ذكرا كان أو أنثى، ويعتبر فى حق كل انسان ما يبلغه وما يليق بحاله عادة وعرفا، وتعتبر الاستطاعة فى الراحلة بقدرته عليها فى جميع الطريق سواء كان قادرا على المشى أولا، أما ان أمكنه أن يكترى مع غيره راحلة يتعاقبان ركوبها فلا يجب عليه الحج، لانه غير قادر على الراحلة، والقدرة على الزاد لا تثبت الا بالملك لا بالاباحة، كما لا تثبت القدرة على الراحلة الا بالملك أو الاجارة لا بالعارية والاباحة، فلو بذل الابن لابيه الطاعة وأباح له الزاد والراحلة لا يجب عليه الحج، وكذا لو وهب له مال ليحج به لا يجب عليه القبول.
واشتراط القدرة على الزاد عام فى حق كل أحد حتى أهل مكة وأما القدرة على الراحلة فشرط فى حق غير المكى وأما هو فلا، ومن حولها كأهلها لانه لا يلحقهم مشقة فأشبه الحج بالنسبة لهم السعى الى الجمعة. أما اذا كان لا يستطيع المشى أصلا فلا بد منه فى حق الكل.
ولا تسقط الاستطاعة بدار يسكنها وعبد يستخدمه وثياب يلبسها ومتاع يحتاج اليه، أما ان كانت له دار لا يسكنها وعبد لا يستخدمه فعليه أن يبيعه ويحج، بخلاف ما اذا كان سكنه وهو كبير يفضل عنه حتى يمكنه بيعه والاكتفاء بما دونه ببعض ثمنه، ويحج بالفضل فانه لا يجب بيعه كما لا يجب بيع مسكنه والاقتصار على السكنى بالاجارة اتفاقا، ولو لم يكن له مسكن ولا خادم وعنده مال يبلغ ثمن ذلك ولا يبقى بعده قدر ما يحج به فانه لا يجب عليه الحج لان هذا المال مشغول بالحاجة الاصلية اليه ولا بد أن يفضل رأس مال التجارة ان كان تاجرا وكذا الدهقان (١) والمزارع، ورأس المال يختلف باختلاف الناس.
والقدرة على الزاد والراحلة تكون بما فضل عن مسكنه وما لا بد له منه.
ونفقة ذهابه وايابه وعياله، والمراد بالعيال من تلزمه نفقته، ويدخل فى نفقة عياله سكناهم وكسوتهم وأن يكون مالكا لذلك فى أشهر الحج حتى لو ملك ما به الاستطاعة قبلها كان فى سعة من صرفها الى غيره (٢).
وجاء فى حاشية ابن عابدين (٣): أن سلامة البدن وأمن الطريق والمحرم من شروط الاداء كما أنهم اعتبروا اشتراط القدرة فى أشهر الحج شرطا غير شرط الاستطاعة مما يجعل الاستطاعة قاصرة على الزاد والراحلة دون غيرهما.
стр. 2137
غير أنه قد أورد الكمال بن الهمام فى فتح القدير (١) رواية عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن أمن الطريق شرط الوجوب لان الوصول بدونه لا يكون الا بمشقة عظيمة فصار من الاستطاعة وهى شرط الوجوب.
وأورد فى الرد على هذه الرواية أن أمن الطريق لو كان من الاستطاعة لذكره النبى ﷺ حينما سئل عنها، لكنه ﷺ فسرها بالزاد والراحلة، فلو كان أمن الطريق داخلا فى الاستطاعة لكان فى تفسير النبى ﷺ للاستطاعة تأخير للبيان عن وقت الحاجة.
غير أن كلام صاحب البدائع ظاهر فى اعتبار أمن الطريق وصحة البدن والمحرم بالنسبة للمرأة من الاستطاعة فيقول (٢): من شرائط فرضية الحج صحة البدن، فلا حج على المريض والزمن والمقعد والمفلوج والشيخ الكبير الذى لا يثبت على الراحلة بنفسه والمحبوس والممنوع من قبل السلطان الجائر من الخروج الى الحج، لان الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج، والمراد منها استطاعة التكليف وهى سلامة الاسباب والآلات، ومن جملة الاسباب سلامة
البدن عن الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه فى سفر الحج، لان الحج عبادة بدنية، فلا بد من سلامة البدن ولا سلامة مع المانع، وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنه فى قول الله «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٣)» الآية. أن السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يحجب، ولان القرب والعبادات وجبت بحق الشكر لما أنعم الله على المكلف فاذا منع السبب الذى هو النعمة وهو سلامة البدن أو المال كيف يكلف بالشكر ولا نعمة.
وأما الاعمى فقد ذكر فى الاصل عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا حج عليه بنفسه وان وجد زادا وراحلة وقائدا وانما يجب فى ماله اذا كان له مال.
وروى الحسن رضى الله تعالى عنه عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فى الاعمى والمقعد والزمن أن عليهم الحج بأنفسهم.
وقال أبو يوسف ومحمد رضى الله عنهما: يجب على الاعمى الحج بنفسه اذا وجد زادا وراحلة ومن يكفيه مؤنة سفره فى خدمته ولا يجب على الزمن والمقعد والمقطوع.
стр. 2138
بدليل ما روى أن رسول الله ﷺ سئل عن الاستطاعة فقال ﷺ هى الزاد والراحلة.
فالنبى ﷺ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وللاعمى هذه الاستطاعة فيجب عليه الحج لان الاعمى لا يهتدى الى الطريق بنفسه، ويهتدى بالقائد فيجب عليه بخلاف الزمن والمقعد ومقطوع اليد والرجل لان هؤلاء لا يقدرون على الاداء بأنفسهم.
ووجه رواية الحسن فى الزمن والمقعد أنهما يقدران بغيرهما والقدرة بالغير كافية كالقدرة بالزاد والراحلة.
ووجه رواية الاصل لابى حنيفة رحمه الله تعالى أن الاعمى لا يقدر على أداء الحج بنفسه ولا يقدر على ما لا بد منه فى الطريق بنفسه من الركوب والنزول وغير ذلك وكذا الزمن والمقعد فلم يكونا قادرين على الاداء بأنفسهم بل بقدرة غير مختارة فلم تثبت الاستطاعة على الاطلاق، ولهذا لم يجب الحج على الشيخ الكبير الذى لا يستمسك على الراحلة وان كان ثمة غيره يمسكه.
وانما فسر رسول الله ﷺ الاستطاعة بالزاد والراحلة لكونهما من الاسباب الموصلة الى الحج لا لاقتصار الاستطاعة عليهما بل للتنبيه على أسباب الامكان فكلما كان من أسباب الامكان يدخل تحت تفسير الاستطاعة معنى، ولان فى ايجاب الحج على الاعمى والزمن والمقعد والمفلوج والمريض والشيخ الكبير الذى لا يثبت على الراحلة حرجا بينا ومشقة شديدة وقد قال الله «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (١) الآية.
ثم قال الكاسانى (٢) فى موضع آخر ومن شرائط فرضية الحج أمن الطريق، وأنه من شرائط الوجوب بمنزلة الزاد والراحلة على الصحيح، لان الله شرط الاستطاعة، ولا استطاعة بدون أمن الطريق، كما لا استطاعة بدون الزاد والراحلة، وبيان رسول الله ﷺ فى الاستطاعة بالزاد والراحلة انما هو بيان كفاية ليستدل بالمنصوص عليه على غيره لاستوائهما فى المعنى، وهو امكان الوصول الى البيت، ألا ترى أنه كما لم يذكر أمن الطريق لم يذكر صحة الجوارح وزوال سائر الموانع الحسية فكان شرط الزاد والراحلة شرطا لا من الطريق ضرورة.
ثم قال الكاسانى فى موضع آخر (٣):
والذى يخص النساء: أن يكون مع المرأة زوجها، أو محرم لها - والمحرم هو أن يكون ممن لا يجوز له نكاحها على التأييد
стр. 2139
- فان لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج، بدليل ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلّى الله وسلم أنه قال: «لا تحجن امرأة الا ومعها محرم»، ولانها اذا لم يكن معها زوج ولا محرم لا يؤمن عليها، اذ النساء لحم على وضم (١) الا ما ذب عنه. وقول الله «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (٢) الآية. لا تتناول النساء حال عدم الزوج والمحرم، لان المرأة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها فتحتاج الى من يركبها، وينزلها، ولا يجوز ذلك لغير الزوج والمحرم فلم تكن مستطيعة فى هذه الحالة فلا يتناولها النص، فان امتنع الزوج أو المحرم عن الخروج فلا يجبران على الخروج، ولو امتنع من الخروج لارادة زاد وراحلة.
ذكر القدورى فى شرحه - مختصر الكرخى أنه يلزمها ذلك ويجب عليها الحج بنفسها لان المحرم والزوج من ضرورات حجها بمنزلة الزاد والراحلة
اذ لا يمكنها الحج بدونه كما لا يمكنها الحج بدون الزاد والراحلة ولا يمكن الزام ذلك للزوج أو المحرم من مال نفسه فيلزمها ذلك له كما يلزمها الزاد والراحلة لنفسها.
وذكر القاضى فى شرحه فى مختصر الطحاوى أنه لا يلزمها ذلك ولا يجب الحج عليها.
ثم ساق الكاسانى الدليل على وجوب الحج على المرأة اذا وجدت المحرم فقال (٣): والدليل على أنها اذا وجدت محرما فقد استطاعت الى حج البيت سبيلا لانها قدرت على الركوب والنزول وأمنت المحاوف لان المحرم يصونها.
ثم قال الكاسانى فى موضع آخر:
وسواء كانت المرأة شابة أو عجوزا فانها لا تخرج الا اذا كان معها زوج أو محرم لها، لان ما روينا من الحديث لا يفصل بين المرأة الشابة والمرأة العجوز، وكذا المعنى لا يوجب الفصل بين الشابة والعجوز، لما ذكرنا من حاجة المرأة الى من يركبها وينزلها بل ان حاجة العجوز الى ذلك أشد، لانها أعجز.
وانما يشترط المحرم أو الزوج اذا كان بين المرأة وبين مكة ثلاثة أيام فصاعدا فان كان أقل من ذلك حجت بغير محرم لان المحرم يشترط للسفر وما دون ثلاثة أيام ليس بسفر.
стр. 2140
مذهب المالكية:
يختلف المالكية فى حكم الاستطاعة بالنسبة للحج هل هى سبب أو شرط، وعلى القول بأنها شرط اختلفوا فى أنها شرط وجوب أو شرط صحة.
قال خليل ووجب الحج باستطاعة وفسر ذلك الخطاب بقوله يعنى أن سبب وجوب الحج الاستطاعة (١).
ثم قال الحطاب لكن أهل المذهب يجعلون الاستطاعة من شروط الوجوب وعلى ذلك مشى ابن بشير وابن شاس وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم.
ونقل عن البعض أن الاستطاعة شرط من شروط صحة الحج، ونقل عن زروق أن الاستطاعة شرط وجوب لا صحة على الاصح.
ثم قال الحطاب فيتحصل فى الاستطاعة ثلاثة أقوال:
أحدها أنها سبب.
والثانى أنها شرط فى وجوب الحج، وهما متقاربان.
والثالث أنها شرط فى الصحة وهو ضعيف.
