← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قال أبو عمرو اذا خاف فتنة من الضرب على فتيا العادم للاهلية ولم تكن خطأ عدل الى الامتناع من الفتيا معه فان غلبت فتاويه لتغلبه على منصبها بجاه أو تلبيس أو غير ذلك بحيث صار امتناع الاهل من الفتيا معه ضارا بالمستفتين فليفت معه فان ذلك أهون الضررين وليتلطف مع ذلك فى اظهار قصوره لمن يجهله. أما اذا وجد فتيا من هو أهل وهى خطأ مطلقا بمخالفتها القاطع أو خطأ على مذهب من يفتى ذلك المخطئ على مذهبه قطعا فلا يجوز له الامتناع من الافتاء تاركا للتنبيه على خطئها اذا لم يكفه ذلك غيره بل عليه الضرب عليها عند تيسره أو الابدال وتقطيع الرقعة باذن صاحبها أو نحو ذلك واذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ. ثم ان كان المخطئ أهلا للفتوى فحسن أن تعاد اليه بأذن صاحبها. أما اذا وجد فيها فتيا أهل للفتوى وهى على خلاف ما يراه هو غير أنه لا يقطع بخطئها فليقتصر على كتب جواب نفسه ولا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة ولا اعتراض. قال صاحب الحاوى لا يسوغ لمفت اذا استفتى أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئة ويجيب بما عنده من موافقة أو مخالفة. السادسة عشرة: اذا لم يفهم المفتى السؤال أصلا ولم يحضر صاحب الواقعة فقال الصيمرى يكتب يزاد فى الشرح ليجيب عنه أو لم أفهم ما فيها فأجيب. قال وقال بعضهم لا يكتب شيئا أصلا. قال ورأيت بعضهم كتب فى هذا يحضر السائل لنخاطبه شفاها. وقال الخطيب ينبغى له اذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتى الى مفت آخر ان كان والا فليمسك حتى يعلم الجواب. قال الصيمرى واذا كان فى رقعة الاستفتاء مسائل فهم بعضها دون بعض أو فهمها كلها ولم يرد الجواب فى بعضها أو احتاج فى بعضها الى تأمل أو مطالعة أجاب عما أراد وسكت عن الباقى وقال لنا فى الباقى نظر أو تأمل أو زيادة نظر. السابعة عشرة: ليس بمنكر أن يذكر المفتى فى فتواه الحجة اذا كانت نصا واضحا مختصرا.

стр. 2277

قال الصيمرى: لا يذكر الحجة أن أفتى عاميا ويذكرها أن أفتى فقيها كمن يسأل عن النكاح بلا ولى فحسن أن يقول قال رسول الله ﷺ «لا نكاح الا بولى» أو عن رجعة المطلقة بعد الدخول فيقول له راجعتها قال الله تعالى «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ١ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»﴾. قال ولم تجر العادة أن يذكر فى فتواه طريق الاجتهاد ووجهة القياس والاستدلال الا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض فيومئ فيها الى طريق الاجتهاد ويلوح بالنكتة وكذا اذا أفتى غيره فيها بغلط فيفعل ذلك لينبه على ما ذهب اليه ولو كان فيما يفتى به غموض فحسن أن يلوح بحجة. وقال صاحب الحاوى لا يذكر حجة ليفرق بين الفتيا والتصنيف. قال ولو ساغ التجاوز الى قليل لساغ الى كثير ولصار المفتى مدرسا. والتفصيل الذى ذكرناه أولى من اطلاق صاحب الحاوى المنع. وقد يحتاج المفتى فى بعض الوقائع الى أن يشدد ويبالغ فيقول وهذا اجماع المسلمين (٢) أو لا أعلم فى هذا خلافا أو فمن خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب أو فقد أثم وفسق أو وعلى ولى الامر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الامر وما أشبه هذه الالفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة وتوجبه الحال. الثامنة عشرة: قال الشيخ أبو عمرو ﵀ ليس له اذا استفتى فى شئ من المسائل الكلامية أن يفتى بالتفصيل بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض فى ذلك أو فى شئ منه وان قل ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الايمان جملة من غير تفصيل ويقولوا فيها وفى كل ما ورد من آيات الصفات وأخبارها المتشابهة أن الثابت فيها فى نفس الامر ما هو اللائق فيها بجلال الله ﵎ وكماله وتقديسه المطلق فيقول ذلك معتقدنا فيها وليس علينا تفصيله وتعيينه وليس البحث عنه من شأننا بل نكل علم تفصيله الى الله ﵎ ونصرف عن الخوض فيه قلوبنا والسنتنا. فهذا ونحوه هو الصواب من أئمة الفتوى فى ذلك وهو سبيل سلف الامة وأئمة المذاهب المعتبرة وأكابر العلماء

