﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
وقد اشترط الفقهاء الكلام للشهادة فلا تقبل شهادة أخرس ولو فهمت اشارته على خلاف بين الفقهاء وتفصيل ذلك فى مصطلح «شهادة».
استعارة
تعريفها لغة:
الاستعارة طلب العارية - واستعاره منه طلب اعارته (٢).
تعريفها شرعا:
لا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة استعارة عن هذا المعنى.
ولبيان أركانها وحكمها وما تجرى فيه وكل ما يتصل بها من فروع كثيرة أنظر مصطلح «اعارة وعارية».
استعانة
تعريف الاستعانة فى اللغة
فى لسان العرب: استعنت بفلان فأعاننى وعاوننى. وفى الدعاء «رب أعنى ولا تعن على» قال الليث كل شئ أعانك فهو عون لك كالصوم عون على العبادة.
وفى المصباح المنير: العون الظهير على الامر والجمع أعوان واستعان به فأعانه وقد يتعدى بنفسه فيقال استعانة، والاسم المعونة، الى أن قال «وتعاون القوم واعتونوا أعان بعضهم بعضا (٣).
تعريفها عند الفقهاء:
لم يستعمل الفقهاء هذا اللفظ فى غير معناه اللغوى.
بيان الاستعانة بغير المسلم فى القتال
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية جواز الاستعانة به عند الحاجة.
وهل يستعان بالكافر؟: عندنا اذا دعت الحاجة جاز. واذا استعين بالذمى
стр. 2172
فى القتال لا يسهم له وانما يرضخ له فقط بحيث لا يبلغ مقدار السهم (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: وحرم علينا استعانة بمشرك فان خرج من تلقاء نفسه، لم يمنع على المعتمد، الا لخدمة منه لنا، كنوتى، أو خياط، أو لهدم حصن، أو حفر بئر ونحوه (٢).
مذهب الشافعية:
وأجاز الشافعية الاستعانة بهم بالشروط الآتية:
الاول: أمن خيانتهم وشرهم.
الثانى: أن يكونوا بحيث لو انضموا الى الاعداء أمكن المسلمين مقاومتهم جميعا.
الثالث - وقد زاده الماوردى - أن يكون اعتقادهم مخالفا لاعتقاد العدو (٣).
مذهب الحنابلة:
تحرم الاستعانة بالكفار الا لضرورة.
لحديث عائشة أن النبى صلّى الله عليه
وسلم خرج الى بدر، فتبعه رجل من المشركين، فقال له: تؤمن بالله ورسوله، قال: لا، قال: فارجع، فلن استعين بمشرك، متفق عليه.
ولحديث الزهرى أن النبى ﷺ استعان بناس من المشركين فى حربه، رواه سعيد، وروى أيضا أن صفوان بن أمية شهد حنينا مع النبى ﷺ وبهذا حصل التوفيق بين الادلة (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى (٥):
لا يحضر مغازى المسلمين كافر، ونقل عن داود أنه لا يستعان بهم، ولا يسهم لهم، ولا يرضخ لهم، كما نقل عن الشعبى قوله: أدركت الائمة الفقية منهم وغير الفقية يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم، ويضعون عنهم من جزيتهم.
مذهب الزيدية:
يجوز للامام الاستعانة بالكفار على جهاد البغاة من المسلمين، ولا خلاف بين الاصحاب عندهم فى أنه انما يجوز له ذلك اذا كان معه جماعة مسلمة يمكنه
стр. 2173
أن يستقل بهم فى امضاء الاحكام الشرعية على المخالفين لامره وهو الصحيح (١)
مذهب الإمامية:
جاء فى بعض كتبهم أنه يجوز الاستعانة بالكفار عند الضرورة (٢).
ويرى بعضهم ان الاصل الجوار.
ففى كتاب الخلاف للطوسى (٣): أنه يجوز للامام أن يستعين بأهل الذمة على قتال أهل البغى، لانهم كفار، واذا كانوا كفارا فلا خلاف أنه يجوز أن يستعين بأهل الذمة عليهم، ولان الاصل جواز ذلك والمنع يحتاج الى دليل.
مذهب الإباضية (٤):
لا يجوز عندهم الاستعانة بالكافر المشرك ولو على المشرك، كما ورد عن عائشة رضى الله عنها: خرج النبى ﷺ فى بعض غزواته فقام اليه رجلان من المشركين فسألاه أن يستعين بهما؟ فقال ﷺ : أنا لا أستعين على عملنا بمشرك، فأسلما، فاستعان بهما ﷺ .
أما الكافر غير المشرك من موافق للعدو، أو مخالف له، فتجوز الاستعانة به ان كانت أيدى المسلمين فوقه.
وقيل: ليس للمسلمين ولا للامام أن يخرجوا بقوم معروفين بالظلم والقعود أولى به.
الاستعانة بالمال فى القتال
«انظر: مصطلح جهاد»
الاستعانة بأهل البغى وعليهم
مذهب الحنفية:
يجوز الاستعانة على أهل البغى من الخوارج وغيرهم، بأهل حرب، أو ذمة، أو أهل بغى آخرين.
فقد جاء فى فتح القدير (٥): - ولا بأس بأن يستعين أهل العدل بالبغاة والذميين على الخوارج اذا كان حكم أهل العدل هو الظاهر، لانهم يقاتلون لاعزاز الدين.
والاستعانة عليهم بقوم منهم أو من أهل الذمة كالاستعانة عليهم بالكلاب لانه دفع الضرر الاعلى وهو الضر المتوقع لعامة المسلمين بالضرر الادنى وهو اضرار بعضهم.
стр. 2174
ويقاتلون بما يقاتل به أهل الحرب، لأن قتالهم لدفع شرهم، وكسر شوكتهم، فيقاتلون بكل ما يحصل به ذلك (١).
مذهب المالكية:
لا يجوز الاستعانة على قتال البغاة بالكافر، ويمنع الكافر من الخروج لقتالهم مع المسلمين طائعا، ولم يصرحوا - فى الكتب المتداولة - بحكم الاستعانة بالبغاة على قتال طائفة أخرى باغية.
ويؤخذ من كلامهم أنه يصح الاستعانة بالبغاة على قتال الكفار.
ثم أنهم قد صرحوا: بأنه يجوز الاستعانة بأموالهم على قتالهم عند الحاجة، على أن ترد اليهم بعد الانتهاء من قتالهم والتغلب عليهم. كما يرد اليهم غير ما يستعان به من أموالهم، لانهم مسلمون: فلم يزل المال عن ملكهم (٢).
مذهب الشافعية:
لا يستعان على البغاة فى قتال بكافر، ذمى أو غيره، لانه يحرم تسليط
الكافر على المسلم الا لضرورة كما نقله الاذرعى وغيره عن المتولى.
ويجوز الاستعانة بالبغاة فى قتال مشركين أو أهل بغى آخرين (٣).
مذهب الحنابلة:
قال فى المغنى والشرح الكبير لا يستعان فى حرب البغاة بكافر، ولا بمن يرى قتلهم مدبرين.
وقال ان القصد كفهم وردهم الى الطاعة لا قتلهم، وهؤلاء يقصدون قتلهم، فان دعت الحاجة الى استعانة بهم فان كان يقدر على كفهم عن فعل ما لا يجوز استعان بهم، وان لم يقدر لم يجز.
وفى جواز الاستعانة بأموالهم على قتالهم وجهان.
أحدهما: لا يجوز لانه لا يحل أخذ مالهم لكونه معصوما بالاسلام، وانما أبيح قتالهم لردهم الى الطاعة، فيبقى المال على العصمة كمال قاطع الطريق الا أن تدعو ضرورة فيجوز، كما يجوز أكل مال الغير فى المخمصة.
والوجه الثانى: يجوز قياسا على أسلحة الكفار (٤).
стр. 2175
مذهب الظاهرية:
يؤخذ مما قاله ابن حزم فى المحلى (١).
أنه لا يستعان على البغاة بأهل الحرب وبأهل الذمة، وبأمثالهم من أهل البغى اذا كان فى أهل العدل منعة وقوة تمكنهم من التغلب عليهم.
أما ان أشرف أهل العدل على التهلكة واضطروا الى الاستعانة بالغير ولم تكن لهم حيلة فلا بأس بأن يلجئوا الى أهل الحرب، وأن يمتنعوا بأهل الذمة اذا أيقنوا أنهم فى استنصارهم لا يؤذون مسلما، ولا ذميا، فى دم، أو مال، أو حرمة مما لا يحل.
مذهب الزيدية:
يجوز للامام الاستعانة بالكفار والفساق على جهاد البغاة من المسلمين اذا كان معه جماعة من المسلمين. اختلف فى قدرهم، فقيل: لا بد أن يكونوا قدرا يكفى لقتال الخصوم لو انفردوا، وقيل:
بل يكونون قدرا يكفى لقمع المستعان بهم اذا حاولوا التعدى، وقيل بل يكونون قدرا يستعان بهم فى الرأى وتصحيحه، وقيل بل يكونون قدرا يمكنه أن يستقل بهم فى امضاء الاحكام الشرعية على المخالفين لامره من أهل السيرة، وهذا هو الصحيح (٢).
مذهب الإمامية:
يجوز للامام أن يستعين بأهل الذمة على قتال أهل البغى، لانهم كفار، واذا كانوا كفارا فلا خلاف أنه يجوز أن يستعان بأهل الذمة عليهم (٣).
مذهب الإباضية:
لا يستعان بالكافر على قتال البغاة، ولا يستعان كذلك بأهل البغى عليهم.
وقيل يجوز الاستعانة عليهم بأهل البغى (٤).
الاستعانة بالغير فى بعض العبادات
مذهب الحنفية:
يرى أبو حنيفة ان المكلف لا يعتبر قادرا بقدرة غيره لان الانسان انما يعد قادرا اذا كان بحالة تمكنه من الفعل اذا أراد وهذا لا يتحقق بقدرة غيره.
ويرى الصاحبان ان الانسان يعد قادرا بالاستعانة بغيره، لان قدرته بغيره كقدرته بنفسه.
وعلى هذا فمن لا يجد من يوضئه، ولا يقدر بنفسه، تيمم، فان وجد خادما له أو ما يستأجر به أجيرا أو وجد من لو استعان به أعانه. المذهب لا يتيمم
стр. 2176
وتجب عليه الاستعانة فى الوضوء فى ظاهر المذهب وهو رأى الصاحبين.
أما المصلى الذى يعجز عن القيام ووجد من يعينه عليه جاز له أن يصلى قاعدا اذ يخاف عليه زيادة المرض من القيام الى الصلاة، وليس الامر كذلك بالنسبة للوضوء (١).
مذهب المالكية:
ان عجز عن القيام فى الصلاة فأحب أن يصلى متوكئا على عصى ان قدر.
قال ابن رشد: لانه لما سقط عنه القيام وجاز له أن يصلى جالسا صار قيامه نافلة، فجاز أن يعتمد فيه كما يعتمد فى النافلة (٢).
مذهب الشافعية:
الاستعانة لغير عذر فى الوضوء بصب الماء قيل: خلاف الاولى، وقيل:
مكروهة. وفى غسل الاعضاء مكروه، وفى احضار الماء لا بأس به.