وفسروا الاستطاعة كما ذكر الحطاب بأنها امكان الوصول الى مكة بلا مشقة عظمت مع الامن على النفس والمال وهذا هو المشهور فى المذهب.
ونقل عن مالك فى كتاب محمد وفى سماع أشهب لما سئل عن قول الله تعالى «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» الآية أذلك الزاد والراحلة؟ قال لا والله، ما ذاك الا طاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة، ولا يقدر على المسير، وآخر يقدر أن يمشى على رجليه، ولا صفة فى هذا أبين مما قال الله تعالى «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»﴾.
وقيل الاستطاعة (٢). الزاد والراحلة وهو قول سحنون وابن حبيب، يدل عليه ما رواه أبو داود والترمذى من أن الرسول ﷺ لما سئل عن الاستطاعة قال ﵊ هى الزاد والراحلة.
قال ابن رشد فى سماع أشهب وما روى عن رسول الله ﷺ معناه فى بعيد الدار.
ونقل عن المتأخرين قبولهم التقييد بذلك، قال سحنون: الاستطاعة الزاد والراحلة لبعيد الدار والطريق المسلوك،
стр. 2141
بل حكى سند الاجماع على أن من كان دون مسافة القصر لا يعتبر فى حقه وجود الراحلة.
والدليل على الاعتبار بالقدرة دون الملك أن المتمكن من المشى الى الحج وهو منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة لم يعتبر فى وجوبه عليه الراحلة اجماعا.
ثم قال الحطاب: اذا فسرنا الاستطاعة بامكان الوصول كما هو المشهور دخل فى ذلك امكان المسير وأمن الطريق.
وان فسرناها بالزاد والراحلة قال سند فهما شرطان زائدان.
ونقل عن أصحاب الشافعى ومعظم أصحاب أبى حنيفة ﵏ أنهما شرطا وجوب وهو الجارى على أصول أصحابنا.
وقال الدسوقى فى حاشيته: الاستطاعة التى هى شرط فى الوجوب عبارة عن امكان الوصول من غير مشقة عظيمة مع الامن على النفس والمال.
ويزاد على ذلك فى حق المرأة أن تجد محرما من محارمها يسافر معها أو زوجا لقول رسول الله ﷺ «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة الا ومعها محرم، وأطلق فى المحرم فيعم المحرم من النسب والصهر والرضاع، ويعم المتجالة (١) والشابة، ولا يشترط أن تكون هى والمحرم مرافقين، فلو كان أحدهما فى أول الركب والثانى فى آخره بحيث اذا احتاجت اليه أمكنها الوصول بسرعة كفى على الظاهر (٢).
واذا فسرت الاستطاعة بامكان الوصول كما هو المشهور دخل فى ذلك امكان المسير، ومعنى امكان المسير أن يبقى بينه وبين الحج زمان يمكنه المسير فيه السير المعتاد لتأدية الحج، لان فعل العبادة لا يجب الا بامكانه كسائر العبادات، قاله سند.
وقال غيره من المالكية: ان كان يمكنه تحمل المشقة فى ذلك لزمه الحج.
يقول الحطاب: والظاهر أنه اذا كان يمكنه حمل المشقة وليست عظيمة، فهو مستطيع، وان كانت المشقة عظيمة فالظاهر أنه لا يقول أحد بوجوب تحملها، ونقل عن صاحب الشامل أنه يعتبر الامن على النفس اتفاقا، وعلى المال من لصوص على المشهور.
стр. 2142
وقال الحطاب: السلطان الذى يخاف أنه متى حج اختل أمر الرعية ويفسد نظامهم من خوف عدو الدين أو المفسدين من المسلمين، ويغلب على الظن وقوع ذلك، فالظاهر أنه غير مستطيع، فقد سئل ابن رشد: ما قولكم فى سلطان عليه حجة الاسلام، وخاف أنه متى حج بنفسه اختل أمر الرعية وفسد نظامهم، واستولى الكفار على بلادهم، فهل يجوز له أن يستأجر من يحج عنه أم لا؟ وما الحكم فى ذلك؟ فأجاب: اذا تحقق ما ذكر فلا كلام فى سقوط الحج عنه، لانه غير مستطيع، وان تحقق أن ما خشيه من اختلال أمور الرعية وصف لا يرجى زواله فهو كالمعضوب (١) فيجوز له الاستنابة على ما هو مشهور المذهب، وان رجى زوال ما خشيه فلا يجوز فيه الاستنابة كالمريض المرجو صحته.
وقال الحطاب (٢): وتشمل الاستطاعة الامن من القتل والاسر، والامن على البضع ولا خلاف فى اعتبار ذلك، ويشمل الامن على المال من اللصوص، قال الحطاب: وقد يطلق اللص على المحارب، وأما السارق الذى يندفع بالحراسة فلا يسقط به الحج، ويشمل
أيضا الامن على المال من المكاس - وهو الذى يأخذ من أموال الناس شيئا مرتبا فى الغالب.
ونقل عن التوضيح عن أبى محمد عبد الصادق فى شرح الرسالة أنه قال:
قال مالك: فيمن لا يستطيع الحج من اللصوص هو عذر بين، ثم رجع بعد ما أفتى به زمانا فقال: لا ينجى حذر من قدر ويجب عليه الحج.
قال ابن المواز لم يقل ذلك مالك الا فى مدينة رسول الله ﷺ .
وأما غيرها من الامصار فهو مخير ان شاء أجاب وان شاء ترك.
ونقل عن خليل أنه قال: الا لاخذ ظالم ما قل ولا يمكث - أى لا يعود للاخذ ثانيا على الاظهر، وذكر أن فى ذلك قولين.
أظهرهما عدم سقوط الحج.
والثانى سقوطه.
ونقل الحطاب عن التوضيح: أنه ان كان ما يأخذه المكاس غير معين أو كان معينا مجحفا سقط الوجوب.
وفى غير المحجف قولان.
أظهرهما عدم السقوط وهو قول الابهرى واختاره ابن العربى وغيره.
والقول الآخر حكاه ابن القصار عن بعض الاصحاب.
стр. 2143
وجاء فى التاج والاكليل (١): قال ابن القصار: اختلف أصحابنا فيمن لا يمكنهم الوصول الى الحج الا باخراج المال الى السلطان الجائر.
فقال بعضهم لا يجب الحج عليه.
وقال شيخنا أبو بكر الابهرى: ان لم يمكنه الا باخراج المال الكثير الذى يشق عليه ويخرج عن العادة لم يلزمه، وان كان شيئا قريبا فالحج واجب عليه.
وفى موضع آخر يقول الحطاب (٢)، تعليقا على ما أوردناه قبل من قول مالك حينما قيل له: الاستطاعة الزاد والراحلة، وقال: لا، والله ما ذاك الا طاقة الناس .. الخ.
قال الحطاب: ان ذلك يختلف باختلاف الناس، فقد يجب الحج بلا زاد ولا راحلة اذا كان المكلف له صنعة يعملها فى الطريق، وتقوم به بأن يقدر على فعلها، وتكون نافعة بحيث يحصل منها قوته، ويكون قادرا على المشى.
وفى التاج والاكليل بهامش الحطاب فى نفس الموضع: ان الحج تارة يجب بوجود الزاد والمركب، وتارة يجب مع عدمهما، وتارة يجب بوجود أحدهما،
ويقول الحطاب: ومن كانت به زمانة فى بعض أعضائه وأمكنه الوصول معها الى مكة بلا مشقة عظيمة مع الامن وجب عليه الحج كأعمى اذا وجد قائدا يقوده فى الطريق ولو بأجرة اذا قدر عليها وكانت له قدرة على المشى أو كانت له صنعة يعملها فى الطريق أو لا تكون له صنعة ووجد الزاد ومن يحمله أو كانت له قدرة على حمل زاده.
ومثل الاعمى أقطع اليدين وأشلهما وأقطع الرجلين وأشلهما والاعرج اذا قدروا على الوصول.
وقال خليل: واذا عجز عن الزاد أو الراحلة اعتبر المعجوز عنه منهما بالنسبة لسقوط الوجوب، ونقل عن سند:
أنه اذا لم يقدر على المشى ولم تكن له صنعة اعتبر فى حقه وجود الزاد والراحلة فاذا قدر عليهما ولم يكن به مرض ولا ضعف يمنعه من الركوب فهذا يجب عليه الحج وان لحقته مشقة الا أن تكون عظيمة لا يمكنه تحملها، وان قدر على المشى ولم تكن له صنعة تقوم به اعتبر فى حقه وجود الزاد المبلغ الى مكة أو ما يرد به الى بلده، فان كانت له صنعة الا أنها لا تقوم به، ولكنه يجد من الزاد ما يقوم به مع الصنعة وجب عليه الحج، ولو كانت له صنعة تقوم به ولكنه لا يقدر على المشى اعتبر فى حقه وجود الراحلة.
стр. 2144
ويشترط فى الصنعة التى يلزمه الخروج معها ألا تزرى به وتخرج به عن عادته قال اللخمى: أما الخروج عن عادته فى المشى اذا لم يكن المشى عادة له فغير مراعى، ولم يزل الناس والصحابة يعدون ذلك شرفا، وكون قدرة المشى لغير معتاد عليه تعتبر استطاعة هو قول اللخمى والباجى وصاحب الطراز.
ونقل الحطاب (١) عن التوضيح ما نقله عبد الحق عن بعض شيوخه من أنه يعتبر فى الاستطاعة وجود الماء فى كل منهل.
كما ذكر أن المعتبر فى الاستطاعة هو امكان الوصول وان حصل ذلك الامكان بثمن مملوك للمكلف.
وفى التاج والاكليل على هامش الحطاب (٢) نقلا عن القرافى بأن من غصب مالا فحج به أجزأه حجه عند الجمهور.
ثم بين خليل والدردير (٣) أنه ليس من شروط الاستطاعة أن يكون عنده من الدنانير والدراهم ما يصرفه فى حجه بل يلزمه أن يبيع من عروضه وان كان محتاجا اليها، ومن يخشى الهلاك على نفسه أو على أولاده فانه لا يعتبر مستطيعا لان الله
أوجب عليه نفقتهم فى ماله، كما أوجب عليه الحج فيه، فهما حقان لله تعينا عليه فى ماله، فاذا ضاق عنهما وجب عليه أن يبدأ بنفقة الولد، وحكم نفقة الابوين حكم نفقة الولد.
وأما نفقة الزوجة فقال اللخمى وصاحب البيان وصاحب الطراز أنه لا يجب عليه الحج حتى يجد ما يتركه لها بناء على أن الحج واجب على التراخى.
ومن عنده مال يكفيه للحج فقط أو للزواج فقط، فعلى القول بأن الحج على الفور يقدم الحج، الا أن يخشى على نفسه العنت فيتزوج ويؤخر الحج.
وقال الحطاب (٤): لو تصدق بالمال الذى يصير به مستطيعا للحج أو اشترى عبدا وأعتقه فان الصدقة ماضية وقد فعل محرما، وأما التوفير والجمع ليصير مستطيعا فلا يجب.
ولو كانت له دار يسكنها وخادم يحتاج اليه واذا باعهما وجد دارا وخادما يكتريهما ويفضل له ما يحج به قال صاحب الطراز فعليه فى ظاهر المذهب الحج على القول بالفور لانه يجد السبيل اليه فوجب عليه.
