لا يظهر حسنها الا بها كان من الاحق عدم الاخلال بها.
ثم قال: وبهذا كله يظهر أن المقصود الاعظم فى المطالب الضرورية والحاجية والتحسينية المحافظة على الاول منها، ومن هنالك كان مراعى فى كل ملة.
ثم انتقل الى بيان أن المصالح المثبوتة فى هذه الدار ينظر فيها من جهتين: من جهة موقع الوجود، ومن جهة تعلق الخطاب الشرعى بها.
فأما النظر الاول فان المصالح الدنيوية من حيث هى موجودة هنا لا يتخلص كونها مصالح محضة لان تلك المصالح مشوبة بتكاليف ومشاق قلت أو كثرت تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها، فان الامور المتعلقة بعيش الانسان لا تنال الا بكد وتعب، كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة. ثم قال (١): ان هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين فمن رام استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك، وفى الحديث حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، واذا كان كذلك فالمصالح والمفاسد الراجعة الى الدنيا تفهم على مقتضى الغالب، فاذا كان الغالب جهة المصلحة فهى
المصلحة المفهومة عرفا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبا الى الجهة الراجحة فان رجحت المصلحة فمطلوب، واذا غلبت جهة المفسدة فمهروب منه.
وأما النظر فى المصالح من جهة تعلق الخطاب بها شرعا فالمصلحة اذا كانت هى الغالبة فى حكم الاعتبار فهى المقصودة شرعا ولتحصيلها وقع الطلب على العباد فان تبعها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة فى شرعية ذلك العمل، وكذلك المفسدة اذا كانت هى الغالبة فرفعها هو المقصود شرعا ولاجله وقع النهى.
ثم قال: (٢) فالحاصل أن المصالح المعتبرة شرعا هى خالصة غير مشوبة بشئ من المفاسد وان توهم أنها مشوبة فليس فى الحقيقة الشرعية كذلك. وأيد ذلك ببعض الامثلة.
ثم قال (٣): انه اذا كانت المصلحة أو المفسدة خارجة عن حكم الاعتياد وكانت بحيث لو انفردت لكانت مقصودة الاعتبار للشارع مثل أكل الميتة للمضطر وأكل النجاسات والخبائث اضطرارا، وقتل القاتل، وقطع القاطع، وكذلك سائر العقوبات فان ذلك لا يخلو اما أن تتساوى الجهتان، أو تترجح احداهما على الاخرى، فان تساوتا
стр. 2123
فلا حكم، ولعل هذا غير واقع فى الشريعة، وأطال فى بيان ذلك.
ثم ان ترجحت احدى الجهتين على الاخرى فان الشاطبى ينته الى أن الجهة المرجوحة غير مقصودة الاعتبار شرعا والا لاجتمع الامر والنهى معا على شئ واحد وهو محال.
ثم انتقل الشاطبى (١) الى بيان أن المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة انما تعتبر من حيث الارتباط بين شئون الدنيا والاخرى لا من حيث اهدار النفوس فى جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها كذلك وأورد فى الاستدلال على ذلك أن الشريعة انما جاءت لتخرج المكلفين من دواعى أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله، وان المنافع والمضار عامتها أن تكون اضافية لا حقيقية أى أنها منافع أو مضار فى حال دون حال وبالنسبة لشخص دون شخص، وذلك يدل على أن المصالح والمفاسد لا تتبع الاهواء.
ثم انتقل الشاطبى الى بيان (٢) أن الكليات الثلاث فى المصلحة لا يضر تخلفها فى بعض الجزئيات لان الغالب الاكثرى يعتبر فى الشريعة اعتبار العام القطعى، فالكليات فى الاستقرائيات صحيحة وان تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات،
وأيضا فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلى فلا تكون داخلة تحته.
وانته (٣) فى هذا الى أنه لا اعتبار لمعارضة الجزئيات فى صحة وضع الكليات للمصالح، وأورد عدة مسائل تدور حول قاعدة أن تخلف بعض الجزئيات لا يطعن فى أن المعتبر هو الامر الكلى.
أما ابن القيم فيقول (٤): أن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد وبين ذلك من وجوه.
الاول: أن النبى ﷺ شرع لامته ايجاب انكار المنكر، فاذا كان انكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض الى الله ورسوله فانه لا يجوز انكاره، ومن تأمل ما جرى عليه الاسلام فى الفتن الكبار والصغار رأى أنها من اضاعة هذا الاصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب ازالته تولد عنه ما هو أكبر منه، واستدل أيضا بأن النبى ﷺ نهى أن تقطع الايدى فى الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض الى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين وذكر عدة صور من هذا القبيل.
стр. 2124
وقال فى موضع آخر (١): ان الله سبحانه بين بما شرعه أن مقصوده اقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأى طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وانما المراد غاياتها التى هى المقاصد ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقا من الطرق المبينة للحق الا وهى شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك، وأورد صورا لكثير مما وقع فى عهد الرسول والصحابة عدل فيها عن القواعد العامة لمصالح اقتضت ذلك.
وبقول العز بن عبد السّلام (٢): ان مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها وأسبابها معروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون فان خفى شئ من ذلك طلب أدلته، ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبنى عليه الاحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك الا ما تعبد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحة أو مفسدة، وبذلك تعرف حسن الافعال وقبحها.
