الرابعة: الكفاية، والا بغضه الناس فانه اذا لم تكن له كفاية احتاج الى الناس والى الاخذ مما فى أيديهم فيتضررون منه.
الخامسة: معرفة الناس: أى ينبغى للمفتى أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم، ولا ينبغى له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرا فطنا مما يصورونه فى سؤالاتهم، لئلا يوقعوه فى المكروه.
ويؤيده حديث «احترسوا من الناس بسوء الظن» وخبر: أخوك البكرى ولا تأمنه وقد روى عن مالك أنه قال: ما أفتيت حتى شهد لى سبعون أنى أهل لذلك، وفى رواية ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم منى هل ترانى موضعا لذلك، قال مالك: ولا ينبغى لرجل أن يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو أعلم منه.
ويحرم أن يفتى فى حال لا يجوز أن يحكم فيها كغضب ونحوه، كحر مفرط وبرد مفرط، وعلل ونحوه مما يغير الفكر، فان أفتى فى ذلك الحال وأصاب الحق صح جوابه وكره.
وتصح فتوى العبد والمرأة والامى والاخرس المفهوم الاشارة أو الكتابة كخبرهم، وتصح الفتيا مع أخذ النفع ودفع الضرر ومن العدو، وأن يفتى أباه وأمه وشريكه وسائر من لا تقبل شهادته له كزوجته ومكاتبته، لان القصد بيان الحكم الشرعى وهو لا يختلف، وليس منه الزام بخلاف الحاكم، ولا تصح الفتيا من فاسق لغيره وان كان مجتهدا، لانه ليس بأمين على ما يقول.
وفى أعلام الموقعين: قلت الصواب جواز استفتاء الفاسق الا أن يكون معلنا بفسقه داعيا الى بدعته لكن يفتى المجتهد الفاسق نفسه لانه لا يتهم بالنسبة الى نفسه ولا يسأله غيره لعدم حصول المقصود والوثوق به ولا تصح الفتيا من مستور الحال.
وفى المبدع: تصح فتيا مستور الحال فى الاصح، والحاكم كغيره فى الفتيا فيما يتعلق بالقضاء وغيره.
ويحرم تساهل مفت فى الفتيا، وتقليد معروف به، أى بالتساهل فى الفتيا.
قال الشيخ لا يجوز استفتاء الا من يفتى بعلم أو عدل، لان أمر الفتيا خطر فينبغى أن يحتاط.
وليس لمن انتسب الى مذهب امام اذا استفتى فى مسألة ذات قولين أو وجهين أن يتخير ويعمل بأيهما شاء، بل يراعى ألفاظ امامه ومتأخرها وأقربها من الكتاب والسنة.
ويلزم المفتى تكرير النظر عند تكرار الواقعة، كالمجتهد فى القبلة يجتهد لكل صلاة.
стр. 2242
أما العامى اذا وقعت له مسألة فسأل عنها ثم وقعت له ثانيا فلم أر لاصحابنا فيها شيئا.
وان حدث ما لا قول فيه للعلماء تكلم فيه حاكم ومجتهد ومفت فيرده الى الاصل والقواعد.
وينبغى للمفتى أن يشاور من عنده ممن يثق بعلمه الا أن يكون فى ذلك افشاء بسر السائل أو تعريضه للاذى أو يكون فيه مفسدة لبعض الحاضرين فيخفيه ازالة لذلك.
وحقيق به - أى بالمفتى أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلفت فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم، ويقول اذا أشكل عليه شئ يا معلم ابراهيم علمنى.
وجاء فى الاقناع (١): والمجتهد من يعرف من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الحقيقة والمجاز والامر والنهى والمجمل والمبين والمحكم والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد
والناسخ والمنسوخ والمستثنى والمستثنى منه.
ويعرف من السنة صحيحها من سقيمها وتواترها من آحادها ومرسلها ومتصلها، وسندها ومنقطعها، مما له تعلق بالاحكام خاصة، ويعرف ما أجمع عليه مما اختلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه والعربية المتناولة بالحجاز والشام والعراق وما يواليها، فمن عرف ذلك أو أكثره ورزق فهما - صلح للفتيا والقضاء.
مذهب الظاهرية:
المنتصبون لطلب الفقه وهم النافرون للتفقه الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم المتأهبون لنذارة قومهم ولتعليم المتعلم وفتيا المستفتى وربما للحكم بين الناس ففرض عليهم تقصى علوم الديانة على حسب طاقتهم، من أحكام القرآن وحديث النبى ﷺ ورتب النقل وصفات؟؟؟ ومعرفة المسند الصحيح مما عداه من مرسل وضعيف، هذا فرضه اللازم له، فان زاد الى ذلك معرفة الاجماع والاختلاف، ومن أين قال كل قائل وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين الى الكتاب والسنة فحسن.
وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التى يتميز بها الحق من الباطل وكيف
стр. 2243
يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص وكل هذا منصوص فى القرآن قال تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١). فهذا ايجاب لتعلم أحكام القرآن وأحكام أوامر النبى ﷺ لان هذين أصل الدين وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» فوجب بذلك تعريف عدول النقلة من فساقهم وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم (٢). ثم قال (٣) وفرض عليه أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته اليه فى فهم كلام ربه تعالى وكلام نبيه ﷺ ، قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (٤) ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله وعن النبى ﷺ ، ويكون عالما بالنحو الذى هو ترتيب كلام العرب لكلامهم الذى به نزل
القرآن وبه يفهم معانى الكلام التى يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الالفاظ، فمن جهل اللغة وهى الالفاظ الواقعة على المسميات وجهل النحو الذى هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعانى فلم يعرف اللسان الذى به خاطبنا الله تعالى ونبينا محمد ﵊، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحل له الفتيا فيه لانه يفتى بما لا يدرى وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً» وبقوله تعالى «وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ» وبقوله تعالى «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ» وقال تعالى «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ»﴾.
وفرض على الفقيه أن يكون عالما بسير النبى ﷺ ليعلم آخر أوامره وأولها وحربه ﵇ لمن حارب وسلمه لمن سالم وليعرف على ماذا حارب ولماذا وضع الحرب وحرم الدم بعد تحليله وأحكامه ﵇ التى حكم بها.
فمن كانت هذه صفته وكان ورعا فى فتياه مشفقا على دينه صلبا فى الحق
стр. 2244
حلت له الفتيا، والا فحرام عليه أن يفتى بين اثنين، أو أن يحكم بين اثنين، وحرام على الامام أن يقلده حكما، أو يتيح له فتيا، وحرام على الناس أن يستفتوه، لانه ان لم يكن عالما بما ذكرنا فلم يتفقه فى الدين، وان لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق، وان لم يكن صلبا فى الحق لم يأمر بمعروف ولا نهى عن منكر، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر فرضان على الناس قال تعالى «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» وهذا متوجه الى العلماء بالمعروف وبالمنكر لانه لا يجوز (١) أن يدعو الى الخير الا من علمه ولا يمكن أن يأمر بالمعروف الا من عرفه ولا يقدر على أنكار المنكر الا من ميزه.
ثم قال ابن حزم: وأما معرفة الاجماع والاختلاف فقد زعم قوم ان هذا يجب معرفته بقوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ ٢ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» قال: ففرض
علينا معرفة ما اتفقت عليه أولو الامر منا، لاننا مأمورون بطاعتهم، ولا يمكننا طاعتهم الا بعد معرفة اجماعهم الذى يلزمنا طاعتهم فيه، وأما معرفة الاختلاف ومعرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيفية الرد الى الكتاب والسنة فبقوله تعالى «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ» ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيف يرد ذلك الى الكتاب والسنة، لاننا ان لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذى نسمعه من بعض العلماء لا خلاف فيه فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة فنخطئ ونعصى الله تعالى اذا أخذنا قولا نهينا عن اتباعه.
قال أبو محمد: وهذا خطأ، لاننا انما أمرنا الله تعالى بطاعة أولى الامر فيما نقلوه الينا عن رسول الله ﷺ ، فأما أن يقولوا من عند أنفسهم بحكم لا نص فيه فما جاز هذا قط لاحد أن يفعله، ولا حل لاحد قط أن يطيع من فعله، وقد توعد الله تعالى رسوله ﷺ على هذا أشد الوعيد، فكيف على من دونه قال تعالى «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما﴾
стр. 2245
﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» (١) فصح أن من قال فى الدين بقول أضافه الى الله تعالى فقد كذب وتقول على الله تعالى الاقاويل وان لم يضفه الى الله تعالى فليس من الدين أصلا.
لكن معرفة الاختلاف علم زائد، قال سعيد بن جبير: أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف، وصدق سعيد، لانه علم زائد، وكذلك معرفة من أين قال كل قائل، فأما معرفة كيفية اقامة البرهان فبقوله تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (٢) فلم نقل شيئا الا ما قاله ربنا وأوجبه علينا، وانما نحن منبهون على ما أمرنا الله تعالى ومنذرون قومنا فيما تفقهنا فيه ونفرنا لتعلمه كما أمرنا الله تعالى اذ يقول: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (٣) ولا نقول من عند أنفسنا شيئا.
ثم قال (٤): فحد الفقيه: هو المعرفة بأحكام الشريعة من القرآن ومن كلام المرسل بها الذى لا تؤخذ الا عنه،
وتفسير هذا الحد هو المعرفة بأحكام القرآن وناسخها ومنسوخها، والمعرفة بأحكام رسول الله ﷺ ناسخه ومنسوخه، وما صح نقله مما لم يصح، ومعرفة ما أجمع العلماء عليه وما اختلفوا فيه وكيف يرد الاختلاف الى القرآن، وكلام الرسول ﷺ ، فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة.
وكل من علم مسالة واحدة من دينه على الرتبة التى ذكرنا جاز له أن يفتى بها، وليس جهله بمانع من أن يفتى بما علم ولا علمه بما علم بمبيح له أن يفتى فيما جهل وليس أحد بعد النبى ﷺ الا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره، فلو لم يفت الا من أحاط بجميع العلم لما حل لاحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يفتى أصلا، وهذا لا يقوله مسلم، وهو ابطال للدين، وكفر من قائله، وقد بعث النبى ﷺ الامراء الى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين، ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك لانه قد كانت تنزل بعدهم الايات والاحكام.
وفى ذلك بيان صحيح بأن العلماء وان فاتهم كثير من العلم فان لهم أن يفتوا ويقضوا بما عرفوا.
وفى هذا الباب أيضا بيان جلى على أن من علم شيئا من الدين علما صحيحا
стр. 2246
فله أن يفتى به وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك، ومن علم أن فى المسألة التى نزلت حديثا قد فاته لم يحل له أن يفتى فى ذلك حتى يقع على ذلك الحديث.
ثم قال ابن حزم (١): فالواجب طلب الحكم فى المسألة من نص القرآن، وصحيح الحديث، وطلب الناسخ من المنسوخ، وبناء الحديث بعضه مع بعض، ومع القرآن وبناء الآى بعضها مع بعض، ليس عليه غير هذا البتة.
وان طالع أقوال الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم عصرا عصرا، ففرض عليه أن ينظر من أقوال العلماء كلها نظرا واحدا ويحكم فيها القرآن والسنة، فلأيها حكم اعتقده وأفتى به وأطرح سائرها، وان لم يجد شيئا مما بلغه منها فى نص القرآن ولا فى نص السنة لم يحل له أن يأخذ بشئ منها، بل عليه أن يأخذ بالنص وان لم يبلغه ان قائلا قال به.
ثم قال (٢): لا يحل اتباع فتيا صاحب ولا تابع ولا أحد دونهم الا أن يوجبها نص أو اجماع.