اما اذا كان ذلك كله لعذر كمرض، فلا تكون خلاف الاولى، ولا مكروهة، دفعا للمشقة، بل قد تجب الاستعانة
حينئذ اذا لم يمكنه التطهر الا بها ولو ببذل أجرة مثلا (٣):
مذهب الحنابلة:
قال فى المغنى أنه لا بأس بالمعاونة على الوضوء، لغير عذر، لما روى المغيرة ابن شعبة أنه أفرغ على النبى ﷺ فى وضوئه، رواه مسلم (٤).
وأنه ان قدر على القيام - بأن يتكئ على عصا، أو يستند الى حائط، أو يعتمد على أحد جانبيه، لزمه، لانه قادر على القيام من غير ضرر، فلزمه كما لو قدر بغير هذه الاشياء (٥).
مذهب الظاهرية .
يستعان بالدباغة على تطهير جلد الميتة ولو أنها جلد خنزير أو كلب (٦).
ومن صب على مغتسل ونوى ذلك المغتسل الغسل أجزأه (٧).
مذهب الإمامية:
اذا أمكنه القيام فى الصلاة مستقلا وجب، والا وجب أن يعتمد على ما يتمكن معه من القيام.
стр. 2177
وروى جواز الاعتماد على الحائط مع القدرة.
ولو قدر على القيام فى بعض الصلاة وجب أن يقوم بقدر مكنته، والا صلى قاعدا (١).
استغفار
معنى الاستغفار لغة
طلب المغفرة. والمغفرة اسم من الغفر والغفران: أى التغطية والستر.
تعريفه شرعا:
لم يخرج الاستغفار فى استعماله على لسان الفقاء عن هذا المعنى.
مم يكون الاستغفار
يكون من كل معصية أو ذنب ارتكبه المكلف لقصد التوبة منه، كما يكون لترك أمر مطلوب منه قد عجز عن أدائه.
ما أثر فى الاستغفار عن
رسول الله ﷺ
ورد فى ذلك آثار كثيرة منها ما رواه على بن أبى طالب كرم الله وجهه أن النبى ﷺ كان اذا قام الى المكتوبة كبر، وقال: وجهت وجهى
للذى فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، ان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم انت الملك لا اله الا أنت أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسى واعترفت بذنبى فاغفر لى ذنوبى جميعا انه لا يغفر الذنوب الا أنت، واهدنى لاحسن الاخلاق لا يهدينى لاحسنها الا أنت، واصرف عنى سيئها لا يصرف عنى سيئها الا أنت، لبيك وسعديك والخير كله فى يديك والشر ليس اليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب اليك.
غير أن فى حديث على بن أبى طالب كرم الله وجهه وأنا أول المسلمين، فان النبى ﷺ كان أول المسلمين وغيره لا يقول الا ما ذكرناه.
«حكم الاستغفار»
لا خلاف فى مشروعية الاستغفار وأنه واجب عند التوبة من المعاصى وأنه مطلوب فى الصلاة وعقب كل صلاة وفى غير ذلك من الاوقات.
استغلال
التعريف لغة
الاستغلال مصدر فعله استغل.
وأصل الفعل (غل يغل) فالالف والسين
стр. 2178
والتاء زائدة للطلب واستغل عبده أى كلفه أن يغل عليه واستغلال المستغلات:
أخذ غلتها. وأغلت الضيعة أعطت الغلة فهى مغلة: اذا أتت بشئ وأصلها باق (١).
وجاء فى تاج العروس «الغلة»، الدخل من كراء دار، وأجر غلام، وفائدة أرض من ريعها أو كرائها، والغلة واحدة الغلات.
وفى الحديث: الغلة بالضمان والغلة:
الدخل الذى يحصل من الزرع والثمر واللبن، والاجارة والنتاج ونحو ذلك وجمع الغلة غلال بالكسر (٢).
استعمالها فى لسان الفقهاء:
جاء استعمالها بمعنى: الغلة، كما ورد ذلك فى البدائع، واستعمالها للدلالة على كل ما تخرجه الارض: من أشجار.
واستعمالها بمعنى: الكراء والانتفاع بالسكنى وزراعة الارض.
واستعمالها بمعنى: الخدمة والاجرة والكسب.
وجاء استعمالها كذلك فى الدراهم والدنانير: تغلها الاعيان (٣).
الاستغلال المشروع وغير المشروع
ينقسم الاستغلال الى: استغلال مشروع، وهو: ما أجازه الشارع ولم يترتب على فعله اضرار بالغير.
والى استغلال غير مشروع، وهو:
ما ورد دليل شرعى بمنعه.
أما الاول وهو الاستغلال المشروع فيتنوع تبعا لتنوع طرائقه.
فمنه استغلال بطريق المرابحة.
واستغلال بطريق المزارعة،.
وثالث بطريق المساقاة.
وآخر بطريق المضاربة.
الى غير ذلك من وسائل الاستغلال المشروعة.
ولكل طريق من هذه أحكامه نذكر شيئا منها توضيحا وينظر الباقى فى بابه.
أولا: استغلال المال بطريق المرابحة:
مذهب الحنفية:
الحنفية على أن المرابحة تصح طريقا من طرق الاستغلال المشروع وهى نقل ما ملكه بالعقد الاول بالثمن الاول مع زيادة ربح، وهم يوجبون على من يبيع بالمرابحة أن يصونها عن الخيانة وعن سبب الخيانة والتهمة، وذلك انما يكون ببيان ما يجب بيانه.
стр. 2179
فاذا حدث بالسلعة عيب، فأراد أن يبيعها مرابحة، فان حدث هذا العيب بآفة سماوية، فله أن يبيعها مرابحة بجميع الثمن من غير بيان، وان حدث بفعله أو بفعل أجنبى فيجب بيانه.
ولو حدث من المبيع زيادة كالولد والثمرة والصوف واللبن لم يصح البيع مرابحة حتى يبين، لان الزيادة المتولدة من المبيع مبيعة عنها.
وكذا يجب البيان اذا كان قد اشتراه نسيئة لان الانسان فى العادة يشترى الشئ بالنسيئة بأكثر مما يشترى بالنقد، فاذا أطلق الاخبار بالشراء فانما يفهم السامع منه الشراء بالنقد، فكان من هذا الوجه كالمخبر بأكثر مما اشترى به وذلك جناية فى بيع المرابحة (١) (وفى المرابحة تفصيل واسع فليرجع اليه من شاء فى بحث مرابحة).
مذهب المالكية:
والمالكية يجيزون المرابحة فى العموم باعتبارها طريقا من طرق الاستغلال، وهى: بيع مرتب ثمنه على ثمن بيع تقدمه غير لازم مساواته له (٢) ويجب على كل من يبيع مرابحة أن يبين ما يكرهه المبتاع من أمر السلعة المشتراة وتقل به
رغبته فى الشراء، فان قامت قرينة على أن المبتاع لا يكرهه لم يجب بيانه وان كرهه غيره (٣).
واذا كذب البائع على المشترى فى بيع المرابحة بأن زاد فى ثمن السلعة على ما هو فى الواقع سواء كان عمدا أو غير عمد - كما اذا اشتراها بثمانية مثلا، وأخبر أنه اشتراها بعشرة، وباعها مرابحة باثنى عشر، والسلعة قائمة، فان حط البائع ما كذب به عليه وربحه، فانه يلزمه البيع، وان لم يحط عنه، فان المشترى يخير بين أن يرد السلعة ويأخذ ثمنه، أو يأخذها بجميع الثمن الذى وقع البيع به.
بخلاف الغش فانه لا يلزم المشترى البيع، وان حط بائعه عنه ما غشه به كما اذا اشتراها بثمانية مثلا ويرقم عليها عشرة، ثم يبيعها مرابحة على الثمانية ليوهم المشترى أنه غلط على نفسه فهو غش وخديعة والمشترى فى حالة الغش مع قيام السلعة يخير بين أن يتمسك بها بجميع الثمن أو يردها ويرجع بثمنه (٤).
مذهب الشافعية:
يصح بيع المرابحة من غير كراهة لعموم الادلة فى ذلك، فللمشترى أن يضم
стр. 2180
الى الثمن شيئا ويبيعه مرابحة، كأن يقول اشتريت بمائة وبعتك بمائتين.
ويجوز أن يكون الربح من غير جنس الثمن (١).
ويجب على المتبايعين أن يعلما ثمن المبيع فى نحو بعت بما اشتريت، فلو جهله أحدهما لم يصح البيع على الصحيح لجهالة الثمن، وليصدق البائع وجوبا فى قدر الثمن الذى استقر عليه العقد أو ما قام به المبيع عليه فيما اذا أخبر بذلك فى بيع المرابحة، لانه بيع مبنى على الامانة لاعتماد المشترى نظر البائع ورضاه لنفسه ما رضيه البائع مع زيادة أو حط (٢)، فلو ابتاع الرجل من الرجل ثوبا مرابحة وباعه ثم وجد أن البائع الاول الذى باعه مرابحة قد خانه فى الثمن، فقد قيل: يحط عنه الخيانة بحصتها من الربح ويرجع عليه به وان كان الثوب قائما لم يكن له أن يرده (٣).
مذهب الحنابلة:
بيع المرابحة جائز، لا خلاف فى صحته، فاذا باعه السلعة مرابحة مثل أن يخبره أن ثمنها مائة ويربح عشرة، ثم علم المشترى ببينة أو اقرار أن ثمنها تسعون
فالبيع صحيح، لانه زيادة فى الثمن فلم يمنع الصحة كالعيب، وللمشترى أن يرجع على البائع بما زاد فى الثمن.
وهو عشرة، وحط نصيبها من الربح، وهو درهم، فيبقى على المشترى تسعة وتسعون درهما (٤).
ومن أراد البيع مرابحة والسلعة بحالها أخبر بثمنها.
وان تغيرت فاما أن يكون التغير بزيادة، فاما أن تزيد لنمائها كالسمن وتعلم صنعة، أو يحدث منها نماء منفصل كالولد والثمرة والكسب، فهذا اذا أراد بيعها مرابحة أخبر بالثمن من غير زيادة لانه الذى ابتاعها به وان أخذ النماء المنفصل أو استخدم الامة أو وطئ الثيب أخبر برأس المال ولم يجب تبيين الحال، وروى ابن المنذر عن أحمد أنه يبين ذلك كله.
واما أن يكون التغير بعمل يعمله فيها مثل أن يقصرها أو يرفعها أو يخيطها أو ينقلها فمتى أراد بيعها مرابحة أخبر بالحال على وجهه سواء عمله بنفسه أو استأجر من يعمله (٥).
стр. 2181
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يحل البيع على أن تربحنى للدينار درهما ولا على أنى أربح معك فيه كذا وكذا درهما، فان وقع فهو مفسوخ أبدا، فلو تعاقدا البيع دون هذا الشرط، لكن أخبره البائع بأنه اشترى السلعة بكذا وكذا وأنه لا يربح معه فيها الا كذا وكذا، فقد وقع البيع صحيحا، فان وجده قد كذب فيما قال، لم يضر ذلك البيع شيئا، ولا رجوع له بشئ أصلا، الا من عيب فيه أو غبن ظاهر، كسائر البيوع، والكاذب آثم فى كذبه فقط (١).
