مذهب الحنابلة:
تجوز الشهادة بالسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه غالبا بدونها.
وذلك فى النسب والولادة، ويلحق بهما النكاح، عقدا ودواما، والطلاق، والخلع، والملك المطلق، والوقف، بأن يشهد أن هذا وقف زيد لانه وقفه، ومصرف الوقف، والموت، والولاية، والعزل، والعتق، والولاء، وما أشبه ذلك، فيشهد بالاستفاضة فى كل ذلك، لان هذه الاشياء يتعذر الشهادة عليها فى الغالب بمشاهدتها، ومشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب.
وكلام أحمد والخرقى يقتضى أن لا يشهد بالاستفاضة حتى تكثر به الاخبار، ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم، ويكون ذلك العدد عدد التواتر، لانها شهادة فلا يجوز أن يشهد بها من غير علم.
وذكر القاضى فى المجرد، أنه يكفى أن يسمع من اثنين عدلين ويسكن قلبه الى خبرهما، لان الحقوق تثبت بقول اثنين.
ولا تشترط فى الشهادة بالاستفاضة عدالة الاصل، ولا تعذر شهادة شهود الاصل بموت، أو مرض، أو غيبة.
وقال القاضى: الشهادة بالاستفاضة خبر، لا شهادة، وقال: تحصل بالنساء والعبيد.
ويلزم القاضى الحكم بشهادة لم يعلم تلقيها من الاستفاضة.
ومن قال: شهدت بالاستفاضة فتعتبر شهادته شهادة فرع لا أصل فتشترط فيه شرائطه المفصلة فى مصطلح شهادة.
وقال أبو الوفاء: اذا صرح الشاهدان بالاستفاضة أو استفاض بين الناس قبلت فى الوفاة والنسب جميعا (١).
مذهب الزيدية:
تجوز الشهادة بالشهرة المستفيضة فى النسب، والموت، والولاء، لانه كالنسب، وكذا النكاح.
وقيل: لا تجوز فى النكاح قبل الدخول وهو قوى، والوقف، والوصية، ومصرف الوقف والوصية.
وقيل: لا تجوز فى النكاح قبل وكذا تجوز الشهادة بالشهرة والاستفاضة على كونه قاضيا، فتجوز الشهادة على حكمه لمشقة اليقين فى ذلك.
ولا تجوز الشهادة بالملك واليد عن شهرة اذ هى شهادة بمال فأشبهت الدين.
стр. 2207
وقال الامام يحيى: تجوز فى اليد لا الملك، اذ هى اثبات تصرف، لا ملك.
وقوى صاحب البحر الزخار جواز الشهادة بالاستفاضة والشهرة فى الملك واليد معا (١).
مذهب الإمامية:
المشهور أنه يثبت بالاستفاضة سبعة أمور هى:
النسب، والموت، والملك المطلق، والوقف، والنكاح، والعتق، وولاية القاضى بعد اقامة البينة فى هذه الاسباب مطلقا.
ويكفى فى الخبر بهذه الاسباب أن يكون مقاربا للعلم على قول قوى وبه جزم فى الدروس.
وقيل: يشترط أن يحصل العلم.
وقيل: يكفى مطلق الظن حتى لو سمع من شاهدين عدلين صار متحملا لافادة قولهما الظن.
وعلى المختار لا يشترط العدالة ولا الحرية ولا الذكورة.
وقيد الملك بالمطلق احترازا عن المستند الى سبب كالبيع فلا يثبت السبب بالاستفاضة، بل الملك الموجود فى ضمنه.
ومتى اجتمع فى ملك استفاضة ويد وتصرف بلا منازع فهو منتهى الامكان، فللشاهد القطع بالملك.
وفى الاكتفاء بكل واحد من الثلاثة فى الشهادة بالملك قول قوى (٢).
مذهب الإباضية:
تجوز الشهادة بالاستفاضة والشهرة فى أمور هى:
موت الغائب، وثبوت النسب، والنكاح، والاياس من الحيض، والامامة فى موضعها، ورؤية الهلال.
وأما ولادة الصبى سنة كذا، ففى الديوان: لا يجوز فيها الشهادة بالاستفاضة.
وقيل: تجوز.
ولا تجوز فى الوصية والطلاق.
وهذا كله ما لم تكن هناك تهمة، أو انكار فيما لاحد فيه حق قبل تبليغ المشهور للقاضى.
فان وقعت التهمة، أو الانكار قبل التبليغ، أو عنده، لم تقبل، وكذا بعد التبليغ اذا أخر القاضى النظر فى خبرهم لامر، ثم حدثت التهمة، أو الانكار قبل أن يقبله.
стр. 2208
وأما اذا أبلغوه وقبله القاضى، ثم حدثت التهمة، أو وقعت المحاكمة بعد قبوله فى أمر يرجع الى الخبر، فأنكر الخصم خبرهم، وقد قبله القاضى قبل الخصومة، فانه يمضى خبرهم لتقدم قبوله.
وأقل ما يشتهر به الخبر: ما نقل عن ثلاثة رجال، أو رجلين وامرأتين، أو رجل وأربع نسوة، على القول بجواز شهادة النساء فى الاستفاضة والشهرة وهم أحرار عقلاء.
ويجوز الامين مع رجلين من أهل الجملة.
وقيل: لا تجوز شهادة النساء فى الاستفاضة ولو مع الرجال.
وقيل: تجوز ولو وحدهن اذا كن ثلاثا.
وحد الشهرة والاستفاضة انتشار الامر وظهوره حتى لا ينكر (١).
استفتاء
تعريف الاستفتاء لغة وشرعا
استفتى استفتاء العالم فى مسألة سأله أن يفتيه فيها، وأفتى فلانا فى المسألة افتاء: أبان له الحكم فيها
وأخرج له فيها فتوى، والفتوى بفتح الفاء وضمها، والفتيا بالضم: اسم من أفتى العالم اذا بين الحكم.
قال فى المصباح ويقال أصله من الفتى وهو الشاب القوى والجمع: الفتاوى والفتاوى (٢).
فاذا كانت المسألة شرعية كانت الفتوى شرعية، أو كانت لغوية كانت الفتوى لغوية، وهكذا.
فالاستفتاءات الشرعية هى المتعلقة بمسائل يطلب حكم الشرع فيها.
أهمية الفتوى
مذهب الحنفية:
جاء فى الدر المختار (٣): الفاسق لا يصلح مفتيا، لان الفتوى من أمور الدين، والفاسق لا يقبل قوله فى الديانات.
ونقل ابن عابدين عن ابن الهمام فى التحرير: الاتفاق على حل استفتاء من عرف من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة، أو رآه الناس منتصبا والناس يستفتونه معظمين له.
стр. 2209
ونقل صاحب المجمع قوله: ان أولى ما يستنزل به فيض الرحمة الالهية فى تحقيق الواقعات الشرعية طاعة الله والتمسك بحبل التقوى قال تعالى:
«وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ،﴾ (١) ومن اعتمد على رأيه وذهنه فى استخراج دقائق الفقه وكنوزه وهو فى المعاصى حقيق بانزال الخذلان فقد اعتمد على ما لا يعتمد عليه ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور.
مذهب المالكية:
جاء فى الفروق (٢): أن السلف رضى الله عنهم كانوا متوقفين فى الفتيا توقفا شديدا.
وقال مالك لا ينبغى للعالم أن يفتى حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه أهلا لذلك، يريد تثبيت أهليته عند العلماء، ويكون هو بيقين مطلعا على ما قاله العلماء فى حقه من الاهلية، لانه قد يظهر من الانسان أمر على ضد ما هو عليه، فاذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس حصل اليقين فى ذلك، وهذا هو شأن الفتيا فى الزمن القديم.
وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج، وسهل على الناس أمر دينهم، فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح، وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم، وأن يقول أحدهم لا يدرى، فلا جرم آل الحال للناس الى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال.
مذهب الشافعية:
قال فى المجموع (٣): أعلم أن الافتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل، لان المفتى وارث الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ ولهذا قالوا: المفتى موقع عن الله تعالى.
وروينا عن ابن المنكدر قال: العالم بين الله تعالى وخلقه فلينظر كيف يدخل بينهم.
وروينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة نذكر منها أحرفا تبركا.
روينا عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال أدركت عشرين ومائة من الانصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
стр. 2210
وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا الى هذا، وهذا الى هذا حتى ترجع الى الاول.
وفى رواية: ما منهم من يحدث بحديث الا ود أن أخاه كفاه اياه، ولا يستفتى عن شئ الا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
وعن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم: من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون.
وعن الشعبى والحسن وأبى حصين بفتح الحاء التابعيين قالوا: ان أحدكم ليفتى فى المسئلة، ولو وردت على عمر بن الخطاب رضى الله عنه لجمع لها أهل بدر.
وعن عطاء بن السائب التابعى: أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشئ فيتكلم وهو يرعد.
وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان:
اذا أغفل العالم لا أدرى فقد أصيبت مقاتله.
وعن سفيان بن عيينة وسحنون:
أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما.
وعن الشافعى وقد سئل عن مسألة فلم يجب، فقيل له، فقال: حتى أدرى أن الفضل فى السكوت أو فى الجواب.
وعن الاثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول لا أدرى وذلك فيما عرف الاقاويل فيه.
وعن الهيثم بن جميل: شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسئلة، فقال فى ثنتين وثلاثين منها لا أدرى.
وعن مالك أيضا أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب فى واحدة منها، وكان يقول: من أجاب فى مسألة فينبغى قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه، ثم يجيب، وسئل عن مسألة فقال: لا أدرى، فقيل: هى مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس فى العلم شئ خفيف، وقال الشافعى: ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع فى ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا.
وقال أبو حنيفة: لولا الفرق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت يكون لهم المهنأ وعلى الوزر. وأقوالهم فى هذا كثيرة معروفة.
قال الصيمرى والخطيب قل من حرص على الفتيا وسابق اليها وثابر عليها الا قل توفيقه واضطرب فى أموره وان كان كارها لذلك غير مؤثر له ما وجد عنه مندوحة وأحال الامر فيه على غيره كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح فى جوابه أغلب واستدلا بقوله ﷺ فى الحديث الصحيح: لا تسأل
стр. 2211
الامارة فانك ان أعطيتها عن مسئلة وكلت اليها، وان أعطيتها عن غير مسئلة أعنت عليها (١).
وفى اعلام الموقعين: وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع فى الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه اياها غيره، فاذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده فى معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: ان كل من أفتى الناس فى كل ما يسألونه عنه لمجنون، قال مالك وبلغنى عن ابن مسعود مثل ذلك.
وقال سحنون بن سعيد: أحسن الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه.