وقال (٣): وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم فى عصره ﵇ فيبلغه ذلك فيصوب المصيب ويخطئ المخطئ، فذلك بعد موته ﵇ أفشى وأكثر، فمن ذلك فتيا ابى السنابل لسبيعة الاسلمية بأن عليها فى العدة آخر الاجلين، فأنكر ﵇ ذلك، وأخبر ان فتياه باطلة، وقد أفتى بعض الصحابة وهو ﵇ حى - بأن على الزانى غير المحصن الرجم حتى افتداه والده بمائة شاة ووليدة، فأبطل ﵇ ذلك الصلح وفسخه، وساق ابن حزم من ذلك أمثلة كثيرة.
وقال (٤): واذا سئل العالم عن مسألة فأعيته أو نزلت به نازلة فأعيته فانه يلزمه أن يسأل الرواة عن أقوال العلماء فى تلك المسألة النازلة ثم يعرض تلك الأقوال على كتاب الله تعالى وكلام النبى ﷺ كما أمره الله تعالى بقوله «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (٥) وإذ يقول: وما أختلفتم فيه من شئ فحكمه (٦) الى الله ذلكم الله ربى عليه توكلت
стр. 2247
واليه أنيب، وقوله تعالى (١): «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً،﴾ فمن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليرد ما اختلف فيه من الدين إلى القرآن والسنة الواردة عن النبى ﷺ ولا يرد ذلك إلى رجل من المسلمين لم يؤمر بالرد اليه.
مذهب الزيدية:
قال صاحب الروض النضير (٢): يجب أن يكون الحاكم والمفتى مجتهد بالفعل فى أشخاص مسائل الاستفتاء وفصل الخصومات، ولا يكفى مجرد تمكنه من الاجتهاد فيها، لان الحكم والافتاء أخبار عما علمه الحاكم والمفتى من حكم الله وظنه والاخبار عن الله لا عن دليل ولا امارة افتراء على الله وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾. (٣)
ثم قال: حدثنى زيد بن على عن أبيه عن جده عن على ﵈
قال: لا يفتى الناس الا من قرأ القرآن وعلم الناسخ والمنسوخ وفقه السنة وعلم الفرائض والمواريث، لان المفتى حاك عن الله تعالى حكمه الذى شرعه لعباده فلا يجوز له أن يخبر عن الله حكمه ودينه الذى شرعه لعباده الا اذا كان خبره مطابقا لما شرعه والا كان قائلا عن الله بلا علم، وقد حرم الله القول عليه بغير علم كما قال تعالى «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. (٤)
ثم قال «من أفتى بغير علم كان أثمه على من أفتاه» أخرجه أبو داود والحاكم من حديث أبى هريرة.
وجاء «اجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار». فلا بد أن يكون المنصوب للفتيا مجتهدا (٥) بالفعل فى كثير من الاحكام فيجب أن يكون له كمال أهليه الاجتهاد وكمال الممارسة لموارد الادلة لاشتراط قراءته للقرآن وفقهه وأن يكون قد ظهر وتبين كمال اجتهاده الفعلى فى كثير من الاحكام ليتحقق كمال الاهلية لان المطلوب من الانتصاب للفتيا
стр. 2248
هو بيان الاحكام الشرعية وغير الممارس وان كانت ملكته قوية يكاد أن يخفى عليه ما هو المتعين للاستناد اليه من الادلة المعارضة لما استند اليه من تقدمه فى النظر فى دليل الحكم لجواز وجود مخصص للعام أو مقيد للمطلق ونحو ذلك. وهذا القدر يعترف به كل من جوّد النظر وكان كامل الاهلية عالى الهمة يقظان الفطنة ولا يكفى كونه أصوليا وهو المعبر عنه بالمتمكن من الاجتهاد، لان مجرد تحصيل الادلة بدون استعمال لها غير مغن لكثرة خطأ غير الممارس فى أى صناعة كانت كما ذلك معلوم ولا بد أن يكون مستعينا بكثرة الممارسة للفروع المدونة بجميع فتاوى السلف وأقوال العلماء من الخلف وان كان ذلك غير شرط فى الاجتهاد، لانه يزيد المنتصب للفتيا كمالا وثباتا.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (١): أنه يشترط فى المفتى البلوغ والعقل والذكورة والايمان والعدالة وطهارة المولد اجماعا والكتابة والحرية والبصر على الاشهر، والنطق وغلبة الذكر والاجتهاد فى الاحكام الشرعية وأصولها، ويتحقق بمعرفة المقدمات الست، وهى الكلام والاصول والنحو والتصريف ولغة العرب وشرائط الادلة والاصول
الاربعة، وهى الكتاب والسنة والاجماع ودليل العقل، والمعتبر من الكلام ما يعرف به الله تعالى وما يلزمه من صفات الجلال والاكرام وعدله وحكمته، ونبوة نبيه ﷺ وعصمته، وامامة الائمة ﵈ كذلك ليحصل الوثوق بخبرهم، وتحقق الحجة به والتصديق بما جاء به النبى ﷺ من أحوال الدنيا والاخرة، كل ذلك بالدليل التفصيلى، ولا يشترط الزيادة على ذلك بالاطلاع على ما حققه المتكلمون من أحكام الجواهر والاعراض وما اشتملت عليه كتبه من الحكمة والمقدمات والاعتراضات وأجوبة الشبهات، وان وجب معرفته كفاية من جهة أخرى، ومن ثم صرح جماعة المحققين بأن الكلام ليس شرطا فى التفقه فان ما يتوقف عليه منه مشترك بين سائر المكلفين، ومن الاصول ما يعرف به أدلة الاحكام من الامر والنهى والعموم والخصوص والاطلاق والتقييد والاجمال والبيان وغيرها مما اشتملت عليه مقاصده.
ومن النحو والتصريف ما يختلف المعنى باختلافه ليحصل بسببه معرفة المراد من الخطاب ولا يعتبر الاستقصاء فيه على الوجه التام بل يكفى الوسط منه فما دون.
ومن اللغة ما يحصل به فهم كلام الله ورسوله ونوابه بالحفظ أو الرجوع الى
стр. 2249
أصل مصحح يشتمل على معانى الالفاظ المتداولة فى ذلك.
ومن شرائط الادلة معرفة الاشكال الاقترانية والاستثنائية، وما يتوقف عليه من المعانى المفردة وغيرها.
ولا يشترط الاستقصاء فى ذلك بل يقتصر على المجزئ منه وما زاد عليه فهو مجرد تضييع للعمر وترجئة للوقت.
والمعتبر من الكتاب الكريم معرفة ما يتعلق بالاحكام وهو نحو خمسمائة آية اما بحفظها أو فهم مقتضاها ليرجع اليها متى شاء، ويتوقف على معرفة الناسخ منها من المنسوخ ولو بالرجوع الى أصل يشتمل عليه.
ومن السنة جميع ما اشتمل عليها من الاحكام ولو فى أصل مصحح رواه عن عدل بسند متصل الى النبى ﷺ والائمة ويعرف الصحيح منها والحسن والموثق والضعيف، والموقوف والمرسل والمتواتر والاحاد وغيرها من الاصطلاحات التى دونت فى رواية الحديث، المفتقر اليها فى استنباط الاحكام وهى أمور اصطلاحية توقيفية لا مباحث علمية.
ويدخل فى أصول الفقه معرفة أحوالها عند التعارض وكثير من أحكامها.
ومن الاجماع والخلاف أن يعرف أن ما يفتى به لا يخالف الاجماع اما بوجود موافق بين المتقدمين أو بغلبة ظنه على أنه واقعة متجددة لم يبحث عنها السابقون بحيث حصل فيها أحد الامرين لا معرفة كل مسألة أجمعوا عليها أو اختلفوا.
ودلالة العقل من الاستصحاب والبراءة الاصلية وغيرهما داخلة فى الاصول.
وكذا معرفة ما يحتج به من القياس بل يشتمل كثير من مختصرات أصول الفقه كالتهذيب ومختصر الاصول لابن الحاجب على ما يحتاج اليه من شرائط الدليل المدونة فى علم الميزان وكثير من كتب النحو على ما يحتاج اليه من التعريف.
نعم يشترط مع ذلك كله أن يكون له قوة يتمكن بها من رد الفروع الى أصولها واستنباطها منها وهذه هى العمدة فى هذا الباب والا فتحصيل تلك المقدمات قد صارت فى زماننا سهلة لكثرة ما حققه العلماء والفقهاء فيها وفى بيان استعمالها، وانما تلك القوة بيد الله تعالى يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده ولكثرة المجاهدة والممارسة لاهلها مدخل عظيم فى تحصيلها ﴿(وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)﴾. (١)
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب شرح النيل (٢): ويكره
стр. 2250
للقاضى أن يفتى فى الاحكام اذا سئل عنها وكان شريح يقول انما أقضى ولا أفتى.
ثم قال وان أفتى فى أمور الدين جاز وعن عمر رضى الله عنه أنه كتب الى شريح لا تسارر الى أحد فى مجلسك ولا تبع ولا تبتع ولا تفت فى مسألة من الاحكام ولا تضر ولا تضار.
وقال العاصمى ومنع الافتاء للحكام فى كل ما يرجع للخصام.
وزعم بعضهم أنه يجوز كالخلفاء الاربعة قلت لا يصح عنهم وأجيز الافتاء فى مسألة عامة لا فى خصومة معينة.
وجاء فى موضع آخر (١) والقاضى لا يكون حجة فى فتواه ولا غيرها الا أن اطمأنت النفس أن ما أفتى به قد أخذه من لسان من يعرف ذلك أو قرأه عليه فى كتاب وكان ورعا غير طاعن فى العلماء فانه يجوز أن يؤخذ بفتواه اذا أفتى بها فى صلاة أو صوم أو نحو ذلك ولا يكون قاضيا.
وفى موضع آخر (٢): وجائز للامام أن يجعل للمفتى النفقة والكسوة وما يصلح له ولعياله من بيت المال وما يحتاج اليه ليتفرغ لامور المسلمين
وينبغى له أن يتنزه عن ذلك وان قبضه فليقتر فيه وان وسع أو أخذ ليتجر به أو ليتسع به ماله جاز له ربحه، ويعطى نفقة شهر أو سنة أو ما رؤى من ذلك وان تلف أعطوه وان لم يفرغ للوقت زادوا ان رأوا أو تركوه حتى يفرغ وان فرغ قبل الوقت أعطوه وان خرج من الحكومة لم يلزمه رد ما بيده وكذا ان مات فلوارثه امساكه، وان خرج أو مات فليس له أو لوارثه مما فرض الا قبضه وله أن يصنع معروفا مما قبض ويصل قرابته وعليه حقوقه وهذا كله فى الحاكم والمفتى وكل من يعين لامور المسلمين بحسب تعينهم فى ذلك وليس ذلك شرطا بل يدخلون فى ذلك كله ويجعل لهم الامام أو الجماعة ذلك يقدر لهم ما يحتاجون اليه لئلا يشتغلوا عن أمور المسلمين بتجر وغيره وان لم يكن بيت المال جعل المسلمون ذلك لهم من مالهم والا قاموا بالامور طاقتهم وبكسب قوتهم.
وجاء فى طلعة الشمس (٣): انهم اشترطوا فى المجتهد شروطا لا يكون مجتهدا الا بكمالها لان اجتهاد العلماء فى القضايا الشرعية متوقف على أمور لا بد من حصولها عند العالم المجتهد فمن لم تحصل معه تلك الشروط فلا يحل له القول فى الاحكام الشرعية عن نظر نفسه بل يقلد غيره فى
стр. 2251
ذلك، وذلك حكم الله فيه لقوله تعالى:
﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.