مذهب الزيدية:
المرابحة جائزة، وهى نقل المبيع بالثمن الاول وزيادة ولو من غير جنسه، أو نقل بعض المبيع بحصته وزيادة بلفظها ولفظ البيع، وذلك كأن تقول: رابحتك هذا برأس مالى وهو كذا وزيادة كذا، ولفظ البيع بعت منك هذا برأس مالى، وهو كذا، وزيادة كذا (٢).
ومن أراد أن يبيع شيئا مرابحة فعليه أن يبين للمشترى وجوبا تعيب المبيع اذا كان قد حدث به عيب، سواء كان العيب من فعله، أو من فعل غيره، وأن يبين نقصه الذى حدث عنده، وان يبين
رخص الثمن اذا كان يوم الشراء غاليا، وقد صار رخيصا الآن (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى وسائل الشيعة: أن أبا عبد الله لم يقبل ربح ماله الذى ربحه له مولاه مصارف، لانه باع ما معه من متاع لقافلة خارجة من مصر بعد أن تحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينقصوا متاعهم من ربح الدينار دينارا، فقال أبو عبد الله لمولاه: سبحان الله، تحلفون على قوم مسلمين أن لا تبيعوهم الا بربح الدينار دينارا، لا حاجة لنا فى هذا الربح (٤).
مذهب الإباضية:
يجوز الاستغلال بطريق بيع المرابحة وذلك بأن يبيع الشخص الشئ بما اشتراه به مع زيادة قدر مخصوص عليه بعلم المشترى الثانى بذلك لاعلام البائع له ودخوله على رسم ذلك (٥).
ولا يؤثر فى ذلك مخالفة الربح لرأس المال على ما جاء فى شرح النيل (٦)
ولا يجوز بيع المرابحة الا فيما له ثمن معلوم (٧).
стр. 2182
وما أخذ من غلة أو من حيوان كلبن، أو ما يخرج من اللبن، أو الصوف، أو ما أخذ بكراء الحيوان، أو ما انتفع به من خدمة كاستخدام العبد والدابة والآلة والمسكن، يجب أن يخبر به من يريد شراءه مرابحة، ما لم يذهب عين ما ذكر من الغلة، وان أذهبها لم يلزمه اخباره (١).
ثانيا: استغلال الارض بطريق المزارعة
مذهب الحنفية:
المزارعة هى العقد على زراعة الارض ببعض الخارج منها بشرائطه الموضوعة له شرعا (٢) وهى غير مشروعة عند أبى حنيفة، لانها لا تعدو ان تكون استئجارا ببعض الخارج، وهو منهى عنه.
وهى عند الصاحبين مشروعة بشرائطها، لان المزارعة كالاجارة، فان كلا منهما تمليك المنفعة بعوض، ولان البذر ان كان من رب الارض فان العامل يملك منفعة نفسه من رب الارض بعوض، وهو نماء بذره، وان كان البذر من قبل العامل فرب الارض يملك منفعة أرضه من العامل بعوض وهو نماء بذره فكانت المزارعة استئجارا اما للعامل واما للارض (٣) (انظر تفصيل ذلك فى مصطلح مزارعة).
مذهب المالكية:
المزارعة: شركة فى الحرث «الزرع».
والاستغلال بطريقها من فروض الكفاية فيجب على الامام أن يجبر الناس عليها وما فى معناها من غرس وشجر (٤).
والمزارعة لا تلزم بمجرد عقدها فلكل فسخها ان لم يجعل البذر فى الارض فان بذر لزمت (٥).
وانما تصح المزارعة طريقا للاستغلال بشروطها المقررة لها (أنظر مزارعة) (٦).
مذهب الشافعية:
فرق الشافعية بين ما يسمى مزارعة وما يسمى مخابرة.
فالمخابرة عندهم: المعاملة على الارض ببعض ما يخرج منها، والبذر من العامل.
والمزارعة هى المعاملة على الارض ببعض ما يخرج منها، والبذر من المالك.
стр. 2183
وكلاهما غير صحيح عندهم (١)، الا أن تكون أرض قليلة بين نخيل كثير، ولا يمكن سقى الارض الا بسقيه، فتصح المزارعة حينئذ على الارض، بشرط اتحاد العامل، وعسر افراد النخيل بالسقى (٢) تبعا للمساقاة.
(أنظر مصطلح مزارعة ومخابرة).
مذهب الحنابلة:
المزارعة عندهم هى: دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو دفع حب مزروع ينمى بالعمل لمن يعمل ويقوم عليه، بجزء شائع معلوم من الحاصل.
وهى جائزة عندهم على تفصيل مبين فى موضعه (٣) (ينظر مصطلح مزارعة).
مذهب الظاهرية:
أما الظاهرية فيجيزون المزارعة طريقا للاستغلال على أن يكون البذر والنفقة كلها على العامل، ولا يجوز أن يشترط شئ من ذلك على صاحب الارض، لان كل ذلك
شرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو (٤) باطل. (ينظر مصطلح مزارعة).
مذهب الزيدية:
والزيدية لا يجيزون الاستغلال بطريق المزارعة، وذلك لانهم يرون أن المزارعة بنصيب من غلة الارض المزارع فيها أو من غلة أرض أخرى فاسدة اجماعا، لجهالة الاجرة، اذ لا يقطع بحصول الغلة، ولأن ذلك مثل بيع المعدوم (٥).
مذهب الإمامية:
والإمامية يجيزون المزارعة طريقا من طرق الاستغلال.
فقد ذكر صاحب مفتاح الكرامة أن من زرع أرضا على ثلث أو ربع وبلغت الغلة جاز لصاحب الارض أن يخرص عليه العلة، ثمرة كانت أو غيرها، فان رضى الزارع بما خرص أخذها وكان عليه حصة لصاحب الارض، سواء نقص الخرص أو زاد، وكان له الباقى، فان هلكت الغلة بعد الخرص بآفة سماوية لم يكن عليه للمزارع شئ (٦).
стр. 2184
مذهب الإباضية:
هى المشاركة فى الزرع وهى جائزة عندهم على تفصيل مبين فى موضعه (١) (ينظر مصطلح مزارعة).
استغلال الاشجار بطريق المساقاة
مذهب الحنفية:
المساقاة وتسمى المعاملة هى:
العقد على العمل ببعض الخارج مع سائر شرائط الجواز، واختلف علماء الحنفية فى جوازها.
فقال أبو حنيفة: انها غير مشروعة لانها استئجار ببعض الخارج، ومثل ذلك منهى عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد انها مشروعة، لما روى من أن النبى ﷺ عامل أهل خيبر على ذلك (٢).
(ولصحتها شروط يرجع اليها فى مصطلح مساقاة).
مذهب المالكية:
والمالكية يجيزون المساقاة وسيلة للاستغلال بشروطها المخصوصة.
فقد ذكر الخرشى أن المساقاة جائزة، لان النبى ﷺ عامل أهل خيبر على ذلك، وكذلك لداعية الضرورة الى مثله.
فهى تجوز بتحديد جزء للعامل سواء كان قليلا أو كثيرا ويشترط فيه أن يكون شائعا فى جميع الحائط (البستان) وأن يكون معلوما (٣).
ويلزم عامل المساقاة من يوم عقد المساقاة أن ينفق ويكسو على من كان فى الحائط قبل عقدها وبعد عقدها سواء كان لرب الحائط أو للعامل (٤).
مذهب الشافعية:
الشافعية يجيزون أن يستغل صاحب الشجر أشجاره بطريق المساقاة، فيعامل غيره عليها، ليتعهدها بالسقى والتربية، على أن الثمرة لهما، لمعاملة النبى ﷺ يهود خيبر على نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وللحاجة اليها، لان مالك الاشجار قد لا يحسن تعهدها أو لا يتفرغ له، ومن يحسن ذلك ويتفرغ له قد لا يملك الاشجار فيحتاج ذلك الى الاستعمال ويحتاج هذا الى العمل (٥).
стр. 2185
مذهب الحنابلة:
وأجازها الحنابلة كذلك لفعل الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم فى مدة خلافتهم، وقد اشتهر ذلك فلم ينكره منكر.
فكان اجماعا (١)، وللحاجة اليها كذلك (٢).
مذهب الظاهرية (٣):
أجاز الظاهرية المساقاة واعتبروها من طرق الاستغلال لفعل النبى ﷺ ، وكل ما يلزم لها من أجير وعبد وساقية وقادوس وحبل ودلو وعمل ونحو ذلك هو على العامل لشرط رسول الله ﷺ على أهل خيبر أن يعملوها من أموالهم، فلو تطوع صاحب الاصل بكل ذلك أو ببعضه فهو حسن لقول الله تعالى ﴿(وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)﴾ (٤).
مذهب الزيدية:
المساقاة الصحيحة عندهم هى: أن يستأجر شخصا لاصلاح الغرس وتنقيته وسقيه مدة معلومة بأجرة معلومة ولو جزءا
من الارض أو الشجر أو منهما مشاعا أو معينا أو جزءا من الثمر ان قد بدا صلاحه (٥).
مذهب الإمامية:
والإمامية كذلك يبيحون الاستغلال بطريق المساقاة.
فقد روى صاحب كتاب وسائل الشيعة أن أبا عبد الله قال لا بأس بأن يعطى الرجل رجلا آخر أرضه وفيها ماء ونخل أو فاكهة، ويقول له: اسق هذا من الماء وأعمره ولك نصف ما أخرج الله منه.
ثم ذكر أنه يشترط فى المساقاة أن يكون النماء مشاعا بينهما (٦).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: المساقاة هى: أن يدفع الرجل شجرة لمن يخدمها، وتكون غلتها بينهما وهى جائزة لفعل النبى ﷺ مع يهود خيبر فى النخل وهى جائزة فى النخل وفى جميع الاشجار الا البقول (٧).
стр. 2186
(انظر فيما تقدم فى هذا البحث:
مصطلح (مساقاة).
رابعا: استغلال المال بطريق المضاربة
مذهب الحنفية:
المضاربة هى شركة فى الربح بمال من جانب وعمل من جانب، فلو شرط كل الربح لاحدهما لا يكون مضاربة، ويجوز التفاوت فى الربح (١).
وهى وسيلة جائزة لاستغلال المال لقوله ﷺ ابتغوا فى أموال اليتامى خيرا كيلا تأكلها الصدقة، يعنى النفقة، وهى أنفع لليتيم، لما يحصل له من بعض الربح، وربما لا يتفرغ الوصى لذلك فيحتاج الى أن يدفعه مضاربة الى غيره، واذا جاز منه هذا التصرف مع نفسه فمع غيره أولى، ولهذا كان رأس المال أمانة فى يد المضارب، لانه قبضه بأذنه ليتصرف فيه (٢)، وللمضاربة شروط وأحكام تطلب فى مصطلح (مضاربة).
مذهب المالكية:
وأجازها المالكية من غير خلاف لتكون من وسائل استغلال المال.
فعرفها ابن عرفة بأنها تمكين مال لمن يتجر به بجزء من ربحه لا بلفظ اجارة (٣).