قلت «ابن القيم» الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته، فاذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، واذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا، جمعت فتاواه فى عشرين سفرا، وكان سعيد بن المسيب أيضا واسع الفتيا وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجرئ.
وقال ابن وهب حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عوف عن ابن سيرين قال:
قال حذيفة: انما يفتى الناس أحد ثلاثة.
من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بدا، أو أحمق متكلف.
قال فربما قال ابن سيرين: فلست بواحد من هذين ولا أحب أن أكون الثالث قلت:
(ابن القيم) مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة اما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد، وتفسيره وتبيينه، حتى انهم ليسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد.
فالنسخ عندهم وفى لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه.
ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به اشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر.
وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال حذيفة: انما يفتى الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه وأمير لا يجد بدا وأحمق متكلفا، قال ابن سيرين: فأنا لست أحد هذين وأرجو أن لا أكون أحمق متكلفا.
стр. 2212
قال أبو عمر بن عبد البر وقال سحنون يوما: انا لله ما أشقى المفتى والحاكم:
ثم قال ها أنا ذا يتعلم منى ما تضرب به الرقاب وتوطأ به الفروج وتؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيا.
قال أبو عمر وقال أبو عثمان الحداد:
القاضى أيسر مأثما وأقرب الى السلامة من الفقيه يريد المفتى، لان الفقيه من شأنه اصدار ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول، والقاضى شأنه الاناة والتثبت ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة انته.
وقال غيره: المفتى أقرب الى السلامة من القاضى، لانه لا يلزم بفتواه، وانما يخبر بها من استفتاه، فان شاء قبل قوله وان شاء تركه، وأما القاضى فأنه يلزم بقوله فيشترك هو والمفتى فى الاخبار عن الحكم، ويتميز القاضى بالالزام والقضاء، فهو من هذا الوجه خطره أشد.
ثم أورد ابن القيم أحاديث وآثارا فى خطر القضاء، ثم أخرى فى خطر الفتوى، ثم قال: ولكن خطر المفتى أعظم من جهة أخرى، فان فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتى وغيره، وأما الحاكم فحكمه جزئى خاص لا يتعدى الى غير المحكوم عليه وله، فالمفتى يفتى حكما عاما كليا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضى يقضى قضاء معينا على شخص معين، فقضاؤه خاص ملزم وفتوى العالم عامة غير ملزمة فكلاهما أجره عظيم وخطره كبير.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١): كان السلف رحمهم الله تعالى يأبون الفتيا ويشددون فيها ويتدافعونها.
قال النووى روينا عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا الى هذا، وهذا الى هذا حتى ترجع الى الاول وفى رواية: ما منهم من يحدث بحديث الا ود أن أخاه كفاه اياه، ولا يستفتى عن شئ الا ود أن أخاه كفاه الفتيا، وأنكر الامام أحمد وغيره على من يهجم على الجواب لخبر، أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار، وقال أحمد لا ينبغى أن يجيب فى كل ما يستفتى فيه وقال، اذا هاب الرجل شيئا لا ينبغى أن يحمل على أن يقول.
مذهب الظاهرية: (٢)
ويرى ابن حزم أنه لا يحل لاحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا وعلى كل أحد - ما يقدر
стр. 2213
عليه - من الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه فانما يريد معرفة ما ألزمه الله فى هذا الدين، ففرض عليه أن كان أجهل البرية أن يسأل عن أعلم أهل موضعه بالدين الذى جاء به رسول الله ﷺ ، فاذا دل عليه سأله، فاذا أفتاه قال له المستفتى: هكذا قال الله ورسوله؟ فان قال له نعم أخذ بذلك وعمل به أبدا، وان قال له: هذا رأيى، أو هذا قياس، أو هذا قول فلان، وذكر له صاحبا أو تابعا أو فقيها قديما أو حديثا أو سكت أو انتهره أو قال له لا أدرى، فلا يحل له أن يأخذ بقوله ولكنه يسأل غيره، برهان ذلك قول الله (١) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً»﴾. فلم يأمرنا قط بطاعة بعض أولى الامر فمن قلد عالما أو جماعة علماء فلم يطع الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا أولى الامر، واذا لم يرد الى من ذكرنا فقد خالف أمر الله ، ولم يأمر الله قط بطاعة بعض أولى الامر دون بعض.
فى الهامش علق المحقق فقال: كلام المصنف ﵀ مبنى على أن المراد بأولى الامر العلماء، وهو أحد أقوال السلف فى تفسير الآية ثم على كلام المصنف
المراد: استرووا العلماء عن أحكام الكتاب والسنة وأن الفتيا معناها رواية الكتاب والسنة وقبول رواية العالم ليس تقليدا له بل من العمل بخبر الآحاد الذى تعبد الله بالعمل به العباد وهو العمل بالظن المستفاد من أخبار الآحاد.
ومن ادعى وجوب تقليد العامى للمفتى فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به نص قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا قياس وما كان هكذا فهو باطل لانه قول بلا دليل وكل سائل فى الارض عن نازلة فى دينه فانما يسأل عما حكم الله تعالى به فى هذه النازلة فاذ لا شك فى هذا ففرض عليه أن يسأل اذا سمع فتيا أهذا حكم الله وحكم رسوله ﷺ ، وهذا لا يعجز عنه من يدرى ما الاسلام، واذا قيل له اذا سأل عن أعلم أهل بلده بالدين: هذا صاحب حديث عن النبى ﷺ وهذا صاحب رأى وقياس فليسأل صاحب الحديث ولا يحل له أن يسأل صاحب الرأى أصلا (٢).
وجاء فى الاحكام قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا﴾
стр. 2214
﴿فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (١) فبين الله فى هذه الآية وجه التفقه كله وأنه ينقسم قسمين.
أحدهما: يخص المرء فى نفسه، وذلك مبين فى قوله تعالى: «وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ» فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل حكم ما يلزمه.
والثانى: تفقه من أراد وجه الله تعالى بأن يكون منذرا لقومه وطبقته قال تعالى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (٢) ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه فى تعرف ما ألزمه الله تعالى اياه، وقد بينا أن الاجتهاد هو افتعال من الجهد، فهو فى الدين اجهاد المرء نفسه فى طلب ما تعبده الله تعالى به فى القرآن، وفيما صح عن النبى ﷺ ، لانه لا دين غيرهما، فأقلهم فى ذلك درجة من هو فى غمار العامة، ومن حدث عهده بالجلب من بلاد الكفر وأسلم من الرجال والنساء (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى تتمة الروض النضير (٤): لقد كان السلف الصالح يهابون من التورط فى الفتوى، ويخافون من الوقوع فى الفتيا غاية الخوف، حتى قال بعض السلف:
ليتق أحدكم أن يقول أحل الله كذا وحرم كذا، خشية أن يقول الله:
كذبت لم أحل كذا ولم أحرم كذا، كل ذلك خشية الحكم بغير ما أنزل.
مذهب الإمامية:
جاء فى العروة الوثقى (٥): أن رسول الله ﷺ قال: اللهم ارحم خلفائى، قيل يا رسول الله:
من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدى يروون حديثى وسنتى.
والمروى فى الفقه الرضوى ﵇ منزلة الفقيه فى هذا الوقت كمنزلة الانبياء فى بنى اسرائيل الى غير ذلك اذ من المعلوم أن العامى لا يصدق عليه اسم العالم ولا الراوى، ولا يصلح أن يكون خليفة لرسول الله ﷺ ، ولا أن يكون بيده مجارى الامور ولا أن يكون بمنزلة الانبياء فمقتضى
стр. 2215
هذه الاخبار عدم جواز تصدى غير المجتهد للحكم والمرافعة من غير فرق بين أن يكون من أهل العلم مع عدم بلوغه حد الاجتهاد ويحكم بمقتضى ظاهر الاخبار وكلمات الفقهاء أو كان مقلدا لمجتهد جامع للشرائط ويحكم بمقتضى فتوى ذلك المجتهد بعد اطلاعه على جميع ما يتعلق بتلك الواقعة بالتقليد.
مذهب الإباضية (١):
محل الاجتهاد حادثة لم يوجد فيها حكم عن الله تعالى فى كتابه ولا على لسان رسوله ﷺ ولم ينقل فى حكمها اجماع من المسلمين، فان كان فى الحادثة شئ من الاحكام الثلاثة وجب اتباعه، وحرمت مخالفته اجماعا، وان لم يوجد فيها حكم من الاصول الثلاثة وجب هناك الاجتهاد على من أطاقه من الامة وفيها لزم العامى التقليد اذا شاء العمل، فالقضية المنصوص على حكمها لا يتم لاحد اجتهاد فيها وأن نظر فى أصولها فانما غاية نظره العلم بحكمها من أصلها والتسليم لها، ولا
يصح خلافها بخلاف القضية الخالية من النصوص والاجماع، فان اجتهاد العلماء فيها تام فى القطعيات، وان جاز لا يكون جامعا لاحكام الاجتهاد، وانما يجوز لاجل الاطمئنانية واليقين وأن الاجتهاد فى الظنيات مستكمل لاحكام الاجتهاد.
حكم الفتوى
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (٢): المفتى ان لم يكن غيره تعين عليه الافتاء، وان كان هناك غيره فهو فرض كفاية، ومع هذا لا يحل التسارع الى ما لا يتحقق.
مذهب المالكية:
جاء فى الفروق للقرافى (٣): أن الفتوى محض أخبار عن الله تعالى فى الزام أو اباحة فالمفتى مع الله تعالى كالمترجم مع القاضى ينقل عنه ما وجده عنده واستفاده منه باشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك.
стр. 2216
مذهب الشافعية:
فى الجلال المحلى والقليوبى (١) عليه:
ومن فروض الكفاية القيام باقامة الحجج العلمية وحل المشكلات فى الدين ودفع الشبه والقيام بعلوم الشرع كتفسير وحديث بما يتعلق بهما من علم العربية والفروع بحيث يصلح للقضاء والافتاء للحاجة اليهما بأن يكون معه زيادة على ما لا بد منه، فان قدر على الترجيح دون الاستنباط فهو مجتهد الفتوى، وان قدر على الاستنباط من قواعد امامه وضوابطه فهو مجتهد المذهب أو على الاستنباط من الكتاب والسنة فهو المجتهد المطلق.
ويجب تعدد المفتى بحيث يكون فى كل مسافة قصر واحد وتعدد القاضى بحيث يكون فى كل مسافة عدوى واحد (٢).
مفاد هذا أن الفتوى واجبة على الكفاية اذا قام بها البعض ممن هم أهل لها سقط الحرج عن الباقين والا أثم الجميع.
وفى المجموع: فرض الكفاية من العلم هو تحصيل ما لا بد للناس منه فى اقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والاحاديث وعلومهما والاصول والفقه واللغة والنحو والتصريف.