فمن شروط المجتهد أن يكون عالما بالنحو والمراد أن يكون عارفا بأحكام أواخر الكلمات بناءا واعرابا والمراد بالكلمات التى اشترطنا معرفتها هنا هى الكلمات التى تكون موجودة فى الادلة الشرعية من الكتاب والسنة والكلمات التى تمس الحاجة اليها فى استنباط الاحكام كالاقرارات وألفاظ البيوع والتزويج ونحو ذلك ولا يشترط فى صحة الاجتهاد معرفة ما فوق ذلك.
ومن شروطه أيضا أن يكون عالما باللغة أى عارفا بمعانى الكلمات العربية وعارفا بمسمياتها والمشترط معرفته ها هنا من اللغة هى ما توقف فهم معانى الادلة والاحكام عليه لا ما عدا ذلك.
ومن شروطه أن يكون عالما بالصرف أى عارفا بتغير أبنية الكلمات العربية وعارفا بمقتضى كل صيغة منها والمشترط معرفته من هذا النوع ما يتوقف فهم معنى الادلة والاحكام عليه وذلك أن الفاظ الادلة من الكتاب والسنة عربية فيتوقف فهمها على معرفة النحو واللغة والصرف فلذا اشترط معرفة هذه الاشياء.
ومن شروطه أن يكون عارفا بالاصول والمراد بها أصول الديانات وأصول الفقه.
فأما أصول الديانات فهو معرفة العقائد الاسلامية ويشترط منه فى هذا المقام ما يكون حافظا للمجتهد من التلبس بالعقائد الضالة فانه اذا كان متلبسا بالهوى فلا يؤمن منه الغلط فى الفتوى فكم من مجتهد من قومنا حمل كثيرا من المسائل على اعتقاده الفاسد وهى صحيحة على قاعدته لكن قاعدته فاسدة وناهيك بقاعدة المعتزلة فى وجوب مراعاة الصلاحية والاصلحية على الله تعالى وقد تفرعت عليها عندهم فروع يطول ذكرها أما المحق فى عقائد فانه يؤمن منه ذلك لانه ان بنى على قاعدته كان بانيا على صواب وان أخطأ فى اجتهاده كان خطؤه غير مخالف للقطعيات لانها عنده مضبوطة فلا يكون خطؤه خطأ فى الدين.
وأما أصول الفقه فيشترط منه ما يكون المجتهد متمكنا به من استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها.
وفوق ما ذكرناه لا يكون شرطا فى صحة الاجتهاد لكنه كمال فى حقه.
ومن شروطه أن يكون عالما بالبلاغة أى عارفا بمطابقة مقتضى الحال فى المخاطبات ومقتدرا على التعبير عن المعنى الواحد بطرق مختلفة فى الوضوح والخفاء.
والمشترط هنا ما يتوقف فهم معنى الادلة عليه لا ما فوق ذلك.
وكذلك يشترط معرفة كل من لا يستغنى عنه المجتهد فى استنباط الاحكام فينبغى أن يكون عارفا بالسير النبوية لان فيها معرفة أفعاله وأحواله ﵊ وأن
стр. 2252
يكون عارفا بسير الصحابة وأحوالهم لان الدين ما عليه الصحابة وقد قال ﷺ «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى» وأن يكون عارفا بأسباب نزول الايات وأسباب ورود الاحاديث وأن يكون عارفا بقواعد التفسير وغير ذلك ولك أن تدخل هذه الاشياء تحت العلم بالكتاب والسنة.
ومن شروطه أن يكون عالما بالكتاب محكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه ومجمله ومبينه ومطلقه ومقيده وغير ذلك من أحكامه وأن يكون عارفا بالايات التى تستخرج منها الاحكام ومن شروطه أن يكون عالما بالسنة وبأحكامها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها وآحادها ومتواترها الى غير ذلك من أحكامها وأن يكون عارفا بالاحاديث التى يستنبط منها الاحكام.
قال بعضهم والمشترط من ذلك أن يكون المجتهد عارفا بمواضع الايات والاحاديث التى تؤخذ منها الاحكام حتى يرجع اليها عند الحاجة ولا يشترط أن يكون حافظا لها عن ظهر الغيب وهو ظاهر الصواب لان كثيرا من مجتهدى الصحابة كانوا لا يحفظون القرآن على ظهر الغيب وانما يحفظون منه ما شاء الله أن يحفظوا وكذلك كانوا لا يحفظون جميع الاحاديث وانما يحفظون منها ما ينته اليهم علمه.
ومن شروطه أن يكون عالما بالمسائل التى اجتمعت عليها الامة لئلا يخالف اجتهاده الاجماع لان الاجماع أحد الادلة الشرعية وهو مقدم على القياس فليس للمجتهد أن يخالفه واشترط ابن بركة أن لا يخالف أقوال الصحابة اذا كان فى الحكم قول لهم واشترط بعض أن يوافق بعض أقواله من تقدمه أو يعلم أنها نازلة لم يخص فيها من تقدمه.
ثانيا: عند الاصوليين
قال فى المستصفى (١) المجتهد له شرطان:
أحدهما أن يكون محيطا بمدارك الشرع متمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره.
والشرط الثانى أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصى القادحة فى العدالة وهذا يشترط لجواز الاعتماد على فتواه فمن ليس عدلا فلا تقبل فتواه أما هو فى نفسه فلا، فكأن العدالة شرط القبول للفتوى لا شرط صحة الاجتهاد.
стр. 2253
فان قيل متى يكون محيطا بمدارك الشرع وما تفصيل العلوم التى لا بد منها لتحصيل منصب الاجتهاد قلنا انما يكون متمكنا من الفتوى بعد أن يعرف المدارك المثمرة للاحكام وأن يعرف كيفية الاستثمار.
والمدارك المثمرة للاحكام كما فصلناها أربعة الكتاب والسنة والاجماع والعقل.
وطريق الاستثمار يتم بأربعة علوم اثنان مقدمان واثنان متممان وأربعة فى الوسط فهذه ثمانية فلنفصلها ولننبه فيها على دقائق أهملها الاصوليون.
أما كتاب الله فهو الاصل ولا بد من معرفته ولنخفف عنه أمرين.
أحدهما: أنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما تتعلق به الاحكام منه وهو مقدار خمسمائة آية.
الثانى: لا يشترط حفظها عن ظهر قلب بل أن يكون عالما بمواضعها بحيث يطلب فيها الآية المحتاج اليها فى وقت الحاجة.
وأما السنة فلا بد من معرفة الاحاديث التى تتعلق بالاحكام وهى وان كانت زائدة على ألوف فهى محصورة وفيها التخفيفان المذكوران اذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الاحاديث بالمواعظ وأحكام الاخرة وغيرها.
الثانى لا يلزمه حفظها عن ظهر قلبه بل أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الاحاديث المتعلقة بالاحكام كسنن أبى داود ومعرفة السنن لاحمد البيهقى أو أصل وقعت العناية فيه بجميع الاحاديث المتعلقة بالاحكام ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة الى الفتوى وان كان يقدر على حفظه فهو أحسن وأكمل.
وأما الاجماع فينبغى أن تتميز عنده مواقع الاجماع حتى لا يفتى بخلاف الاجماع كما يلزمه معرفة النصوص حتى لا يفتى بخلافها والتخفيف فى هذا الاصل أنه لا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الاجماع والخلاف بل كل مسألة يفتى فيها فينبغى أن يعلم أن فتواه ليس مخالفا للاجماع اما بأن يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان أو يعلم أن هذه واقعة متولدة فى العصر لم يكن لاهل الاجماع فيها خوض فهذا القدر فيه كفاية.
وأما العقل فنعنى به مستند النفى الاصلى للاحكام فان العقل قد دل على نفى الحرج فى الاقوال والافعال وعلى نفى الاحكام عنها من صور لا نهاية لها.
أما ما استثنته الادلة السمعية من الكتاب والسنة فالمستثناة محصورة وان كانت كثيرة فينبغى أن يرجع فى كل واقعة الى النفى الاصلى والبراءة الاصلية ويعلم
стр. 2254
أن ذلك لا يغير الا بنص أو قياس على منصوص فيأخذ فى طلب النصوص وفى معنى النصوص الاجماع وأفعال الرسول بالاضافة الى ما يدل عليه الفعل على الشرط الذى فصلناه فى كتاب السنة عند الكلام على أفعال الرسول ﷺ .
هذه المدارك الاربعة.
فأما العلوم الاربعة التى بها يعرف طرق الاستثمار فعلمان مقدمان:
أحدهما معرفة نصب الادلة وشروطها التى بها تصير البراهين والادلة منتجة والحاجة الى هذا تعم المدارك الاربعة.
والثانى معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب وهذا يخص فائدة الكتاب والسنة ولكل واحد من هذين العلمين تفصيل وفيه تخفيف وتثقيل.
أما تفصيل العلم الاول فهو أن يعلم أقسام الادلة وأشكالها وشروطها فيعلم أن الادلة ثلاثة.
عقلية تدل لذاتها.
وشرعية صارت أدلة بوضع الشرع.
ووضعية وهى العبارات اللغوية.
ويحصل تمام المعرفة بما ذكرناه فى مقدمة الاصول من مدارك العقول لا بأقل منه.
فان لم يعرف شروط الادلة لم يعرف حقيقة الحكم ولا حقيقة الشرع ولم يعرف مقدمة الشارع ولا عرف من أرسل الشارع.
ثم قالوا لا بد أن يعرف حدوث العالم وافتقاره الى محدث موصوف بما يجب له من الصفات منزه عما يستحيل عليه وأنه متعبد عباده ببعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات وليكن عارفا بصدق الرسول والنظر فى معجزاته.
والتخفيف فى هذا عندى أن القدر الواجب من هذه الجملة اعتقاد جازم اذ به يصير مسلما والاسلام شرط المفتى لا محالة.
فأما معرفته بطرق الكلام والادلة المحررة على عادتهم فليس بشرط اذ لم يكن فى الصحابة والتابعين من يحسن صنعة الكلام.
فأما مجاوزة حد التقليد فيه الى معرفة الدليل فليس بشرط أيضا لذاته لكنه يقع من ضرورة منصب الاجتهاد فانه لا يبلغ رتبة الاجتهاد فى العلم الا وقد قرع سمعه أدلة خلق العالم وأوصاف الخالق وبعثة الرسول ﷺ وأعجاز القرآن فان كل ذلك يشتمل عليه كتاب الله وذلك محصل للمعرفة الحقيقية مجاوز لصاحبه حد التقليد وان لم يمارس صاحبه صنعة الكلام فهذا من لوازم منصب الاجتهاد حتى لو
стр. 2255
تصور مقلد محض فى تصديق الرسول ﷺ وأصول الايمان لجاز له الاجتهاد فى الفروع.
أما المقدمة الثانية فعلم اللغة والنحو أعنى القدر الذى يفهم به خطاب العرب وعادتهم فى الاستعمال الى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه.
والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق فى النحو بل القدر الذى يتعلق بالكتاب والسنة ويستولى به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه.
وأما العلمان المتممان.
فأحدهما: معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة وذلك فى آيات وأحاديث مخصوصه.
والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يكون جميعه على حفظه بل كل واقعة يفتى فيها بآية أو حديث فينبغى أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الاية ليست من جملة المنسوخ وهذا يعم الكتاب والسنة.
الثانى: وهو يخص السنة معرفة الرواية وتمييز الصحيح منها عن الفاسد والمقبول عن المردود فان ما لا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه.
والتخفيف فيه أن كل حديث يفتى به مما قبلته الامة فلا حاجة به الى النظر فى اسناده وان خالفه بعض العلماء فينبغى أن يعرف رواته وعدالتهم فان كانوا مشهورين عنده كما يرويه الشافعى عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا اعتمد عليه فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم والعدالة انما تعرف بالخبرة والمشاهدة أو بتواتر الخبر فما نزل عنه فهو تقليد وذلك بأن يقلد البخارى ومسلما فى أخبار الصحيحين وأنهما مارووها الا عمن عرفوا عدالته فهذا مجرد تقليد.