ولا يجوز أن يكون رأس المال عرضا على أن يرد مثله عند المفاصلة. ولا على أن رأس المال قيمته الآن أو عند المفاصلة ولا على أن يبيعه ويكون ثمنه رأس المال (٤).
مذهب الشافعية:
المضاربة عند الشافعية تسمى بالقراض، وهى: أن يدفع المالك الى العامل مالا ليتجر العامل فيه والربح مشترك بينهما.
وهى جائزة للحاجة اليها ولانه ﷺ ضارب لخديجة بمالها الى الشام (٥)، ولا يجوز للمالك أن يشترط على العامل شراء متاع معين كهذه الحنطة أو هذا الثوب، أو يشترط عليه معاملة شخص بعينه لان المتاع المعين قد لا يربح، والنادر قد لا يجده، والشخص المعين قد لا يعامله، وقد لا يجد عنده ما يظن أن فيه ربحا (٦). ولها شروط عندهم مبينة «ينظر مصطلح:
قراض أو مضاربة».
стр. 2187
مذهب الحنابلة:
ذكر ابن قدامة أن المضاربة هى: أن يدفع رجل ماله الى آخر يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما على حسب ما يشترطانه.
وهى جائزة بالاجماع (١) فلو قال خذ هذا المال مضاربة ولم يسم للعامل شيئا من الربح فالربح كله لرب المال وللعامل أجر مثله، ومقتضى كون الشئ مضاربة أن العامل لا بد من أن يستحق جزءا من الربح، فاذا كان مجهولا لم تصح المضاربة بالمال كما لو قال: ولك جزء (غير معين) من الربح، أما لو قال:
والربح بيننا، فان المضاربة تصح، ويكون الربح بينهما نصفين، لانه اضافه اليهما اضافة واحدة لم يترجح فيها أحدهما على الآخر فاقتضى التسوية (٢).
مذهب الظاهرية:
ذكر ابن حزم الظاهرى أنهم كانوا فى الجاهلية يعطون المال مضاربة لمن يتجر به بجزء مسمى من الربح فأقر رسول الله ﷺ ذلك فى الاسلام وعمل به المسلمون عملا متيقنا لا خلاف فيه، ويكون بالدنانير والدراهم ولا يجوز بغير ذلك الا بأن يعطيه العرض فيأمره ببيعه بثمن محدود،
وبأن يأخذ الثمن فيعمل به قراضا، ولا يحل للعامل أن يأكل من المال شيئا ولا أن يلبس منه شيئا لا فى سفر ولا فى حضر (٣).
مذهب الزيدية:
الزيدية يجيزون استغلال المال بطريق المضاربة على ما جاء فى شرح الازهار.
فيجوز فى سبائك الذهب والفضة اذا كان يتعامل بها فى التجارات (٤)، واذا أطلقت المضاربة للعامل ولم يذكر فيها حجر ولا تفويض جاز له فى مطلقها كل تصرف الا الخلط والمضاربة والقرض والسفتجة (٥) (وهى: أن يعطى مالا لآخر له مال فى بلد المعطى فيوفيه اياه هنا، ليستفيد أمن الطريق (٦).
والمؤن التى يحتاج اليها فى المضاربة من كراء وعلف بهيمة وأجرة دلال وغيرها يكون من الربح، واذا لم يكن هناك ربح كانت من رأس المال (٧).
وعلى العامل ما جرت به العادة من مثله من بيع وشراء وطى ونشر وحمل ما خف فان استأجر على ذلك فمن ماله الا ما يشق (٨).
стр. 2188
مذهب الإمامية:
جاء فى وسائل الشيعة أن المضاربة جائزة والعامل مقيد بأمر صاحب المال ونهيه فاذا أعطى ماله مضاربة ونهى العامل عن أن يخرج به فخرج ضمن المال والربح بينهما (١).
واذا كانت المضاربة فى مال يتيم فان كان ربح فلليتيم، وان كان وضيعة فالذى أعطى ضامن (٢).
مذهب الإباضية:
والإباضية يجيزون المضاربة وسيلة من وسائل استغلال المال لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى ﷺ أنه قال: ثلاث فيهن البركة البيع الى أجل والمقارضة وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع واعتبروها تجارة من التجارات تقوم على أعطاء نقد معلوم لا غش فيه على جزء معلوم من الربح، فلو أن صاحب المال ضارب رجلا على ربح نصف أو ثلث أو غير ذلك، أو على ربح مائة منه - أى من المال - لا بتعيين جاز (٣). (ينظر فيما تقدم فى هذا البحث، مصطلح (قراض أو مضاربة).
حكم استغلال الرقيق
مذهب الحنفية:
يختلف حكم استغلال الرقيق تبعا لوضعه.
فقد ذكر صاحب بدائع الصنائع أنه لا يجوز للسيد أن يستغل العبد المكاتب باجارة أو نحوه، ولا أن يأخذ الكسب من يده، لان الاجارة تمليك المنفعة ومنفعة المكاتب له ولا يجوز استخدامه واستغلاله لان ذلك تصرف فى المنفعة والمنافع له (٤).
أما العبد غير المكاتب فيجوز للسيد أن يستخدمه ويستكسبه وتكون الغلة والمكسب للمولى (٥) اذا كان غير مأذون بالتجارة، فان كان مأذونا بها فلحقه دين تعلق الدين برقبته وبكسبه (٦).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن حق استغلال الرقيق انما يثبت للسيد ما دام فى ملكه، فان خرج من ملكه بأن أعتقه لم يعد له الحق فى ذلك (٧).
стр. 2189
وهذا هو حكم استغلال الرقيق فى سائر المذاهب.
استغلال الاعيان المملوكة
يجوز استغلال الاعيان المملوكة باجارتها اجارة صحيحة مستوفية لشروطها، لا فرق فى ذلك من المملوك بطريق الهبة، أو الارث، أو الشراء، أو بأى سبب من أسباب الملك، كما يجوز اجارة العين المستأجرة بطريق الاجارة أيضا على تفصيل فى المذاهب يرجع اليه فى مصطلح (اجارة).
استغلال الاعيان الموقوفة
يجوز فى جميع المذاهب استغلال الاعيان الموقوفة والمحبسة بطريق الاجارة أو بغيرها مع مراعاة ما يجب مراعاته من شروط فى ذلك ويرجع فى تعرف أحكام ذلك وتفصيلها فى جميع المذاهب الى مصطلح وقف.
استغلال الموصى به
اذا كان الموصى به عينا وصارت ملكا للموصى له كان له حق استغلالها كاستغلال العين المملوكة له.
أما اذا كان الموصى به منفعة من منافع الاعيان التى للموصى، فقد تكون الوصية بالانتفاع، وقد تكون بالاستغلال، وعلى وفق ما عينه الموصى يكون انتفاع الموصى له على تفصيل فى المذاهب يرجع اليه فى مصطلح (وصية).
الاستغلال غير المشروع
١ - الاستغلال بطريق الربا:
أما الاستغلال غير المشروع فهو الاستغلال الذى يعتمد على طريق يمنعه الشرع مثل الربا، وهو طريق حرم الاستغلال بواسطته بقوله تعالى ﴿(أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)﴾ (١) وقول النبى ﷺ (الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد والفضل ربا).
ولا خلاف بين أئمة المذاهب فى تحريم الاستغلال بطريق الربا (٢).
وانما الخلاف بينهم فى تفصيل أحكامه، وتبيين ما به يتحقق الربا المحرم وما لا يتحقق. وهذا كله يرجع اليه فى مصطلح (ربا).
стр. 2190
حكم استغلال اللقطة
مذهب الحنفية:
اللقطة هى مال يوجد ولا يعرف له مالك وليس بمباح.
وهى أمانة فى يد الملتقط اذا أخذها بنية تعريفها وردها الى مالكها.
وليس له أن يستغلها الا للانفاق عليها دفعا للهلاك عنها، فان استغلها بعد ذلك كان متعديا والغلة لربها (١).
مذهب المالكية:
ذكر الخرشى أن اللقطة يجب تعريفها سنة، فاذا عرفها الملتقط سنة ولم يأت ربها فهو مخير بين أمور ثلاثة.
اما أن يحبسها الى أن يأتى ربها.
وان شاء تصدق بها عن ربها.
وان شاء تملكها، ويدخل فيه ما اذا تصدق بها عن نفسه (٢).
واذا حبسها الى أن يأتى ربها فان كانت بقرة أو نحوها كالخيل جاز لمن التقطها أن يكريها لاجل علوفتها والنفقة عليها، كراء مضمونا مأمونا خفيفا لا يخشى عليها منه.
وانما جاز له الكراء مع أن ربها لم يوكله فيه لان البقرة ونحوها لا بد لها من النفقة عليها فكان ذلك أصلح لربها (٣).
وللملتقط ما تغله اللقطة من لبن وسمن نظير علفها فان زاد على علفها.
فقيل: هو له أيضا.
وقيل: يكون الزائد لقطة معها.
أما الصوف والشعر والوبر والكراء لغير الانفاق عليها فهو لربها (٤)
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أن اللقطة تعد أمانة فى يد ملتقطها اذا لم يلتقطها بقصد الخيانة، وعليه تعريفها فاذا عرفها سنة ولم يظهر صاحبها كان له أن يتملكها فيستغلها، أما قبل هذا التعريف فليس له أن يستغلها لنفسه وله أن يبقيها عنده وديعة، واذا أنفقها فظهر مالكها وجب عليه رد بدلها اليه (٥).
стр. 2191
مذهب الحنابلة:
اللقطة اسم لما يلتقط من مال ضائع أو ما فى معناه كالمتروك قصدا من مالكه، يلتقطه غير ربه.
وهى أنواع يرجع بيانها الى مصطلج لقطة.
وللملتقط أن يتملكها حال التقاطها فى بعض أحوالها.
وله أن يحفظها عنده لتعريفها قصد لردها الى ربها.
واذا لم يتملكها عدت أمانة فى يده فلا يجوز له استغلالها لنفسه، فاذا استغلها لنفسه كان ضامنا، وكانت غلتها لضامنها (١).
مذهب الظاهرية:
والظاهرية على أن للملتقط أن ينتفع بما تغله لقطة الحيوان من لبن لما روى عن سفيان الثورى عن أبى اسحاق السبيعى عن امرأته قال: جاءت امرأة الى عائشة أم المؤمنين فقالت: انى وجدت شاة فقالت: اعلفى واحلبى وعرفى، ثم عادت اليها ثلاث مرات فقالت: تريدين أن آمرك بذبحها؟ وروى عن زيد بن جبير أنه سمع ابن عمر يقول لرجل سأله عن ضالة وجدها فقال له ابن عمر:
أصلح اليها وانشد قال: فهل على أن شربت من لبنها؟ قال: ما أرى عليك فى ذلك (٢).