ومعرفة رواة الحديث والاجماع والخلاف.
وأما ما ليس علما شرعيا ويحتاج اليه فى قوام أمر الدنيا كالطب والحساب ففرض كفاية أيضا، نص عليه الغزالى، ثم قال: قال أصحابنا: وفرض الكفاية المراد به تحصيل ذلك الشئ من المكلفين به أو بعضهم ويعم وجوبه جميع المخاطبين به، فاذا فعله من تحصل به الكفاية سقط الحرج عن الباقين، واذا قام به جمع تحصل الكفاية ببعضهم فكلهم سواء فى حكم القيام بالفرض فى الثواب وغيره، ولو أطبقوا كلهم على تركه اثم كل من لا عذر له ممن علم ذلك وأمكنه القيام به أو لم يعلم وهو قريب أمكنه العلم بحيث ينسب الى تقصير، ولا يأثم من لم يتمكن لكونه غير أهل أو لعذر الى أن قال.
ولو خلت البلدة من مفت فقيل يحرم المقام بها.
стр. 2217
والاصح لا يحرم ان أمكن الذهاب الى مفت واذا قام بالفتوى انسان فى مكان سقط به فرض الكفاية الى مسافة القصر من كل جانب (١).
ثم قال (٢): تعليم الطالبين وافتاء المستفتين فرض كفاية، فان لم يكن هناك من يصلح الا واحد تعين عليه، وان كان جماعة يصلحون فطلب ذلك من أحدهم فامتنع فهل يأثم ذكروا وجهين فى المفتى، والظاهر جريانهما فى المعلم، وهما كالوجهين فى امتناع أحد الشهود.
والاصح لا يأثم انته، وظاهر أنه اذا امتنع الكل أثم الجميع. والله تعالى أعلم.
ثم قال (٣): الافتاء فرض كفاية فاذا استفتى وليس فى الناحية غيره وتعين عليه الجواب، فان كان فيها غيره وحضرا فالجواب فى حقهما فرض كفاية وان لم يحضر غيره وجهان.
أصحهما لا يتعين لما سبق عن ابن أبى ليلى.
والثانى: يتعين، وهما كالوجهين فى مثله فى الشهادة.
ولو سأل عامى عما لم يقع لم يجب جوابه.
مذهب الحنابلة:
جاء فى منتهى الارادات (٤): ولمفت رد الفتيا ان كان بالبلد عالم قائم مقامه والا لم يجز له ردها لتعينها عليه.
وجاء فى كشاف القناع (٥): من عدم مفتيا فى بلده وغيره فله حكم ما قبل الشرع على الخلاف هل الاصل فى الاشياء الحظر أو الاباحة أو الوقف.
وقيل: متى خلت البلد من مفت حرم السكنى فيها.
وقال النووى والاصح لا يحرم ان أمكن الذهاب الى مفت.
مذهب الظاهرية:
جاء فى الاحكام لابن حزم الظاهرى (٦):
فرض على كل جماعة مجتمعة فى قرية أو مدينة أو حالة اعراب أو حصن أن ينتدب منهم من يطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها ولتعلم القرآن كله، والكتاب كل ما صح عن النبى ﷺ من أحاديث الاحكام أولها عن آخرها وضبطها بنصوص ألفاظها، وضبط كل ما أجمع المسلمون عليه وما اختلفوا فيه، ثم يقوم بتعليمهم
стр. 2218
وتفقيههم من القرآن والحديث والاجماع، ويكتفى بذلك على قدر قلتهم أو كثرتهم بحسب ما يقدر أن يعمهم بالتعليم ولا يشق على المستفتى قصده فاذا انتدب لذلك من يقوم بتعليمهم فقد سقط عن باقيهم الا ما يلزمه خاصة نفسه فقط، فان لم يجدوا فى محلتهم من يفقههم فى ذلك كله ففرض عليهم الرحيل الى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم وان بعدت ديارهم، ولو أنهم بالصين لقوله تعالى (١): ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ،﴾ والنفار والرجوع لا يكون الا برحيل.
ومن وجد فى محلته من يفقهه فى صنوف العلم فالامة مجتمعة على أنه لا يلزمه رحيل فى ذلك ففرض على جميع المسلمين أن يكون فى كل قرية أو مدينة أو حصن من يحفظ القرآن كله ويعلمه الناس ويقرؤه اياهم، لامر رسول الله ﷺ .
فصح بكل ما ذكرنا أن النفار فرض على الجماعة كلها حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين.
وأما من قال انه ليس فرضا على الجماعة لكنه فرض على بعضهم بغير أعيانهم،
فنكتفى من ابطال قوله بأنه يجعل خطاب الله تعالى واقعا على لا أحد، لانه اذا لم يعين الله تعالى من يخاطب ولا خاطب الجميع فلم يخاطب أحدا جل الله عن ذلك، وفى هذا سقوط الفرض عن كل من لم يخاطب، فهو ساقط عن كل أحد، اذ كل أحد لم يخاطب. وفى هذا بطلان الدين.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار (٢): كل مجتهد وهو العالم بالاحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال متى وفى الاجتهاد حقه فى الفرعيات العمليات الظنيات فهو مصيب، بمعنى أن ما أوصله اليه نظره من ايجاب أمر أو تحريمه أو ندبه أو اباحته فذلك هو مراد الله تعالى منه، ومراد الله تابع لما أداه اليه نظره، لا أن نظره تابع لمراد الله تعالى، وليس القصد بتوفية الاجتهاد حقه أنه يعلم أنه قد أصاب فى نظره، بل يكفى غالب الظن.
وجاء فى الروض النضير (٣): قال فى التتمة الغالب على الناس القصور عن معرفة الحكم الذى وجب عليهم التدين به، سواء قلنا لا بد من حكاية الحكم ومستنده، أم يكفى مجرد حكاية الحكم لما
стр. 2219
تقدم من بقاء حجة الكتاب والسنة الى يوم القيامة وبقاء وجوب معرفة المراد من الخطاب بهما وليس كل واحد من الناس يعرف الخطاب بهما ويفهمه على وجهه، فيكون القيام بهذه الفريضة واجبا على الكفاية.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (١): انه اذا تحققت فى المفتى الصفات المذكورة (فيما ذكر فى الكلام على شروط المفتى) وجب على الناس الترافع اليه وقبول قوله والتزام حكمه، لانه منصوب من الامام ﵇ على العموم بقوله:
أنظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا وعرف أحكامنا فاجعلوه قاضيا، فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه، وفى بعض الاخبار فلترضوا به حاكما، فانى قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل فانما بحكم الله استخف، وعلينا رد، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله ، فمن عدل عنه الى قضاة الجور كان عاصيا فاسقا، لان ذلك كبيرة عندنا، ففى مقبول عمر بن حنظلة، من تحاكم الى طاغوت فحكم له فانما يأخذ سحتا، وان كان حقه ثابتا لانه
أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر بها ومثله كثير.
مذهب الإباضية:
أن الحجة (٢) على جواز تقليد العوام للعلماء تواتر اجماع السلف على ترك تنكير تقليد العوام للعلماء من غير مانع لهم من الانكار قال الحاكم اجمعوا على جواز ذلك قولا وفعلا وتقريرا ورضى وكذلك اجماع التابعين فانه ظهر فيما بينهم رجوع العامى الى العالم والقبول منه قال وذلك ظاهر عنهم لان منهم من كان يفتى ومنهم من كان يقبل ومنهم من يقرر وظهر عنهم الامر بالاستفتاء والفتيا هذا هو العمدة فى جواز الفتيا قال وهو أظهر أمر فى الاجماع.
أنواع المفتين
مذهب الحنفية:
جاء فى الدر المختار (٣): ذكروا أن المجتهد المطلق قد فقد، وأما المقيد فعلى سبع مراتب مشهورة.
وعلق ابن عابدين على قول الدر (وأما المقيد .. الخ) فقال: فيه أمران:
стр. 2220
الاول: أن المجتهد المطلق أحد السبعة.
والثانى: أن بعض السبعة ليسوا مجتهدين خصوصا السابعة، فكان عليه أن يقول: والفقهاء على سبع مراتب.
وقد أوضحها ابن كمال باشا فى بعض رسائله فقال: لا بد للمفتى أن يعلم حال من يفتى بقوله، ولا يكفيه معرفته باسمه ونسبه، بل لا بد من معرفته فى الرواية ودرجته فى الدراية، وطبقته من طبقات الفقهاء ليكون على بصيرة فى التمييز بين القائلين المخالفين، وقدرة كافية فى الترجيح بين القولين المتعارضين.
الاولى: طبقة المجتهدين فى الشرع كالائمة الاربعة رضى الله عنهم ومن سلك مسلكهم فى تأسيس قواعد الاصول وبه يمتازون عن غيرهم.
الثانية: طبقة المجتهدين فى المذهب كأبى يوسف ومحمد وسائر أصحاب أبى حنيفة القادرين على استخراج الاحكام من الادلة على مقتضى القواعد التى قررها أستاذهم أبو حنيفة فى الاحكام وان خالفوه فى بعض أحكام الفروع، لكن يقلدونه فى قواعد الاصول، وبه يمتازون عن المعارضين فى المذهب كالشافعى وغيره المخالفين له فى الاحكام غير مقلدين له فى الاصول.
الثالثة: طبقة المجتهدين فى المسائل التى لا نص فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف وأبى جعفر الطحاوى وأبى الحسن الكرخى وشمس الائمة الحلوانى وشمس الائمة السرخسى وفخر الاسلام البزدوى وفخر الدين قاضيخان وأمثالهم، فانهم لا يقدرون على شئ من المخالفة لا فى الاصول ولا فى الفروع، لكنهم يستنبطون الاحكام فى المسائل التى لا نص فيها على حسب الاصول والقواعد.
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازى واضرابه، فانهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لاحاطتهم بالاصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذى وجهين، وحكم مبهم محتمل لامرين منقول عن صاحب المذهب، أو أحد من أصحابه برأيهم ونظرهم فى الاصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع.
وما فى الهداية من قوله: كذا فى تخريج الكرخى وتخريج الرازى من هذا القبيل.
الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبى الحسن القدورى وصاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض كقولهم:
هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أرفق للناس.
السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الاقوى والقوى والضعيف، وظاهر المذهب والرواية النادرة كأصحاب
стр. 2221
المتون المعتبرة من المتأخرين مثل صاحب الكنز وصاحب المختار وصاحب الوقاية وصاحب المجمع وشأنهم أن لا ينقلوا الاقوال المردودة والروايات الضعيفة.
السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين.
وبعد ما جاء فى الدر من أن المقيد على سبع مراتب مشهورة قال: وأما نحن فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه كما لو أفتوا فى حياتهم.