стр. 2278

والصالحين وهو أصون وأسلم للعامة وأشباههم. ومن كان منهم اعتقد اعتقادا باطلا تفصيلا ففى هذا صرف له عن ذلك الاعتقاد الباطل بما هو أهون وأيسر وأسلم. واذا عزر ولى الامر من حاد منهم عن هذه الطريقة فقد تأسى بعمر بن الخطاب رضى الله عنه فى تعزير صبيع بفتح الصاء المهملة الذى كان يسأل عن المتشابهات على ذلك. قال والمتكلمون من أصحابنا معترفون بصحة هذه الطريقة وبأنها أسلم لمن سلمت له وكان الغزالى منهم فى آخر أمره شديد المبالغة فى الدعاء اليها والبرهنة عليها وذكر شيخه أمام الحرمين فى كتابه الغياثى أن الامام يحرص ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف فى ذلك. واستفتى الغزالى فى كلام الله ﵎ فكان من جوابه وأما الخوض فى أن كلامه تعالى حرف أو صوت أو ليس كذلك فهو بدعة وكل من يدعو العوام الى الخوض فى هذا فليس من أئمة الدين وانما هو من المضلين. ومثاله من يدعو الصبيان الذين لا يحسنون السباحة الى خوض البحر: ومن يدعو الزمن المقعد الى السفر فى البرارى من غير مركوب. وقال فى رسالة له الصواب للخلق كلهم الا الشاذ النادر الذى لا تسمح الاعصار الا بواحد منهم أو اثنين سلوك مسلك السلف فى الايمان المرسل والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله تعالى وأخبر به رسول الله ﷺ من غير بحث وتفتيش والاشتغال بالتقوى ففيه شغل شاغل. وقال الصيمرى فى كتابه أدب المفتى والمستفتى أن مما أجمع عليه أهل التقوى أن من كان موسوما بالفتوى فى الفقه لم ينبغ وفى نسخة لم يجز له أن يضع خطه بفتوى فى مسألة من علم الكلام. قال وكان بعضهم لا يستتم قراءة مثل هذه الرقعة. قال وكره بعضهم أن يكتب ليس هذا من علمنا أو ما جلسنا لهذا السؤال عن غير هذا أولى بل لا يتعرض لشئ من ذلك. وحكى الامام الحافظ الفقيه أبو عمر ابن عبد البر الامتناع من الكلام فى كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى. قال وانما خالف ذلك أهل البدع. قال الشيخ فان كانت المسألة مما يؤمن فى تفصيل جوابها من ضرر الخوض