وقالوا اذا كان عليه دين للعباد أو دين زكاة فقضاؤه مقدم على الحج بلا خلاف
стр. 2145
بخلاف دين أبيه فانه يقدم الحج عليه.
أما دين الكفارات والهدايا فالظاهر أن الحج مقدم عليها لانها على التراخى، والراجح فى الحج أنه على الفور، وأن للكفارات بدلا، وهو الصيام، فيرجع اليه.
ومن لا يستطيع الحج الا بدين أو عطية بأن يستدين مالا فى ذمته - ولا جهة وفاء له - فان الحج لا يجب عليه لعدم استطاعته وهذا متفق عليه، وأما من له جهة وفاء فهو مستطيع اذا كان فى تلك الجهة ما يمكنه به الوصول الى مكة، واذا أعطى له مال على جهة الصدقة والهبة فانه لا يقبله لان الحج ساقط، وظاهر كلام صاحب الطراز أنه متفق عليه أيضا لما فى ذلك من تحمل المنة.
وظاهر كلام البساطى أن فى ذلك خلافا.
وقال صاحب الطراز (١) ان كان الباذل له المال ولده قبله وحج به.
وقال مالك لا يلزمه قبوله لانه فيه سقوط حرمة الابوة.
وفى التاج والاكليل (٢): قال ابن عرفة لا يجب الحج على فقير غير معتاد
السؤال فى الحضر ويقدر على سؤال كفايته فى السفر.
وقال خليل فى مناسكه وظاهر المذهب أنه لا يجب على من عادته السؤال اذا كانت العادة اعطاءه ويكره له المسير، فان لم تكن عادته السؤال أو لم تكن العادة اعطاءه سقط الحج عنه بالاتفاق.
وقال الحطاب (٣): ونصوص أهل المذهب التى وقفت عليها مصرحة بأن الحج واجب على من عادته السؤال اذا كانت العادة اعطاءه كما قال.
وكما يعتبر فى الاستطاعة امكان الوصول فانه يعتبر كذلك ما يرجع به ان خشى على نفسه الضياع فى مكة، وكذا قال اللخمى، وساقه على أنه المذهب، واقتصر عليه ابن عرفة.
ثم قال الحطاب، واذا أمكنه المقام فى مكة بحرفة أو تسبب فلا يعتبر ما يرجع به ولكن لا بد أن تكون الحرفة لا تزرى به.
وقال الحطاب (٤): البحر طريق الى الحج كالبر فيجب سلوكه اذا تعين ولم يكن ثم طريق سواه وان لم يتعين فيخير، وهو المشهور قاله سند، وقال الباجى انه ظاهر المذهب، وروى القاسم عن مالك كراهة الحج فيه الا لمن لم يجد طريقا سواه.
стр. 2146
ويدخل فى الاستطاعة المحرم أو الزوج بالنسبة للمرأة على ما ذكره الدسوقى على ما تقدم.
يقول خليل والحطاب (١): ويشترط فى وجوب الحج على المرأة أيضا وجود زوج أو محرم فان لم يكن لها محرم ولا زوج فيجب عليها الخروج للحج فى الفرض فى رفقة مأمونة.
والاصل فى هذا ما ورد فى الحديث الصحيح، وروى مالك فى جامع الموطأ عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة الا مع ذى محرم منها»
ونقل الحطاب عن التوضيح أن العلماء قاسوا الزوج على المحرم بطريق الاولى وقال: بل ورد النص على الزوج فى الصحيحين وعلى هذا فمن وجد من الثلاثة الزوج أو المحرم أو الرفقة المأمونة خرجت معها.
ثم قال الحطاب (٢): وظاهر النقول التى وقفت عليها أنها تخرج مع الرفقة
المأمونة عند عدم الزوج أو المحرم أو امتناعه.
ونقل عن مالك فى الموطأ أن المرأة التى لم تحج قط اذا لم يكن لها محرم يخرج معها أو كان لها ولم يستطع أن يخرج معها أنها لا تترك فريضة الحج ولتخرج فى جماعة من النساء.
قال الحطاب: واذا امتنع الزوج والمحرم من الخروج معها الا بأجرة، فاذا لم تكن هناك رفقة مأمونة فلا شك فى لزوم ذلك لها، وأما مع وجود الرفقة المأمونة فظاهر النصوص لزوم ذلك لها أيضا.
قال الحطاب، ولضعف المرأة وعجزها اعتبر الشارع فى حقها أنه لا يجب عليها الحج ماشية من المكان البعيد لخوف عجزها، وحد القرب الذى يلزمها المشى منه مثل مكة وما حولها.
واستثنى اللخمى المتجالة ومن لا يؤبه بها من النساء.
وقال الحطاب: ان اطلاق كلام مالك يفيد أن المشى لا يجب على المرأة من المكان البعيد ولو كانت متجالة.
وفى الشرح الصغير (٣): ولا تصح نيابة من أحد عن شخص مستطيع فى
стр. 2147
حج فرض لانه عمل بدنى لا يقبل النيابة.
وقال الصاوى فى حاشيته الاستنابة فاسدة مطلقا سواء كان المحجوج عنه مستطيعا أولا فى فرض أو نفل ان كان حيا.
وقال الحطاب (١): والعبد والصبى والمجنون غير مستطيعين للحج لان المملوك لا تصرف له فى نفسه والصبى والمجنون محجور عليهما فى التصرف فى أموالهما.
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج (٢): الاستطاعة واجبة للحج بالاجماع «قال الله «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» الآية، فلا يجب على كافر أصلى لو أسلم وهو معسر بعد استطاعته فى الكفر بخلاف المرتد، فان النسك يستقر فى ذمته باستطاعته فى الردة، ولا يجب على غير مكلف، ولا على من فيه رق، لان منافعه مستحقة فليس مستطيعا.
والاستطاعة عندهم نوعان (٣):
أحدهما: استطاعة مباشرة لحج أو عمرة بنفسه ولها شروط أربعة.
الشرط الاول: وجود الزاد الذى يكفيه حتى السفرة، وكلفة ذهابه لمكة وايابه الى بلده، وان لم يكن له فيها أهل وعشيرة.
وقيل ان لم يكن ببلده من تلزمه نفقتهم ولو كانوا من جهة الام لم تشترط فى حقه نفقة الاياب لان البلاد كلها بالنسبة اليه سواء.
والاصح الاول لما فى الغربة من الوحشة.
والوجهان جاريان أيضا فى الراحلة للرجوع ويدخل فى المؤنة الزاد وأوعيته
ومحل الخلاف اذا لم يكن له ببلده مسكن وكان له فى الحجاز حرفة تقوم بمؤنتة والا اشترطت نفقة الاياب بلا خلاف فلو لم يجد ما ذكر ولكن كان. يكسب فى سفره ما يفى بزاده وباقى مؤنه وكان سفره لمرحلتين فأكثر لم يكلف الحج، ولو كان يكسب فى يوم كفاية أيام لانه قد ينقطع عن الكسب لعارض وبتقدير عدم الانقطاع فالجمع بين تعب السفر والكسب فيه مشقة عظيمة، وان كان بمكة أو على دون مرحلتين منها وهو يكسب فى يوم كفاية أيام كلف الحج لقلة المشقة حينئذ، بخلاف ما اذا كان يكسب فى كل يوم ما يفى به فقط، فلا يكلف، لانه قد ينقطع عن كسبه فى أيام الحج، فان لم يجد زادا واحتاج أن يسأل
стр. 2148
الناس كره له، ولو كان يقدر فى الحضر على أن يكتسب فى يوم ما يكفيه لذلك اليوم وللحج قال الاسنوى، اذا كان السفر قصيرا لزمه لانهم اذا ألزموه به فى السفر ففى الحضر أولى، وان كان طويلا فكذلك لانتفاء المحظور، والمتجه كما قال بعض المتأخرين خلافه فى السفر الطويل.
الشرط الثانى: من شروط الاستطاعة وجود الراحلة الصالحة لمثله بشراء أو استئجار بثمن المثل أو بأجرة المثل لمن بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، قدر على المشى أم لا، لكن يستحب للقادر على المشى الحج خروجا للخلاف ممن أوجبه.
وكلام الرافعى أنه لا فرق فى استحباب المشى بين الرجل والمرأة وهو المعتمد كما فى «المهمات».
وقال القاضى حسين لا يستحب للمرأة الخروج الى الحج ماشية لانها عورة.
ثم قال فى معنى المحتاج، ومن بينه وبين مكة دون مرحلتين، وهو قوى على المشى يلزمه الحج لعدم المشقة فلا يعتبر فى حقه وجود الراحلة وما يتعلق بها، فان ضعف عن المشى بأن عجز أو لحقه ضرر ظاهر فكالبعيد عن مكة، فيشترط فى حقه وجود الراحلة وما يتعلق بها.
ثم قال: ويشترط كون ما ذكر من الزاد والراحلة فاضلين عن دينه حالا كان أو مؤجلا سواء كان لآدمى أم لله تعالى كنذر وكفارة، ولو كان له فى ذمة شخص مال، فان أمكن تحصيله فى الحال فكالحاصل عندهم، والا فكالمعدوم وفاضلين عن مؤنة من عليه نفقتهم مدة ذهابه وايابه لئلا يضيعوا، وأن يكون ذلك فاضلا (١) عن مسكنه اللائق المستغرق لحاجته، وعن عبد يليق به ويحتاج اليه لخدمته لمنصب أو عجز، وقيل: بل يباعان قياسا على الدين.
ومحل الخلاف اذا كانت الدار مستغرقة لحاجته، وكانت سكنى مثله والعبد يليق به، فاما اذا أمكن بيع بعض الدار ووفى ثمنه بمؤنة الحج فانه يلزمه ذلك جزما.
قال الاسنوى: وكلامهم يشمل المرأة المكتفية باسكان الزوج واخدامه لان الزوجية قد تنقطع فتحتاج اليها.
قال الزركشى: المراد بالحاجة: حاجة اليوم والليلة كما اقتضاه كلام الغزالى فى الاحياء فلم يعتبروا حاجته فى المستقبل.
واشترطوا أيضا كون ما ذكر فاضلا عن كتب العالم الا أن يكون له من تصنيف واحد نسختان.
стр. 2149
وحكم خيل الجند وسلاحه ككتب الفقه.
والحاجة الى النكاح لا تمنع الوجوب، لكن الافضل لخائف العنت تقديم النكاح ولغيره تقديم النسك.
ثم قال: والاصح أنه يلزمه صرف مال تجارته للزاد والراحلة وما يتعلق بهما ويلزم من له مستغلات يحصل منها نفقته أن يبيعها ويصرفها لما ذكر فى الاصح.
وقيل لا يلزمه لئلا يلتحق بالمساكين.
الشرط الثالث من شروط الاستطاعة (١):
أمن الطريق ولو ظنا فى كل مكان بحسب ما يليق به، فلو خاف فى طريقه على نفسه أو عضوه أو نفس محترمة معه أو عضوها أو ماله ولو يسيرا ولا طريق له سواه لم يجب الحج عليه لحصول الضرر.
والمراد بالامن: الامن العام، حتى لو كان الخوف فى حقه وحده لم يمنع الوجوب كما جزم صاحب الكفاية.
أما اذا كان له طريق آخر آمن فانه يلزمه سلوكه وان كان أبعد من الاول.