مذهب الإمامية:
بالنظر الى كل حيوان ضائع، يستحب أخذه عند ظن تلفه. وينفق الواجد عليه أن لم ينفق السلطان عليه من بيت المال، والاشبه أن يرجع على المالك بما أنفق، واذا كان له نفع كالظهر واللبن ونحوه، كان للملتقط ذلك بازاء ما أنفق، والاوجه: التقاص، أما غير الحيوان، فيعد أمانة فى يد ملتقطه (٣)
مذهب الإباضية:
ذكر صاحب شرح النيل أن الملتقط اذا قام برعى اللقطة أو سقيها أو أنفق عليها مالا فى علفها أو شربها أو رعيها أو مداواتها أو على جزها أو على حفظها أو ربطها جاز له أن يشرب لبنها وأن يأكل خارجا منها فى الاظهر. ولو كان ذلك أكثر مما أنفق (٤).
حكم استغلال المغصوب
استغلال المغصوب يتحقق بوسيلة من وسائل استغلاله كاجارته وزراعته
стр. 2192
والاتجار به ومزارعته والمساقاة فيه ولا تصلح هذه الوسائل فى كل ما يغصب من الاموال كما أنه ليس كل مال قابلا للغصب، يراجع باب الغصب فى المذاهب
مذهب الحنفية:
قد يكون المغصوب نقودا وقد يكون عروضا منقولة وقد يكون عقارا عند الصاحبين خلافا لابى حنيفة اذ لا يرى تحقق الغصب فى العقار.
فان كان نقودا، فاستغلالها يكون بالتجارة، وبالشركة، وبالقراض.
وهى فى يد الغاصب مضمونة، يجب على الغاصب ردها الى مالكها، مادامت قائمة، ولم يمنع من ردها اليه مانع، ويرجع فى بيان ما سبق الى مصطلح (غصب).
فاذا لم يردها واستغلها بالتجارة، أو بالشركة عليها، أو بالقراض، كان فى ذلك متعديا، لعدم ولايته على ذلك، وما يأتيه من ثمرات عن هذا الطريق فهو له لا لصاحب النقود، اذ أن الغاصب بتصرفه فى النقود المغصوبة على هذا الوضع قد أخرجها من ملك مالكها، وصارت ملكا له نتيجة ضمانه والتزامه بأداء مثلها الى صاحبها، وعلى ذلك كانت منافعها للغاصب، غير أنها لا تصير له طيبة عند أبى حنيفة ومحمد، وعليه أن يتصدق بها، ويرى أبو يوسف أن هذه الغلة تكون طيبة بذلك للغاصب (١).
وان كان المغصوب عروضا منقولة فاستغلاله يكون باجارته، أو بالتجارة فيه، لا بالشركة عليها، ولا بالقراض، ويرجع فى عدم استغلالها بالشركة أو بالقراض الى مصطلح شركة وقراض.
ولما كانت الاجرة فى الاجارة بدلا عن المنافع، فحكمها حكم المبدل عنه، وهى المنافع، والمنافع عند استيفائها تكون ملكا لمن باشر استيفاءها، لان الغاصب اذا أجر المغصوب كانت اجارته غير مستوجبة أجرا لعدم ولايته فى تأجير المغصوب، ولان المستأجر يعد غاصبا ضامنا لاستيلائه على مال لغيره وانتفاعه به بغير اذنه، سواء أعلم بغصب مؤجره أم لم يعلم وعلى ذلك تكون المنافع له ولا يلزم بأجر للغاصب عوضا عنها كما لا يضمنها لمالك المغصوب لان المنافع عند الحنفية غير مضمونة وارجع فى ذلك الى مصطلح (غصب واجارة وشركة وقراض).
وان كان المغصوب عقارا فرأى أبى حنيفة أن الغصب لا يتحقق فى العقار خلافا لصاحبيه.
стр. 2193
واستغلاله يكون باجارته أو بزراعته أو بالمزارعة عليه.
ولعدم ضمان المنافع عند الحنفية باتفاق تكون المنافع لمن باشر الانتفاع بالعقار، الا اذا أجاز صاحب العقار العقد، فان المنافع تكون له.
أما فى الزراعة فالزرع لمالك البذر، لانه نماء ملكه، وكذلك الحكم فى المزارعة ويرجع الى مصطلح (اجارة ومزارعة).
ويستثنى من عدم ضمان المنافع أن يكون المغصوب وقفا أو مال يتيم أو معدا للاستغلال فتكون المنافع مضمونة مستحقة لمالك العين (١).
ويلاحظ فيما تقدم أن تصرف الغاصب يعد تصرفا بلا ولاية وحكمه أنه موقوف على اذن من المالك فاذا اذن به نفذ وكانت له فوائده، كالحكم فى تصرف الفضولى.
وما تقدم هو أيضا حكم استغلال المغصوب اذا استغله من انتقل المغصوب الى يده من غاصب آخذ أو مشتر أو متهب أو موصى له من الغاصب أو وارث له.
مذهب المالكية:
يتحقق الغصب فى كل مال متقوم مملوك عقارا كان أم منقولا.
ويفرقون بين ما اذا عمد الغاصب الى أخذ ذات المال الذى استولى عليه فيسمونه غصبا.
وبين أن يكون قد قصد الى غصب منافع ذلك المال بنية الانتفاع دون قصد الى أخذ ذات المال اغتصابا فيسمونه اعتداء.
ففى الحالة الثانية يكون ضامنا لمنافع ما استولى عليه سواء عطله أو انتفع به أو أجره فيلزم بأجر مثله فى مدة اغتصابه.
وعلى ذلك اذا استغل ما استولى عليه بأى نوع من أنواع الاستغلال كان متعديا وكانت الغلة للمالك، لانه اذا لزمه بدل الغلة فى المدة بلا استغلال، فأولى أن تلزمه عند ما يستغل بوسيلة من وسائل الاستغلال.
ومقتضى ذلك انه اذا زرع الارض المستولى عليها، كان الزرع لمالك البذر، وعلى الغاصب أجر مثل الارض فى المدة لان الزرع نماء البذر فهو لمالكه.
وفى الحالة الاولى وهى: ما اذا عمد الى غصب الذات.
ففى غصب العقار والدور والرباع والاراضى يكون ضامنا لمنفعة ذلك اذا استغله بزرع أو اجارة أو انتفع بسكناه، فيلزم باجر مثل المدة التى توسطت
стр. 2194
بين الاستيلاء، وبين رد المغصوب الى مالكه.
وفى الحيوان يكون ضامنا لما لم ينشأ عن استعماله من منافع، كالولد والثمرة والصوف والجبن والزبد، ولا عبرة بما يحتاجه الزبد والجبن من عمل لان هذه المنافع تعد كالجزء من المغصوب فيضمنها كما يضمن المغصوب.
أما ما ينشأ عن استعماله كاجارة الدابة وركوبها، فلا يضمنها الغاصب بل تكون له لانها ثمرة عمله، وفى غير ذلك من الاشياء المغصوبة لا ضمان على الغاصب فى منافعها.
وعلى ذلك اذا استغلها بالاجارة أو الاستعمال كانت الغلة له، وذلك كما اذا أجر الثوب الذى غصبه أو لبسه، ذلك لان منافع المغصوب فى هذه الحال لو كانت للمالك لضمنها الغاصب نتيجة استيلائه على ما ليس لغيره من مال (١).
وذهب أشهب الى أن حكم ضمان الغلة فى حال الغصب، هو حكم الشئ المغصوب ذاته، فيضمنها الغاصب بقيمتها يوم الغصب على قول.
أو بأكبر قيمه بلغتها فى المدة بين يوم الغصب ويوم رد الشئ المغصوب الى مالكه، على قول آخر (٢).
واذا استغل المغصوب غير الغاصب، كغاصب آخر، أو مشتر، أو متهب، أو موصى له من الغاصب، أو وارث له، فان كان يعلم بالغصب فحكمه أيضا ما تقدم، وان كان لا يعلم بالغصب ففيه تفصيل (انظر غصب).
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أن منافع المغصوب مضمونة وان الغاصب ملزم بتعويض المالك عن منافع المغصوب فى المدة التى بين غصبه وبين رده الى مالكه.
وان الغصب يتحقق فى كل مال محترم متقوم مملوك عقارا كان أم منقولا وان تصرف الغاصب فيما يغصبه تصرف باطل لا يترتب عليه أثر شرعى.
وعلى ذلك فالغاصب لا يستحق باجارة المغصوب، ولا بيعه، ولا بالمشاركة عليه، مالا.
وما يستفيده الغاصب من منافع فهى لمالك المغصوب.
стр. 2195
غير أنه اذا كان أرضا فزرعها فان الزرع يكون ملكا لمالك البذر لانه نماء ملكه.
وعليه اذا غصب انسان عينا فاستعملها كانت غلتها لمالكها، وعلى الغاصب ضمانها اذا تلفت، وان لم يستعملها لزمه أجر مثلها فى مدة غصبها لمالكها (١).
وما تقدم هو أيضا حكم استغلال المغصوب اذا استغله من انتقل المغصوب الى يده من غاصب آخر، أو مشتر أو متهب، أو موصى له من الغاصب أو وارث له.
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة رأى الشافعية فى أن منافع المغصوب مضمونة على الغاصب.
وان الغصب يتحقق فى كل مال مملوك عقارا كان أم منقولا.
وان الغاصب ملزم بضمان قيمة منافع المغصوب فى مدة غصبه، أى فى المدة ما بين غصبه، وبين رده الى مالكه، حتى ألزم بأجر مثل منافعه اذا لم يؤجره واذا كان ملزما بضمان منافع ما يغصب فى مدة غصبه يجب عليه دفع عوضها، فأولى أنه يجب عليه رد ما يستفيده من المغصوب من أجر ومنافع لان ذلك يعد ملكا لمالك المغصوب (٢) وما تقدم هو
أيضا حكم استغلال المغصوب اذا استغله من انتقل المغصوب الى يده من غاصب آخر، أو مشتر، أو متهب، أو موصى له من الغاصب، أو وارث له.
مذهب الظاهرية:
ويرى الظاهرية أن المغصوب منه هو صاحب الحق فى استغلال المغصوب.
فقد ذكر صاحب المحلى أن من غصب أرضا فزرعها أو أعطاها مزارعة أو لم يزرعها فعليه ردها، وما نقص منها، وذلك لانه حال بين صاحبها وبين منفعة أرضه ولا منفعة للارض الا الزرع والمزارعة (٣).
ومن غصب زريعة فزرعها أو نوى فغرسه أو ملوخا فغرسها فكل ما تولد من الزرع فلصاحب الزريعة يضمنه له الزارع، وكل ما نبت من النوى والملوخ فلصاحبها، وكل ما أثمرت تلك الشجرة فى الابد فله، لا حق للغاصب فى شئ من ذلك (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أن فوائد المغصوب مضمونة بالغصب، وهى مملوكة للمغصوب منه وان تجددت فى يد الغاصب أعيانا كانت كاللبن والشعر والوبر والتمر، أو منافع كسكنى الدار وركوب الدابة، وكذا
стр. 2196
منفعة كل ماله أجرة بالعادة ولو سمنت الدابة فى يد الغاصب أو تعلم المملوك صنعة أو علما فزادت قيمته ضمن الغاصب تلك الزيادة (١).
ولو غصب أرضا فزرعها أو غرسها فالزرع ونماؤه للزارع وعليه أجرة الارض وازالة غرسه وزرعه وطم الحفر وأرش الارض ان نقصت (٢).