وانما يزول التقليد بأن يعرف أحوال الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم ثم ينظر فى سيرهم أنها تقتضى العدالة أم لا وذلك طويل وهو فى زماننا مع كثرة الوسائط عسير.
والتخفيف فيه أن يكتفى بتعديل الامام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه فى التعديل مذهب صحيح فان المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح فان من مات قبلنا بزمان امتنعت الخبرة والمشاهدة فى حقه ولو شرط أن تتواتر سيرته فذلك لا يصادف الا فى الائمة المشهورين فيقلد فى معرفة سيرته عدلا فيما يخبر فنقلده فى تعديله بعد أن عرفنا صحة مذهبه فى التعديل.
فان جوزنا للمفتى الاعتماد على الكتب الصحيحة التى ارتضى الائمة روايتها قصر الطريق على المفتى والا طال الامر
стр. 2256
وعسر الخطب فى هذا الزمان مع كثرة الوسائط ولا يزال الامر يزداد شدة بتعاقب الاعصار.
فهذه هى العلوم الثمانية التى يستفاد بها منصب الاجتهاد.
ومعظم ذلك يشتمل عليه ثلاثة فنون علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه.
فأما الكلام وتفاريع الفقه فلا حاجة اليهما وكيف يحتاج الى تفاريع الفقه وهذه التفاريع يولدها المجتهدون ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد.
فكيف تكون شرطا فى منصب الاجتهاد وتقدم الاجتهاد عليها شرط.
نعم انما يحصل منصب الاجتهاد فى زماننا بممارسته فهو طريق تحصيل الدربة فى هذا الزمان ولم يكن الطريق فى زمان الصحابة ذلك ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا.
وهذه (دقيقة) فى التخفيف يغفل عنها الاكثرون.
اجتماع هذه العلوم الثمانية انما يشترط فى حق المجتهد المطلق الذى يفتى فى جميع الشرع وليس الاجتهاد عندى منصبا لا يتجزأ بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد فى بعض الاحكام دون بعض فمن عرف طريق النظر القياسى فله أن يفتى فى مسألة قياسية وان لم يكن ماهرا فى علم الحديث فمن ينظر فى المسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بأصول الفرائض ومعانيها وان لم يكن قد حصل الاخبار التى وردت فى مسألة تحريم المسكرات أو فى مسألة النكاح بلا ولى فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلق لتلك الاحاديث بها فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصا ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمى وطريق التصرف فيه فما يضره قصوره عن علم النحو الذى يعرف قوله تعالى «وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» (١) وقس عليه ما فى معناه.
وليس من شرط المفتى أن يجيب عن كل مسألة فقد سئل مالك ﵀ عن أربعين مسألة فقال فى ست وثلاثين منها لا أدرى وكم توقف الشافعى ﵀ بل الصحابة فى المسائل.
فاذن لا يشترط الا أن يكون على بصيرة فيما يفنى فيفتى فيما يدرى ويدرى أنه يدرى ويميز بين ما لا يدرى وبين ما يدرى فيتوقف فيما لا يدرى ويفتى فيما يدرى.
وأما المجتهد فيه فهو كل حكم شرعى ليس فيه دليل قطعى واحترزنا بالشرعى
стр. 2257
عن العقليات ومسائل الكلام فان الحق فيها واحد والمصيب واحد والمخطئ آثم وانما نعنى بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما.
ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الامة من جليات الشرع فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد.
فهذه هى الاركان.
فاذا صدر الاجتهاد التام من أهله وصادف محله كان ما أدى اليه الاجتهاد حقا وصوابا.
وقد ظن ظانون أن شرط المجتهد أن لا يكون نبيا فلم يجوزوا الاجتهاد للنبى وأن شرط الاجتهاد أن لا يقع فى زمن النبوة (١).
مسألة فى وجوب الاجتهاد على المجتهد وتحريم التقليد عليه.
قال الغزالى (٢) وقد اتفقوا على أنه اذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه
حكم فلا يجوز له أن يقلد مخالفه ويعمل بنظر غيره ويترك نظر نفسه.
أما اذا لم يجتهد بعد ولم ينظر فان كان عاجزا عن الاجتهاد كالعامى فله التقليد وهذا ليس مجتهدا لكن ربما يكون متمكنا من الاجتهاد فى بعض الامور وعاجزا عن البعض الا بتحصيل علم على سبيل الابتداء كعلم النحو مثلا فى مسألة نحوية وعلم صفات الرجال وأحوالهم فى مسألة خبرية وقع النظر فيها فى صحة الاسناد.
فهذا من حيث حصل بعض العلوم واستقل بها لا يشبه العامى.
ومن حيث أنه لم يحصل هذا العلم فهو كالعامى فيلحق بالعامى أو بالعالم؟ فيه نظر والاشهر والاشبه أنه كالعامى.
وانما المجتهد هو الذى صارت العلوم عنده بالقوة القريبة أما اذا احتاج الى تعب كثير فى التعلم بعد فهو فى ذلك الفن عاجز وكما يمكنه تحصيله فالعامى أيضا يمكنه التعلم ولا يلزمه بل يجوز له ترك الاجتهاد.
وعلى الجملة بين درجة المبتدئ فى العلم وبين رتبة الكمال منازل واقعة بين طرفين وللنظر فيها مجال.
وانما كلامنا الآن فى المجتهد لو بحث فى مسألة ونظر فى الادلة لاستقل بها
стр. 2258
ولا يفتقر الى تعلم علم من غيره فهذا هو المجتهد فهل يجب عليه الاجتهاد أم يجوز له أن يقلد غيره.
هذا مما اختلفوا فيه فذهب قوم الى أن الاجماع قد حصل على أن من وراء الصحابة لا يجوز تقليدهم.
وقال قوم من وراء الصحابة والتابعين وكيف يصح دعوى الاجماع.
وممن قال بتقليد العالم أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وسفيان الثورى.
وقال محمد بن الحسن يقلد العالم الاعلم ولا يقلد من هو دونه أو مثله.
وذهب الاكثرون من أهل العراق الى جواز تقليد العالم العالم فيما يفتى وفيما يخصه.
وقال قوم يجوز فيما يخصه دون ما يفتى.
وخصص قوم من جملة ما يخصه ما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد.
واختار القاضى منع تقليد العالم للصحابة ولمن بعدهم وهو الاظهر عندنا.
والمسألة ظنية اجتهادية والذى يدل عليه أن تقليد من لا تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة اصابته بل يجوز خطؤه وتلبيسه حكم شرعى لا يثبت الا بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا منصوص الا العامى والمجتهد اذ للمجتهد أن يأخذ بنظر نفسه وان لم يتحقق وللعامى أن يأخذ بقوله.
أما المجتهد انما يجوز له الحكم بظنه لعجزه عن العلم فالضرورة دعت اليه فى كل مسألة ليس فيها دليل قاطع.
أما العامى فانما جوز له تقليد غيره للعجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه والمجتهد غير عاجز فلا يكون فى معنى العاجز فينبغى أن يطلب الحق بنفسه فانه يجوز الخطأ على العالم بوضع الاجتهاد فى غير محله والمبادرة قبل استتمام الاجتهاد والغفلة عن دليل قاطع وهو قادر على معرفة جميع ذلك ليتوصل فى بعضها الى اليقين وفى بعضها الى الظن فكيف يبنى الامر على عماية كالعميان وهو بصير بنفسه.
وجاء فى الفروق للقرافى (١): أن طالب العلم له أحوال.
стр. 2259
الحالة الاولى: أن يشتغل بمختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مقيدة فى غيره وعمومات مخصوصة فى غيره ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك أو جوز عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتى بما فيه وان أجاده حفظا وفهما الا فى مسألة يقطع فيها أنها مستوعبة التقييد وأنها لا تحتاج الى معنى آخر من كتاب آخر فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان وتكون هى عين الواقعة المسئول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل هى هى حرفا بحرف لانه قد يكون هنالك فروق تمنع من الالحاق أو تخصيص أو تقييد يمنع من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف.
الحالة الثانية: أن يتسع تحصيله فى المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمطولات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك امامه ومسنداته فى فروعه ضبطا متقنا بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشايخ فهذا يجوز له أن يفتى بجميع ما ينقله ويحفظه فى مذهبه اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا ولكنه اذا وقعت له واقعة ليست فى حفظه لا يخرجها على محفوظاته ولا يقول هذه تشبه المسألة الفلانية لان ذلك انما يصح ممن أحاط بمدارك امامه وأدلته وأقيسته وعلله التى اعتمد عليها مفصلة ومعرفة رتب تلك العلل ونسبتها الى المصالح الشرعية.
وكل شئ أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الاجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلى السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتى به فى دين الله تعالى فان هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعا اذا لم يتأكد وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا بهذا الحكم حرام وان كان الامام المجتهد غير عاص به بل مثابا عليه لانه بذل جهده على حسب ما أمر به وقد قال النبى ﷺ اذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وان أصاب فله أجران.
الحالة الثالثة: أن يصير طالب العلم الى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة فهذا يجوز له أن يفتى فى مذهبه نقلا وتخريجا ويعتمد على ما يقوله فى جميع ذلك (١).
стр. 2260
أداب المفتى
مذهب الحنفية:
لا يجب (١) الافتاء فيما لا يقع، ويحرم التساهل فى الفتوى واتباع الحيل ان فسدت الاغراض وسؤال من عرف بذلك.
ولا يفتى فى حال تغير أخلاقه وخروجه عن الاعتدال ولو لفرح ومدافعة أخبثين، فان أفتى معتقدا أن ذلك لم يمنعه عن درك الصواب صحت فتواه وان خاطر.
والاولى أن يتبرع بالفتوى، فان أخذ رزقا من بيت المال جاز الا أن تعينت عليه وله كفاية.
ولا يأخذ أجرة من مستفت فان جعل له أهل البلد رزقا جاز وان استؤجر جاز والاولى كونها بأجرة مثل كتبه مع كراهة.
وله قبول هدية لا رشوة على فتوى لما يريد.
وعلى الامام أن يفرض لمدرس ومفت كفايته.
ولكل أهل بلد اصطلاح فى اللفظ فلا يجوز أن يفتى أهل بلد بما يتعلق باللفظ من لا يعرف اصطلاحهم.
وأن يأخذ الورقة بالحرمة (٢) ويقرأ المسألة بالبصيرة مرة بعد مرة حتى يتضح له السؤال ثم يجيب، واذا لم يتضح السؤال سأل من المستفتى.
ولا يرمى بالكاغد الى الارض وهو لا يجوز.
وكان بعضهم لا يأخذ الرقعة من يد امرأة ولا صبى وكان له تلميذ يأخذ منهم ويجمعها ويرفعها فيكتبها تعظيما للعلم.
والاحسن أن يأخذ المفتى من كل أحد تواضعا.
وينبغى أن يكتب عقب جوابه والله أعلم أو نحوه وقيل فى العقائد يكتب والله الموفق ونحوه.
وكره بعضهم الافتاء والصحيح عدم الكراهة للاهل.
وان كان فى الرقعة (٣) مسائل رتب الاجوبة على ترتيبها ويكره أن يقتصر على أن يقول فيه قولان، اذ لا يفيد ولا يطلق حيث التفصيل فهو خطأ ويجيب على ما فى الرقعة لا على ما يعلمه وأن أراده قال: ان أراد كذا فجوابه كذا ويجيب الاول فى الناحية اليسرى وان شاء غيرها لا قبل البسملة، وليكتب
стр. 2261
الحمد لله وليختم بقوله والله اعلم.