وأما الطوفى فيقول (٣) ان قول النبى ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» يقتضى رعاية المصالح اثباتا ونفيا، والمفاسد نفيا، اذ الضرر هو المفسدة، فاذا نفاها الشارع لزم اثبات النفع الذى هو المصلحة لانهما نقيضان لا واسطة بينهما، ثم أطال الكلام فى ذلك، وانته الى أن المصلحة أقوى أدلة الشرع وأخصها، فلتقدم على أساس أنها بيان للنصوص لا افتيات عليها.
استصناع
تعريفة لغة
هو لغة طلب الصنعة من الصانع فيما يصنعه.
تعريفه شرعا
عقد على مبيع فى الذمة مطلوب صنعته على أوضاع وشروط تم الاتفاق عليها فى العقد، فى نظير ثمن معلوم.
وان شئت قلت: عقد على مبيع فى الذمة شرط فيه عمل معين نظير مال معلوم.
وصورته أن يقول شخص لنجار مثلا اعمل لى مكتبا، من خشب كذا، بثمن هو كذا، مع بيان جميع أوصاف المكتب التى يرغب فيها فيقول له النجار قبلت أو نحوه.
ذهب الى ذلك بعض الفقهاء.
стр. 2125
ومن الحنفية كالحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة من ذهب الى أنه ليس عقدا من عقود المعاوضة، وانما هو مواعدة تقوم على بيان ما يطلبه الطالب فيعده صاحبه بانفاذ ما يطلب، فاذا انجز المطلوب منه، وسلمه الى الطالب فقبله انعقد بيعا بالتعاطى عند ذلك لا قبله، بدليل أن محمدا رحمه الله تعالى ذكر فى توجيه أنه جائز القياس والاستحسان، وذلك لا يكون فى العدات، وكذلك أثبت فى خيار الرؤية للمستصنع وهو مختص بالبيع وأجيز فيه التقاضى، ولا يتقاضى الا فيما هو واجب مطلوب وليس الموعود مما يجب فيطلب، ولو كان مواعدة لم يختص بما جرى فيه ذلك التعامل عرفا، بل جاز فيه وفى غيره اذ العدة لا تختص بشئ معين، ثم لم يملك الصانع الثمن بقبضه مع أنه يملكه نظير ما شغلت به ذمته من بيع (١)، واذا سلم المستصنع المادة الى الصانع ليصنعها له على وفق ما طلب، لم يكن هذا استصناعا، وانما هو استئجار جائز فان عمل كما أمر استحق الاجر، والا كان ضامنا لما أفسد به المادة بصنعه.
حكمه - بمعنى جوازه
وحكمه الجواز استحسانا لا قياسا.
اما عدم جوازه قياسا فلانه بيع ما ليس عند بائعه لا على وجه السلم، وقد نهى النبى ﷺ عن بيع ما ليس عند الانسان، ورخص فى السلم، والى هذا ذهب زفر.
اما جوازه استحسانا فلجريان العرف به واجماع الناس، اذ كان ذلك عرفهم فى الامصار كلها، من غير نكير، وذلك لشدة الحاجة اليه، وقد قال رسول الله ﷺ ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وبمثل ذلك يترك القياس، كما ترك فى دخول الحمام بالاجر دون تعيين مقدار الماء الذى سيستعمل فيه ومدة شغله بالاستحمام، والى هذا ذهب الحنفية، مع قصر جوازه عندهم على ما جرى فيه التعامل دون ما لم يجر فيه ذلك (٢).
ويرى المالكية أن الاستصناع سلم تشترط فيه جميع شروط السلم فارجع اليها «فى سلم» ولا يرونه عقدا مستقلا.
جاء فى الشرح الصغير للدردير ما يدل على أن استصناع سيف أو سرج أو ثوب
стр. 2126
أو باب ونحو ذلك من حداد أو سروجى أو حائك أو نجار على صنعة معلومة وبثمن معلوم جائز، وهو سلم تشترط فيه جميع شروطه، فلا يصح مع تعيين العامل، ولا مع تعيين المعمول فيه.
ويكون المعقود عليه دينا فى الذمة، وعلى ذلك فلا بد لصحته من تعجيل الثمن وضرب الاجل الى آخر شروط السلم.
قال فى المدونة فان شرط عمل رجل بعينه لم يجز وان نقده الثمن، لانه لا يدرى أيسلم ذلك الرجل أم لا، وذلك غرر.
وعلى هذا درج ابن رشد.
وفى موضع آخر من المدونة ما يقتضى جواز العقد اذا عين العامل فقط لقولهم من استأجر شخصا يبنى له دارا على أن الجص والآجر من عند الاجير جاز وهو قول ابن بشير (١).
وفى الدسوقى على الشرح الكبير للدردير (٢).
أن التعاقد مع صانع شرع فى عمل مصنوع على أن يكمله على صفة معينة نظير عوض معين جائز ان شرع الصانع فى تكميله بالفعل فى الحال أو مدة لا تزيد على خمسة عشر يوما، والا لم يجز لما
فيه من بيع مبيع معين تأخر قبضه وتسليمه ويشترط فى جواز ذلك أن يكون عند الصانع من مادة المصنوع ما يستطيع أن يكمله منه اذا صنعه فلم يأت على الصنعة المطلوبة فاضطر الى كسره واعادته مما عنده، ويصح أن يعد ذلك من قبيل السلم على مذهب أشهب الذى يجوز فى السلم تعيين المصنوع منه وتعيين الصانع خلافا لابن القاسم الذى لا يجوز ذلك عند هذا التعيين.