والمذهب كما كان فى الروضة وجوب ركوب البحر لمن لا طريق له غيره ولو
امرأة ان غلبت السلامة فى ركوبه فان غلب الهلاك أو استوى الامران لم يجب بل يحرم فى الاول قطعا وفى الثانى على الصحيح.
ثم قال: ولا بد من وجود رفقة يخرج معهم فى الوقت الذى جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه ان احتاج الى الرفقة لدفع الخوف، فان أمن الطريق بحيث لا يخاف الواحد لزمه ولا حاجة الى الرفقة ثم قال (٢): ويشترط للمرأة أن يخرج معها زوج أو محرم لها بنسب أو غيره أو نسوة ثقات، لان سفرها وحدها حرام، وان كانت فى قافلة لخوف استمالتها وخديعتها ولخبر الصحيحين «لا تسافر المرأة يومين الا ومعها زوجها أو ذو محرم، وكالمحرم عبدها الامين، وينبغى كما قاله بعض المتأخرين عدم الاكتفاء بالصبى اذ لا يحصل لها معه الامن على نفسها الا فى مراهق ذى وجاهة بحيث يحصل معه الامن لاحترامه.
وأقل الرفقة الثقات من النساء ثلاث غيرها قال الاسنوى: المتجه الاكتفاء بأقل الجمع وهو ثلاث وهذا شرط للوجوب.
стр. 2150
أما الجواز فيجوز لها أن تخرج لاداء حجة الاسلام مع المرأة الثقة على الصحيح.
وكذا يجوز لها الخروج وحدها اذا أمنت.
أما حج التطوع وغيره من الاسفار التى لا تجب فليس للمرأة أن تخرج اليه مع امرأة، بل ولا مع النسوة الخلص.
ثم قال: ويشترط فى الخنثى المشكل محرم الرجال أو النساء لا أجنيات.
ثم قال والاصح أنه يلزم المرأة أجرة المحرم اذا لم يخرج معها الا بها اذا كانت أجرة المثل، وأجرة الزوج كالمحرم كما صرح به فى الحاوى الصغير، وفى أجرة النسوة نظروا لمتجه الحاقهن بالمحرم.
الشرط الرابع من شروط الاستطاعة: (١)
أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة فمن لم يثبت عليها أصلا أو ثبت بمشقة شديدة انتفى عنه استطاعة المباشرة.
والقائد للاعمى كالمحرم فى حق المرأة فيأتى فيه ما مر.
ومقطوع الاطراف لو أمكنه الثبوت على الراحلة لزمه للحج بشرط وجود معين له.
ثم قال ويشترط أن توجد هذه المعتبرات فى ايجاب الحج فى الوقت، فلو استطاع فى شهر رمضان مثلا ثم افتقر فى شهر شوال فلا استطاعة.
النوع الثانى من أنواع الاستطاعة:
الاستطاعة غير المباشرة وهى تحصيل الحج (٢) لا بالمباشرة بل بغيره فمن مات وفى ذمته حج واجب مستقر بأن تمكن بعد استطاعته من فعله بنفسه أو بغيره وجب الاحجاج عنه ولو كان قضاء أو نذرا لرواية البخارى عن ابن عباس رضى عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: ان أمى نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت.
نعم، قال: اقضوا دين الله، فالله أحق بالوفاء» فشبه رسول الله ﷺ الحج بالدين الذى لا يسقط بالموت فوجب أن يتساويا فى الحكم.
والعاجز عن الحج بنفسه حالا أو مآلا لكبر أو زمانة أو غير ذلك ان وجد أجرة من يحج عنه بأجرة المثل وكانت فاضلة عن حاجاته دون نفقة عياله لاقامته معهم وامكانه تحصيلها كما حكاه ابن الرفعة لزمه الحج، لانه مستطيع بغيره، لأن
стр. 2151
الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال، ولو لم يجد الا أجرة ماش.
قيل: لا يلزمه الاستئجار اذا كان السفر طويلا كما لا يكلف الخروج ماشيا.
والاصح اللزوم، لانه لا مشقة عليه فى مشى غيره، ولو لم يجد أجرة وأعطى له ولده أو أجنبى مالا للاجرة لم يجب القبول فى الاصح لما فى ذلك من المنة، والثانى يجب.
وفى المهذب (١): من لا يقدر على الحج بنفسه وليس له مال، ولكن له ولد يطيعه اذا أمره بالحج فينظر فيه.
فان كان الولد مستطيعا بالزاد والراحلة وجب على الاب الحج، ويلزمه أن يأمر الولد بأدائه عنه، لانه قادر على أداء الحج بولده.
مذهب الحنابلة:
الاستطاعة (٢) فى الحج عندهم: هى أن يملك زادا وراحلة ذهابه وعوده، أو يملك ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة من نقد أو عرض لما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة فيعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها ان احتاج اليه.
ويشترط أيضا القدرة على وعاء الزاد لانه لا بد منه.
وتعتبر الراحلة مع بعد المسافة التى تقصر فيها الصلاة ولو قدر على المشى، ولا تعتبر الراحلة فيما دونها، لان مشقتها يسيرة الا مع عجز لكبر ونحوه كمرض فتعتبر الراحلة، وتعتبر (٣) الراحلة مع بعد المسافة فقط ولو قدر على المشى وهو ما تقصر فيه الصلاة لا فيما دونها من مكى وغيره ويلزمه المشى الا مع عجز لكبر ونحوه، ولا يلزمه الحبو ان أمكنه وما يحتاج اليه من آلتها بكراء أو شراء صالحا لمثله عادة لاختلاف أحوال الناس، فان كان ممن يكفيه الرحل والقتب ولا يخشى السقوط اكتفى بذلك فان كان ممن لم تجر عادته بذلك، أو يخشى السقوط عنها - اعتبر وجود محمل وما أشبهه مما لا يخشى سقوطه عنه ولا مشقة فيه.
وقد جاء فى الفروع وكذا دابته ان كانت ملكه اذا لم يقدر على خدمتها والقيام بأمرها اعتبر من يخدمها لانه من سبيله فاعتبرت قدرته عليه.
стр. 2152
فان تكلف الحج من لا يلزمه وحج أجزأه لان خلقا من الصحابة حجوا ولا شئ لهم، ولم يؤمر أحد منهم بالاعادة، ولان الاستطاعة انما شرعت للوصول، فاذا وصل وفعل أجزأه، كالمريض.
ويعتبر ما تقدم من الزاد والراحلة وآلتها أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلا عن خادم، لانه من الحوائج الاصلية.
ويعتبر أن يكون فاضلا عن قضاء دينه، حالا كان الدين أو مؤجلا، لله، أو لآدمى، لان ذمته مشغوله به، وهو محتاج الى براءتها.
ويعتبر ان يكون فاضلا عما لا بد منه كمؤنته ومؤنة عياله الذين تلزمه مؤنتهم، لان ذلك مقدم على الدين، فلان يقدم على الحج بطريق الاولى.
ويقدم النكاح مع عدم الوسع للنكاح والحج لمن خاف العنت.
وفى المستوعب وان كان لا يخاف العنت فلا اعتبار بهذه الحالة قولا واحدا.
ويعتبر فى الاستطاعة أن يكون له اذا رجع من حجه ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام لتضرره بذلك كالمفلس ولم يعتبر ما بعد رجوعه.
ولا يصير العاجز عن ذلك مستطيعا، لبذل غيره له مالا، أو راحلة، ولو كان الباذل ولدا، أو والدا لما فيه من المنة.
وجاء فى منتهى الارادات (١): ومن الاستطاعة سعة وقت، بأن يكون متسعا يمكن الخروج والسير فيه حسب العادة، لتعذر الحج مع ضيق وقته، فلو شرع من وقت وجوبه، فمات فى الطريق تبينا عدم وجوبه، لعدم وجود الاستطاعة.
وفيه أيضا: ومن الاستطاعة: أمن طريق يمكن سلوكه لان ايجاب الحج مع عدم ظهور ذلك ضرر، وهو منفى شرعا، ولو كان الطريق الممكن سلوكه بحرا، أو كان الطريق غير معتاد، ويشترط فى الطريق امكان سلوكه بلا خفارة (٢)، فان لم يمكن سلوكه الا بها لم يجب، ولو يسيرة فى الظاهر، اذ لا يتحقق الامن ببذلها، كما يشترط فى الطريق أن يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد.
وفى المغنى (٣) والشرح الكبير: وحكم المرأة اذا كان لها محرم كحكم الرجل
стр. 2153
وظاهر هذا أن الحج لا يجب على المرأة التى لا محرم لها.
سئل أحمد عن امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج قال:
لا وقال: المحرم من السبيل.
وعنه أن المحرم لحفظها، فهو كأمن الطريق. وامكان المسير.
وعنه رواية ثالثة أن المحرم ليس بشرط فى الحج الواجب.
قال الاثرم: سمعت أحمد يسأل هل يكون الرجل محرما لام امرأته يخرجها الى الحج فقال: أما فى حجة الفريضة فأرجو لانها تخرج اليها مع النساء، ومع كل من أمنته، وأما فى غيرها فلا.
والمذهب الاول وعليه العمل لما روى الدارقطنى باسناده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال:
«لا تحجن امرأة الا ومعها ذو محرم» والمحرم زوجها أو من تحرم عليه على التأييد بنسب أو رضاع، وأن يكون بالغا عاقلا.
واذا مات محرم المرأة فى الطريق قال أحمد اذا تباعدن مضت فقضت الحج لكن ان كان حجها تطوعا وأمكنها الاقامة فى بلد فهو أولى من سفرها بغير محرم.
ونفقة المحرم فى الحج عليها، نص عليه أحمد، لانها من سبيلها، فكان عليها نفقته كالراحلة، فان امتنع محرمها من الحج معها مع بذلها له نفقته، فهى كمن لا محرم لها، لانها لا يمكنها الحج بغير محرم.
وفى منتهى الارادات (١)، ومن الاستطاعة دليل لجاهل الطريق وقائد لاعمى لان فى ايجابه عليهما بلا دليل وقائد، ضررا عظيما.
وفى كشاف القناع (٢) ولو تبرع القائد والدليل لم يلزم للمنة.
وفى كشاف القناع أيضا لا يجب الحج على مرتد باستطاعته فى حال ردته، دون زمن الاسلام لانه ليس من أهل الوجوب زمن الردة، ولا تبطل استطاعته فى اسلامه بردته، بل يثبت الحج فى ذمته اذا عاد الى الاسلام.
ولا تبطل استطاعة المجنون بجنونه فيحج عنه (٣).
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم الظاهرى واستطاعة السبيل التى يجب به الحج.
стр. 2154
أما صحة الجسم والطاقة على المشى، والتكسب من عمل، أو تجارة ما يبلغ به الى الحج (١)، ويرجع الى موضع عيشه أو أهله.
وأما مال يمكنه من ركوب البحر، أو البر، والعيش منه، حتى يبلغ مكة، ويرده الى موضوع عيشه، أو أهله، وان لم يكن صحيح الجسم، الا أنه لا مشقة عليه فى السفر برا أو بحرا.
وأما أن يكون له من يطيعه فيحج عنه فيعتمر بأجرة، أو بغير أجرة، ان كان هو لا يقدر على النهوض لا راكبا ولا راجلا.
فأى هذه الوجوه أمكنت الانسان المسلم البالغ العاقل فالحج والعمرة فرض عليه.