ولا يقبح أن يقول فى الجواب:
عندنا.
وان تعلقت بالسلطان دعا له فقال:
وعلى السلطان سدده الله أو شد أزره ويكره أطال الله بقاءه.
ويختصر جوابه ويوضح عبارته.
وأن سئل عمن تكلم بكفر متأولا قال:
يسأل: ان أراد كذا فلا شئ عليه وان أراد كذا فيستتاب.
وان سئل عمن قتل أو جرح احتاط وذكر شروط القصاص ويبين قدر التعزير.
ويكتب على الملصق من الورقة وان ضاقت كتب فى الظهر، والحاشية أولى لا ورقة أخرى ويشافهه بما عليه بل ان اقتضاهما السؤال لم يقتصر على أحدهما ولا يلقنه على خصمه.
فان وجب الافتاء قدم السابق بفتوى ثم أقرع.
نعم يجب تقديم نساء ومسافرين تهيؤا أو تضررا بالتخلف الا أن ظهر تضرر غيرهم بكثرتهم.
وان سئل عن الاخوة فصل فى جوابه ابن الابوين أو لاب أو لام.
وان كان فى الفريضة عول قال الثمن عائلا.
وان كان فى الورثة من يسقط بحال دون حال بينه.
ويكتب تحت الفتوى الصحيحة ان عرف أنها لاهل الجواب، صحيح ونحوه وله أن يجيب أن رأى ذلك ويختصر.
وان جهل حاله يبحث عن حاله فان لم يظهر له فله أمره بابدالها فان تعسر أجاب بلسانه.
ولا ينبغى الافتاء (١) الا لمن عرف أقاويل العلماء وعرف من أين قالوا فان كان فى المسألة خلاف لا يختار قولا بجيب به حتى يعرف حجته.
ويجوز للشاب أن يفتى (٢) اذا كان حافظا للروايات واقفا على الدرايات محافظا على الطاعات مجانبا للشهوات والشبهات.
مذهب المالكية:
قال الحطاب (٣): قد ذكر عن المازرى رحمه الله تعالى أنه بلغ درجة الاجتهاد وما أفتى قط بغير المشهور وعاش ثلاثا وثمانين سنة وكفى به قدوة فى هذا فان
стр. 2262
لم يقف على المشهورين من القولين أو الروايتين فليس له التشهى والحكم بما شاء منهما من غير نظر ترجيح.
فقد قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى فى كتاب أدب المفتى والمستفتى أن من يكتفى بأن يكون فى فتياه أو علمه موافقا لقول أو وجه فى المسألة أو يعمل بما شاء من الاقوال والوجوه من غير نظر فى الترجيح فقد جهل وخرق الاجماع وسبيله سبيل الذى حكى أبو الوليد الباجى عن فقهاء أصحابه أنه كان يقول الذى لصديقى على اذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية الذى توافقه.
وحكى الباجى عمن يثق به أنه وقعت له واقعة فأفتى فيها وهو غائب من فقهائهم يعنى المالكية من أهل الصلاح بما يضره فلما عاد سألهم فقالوا ما علمنا أنها لك وأفتوه بالرواية الاخرى التى توافقه.
قال الباجى وهذا لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به فى الاجماع أنه لا يجوز.
قال ابن الصلاح فاذا وجد من ليس أهلا للتخريج والترجيح اختلافا بين أئمة المذهب فى الاصح من القولين أو الوجهين فينبغى أن يفزع فى الترجيح الى صفاتهم الموجبة لزيادة الثقة بآرائهم فيعمل بقول الاكثر والاورع والاعلم.
فاذا اختص أحدهم بصفة أخرى قدم الذى هو أحرى منهما بالاصابة.
فالاعلم الورع مقدم على الاورع العالم وكذا اذا وجد قولين أو وجهين لم يبلغه عن أحد من أئمة المذهب بيان الاصح منهما اعتبر أوصاف ناقليهما أو قائليهما.
قال ابن فرحون وهذا الحكم جار فى أصحاب المذاهب الاربعة ومقلديهم.
ثم قال وهذه الانواع من الترجيح معتبرة أيضا بالنسبة الى أئمة المذهب.
قال ابن أبى زيد فى أول النوادر ان كتابه اشتمل على كثير من اختلاف المالكيين.
قال ولا ينبغى الاختيار من الاختلاف للمتعلم ولا للمقصر ومن لم يكن فيه محل لاختيار القول فله فى اختيار المفتين من أصحابنا من نقادهم مقنع مثل سحنون وأصبغ وعيسى بن دينار ومن بعدهم مثل ابن المواز وابن عبدوس وابن سحنون وابن المواز أكثرهم تكلفا للاختيارات وابن حبيب لا يبلغ فى اختياراته وقوة رواياته مبلغ من ذكرنا.
مذهب الشافعية .
فى أداب المفتى مسائل (١).
احداها: الافتاء فرض كفاية فاذا استفتى وليس فى الناحية غيره تعين
стр. 2263
عليه الجواب فان كان فيها غيره وحضرا فالجواب فى حقهما فرض كفاية وان لم يحضر غيره فوجهان.
أصحهما لا يتعين لما سبق (١) عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الانصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا الى هذا وهذا الى هذا حتى ترجع الى الاول.
وفى رواية ما منهم من يحدث بحديث الا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شئ الا ود أن أخاه كفاه الفتيا والثانى يتعين وهما كالوجهين فى مثله فى الشهادة ولو سأل عامى عما لم يقع لم يجب جوابه.
الثانية: اذا أفتى بشئ ثم رجع عنه فأن علم المستفتى برجوعه ولم يكن عمل بالاول لم يجز العمل به وكذا ان نكح بفتواه (٢) أو استمر على نكاح بفتواه ثم رجع لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلده فى القبلة فى أثناء صلاته، وان كان عمل قبل رجوعه فان خالف دليلا قاطعا لزم المستفتى نقض عمله ذلك وان كان فى محل اجتهاد لم يلزمه نقضه لان الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وهذا التفصيل ذكره الصيمرى والخطيب وأبو عمرو واتفقوا عليه ولا أعلم خلافه.
وما ذكره الغزالى والرازى ليس فيه تصريح بخلافه.
وقال أبو عمرو واذا كان يفتى على مذهب امام فرجع لكونه بان له قطعا مخالفة نص مذهب امامه وجب نقضه وان كان فى محل الاجتهاد لان نص مذهب امامه فى حقه كنص الشارع فى حق المجتهد المستقل.
أما اذا لم يعلم المستفتى برجوع المفتى فحال المستفتى (٣) فى عمله كما قبل الرجوع ويلزم المفتى اعلامه قبل العمل وكذا بعده حيث يجب النقض.
واذا عمل بفتواه فى اتلاف فبان خطؤه وأنه خالف القاطع فعن الاستاذ أبى اسحاق أنه يضمن ان كان أهلا للفتوى ولا يضمن ان لم يكن أهلا لان المستفتى قصر (أى فيضمن المستفتى).
كذا حكاه الشيخ أبو عمرو وسكت عليه وهو مشكل.
وينبغى أن يخرج الضمان على قولى الغرور (٤). المعروفين فى باب الغصب والنكاح وغيرهما أو يقطع بعدم الضمان اذ ليس فى الفتوى الزام ولا الجاء.
стр. 2264
الثالثة: يحرم التساهل فى الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه.
فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع فى الفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر فأن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالمبادرة.
وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة.
ومن التساهل أن تحمله الاغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره.
وأما من صح قصده فاحتسب فى طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل. وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان انما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد.
الرابعة: ينبغى أن لا يفتى فى حال تغير خلقه وتشغل قلبه وما يمنعه التأمل كغضب وجوع وعطش وحزن وفرح غالب ونعاس أو ملل أو حر مزعج أو مرض مؤلم أو مدافعة حدث وكل حال يشتغل فيه قلبه ويخرج عن حد الاعتدال فان أفتى فى بعض هذه الاحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب جاز وان كان مخاطبا بها.
الخامسة: المختار للمتصدى للفتوى أن يتبرع بذلك ويجوز أن يأخذ عليه رزقا من بيت المال الا أن يتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح.
وقال الصيمرى والخطيب لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقا من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز.
أما الهدية فقال أبو مظفر السمعانى له قبولها بخلاف الحاكم فأنه يلزم حكمه.
قال أبو عمرو ينبغى أن يحرم قبولها ان كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد كما فى الحاكم وسائر ما لا يقابل بعوض.
قال الخطيب وعلى الامام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى فى الاحكام ما يغنيه عن الاحتراف ويكون ذلك من بيت المال.
ثم روى بأسناده أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أعطى كل رجل ممن هذه صنعته مائة دينار فى السنة.
السادسة: لا يجوز أن يفتى فى الايمان والاقرار ونحوهما مما يتعلق بالالفاظ الا أن يكون من أهل بلد اللافظ أو متنزلا منزلتهم فى الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها.
стр. 2265
السابعة: لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب امام اذا اعتمد الكتب أن يعتمد الا على كتاب موثوق بصحته وبأنه مذهب ذلك الامام فأن وثق بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم تكن هذه النسخة معتمدة فليستظهر بنسخ منه متفقة وقد تحصل له الثقة من نسخة غير موثوق بها فى بعض المسائل اذا رأى الكلام منتظما وهو خبير فطن لا يخفى عليه لدربته موضع الاسقاط والتغيير فأن لم يجده الا فى نسخة غير موثوق بها فقال أبو عمرو ينظر فأن وجده موافقا لاصول المذهب وهو أهل لتخريج مثله فى المذهب لو لم يجده منقولا فله أن يفتى به فان أراد حكايته عن قائله فلا يقل قال الشافعى مثلا كذا وليقل وجدت عن الشافعى كذا أو بلغنى عنه ونحو هذا، وان لم يكن أهلا لتخريج مثله لم يجز له ذلك فان سبيله النقل المحض ولم يحصل ما يجوز له ذلك وله أن يذكره لا على سبيل الفتوى مفصحا بحاله فيقول وجدته فى نسخة من الكتاب الفلانى ونحوه.
الثامنة: اذا أفتى فى حادثة ثم حدثت مثلها فان ذكر الفتوى الاولى ودليلها بالنسبة الى أصل الشرع ان كان مستقلا أو الى مذهبه ان كان منتسبا أفتى بذلك بلا نظر وان ذكرها ولم يذكر دليلها ولا طرأ ما يوجب رجوعه فقيل له أن يفتى بذلك والاصح وجوب تجديد النظر ومثله القاضى اذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسألة وكذا تجديد الطلب فى التيمم والاجتهاد فى القبلة وفيهما الوجهان.
قال القاضى أبو الطيب فى تعليقه فى آخر باب استقبال القبلة وكذا العامى اذا وقعت له مسألة فسأل عنها ثم وقعت له فيلزمه السؤال ثانيا يعنى على الاصح قال الا أن تكون مسألة يكثر وقوعها ويشق عليه اعادة السؤال عنها فلا يلزمه ذلك ويكفيه السؤال الاول للمشقة.
التاسعة: ينبغى أن لا يقتصر فى فتواه على قوله فى المسألة خلاف أو قولان أو وجهان أو روايتان أو يرجع الى رأى القاضى ونحو ذلك فهذا ليس بجواب ومقصود المستفتى بيان ما يعمل به فينبغى أن يجزم له بما هو الراجح فان لم يعرفه توقف حتى يظهر أو يترك الافتاء كما كان جماعة من كبار أصحابنا يمتنعون من الافتاء فى حنث الناسى.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: (١) فى أداب المفتى أن ليس له أن يفتى فى شئ من مسائل الكلام مفصلا بل يمنع السائل وسائر العامة من الخوض فى ذلك أصلا.