وذهب الحنابلة الى عدم صحة الاستصناع.
جاء فى كشاف القناع شرح متن الاقناع (٣).
ولا يصح استصناع سلعة بأن يبيعها سلعة يصنعها له، لانه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم ذكره القاضى وأصحابه.
شروط جوازه
ذهب الحنفية الى أنه يشترط لجوازه الشروط الآتية:
١ - بيان المعقود عليه وذلك ببيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته وبكل ما يصير به معلوما علما لا يؤدى الى نزاع.
стр. 2127
٢ - أن يكون العقد فيما جرى فيه ذلك التعامل بين الناس كقطع الموبيليا والثياب والاحذية ونحوها، فان حدث فيما لم يجر فيه ذلك التعامل كان سلما ويشترط فيه شرائط السلم كلها من قبض رأس المال فى المجلس وذكر الاجل، ووجود المعقود عليه فى الاسواق، الى آخر شروط السلم، والا كان فاسدا.
٣ - الا يكون مؤجلا الى أجل يصح معه السلم عند أبى حنيفة، وعلى ذلك يصح اذا خلا من الاجل أو أجل الى أجل دون الاجل المشترط فى السلم، وهو مشتهر على ما عليه الفتوى.
أما اذا أجل الى أجل يقبل فى السلم وهو شهر فأكثر، لم يكن العقد استصناعا وكان سلما، يجب أن يتوافر فيه جميع شروط السلم، والا كان فاسدا، ووجه ذلك أن التأجيل انما يكون للامهال، وتأخير المطالبة، وذلك لا يكون الا فى عقد لازم.
والاستصناع كما سيأتى غير لازم، فلا يتعين من ذكر هذا الاجل لهذا الغرض، فاذا ذكر كان ذكره دليلا على ارادة السلم فينعقد لذلك سلما وعندئذ يجب أن تتوافر فيه جميع شروطه، ولهذا اذا ذكر فيه الاجل على سبيل الاستعجال لا الامهال بأن قال المستصنع للصانع على أن تفرغ منه غدا أو بعد غد مثلا كان استصناعا اتفاقا اذ لا يعد ذلك تأجيلا ولا يمنع المطالبة قبل الاجل.
وذهب أبو يوسف ومحمد الى عدم اشتراط هذا الشرط فيصح الاستصناع عنده بلا ذكر أجل، ومع ذكر أى أجل وعندئذ يحمل الاجل عند ذكره على ارادة الاستعجال وعدم التأخير الى ما بعده، لان العقد غير لازم، وقد جرت عادة الناس بقرب الاجل فى جميع صوره قصدا منهم فى العادة الى عدم التأخير عن الموعد (١).
ولا تشترط الحنفية دفع الثمن معجلا، بل يجوز فيه تأجيل الثمن خلافا للسلم (٢).
حكمه بمعنى أثره
ثبوت ملك المستصنع فى مبيع فى ذمة الصانع تتوافر فيه جميع الاوصاف والشروط التى تضمنها وثبوت ملك الصانع فى الثمن وملك كل منهما فيما ملك، ملك غير لازم على ما سنبين من خلاف فى لزوم عقد الاستصناع وعدم لزومه.
حكمه بمعنى لزومه
وحكم هذا العقد قبل اتمام الصانع عمله أنه عقد غير لازم بالنسبة
стр. 2128
لطرفيه بلا خلاف بين الحنفية حتى كان لكل من المستصنع والصانع عدم المضى فيه، وذلك مراعاة لما يقضى به القياس من عدم جوازه، ولان الزام الصانع بالمضى فيه ضرر له من ناحية أنه اتلاف لماله فى عمل المطلوب، وقد لا يرضى المستصنع فكان له أن يفسخ ولا يمضى، وأما المستصنع فلانه قد اشترى ما لم يره فكان له الخيار فى الفسخ قبل الرؤية، أما اذا ما فرغ الصانع من عمله فلذلك حالتان:
الاولى قبل أن يراه المستصنع.
والثانية بعد أن رآه.
ففى الحال الاولى ما قبل الرؤية: فقد ذكر فى الاصل لمحمد عدم لزوم العقد بالنسبة لطرفيه أيضا ذلك لانه بالنسبة الى المستصنع يرى أنه شراء لما لم يره فكان له الفسخ، وبالنسبة الى الصانع يرى أن العقد لم يقع على هذا المصنوع عينا، انما وقع على مبيع فى الذمة، وانما يتعين المصنوع محلا للعقد اذا ما رآه المستصنع فرضى به، ألا ترى أن الصانع اذا اشترى المطلوب مع ذلك من مكان آخر فسلمه الى المستصنع جاز ذلك، وأن الصانع لو باع المصنوع فى هذه الحال الى غير المستصنع جاز بيعه ولم يكن للمستصنع أن يعترض أو ينقض البيع.
وفى الحال الثانية «بعد أن يراه المستصنع» يسقط خيار الصانع اذا أحضر المصنوع الى المستصنع على الصفة المشروطة، ويبقى خيار المستصنع، أما سقوط خيار الصانع فلانه باحضار المصنوع الى المستصنع على الصفة المشروطة تعين مبيعا، فكان بائعا، وليس للبائع خيار رؤية، وهذا بخلاف حال المستصنع فان له الخيار لانه لا يزال مشتريا لما لم يره، وهذا هو ظاهر الرواية عند أبى حنيفة وصاحبيه.