فان قلت قد يحكون أقوالا بلا ترجيح وقد يختلفون فى الصحيح، قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس، وما هو الارفق، وما ظهر عليه التعامل، وما قوى وجهه، ولا يخلو الوجود عمن يميز هذا حقيقة لا ظنا وعلى من لم يميز أن يرجع لمن يميز لبراءة ذمته.
وجاء فى البحر الرائق (١): أنه لا يفتى الا المجتهد، وقد استقر رأى الاصوليين على أن المفتى هو المجتهد، فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس مفتيا، والواجب عليه اذا سئل أن يذكر قول المجتهد كأبى حنيفة على جهة الحكاية فعرف أن ما يكون فى زماننا من
فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتى ليأخذ به المستفتى، وطريق نقله لذلك عن المجتهد أحد أمرين.
اما أن يكون له سند فيه.
أو يأخذه من كتاب معروف تداولته الايدى نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين، لانه بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور هكذا ذكر الرازى.
فلو كان حافظا للاقاويل المختلفة للمجتهدين ولا يعرف الحجة ولا قدرة له على الاجتهاد للترجيح، فلا يقطع بقول منها يفتى به، بل يحكيها للمستفتى، فيختار المستفتى ما يقع فى قلبه أنه الاصوب.
ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد بل وقف على أصول امامه وتمكن من قياس ما لم ينص عليه على المنصوص فليس بمقلد فى نفسه بل هو واسطة فان نص صاحب المذهب على الحكم والعلة الحق بها غير المنصوص، ولو نص على الحكم فقط فله أن يستنبط العلة ويقيس وليقل هذا قياس مذهبه لا قوله.
وان اختلف نص أمامه فى مشتبهين فله التخريج من أحدهما الى الاخرى.
وفى التتار خانية فصلان فى الفتوى، حاصل الاول: أن أبا يوسف قال: لا تحل الفتوى الا لمجتهد.
стр. 2222
ومحمد جوزها اذا كان صواب الرجل أكثر من أخطائه.
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب (١): قال ابن سلمون فى وثائقه: سئل ابن رشد فى الفتوى وصفة المفتى فقال: الذى أقول به فى ذلك أن الجماعة التى تنسب الى العلوم وتتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم تنقسم على ثلاث طوائف:
طائفة: اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا بغير دليل فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه فى مسائل الفقه دون التفقه فى معانيها بتمييز الصحيح منها والسقيم.
وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها من صحة أصوله التى بناه عليها فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه فى مسائل الفقه وتفقهت فى معانيها فعلمت الصحيح منها الجارى على أصوله من السقيم الخارج الا أنها لم تبلغ درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الاصول.
وطائفة اعتقدت صحة مذهب بما بان لها أيضا من صحة أصوله لكونها
عالمة بأحكام القرآن عارفة بالناسخ والمنسوخ والمفصل والمجمل والخاص من العام عالمة بالسنن الواردة فى الاحكام مميزة بين صحيحها من معلولها عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الامصار، وبما اتفقوا عليه واختلفوا فيه، عالمة من علم اللسان بما يفهم به معانى الكلام عالمة بوضع الادلة فى مواضعها.
فأما الطائفة الاولى فلا يصح لها الفتوى بما علمته وحفظته من قول مالك وقول أحد من أصحابه، اذ لا علم عندها بصحة شئ من ذلك، اذ لا يصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم، ويصح لها فى خاصتها ان لم تجد من يصح لها أن تستفتيه، أو تقلد مالكا أو غيره من أصحابه فيما حفظته من أقوالهم.
وان لم يعلم من نزلت به نازلة من يقلده فيها من قول مالك وأصحابه فيجوز للذى نزلت به النازلة أن يقلده فيما حكاه له من قول مالك فى نازلته، ويقلد مالكا فى الاخذ بقوله فيها، وذلك أيضا اذا لم يجد فى عصره من يستفتيه فى نازلته فيقلده فيها، وان كانت النازلة قد علم فيها اختلافا من قول مالك وغيره فأعلمه بذلك، كان حكمه فى ذلك حكم العامى اذا استفتى العلماء فى نازلته فاختلفوا عليه فيها، وقد اختلف فى ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها أنه يأخذ بما شاء من ذلك.
стр. 2223
والثانى: أنه يجتهد فى ذلك فيأخذ فى ذلك بقول أعلمهم.
والثالث: أنه يأخذ بأغلظ الاقوال.
وأما الطائفة الثانية فيصلح لها اذا استفتيت أن تفتى بما علمته من قول مالك وقول غيره من أصحابه اذا كانت قد بانت لها صحته، كما يجوز لها فى خاصتها الاخذ بقوله اذا بانت لها صحته، ولا يجوز لها أن تفتى بالاجتهاد فيما لا تعلم فيه نصا من قول مالك، أو قول غيره من أصحابه، وان كانت قد بانت لها صحته، اذ ليست ممن كمل لها آلات الاجتهاد الذى يصح لها بها قياس الفروع على الاصول.
وأما الطائفة الثالثة فهى التى يصح لها الفتوى عموما بالاجتهاد والقياس على الاصول التى هى الكتاب والسنة واجماع الامة بالمعنى الجامع بينها وبين النازلة، وعلى ما قيس عليها أن قدم القياس عليها، ومن القياس جلى وخفى، لان المعنى الذى يجمع بين الاصل والفرع قد يعلم قطعا بدليل قاطع لا يحتمل التأويل، وقد يعلم بالاستدلال فلا يوجب الا غلبة الظن، ولا يرجع الى القياس الخفى الا بعد القياس الجلى، وهذا كله يتفاوت العلماء فى التحقيق بالمعرفة به تفاوتا بعيدا، وتفترق أحوالهم أيضا فى جودة الفهم لذلك وجودة الذهن فيه افتراقا بعيدا، اذ ليس العلم الذى هو الفقه فى الدين بكثرة الرواية والحفظ، وانما هو نور يضعه الله حيث يشاء، فمن اعتقد فى نفسه أنه ممن تصح له الفتوى بما أتاه الله من ذلك النور المركب على المحفوظ المعلوم جاز له أن استفتى أن يفتى، واذا اعتقد الناس فيه ذلك جاز له أن يفتى، فمن الحق للرجل أن لا يفتى حتى يرى نفسه أهلا لذلك ويراه الناس أهلا له.
مذهب الشافعية:
قال أبو عمرو بن الصلاح (١): المفتون قسمان: مستقل وغير مستقل.
فالمستقل شرطه أن يكون فقيها بمعرفة أدلة الاحكام الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع والقياس وما التحق به على التفصيل، وقد فصلت فى كتب الفقه فتيسرت ولله الحمد، وأن يكون عالما بما يشترط فى الادلة ووجوه دلالتها، وبكيفية اقتباس الاحكام منها، وهذا يستفاد من أصول الفقه، عارفا من علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو واللغة والتصريف واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذى يتمكن معه من الوفاء بشروط الادلة والاقتباس منها، ذا دربة وارتياض فى استعمال ذلك، عالما بالفقه ضابطا لامهات مسائله وتفاريعه.
стр. 2224
فمن جمع هذه الاوصاف فهو المفتى المطلق المستقل الذى يتأدى به فرض الكفاية، وهو المجتهد المطلق المستقل، لانه يستقل بالادلة بغير تقليد وتقيد بمذهب أحد.
قال أبو عمرو: وما اشترطناه من حفظه لمسائل الفقه لم يشترط فى كثير من الكتب المشهورة لكونه ليس بشرط لمنصب الاجتهاد لان الفقه ثمرته فيتأخر عنه وشرط الشئ لا يتأخر عنه.
وشرطه الاستاذ أبو اسحاق الاسفرابينى وصاحبه أبو منصور البغدادى وغيرهما.
واشتراطه فى المفتى الذى يتأدى به فرض الكفاية هو الصحيح، وان لم يكن كذلك فى المجتهد المستقل، ثم لا يشترط أن يكون جميع الاحكام على ذهنه بل يكفيه كونه حافظا المعظم متمكنا من ادراك الباقى على فرب.
وهل يشترط أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية؟ حكى أبو اسحاق وأبو منصور فيه خلافا لاصحابنا، والاصح اشتراطه.
ثم انما تشترط اجتماع العلوم المذكورة فى مفت مطلق فى جميع أبواب الشرع.
فأما مفت فى باب خاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفة ذلك الباب.
كذا قطع به الغزالى وصاحبه ابن برهان وغيرهما.
ومنهم من منعه مطلقا.
وأجازه ابن الصباغ فى الفرائض خاصة والاصح جوازه مطلقا.
القسم الثانى المفتى الذى ليس بمستقل ومن دهر طويل عدم المفتى المستقل وصارت الفتوى الى المنتسبين الى ائمة المذاهب المتبوعة.
وللمفتى المنتسب أربعة أحوال.
(أحدها) أن لا يكون مقلدا لامامه لا فى المذهب ولا فى دليله لاتصافه بصفة المستقل، وانما ينسب اليه لسلوكه طريقه فى الاجتهاد.
وادعى الاستاذ أبو اسحاق هذه الصفة لاصحابنا، فحكى عن أصحاب مالك ﵏ وأحمد وداود وأكثر الحنفية أنهم صاروا الى مذاهب ائمتهم تقليدا لهم ثم قال.
والصحيح الذى ذهب اليه المحققون فيما ذهب اليه أصحابنا وهو أنهم صاروا الى مذهب الشافعى لا تقليدا له بل لما وجدوا طرقه فى الاجتهاد، والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه، فطلبوا معرفة الاحكام بطريق الشافعى.
стр. 2225
وذكر أبو على السنجى نحو هذا فقال:
اتبعنا الشافعى دون غيره لانا وجدنا قوله أرجح الاقوال وأعدلها لا أنا قلدناه.
قلت (النووى) هذا الذى ذكراه موافق لما أمرهم به الشافعى ثم المزنى فى أول مختصره وغيره بقوله: اختصرت هذا من علم الشافعى ومن معنى قوله لاقر به على من أراد مع اعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره.
قال أبو عمرو دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم المعلوم من حالهم أو حال أكثرهم.
وحكى بعض أصحاب الاصول منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعى مجتهد مستقل، ثم فتوى المفتى فى هذه الحالة كفتوى المستقل فى العمل بها والاعتداد بها فى الاجماع والخلاف.
(الحالة الثانية) أن يكون مجتهدا مقيدا فى مذهب امامه مستقلا بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز فى أدلته أصول امامه وقواعده.
وشرطه كونه عالما بالفقه وأصوله وأدلة الاحكام تفصيلا، بصيرا بمسالك الاقيسة والمعانى تام الارتياض فى التخريج والاستنباط قيما بالحاق ما ليس منصوصا عليه لامامه بأصوله، ولا يعرى عن شوب تقليد له لا خلا له ببعض أدوات المستقل بأن يخل بالحديث أو العربية، وكثيرا ما أخل بهما المقيد، ثم يتخذ نصوص أمامه أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع، وربما اكتفى فى الحكم بدليل امامه، ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل فى النصوص، وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه وعليها كان ائمة أصحابنا أو أكثرهم.