стр. 2279

المذكور جاز الجواب تفصيلا وذلك بأن يكون جوابها مختصرا مفهوما ليس لها أطراف يتجاذبها المتنازعون والسؤال عنه صادر عن مسترشد خاص منقاد أو من عامة قليلة التنازع والمماراة والمفتى ممن ينقادون لفتواه ونحو هذا. وعلى هذا ونحوه يحمل ما جاء عن بعض السلف من بعض الفتوى فى بعض المسائل الكلامية وذلك منهم قليل نادر والله أعلم. التاسعة عشرة: قال الصيمرى والخطيب رحمهما الله واذا سئل فقيه عن مسألة من تفسير القرآن العزيز فان كانت تتعلق بالاحكام أجاب عنها وكتب خطه بذلك كمن سأل عن الصلاة الوسطى والقرء ومن بيده عقدة النكاح وان كانت ليست من مسائل الاحكام كالسؤال عن الرقيم والنقير والقطمير والغسلين رده الى أهله ووكله الى من نصب نفسه له من أهل التفسير ولو أجابه شفاها لم يستقبح. هذا كلام الصيمرى والخطيب. ولو قيل أنه يحسن كتابته للفقيه العارف به لكان حسنا وأى فرق بينه وبين مسائل الاحكام والله أعلم. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع: (١) يحرم الحكم والفتيا بالهوى اجماعا وليحذر المفتى أن يميل فى فتياه مع المستفتى أو مع خصمه. وتحرم الفتيا بقول أو وجه من غير نظر فى الترجيح اجماعا. مذهب الزيدية: قال فى تتمة الروض النضير: (٢) الفتوى حكاية عن الحكم الذى شرعه الله تعالى لعباده ولذلك فينبغى أن تكون مستندة الى أحد الادلة الاربعة والا فمجرد الاقدام على الفتوى بغير استناد الى أحد الادلة الاربعة وهى الكتاب العزيز أو السنة النبوية أو الاجماع أو القياس مخالف للامر القرآنى فى التأسى بالنبى ﷺ واتباع طريقته الدال عليه قوله تعالى «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً» (٣) وقوله تعالى «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (٤) فاذا لم تكن مستندة

стр. 2280

الى أحد الادلة الاربعة يشملها قوله تعالى «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»﴾. (١) فى آخر الايات الثلاث فى سورة المائدة وهى «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» (٢) «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ»﴾. (٣) مذهب الإمامية: جاء فى مستمسك العروة الوثقى: (٤) من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الافتاء. وجاء فى الهامش (٥) كما صرح به جماعة من الاعيان وغيرها أنه اجماعى، أما لانها منصب للنبى ﷺ أو الامام ﵇ من بعده فلا تجوز بغير اذنهما ولا أذن من فقد بعض الشرائط لكن دليله غير ظاهر، اذ ما تقدم من أدلة الشرائط انما يدل على اعتبارها فى حجية الفتوى لا فى جوازها تكليفا، ولا على كونها من المناصب المختصة بالمعصوم وأما ما دل على حرمة القول على الله بغير علم فانما يقتضى حرمة الفتوى من غير المجتهد لا من المجتهد الفاقد لبقية الشرائط بل يشكل اقتضاؤه الحرمة فى عير المجتهد اذا كانت فتواه تطابق فتوى مرجعه فى العمل، لان حجية فتواه كافية فى صدق العلم بالحكم، فالفتوى - اعتمادا عليها - قول على الله بعلم، نعم لو اعتمد على رأيه الناقص، كان تشريعا منه فى حجية رأيه فيكون به آثما، لا أنه قول بغير علم، وأما لانها اغواء واضلال لان تكليف المفتى له لزوم العما بغيرها ولكنه يشكل. أولا: بأنه لا يتم ذلك مع موافقتها لفتوى الجامع للشرائط. وثانيا: بأن المفتى اذا كان عالما بالحكم ولو من جهة قيام الحجة عنده عليه تكون الفتوى موافقة لما دل على وجوب الاعلام وعدم الحجية لا ينافى ذلك نظير ما لو أخبر غير الثقة عند المخبر بثبوت الحكم الواقعى المعلوم لديه، فانه اخبار عن الحكم الواقعى ولا يكون اضلالا ولا اغواء أصلا ولا سيما اذا قال المفتى بعد أن أفتى بوجوب شئ - ان فتواى ليست بحجة وليس عليك العمل بها، وانما عليك العمل بفتوى فلان، فالمتحصل اذا أنه لا دليل على حرمة الفتوى ممن فقد بعض الشرائط الا اذا صدق عليها أنها فتوى بغير علم وان كان الذى يظهر منهم التسالم على اطلاق الحرية.