وروى عن أبى حنيفة أيضا أن لكل منهما الخيار فى هذه الحال أيضا.
وروى عن أبى يوسف أيضا ألا خيار لهما جميعا فى هذه الحالة ذلك لان الصانع قد أفسد ماله بصنعه على الصفة التى طلبها المستصنع فلا يكون له حق الخيار والامتناع عن أخذه، حتى لا يضار الصانع، ولا يقال ان ذلك متحقق فيما اذا شرع الصانع فى العمل ولم يتمه، لانه لا يدرى أيتم العمل على وفق ما أراد المستصنع أم لا، كما لا يكون للصانع خيار لتعيين المصنوع مبيعا، ولا خيار للبائع فى هذه الحال.
ووجه ما روى عن أبى حنيفة أن فى اثبات الخيار لكل منهما دفع الضرر عنه ودفع الضرر واجب.
وقال الكسائى: والصحيح جواب ظاهر الرواية، لان فى اثبات الخيار للصانع انتفاء ما شرع له الاستصناع، وهو دفع حاجة المستصنع الى المصنوع،
стр. 2129
وهى الحاجة التى ظهرت بصناعته على وفق طلبه، فاذا ما ثبت للصانع الخيار أمكنه أن يحول بين المستصنع وبين المصنوع، وما ذهب اليه أبو يوسف من أن اثبات الخيار للمستصنع يضر بالصانع فوجب أن يمنع هذا الضرر بعدم اثبات الخيار له كما منع الضرر بالمستصنع بعدم اثبات الخيار للصانع - غير وجيه لان الضرر بالمستصنع عند اثبات الخيار للصانع ضرر شديد استوجب شدته منعه بخلاف ما يلحق الصانع من الضرر عند اثبات الخيار للصانع لانه ضرر يسير، لان المصنوع اذا لم يلائم المستصنع فتركه أمكن الصانع أن يبيعه لغيره دون أن يتعذر ذلك عليه لكثرة ممارسته لمثل ذلك وانتصابه له، فلم يكن من المنفعة عدم اثبات الخيار لكل منهما فى حين أن المستصنع قد اشترى ما لم يره وكان الصحيح أن يثبت الخيار للمستصنع كما ذكرنا دون ثبوته للصانع وهذا ما ذهب اليه الثلاثة فى ظاهر الرواية (١).
وقال الزيلعى فى شرحه التبيين على الكنز: والصحيح أن الصانع لا خيار له والخيار للمستصنع فقط.
وذهب الشيعة الجعفرية الى عدم جواز الاستصناع (٢).
استطابة
مفهوم الاستطابة
جاء فى القاموس (٣) أن الاستطابة تطلق على الاستنجاء، وعلى حلق العانة.
أما الاستنجاء فقد ذكر فى محله ما يتعلق به من أحكام وآداب (انظر استنجاء).
وأما حلق العانة فله أحكام خاصة به بين المهم منها أصحاب المذاهب على النحو الآتى:
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب الاختيار فى شرح المختار من السنة حلق العانة وهو من سنن الخليل صلوات الله عليه وفعلها نبينا ﷺ وأمر بها (٤).
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية العدوى وشرح رسالة ابن أبى زيد (٥) أن حلق العانة سنة للرجال والنساء، ويجوز ازالتها بالنورة للرجال والنساء.
стр. 2130
مذهب الشافعية:
وحلق العانة سنة أيضا عندهم كما أجازوا ازالتها بالنورة وهل يجب على الزوجة اذا أمرها زوجها؟ فيه قولان مشهوران أصحهما الوجوب، وهذا اذا لم يفحش بحيث ينفر التواق، فان فحش بحيث نفره وجب قطعا (١).
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب المغنى ان حكم حلق العانة مستحب. وبأى شئ ازاله صاحبه فلا بأس لان المقصود ازالته (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى الروض النضير (٣) ان حلق العانة سنة واستدلوا بما أخرجه مسلم «من لم يحلق عانته ويقلم أظفاره ويجز شاربه فليس منا».
مذهب الظاهرية والإباضية:
ذهب الظاهرية والإباضية الى أنه سنة أيضا (٤).
استطاعة
تعريف الاستطاعة لغة
قال الجوهرى كما جاء فى لسان العرب (٥): الاستطاعة الطاقة، قال ابن برى هو كما ذكر الا أن الاستطاعة للانسان خاصة والاطاقة عامة.
والاستطاعة أيضا القدرة على الشئ.
تعريفها شرعا
أما معناها الشرعى فلا يخرج عن معناها اللغوى، فقد استعملها الفقهاء بهذا المعنى فى كثير من أبواب الفقه الا أنها خصت فى بعض الابواب بمعان أخرى كالاستطاعة فى الحج مثلا حيث فسرت بأنها الزاد والراحلة وسيأتى بيان ذلك فى موضعه.
وشرط التكليف الاستطاعة والقدرة على المكلف به فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا وان جاز عقلا (٦).
стр. 2131
وقد جاء فى الزيلعى (١) وقد تضافرت الادلة على أن الله قد هيأ للناس فى شريعته السمحة فى التكاليف التى أمرهم بها ما يصلح شأنهم ويقر حياتهم على أسس من الخير والسلامة دون أن يشق عليهم بل كانت رحمته بعباده وراء كل تكليف قال الله «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (٢) الآية وقال الله تعالى «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٣) الآية وعن رسول الله ﷺ «إذا أمرتكم أمرا فأتوا منه ما استطعتم واذا نهيتكم عن شئ فانتهوا».