والعامل بفتوى هذا مقلد لامامه لا له.
ثم ظاهر كلام الاصحاب ان من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية.
قال أبو عمرو: ويظهر تأدى الفرض به فى الفتوى وان لم يتأد فى احياء العلوم التى منها استمداد الفتوى لانه قام مقام امامه المستقل تفريعا على الصحيح، وهو جواز تقليد الميت، ثم قد يستقل المقيد فى مسألة أو باب خاص كما تقدم.
وله أن يفتى فيما لا نص فيه لامامه بما يخرجه على أصوله، هذا هو الصحيح الذى عليه العمل واليه مفزع المفتين من مدد طويلة.
ثم اذا أفتى بتخريجه فالمستفتى مقلد لامامه لا له هكذا قطع به امام الحرمين فى كتابه الغياثى وما أكثر فوائده.
стр. 2226
وقال الشيخ أبو عمرو وينبغى أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو اسحاق الشيرازى وغيره أن ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته الى الشافعى؟ والاصح أنه لا ينسب اليه، ثم تارة يخرج من نص معين لامامه وتارة لا يجده فيخرج على أصوله بأن يجد دليلا على شرط ما يحتج به امامه فيفتى بموجبه، فان نص امامه على شئ، ونص فى مسألة تشبهها على خلافه، فخرج من أحدهما الى الآخر، سمى قولا مخرجا، وشرط هذا التخريج أن لا يجد بين نصيه فرقا، فان وجده وجب تقريرهما على ظاهرهما، ويختلفون كثيرا فى القول بالتخريج فى مثل ذلك لاختلافهم فى امكان الفرق قلت (النووى) وأكثر ذلك يمكن فيه الفرق وقد ذكروه.
الحالة الثالثة: أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، لكنه فقيه النفس، حافظ مذهب امامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها، يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح، لكنه قصر عن أولئك، لقصوره عنهم فى حفظ المذهب أو الارتياض فى الاستنباط أو معرفة الاصول ونحوها من أدلتهم.
وهذه صفة كثير من المتأخرين الى أواخر المائة الرابعة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم، ولم يلحقوا الذين قبلهم فى التخريج.
وأما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها تبسط أولئك أو قريبا منه، ويقيسون غير المنقول عليه غير مقتصرين على القياس الجلى، ومنهم من جمعت فتاويه ولا تبلغ فى التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه فى الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف فى تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص امامه وتفريع المجتهدين فى مذهبه، وما لا يجده منقولا ان وجد فى المنقول معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما، جاز الحاقه به والفتوى به، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد فى المذهب، وما ليس كذلك يجب امساكه عن الفتوى فيه، ومثل هذا يقع نادرا فى حق المذكور، اذ يبعد كما قال امام الحرمين ان تقع مسئلة لم ينص عليها فى المذهب، ولا هى فى معنى المنصوص، ولا مندرجة تحت ضابط وشرطه كونه فقيه النفس ذا حظ وافر من الفقه، قال أبو عمرو: ويكتفى فى حفظ المذهب فى هذه الحالة والتى قبلها يكون المعظم على ذهنه ويتمكن لدربته من الوقوف على الباقى على قرب.
стр. 2227
هذه أصناف المفتين وهى خمسة، وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم.
وقد قطع امام الحرمين وغيره بأن الاصولى الماهر المتصرف فى الفقه لا يحل له الفتوى بمجرد ذلك ولو وقعت له واقعة لزمه أن يسأل عنها ويلتحق به المتصرف النظار البحاثه من أئمة الخلاف وفحول المناظرين، لانه ليس أهلا لادراك حكم الواقعة استقلالا، لقصور آلته ولا من مذهب امامه لعدم حفظه له على الوجه المعتبر.
فان قيل: من حفظ كتابا أو أكثر فى المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة أحد ممن سبق، ولم يجد العامى فى بلده غيره، هل له الرجوع الى قوله؟ فالجواب ان كان فى غير بلده مفت يجد السبيل اليه وجب التوصل اليه بحسب امكانه، فان تعذر ذكر مسألته للقاصر فان وجدها بعينها فى كتاب موثوق بصحته وهو ممن يقبل خبره نقل له حكمها بنصه وكان العامى فيها مقلدا صاحب المذهب.
قال أبو عمرو وهذا وجدته فى ضمن كلام بعضهم والدليل يعضده، وان لم يجدها مسطورة بعينها لم يقسها على مسطور عنده وان اعتقده من قياس لا فارق فانه قد يتوهم ذلك فى غير موضعه فان قيل: هل لمقلد أن يفتى بما هو مقلد فيه؟ قلنا: قطع أبو عبد الله الحليمى وأبو محمد الجوينى وأبو المحاسن الرويانى وغيرهم بتحريمه.
وقال القفال المروزى: يجوز.
قال أبو عمرو: قول من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله من عند نفسه بل يضيفه الى امامه الذى قلده فعلى هذا من عددناه من المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة، لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم، وسبيلهم أن يقولوا مثلا: مذهب الشافعى كذا أو نحو هذا، ومن ترك منهم الاضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به ولا بأس بذلك.
وذكر صاحب الحاوى فى العامى اذا عرف حكم حادثة بناء على دليلها ثلاثة أوجه.
أحدها يجوز أن يفتى به ويجوز تقليده لانه وصل الى علمه كوصول العالم.
والثانى يجوز ان كان دليلها كتابا أو سنة، ولا يجوز أن كان غيرهما.
والثالث لا يجوز مطلقا وهو الاصح.
والله أعلم.
стр. 2228
مذهب الحنابلة:
جاء فى روضة الناظر: (١) ان المراتب أربعة:
عامى محض.
متمكن من الاجتهاد فى البعض دون البعض.
ومجتهد كامل لم يجتهد.
مجتهد كامل اجتهد وظن الحكم.
فالاول والرابع قد عرف حكمهما وهو أن العامى يقلد والمجتهد بالفعل الظان للحكم لا يقلد.
والمجتهد الكامل الذى لم يجتهد مختلف فيه والاظهر أنه لا يقلد ويلحق به من اجتهد بالفعل ولم يظن الحكم لتعارض الادلة أو غيره بطريق أولى.
والمتمكن فى البعض دون البعض الاشبه أنه يقلد، لانه عامى من وجه، ويحتمل ان لا يقلد، لانه مجتهد من وجه، فهو محل اجتهاد به، وله مراتب متعددة
بحسب ما يتمكن من الاجتهاد فيه من المسائل.
مذهب الظاهرية:
لا يوجد مفت الا أحد ثلاثة أناس (٢):
اما عالم فيفتى بما بلغه من النصوص بعد البحث والتقصى كما يلزمه فهذا مأجور أخطأ أو أصاب وواجب عليه أن يفتى بما علم.
واما فاسق يفتى بما يتفق له مستديما لرياسة أو لكسب مال وهو يدرى أنه يفتى بغير واجب.
وأما جاهل ضعيف العقل يفتى بغير يقين علم وهو يظن أنه مصيب ولم يبحث حق البحث ولو كان عاقلا لعرف أنه جاهل فلم يتعرض لما لا يحسن.
مذهب الزيدية:
جاء فى الروض النضير (٣): عن زيد ابن على عن أبيه عن جده عن على ﵈ قال: «لا يفتى الناس الا من قرأ القرآن وعلم الناسخ والمنسوخ وفقه السنة وعلم الفرائض والمواريث».
стр. 2229
وقال حذيفة انما يفتى الناس أحد ثلاثة.
من يعلم ما نسخ من القرآن.
أو امرؤ لا يجد بدا.
أو أحمق متكلف.
ولا يخفى أن التدين بما شرعه الله واجب على جميع العباد.
مذهب الإباضية:
الإباضية على أن المفتى اما أن يكون مجتهدا أو عاميا.
أما المجتهد فهو العالم بكيفية الاستنباط الطالب لحكم القضية وله شروط ذكرت فى مكانها (١).
وأما العامى فقد جاء فى طلعة (٢) الشمس: أنه يجوز لضعيف العلم حكاية قول العالم فى الاحكام بلا خلاف بين العلماء لكن الخلاف فى جواز افتائه بقول العالم الذى أخذ عنه تلك الفتيا وذلك بأن يسوق الكلام مساق الجزم بالحكم فيقول هذا حلال وهذا حرام مثلا.
فقيل يجوز ذلك مطلقا.
وقيل يجوز بشرط أن يكون المفتى انما يفتى بنص قول امامه.
وقيل لا يجوز مطلقا لانه ليس أهلا للافتاء.
وقيل: ان كان مطلعا على مأخذ امامه جاز له ذلك وصح له التخريج على مذهب امامه.
وقيل: انما يجوز للمخرج الافتاء بتخريجه عند عدم المجتهد لا مع وجوده فى تلك الناحية اذ لا يجوز العمل بالاضعف مع امكان الاقوى.
واجب ولى الامر حيالهم
مذهب الحنفية:
حكى ابن نجيم (٣) صاحب البحر الرائق عن شرح الروض أنه ينبغى للامام أن يسأل أهل العلم المشهورين فى عصره عمن يصلح للفتوى، ليمنع من لا يصلح ويتوعده بالعقوبة اذا عاد.
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع (٤): قال الخطيب أبو بكر الحافظ البغدادى: ينبغى للامام أن يتصفح أحوال المفتين، فمن صلح للفتيا أقره، ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتواعده بالعقوبة ان عاد.
стр. 2230
وطريق الامام الى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم.
ثم روى باسناده عن مالك ﵀ قال: ما أفتيت حتى شهد لى سبعون أنى أهل لذلك.
وفى رواية ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم منى هل يرانى موضعا لذلك.
قال مالك: ولا ينبغى لرجل أن يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو أعلم منه.
مذهب الحنابلة:
مذهب الحنابلة (١): كمذهب الشافعية، فقد نقل صاحب كشاف القناع ما ذكره الخطيب من قوله: وينبغى للامام أن يتصفح أحوال المفتين … الى آخر ما ذكر فى المذهب الشافعى.
مذهب الظاهرية:
كل من كان (٢) منا فى بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه فان كان الامام يعلم ذلك فليرسل اليهم فقيها يعلمهم قال تعالى: (٣) ﴿(ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي﴾
﴿هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)﴾ وبعث ﵇ معاذا وأبا موسى الى اليمن وأبا عبيدة الى البحرين معلمين للناس أمور دينهم (٤) ففرض ذلك على الائمة وقال تعالى: «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (٥) ففرض على الامام أن يرتب أقواما لتعليم الجهال.