стр. 2281

مذهب الإباضية: جاء فى طلعة الشمس: (١) ذهب بعض علماء الإباضية الى منع الانتقال فى الفتوى من مذهب الى مذهب لمجرد التشهى والحظوظ العاجلة لان ذلك يؤدى الى الانهماك فى الرخص والتساهل فى الفتوى وعدم المبالاة بالديانة حتى أن أصحابنا رحمهم الله تعالى منعوا من افتاء طالب الرخصة قبل الوقوع فيها وما ذلك الا لخوف التساهل فى الديانة وطلب الحزم فى أمور الدين والنجاة للمسلمين. من له حق الاستفتاء مذهب الحنفية: المستفتى (٢) من ليس مفتيا ودخل فيه المجتهد فى البعض من المسائل الاجتهادية بالنسبة الى المجتهد المطلق. نعم حيث قلنا بتجزى الاجتهاد فقد يكون الشخص مفتيا بالنسبة الى أمر مستفتيا بالنسبة الى آخر. وفى موضع آخر (٣) غير المجتهد يلزمه عند الجمهور التقليد وان كان مجتهدا فى بعض مسائل الفقه أو بعض العلوم كالفرائض على القول بتجزى الاجتهاد وتقليده يكون فيما لا يقدر عليه ويقلد مطلقا فيما يقدر عليه وفيما لا يقدر عليه على نفى القول بالتجزى. والدليل على ذلك عموم قوله تعالى «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» وهو دليل على من لا يعلم عاميا صرفا كان أو عاميا ببعض العلوم غير عالم بحكم مسألة لزمه معرفته. مذهب المالكية: (٤) ذكر الحطاب أن الذى عليه الجمهور أنه يجب على من ليس فيه أهلية الاجتهاد أن يقلد أحد الائمة المجتهدين سواء كان عالما أو ليس بعالم وقيل لا يقلد العالم وان لم يكن مجتهدا لان له صلاحية أخذ الحكم من الدليل. قال القرافى فى شرح المحصول قال أمام الحرمين أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب

стр. 2282

الصحابة رضى الله عنهم بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الائمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا لان الصحابة رضى الله عنهم لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وايضاح طرق النظر بخلاف من بعدهم. ثم قال القرافى ورأيت للشيخ تقى الدين بن الصلاح ما معناه أن التقليد يتعين لهذه الائمة الاربعة دون غيرهم لان مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها فاذا أطلقوا حكما فى موضع وجد مكملا فى موضع آخر. وأما غيرهم فتنقل عنهم الفتاوى مجردة فلعل لها مكملا أو مقيدا أو مخصصا لو انضبط كلام قائله لظهر فيصير فى تقليده على غير ثقة بخلاف هؤلاء الاربعة. قال وهذا توجيه حسن فيه ما ليس فى كلام امام الحرمين. ثم أورد عليه أنه يلزم عليه عدم جواز نقل مذاهبهم لعدم انضباطها فلعل ما ننقله عنهم لو جمعت شروطه وصار موافقا لما نجعله مخالفا له. قال ويمكن الجواب بأن أمر النقل خفيف بالنسبة الى العمل فانه قد يكون المقصود منه الاطلاع على وجوه الفقه والتنبيه على المدارك وعدم الوفاق فيوجب ذلك التوقف عن أمور والبحث عن أمور. مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: (١) كل من لم يبلغ درجة المفتى فهو فيما يسأل عنه من الاحكام الشرعية مستفت مقلد من يفتيه ويجب عليه الاستفتاء اذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها فان لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل الى من يفتيه وان بعدت داره وقد رحل خلائق من السلف فى المسألة الواحدة الليالى والايام. وجاء فى نهاية السول بهامش التقرير (٢) والتحبير: من لم يبلغ رتبة الاجتهاد فالاصح عند الامام أنه يجوز له الاستفتاء مطلقا بل يجب. ودليل الجواز على ذلك أمران: اجماع السلف عليه لان العوام لم يكلفوا فى شئ من الاعصار بالاجتهاد فلو كانوا مأمورين بذلك لكلفوهم به وأنكروا عليهم العمل بفتاويهم مع أنه لم يقع شئ من ذلك.