قال فى المبدع ولا تجوز الفتوى فى علم الكلام بل نهى السائل عنه والعامة
стр. 2266
أولى ويأمر الكل بالايمان المجمل وما يليق بالله ولا يجوز التقليد فيما يطلب الجزم ولا اثباته بدليل ظنى ولا الاجتهاد فيه ويجوز فيما يطلب فيه الظن واثباته بدليل ظنى والاجتهاد فيه وللمفتى تخيير من استفتاه بين قوله وقول مخالفه لان المستفتى يجوز له أن يتخير وان لم يخيره.
وقد سئل أحمد عن مسألة فى الطلاق فقال ان حلف حنث فقال السائل ان أفتانى انسان لا أحنث قال تعرف حلقة المدنيين قال فان أفتونى حل قال نعم.
ولا يلزم جواب ما لم يقع لكن يستحب اجابته. أى السائل.
ولا يلزم جواب ما لا يحتمله السائل.
ولا يلزم جواب ما لا يقع فيه.
ويجوز للمفتى العدول عن جواب المسئول عنه الى ما هو أنفع للسائل قال تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (١) الآية ويجوز للمفتى أن يجيبه بأكثر مما سأله عنه لقول النبى ﷺ وقد سئل عن
ماء البحر. هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
وللمفتى أن يدل المستفتى على عوض ما منعه عنه وأن ينبهه على ما يجب الاحتراز عنه لان ذلك من قبيل الهداية لدفع المضار واذا كان الحكم مستغربا وطأ قبله أى مهد له فذكر للحكم شيئا يوضح ويبين به الحكم المذكور ووطأ قبله ما هو كالمقدمة له ليزيل استغرابه.
وله الحلف على ثبوت الحكم أحيانا.
قال تعالى «وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ٢ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» وقال جل ذكره «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» (٣) والسنة شهيرة بذلك وقوله أحيانا احتراز من الافراط فى الحلف فانه مكروه.
ولا يجوز اطلاقه فى الفتيا فى اسم مشترك اجماعا، بل عليه التفصيل:
فلو سئل: هل له الاكل فى رمضان بعد طلوع الفجر فلا بد أن يقول يجوز بعد الفجر الاول لا الثانى.
ولا يجوز أن يلقى السائل فى الحيرة مثل أن يقول فى مسألة فى الفرائض:
نقسم على فرائض الله، أو يقول فيها قولان ونحوه بل يبين له بيانا مزيلا
стр. 2267
للاشكال لكن ليس عليه أن يذكر المانع فى الميراث من الكفر وغيره. وكذلك فى بقية العقود من الاجارة والنكاح وغير ذلك فلا يجب أن يذكر الجنون والاكراه ونحو ذلك (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى الروض النضير (٢): المفتى حاك عن الله تعالى حكمه الذى شرعه لعباده فلا يجوز له أن يخبر عن الله حكمه ودينه الذى شرعه لعباده الا اذا كان خبره مطابقا لما شرعه والا كان قائلا على الله بلا علم وقد حرم الله تعالى القول عليه بغير علم.
ثم قال لا بد أن يكون المنصوب للفتيا مجتهدا بالفعل فى كثير من الاحكام ولا بد أن يكون مستعينا بكثرة الممارسة للفروع المدونة بجميع فتاوى السلف وأقوال العلماء من الخلف وان كان ذلك غير شرط فى الاجتهاد لانه يزيد المنتصب للفتيا كمالا وثباتا.
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى (٣) يشترط فى المجتهد أمور البلوغ والعقل والايمان
والعدالة والرجولية والحرية على قول وكونه مجتهدا مطلقا فلا يجوز تقليد المتجزئ وتشترط الحياة فلا يجوز تقليد الميت ابتداء نعم يجوز البقاء وان يكون أعلم فلا يجوز على الاحوط تقليد المفضول مع التمكن من الافضل وأن لا يكون متولدا من الزنا وأن لا يكون مقبلا على الدنيا وطالبا لها مكبا عليها مجدا فى تحصيلها ففى الخبر، من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه.
وفى الهامش (٤) أثناء تعرضه لشرط كونه مجتهدا مطلقا أتى بمشهورة عن أبى خديجة عن الصادق ﵇ «اياكم أن يحاكم بعضكم بعضا الى أهل الجور ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه.
وسندها لا يخلو من اعتبار.
وكونها فى القضاء لا يمنع من الاستدلال بها فى المقام لان منصب القضاء منصب للفتوى ولا عكس فما دل على عدم اعتبار شئ فى القاضى يدل على عدم اعتباره فى المفتى.
стр. 2268
مذهب الإباضية:
ذهب بعض علماء الإباضية الى منع انتقال المفتى من مذهب الى مذهب لمجرد التشهى والحظوظ العاجلة لان ذلك يؤدى الى الانهماك فى الرخص وعدم المبالاة بالديانة حتى أن أصحابنا رحمهم الله تعالى منعوا من افتاء طالب الرخصة قبل الوقوع فيها وما ذلك الا لخوف التساهل فى الديانة وطلب الحزم فى أمور الدين والنجاة للمسلمين وتجويز المانعين الانتقال فى بعض الصور ناقض لقياسهم المذكور فان قياسهم يقتضى اطلاق المنع وذلك التجويز تخصيص بغير مخصص فهو نقض لمذهبهم (١).
آداب الفتوى
مذهب الحنفية:
من شرائط الفتوى (٢) حفظ الترتيب والعدل بين المستفتين، لا يميل الى الاغنياء وأعوان السلطان والامراء بل يكتب جواب السابق غنيا كان أو فقيرا.
ولا يجوز الافتاء بقول مهجور لجر منفعة ولا يرجو عليه دنيا.
ورد مفت زرا على خياط مستفت وقلعه من ثوبه تحرزا عن شبهة الرشوة.
واختلفوا فى الافتاء ما شيا - جوزه البعض ومنعه آخر.
واختار الاسكافى أن يفتى أن كان شيئا ظاهرا والا لا.
وكان ابن سلام اذا ألح عليه المستفتى وقال جئت من مكان بعيد يقول، فلا نحن ناديناك من حيث جئتنا، ولا نحن عمينا عليك المذاهبا.
ولكن اختار الفقيه أبو الليث أنه لا يقول له ذلك أول مرة، فان ألح أجابه بذلك.
مذهب المالكية:
جاء فى الدسوقى وحاشية العدوى عليه (٣) أنه لا يجوز للمفتى الافتاء الا بالراجح من مذهب امامه لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه نعم يجوز له العمل بالضعيف فى خاصة نفسه اذا تحقق الضرورة.
وقال ولا يجوز للمفتى الافتاء بغير المشهور لانه لا تتحقق الضرورة بالنسبة
стр. 2269
لغيره كما يتحققها من نفسه ولذلك سدوا الذريعة وقالوا يمنع الفتوى بغير المشهور خوف ألا تكون الضرورة متحققة لا لاجل أنه لا يعمل بالضعيف ولو تحققت الضرورة يوما.
هذا ما قاله ابن البنانى.
ويؤخذ من كلامه هذا أنه يجوز للمفتى أن يفتى صديقه بغير المشهور اذا تحقق ضرورته لان شأن الصديق لا يخفى على صديقه.
قاله الامير فى حاشية عبد الباقى.
وجاء فى الحطاب: (١) قال ابن عرفة وأما شروط الفتوى ففيها لا ينبغى لطالب العلم أن يفتى حتى يراه الناس أهلا للفتوى.
وقال سحنون الناس هنا العلماء.
قال ابن هرمز ويرى هو نفسه أهلا لذلك.
قال القرافى أثر هذا الكلام وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا، وهذا شأن الفتيا فى الزمن المتقدم.
وأما اليوم فقد خرق هذا السياج وهان على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح وعسر
عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم لا أدرى فلا جرم آل الحال بالناس الى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال.
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع تحت فصل فى آداب الفتوى فيه مسائل.
أحداها: (٢) يلزم المفتى أن يبين الجواب بيانا يزيل الاشكال ثم له الاقتصار على الجواب شفاها فان لم يعرف لسان المستفتى كفاه ترجمة ثقة واحد لانه خبر وله الجواب كتابة.
وكان القاضى أبو حامد كثير الهرب من الفتوى فى الرقاع:
قال الصيمرى وليس من الادب كون السؤال بخط المفتى فأما باملائه وتهذيبه فواسع.
وكان الشيخ أبو اسحق الشيرازى قد يكتب السؤال على ورق له ثم يكتب الجواب.
واذا كان فى الرقعة مسائل فالاحسن ترتيب الجواب على ترتيب السؤال ولو ترك الترتيب فلا بأس به ويشبه معنى قول الله تعالى «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ٣ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾
стр. 2270
﴿بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (١).
واذا كان فى المسألة تفصيل لم يطلق الجواب فانه خطأ.
ثم له أن يستفصل السائل أن حضر ويقيد السؤال فى رقعة أخرى ثم يجيب وهذا أولى وأسلم.
وله أن يقتصر على جواب أحد الاقسام اذا علم أنه الواقع للسائل ويقول هذا اذا كان الامر كذا وله أن يفصل الاقسام فى جوابه ويذكر حكم كل قسم.
لكن هذا كرهه أبو الحسن القابسى من أئمة المالكية وغيره.
وقالوا هذا تعليم للناس الفجور.
واذا لم يجد المفتى من يسأله فصل الأقسام واجتهد فى بيانها واستيفائها.
الثانية: ليس له أن يكتب الجواب على ما علمه من صورة الواقعة اذا لم يكن فى الرقعة تعرض له بل يكتب جواب ما فى الرقعة فان أراد جواب ما ليس فيها فليقل وان كان الامر كذا فجوابه كذا.
واستحب العلماء أن يزيد على ما فى الرقعة ماله تعلق مما يحتاج اليه السائل لحديث «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» الثالثة: اذا كان المستفتى بعيد الفهم فليرفق به ويصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه فان ثوابه جزيل.
الرابعة: ليتأمل الرقعة تأملا شافيا وآخرها آكد فان السؤال فى آخرها وقد يتقيد الجميع بكلمة فى آخرها ويغفل عنها.
قال الصيمرى قال بعض العلماء ينبغى أن يكون توقفه فى المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده وكان محمد بن الحسن يفعله.
واذا وجد كلمة مشتبهة سأل المستفتى عنها ونقطها وشكلها وكذا ان وجد لحنا فاحشا أو خطأ يحيل المعنى أصلحه، وان رأى بياضا فى أثناء سطر أو آخره خط عليه أو شغله لانه ربما قصد المفتى بالايذاء فكتب فى البياض بعد فتواه ما يفسدها كما بلى به القاضى أبو حامد المروزى.
الخامسة: يستحب أن يقراه؟؟؟ حاضريه ممن هو أهل لذلك ويشاورهم ويباحثهم برفق وانصاف وان كانوا دونه وتلامذته للاقتداء بالسلف ورجاء ظهور ما قد يخفى عليه الا أن يكون فيها ما يقبح ابداؤه أو يؤثر السائل كتمانه أو فى اشاعته مفسدة.
стр. 2271
السادسة: ليكتب الجواب بخط واضح وسط لا دقيق خاف ولا غليظ جاف ويتوسط فى سطورها بين توسيعها وتضييقها وتكون عبارة واضحة صحيحة تفهمها العامة ولا يزدريها الخاصة واستحب بعضهم أن لا تختلف أقلامه وخطه خوفا من التزوير ولئلا يشتبه خطه.
قال الصيمرى وأقل ما وجد التزوير على المفتى لان الله تعالى حرس أمر الدين.