ما ينبغى أن يكون عليه
المفتى من الصفات وشروطه
أولا عند الفقهاء:
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (٦): شرط المفتى اسلامه وعدالته ولزم منها اشتراط بلوغه وعقله فترد فتوى الفاسق والكافر وغير المكلف اذ لا يقبل خبرهم.
وفى الدر المختار (٧) قال: وشرط بعضهم تيقظه، قال ابن عابدين احترازا عمن غلب عليه الغفلة والسهو.
стр. 2231
ثم قال: وهذا شرط لازم فى زماننا، فان العادة اليوم أن من صار بيده فتوى المفتى استطال على خصمه وقهره بمجرد قوله أفتانى المفتى بأن الحق معى والخصم جاهل لا يدرى ما فى الفتوى فلا بد أن يكون المفتى متيقظا يعلم حيل الناس ودسائسهم، فاذا جاء السائل يقرره من لسانه ولا يقول له: ان كان كذا فالحق معك، وان كان كذا فالحق مع خصمك، لانه يختار لنفسه ما ينفعه ولا يعجز عن اثباته بشاهدى زور، بل الاحسن أن يجمع بينه وبين خصمه فاذا ظهر له الحق مع أحدهما كتب الفتوى لصاحب الحق، وليحترز من الوكلاء فى الخصومات، فان أحدهم لا يرضى الا باثبات دعواه لموكله بأى وجه أمكن، ولهم مهارة فى الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل بصورة الحق، فاذا أخذ الفتوى قهر خصمه ووصل الى غرضه الفاسد، فلا يحل للمفتى أن يعينه على ضلاله، وقد قالوا من جهل بأهل زمانه فهو جاهل، وقد يسأل عن أمر شرعى وتدل القرائن للمفتى المتيقظ أن مراده التوصل به الى غرض فاسد كما شاهدناه كثيرا.
والحاصل أن غفلة المفتى يلزم منها ضرر عظيم فى هذا الزمان.
وقال فى الدر: (١): ولا يشترط حريته أى فهو كالراوى لا كالشاهد والقاضى
ولذا تصح فتواه لمن لا تقبل شهادته له، ولا تشترط ذكورته ونطقه، فيصح افتاء الاخرس لا قضاؤه، فيكتفى بالاشارة منه، وذلك حيث فهمت اشارته، والاصح أنه يصح فتوى الاطرش وهو من يسمع الصوت القوى.
قال ابن عابدين: لا شك أنه اذا كتب له وأجاب عنه جاز العمل بفتواه وأما اذا كان منصوبا للفتوى يأتيه عامة الناس ويسألونه من نساء وأعراب وغيرهم فلا بد أن يكون صحيح السمع، لانه لا يمكن كل سائل أن يكتب له سؤاله، وقد يحضر اليه الخصمان ويتكلم أحدهما بما يكون فيه الحق عليه لا له والمفتى لم يسمع ذلك منه، فيفتيه على ما سمع من بعض كلامه فيضيع حق خصمه، وهذا قد شاهدته كثيرا، فلا ينبغى التردد فى أنه لا يصلح أن يكون مفتيا عاما ينتظر القاضى جوابه، ليحكم به، فان ضرر مثل هذا أعظم من نفعه.
ويصح أن يفتى القاضى - ولو فى مجلس القضاء - من لم يخاصم اليه.
قال فى الظهيرية: ولا بأس للقاضى أن يفتى من لم يخاصم اليه، ولا يفتى أحد الخصمين فيما خوصم اليه.
وفى الخلاصة: القاضى هل يفتى؟ فيه أقاويل، والصحيح أنه لا بأس به فى مجلس القضاء وغيره فى الديانات والمعاملات.
стр. 2232
قال ابن عابدين ويمكن حمل ما فى الخلاصة على من لم يخاصم اليه فيوافق ما فى الظهيرية.
وفى كافى الحاكم: وأكره للقاضى أن يفتى فى القضاء للخصوم كراهة أن يعلم خصمه قوله فيتحرز منه بالباطل.
وفى البحر الرائق: (١) ويشترط أهلية اجتهاده ثم قال (٢): وحاصل شرائط المجتهد الاسلام والبلوغ والعقل وكونه فقيه النفس، بمعنى شديد الفهم بالطبع وعلمه باللغة العربية، أى الصرف والنحو والمعانى والبيان والاصول، وكونه حاويا لعلم كتاب الله تعالى مما يتعلق بالاحكام، وكونه عالما بالحديث متنا وسندا وناسخا ومنسوخا، ولا يشترط فيه بعد صحة العقيدة علم الكلام ولا تفاريع الفقه، ولا الذكورة والحرية، ولا العدالة، فللفاسق الاجتهاد، ليعمل بنفسه، وأما غيره فلا يعمل به، ويشترط كونه عالما بوجوه القياس، وفى الحقيقة: اشتراط علمه بالاصول يغنى عنه، ولا بد من معرفة الاجماع ومواقعه ومن معرفة عادات الناس.
ثم قال (٣): فلا يفتى الا المجتهد، وقد استقر رأى الاصوليين على أن المفتى هو المجتهد.
فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس مفتيا، والواجب عليه اذا سئل أن يذكر قول المجتهد كأبى حنيفة على جهة الحكاية، فعرف أن ما يكون فى زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتى ليأخذ به المستفتى.
وقال فى كنز الدقائق (٤): والفاسق يصلح مفتيا وقيل لا.
وقال صاحب البحر: وجه الاول:
أنه يحذر النسبة الى الخطأ.
ووجه الثانى: أنه من أمور الدين وخبره غير مقبول فى الديانات ثم قال: ولم يرجح الشارحون أحدهما.
وظاهر ما فى التحرير أنه لا يحل استفتاؤه اتفاقا، فانه قال:
الاتفاق على حل استفتاء من عرف من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة أو رآه منتصبا والناس يستفتونه معظمين وعلى امتناعه ان ظن عدم أحدهما، فان جهل اجتهاده دون عدالته فالمختار منع استفتائه، بخلاف المجهول من غيره اذ الاتفاق على المنع أهـ.
قال صاحب البحر: فلا أقل من أن يكون ترجيحا لعدم صلاحيته، ولهذا جزم به فى المجمع واختاره فى شرحه،
стр. 2233
وقال ابن عابدين فى حاشيته تعليقا على ما فى التحرير من أنه لا يحل استفتاء الفاسق اتفاقا، قال: هذا بناء على ما عليه الاصوليون من أن المفتى هو المجتهد، وهو غير المراد هنا، بل المراد به هنا المقلد الذى ينقل الحكم عن غيره وجاء فى الفتاوى الهندية والبحر: (١)
وفى اشتراط معرفة الحساب لتصحيح مسائله وجهان، ويشترط أن يحفظ مذهب امامه ويعرف قواعده وأساليبه وليس للاصولى الماهر وكذا البحاث فى الخلاف من أئمة الفقه وفحول المناظرين أن يفتى فى الفروع الشرعية، ومن شرطه أن لا يرمى بالكاغد كما اعتاده بعض الناس، لان فيه اسم الله تعالى وتعظيم اسمه تعالى واجب.
قال فى البحر (٢) وليكن المفتى متنزها عن خوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن حسن التصرف والاستنباط، ولو كان المفتى عبدا أو امرأة أو أعمى أو أخرس بالاشارة، وليس هو كالشاهد فى رد
فتواه، لقرابة وجر نفع ودفع ضر وعداوة، فهو كالراوى لا كالشاهد.
وتقبل فتوى من لا يكفر ولا يفسق ببدعة كشهادته.
وفى تنقيح المحبوبى: أن الاشارة من المفتى الناطق يعمل بها فلا يختص بالاخرس.
وفى البحر: (٣) للمفتى أن يغلظ للزجر متأولا كما اذا سأله من له عبد عن قتله وخشى أن يقتله جاز أن يقول: ان قتلته قتلناك متأولا، لقوله ﷺ : من قتل عبده قتلناه وهذا اذا لم يترتب على اطلاقه مفسدة.
مذهب المالكية:
جاء فى الفروق للقرافى: (٤) أن المفتى هو المجتهد المطلق وهو الفقيه.
قال الصيرفى موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه وناسخه ومنسوخه، وكذلك فى السنن والاستنباط ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها.
وقال ابن السمعانى: هو من استكمل فيه ثلاث شرائط: الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخيص والتساهل.
стр. 2234
وللمتساهل حالتان.
احداهما: أن يتساهل فى طلب الادلة وطرق الاحكام، ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر، وهذا مقصر فى حق الاجتهاد، ولا يحل له أن يفتى، ولا يجوز.
والثانية: أن يتساهل فى طلب الرخص وتأول السنة، فهذا متجوز فى دينه وهو آثم من الاول.
وجاء فى الحطاب: (١) قال ابن فرحون من الصفات التى ينبغى أن يتصف بها المفتى أن لا يتساهل فى الفتوى، ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتى، والتساهل قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى أو الحكم قبل استيفاء حقه من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الاسراع براعة والابطاء عجز، ولان يبطئ ولا يخطئ اجمل به من أن يعجل فيضل ويضل، وقد يكون تساهله بأن تحمله الاغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة بالتمسك بالشبه، طلبا للحرص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يروم ضرره.
قال ابن الصلاح: ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه، قال: وأما اذا صح
قصد المفتى، واحتسب فى طلب حيلة لا شبهة فيها ولا يجر الى مفسدة، ليخلص بها المفتى من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل.
وقال القرافى: اذا كان فى المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تسهيل فلا ينبغى للمفتى أن يفتى العامة بالتشديد والخواص وولاة الامور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة فى الدين والتلاعب بالمسلمين، وذلك دليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى واجلاله وتقواه وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقريب الى الخلق دون الخالق نعوذ بالله من صفات الغافلين والحاكم كالمفتى فى هذا انته.
وفى الفروق للقرافى: (٢) أن كل شئ أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الاجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلى السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتى به فى دين الله تعالى، فان هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه، وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعا اذا لم يتأكد، وهذا لم يتأكد، فلا نقره شرعا، والفتيا بغير الشرع حرام، فالفتيا بهذا الحكم حرام، وان كان الامام المجتهد غير عاص به بل مثابا عليه،
стр. 2235
لانه بذل جهده على حسب ما أمر به، وقد قال النبى ﷺ اذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وان أصاب فله أجران.
فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم، فكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه، لكنه قد يقل وقد يكثر غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا فى مذهبه الا من عرف القواعد والقياس الجلى والنص الصريح وعدم المعارض، لذلك، وذلك يعتمد أصول الفقه والتبحر فى الفقه، فان القواعد ليست مستوعبة فى أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد فى كتب أصول الفقه أصلا، وذلك هو الباعث لى على وضع هذا الكتاب، لا ضبط تلك القواعد بحسب طاقتى، ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى، فتأمل ذلك، فهو أمر لازم، وكذلك كان السلف رضى الله عنهم متوقفين فى الفتيا توقفا شديدا.