ولقد تناول الاصوليون موضوع التكليف بما يطاق وما لا يطاق من زوايا متعددة واختلفوا حول التكليف بما لا يطاق من سنيين ومعتزلة اختلافا يرجع الى التفصيل فيه (٤) لمصطلح «تكليف».
الاستطاعة فى الاستنجاء
من عجز عن الاستنجاء بيده وأمكنه بغيرها فعل، والا فان أمكنه بمن يجوز له
نظره من زوجة مثلا لزمه، وقبل بل متى قدر عليه ولو بأجرة قدر عليها ولو ممن لا يجوز له نظره لزمه ذلك لانه محل حاجة (٥) وينظر تفصيل المذاهب فى هذا فى مصطلح استنجاء.
الاستطاعة فى الطهارة
من شروط الطهارة بالماء وضوءا أو غسلا القدرة على استعمال الماء مع وجوده لقول الله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى﴾
стр. 2132
﴿سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (١). فيتيمم من لا يستطيع التطهر بالماء لمرض، كان ذلك المرض حقيقة أو حكما، كان تطهره لفرض أو نفل أو جمعة أو جنازة تعينت أولا.
أما الصحيح الفاقد للماء فانه لا يتيمم الا لفرض غير الجمعة والجنازة المتعينة عليه، وكذلك يتيمم من فقد الماء حتى آخر الوقت فى سفر كان أو فى حضر، وينيمم كذلك من لم يتمكن من الوصول الى الماء كأن يكون بينه وبين الماء عدو كان ذلك العدو آدميا أو غيره، ويتيمم من يخشى على نفسه الهلاك من البرد أو غيره وكذلك يتيمم واجد الماء اذا كان ثمنه مجحفا به وخشى على نفسه الهلاك عند اخراج ثمن الماء، ومن وجد الماء، ولم يكن قادرا على استعماله بنفسه ووجد فى حالة احتياجه للوضوء أو الغسل من يوضئه أو يغسله بأجرة المثل وقدر عليها من غير اضرار بنفسه أو من تلزمه نفقته لزمه ذلك لانه فى
معنى الصحيح (٢). على تفصيل بين المذاهب ينظر فى مصطلحات «وضوء، غسل، تيمم».
الاستطاعة فى الصلاة
الاستطاعة فى الصلاة تكون بالقدرة على أداء الاركان على الوجه الذى فرضت عليه.
فالقيام فرض فى الصلاة للقادر عليه فى الفرض وليس على عمومه.
ويتعين ترك القيام فى مسائل فالمريض لو قدر على القيام دون الركوع والسجود فانه يخير بين القيام والقعود وان كان
стр. 2133
القعود أفضل فقد سقط عنه القيام مع قدرته عليه.
والشيخ الكبير لو كان بحال لو صلى قائما ضعف عن القراءة يصلى قاعدا بقراءة، ولو كان بحال لو صلى منفردا يقدر على القيام، ولو صلى مع الامام لا يقدر، فانه يخرج الى الجماعة، ويصلى قاعدا، وهو الاصح كما فى المجتبى، لانه عاجز عن القيام حالة الاداء وهى المعتبرة، ومن تعذر عليه القيام أو خاف زيادة المرض صلى قاعدا يركع ويسجد.
لقول الله «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ» (١)
قال ابن مسعود وجابر وابن عمر رضى الله عنهم الآية نزلت فى الصلاة أى قياما ان قدروا أو قعودا ان عجزوا عنه وعلى جنوبهم ان عجزوا عن القعود.
ولحديث عمران بن حصين رضى الله عنه قال كانت بى بواسير فسألت رسول الله ﷺ عن الصلاة فقال ﷺ صل قائما فان لم تستطع فقاعدا، فان لم تستطع فعلى جنبك.
وقد جاء الحديث فى رواية النسائى وزاد فيها بعد ذلك: فان لم تستطع فمستلقيا لقول الله تعالى «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» الآية.
والمراد بالتعذر هنا التعذر الحقيقى بحيث لو قام سقط بدليل عطف التعذر الحكمى عليه وهو خوف زيادة المرض.
وقد اختلف الفقهاء فى التعذر.
فقيل: ما يبيح الافطار.
وقيل: التيمم.
وقيل بحيث لو قام سقط.
وقيل ما يعجزه عن القيام بحوائجه.
والاصح أن يلحقه ضرر بالقيام.
وهل لو قدر على القيام متكئا أو معتمدا على عصا أو حائط لا يجزئه الا كذلك.
فيه تفصيل يقوم على من يجعل قدرة الغير قدرة للشخص، أو من لا يجعلها.
وقد قال الهندوانى: اذا قدر على بعض القيام يقوم ذلك ولو قدر آية أو تكبيرة ثم يقعد وان لم يفعل ذلك خفت أن تفسد صلاته هذا هو المذهب «مذهب الحنفية».
ولا يروى عن أصحابنا خلافه، وكذا اذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد الى انسان، أو الى حائط،
стр. 2134
أو الى وسادة، لا يجزئه الا كذلك، ولو استلقى لا يجزئه، ويصلى مومئا برأسه وهو قاعد ان تعذر الركوع والسجود لان الطاعة بحسب الطاقة.