واذا كتب الجواب اعاد نظره فيه خوفا من اختلال وقع فيه أو اخلال ببعض المسئول عنه.
السابعة: اذا كان هو المبتدى فالعادة قديما وحديثا أن يكتب فى الناحية اليسرى من الورقة.
قال الصيمرى وغيره وأين كتب من وسط الرقعة أو حاشيتها فلا عتب عليه ولا يكتب فوق البسملة بحال.
وينبغى أن يدعو اذا أراد الافتاء.
وجاء عن مكحول ومالك رحمهما الله أنهما كانا لا يفتيان حتى يقولا لا حول ولا قوة الا بالله ويستحب الاستعاذة من الشيطان ويسمى الله تعالى ويحمده ويصلى على النبى ﷺ وليقل «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (١). ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (٢). ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ (٣).
﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي»﴾. (٤) ونحو ذلك.
قال الضيمرى وعادة كثيرين أن يبدءوا فتاويهم الجواب وبالله التوفيق.
وحذف آخرون ذلك.
قال ولو عمل ذلك فيما طال من المسائل واشتمل على فصول وحذف فى غيره كان وجها.
قلت المختار قول ذلك مطلقا وأحسنه الابتداء بقول الحمد لله لحديث:
كل أمر ذى بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أجذم.
وينبغى أن يقوله بلسانه ويكتبه.
قال الصيمرى ولا يدع ختم جوابه بقوله وبالله التوفيق أو والله أعلم أو والله الموفق.
قال ولا يقبح قوله الجواب عندنا أو الذى عندنا أو الذى نقول به أو نذهب اليه أو نراه كذا لانه من أهل ذلك.
стр. 2272
قال واذا أغفل السائل الدعاء للمفتى أو الصلاة على رسول الله ﷺ فى آخر الفتوى الحق المفتى ذلك بخطه فان العادة جارية به.
قلت واذا ختم الجواب بقوله والله أعلم ونحوه مما سبق فليكتب بعده فلان أو فلان ابن فلان الفلانى فينتسب الى ما يعرف به من قبيلة أو بلدة أو صنعة ثم يقول الشافعى أو الحنفى مثلا فان كان مشهورا بالاسم أو غيره فلا بأس بالاقتصار عليه.
قال الصيمرى ورأى بعضهم أن يكتب المفتى بالمداد دون الحبر خوفا من الحك قال والمستحب الحبر لا غير.
قلت لا يختص واحد منهما هنا بالاستحباب بخلاف كتب العلم فالمستحب فيها الحبر لانها تراد للبقاء والحبر أبقى.
قال الصيمرى وينبغى اذا تعلقت الفتوى بالسلطان أن يدعو له فيقول وعلى ولى الامر أو السلطان أصلحه الله أو سدده الله أو قوى الله عزمه أو أصلح الله به أو شد الله أزره ولا يقول أطال الله بقاءه فليست من ألفاظ السلف.
قلت نقل أبو جعفر النحاس وغيره اتفاق العلماء على كراهة قول أطال الله بقاءك.
وقال بعضهم (١) هى تحية الزنادقة وفى صحيح مسلم فى حديث أم حبيبة رضى الله عنها أشارة الى أن الاولى ترك نحو هذا من الدعاء بطول البقاء وأشباهه.
الثامنة: أن يختصر جوابه ويكون بحيث تفهمه العامة.
قال صاحب الحاوى يقول يجوز أو لا يجوز أو حق أو باطل.
وحكى شيخه الصيمرى عن شيخه القاضى أبى حامد أنه كان يختصر غاية ما يمكنه واستفتى فى مسألة آخرها يجوز أم لا فكتب لا وبالله التوفيق.
التاسعة: قال الصيمرى والخطيب اذا سئل عمن قال أنا أصدق من محمد بن عبد الله أو الصلاة لعب وشبه ذلك فلا يبادر بقوله هذا حلال الدم أو عليه القتل بل يقول ان صح هذا باقراره أو بالبينة استتابه السلطان فان تاب قبلت توبته وان لم يتب فعل به كذا وكذا وبالغ فى ذلك وأشبعه.
قال وان سئل عمن تكلم بشئ يحتمل وجوها يكفر ببعضها دون بعض قال يسأل هذا القائل فان قال أردت كذا فالجواب كذا وان سئل عمن قتل أو قلع
стр. 2273
عينا أو غيرها احتاط بذكر الشروط التى يجب بجميعها القصاص وان سئل عمن فعل ما يوجب التعزير ذكر ما يعزر به فيقول يضربه السلطان كذا وكذا ولا يزاد على كذا.
هذا كلام الصيمرى والخطيب وغيرهما.
قال أبو عمرو ولو كتب عليه القصاص أو التعزير بشرطه فليس ذلك باطلاق بل تقييده بشرطه يحمل الوالى على السؤال عن شرطه والبيان أولى.
العاشرة: ينبغى اذا ضاق موضع الجواب أن لا يكتبه فى رقعة أخرى خوفا من الحيلة.
ولهذا قالوا يصل جوابه بآخر سطر ولا يدع فرجة لئلا يزيد السائل شيئا يفسدها.
واذا كان موضع الجواب ورقة ملصقة كتب على الالصاق ولو ضاق باطن الرقعة وكتب الجواب فى ظهرها كتبه فى أعلاها الا أن يبتدئ من أسفلها متصلا بالاستفتاء فيضيق الموضع فيتمه فى أسفل ظهرها ليتصل جوابه.
واختار بعضهم أن يكتب على ظهرها لا على حاشيتها.
والمختار عند الصيمرى وغيره أن حاشيتها أولى من ظهرها.
قال الصيمرى وغيره والامر فى ذلك قريب.
الحادية عشرة: اذا ظهر للمفتى أن الجواب خلاف غرض المستفتى وأنه لا يرضى بكتابته فى ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب وليحذر أن يميل فى فتواه مع المستفتى أو خصمه ووجوه الميل كثيرة لا تخفى.
ومنها أن يكتب فى جوابه ما هو له ويترك ما عليه وليس له أن يبدأ فى مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها.
واذا سأله أحدهم وقال بأى شئ تندفع دعوى كذا وكذا أو بينة كذا وكذا لم يجبه كيلا يتوصل بذلك الى ابطال حق وله أن يسأله عن حاله فيما ادعى عليه فاذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع.
قال الصيمرى وينبغى للمفتى اذا رأى للسائل طريقا يرشده اليه أن ينبهه عليه يعنى ما لم يضر غيره ضررا بغير حق.
قال كمن حلف لا ينفق على زوجته شهرا يقول يعطيها من صداقها أو قرضا أو بيعا ثم يبريها.
وكما حكى أن رجلا قال لابى حنيفة ﵀ حلفت انى أطأ أمرأتى فى نهار
стр. 2274
رمضان ولا أكفر ولا أعصى فقال سافر بها.
الثانية عشرة: قال الضيمرى اذا رأى المفتى المصلحة أن يفتى العامى بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره وله تأويل جاز ذلك زجرا له كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه سئل عن توبة القاتل فقال لا توبة له وسأله آخر فقال له توبة.
ثم قال أما الاول فرأيت فى عينه ارادة القتل فمنعته.
وأما الثانى فجاء مستكينا قد قتل فلم أقنطه:
قال الصيمرى: وكذا ان سأله رجل فقال ان قتلت عبدى هل على قصاص فواسع أن يقول ان قتلت عبدك قتلناك فقد روى عن النبى ﷺ من قتل عبده قتلناه ولان القتل له معان.
قال ولو سئل عن سب الصحابى هل يوجب القتل فواسع أن يقول روى عن رسول الله ﷺ أنه قال من سب أصحابى فاقتلوه فيفعل كل هذا زجرا للعامة ومن قل دينه ومروءته.
الثالثة عشرة: يجب على المفتى عند اجتماع الرقاع بحضرته أن يقدم الاسبق فالاسبق كما يفعله القاضى فى الخصوم وهذا فيما يجب فيه الافتاء فان تساووا أو جهل السابق قدم بالقرعة.
والصحيح أنه يجوز تقديم المرأة والمسافر الذى شد رحله وفى تأخيره ضرر بتخلفه عن رفقته ونحو ذلك على من سبقهما الا اذا كثر المسافرون والنساء بحيث يلحق غيرهم بتقديمهم ضرر كثير فيعود بالتقديم بالسبق أو القرعة ثم لا يقدم أحدا الا فى فتيا واحدة.
الرابعة عشرة: قال الصيمرى وأبو عمرو: اذا سئل عن ميراث فليست العادة أن يشترط فى الورثة عدم الرق والكفر والقتل وغيرها من موانع الميراث بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما اذا أطلق الاخوة والاخوات والاعمام وبنيهم فلا بد أن يقول فى الجواب من أب وأم أو من أب أو من أم.
واذا سئل عن مسألة عول كالمنبرية وهى زوجة وأبوان وبنتان فلا يقل للزوجة الثمن ولا التسع لانه لم يطلقه أحد من السلف بل يقل لها الثمن عائلا وهى ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين أولها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين (١) أو يقول ما قاله أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه صار ثمنها تسعا: واذا كان فى المذكورين فى رقعة الاستفتاء من لا يرث أفصح
стр. 2275
بسقوطه فقال وسقط فلان وان كان سقوطه فى حال دون حال قال وسقط فلان فى هذه الصورة أو نحو ذلك لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال.
واذا سئل عن اخوة وأخوات أو بنين وبنات فلا ينبغى أن يقول للذكر مثل حظ الاثنين فان ذلك قد يشكل على العامى بل يقول يقتسمون التركة على كذا وكذا سهما لكل ذكر كذا وكذا سهما ولكل أنثى كذا وكذا سهما.
قال الصيمرى: قال الشيخ ونحن نجد فى تعمد العدول عنه حزازة فى النفس لكونه لفظ القرآن العزيز وأنه قل ما يخفى معناه على أحد.
وينبغى أن يكون فى جواب مسائل المناسخات شديد التحرز والتحفظ وليقل فيها لفلان كذا وكذا ميراثه من أبيه ثم من أمه ثم من أخيه.
قال الصيمرى: وكان بعضهم يختار أن يقول لفلان كذا وكذا سهما ميراثه عن أبيه كذا وعن أمه كذا وعن أخيه كذا قال وكل هذا قريب.
قال الصيمرى وغيره: وحسن أن يقول تقسم التركة بعد اخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية ان كانا.
الخامسة عشرة: اذا رأى المفتى رقعة الاستفتاء وفيها خط غيره ممن هو أهل للفتوى وخطه فيها موافق لما عنده.
قال الخطيب وغيره كتب تحت خطه هذا جواب صحيح وبه أقول أو كتب جوابى مثل هذا وان شاء ذكر الحكم بعبارة ألخص من عبارة الذى كتب.
وأما اذا رأى فيها خط من ليس أهلا للفتوى.
فقال الصيمرى لا يفتى معه لان فى ذلك تقريرا منه لمنكر بل يضرب على ذلك بأمر صاحب الرقعة ولو لم يستأذنه فى هذا القدر جاز لكن ليس له احتباس الرقعة الا باذن صاحبها.
قال وله انتهار السائل وزجره وتعريفه قبح ما أتاه وأنه كان واجبا عليه البحث عن أهل للفتوى وطلب من هو أهل لذلك.
وان رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه فان لم يعرفه فواسع أن يمتنع من الفتوى معه خوفا مما قلناه.
قال وكان بعضهم فى مثل هذا يكتب على ظهرها.
قال والاولى فى هذا الموضع أن يشار على صاحبها بابدالها فان أبى ذلك أجابه شفاها.