وقال مالك: لا ينبغى للعالم أن يفتى حتى يراه الناس أهلا لذلك، ويرى هو نفسه أهلا لذلك، يريد تثبيت أهليته عند العلماء، ويكون هو بيقين مطلعا على ما قاله العلماء فى حقه من الاهلية، لانه قد يظهر من الانسان أمر على ضد ما هو عليه، فاذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس حصل اليقين فى ذلك، وهذا هو شأن الفتيا فى الزمن القديم.
وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج وسهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم، وأن يقول أحدهم لا يدرى، فلا جرم آل الحال للناس الى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال.
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع: (١) قالوا وينبغى أن يكون المفتى ظاهر الورع مشهورا بالديانة الظاهرة والصيانة الباهرة، وكان مالك ﵀ يعمل بما لا يلزمه الناس، ويقول: لا يكون عالما حتى يعمل فى خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس مما لو تركه لم يأثم، وكان يحكى نحوه عن شيخه ربيعة.
وشرط المفتى أن يكون مكلفا مسلما ثقة مأمونا متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط متيقظا، سواء فيه الحر والعبد والمرأة والاعمى والاخرس اذا كتب أو فهمت أشارته.
стр. 2236
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح:
وينبغى أن يكون كالراوى فى أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة وجر نفع ودفع ضر، لان المفتى فى حكم مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص، فكان كالراوى لا كالشاهد، وفتواه لا يرتبط بها الزام بخلاف حكم القاضى.
قال: وذكر صاحب الحاوى: أن المفتى اذا نابذ فى فتواه شخصا معينا صار خصما حكما معاندا، فترد فتواه على من عاداه، كما ترد شهادته عليه.
واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه ونقل الخطيب فيه اجماع المسلمين، ويجب عليه اذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه، وأما المستور وهو الذى ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطنا ففيه وجهان.
أصحهما جواز فتواه لان العدالة الباطنة يعسر معرفتها على غير القضاة.
والثانى: لا يجوز كالشهادة.
والخلاف كالخلاف فى صحة النكاح بحضور المستورين.
قال الصيمرى وتصح فتاوى أهل الاهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعة ولا نفسقه.
ونقل الخطيب هذا ثم قال: وأما الشراة والرافضة الذين يسبون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة والقاضى كغيره فى جواز الفتيا بلا كراهة.
هذا هو الصحيح المشهور من مذهبنا.
قال الشيخ: ورأيت فى بعض تعاليق الشيخ أبى حامد أن له الفتوى فى العبادات وما لا يتعلق بالقضاء.
وفى القضاء وجهان لاصحابنا.
أحدهما الجواز، لانه أهل.
والثانى: لا، لانه موضع تهمة.
وقال ابن المنذر تكره الفتوى فى مسائل الاحكام الشرعية.
وقال شريح أنا أقضى ولا أفتى.
مذهب الحنابلة: (١)
ومن أعلام الموقعين: ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرؤية والفتيا الا لمن اتصف بالعلم والصدق فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضى السيرة عدلا فى أقواله وأفعاله متشابه
стр. 2237
السر والعلانية فى مدخله ومخرجه وأحواله.
واذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذى لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الارض والسموات.
فحقيق بمن أقيم فى هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذى أقيم فيه، ولا يكون فى صدره حرج من قول الحق والصدع به، فان الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذى تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى:
«وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً﴾ (١) وكفى بما تولاه الله بنفسه تعالى شرفا وجلالة اذ يقول فى كتابه «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»﴾. (٢)
وليعلم المفتى عمن ينوب فى فتواه، وليوقن أنه مسئول غدا وموقوف بين يدى الله تعالى.
وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وامام المستفتين وخلتم النبيين عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، فكان يفتى عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين «قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ،﴾ (٣) فكانت فتاويه ﷺ جوامع الاحكام ومشتملة على فصل الخطاب، وهى فى وجوب أتباعها وتحكيمها والتحاكم اليها ثانية الكتاب.
وليس لاحد من المسلمين العدول عنها ما وجد اليها سبيلا، وقد أمر الله عباده بالرد اليها حيث يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً»﴾. (٤)
ثم قام بالفتوى بعده أصحابه ﷺ ألين الامة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأحسنها بيانا، وأصدقها ايمانا، وأعمها نصيحة، وأقربها الى الله وسيلة، وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط،
стр. 2238
وكما أن الصحابة سادة الامة وأئمتها وقادتهم فهم سادات المفتين والعلماء.
قال الليث عن مجاهد: العلماء أصحاب محمد ﷺ .
وقال سعيد عن قتادة فى قوله تعالى «وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ١ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» قال: أصحاب محمد ﷺ ، ثم ذكر آثارا كثيرة فى فضل الصحابة وعلمهم وآثارهم فى القضاء والافتاء قصد السير فى طريقهم والنسج على منوالهم لم آت بها خشية الاطالة والخروج عن الموضوع والله الموفق والمعين.
ثم قال (ابن القيم) (٢) قال الامام أحمد فى رواية ابنه صالح عنه: ينبغى للرجل اذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن، عالما بالاسانيد الصحيحة، عالما بالسنن وانما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبى ﷺ ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها.
وقال فى رواية ابنه عبد الله: اذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخير فيقضى به ويعمل به
حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به فيكون يعمل على أمر صحيح.
وقال فى رواية أبى الحرث: لا يجوز الافتاء الا لرجل عالم بالكتاب والسنة.
وقال فى رواية حنبل: ينبغى لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم والا فلا يفتى.
وقال محمد بن عبد الله بن المناوى:
سمعت رجلا يسأل أحمد اذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا قال:
فمائتى ألف؟ قال: لا، قال: فثلثمائة ألف: قال لا، قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده: هكذا وحرك يده.
قال أبو الحسين: وسألت جدى محمد بن عبيد الله قلت: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أخذ عن ستمائة ألف.
قال أبو حفص: قال لى أبو اسحق، لما جلست فى جامع المنصور للفتيا: ذكرت هذه المسألة فقال لى رجل: فأنت هو ذا لا تحفظ هذا المقدار حتى تفتى الناس فقلت له: عافاك الله اذ كنت لا أحفظ هذا المقدار فانى هو ذا أفتى الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه.
قال القاضى أبو يعلى: وظاهر هذا الكلام أنه لا يكون من أهل الاجتهاد اذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذى ذكره، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ فى الفتوى.
стр. 2239
ثم ذكر حكاية أبى اسحق لما جلس فى جامع المنصور.
قال: وليس هذا الكلام من أبى اسحق مما يقتضى أنه كان يقلد أحمد فيما يفتى به لانه قد نص فى بعض تعاليقه على كتاب العلل على الدلالة على منع الفتوى بغير علم لقوله تعالى «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»﴾. (١)
ثم ذكر أقوال العلماء فى فتوى المقلد وهل يجوز له أن يفتى أو لا يجوز وانته منه الى ترجيح القول بالجواز وان العمل عليه واكتفيت عن ذكره بما سبق من الكلام على أنواع المفتين.
ثم قال: وقال الشافعى فيما رواه عنه الخطيب فى كتاب الفقيه والمتفقه له لا يحل لاحد أن يفتى فى دين الله الا رجلا عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله ﷺ والناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر، وما يحتاج اليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الانصاف.
ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الامصار، وتكون له قريحة بعد هذا.
فاذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتى فى الحلال والحرام، واذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتى.
وقال صالح بن أحمد: قلت لابى:
ما تقول فى الرجل يسأل عن الشئ فيجيب بما فى الحديث وليس بعالم فى الفقه؟ فقال: ينبغى للرجل اذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بالسنن عالما بوجوه القرآن عالما بالاسانيد الصحيحة وذكر الكلام المتقدم.
وقال على بن شقيق: قيل لابن المبارك متى يفتى الرجل؟ قال: اذا كان عالما بالاثر بصيرا بالرأى.
وقيل ليحيى بن أكثم: متى يجب الرجل أن يفتى؟ فقال: اذا كان بصيرا بالرأى بصيرا بالاثر قلت (ابن القيم) يريد أن بالرأى القياس الصحيح والمعانى والعلل الصحيحة التى علق الشارع بها الاحكام وجعلها مؤثرة فيها طردا أو عكسا.
وجاء فى كشاف القناع (٢): يحرم الحكم والفتيا بالهوى اجماعا وليحذر المفتى أن يميل فى فتياه مع المستفتى أو مع خصمه، مثل أن يكتب فى جوابه ما هو له فقط ونحو ذلك، بل يكتب ماله وما عليه، لانه العدل وأداء الامانة فيما علمه الله، وليس له أن يبتدئ فى مسائل الدعاوى والبينات بذكر وجوه المخالص
стр. 2240
منها، لان ذلك ميل مع أحدهما، وان سأله بأى شئ تندفع دعوى كذا وكذا وبينة كذا وكذا لم يجب، لئلا يتوصل السائل بذلك الى ابطال حق، وله أن يسأله عن حاله فيما ادعى عليه فاذا شرحه المستفتى له: أى للمفتى عرفه بما فيه من دافع وغير دافع، ليكون على بصيرة.
ويحرم الحكم والفتيا بقول أو وجه من غير نظر فى الترجيح اجماعا، ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه اجماعا.
ثم قال: (١) للمفتى أخذ الرزق من بيت المال لان الافتاء من المصالح العامة كالاذان، ولو تعين عليه أن يفتى ولا كفاية (أى ليس عنده ما يكفيه) لم يأخذ من المستفتى، لانه اعتياض عن واجب عليه ولا يجوز، ومن أخذ رزقا من بيت المال لم يأخذ من المستفتى أجرة فتياه ولا لحظه لاستغنائه بالرزق والا. أى وان لم يأخذ رزقا أخذ أجرة حظه فقط.
ويجب على الامام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم والفتوى فى الاحكام ما يغنيه عن التكسب لدعاء الحاجة الى القيام بذلك (أى اقتضائها) والانقطاع له وهو فى معنى الامامة والقضاء، وان جعل له - أى
للمفتى أهل بلد رزقا ويتفرغ له جاز له أخذه.
وجاء فى الاقناع (٢) ولا يجوز أن يفتى فيما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الالفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها، بل يحملها على ما اعتادوه وعرفوه وان كان مخالفا لحقائقها الاصلية، واذا اعتدل عنده قولان من غير ترجيح فقال القاضى: يفتى بأيهما شاء.
وفى كشاف القناع أيضا: (٣) لا ينبغى للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصائل.