واذا صلى المريض قاعدا بركوع وسجود أو بايماء فانه يجلس فى حال التشهد كما يجلس للتشهد.
وجاء فى الخلاصة ان لم يقدر على السجود من جرح أو خوف أو مرض فالكل سواء ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
فعن على رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال فى صلاة المريض ان لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، وروى أن النبى ﷺ دخل على مريض يعوده فوجده يصلى كذلك، فقال: ان قدرت أن تسجد على الارض فاسجد، والا فأومئ برأسك.
وفى الخلاصة أيضا اذا لم يقدر على القعود صلى مضطجعا على قفاه متجها نحو القبلة، رجلاه جهة القبلة ورأسه الى الجهة المقابلة بحيث اذا وقف يقف متجها الى القبلة، وفى المجتبى ينبغى للمستلقى أن ينصب ركبتيه ان قدر حتى لا يمد رجليه الى القبلة.
وقال فى العناية يجعل وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد ليتمكن من الايماء بالركوع والسجود لان حقيقة الاستلقاء تمنع الاصحاء عن الايماء فكيف بالمرضى وان لم يقدر على الايماء برأسه أخرت الصلاة الى القدرة أو سقطت على تفصيل ينظر فى مصطلح «صلاة».
ثم قال: والقراءة لا بدل لها عند العجز فيصلى بغير القراءة وفى المجتبى قيل فى الامى والاخرس: يجب تحريك الشفة واللسان، وقيل لا يجب، ولو قرأ فى الصلاة بالفارسية حالة العجز عن العربية فانه يصح، وهذا بالاتفاق، ولو كان قادرا فانه لا يصح اتفاقا على الصحيح، وفى المحيط: الاخرس والامى افتتحا الصلاة بالنية أجزأهما لانهما أتيا بأقصى ما فى وسعهما (١) على تفصيل
стр. 2135
بين المذاهب ينظر فى مصطلحات «صلاة، قيام، قدره، عجز، قراءة».
الاستطاعة فى الصوم
اشترط الفقهاء لوجوب الصوم وفرضيته القدرة على فعله.
جاء فى ابن عابدين أن شروط وجوب أداء الصوم الصحة والاقامة والخلو من حيض ونفاس، وفى القهستانى عن الكرمانى المريض اذا تحقق اليأس من الصحة فعليه الفدية لكل يوم من المرض.
وجاء فى ابن عابدين أن الشيخ الذى فنيت قوته أو أشرف على الفناء ويعجز عن الصوم عجزا مستمرا يفطر ويفدى وجوبا لو كان موسرا لان عذره ليس بعرض للزوال حتى يصير الى القضاء وليس على غيره الفداء (١).
وهناك تفصيل للاحكام الخاصة بغير المستطيع للصوم فى المذاهب يرجع اليها فى مصطلحات «صوم، مرض، فدية، قضاء».
الاستطاعة فى الحج
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن من شروط وجوب الحج الاستطاعة.
لقول الله تعالى «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ»﴾. (٢)
وقد فسروا الاستطاعة بالزاد والراحلة، لان الرسول ﷺ سئل عن السبيل اليه فقال ﷺ هو الزاد والراحلة (٣).
ويرى الاصوليون منهم أنها شرط وجوب للاداء لا شرط للوجوب.
ولم يوافق الفقهاء على ذلك وقالوا ان القدرة من شرائط أصل الوجوب، والزاد يعتبر فى حق كل انسان ما يصح به بدنه والناس متفاوتون فى ذلك، والراحلة فى اللغة هى المركب من الابل
стр. 2136
ذكرا كان أو أنثى، ويعتبر فى حق كل انسان ما يبلغه وما يليق بحاله عادة وعرفا، وتعتبر الاستطاعة فى الراحلة بقدرته عليها فى جميع الطريق سواء كان قادرا على المشى أولا، أما ان أمكنه أن يكترى مع غيره راحلة يتعاقبان ركوبها فلا يجب عليه الحج، لانه غير قادر على الراحلة، والقدرة على الزاد لا تثبت الا بالملك لا بالاباحة، كما لا تثبت القدرة على الراحلة الا بالملك أو الاجارة لا بالعارية والاباحة، فلو بذل الابن لابيه الطاعة وأباح له الزاد والراحلة لا يجب عليه الحج، وكذا لو وهب له مال ليحج به لا يجب عليه القبول.
واشتراط القدرة على الزاد عام فى حق كل أحد حتى أهل مكة وأما القدرة على الراحلة فشرط فى حق غير المكى وأما هو فلا، ومن حولها كأهلها لانه لا يلحقهم مشقة فأشبه الحج بالنسبة لهم السعى الى الجمعة. أما اذا كان لا يستطيع المشى أصلا فلا بد منه فى حق الكل.
ولا تسقط الاستطاعة بدار يسكنها وعبد يستخدمه وثياب يلبسها ومتاع يحتاج اليه، أما ان كانت له دار لا يسكنها وعبد لا يستخدمه فعليه أن يبيعه ويحج، بخلاف ما اذا كان سكنه وهو كبير يفضل عنه حتى يمكنه بيعه والاكتفاء بما دونه ببعض ثمنه، ويحج بالفضل فانه لا يجب بيعه كما لا يجب بيع مسكنه والاقتصار على السكنى بالاجارة اتفاقا، ولو لم يكن له مسكن ولا خادم وعنده مال يبلغ ثمن ذلك ولا يبقى بعده قدر ما يحج به فانه لا يجب عليه الحج لان هذا المال مشغول بالحاجة الاصلية اليه ولا بد أن يفضل رأس مال التجارة ان كان تاجرا وكذا الدهقان (١) والمزارع، ورأس المال يختلف باختلاف الناس.