برهان ذلك ما روى عن الفضل بن عباس رضى الله عنهما أن امرأة من خثعم قالت يا رسول ان أبى شيخ كبير عليه فريضة الله تعالى فى الحج وهو لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره فقال لها النبى ﷺ «حجى «عنه» وما روى أيضا عن عبيد الله ابن العباس رضى الله عنهما قال: كنت رديف رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله «ان امى عجوز كبيرة ان حزمها خشى أن يقتلها، وان لم يكن يحزمها لم
تستمسك، فأمره ﵇ أن يحج عنها فبين فى هذه الاخبار ان لم يكن صحيحا فان فريضة الحج لازمة له اذا وجد من يحج عنه، لانه ﵇ سمع قول المرأة عن أبيها أن فريضة الله تعالى أدركته وهو شيخ كبير لا يستطيع الثبات على الراحلة، فلم ينكر ذلك عليها، فصح أن الفرض باق اذا وجد من يحج عنه (٢).
وجاء فى المحلى (٣) أيضا: ان حج عمن لم يطق الركوب والمشى لمرض أو زمانة حجة الاسلام، ثم استطاع فليس عليه أن يحج بعد اذ أمر النبى ﷺ بالحج عمن لا يستطيع الحج راكبا ولا ماشيا، وأخبر أن دين الله يقضى عنه فقد تأدى الدين عنه.
فلا يجوز أن يعود فرضه، ولو كان ذلك عائدا لبينه الرسول ﷺ ، وسواء فى ذلك (٤) من بلغ وهو عاجز عن المشئ والركوب، أو من بلغ مطيقا، ثم عجز عن كل ما ذكرنا، وقال أبو سليمان لا يلزم ذلك الا عمن قدر بنفسه على الحج ولو عاما واحدا ثم عجز، ومن مات وهو يستطيع بأحد الوجوه التى قدمنا حج عنه من رأس ماله واعتمر ولا بد، مقدما على ديون
стр. 2155
الناس ان لم يوجد من يحج عنه تطوعا سواء أوصى بذلك أو لم يوص.
وفى موضع آخر (١) يقول ابن حزم الظاهرى: ولا يجوز تأخير الحج والعمرة عن أوقات الاستطاعة لهما فمن فعل ذلك فقد عصى، وعليه أن يعتمر ويحج لعموم قول الله تعالى «وَسارِعُوا﴾ (٢) الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين، وقول الله أيضا (٣) «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ الآية، ولا خلاف فى أن هذا متوجه الى كل مستطيع فلا يخلو المستطيع من أن يكون مفترضا عليه الحج أو لا يكون مفترضا عليه الحج، فان كان مفترضا عليه الحج فهو مأمور به فى عامه وهو قولنا، وان كان ليس مفترضا عليه الحج فهذا خلاف القرآن.
وفى موضع آخر (٤) يقول ابن حزم الظاهرى: وانما تراعى الاستطاعة بحيث لو خرج من المكان الذى حدثت له فيه الاستطاعة فيدرك الحج فى وقته والعمرة، فان استطاع قبل ذلك العام كله، وبطلت استطاعته فى الوقت المذكور،
لم يكن مستطيعا ولا لزمه الحج، لانه لم يكلف العمرة والحج الا فى وقت الحج فيكون قارنا أو متمتعا.
ثم قال فى موضع آخر فمن استطاع كما ذكرنا ثم بطلت استطاعته أو لم تبطل فالحج والعمرة عليه ويلزم أداؤهما عنه من رأس ماله قبل ديون الناس، فان لم يوجد من يحج عنه الا بأجرة استؤجر عنه لقول رسول الله ﷺ «دين الله أحق بالقضاء».
ثم قال بعد ذلك ولا يجزئ أن يستأجر من لم يحج ولا اعتمر الا أن لا يكون مستطيعا حين استأجر، فيجوز حينئذ، لانه غير مستطيع للحج عن نفسه، فلا يلزمه وهو مستطيع للحج عن غيره بما يأخذ من الاجرة، فاستئجاره لما يستطيع عليه جائز.
والمرأة عند ابن حزم الظاهرى كالرجل فلا يشترط لها فى أداء فريضة الحج محرم يحج معها فهو يقول (٥).
وأما المرأة التى لا زوج لها ولا ذا محرم يحج معها فانها تحج ولا شئ عليها فان كان لها زوج، ففرض عليه أن يحج معها، فان لم يفعل فهو عاصى لله تعالى، وتحج هى دونه، وليس له منعها من حج الفرض، لقول الله
стр. 2156
«وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (١) الآية، ونهى المرأة عن السفر الا مع زوج أو ذى محرم عام لكل سفر، فوجب استثناء ما جاء به النص من ايجاب بعض الاسفار عليها من جملة النهى، والحج سفر واجب فوجب استثناؤه من جملة النهى.
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: (٢) الاستطاعة شرط فى وجوب الحج شرطها الله بقوله «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (٣) ولما روى ابن عمر رضى الله عنهما: أن رجلا قال يا رسول الله: ما السبيل الذى قال الله تعالى «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» قال:
الزاد والراحلة، لكن حصول الاستطاعة لا يكفى فى الوجوب، بل لا بد أن يستمر حصولها فى وقت يتسع للذهاب للحج فى وقته والعود منه، فلو حصلت الاستطاعة فالمذهب أن الحج يجب وجوبا مضيقا بمعنى أنه لا يجوز تأخيره، فان أخره كان عاصيا عند الهادى، وعند القاسم أن يحج على التراخى ما لم يظن فوته بموت أو غيره، والاستطاعة ثلاثة أركان.
الاول منها: صحة فى الجسم ويكفى من الصحة أن يقدر على أن يستمسك معها على الراحلة قاعدا، ولو احتاج فى ركوبه ونزوله الى من يعينه لم يسقط عنه الحج بذلك، فأما لو كان لا يستمسك على الراحلة أو المحمل الا مضطجعا سقط عنه الحج، أى لم يجب كالمعضوب الاصلى وهو الذى لا يستمسك على الراحلة لضعف، أو كبر، فانه لا حج عليه ولو كان غنيا.
الركن الثانى منها أمن الطريق، وحد الامن أن يكون بحيث لا يخشى على نفسه أو ماله تلفا ولا ضررا (٤).
الركن الثالث منها: هو الزاد وهو كما فى البحر الزخار: (٥) شرط وجوب لتفسير رسول الله ﷺ الاستطاعة به، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فاذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ»﴾. (٦)
стр. 2157
وقيل الاستطاعة: الصحة لا غير لقول الله «وَتَزَوَّدُوا﴾ فقد فسر ذلك بالتقوى لا بالزاد.
وفى شرح الازهار (١): أن من الاستطاعة أن يملك الحاج كفاية من المال تكفى للحج فاضلة عما استثنى له ولمن يعوله، والذى استثنى له كسوته وخادمه ومنزله وكسوة من يعول ونفقة خادم ومنزل وأثاثه مدة يمكنه الرجوع فى قدرها بعد أن قضى حجه.
ونقل عن شرح الابانة أن المقصود بمن يعول الزوجات والاولاد الصغار والابوان المعسرين لا من عداهم وقيل الا أن يكون القريب زمنا فيجب الحج على من كان يملك فاضلا عن هذه المستثنيات.
وقال صاحب شرح الازهار (٢)، والكفاية من المال الفاضلة عن الحاجة، والمعتبرة فى الاستطاعة تكون بملك المتاع الوافر فى طريقه بما يعتاده مثله من النفقة فى الاسفار، وأن يجد الراحلة ملكا أو كراءا اذا كان بينه وبين مكة
بريد (٣) فصاعدا، ونقل عن الانتصار وجودها أيضا اذا كان زمنا لا يستطيع قطع المسافة القريبة، الا براحلة ولو لم يكن بينه وبين مكة هذه المسافة فان لم يجد الذى على مسافة بريد راحلة سقط عنه الحج، ولو كان قادرا على المشى عندنا، كما تكون الكفاية بأن يجد أجرة خادم له فى سفره ان كان ممن يستخدم، ولا يستغنى عنه وأجرة قائد للأعمى، وأجرة محرم سواء كان من نسب أو رضاع بالنسبة للشابة.
أما العجوز التى من القواعد فلا يعتبر المحرم فى حقها اذ تخرج مع نساء ثقات أو غيرهن.
ولا يعتبر المحرم بالنسبة لمن يلزمها الا فى مسافة بريد فصاعدا.
وقيل يعتبر فى ثلاثة أيام.
وقيل اذا كانت المرأة ذات حشم وجوار جاز لها الخروج للحج كما فعلت عائشة رضى الله عنها.
стр. 2158
ثم قال (١): ويجب قبول الزاد والراحلة من الولد لانه لامنة منه على والده قيل: واذا بذل له الامام من بيت المال. وكذا اذا كان شيخا زمنا وعرض عليه ابنه أن يحج عنه لزمه القبول.
ونقل صاحب البحر الزخار (٢) عن عطاء بن أبى رباح أن استمرار الاستطاعة فى أشهر الحج شرط وجوب اذ لا يجب قبل وقته كالصلاة، وقال المؤيد بالله شرط أداء، اذ لم يذكره النبى ﷺ فى تفسير الاستطاعة.
ثم قال صاحب البحر الزخار الاقرب اعتبار استمرارها وقتا يمكنه فيه الحج اذ هو المقصود.
وفى البحر الزخار (٣) أنه لا يلزم بيع ضيعة أو بضاعة تفيد كفايته ومن يمون لاضراره.
وقال صاحب الازهار (٤): ويكفى لتحقيق الاستطاعة الكسب فى الاياب اذا كان الحاج له صناعة يتكسب بها ما دام
يملك من الزاد ما يكفيه للذهاب، ويتكل فى رجوعه على التكسب بصناعته، وعن أبى جعفر لا يعول على الحرفة الا ذاهبا ولا راجعا، ولا يجب عندنا أن يبقى له بعد رجوعه مال ولا ضيعة الا ذا العول.
وفى موضع آخر يقول صاحب شرح الازهار (٥): فان كان الحج قد وجب عليه ثم افتقر صح استئجاره لانه فى هذه السنة لم يتضيق عليه وجوبه، لعدم الاستطاعة فى الحال.
وفى شرح الازهار أيضا (٦) أنه لا يجوز تأخير الحج للمستطيع الا أن يؤخره لجهاد، أو قصاص، أو نكاح، أو دين، وانما وجب تقديم النكاح، لان الاخلال بالواجب أهون من فعل المحظور، وأما الدين فيتضيق بالمطالبة، وكذا المظلمة والجهاد أيضا اذا تعين له، واذا قدمت هذه الامور على الحج فانه يبقى فى الذمة فيلزمه الايصاء به ان سبق الموت.
مذهب الإمامية:
جاء فى المستمسك (٧): يشترط فى الحج الاستطاعة الشرعية وهى كما فى
стр. 2159
جملة من الاخبار: الزاد والراحلة، فمع عدمها لا يجب، وان كان قادرا عليه عقلا بالاكتساب ونحوه.
وهل يكون اشتراط وجود الراحلة مختصا بصورة الحاجة اليها، لعدم قدرته على المشى، أو كونه مشقة عليه، أو منافيا لشرطه، أو يشترط مطلقا، ولو مع عدم الحاجة اليه؟
مقتضى اطلاق الاخبار والاجماعات المنقولة القول الثانى.