واذا غصب حبا فزرعه أو بيضا فاستفرخه، قيل الزرع والفرخ للغاصب وقيل للمغصوب منه وهو الاشبه (٣).
مذهب الإباضية:
يغرم الغاصب قيمة ما استغل من المغصوب أو مثل ما استغل اذا أمكن المثل كثمار وألبان وأصواف وسكنى دور وخدمة عبيد ودواب (٤).
وغلة الحيوان كله لا ترد، لان الخوف عليه قائم فالغلة بالضمان وكذا غير الحيوان بخلاف الاصل.
وقيل غاصب الاصل لما كان غاصبا للرقاب فى الظاهر، وللمنفعة حقيقة،
وشأن الاصل البقاء، حتى يرجع لربه.
كان غاصبا للمنفعة وغاصب المنفعة يغرم (٥).
حكم استغلال الاعيان المرهونة
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى البزازية أنه لو آجر المرتهن الرهن لاجنبى بلا اجازة الراهن، فالغلة للمرتهن ويتصدق بها عند الامام ومحمد رحمهما الله تعالى، وان آجر بأمر الراهن بطل الرهن والاجر للراهن (٦).
مذهب المالكية:
الغلة الناشئة عن الرهن لا تدخل فى الرهن، بل هى للراهن، مثل كراء الدور والعبيد وما أشبه ذلك، الا أن يكون شرط المرتهن الادخال، وكذلك الثمرة الموجودة يوم الرهن لا تدخل مع أصلها فى الرهن، بل هى للراهن ولا تدخل الا بالشرط (٧).
ولما كانت غلات الرهن ومنافعه لراهنه لخبر: له غنمه وعليه غرمه،
стр. 2197
فانه يجوز للمرتهن أن يشترط منفعة الرهن لنفسه مجانا بشرطين.
الاول: أن تكون المنفعة مؤقتة بمدة معينة للخروج من الجهالة فى الاجارة.
الثانى: أن يكون الرهن فى عقد بيع لا فى عقد قرض لانه فى البيع بيع واجارة وهو جائز.
أما فى القرض فهو سلف واجارة وهو لا يجوز، ولو اشترط المرتهن أخذ الغلة من دينه جاز فى القرض لانه يجوز فيه الجهل فى الاجل.
أما فى عقد البيع فلا يجوز اذ لا يدرى ما يقبض أيقل أو يكثر (١)؟
مذهب الشافعية:
يمكن الانتفاع بالمرهون بما أراده المالك منه بغير استرداده له كأن يرهن رقيقا له صنعة يمكن أن يعملها عند المرتهن، لم يسترد من المرتهن لاجل عملها عنده وان لم يمكن الانتفاع به بغير استرداد كأن يكرى دارا يسكنها أو دابة يركبها أو عبدا يخدمه فيسترد وقت ذلك للحاجة الى ذلك جمعا بين الحقين، بخلاف ماذا كان الانتفاع بتفويته فلا يأخذه لذلك أصلا (٢).
هذا وللراهن كل انتفاع لا ينقص المرهون كالركوب والاستخدام ولو للامة والسكنى لخبر البخارى (الظهر يركب بنفقته اذا كان مرهونا) وخبر (الرهن مركوب ومحلوب) (٣).
مذهب الحنابلة:
الحنابلة يرون أنه لا حق للمرتهن فى استغلال الرهن.
فقد ذكر ابن قدامة أن المرتهن اذا انتفع بالرهن باستخدام أو ركوب أو لبس أو استرضاع أو استغلال أو سكنى أو غيره حسب من دينه بقدر ذلك (٤).
مذهب الظاهرية:
الظاهرية يرون أن الرهن يستغله المرتهن وينتفع به.
فقد ذكر ابن حزم فى المحلى أن الدار المرهونة تؤاجر ويصلح ما هى فيها.
وأن الارض المرهونة تحرث وتزرع.
وأن الحيوان المرهون ينفق عليه ويستغل.
وان الاشجار المرهونة تكون غلتها لمن هى تحت يده.
لان اهمال كل ذلك واضاعته يخالف الاجماع، ولان رسول الله صلّى الله
стр. 2198
عليه وسلم قد نهى عن اضاعة المال (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار أن الرهن بما فيه لصاحبه غنمه أى فوائده وعليه غرمه أى مؤنته، أى أن الفوائد الاصلية والفرعية رهن مضمون فى يد المرتهن وذلك لان الرهن حق مستقل فى الرقبة فسرى الى الفوائد كالعتق والاستيلاد (٢)، بخلاف من قال ان فوائد الرهن لا تكون رهنا ولا مضمونة وهذا قول الناصر.
وقال القاسم: انها رهن غير مضمونة (٣).
وجاء فى البحر الزخار أنه ليس للمرتهن فى الرهن الا حق الحبس، واذا استعمله فعليه الاجرة ويساقط الدين من جنسها ولو استعمله غيره فالاجرة رهن وله المطالبة بها (٤).
مذهب الإمامية:
الإمامية على أن غلة الرهن لصاحبه، وأنه يحق للمرتهن أن يستغل الرهن باذن من صاحبه.
فقد ذكر صاحب وسائل الشيعة أن اسحاق بن عمار قال: اذا رهن الرجل العبد أو الثوب أو الحلى أو متاع البيت ثم قال صاحب المتاع للمرتهن: أنت فى حل من لبس هذا الثوب فالبس الثوب وانتفع بالمتاع واستخدم الخادم فانه حلال له اذ أحله، ولكن ما أحب للمرتهن أن يفعل ذلك، فان ارتهن دارا لها غلة فان غلتها تكون لصاحب الدار (٥).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن الرهن كله بزيادته للراهن، وأنه لا يجوز للمرتهن أن يأخذ الزيادة، لان ذلك أكل مال بلا حق، وهو شبه القمار.
وللراهن أيضا الغلة المنفصلة كالغلة المؤبرة عند قوم، وهى قبل التأبير متصلة وقيل هى متصلة ما لم تدرك فحكمها اذا أبرت أو أدركت على القولين حكم ما قطع وكالصوف الذى بلغ أن يجز فانه فى حكم ما انفصل. وكسائر الثمار والبقول والفواكه اذا أدرك.
ولو اشترط المرتهن أو الراهن أن ينتفع بالرهن أو يأكل غلته بطل، وكذا ان اشترط أحدهما على الآخر ما وجب عليه من مؤنة الرهن لم يجز أيضا، وان اشترط
стр. 2199
المرتهن غلته أو نفعه على أن تكون عليه مؤنته.
وأجاز جماعة اشتراط الانتفاع لاجل معلوم حيث حملوا النهى على الانتفاع بلا شرط كما حمله بعض على عدم العوض (١).
حكم استغلال العين المستعارة
مذهب الحنفية:
العارية عقد يفيد تمليك المستعير منفعة العين المستعارة بالمجان، ولا يملك المستعير بناء على ذلك الاستغلال بالاجارة، لانها تمليك بعوض، وهو أقوى من التمليك مجانا، ولا يبنى القوى على الضعيف، ولانها عقد لازم والاعارة عقد غير لازم، ولا يبنى اللازم على غير اللازم وللمستعير حق الانتفاع طبق عقد العارية.
واذا تعدى فأجرها لغيره كانت الاجارة باطلة لعدم الولاية، الا اذا أجازها مالكها فتكون الاجرة للمالك (٢).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن عقد الاعارة يفيد المستعير ملك المنفعة، وهى أما أن تقيد بزمن محدد، أو تكون لمنفعة معينة، أو تطلق.
ففى الحالة الاولى تكون لازمة طيلة المدة.
وفى الثانية تكون لازمة الى نهاية العمل المحدد فى العقد.
وفى الثالثة تخضع للعرف على رأى:
لان المعروف كالمشروط.
وقيل: لا تخضع له، وهو المعتمد.
وعند لزومها يجوز للمستعير أن يستغل بالاجارة: لان من ملك شيئا فقد ملك تأجيره، والغلة له بحكم أنه مالك لبدلها (٣).
مذهب الشافعية: والحنابلة:
العارية عندهم عقد يفيد المستعير اباحة الانتفاع بالعين المعارة، وهو غير لازم. ولكونه اباحة لم يجز للمستعير عندهم استغلال العارية باجارتها: لان الاجارة لا تصح الا ممن يملك المنفعة، فاذا تعدى فاستغلها بتأجيرها لغيره، كان ضامنا لغلتها: لان المنافع عندهم مضمونة عند التعدى (٤).
مذهب الظاهرية:
ذكر ابن حزم أن العارية اباحة منافع بعض الشئ كالدابة للركوب، والثوب للباس، والفأس للقطع، والقدر للطبخ، الى آخر ما ينتفع به.
стр. 2200
ولا يحل شئ من ذلك الى أجل مسمى لبطلان الشرط، لكن يأخذ ما أعاره متى شاء (١) وليس له أن يستغلها، والا كان متعديا.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار أن العارية هى اباحة المنافع وقيل:
هى هبة المنافع فليس للمستعير أن يعير غيره.
وقيل: له أن يعير لمثل ما استعار له.
هذا ولا خلاف فى أنه لا يجوز للمستعير أن يؤجر ما استعاره (٢).
مذهب الإمامية:
يرون أن للمستعير أن ينتفع بالشئ الذى استعاره فى الوجه الذى حدده له المعير، فان أطلق ولم يعين وجه الاستعمال استعمله فى الجهة التى أعد لها بطبيعته (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن المستعير لا ينتفع بغلة العارية الا باذن مثل لبن الناقة، ولا يكريها، ولا يعيرها، وان فعل ضمن ولزمه الكراء.
وقيل ضمناه ان علم الاجير أنه عارية.
وقيل لا يلزم الاجير ضمان ان كان الاول ثقة وكذا ان أكرى غلاتها، وجائز لمن استعير له أن ينتفع به (٤).
استغلال الوديعة
اتفقت كلمة المذاهب الثمانية على أن الوديعة فى يد الوديع أمانة، ليس له أن ينتفع بها، ولا أن يتصرف الا اذا كان ذلك عن رضا، أو اذن من صاحبها، ومن أجل ذلك لا يجوز أن يستغلها بأية وسيلة من وسائل الاستغلال، لانه نوع من التصرف لا يملكه، لعدم ولايته، فاذا فعل كان متعديا، وكان ضامنا لها باتفاق.
استفاضة
تعريفها لغة
جاء فى القاموس واللسان: فاض الخبر شاع، واستفاض الخبر ذاع وانتشر،
стр. 2201
وحديث مستفيض منتشر شائع فى الناس، ومستفاض قد استفاضوه أى أخذوا فيه (١).
تعريفها فى عرف الفقهاء
اختلف الحنفية فى تفسيرها هى وما يرادفها من الكلمات التى يستعملونها فى كثير من الاحيان بدلا منها نحو الشهرة والاشتهار والسماع والتسامع.
فعند محمد: هى أن يشتهر الامر ويستفيض وتتواتر به الاخبار عند الشاهد من غير تواطؤ على الكذب حتى يصير كالمحسوس بحاسة البصر والسمع، ولا تشترط العدالة فى هذا.