والقدرة على الزاد والراحلة تكون بما فضل عن مسكنه وما لا بد له منه.
ونفقة ذهابه وايابه وعياله، والمراد بالعيال من تلزمه نفقته، ويدخل فى نفقة عياله سكناهم وكسوتهم وأن يكون مالكا لذلك فى أشهر الحج حتى لو ملك ما به الاستطاعة قبلها كان فى سعة من صرفها الى غيره (٢).
وجاء فى حاشية ابن عابدين (٣): أن سلامة البدن وأمن الطريق والمحرم من شروط الاداء كما أنهم اعتبروا اشتراط القدرة فى أشهر الحج شرطا غير شرط الاستطاعة مما يجعل الاستطاعة قاصرة على الزاد والراحلة دون غيرهما.
стр. 2137
غير أنه قد أورد الكمال بن الهمام فى فتح القدير (١) رواية عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن أمن الطريق شرط الوجوب لان الوصول بدونه لا يكون الا بمشقة عظيمة فصار من الاستطاعة وهى شرط الوجوب.
وأورد فى الرد على هذه الرواية أن أمن الطريق لو كان من الاستطاعة لذكره النبى ﷺ حينما سئل عنها، لكنه ﷺ فسرها بالزاد والراحلة، فلو كان أمن الطريق داخلا فى الاستطاعة لكان فى تفسير النبى ﷺ للاستطاعة تأخير للبيان عن وقت الحاجة.
غير أن كلام صاحب البدائع ظاهر فى اعتبار أمن الطريق وصحة البدن والمحرم بالنسبة للمرأة من الاستطاعة فيقول (٢): من شرائط فرضية الحج صحة البدن، فلا حج على المريض والزمن والمقعد والمفلوج والشيخ الكبير الذى لا يثبت على الراحلة بنفسه والمحبوس والممنوع من قبل السلطان الجائر من الخروج الى الحج، لان الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج، والمراد منها استطاعة التكليف وهى سلامة الاسباب والآلات، ومن جملة الاسباب سلامة
البدن عن الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه فى سفر الحج، لان الحج عبادة بدنية، فلا بد من سلامة البدن ولا سلامة مع المانع، وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنه فى قول الله «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٣)» الآية. أن السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يحجب، ولان القرب والعبادات وجبت بحق الشكر لما أنعم الله على المكلف فاذا منع السبب الذى هو النعمة وهو سلامة البدن أو المال كيف يكلف بالشكر ولا نعمة.
وأما الاعمى فقد ذكر فى الاصل عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا حج عليه بنفسه وان وجد زادا وراحلة وقائدا وانما يجب فى ماله اذا كان له مال.
وروى الحسن رضى الله تعالى عنه عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فى الاعمى والمقعد والزمن أن عليهم الحج بأنفسهم.
وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما: يجب على الاعمى الحج بنفسه اذا وجد زادا وراحلة ومن يكفيه مؤنة سفره فى خدمته ولا يجب على الزمن والمقعد والمقطوع.
стр. 2138
بدليل ما روى أن رسول الله ﷺ سئل عن الاستطاعة فقال ﷺ هى الزاد والراحلة.
فالنبى ﷺ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وللاعمى هذه الاستطاعة فيجب عليه الحج لان الاعمى لا يهتدى الى الطريق بنفسه، ويهتدى بالقائد فيجب عليه بخلاف الزمن والمقعد ومقطوع اليد والرجل لان هؤلاء لا يقدرون على الاداء بأنفسهم.
ووجه رواية الحسن فى الزمن والمقعد أنهما يقدران بغيرهما والقدرة بالغير كافية كالقدرة بالزاد والراحلة.
ووجه رواية الاصل لابى حنيفة رحمه الله تعالى أن الاعمى لا يقدر على أداء الحج بنفسه ولا يقدر على ما لا بد منه فى الطريق بنفسه من الركوب والنزول وغير ذلك وكذا الزمن والمقعد فلم يكونا قادرين على الاداء بأنفسهم بل بقدرة غير مختارة فلم تثبت الاستطاعة على الاطلاق، ولهذا لم يجب الحج على الشيخ الكبير الذى لا يستمسك على الراحلة وان كان ثمة غيره يمسكه.
وانما فسر رسول الله ﷺ الاستطاعة بالزاد والراحلة لكونهما من الاسباب الموصلة الى الحج لا لاقتصار الاستطاعة عليهما بل للتنبيه على أسباب الامكان فكلما كان من أسباب الامكان يدخل تحت تفسير الاستطاعة معنى، ولان فى ايجاب الحج على الاعمى والزمن والمقعد والمفلوج والمريض والشيخ الكبير الذى لا يثبت على الراحلة حرجا بينا ومشقة شديدة وقد قال الله «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (١) الآية.