وذهب جماعة من المتأخرين الى الاول مستدلين بجملة من الاخبار المصرحة بالوجوب (١)، ان أطاق المشى بعضا أو كلا.
والاقوى هو القول الثانى.
ويشترط فى الاستطاعة (٢) مضافا الى مؤنة الذهاب والاياب وجود ما يمون به عياله حتى يرجع فمع عدمه لا يكون مستطيعا، والمراد بهم من يلزمه نفقته لزوما عرفيا، وان لم يكن ممن يجب عليه نفقته شرعا على الاقوى، بحيث لا يحتاج الى التكفف (٣)، ولا يقع فى الشدة
والحرج، ويكفى كونه، قادرا على التكسب اللائق به أو التجارة باعتباره ووجاهته، وان لم يكن له رأس مال يتجر به وذلك لا يفيد فى الاستطاعة البذلية، ولا يبعد عدم اعتباره أيضا فيمن يمضى أمره بالوجوه اللائقة به، كطلبة العلم من السادة وغيرهم، فاذا حصل لهم مقدار مؤنة الذهاب والاياب، ومؤنة عيالهم الى حال الرجوع، وجب عليهم، بل وكذا الفقير الذى عادته وشغله أخذ الوجوه، ولا يقدر على التكسب، اذا حصل له مقدار مؤنة الذهاب والاياب له ولعياله، وكذا كل من لا يتفاوت حاله قبل الحج، وبعده، اذا صرف ما حصل له من مقدار مؤنة الذهاب والاياب من دون حرج عليه ولا يشترط وجود أعيان (٤) ما يحتاج اليه فى نفقة الحج من الزاد والراحلة، ولا وجود أثمانها من النقود، بل يجب عليه بيع ما عنده من الاموال لشرائها، لكن يستثنى من ذلك ما يحتاج اليه فى ضروريات معاشه، فلا تباع دار سكناه اللائقة بحاله، ولا خادمه المحتاج اليه، ولا ثياب تجمله اللائقة بحاله، فضلا عن ثياب مهنته، ولا أثاث بيته من الاوانى، والفراش وغيرهما مما هو محل حاجته بل ولا حلى المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها، بحسب حالها، فى زمانها، ومكانها، ولا كتب العلم لاهله التى
стр. 2160
لا بد منها فيما يجب تحصيله، لان الضرورة الدينية أعظم من الدنيوية، ولا آلات الصنائع المحتاج اليها فى معاشه، ولا فرس ركوبه مع الحاجة اليه، ولا سلاحه ولا سائر ما يحتاج اليه، لاستلزام التكليف بصرفها فى الحج العسر والحرج ولا يعتبر فيها الحاجة الفعلية (١).
ولو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد فى نفقة الحج وكذا لو استغنى عنها بعد الحاجة كما فى حلى المرأة اذا كبرت عنه ونحوه.
ثم قال ولو كان (٢) بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه وكان عنده دار مملوكة، فالظاهر وجوب بيع المملوكة اذا كانت وافية لمصارف الحج أو متممة لها، وكذا فى الكتب المحتاج اليها اذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفايته فيجب بيع المملوكة منها، وكذا الحال فى سائر المستثنيات اذا اندفعت حاجته فيها بغير المملوكة، لصدق الاستطاعة حينئذ، اذا لم يكن ذلك منافيا لشأنه ولم يكن عليه حرج (٣).
وقال صاحب شرائع الاسلام (٤): والمراد
بالزاد قدر الكفاية من القوت والمشروب ذهابا وعودا، وبالراحلة راحلة مثله، ويجب شراؤها ولو كثر الثمن مع وجوده، وقيل ان زاد عن ثمن المثل لم يجب والاول أصح.
وقد جاء فى المستمسك (٥) قوله: ولو لم تكن المستثنيات وهى ما يحتاج اليه فى ضروريات معاشه زائدا عن اللائق بحاله بحسب عينها لكن كانت زائدة بحسب القيمة، وأمكن تبديلها بما يكون أقل قيمة مع كونه لائقا بحاله أيضا.
فهل يجب التبديل للصرف فى نفقة الحج أو لتتميمهما؟ قولان:
الاول صدق الاستطاعة.
والثانى: عدم زيادة العين عن مقدار الحاجة والاصل عدم وجوب التبديل والاقوى الاول (٦) اذا لم يكن فيه حرج، أو نقص عليه وكانت الزيادة معتدا بها كما اذا كانت له دار تساوى مائة وأمكن تبديلها بما يساوى خمسين مع كونه لائقا بحاله من غير عسر فانه يعتبر مستطيعا، نعم لو كانت الزيادة قليلة جدا بحيث لا يعتنى بها أمكن دعوى عدم الوجوب وان كان الاحوط التبديل أيضا.
стр. 2161
واذا لم يكن عنده من الاعيان (١) المستثنيات لكن كان عنده ما يمكن شراؤها به من النقود أو نحوها ففى جواز شرائها وترك الحج أشكال، بل الاقوى عدم جوازه، الا أن يكون عدمها موجبا للحرج عليه.
ثم قال ولا فرق فى اشتراط وجود (٢) الراحلة بين القريب والبعيد، حتى بالنسبة لاهل مكة لاطلاق الادلة.
ولا يشترط (٣) امكان حمل الزاد معه، بل يكفى امكان تحصيله فى المنازل بقدر الحاجة ومع عدمه فيها يجب حمله مع الامكان.
ثم قال: والمراد (٤) بالزاد هنا المأكول والمشروب، وسائر ما يحتاج اليه المسافر من الاوعية التى يتوقف عليها حمل المحتاج اليه وجميع ضروريات ذلك السفر بحسب حالة قوة، وضعفا، وزمانة، وحرا، وبردا، وشأنه شرفا، وضعة.
ثم قال أيضا: والمراد بالراحلة ما يركب ولو مثل سفينة فى طريق البحر.
ثم قال (٥): واذا لم يكن عنده الزاد ولكن كان كسوبا يمكنه تحصيله بالكسب فى الطريق لاكله وشربه وغيرهما من حوائجه هل يجب عليه أولا؟ الاقوى عدمه وان كان وجوبه أحوط.
وانما يعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده، وغلاء أسعار ما يحتاج (٦) اليه، وأجرة المركوب فى تلك السنة لا يوجب السقوط ولا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكنه من القيمة المتعارفة، ولو بأزيد من ثمن المثل ولو كان الضرر مجحفا بماله مضر بحاله لم يجب (٧)، والا فمطلق الضرر لا يرفع الوجوب بعد صدق الاستطاعة.
ثم قال: ولا يكفى فى وجوب الحج (٨) وجود نفقة الذهاب فقط، بل يشترط وجود نفقة العود الى وطنه ان أراده وان لم يكن له فيه أهل ولا مسكن للحرج فى التكليف بالاقامة فى غير وطنه المألوف، الا اذا لم يرد العود، أو كان وحيدا لا تعلق له بوطن، لم يعتبر نفقة
стр. 2162
العود، لاطلاق الآية، واذا أراد السكن فى بلد آخر غير وطنه لا بد من وجود النفقة اليه، اذا لم يكن أبعد من وطنه والا فالظاهر كفاية مقدار العود الى وطنه.
ثم قال واذا كان عليه خمس (١) أو زكاة وكان عنده مقدار ما يكفيه للحج لولاهما فحالهما حال الدين مع المطالبة، فيجب صرفه فيهما، ولا يكون مستطيعا، وان كان الحج مستقرا عليه سابقا فقيل بالتخيير أو تقديم حق الناس أو تقديم الاسبق، هذا اذا كان الخمس أو الزكاة فى ذمته، وأما اذا كان فى عين ماله فلا أشكال فى تقديمها على الحج مطلقا كما أنهما يقدمان على ديون الناس أيضا.
ثم قال واذا كان عليه دين (٢) مؤجل بأجل طويل جدا فالظاهر عدم منعه من الاستطاعة.
وقال فى موضع آخر ويشترط (٣) فى وجوب الحج بعد حصول الزاد والراحلة بقاء المال الى تمام الاعمال فلو تلف بعد ذلك ولو فى أثناء الطريق كشف عن عدم الاستطاعة، وكذا لو حصل عليه
دين قهرا كما اذا أتلف مال غيره خطأ أما لو أتلفه عمدا فلا يزول استقرار الحج.
ثم قال والظاهر عدم اعتبار (٤) الملكية فى الزاد والراحلة فلو حصلا بالاباحة اللازمة كفى فى الوجوب لصدق الاستطاعة.
ثم قال فى موضع آخر: ولا يجب (٥) الاقتراض للحج اذا لم يكن له مال، وان كان قادرا على وفائه بعد ذلك بسهولة لانه تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب، نعم لو كان له مال غائب لا يمكن صرفه فى الحج فعلا، أو مال حاضر لا راغب فى شرائه أو دين مؤجل لا يكون المديون باذلاله قبل الاجل، وأمكنه الاستقراض والصرف فى الحج ثم وفاؤه بعد ذلك فالظاهر وجوبه لصدق الاستطاعة حينئذ عرفا، الا اذا لم يكن واثقا بوصول الغائب، أو حصول الدين بعد ذلك، فحينئذ لا يجب الاستقراض، لعدم صدق الاستطاعة فى هذه الصورة.
ثم قال فى موضع آخر: واذا كان له مال غائب بقدر الاستطاعة
стр. 2163
وحده، أو منضما الى ماله الحاضر وتمكن من التصرف فى ذلك المال الغائب، يكون مستطيعا ويجب عليه الحج، وان لم يكن متمكنا من التصرف فيه، ولو بتوكيل، فلا يكون مستطيعا الا بعد التمكن منه، أو الوصول فى يده.
واذا شك (١) فى مقدار ماله وأنه وصل الى حد الاستطاعة أولا هل يجب عليه الفحص أولا، وجهان أحوطها ذلك، وكذا اذا علم مقداره وشك فى مقدار مصرف الحج.
ثم قال فى موضع آخر: ولو (٢) آجر نفسه للخدمة فى طريق الحج بأجرة يصير بها مستطيعا، وجب عليه الحج، وكذا لو كان مستطيعا قبل الاجارة، جاز له اجارة نفسه للخدمة فى الطريق، واذا طلب منه اجارة نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعا (٣) لا يجب عليه القبول، ولا يستقر الحج عليه، وقد يقال بوجوبه اذا لم يكن حرجا عليه لصدق الاستطاعة، ولانه مالك لمنافعه فيكون مستطيعا قبل الاجارة، ويجوز لغير المستطيع أن يؤجر نفسه للنيابة عن الغير، وان حصلت الاستطاعة بمال
الاجارة قدم الحج النيابى ان بقيت الاستطاعة الى العام القابل وجبت عليه لنفسه والا فلا (٤).
واذا لم يكن له زاد (٥) وراحلة ولكن قيل له حج، وعلى نفقتك ونفقة عيالك وجب عليه، وكذا لو قال حج بهذا المال وكان كافيا له ذهابا وايابا ولعياله، فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة، كما تحصل أيضا بملكها من غير فرق أن يبيحها له، أو يملكها اياه، ولا بين أن أن يبذل عينها أو ثمنها (٦).
ثم قال فى موضع آخر: ولو كان له بعض النفقة فبذل له الباقى وجب أيضا، ولو بذل له نفقة الذهاب ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب، وكذا لو لم يبذل نفقة عياله، الا اذا كان عنده ما يكفيهم الى أن يعود، أو كان لا يتمكن من نفقتهم مع ترك الحج أيضا (٧).