وعند الخصاف: وهو المنقول عن أبى يوسف: يكفى فى الاستفاضة أن يخبر الشاهد بذلك الامر عدلان، سواء كانا رجلين، أو رجلا وامرأتين، أو امرأتين، ويحل له الشهادة بذلك، بشرط أن يكون الاخبار بلفظ الشهادة (٢).
وعرفها: ابن عرفه من المالكية: بأنها لقب لما صرح الشاهد فيه باسناد شهادته لسماع من غير معين (٣).
وعرفها الإمامية: بأنها شيوع الخبر الى حد يفيد السامع الظن الغالب المقارب للعلم ولا ينحصر فى عدد بل يختلف باختلاف المخبرين لكن يعتبر أن يزيدوا عن عدد الشهود المعدلين ليحصل الفرق بين خبر العدل وغيره (٤).
وأما بقية الفقهاء فلا يختلف تفسيرهم كثيرا عن تفسير محمد لها الذى سبق ذكره (٥).
حكم الشهادة بناء على الاستفاضة
مذهب الحنفية:
يجوز للشاهد استحسانا لا قياسا أن يشهد بالامر لاستفاضة الخبر به بين الناس وان لم يقطع به من جهة المعاينة بالعين أو السمع وذلك فى عشرة أشياء هى:
النسب: لانه لم تجر العادة بحضور الناس الولادة، وانما يرون الطفل مع أمه وينسبونه الى الزوج فيقولون: هو ابن فلان.
والموت: لانه لا يحضره غالبا الا الاقارب فاذا رأى الناس الجنازة والدفن حكموا بموت فلان.
وقيل فى الموت: دون ما سواه - يكتفى الشاهد بأخبار واحد عدل ولو أنثى، وهو
стр. 2202
المختار، لانه قلما يشاهد حال الميت عند موته أكثر من واحد لان الانسان يهابه ويكرهه، فيكون فى اشتراط العدد بعض الحرج.
والنكاح: لانه لا يحضره كل أحد وانما يخبر بعضهم بعضا: أن فلانا تزوج فلانه.
والدخول بالزوج: لانه لا يعلم الا بالامارات فان المخالطة فعلا بين الزوجين لا تشاهد.
وحكى فى الخلاصة عن ظهير الدين:
أنه لا تجوز الشهادة فى الدخول بالاستفاضة، فلو أراد أن يثبت الدخول، يثبت الخلوة الصحيحة.
ولكن نص الخصاف على جواز الشهادة فيه بالاستفاضة لانه أمر يشتهر بخلاف الزنا، فانه فاحشة تستر.
وولاية السلطان للقاضى: فتجوز الشهادة بالاستفاضة والشهرة وان لم يعاين المنشور، لانها لا يحضرها الا الخواص فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة.
وأصل الوقف: وهو كل ما تعلق به صحته وتوقف عليه - لانه على توالى الاعصار تبيد الشهود والاوراق مع اشتهار وقفيته فيكون معرضا للضياع فى المستقبل ان لم تجز الشهادة فيه بالاشتهار، فمست الحاجة الى ذلك.
وشرائط الوقف على المختار - والمراد منها ما يشرطه الواقف فى كتاب وقفه لا الشرائط التى يتوقف عليها صحة الوقف وقيل: لا تقبل الشهادة بالاستفاضة لاثبات شرائطه فى الاصح الا للضرورة وعليه الفتوى.
ولمهر فى الاصح:
والولاء عند أبى يوسف: لان الولاء لحمة كلحمة النسب، وفى النسب تجوز الشهادة بالاستفاضة فكذا فى الولاء.
وعند أبى حنيفة ومحمد لا تجوز، لان الولاء يبتنى على زوال الملك، ولا بد فيه من المعاينة فكذا ما يبتنى عليه.
والعتق وفيه الخلاف الذى فى الولاء:
وينبغى للشاهد بالاستفاضة أن يطلق الشهادة فى كل ذلك فيشهد أنه ابنه أو أنه قاض، أما اذا فسر للقاضى أنه شهد عن تسامع واستفاضة بين الناس لم تقبل شهادته فى الصحيح.
وقيل: تقبل فى الموت والوقف ولو فسر على المختار (١).
стр. 2203
مذهب المالكية:
تجوز الشهادة اعتمادا على استفاضة الخبر وسماعه سماعا منتشرا عن ثقات وغيرهم، والمراد بالجواز هنا الاذن لانها قد تجب، وهى اذا جازت فانما تجوز للضرورة على خلاف الاصل، لان الاصل أن الانسان انما يشهد بما تدركه حواسه قاله أبو اسحق.
وجملة المسائل التى تجوز الشهادة فيها بالاستفاضة والسماع ثلاثون مسألة هى:
١ - الشهادة بالملك لمن هو حائز للعين - مدة طويلة يتصرف فيها تصرف الملاك فى أملاكهم.
٢ - الشهادة بأن هذا الشئ موقوف على الحائز له، أو على فلان وليست العين المشهود عليها بيد أحد غيره ويشترط لشهادة الاستفاضة فى هاتين المسألتين طول الزمن، وأقله عشرون سنة عند ابن القاسم.
٣ - الشهادة بموت شخص فى بلد بعيد، وكذا ان جهل موضع موته فى الظاهر من المذهب.
أما البلاد القريبة أو بلد الميت فانما تكون الشهادة على البت والقطع.
ولا تجوز شهادة السماع لسهولة الكشف عن حاله.
ويشترط أيضا لجواز الشهادة بالاستفاضة فى الموت خاصة قصر الزمن، فان طال فلا بد من بينة القطع فيه، ولو بالنقل على المعتمد، اذ يبعد عادة موته مع عدم من يأتى من تلك البلد ويخبر بموته قطعا فى هذه المدة الطويلة.
٤، ٥ - الشهادة بالتولية أو العزل للقاضى، أو الوالى، أو الوكيل الفلانى.
٦، ٧ - الشهادة بالتعديل أو التجريح سواء كان التجريح بمعين مثل أن يقولوا:
لم نزل نسمع أنه يشرب الخمر مثلا، أم لا.
١١:٨ - الشهادة بالاسلام أو بالكفر.
أو بالرشد، أو بالسفه لفلان المعين.
١٢، ١٣ - الشهادة بالنكاح أو الطلاق بين الزوجين ان ادعاه أحدهما وأنكره الآخر، ويثبت بها عقد النكاح لا نقد الصداق.
١٤، ١٥ - الشهادة بالخلع، ويثبت بها الطلاق لا دفع العوض، والشهادة بضرر الزوج لزوجته والاساءة اليها من غير ذنب فيطلقها القاضى عليه.
١٦، ١٧ - الشهادة بالهبة أى بأن فلانا وهب كذا لفلان، والشهادة بالوصية أى بأن فلانا أقام فلانا وصيا أو أن فلانا كان فى وصاية فلان يتولى النظر والانفاق عليه بايصاء أبيه أو بتقديم قاض له عليه، وان لم يشهدهم أبوه بالايصاء ولا القاضى المقدم،
стр. 2204
ولكن علم ذلك بالاستفاضة، وكذا لو شهدوا بأن فلانا أوصى لفلان بكذا من المال والحيوان والعقار.
١٨، ١٩ - الشهادة بالولادة، والشهادة بالحرابة - قطع الطريق - بأن يقولوا:
لم نزل نسمع أن هؤلاء الجماعة محاربون وأخذوا مال فلان حرابة.
٢٠، ٢١ - والشهادة بالاباق، والشهادة بالاعسار أن أراد المدين اثباته أو الدائنون ان ادعى الضامن أن المدين موسر.
٢٨:٢٢ - الشهادة بالاسر، والعتق، والولاء، والنسب، والرضاع، والقسمة، والبيع، ويثبت بها العقد لا دفع الثمن
٢٩، ٣٠ - الشهادة بالرهن، واللوث نحو لم نزل نسمع من الثقات وغيرهم أن فلانا قتل فلانا، فتكون الشهادة المذكورة لوثا تسوغ لولى القتيل طلب القسامة.
ويشترط فى الشهادة بالاستفاضة والسماع شرائط:
منها انتفاء الريبة فلو شهد اثنان فقط بموت رجل من بلد وفيها جمع كبير يساويهما فى السن لم يعلموا ذلك لم تقبل شهادتهما للتهمة، الا أن يكون علم ذلك فاشيا فيهم، أو ليس فى البلد من هو اسن منهما فتقبل.
ومنها أن يحلف المحكوم له بشهادة السماع لان شهادة السماع ضعيفة فيطلب فيها الحلف لتقويتها.
ومنها أن يشهد بالسماع اثنان فأكثر من العدول فلا يكفى واحد مع اليمين ولا المرأتان، ويكتفى بالاثنين على المشهور.
وقال عبد الملك: لا بد من أربعة.
ويصح أن يعتمد الشهود فى شهادتهم على الثقات أو غيرهم فى الاشهر، ولا يشترط ذكرهم ذلك فى شهادتهم.
وقيل: لا بد أن يقول الشهود فى شهادتهم: لم نزل نسمع من الثقات وغيرهم وهو التحقيق (١).
مذهب الشافعية:
تجوز الشهادة بالاستفاضة والتسامع الذى لم يعارضه ما هو أقوى منه كانكار المنسوب اليه النسب مثلا أو طعن أحد فى انتسابه، ولم تقم قرينة على كذب قائله، وتجوز فى اثنين وثلاثين موضعا هى:
١ - النسب لذكر أو انثى من أب أو قبيلة وكذا من أم فى الاصح قياسا على الاب.
стр. 2205
وقيل: لا تقبل لاثبات نسب منها، لامكان رؤية الولادة.
٢ - والموت على المذهب:
وفى وجه لا تقبل فى الموت لانه يمكن فيه المعاينة.
٧:٣ - وتجوز على الاصح عند المحققين والاكثرين فى العتق، والولاء، وأصل الوقف، لا شروطه وتفاصيله والزوجية، والملك ان استفاض أنه ملك فلان من غير اضافة لسببه، لان مدة الملكية اذا طالت عسر اثبات ابتدائها فمست الحاجة الى اثباتها بالاستفاضة.
وقيل: لا تجوز فى هذه المسائل الخمس لتيسر مشاهدة أسبابها.
٣٢:٨ - ويلحق بما ذكر: ولاية القاضى، وعزله، وتضرر الزوجة، واستحقاق الزكاة، والتصدق، والرضاع، والولادة، والحمل، واللوث، وقدم العيب، والسفه، والرشد، والعدة، والجرح، والتعديل، والكفر، والاسلام، والوصية، والارث، والقسامة، والغصب، والصداق، والاشربة، والاعسار، والافلاس.
ويشترط فى الاستفاضة والتسامع - الذى يجوز الاستناد اليه فى الشهادة بما ذكرنا - أن يسمع الشاهد ما يشهد به من جمع كثير يقع فى نفسه صدقهم، ويؤمن تواطؤهم على الكذب.
وفى اشتراط تكراره وطول مدته عرفا خلاف.
ولا يشترط فى الجمع عدالة، ولا حرية، ولا ذكورة، أما اسلامهم فيحتمل عدم اشتراطه، وجزم بعضهم باشتراطه
وقيل: لا يشترط الجمع فى الاستفاضة، بل يكفى التسامع من عدلين اذا سكن القلب لخبرهما.