ثم قال الكاسانى (٢) فى موضع آخر ومن شرائط فرضية الحج أمن الطريق، وأنه من شرائط الوجوب بمنزلة الزاد والراحلة على الصحيح، لان الله شرط الاستطاعة، ولا استطاعة بدون أمن الطريق، كما لا استطاعة بدون الزاد والراحلة، وبيان رسول الله ﷺ فى الاستطاعة بالزاد والراحلة انما هو بيان كفاية ليستدل بالمنصوص عليه على غيره لاستوائهما فى المعنى، وهو امكان الوصول الى البيت، ألا ترى أنه كما لم يذكر أمن الطريق لم يذكر صحة الجوارح وزوال سائر الموانع الحسية فكان شرط الزاد والراحلة شرطا لا من الطريق ضرورة.
ثم قال الكاسانى فى موضع آخر (٣):
والذى يخص النساء: أن يكون مع المرأة زوجها، أو محرم لها - والمحرم هو أن يكون ممن لا يجوز له نكاحها على التأييد
стр. 2139
- فان لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج، بدليل ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلّى الله وسلم أنه قال: «لا تحجن امرأة الا ومعها محرم»، ولانها اذا لم يكن معها زوج ولا محرم لا يؤمن عليها، اذ النساء لحم على وضم (١) الا ما ذب عنه. وقول الله «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (٢) الآية. لا تتناول النساء حال عدم الزوج والمحرم، لان المرأة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها فتحتاج الى من يركبها، وينزلها، ولا يجوز ذلك لغير الزوج والمحرم فلم تكن مستطيعة فى هذه الحالة فلا يتناولها النص، فان امتنع الزوج أو المحرم عن الخروج فلا يجبران على الخروج، ولو امتنع من الخروج لارادة زاد وراحلة.
ذكر القدورى فى شرحه - مختصر الكرخى أنه يلزمها ذلك ويجب عليها الحج بنفسها لان المحرم والزوج من ضرورات حجها بمنزلة الزاد والراحلة
اذ لا يمكنها الحج بدونه كما لا يمكنها الحج بدون الزاد والراحلة ولا يمكن الزام ذلك للزوج أو المحرم من مال نفسه فيلزمها ذلك له كما يلزمها الزاد والراحلة لنفسها.
وذكر القاضى فى شرحه فى مختصر الطحاوى أنه لا يلزمها ذلك ولا يجب الحج عليها.
ثم ساق الكاسانى الدليل على وجوب الحج على المرأة اذا وجدت المحرم فقال (٣): والدليل على أنها اذا وجدت محرما فقد استطاعت الى حج البيت سبيلا لانها قدرت على الركوب والنزول وأمنت المحاوف لان المحرم يصونها.
ثم قال الكاسانى فى موضع آخر:
وسواء كانت المرأة شابة أو عجوزا فانها لا تخرج الا اذا كان معها زوج أو محرم لها، لان ما روينا من الحديث لا يفصل بين المرأة الشابة والمرأة العجوز، وكذا المعنى لا يوجب الفصل بين الشابة والعجوز، لما ذكرنا من حاجة المرأة الى من يركبها وينزلها بل ان حاجة العجوز الى ذلك أشد، لانها أعجز.
وانما يشترط المحرم أو الزوج اذا كان بين المرأة وبين مكة ثلاثة أيام فصاعدا فان كان أقل من ذلك حجت بغير محرم لان المحرم يشترط للسفر وما دون ثلاثة أيام ليس بسفر.
стр. 2140
مذهب المالكية:
يختلف المالكية فى حكم الاستطاعة بالنسبة للحج هل هى سبب أو شرط، وعلى القول بأنها شرط اختلفوا فى أنها شرط وجوب أو شرط صحة.
قال خليل ووجب الحج باستطاعة وفسر ذلك الخطاب بقوله يعنى أن سبب وجوب الحج الاستطاعة (١).
ثم قال الحطاب لكن أهل المذهب يجعلون الاستطاعة من شروط الوجوب وعلى ذلك مشى ابن بشير وابن شاس وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم.
ونقل عن البعض أن الاستطاعة شرط من شروط صحة الحج، ونقل عن زروق أن الاستطاعة شرط وجوب لا صحة على الاصح.
ثم قال الحطاب فيتحصل فى الاستطاعة ثلاثة أقوال:
أحدها أنها سبب.
والثانى أنها شرط فى وجوب الحج، وهما متقاربان.
والثالث أنها شرط فى الصحة وهو ضعيف.
وفسروا الاستطاعة كما ذكر الحطاب بأنها امكان الوصول الى مكة بلا مشقة عظمت مع الامن على النفس والمال وهذا هو المشهور فى المذهب.
ونقل عن مالك فى كتاب محمد وفى سماع أشهب لما سئل عن قول الله تعالى «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» الآية أذلك الزاد والراحلة؟ قال لا والله، ما ذاك الا طاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة، ولا يقدر على المسير، وآخر يقدر أن يمشى على رجليه، ولا صفة فى هذا أبين مما قال الله تعالى «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»﴾.
وقيل الاستطاعة (٢). الزاد والراحلة وهو قول سحنون وابن حبيب، يدل عليه ما رواه أبو داود والترمذى من أن الرسول ﷺ لما سئل عن الاستطاعة قال ﵊ هى الزاد والراحلة.
قال ابن رشد فى سماع أشهب وما روى عن رسول الله ﷺ معناه فى بعيد الدار.
ونقل عن المتأخرين قبولهم التقييد بذلك، قال سحنون: الاستطاعة الزاد والراحلة لبعيد الدار والطريق المسلوك،