ثم قال فى موضع آخر ولا يمنع الدين من الوجوب فى الاستطاعة البذلية، نعم لو كان الدين حالا، وكان الديان
стр. 2164
مطالبا مع فرض تمكنه من أدائه لو لم يحج ولو تدريجا ففى كونه مانعا أولا وجهان (١).
ثم قال فى موضع آخر. ويشترط فى وجوب الحج (٢) الاستطاعة البدنية فلو كان مريضا لا يقدر على الركوب لم يجب، وكذا لو تمكن من الركوب على المحمل لكن لم يكن عنده مؤنته، وكذا لو احتاج الى خادم ولم يكن عنده مؤنته.
ويشترط أيضا الاستطاعة الزمنية فلو كان الوقت ضيقا لا يمكنه الوصول الى الحج أو أمكن لكن بمشقة شديدة لم يجب وحينئذ فان بقيت الاستطاعة الى العام القابل وجب والا فلا.
ثم قال فى موضع آخر: ويشترط لتحقق الاستطاعة ألا يكون فى الطريق مانع لا يمكن معه الوصول الى الميقات أو الى تمام الاعمال، والا لم يجب، وكذا ألا يكون غير مأمون بأن يخاف على نفسه، أو بدنه، أو عرضه، أو ماله، وكان الطريق منحصرا فيه، أو كان جميع الطريق كذلك، ولو انحصر الطريق فى البحر وجب ركوبه الا مع خوف الغرق (٣)، أو المرض.
ثم قال فى موضع آخر: ولا يشترط وجود المحرم فى حج المرأة اذا كانت مأمونة على نفسها وبضعها كما دلت عليه جملة من الاخبار، ولا فرق بين كونها ذات بعل أولا، ومع عدم أمنها يجب عليها استصحاب المحرم، ولو بالاجرة مع تمكنها منها، ومع عدمه لا تكون مستطيعة (٤).
ثم قال فى موضع آخر واذا كان عنده مقدار ما يكفيه للحج ونازعته نفسه الى النكاح، صرح جماعة بوجوب الحج، وتقديمه على التزوج، لتحقق الاستطاعة الواردة فى الآية.
بل قال بعضهم: وان شق عليه ترك التزوج.
والاقوى وفاقا لجماعة أخرى عدم وجوبه، مع كون ترك التزوج حرجا عليه، أو موجبا لحدوث مرض (٥)، أو للوقوع فى الزنا كما قد جاء فى كتاب الخلاف أيضا مثل ذلك.
стр. 2165
والمرتد (١) يجب عليه الحج سواء كانت استطاعته حال اسلامه السابق، أو حال ارتداده، ولا يصح منه حال الردة.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل (٢) وشرحه: من شروط وجوب الحج الاستطاعة.
وهل هى الزاد والراحلة أو صحة البدن أو مجموع ذلك.
أو هو مع أمان الطريق ومرافقة الاصحاب وهو المأخوذ به عندنا.
وفى قناطر الخيرات (٣): الاستطاعة شرط من شروط لزوم الحج وهى نوعان المباشرة وذلك له أسباب. أما فى نفسه فالصحة وأما فى الطريق فبأن تكون مخصبة مأمونة.
ومن لا يجد أمان (٤) الطريق الا بغرم المال سقط عنه الحج وكذا ان كان يؤخذ عنه بعض ماله قهرا.
وقيل: يلزمه الحج فى الوجهين الا أن كان يؤخذ من ماله حتى يجحف به وهو الظاهر.
أما النوع الثانى من الاستطاعة بالنسبة للمال فقد جاء فى كتاب قناطر الخيرات (٥)، أن يجد نفقة ذهابه وايابه الى وطنه، وبأن يملك نفقة من تلزمه نفقته فى هذه المدة، وان يملك ما يقضى به ديونه، وأن يقدر على راحلة أو كرائها أو زاملة (٦) ان استمسك على الزاملة.
وجاء فى كتاب شرح النيل (٧) ان الزاد والراحلة يكونان من فضلة المال، وهى غير الاصل، وغير أثاث الدار وآلات الصنعة، ويفضل عن مؤنة العيال، بأن يكون الباقى منه لا يحتاج العيال الى بيعه، بل يكتفون بغلته ككراء وثمار، ولا يبيع مسكنه لانه من مؤنة العيال الا مسكنا عظيما يبيعه ويشترى بباقى ثمنه مسكنا يكفيه.
стр. 2166
ومن شدد قال: يبيع المسكن ويكترى لهم مسكنا الى رجوعه بعد الفراغ من الحج، أو يبيع ما يحتاج ويترك لهم ما يبيعونه اذا احتاجوا، ويكفيهم ثمنه وان شاء باع وترك لهم الثمن.
قال صاحب كتاب شرح النيل وهو الصحيح عندى.
وقيل يبيع الاصل ولو كله، ويترك من ثمنه مؤنة العيال الى رجوعه ان كان ما يتركه بلا بيع لا تكفيهم غلته، واذا كان ماله يكفى عياله ذهابا وايابا ورجوعا وزادا وراحلة، ولكنه اذا رجع لم يرجع الى شئ، بل يسأل الناس، لم يجب عليه الحج.
والصحيح وجوب الحج عليه لوجود تمكنه من الحج ولا يعتبر المال مانعا بعد وصوله أهله فان الله أولى بذلك.
ثم قال صاحب كتاب شرح النيل فى موضع آخر (١): وان كان يترك أولاده فى الصدقة فقد قيل يجب عليه الحج.
وقال فى موضع آخر: ان ذا الصنعة التى توصله من بلد الى بلد آخر يجب
عليه الحج، والصحيح أنه لا يلزمه الا ان جمع منها ما يبلغه.
والاعمى يلزمه الحج اذا استطاعه ووجد من يقوده أو يقود دابته ولو بأجرة يقوم بها ماله، وقيل لا يلزمه (٢).
والنساء كالرجال فى فرض الحج فمن استطاعت لزمها الحج.
ويزيد فى الاستطاعة (٣) بالنسبة للمرأة أن تحج مع زوج أو محرم، فان منعها زوجها أو أبوها، وكانت مستطيعة ولما مات لم تستطع، لم يلزمها الحج، وان لم تجد زوجا أو محرما فمع ثقات يمنعونها من الضرر كمنعهم لانفسهم، وقد قال فى التاج لا تخرج الا مع ولى، وان لم تحج قط ولم تجد وليا يخرج بها فقد أجازوا لها أن تحج الفرض مع ثقات معهم نساء وان لم يطاوعها الزوج ولا المحرم ولا الثقات سقط عنها الحج، وقيل يلزمها الايصاء به، وان قوى مالها على أن تستأجر زوجها أو محرما أو ثقات على أن يسافروا بها وجب عليها الحج.
стр. 2167
الاستطاعة فى النكاح
ذهب الفقهاء (١) فى النكاح مذاهب:
فمنهم من قال بفرضيته فى حال التوقان، وبأنه يكون سنة حال الاعتدال، أو أن الاصل فيه الندب للقادر عليه.
كما ذهبوا الى أن القدرة عليه تكون بالقدرة على الوط ء والمهر والنفقة.
واستدل الفقهاء لذلك بقول رسول الله ﷺ «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة
فليتزوج فانه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فانه له وجاء، وفسرت الباءة بالقدرة على تكاليف النكاح، أى من استطاع منكم تزوج لقدرته على مؤن النكاح، فليتزوج ومن لم يستطع، لعجزه عنها فعليه بالصوم.
وذلك الرأى أولى لان الذى لا يقدر على الوط ء لعدم شهوته لا يحتاج الى الصوم لدفعها.
ولقد كان فى حاشية ابن عابدين أنه يندب الاستدانة له.
ويكون حينئذ معنى القدرة على المهر والنفقة ملك كل من المهر والنفقة ولو بالاستدانة اذا كانت له جهة وفاء أو مع ظنه القدرة على الوفاء والتفصيل يرجع اليه فى مصطلح «نكاح».
الاستطاعة فى الجهاد
جاء فى كتاب بدائع الصنائع للكاسانى:
لا يفرض أى الجهاد الا على القادر عليه، فمن لا قدرة له لاجهاد عليه لان الجهاد بذل الجهد وهو الوسع والطاقة بالقتال أو المبالغة فى عمل القتال، ومن لا وسع له كيف يبذل الوسع والعمل، فلا يفرض على الاعمى والاعرج والزمن والمقعد والشيخ الهرم والمريض والضعيف والذى لا يجد ما ينفق منه
стр. 2168
قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١): وقال «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ (٣) فقد عذر الله جل شأنه هؤلاء بالتخلف عن الجهاد ورفع الحرج عنهم، ولا جهاد على الصبى والمرأة، لان بنيتهما لا تتحمل الحرب عادة، وهذا اذا لم تكن الحرب هجومية من العدو، ودفاعية منا، والا فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يجاهد كل بحسب استطاعته بالنفر أو بالمال أو بغيرها (٤) والتفصيل فى ذلك يرجع اليه فى مصطلح «جهاد».
الاستطاعة فى الكفارات
رتب الفقهاء فى بعض الكفارات ما يلزم الاتيان به على من تجب عليه الكفارة
على أساس القدرة والاستطاعة مستندين فى ذلك الى قول الله فى كفارة الظهار «وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٥). ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ (٦) متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم»، ومستندين الى حديث خويلة امرأة أوس بن الصامت حين ظاهر منها فقال لها النبى ﷺ : يعتق رقبة قالت - يعنى امرأته - لا يجد، قال النبى ﷺ يصوم شهرين متتابعين
стр. 2169
قالت شيخ كبير ما به من صيام قال ﵊ فليطعم ستين مسكينا وكذلك ما روى عن رسول الله ﷺ اذ جاءه رجل فقال يا رسول الله قال النبى ﷺ : مالك؟ قال: وقعت على امرأتى وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ هل تجد رقبة تعتقها؟ قال لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟، قال: لا، قال:
فهل تجد اطعام ستين مسكينا، قال: لا، فمكث رسول الله ﷺ ثم أتى بعرق فيه تمر فقال (١) أين السائل؟ فقال: أنا قال ﷺ : خذ هذا فتصدق به، فقال: أعلى أفقر منا يا رسول الله فما بين لابتيها أهل بيت أحوج اليه منا فضحك النبى ﷺ ثم قال: اذهب فاطعمه أهلك، والحديث ظاهر فى الترتيب فلم يأمر النبى ﷺ بالانتقال الا عند العجز وعدم الاستطاعة (٢) وتفصيل المذاهب والاحكام فيها ينظر فى مصطلح «كفارة».
الاستطاعة فى العقود
اذا كان المتعاقد لا يستطيع النطق لانه أخرس فيصح عند الحنفية (٣) أن يتم التعاقد بينهما بالاشارة المعهودة
стр. 2170
التى اعتاد الناس فهمها منه على تعبيره عن هذه الارادة لانها أداة تفهيم بالنسبة له، هذا اذا ولد أخرس
أما اذا اطرأ عليه الخرس فلا تعتبر اشارته فى التعاقد فى غير التافه من الامور الا اذا دام الخرس حتى وقع اليأس من كلامه.
أما بالنسبة لمن يستطيع التلفظ.