احداها: أن تكون له نية، أى أن يخلص فى ذلك لله تعالى، ولا يقصد رياسة ولا نحوها، فان لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، اذ الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة، والا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الاحكام الشرعية.
الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته، والا فقد عرض نفسه لعظيم.
стр. 2241
الرابعة: الكفاية، والا بغضه الناس فانه اذا لم تكن له كفاية احتاج الى الناس والى الاخذ مما فى أيديهم فيتضررون منه.
الخامسة: معرفة الناس: أى ينبغى للمفتى أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم، ولا ينبغى له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرا فطنا مما يصورونه فى سؤالاتهم، لئلا يوقعوه فى المكروه.
ويؤيده حديث «احترسوا من الناس بسوء الظن» وخبر: أخوك البكرى ولا تأمنه وقد روى عن مالك أنه قال: ما أفتيت حتى شهد لى سبعون أنى أهل لذلك، وفى رواية ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم منى هل ترانى موضعا لذلك، قال مالك: ولا ينبغى لرجل أن يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو أعلم منه.
ويحرم أن يفتى فى حال لا يجوز أن يحكم فيها كغضب ونحوه، كحر مفرط وبرد مفرط، وعلل ونحوه مما يغير الفكر، فان أفتى فى ذلك الحال وأصاب الحق صح جوابه وكره.
وتصح فتوى العبد والمرأة والامى والاخرس المفهوم الاشارة أو الكتابة كخبرهم، وتصح الفتيا مع أخذ النفع ودفع الضرر ومن العدو، وأن يفتى أباه وأمه وشريكه وسائر من لا تقبل شهادته له كزوجته ومكاتبته، لان القصد بيان الحكم الشرعى وهو لا يختلف، وليس منه الزام بخلاف الحاكم، ولا تصح الفتيا من فاسق لغيره وان كان مجتهدا، لانه ليس بأمين على ما يقول.
وفى أعلام الموقعين: قلت الصواب جواز استفتاء الفاسق الا أن يكون معلنا بفسقه داعيا الى بدعته لكن يفتى المجتهد الفاسق نفسه لانه لا يتهم بالنسبة الى نفسه ولا يسأله غيره لعدم حصول المقصود والوثوق به ولا تصح الفتيا من مستور الحال.
وفى المبدع: تصح فتيا مستور الحال فى الاصح، والحاكم كغيره فى الفتيا فيما يتعلق بالقضاء وغيره.
ويحرم تساهل مفت فى الفتيا، وتقليد معروف به، أى بالتساهل فى الفتيا.
قال الشيخ لا يجوز استفتاء الا من يفتى بعلم أو عدل، لان أمر الفتيا خطر فينبغى أن يحتاط.
وليس لمن انتسب الى مذهب امام اذا استفتى فى مسألة ذات قولين أو وجهين أن يتخير ويعمل بأيهما شاء، بل يراعى ألفاظ امامه ومتأخرها وأقربها من الكتاب والسنة.
ويلزم المفتى تكرير النظر عند تكرار الواقعة، كالمجتهد فى القبلة يجتهد لكل صلاة.
стр. 2242
أما العامى اذا وقعت له مسألة فسأل عنها ثم وقعت له ثانيا فلم أر لاصحابنا فيها شيئا.
وان حدث ما لا قول فيه للعلماء تكلم فيه حاكم ومجتهد ومفت فيرده الى الاصل والقواعد.
وينبغى للمفتى أن يشاور من عنده ممن يثق بعلمه الا أن يكون فى ذلك افشاء بسر السائل أو تعريضه للاذى أو يكون فيه مفسدة لبعض الحاضرين فيخفيه ازالة لذلك.
وحقيق به - أى بالمفتى أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلفت فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم، ويقول اذا أشكل عليه شئ يا معلم ابراهيم علمنى.
وجاء فى الاقناع (١): والمجتهد من يعرف من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الحقيقة والمجاز والامر والنهى والمجمل والمبين والمحكم والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد
والناسخ والمنسوخ والمستثنى والمستثنى منه.
ويعرف من السنة صحيحها من سقيمها وتواترها من آحادها ومرسلها ومتصلها، وسندها ومنقطعها، مما له تعلق بالاحكام خاصة، ويعرف ما أجمع عليه مما اختلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه والعربية المتناولة بالحجاز والشام والعراق وما يواليها، فمن عرف ذلك أو أكثره ورزق فهما - صلح للفتيا والقضاء.
مذهب الظاهرية:
المنتصبون لطلب الفقه وهم النافرون للتفقه الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم المتأهبون لنذارة قومهم ولتعليم المتعلم وفتيا المستفتى وربما للحكم بين الناس ففرض عليهم تقصى علوم الديانة على حسب طاقتهم، من أحكام القرآن وحديث النبى ﷺ ورتب النقل وصفات؟؟؟ ومعرفة المسند الصحيح مما عداه من مرسل وضعيف، هذا فرضه اللازم له، فان زاد الى ذلك معرفة الاجماع والاختلاف، ومن أين قال كل قائل وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين الى الكتاب والسنة فحسن.
وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التى يتميز بها الحق من الباطل وكيف
стр. 2243
يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص وكل هذا منصوص فى القرآن قال تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١). فهذا ايجاب لتعلم أحكام القرآن وأحكام أوامر النبى ﷺ لان هذين أصل الدين وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» فوجب بذلك تعريف عدول النقلة من فساقهم وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم (٢). ثم قال (٣) وفرض عليه أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته اليه فى فهم كلام ربه تعالى وكلام نبيه ﷺ ، قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (٤) ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله وعن النبى ﷺ ، ويكون عالما بالنحو الذى هو ترتيب كلام العرب لكلامهم الذى به نزل
القرآن وبه يفهم معانى الكلام التى يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الالفاظ، فمن جهل اللغة وهى الالفاظ الواقعة على المسميات وجهل النحو الذى هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعانى فلم يعرف اللسان الذى به خاطبنا الله تعالى ونبينا محمد ﵊، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحل له الفتيا فيه لانه يفتى بما لا يدرى وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً» وبقوله تعالى «وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ» وبقوله تعالى «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ» وقال تعالى «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ»﴾.
وفرض على الفقيه أن يكون عالما بسير النبى ﷺ ليعلم آخر أوامره وأولها وحربه ﵇ لمن حارب وسلمه لمن سالم وليعرف على ماذا حارب ولماذا وضع الحرب وحرم الدم بعد تحليله وأحكامه ﵇ التى حكم بها.
فمن كانت هذه صفته وكان ورعا فى فتياه مشفقا على دينه صلبا فى الحق
стр. 2244
حلت له الفتيا، والا فحرام عليه أن يفتى بين اثنين، أو أن يحكم بين اثنين، وحرام على الامام أن يقلده حكما، أو يتيح له فتيا، وحرام على الناس أن يستفتوه، لانه ان لم يكن عالما بما ذكرنا فلم يتفقه فى الدين، وان لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق، وان لم يكن صلبا فى الحق لم يأمر بمعروف ولا نهى عن منكر، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر فرضان على الناس قال تعالى «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» وهذا متوجه الى العلماء بالمعروف وبالمنكر لانه لا يجوز (١) أن يدعو الى الخير الا من علمه ولا يمكن أن يأمر بالمعروف الا من عرفه ولا يقدر على أنكار المنكر الا من ميزه.
ثم قال ابن حزم: وأما معرفة الاجماع والاختلاف فقد زعم قوم ان هذا يجب معرفته بقوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ ٢ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» قال: ففرض
علينا معرفة ما اتفقت عليه أولو الامر منا، لاننا مأمورون بطاعتهم، ولا يمكننا طاعتهم الا بعد معرفة اجماعهم الذى يلزمنا طاعتهم فيه، وأما معرفة الاختلاف ومعرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيفية الرد الى الكتاب والسنة فبقوله تعالى «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ» ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيف يرد ذلك الى الكتاب والسنة، لاننا ان لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذى نسمعه من بعض العلماء لا خلاف فيه فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة فنخطئ ونعصى الله تعالى اذا أخذنا قولا نهينا عن اتباعه.
قال أبو محمد: وهذا خطأ، لاننا انما أمرنا الله تعالى بطاعة أولى الامر فيما نقلوه الينا عن رسول الله ﷺ ، فأما أن يقولوا من عند أنفسهم بحكم لا نص فيه فما جاز هذا قط لاحد أن يفعله، ولا حل لاحد قط أن يطيع من فعله، وقد توعد الله تعالى رسوله ﷺ على هذا أشد الوعيد، فكيف على من دونه قال تعالى «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما﴾
стр. 2245
﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» (١) فصح أن من قال فى الدين بقول أضافه الى الله تعالى فقد كذب وتقول على الله تعالى الاقاويل وان لم يضفه الى الله تعالى فليس من الدين أصلا.
لكن معرفة الاختلاف علم زائد، قال سعيد بن جبير: أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف، وصدق سعيد، لانه علم زائد، وكذلك معرفة من أين قال كل قائل، فأما معرفة كيفية اقامة البرهان فبقوله تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (٢) فلم نقل شيئا الا ما قاله ربنا وأوجبه علينا، وانما نحن منبهون على ما أمرنا الله تعالى ومنذرون قومنا فيما تفقهنا فيه ونفرنا لتعلمه كما أمرنا الله تعالى اذ يقول: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (٣) ولا نقول من عند أنفسنا شيئا.
ثم قال (٤): فحد الفقيه: هو المعرفة بأحكام الشريعة من القرآن ومن كلام المرسل بها الذى لا تؤخذ الا عنه،
وتفسير هذا الحد هو المعرفة بأحكام القرآن وناسخها ومنسوخها، والمعرفة بأحكام رسول الله ﷺ ناسخه ومنسوخه، وما صح نقله مما لم يصح، ومعرفة ما أجمع العلماء عليه وما اختلفوا فيه وكيف يرد الاختلاف الى القرآن، وكلام الرسول ﷺ ، فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة.
وكل من علم مسالة واحدة من دينه على الرتبة التى ذكرنا جاز له أن يفتى بها، وليس جهله بمانع من أن يفتى بما علم ولا علمه بما علم بمبيح له أن يفتى فيما جهل وليس أحد بعد النبى ﷺ الا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره، فلو لم يفت الا من أحاط بجميع العلم لما حل لاحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يفتى أصلا، وهذا لا يقوله مسلم، وهو ابطال للدين، وكفر من قائله، وقد بعث النبى ﷺ الامراء الى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين، ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك لانه قد كانت تنزل بعدهم الايات والاحكام.
وفى ذلك بيان صحيح بأن العلماء وان فاتهم كثير من العلم فان لهم أن يفتوا ويقضوا بما عرفوا.
وفى هذا الباب أيضا بيان جلى على أن من علم شيئا من الدين علما صحيحا