وشرط ابن أبى الدم: أن لا يصرح الشاهد بأن مستنده الاستفاضة، ثم اختار أنه ان ذكره تقوية لعلمه بأن جزم بالشهادة ثم قال: مستندى الاستفاضة، سمعت شهادته، والا فلا، وتبعه فى هذا السبكى، وغيره، واذا أطلق الشهادة، وظهر للقاضى أن مستنده الاستفاضة لم يلجئه الى بيان مستنده، الا ان كان عاميا على الاوجه لانه يجهل شروطها.
وكيفية أداء الشهادة بالاستفاضة أن يقول الشاهد: أشهد أن هذا ولد فلان، أو وقفه، أو هذه زوجته مثلا، ولا يشهد بالافعال ولا بالاسباب الا فى الارث فلا يقول: ولدته فلانة، أو وقفه فلان، أو تزوجها فلان، لاقتضائه أنه رأى ذلك وشاهده، وهو كذب محض (١).
стр. 2206
مذهب الحنابلة:
تجوز الشهادة بالسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه غالبا بدونها.
وذلك فى النسب والولادة، ويلحق بهما النكاح، عقدا ودواما، والطلاق، والخلع، والملك المطلق، والوقف، بأن يشهد أن هذا وقف زيد لانه وقفه، ومصرف الوقف، والموت، والولاية، والعزل، والعتق، والولاء، وما أشبه ذلك، فيشهد بالاستفاضة فى كل ذلك، لان هذه الاشياء يتعذر الشهادة عليها فى الغالب بمشاهدتها، ومشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب.
وكلام أحمد والخرقى يقتضى أن لا يشهد بالاستفاضة حتى تكثر به الاخبار، ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم، ويكون ذلك العدد عدد التواتر، لانها شهادة فلا يجوز أن يشهد بها من غير علم.
وذكر القاضى فى المجرد، أنه يكفى أن يسمع من اثنين عدلين ويسكن قلبه الى خبرهما، لان الحقوق تثبت بقول اثنين.
ولا تشترط فى الشهادة بالاستفاضة عدالة الاصل، ولا تعذر شهادة شهود الاصل بموت، أو مرض، أو غيبة.
وقال القاضى: الشهادة بالاستفاضة خبر، لا شهادة، وقال: تحصل بالنساء والعبيد.
ويلزم القاضى الحكم بشهادة لم يعلم تلقيها من الاستفاضة.
ومن قال: شهدت بالاستفاضة فتعتبر شهادته شهادة فرع لا أصل فتشترط فيه شرائطه المفصلة فى مصطلح شهادة.
وقال أبو الوفاء: اذا صرح الشاهدان بالاستفاضة أو استفاض بين الناس قبلت فى الوفاة والنسب جميعا (١).
مذهب الزيدية:
تجوز الشهادة بالشهرة المستفيضة فى النسب، والموت، والولاء، لانه كالنسب، وكذا النكاح.
وقيل: لا تجوز فى النكاح قبل الدخول وهو قوى، والوقف، والوصية، ومصرف الوقف والوصية.
وقيل: لا تجوز فى النكاح قبل وكذا تجوز الشهادة بالشهرة والاستفاضة على كونه قاضيا، فتجوز الشهادة على حكمه لمشقة اليقين فى ذلك.
ولا تجوز الشهادة بالملك واليد عن شهرة اذ هى شهادة بمال فأشبهت الدين.
стр. 2207
وقال الامام يحيى: تجوز فى اليد لا الملك، اذ هى اثبات تصرف، لا ملك.
وقوى صاحب البحر الزخار جواز الشهادة بالاستفاضة والشهرة فى الملك واليد معا (١).
مذهب الإمامية:
المشهور أنه يثبت بالاستفاضة سبعة أمور هى:
النسب، والموت، والملك المطلق، والوقف، والنكاح، والعتق، وولاية القاضى بعد اقامة البينة فى هذه الاسباب مطلقا.
ويكفى فى الخبر بهذه الاسباب أن يكون مقاربا للعلم على قول قوى وبه جزم فى الدروس.
وقيل: يشترط أن يحصل العلم.
وقيل: يكفى مطلق الظن حتى لو سمع من شاهدين عدلين صار متحملا لافادة قولهما الظن.
وعلى المختار لا يشترط العدالة ولا الحرية ولا الذكورة.
وقيد الملك بالمطلق احترازا عن المستند الى سبب كالبيع فلا يثبت السبب بالاستفاضة، بل الملك الموجود فى ضمنه.
ومتى اجتمع فى ملك استفاضة ويد وتصرف بلا منازع فهو منتهى الامكان، فللشاهد القطع بالملك.
وفى الاكتفاء بكل واحد من الثلاثة فى الشهادة بالملك قول قوى (٢).
مذهب الإباضية:
تجوز الشهادة بالاستفاضة والشهرة فى أمور هى:
موت الغائب، وثبوت النسب، والنكاح، والاياس من الحيض، والامامة فى موضعها، ورؤية الهلال.
وأما ولادة الصبى سنة كذا، ففى الديوان: لا يجوز فيها الشهادة بالاستفاضة.
وقيل: تجوز.
ولا تجوز فى الوصية والطلاق.
وهذا كله ما لم تكن هناك تهمة، أو انكار فيما لاحد فيه حق قبل تبليغ المشهور للقاضى.
فان وقعت التهمة، أو الانكار قبل التبليغ، أو عنده، لم تقبل، وكذا بعد التبليغ اذا أخر القاضى النظر فى خبرهم لامر، ثم حدثت التهمة، أو الانكار قبل أن يقبله.
стр. 2208
وأما اذا أبلغوه وقبله القاضى، ثم حدثت التهمة، أو وقعت المحاكمة بعد قبوله فى أمر يرجع الى الخبر، فأنكر الخصم خبرهم، وقد قبله القاضى قبل الخصومة، فانه يمضى خبرهم لتقدم قبوله.
وأقل ما يشتهر به الخبر: ما نقل عن ثلاثة رجال، أو رجلين وامرأتين، أو رجل وأربع نسوة، على القول بجواز شهادة النساء فى الاستفاضة والشهرة وهم أحرار عقلاء.
ويجوز الامين مع رجلين من أهل الجملة.
وقيل: لا تجوز شهادة النساء فى الاستفاضة ولو مع الرجال.
وقيل: تجوز ولو وحدهن اذا كن ثلاثا.
وحد الشهرة والاستفاضة انتشار الامر وظهوره حتى لا ينكر (١).
استفتاء
تعريف الاستفتاء لغة وشرعا
استفتى استفتاء العالم فى مسألة سأله أن يفتيه فيها، وأفتى فلانا فى المسألة افتاء: أبان له الحكم فيها
وأخرج له فيها فتوى، والفتوى بفتح الفاء وضمها، والفتيا بالضم: اسم من أفتى العالم اذا بين الحكم.
قال فى المصباح ويقال أصله من الفتى وهو الشاب القوى والجمع: الفتاوى والفتاوى (٢).
فاذا كانت المسألة شرعية كانت الفتوى شرعية، أو كانت لغوية كانت الفتوى لغوية، وهكذا.
فالاستفتاءات الشرعية هى المتعلقة بمسائل يطلب حكم الشرع فيها.
أهمية الفتوى
مذهب الحنفية:
جاء فى الدر المختار (٣): الفاسق لا يصلح مفتيا، لان الفتوى من أمور الدين، والفاسق لا يقبل قوله فى الديانات.
ونقل ابن عابدين عن ابن الهمام فى التحرير: الاتفاق على حل استفتاء من عرف من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة، أو رآه الناس منتصبا والناس يستفتونه معظمين له.
стр. 2209
ونقل صاحب المجمع قوله: ان أولى ما يستنزل به فيض الرحمة الالهية فى تحقيق الواقعات الشرعية طاعة الله والتمسك بحبل التقوى قال تعالى:
«وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ،﴾ (١) ومن اعتمد على رأيه وذهنه فى استخراج دقائق الفقه وكنوزه وهو فى المعاصى حقيق بانزال الخذلان فقد اعتمد على ما لا يعتمد عليه ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور.
مذهب المالكية:
جاء فى الفروق (٢): أن السلف رضى الله عنهم كانوا متوقفين فى الفتيا توقفا شديدا.
وقال مالك لا ينبغى للعالم أن يفتى حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه أهلا لذلك، يريد تثبيت أهليته عند العلماء، ويكون هو بيقين مطلعا على ما قاله العلماء فى حقه من الاهلية، لانه قد يظهر من الانسان أمر على ضد ما هو عليه، فاذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس حصل اليقين فى ذلك، وهذا هو شأن الفتيا فى الزمن القديم.
وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج، وسهل على الناس أمر دينهم، فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح، وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم، وأن يقول أحدهم لا يدرى، فلا جرم آل الحال للناس الى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال.
مذهب الشافعية:
قال فى المجموع (٣): أعلم أن الافتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل، لان المفتى وارث الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ ولهذا قالوا: المفتى موقع عن الله تعالى.
وروينا عن ابن المنكدر قال: العالم بين الله تعالى وخلقه فلينظر كيف يدخل بينهم.
وروينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة نذكر منها أحرفا تبركا.
روينا عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال أدركت عشرين ومائة من الانصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
стр. 2210
وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا الى هذا، وهذا الى هذا حتى ترجع الى الاول.
وفى رواية: ما منهم من يحدث بحديث الا ود أن أخاه كفاه اياه، ولا يستفتى عن شئ الا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
وعن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم: من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون.
وعن الشعبى والحسن وأبى حصين بفتح الحاء التابعيين قالوا: ان أحدكم ليفتى فى المسئلة، ولو وردت على عمر بن الخطاب رضى الله عنه لجمع لها أهل بدر.
وعن عطاء بن السائب التابعى: أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشئ فيتكلم وهو يرعد.
وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان:
اذا أغفل العالم لا أدرى فقد أصيبت مقاتله.
وعن سفيان بن عيينة وسحنون:
أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما.
وعن الشافعى وقد سئل عن مسألة فلم يجب، فقيل له، فقال: حتى أدرى أن الفضل فى السكوت أو فى الجواب.
وعن الاثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول لا أدرى وذلك فيما عرف الاقاويل فيه.
وعن الهيثم بن جميل: شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسئلة، فقال فى ثنتين وثلاثين منها لا أدرى.
وعن مالك أيضا أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب فى واحدة منها، وكان يقول: من أجاب فى مسألة فينبغى قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه، ثم يجيب، وسئل عن مسألة فقال: لا أدرى، فقيل: هى مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس فى العلم شئ خفيف، وقال الشافعى: ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع فى ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا.
وقال أبو حنيفة: لولا الفرق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت يكون لهم المهنأ وعلى الوزر. وأقوالهم فى هذا كثيرة معروفة.
قال الصيمرى والخطيب قل من حرص على الفتيا وسابق اليها وثابر عليها الا قل توفيقه واضطرب فى أموره وان كان كارها لذلك غير مؤثر له ما وجد عنه مندوحة وأحال الامر فيه على غيره كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح فى جوابه أغلب واستدلا بقوله ﷺ فى الحديث الصحيح: لا تسأل