فالحنفية والشافعية على أن العقد لا ينعقد بالاشارة فى غير التافه لانها مهما قويت دلالتها فهى لا تفيد اليقين الذى ينتج من التلفظ أو الكتابة، ولان دلالة التصريح أقوى من الدلالة الضمنية كما هو متفق عليه.
ومع هذا فان الحنفية قد اعتدوا بها فى بعض المواضع.
والمالكية يعتبرون الاشارة أداة للتعاقد حتى بالنسبة لغير الاخرس ما دامت مفهومة بين الناس ومتعارفا بينهم على مدلولها.
كما جاء مثل هذا عند الحنابلة أيضا.
وعند الزيدية يصح البيع والشراء من المصمت وهو الذى اعتقل لسانه عن الكلام ويصحان من الاخرس والتفصيل يرجع اليه فى مصطلحات «عقد، بيع، أخرس.
الاستطاعة فى الشهادات
أداء الشهادة فرض على كل من علمها (١) الا أن يكون عليه حرج فى ذلك لبعد مشقة أو لتضييع مال أو لضعف لقول الله ﵎ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا﴾
стр. 2171
﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
وقد اشترط الفقهاء الكلام للشهادة فلا تقبل شهادة أخرس ولو فهمت اشارته على خلاف بين الفقهاء وتفصيل ذلك فى مصطلح «شهادة».
استعارة
تعريفها لغة:
الاستعارة طلب العارية - واستعاره منه طلب اعارته (٢).
تعريفها شرعا:
لا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة استعارة عن هذا المعنى.
ولبيان أركانها وحكمها وما تجرى فيه وكل ما يتصل بها من فروع كثيرة أنظر مصطلح «اعارة وعارية».
استعانة
تعريف الاستعانة فى اللغة
فى لسان العرب: استعنت بفلان فأعاننى وعاوننى. وفى الدعاء «رب أعنى ولا تعن على» قال الليث كل شئ أعانك فهو عون لك كالصوم عون على العبادة.
وفى المصباح المنير: العون الظهير على الامر والجمع أعوان واستعان به فأعانه وقد يتعدى بنفسه فيقال استعانة، والاسم المعونة، الى أن قال «وتعاون القوم واعتونوا أعان بعضهم بعضا (٣).
تعريفها عند الفقهاء:
لم يستعمل الفقهاء هذا اللفظ فى غير معناه اللغوى.
بيان الاستعانة بغير المسلم فى القتال
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية جواز الاستعانة به عند الحاجة.
وهل يستعان بالكافر؟: عندنا اذا دعت الحاجة جاز. واذا استعين بالذمى
стр. 2172
فى القتال لا يسهم له وانما يرضخ له فقط بحيث لا يبلغ مقدار السهم (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: وحرم علينا استعانة بمشرك فان خرج من تلقاء نفسه، لم يمنع على المعتمد، الا لخدمة منه لنا، كنوتى، أو خياط، أو لهدم حصن، أو حفر بئر ونحوه (٢).
مذهب الشافعية:
وأجاز الشافعية الاستعانة بهم بالشروط الآتية:
الاول: أمن خيانتهم وشرهم.
الثانى: أن يكونوا بحيث لو انضموا الى الاعداء أمكن المسلمين مقاومتهم جميعا.
الثالث - وقد زاده الماوردى - أن يكون اعتقادهم مخالفا لاعتقاد العدو (٣).
مذهب الحنابلة:
تحرم الاستعانة بالكفار الا لضرورة.
لحديث عائشة أن النبى صلّى الله عليه
وسلم خرج الى بدر، فتبعه رجل من المشركين، فقال له: تؤمن بالله ورسوله، قال: لا، قال: فارجع، فلن استعين بمشرك، متفق عليه.
ولحديث الزهرى أن النبى ﷺ استعان بناس من المشركين فى حربه، رواه سعيد، وروى أيضا أن صفوان بن أمية شهد حنينا مع النبى ﷺ وبهذا حصل التوفيق بين الادلة (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى (٥):
لا يحضر مغازى المسلمين كافر، ونقل عن داود أنه لا يستعان بهم، ولا يسهم لهم، ولا يرضخ لهم، كما نقل عن الشعبى قوله: أدركت الائمة الفقية منهم وغير الفقية يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم، ويضعون عنهم من جزيتهم.
مذهب الزيدية:
يجوز للامام الاستعانة بالكفار على جهاد البغاة من المسلمين، ولا خلاف بين الاصحاب عندهم فى أنه انما يجوز له ذلك اذا كان معه جماعة مسلمة يمكنه
стр. 2173
أن يستقل بهم فى امضاء الاحكام الشرعية على المخالفين لامره وهو الصحيح (١)
مذهب الإمامية:
جاء فى بعض كتبهم أنه يجوز الاستعانة بالكفار عند الضرورة (٢).
ويرى بعضهم ان الاصل الجوار.
ففى كتاب الخلاف للطوسى (٣): أنه يجوز للامام أن يستعين بأهل الذمة على قتال أهل البغى، لانهم كفار، واذا كانوا كفارا فلا خلاف أنه يجوز أن يستعين بأهل الذمة عليهم، ولان الاصل جواز ذلك والمنع يحتاج الى دليل.
مذهب الإباضية (٤):
لا يجوز عندهم الاستعانة بالكافر المشرك ولو على المشرك، كما ورد عن عائشة رضى الله عنها: خرج النبى ﷺ فى بعض غزواته فقام اليه رجلان من المشركين فسألاه أن يستعين بهما؟ فقال ﷺ : أنا لا أستعين على عملنا بمشرك، فأسلما، فاستعان بهما ﷺ .
أما الكافر غير المشرك من موافق للعدو، أو مخالف له، فتجوز الاستعانة به ان كانت أيدى المسلمين فوقه.
وقيل: ليس للمسلمين ولا للامام أن يخرجوا بقوم معروفين بالظلم والقعود أولى به.
الاستعانة بالمال فى القتال
«انظر: مصطلح جهاد»
الاستعانة بأهل البغى وعليهم
مذهب الحنفية:
يجوز الاستعانة على أهل البغى من الخوارج وغيرهم، بأهل حرب، أو ذمة، أو أهل بغى آخرين.
فقد جاء فى فتح القدير (٥): - ولا بأس بأن يستعين أهل العدل بالبغاة والذميين على الخوارج اذا كان حكم أهل العدل هو الظاهر، لانهم يقاتلون لاعزاز الدين.
والاستعانة عليهم بقوم منهم أو من أهل الذمة كالاستعانة عليهم بالكلاب لانه دفع الضرر الاعلى وهو الضر المتوقع لعامة المسلمين بالضرر الادنى وهو اضرار بعضهم.
стр. 2174
ويقاتلون بما يقاتل به أهل الحرب، لأن قتالهم لدفع شرهم، وكسر شوكتهم، فيقاتلون بكل ما يحصل به ذلك (١).
مذهب المالكية:
لا يجوز الاستعانة على قتال البغاة بالكافر، ويمنع الكافر من الخروج لقتالهم مع المسلمين طائعا، ولم يصرحوا - فى الكتب المتداولة - بحكم الاستعانة بالبغاة على قتال طائفة أخرى باغية.
ويؤخذ من كلامهم أنه يصح الاستعانة بالبغاة على قتال الكفار.
ثم أنهم قد صرحوا: بأنه يجوز الاستعانة بأموالهم على قتالهم عند الحاجة، على أن ترد اليهم بعد الانتهاء من قتالهم والتغلب عليهم. كما يرد اليهم غير ما يستعان به من أموالهم، لانهم مسلمون: فلم يزل المال عن ملكهم (٢).
مذهب الشافعية:
لا يستعان على البغاة فى قتال بكافر، ذمى أو غيره، لانه يحرم تسليط
الكافر على المسلم الا لضرورة كما نقله الاذرعى وغيره عن المتولى.
ويجوز الاستعانة بالبغاة فى قتال مشركين أو أهل بغى آخرين (٣).
مذهب الحنابلة:
قال فى المغنى والشرح الكبير لا يستعان فى حرب البغاة بكافر، ولا بمن يرى قتلهم مدبرين.
وقال ان القصد كفهم وردهم الى الطاعة لا قتلهم، وهؤلاء يقصدون قتلهم، فان دعت الحاجة الى استعانة بهم فان كان يقدر على كفهم عن فعل ما لا يجوز استعان بهم، وان لم يقدر لم يجز.
وفى جواز الاستعانة بأموالهم على قتالهم وجهان.
أحدهما: لا يجوز لانه لا يحل أخذ مالهم لكونه معصوما بالاسلام، وانما أبيح قتالهم لردهم الى الطاعة، فيبقى المال على العصمة كمال قاطع الطريق الا أن تدعو ضرورة فيجوز، كما يجوز أكل مال الغير فى المخمصة.
والوجه الثانى: يجوز قياسا على أسلحة الكفار (٤).
стр. 2175
مذهب الظاهرية:
يؤخذ مما قاله ابن حزم فى المحلى (١).
أنه لا يستعان على البغاة بأهل الحرب وبأهل الذمة، وبأمثالهم من أهل البغى اذا كان فى أهل العدل منعة وقوة تمكنهم من التغلب عليهم.
أما ان أشرف أهل العدل على التهلكة واضطروا الى الاستعانة بالغير ولم تكن لهم حيلة فلا بأس بأن يلجئوا الى أهل الحرب، وأن يمتنعوا بأهل الذمة اذا أيقنوا أنهم فى استنصارهم لا يؤذون مسلما، ولا ذميا، فى دم، أو مال، أو حرمة مما لا يحل.
مذهب الزيدية:
يجوز للامام الاستعانة بالكفار والفساق على جهاد البغاة من المسلمين اذا كان معه جماعة من المسلمين. اختلف فى قدرهم، فقيل: لا بد أن يكونوا قدرا يكفى لقتال الخصوم لو انفردوا، وقيل:
بل يكونون قدرا يكفى لقمع المستعان بهم اذا حاولوا التعدى، وقيل بل يكونون قدرا يستعان بهم فى الرأى وتصحيحه، وقيل بل يكونون قدرا يمكنه أن يستقل بهم فى امضاء الاحكام الشرعية على المخالفين لامره من أهل السيرة، وهذا هو الصحيح (٢).
مذهب الإمامية:
يجوز للامام أن يستعين بأهل الذمة على قتال أهل البغى، لانهم كفار، واذا كانوا كفارا فلا خلاف أنه يجوز أن يستعان بأهل الذمة عليهم (٣).
مذهب الإباضية:
لا يستعان بالكافر على قتال البغاة، ولا يستعان كذلك بأهل البغى عليهم.
وقيل يجوز الاستعانة عليهم بأهل البغى (٤).
الاستعانة بالغير فى بعض العبادات
مذهب الحنفية:
يرى أبو حنيفة ان المكلف لا يعتبر قادرا بقدرة غيره لان الانسان انما يعد قادرا اذا كان بحالة تمكنه من الفعل اذا أراد وهذا لا يتحقق بقدرة غيره.
ويرى الصاحبان ان الانسان يعد قادرا بالاستعانة بغيره، لان قدرته بغيره كقدرته بنفسه.
وعلى هذا فمن لا يجد من يوضئه، ولا يقدر بنفسه، تيمم، فان وجد خادما له أو ما يستأجر به أجيرا أو وجد من لو استعان به أعانه. المذهب لا يتيمم