стр. 2276
قال أبو عمرو اذا خاف فتنة من الضرب على فتيا العادم للاهلية ولم تكن خطأ عدل الى الامتناع من الفتيا معه فان غلبت فتاويه لتغلبه على منصبها بجاه أو تلبيس أو غير ذلك بحيث صار امتناع الاهل من الفتيا معه ضارا بالمستفتين فليفت معه فان ذلك أهون الضررين وليتلطف مع ذلك فى اظهار قصوره لمن يجهله.
أما اذا وجد فتيا من هو أهل وهى خطأ مطلقا بمخالفتها القاطع أو خطأ على مذهب من يفتى ذلك المخطئ على مذهبه قطعا فلا يجوز له الامتناع من الافتاء تاركا للتنبيه على خطئها اذا لم يكفه ذلك غيره بل عليه الضرب عليها عند تيسره أو الابدال وتقطيع الرقعة باذن صاحبها أو نحو ذلك واذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ.
ثم ان كان المخطئ أهلا للفتوى فحسن أن تعاد اليه بأذن صاحبها.
أما اذا وجد فيها فتيا أهل للفتوى وهى على خلاف ما يراه هو غير أنه لا يقطع بخطئها فليقتصر على كتب جواب نفسه ولا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة ولا اعتراض.
قال صاحب الحاوى لا يسوغ لمفت اذا استفتى أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئة ويجيب بما عنده من موافقة أو مخالفة.
السادسة عشرة: اذا لم يفهم المفتى السؤال أصلا ولم يحضر صاحب الواقعة فقال الصيمرى يكتب يزاد فى الشرح ليجيب عنه أو لم أفهم ما فيها فأجيب.
قال وقال بعضهم لا يكتب شيئا أصلا.
قال ورأيت بعضهم كتب فى هذا يحضر السائل لنخاطبه شفاها.
وقال الخطيب ينبغى له اذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتى الى مفت آخر ان كان والا فليمسك حتى يعلم الجواب.
قال الصيمرى واذا كان فى رقعة الاستفتاء مسائل فهم بعضها دون بعض أو فهمها كلها ولم يرد الجواب فى بعضها أو احتاج فى بعضها الى تأمل أو مطالعة أجاب عما أراد وسكت عن الباقى وقال لنا فى الباقى نظر أو تأمل أو زيادة نظر.
السابعة عشرة: ليس بمنكر أن يذكر المفتى فى فتواه الحجة اذا كانت نصا واضحا مختصرا.
стр. 2277
قال الصيمرى: لا يذكر الحجة أن أفتى عاميا ويذكرها أن أفتى فقيها كمن يسأل عن النكاح بلا ولى فحسن أن يقول قال رسول الله ﷺ «لا نكاح الا بولى» أو عن رجعة المطلقة بعد الدخول فيقول له راجعتها قال الله تعالى «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ١ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»﴾.
قال ولم تجر العادة أن يذكر فى فتواه طريق الاجتهاد ووجهة القياس والاستدلال الا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض فيومئ فيها الى طريق الاجتهاد ويلوح بالنكتة وكذا اذا أفتى غيره فيها بغلط فيفعل ذلك لينبه على ما ذهب اليه ولو كان فيما يفتى به غموض فحسن أن يلوح بحجة.
وقال صاحب الحاوى لا يذكر حجة ليفرق بين الفتيا والتصنيف.
قال ولو ساغ التجاوز الى قليل لساغ الى كثير ولصار المفتى مدرسا.
والتفصيل الذى ذكرناه أولى من اطلاق صاحب الحاوى المنع.
وقد يحتاج المفتى فى بعض الوقائع الى أن يشدد ويبالغ فيقول وهذا اجماع المسلمين (٢) أو لا أعلم فى هذا خلافا أو فمن خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب أو فقد أثم وفسق أو وعلى ولى الامر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الامر وما أشبه هذه الالفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة وتوجبه الحال.
الثامنة عشرة: قال الشيخ أبو عمرو ﵀ ليس له اذا استفتى فى شئ من المسائل الكلامية أن يفتى بالتفصيل بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض فى ذلك أو فى شئ منه وان قل ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الايمان جملة من غير تفصيل ويقولوا فيها وفى كل ما ورد من آيات الصفات وأخبارها المتشابهة أن الثابت فيها فى نفس الامر ما هو اللائق فيها بجلال الله ﵎ وكماله وتقديسه المطلق فيقول ذلك معتقدنا فيها وليس علينا تفصيله وتعيينه وليس البحث عنه من شأننا بل نكل علم تفصيله الى الله ﵎ ونصرف عن الخوض فيه قلوبنا والسنتنا.
فهذا ونحوه هو الصواب من أئمة الفتوى فى ذلك وهو سبيل سلف الامة وأئمة المذاهب المعتبرة وأكابر العلماء
стр. 2278
والصالحين وهو أصون وأسلم للعامة وأشباههم.
ومن كان منهم اعتقد اعتقادا باطلا تفصيلا ففى هذا صرف له عن ذلك الاعتقاد الباطل بما هو أهون وأيسر وأسلم.
واذا عزر ولى الامر من حاد منهم عن هذه الطريقة فقد تأسى بعمر بن الخطاب رضى الله عنه فى تعزير صبيع بفتح الصاء المهملة الذى كان يسأل عن المتشابهات على ذلك.
قال والمتكلمون من أصحابنا معترفون بصحة هذه الطريقة وبأنها أسلم لمن سلمت له وكان الغزالى منهم فى آخر أمره شديد المبالغة فى الدعاء اليها والبرهنة عليها وذكر شيخه أمام الحرمين فى كتابه الغياثى أن الامام يحرص ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف فى ذلك.
واستفتى الغزالى فى كلام الله ﵎ فكان من جوابه وأما الخوض فى أن كلامه تعالى حرف أو صوت أو ليس كذلك فهو بدعة وكل من يدعو العوام الى الخوض فى هذا فليس من أئمة الدين وانما هو من المضلين.
ومثاله من يدعو الصبيان الذين لا يحسنون السباحة الى خوض البحر:
ومن يدعو الزمن المقعد الى السفر فى البرارى من غير مركوب.
وقال فى رسالة له الصواب للخلق كلهم الا الشاذ النادر الذى لا تسمح الاعصار الا بواحد منهم أو اثنين سلوك مسلك السلف فى الايمان المرسل والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله تعالى وأخبر به رسول الله ﷺ من غير بحث وتفتيش والاشتغال بالتقوى ففيه شغل شاغل.
وقال الصيمرى فى كتابه أدب المفتى والمستفتى أن مما أجمع عليه أهل التقوى أن من كان موسوما بالفتوى فى الفقه لم ينبغ وفى نسخة لم يجز له أن يضع خطه بفتوى فى مسألة من علم الكلام.
قال وكان بعضهم لا يستتم قراءة مثل هذه الرقعة.
قال وكره بعضهم أن يكتب ليس هذا من علمنا أو ما جلسنا لهذا السؤال عن غير هذا أولى بل لا يتعرض لشئ من ذلك.
وحكى الامام الحافظ الفقيه أبو عمر ابن عبد البر الامتناع من الكلام فى كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى.
قال وانما خالف ذلك أهل البدع.
قال الشيخ فان كانت المسألة مما يؤمن فى تفصيل جوابها من ضرر الخوض
стр. 2279
المذكور جاز الجواب تفصيلا وذلك بأن يكون جوابها مختصرا مفهوما ليس لها أطراف يتجاذبها المتنازعون والسؤال عنه صادر عن مسترشد خاص منقاد أو من عامة قليلة التنازع والمماراة والمفتى ممن ينقادون لفتواه ونحو هذا.
وعلى هذا ونحوه يحمل ما جاء عن بعض السلف من بعض الفتوى فى بعض المسائل الكلامية وذلك منهم قليل نادر والله أعلم.
التاسعة عشرة: قال الصيمرى والخطيب رحمهما الله واذا سئل فقيه عن مسألة من تفسير القرآن العزيز فان كانت تتعلق بالاحكام أجاب عنها وكتب خطه بذلك كمن سأل عن الصلاة الوسطى والقرء ومن بيده عقدة النكاح وان كانت ليست من مسائل الاحكام كالسؤال عن الرقيم والنقير والقطمير والغسلين رده الى أهله ووكله الى من نصب نفسه له من أهل التفسير ولو أجابه شفاها لم يستقبح.
هذا كلام الصيمرى والخطيب.
ولو قيل أنه يحسن كتابته للفقيه العارف به لكان حسنا وأى فرق بينه وبين مسائل الاحكام والله أعلم.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: (١) يحرم الحكم والفتيا بالهوى اجماعا وليحذر المفتى أن يميل فى فتياه مع المستفتى أو مع خصمه.
وتحرم الفتيا بقول أو وجه من غير نظر فى الترجيح اجماعا.
مذهب الزيدية:
قال فى تتمة الروض النضير: (٢) الفتوى حكاية عن الحكم الذى شرعه الله تعالى لعباده ولذلك فينبغى أن تكون مستندة الى أحد الادلة الاربعة والا فمجرد الاقدام على الفتوى بغير استناد الى أحد الادلة الاربعة وهى الكتاب العزيز أو السنة النبوية أو الاجماع أو القياس مخالف للامر القرآنى فى التأسى بالنبى ﷺ واتباع طريقته الدال عليه قوله تعالى «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً» (٣) وقوله تعالى «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (٤) فاذا لم تكن مستندة
стр. 2280
الى أحد الادلة الاربعة يشملها قوله تعالى «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»﴾. (١) فى آخر الايات الثلاث فى سورة المائدة وهى «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» (٢) «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ»﴾. (٣)
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى: (٤)
من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الافتاء.
وجاء فى الهامش (٥) كما صرح به جماعة من الاعيان وغيرها أنه اجماعى، أما لانها منصب للنبى ﷺ أو الامام ﵇ من بعده فلا تجوز بغير اذنهما ولا أذن من فقد بعض الشرائط لكن دليله غير ظاهر، اذ ما تقدم من أدلة الشرائط انما يدل على اعتبارها فى حجية الفتوى لا فى جوازها تكليفا، ولا على كونها من المناصب المختصة بالمعصوم وأما ما دل على حرمة القول على الله بغير علم فانما يقتضى حرمة
الفتوى من غير المجتهد لا من المجتهد الفاقد لبقية الشرائط بل يشكل اقتضاؤه الحرمة فى عير المجتهد اذا كانت فتواه تطابق فتوى مرجعه فى العمل، لان حجية فتواه كافية فى صدق العلم بالحكم، فالفتوى - اعتمادا عليها - قول على الله بعلم، نعم لو اعتمد على رأيه الناقص، كان تشريعا منه فى حجية رأيه فيكون به آثما، لا أنه قول بغير علم، وأما لانها اغواء واضلال لان تكليف المفتى له لزوم العما بغيرها ولكنه يشكل.
أولا: بأنه لا يتم ذلك مع موافقتها لفتوى الجامع للشرائط.
وثانيا: بأن المفتى اذا كان عالما بالحكم ولو من جهة قيام الحجة عنده عليه تكون الفتوى موافقة لما دل على وجوب الاعلام وعدم الحجية لا ينافى ذلك نظير ما لو أخبر غير الثقة عند المخبر بثبوت الحكم الواقعى المعلوم لديه، فانه اخبار عن الحكم الواقعى ولا يكون اضلالا ولا اغواء أصلا ولا سيما اذا قال المفتى بعد أن أفتى بوجوب شئ - ان فتواى ليست بحجة وليس عليك العمل بها، وانما عليك العمل بفتوى فلان، فالمتحصل اذا أنه لا دليل على حرمة الفتوى ممن فقد بعض الشرائط الا اذا صدق عليها أنها فتوى بغير علم وان كان الذى يظهر منهم التسالم على اطلاق الحرية.