стр. 2283

والثانى أن تكليفهم بالاجتهاد يؤدى الى تفويت معايشهم واستضرارهم بالاشتغال لتحصيل أسبابه وذلك سبب لفساد الاحوال فيكون القول به باطلا. أما المجتهد فلا يجوز له الاستفتاء بعد الاجتهاد اتفاقا ولا قبله على المختار عند الامام وأتباعه لانه مأمور بالاعتبار أى الاجتهاد لقوله تعالى «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» فانه عام شامل للعامى وللمجتهد، وترك العمل به بالنسبة الى العامى لعجزه عن الاجتهاد فيبقى معمولا به فى حق المجتهد وحينئذ فلو جاز له الاستفتاء لكان تاركا الاعتبار المأمور به وتركه لا يجوز. مذهب الحنابلة: جاء فى روضة الناظر أنهم اتفقوا على أن المجتهد اذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز له تقليد غيره وعلى أن العامى له تقليد المجتهد. فأما المتمكن من الاجتهاد فى بعض المسائل ولا يقدر على الاجتهاد فى البعض الا بتحصيل علم على سبيل الابتداء كالنحو فى مسألة نحوية وعلم صفات الرجال فى مسألة خبرية فالاشبه أنه كالعامى فيما لم يحصل علمه فانه كما يمكنه تحصيله فالعامى يمكنه ذلك مع المشقة التى تلحقه. انما المجتهد الذى صارت العلوم عنده حاصلة بالقوة القريبة من الفعل من غير حاجة الى تعب كثير. بحيث لو بحث عن المسألة ونظر فى الادلة استقل بها ولم يفتقر الى تعلم من غيره فهذا المجتهد هل يجوز له تقليد غيره. قال أصحابنا ليس له تقليد مجتهد آخر مع ضيق الوقت ولا سعته لا فيما يخصه ولا فيما يفتى به لكن يجوز له أن ينقل للمستفتى مذهب الائمة كأحمد والشافعى ولا يفتى من عند نفسه بتقليد غيره لان تقليد من لا تثبت عصمته ولا تعلم اصابته حكم شرعى لا يثبت الا بنص أو قياس ولا نص ولا قياس اذ المنصوص عليه العامى مع المجتهد وليس ما اختلفنا فيه مثله فان العامى عاجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه والمجتهد قادر فلا يكون فى معناه. فان قيل هو لا يقدر على غير الظن وظن غيره كظنه. قلنا مع هذا اذا حصل ظنه لم يجز له اتياع ظن غيره فكان ظنه أصلا وظن غيره بدلا فلا يجوز اثباته الا بدليل ولانه اذا لم يجز مع القدرة عليه كسائر الابدال والمبدلات.

стр. 2284

فان قيل لا نسلم عدم النص فى المسألة بل فيها نصوص كقوله تعالى «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»﴾. (١) وهذا لا يعلم هذه المسألة، وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قلنا المراد بالاولى أمر العامة بسؤال العلماء اذ ينبغى أن يتميز السائل عن المسئول فالعالم مسئول غير سائل ولا يخرج عن العلماء بكون المسألة غير حاضرة فى ذهنه اذا كان متمكنا من معرفتها من غير تعلم من غيره. الثانى يحتمل أن يكون معناه اسألوا لتعلموا أى سلوا عن الدليل ليحصل العلم كما يقال كل لتشبع واشرب لتروى. والمراد بأولى الامر الولاة لوجوب طاعتهم اذ لا يجب على المجتهد طاعة المجتهد وان كان المراد به العلماء فالطاعة على العوام. ثم هو معارض بعمومات أقوى مما ذكروه يمكن التمسك بها فى المسألة كقوله تعالى «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» (٢) وقوله تعالى «لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» وقوله سبحانه «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ﴾ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (٣) وقوله تعالى «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ» (٤) وهذا أمر التدبر والاستنباط والخطاب مع العلماء. ثم لا فرق بين المماثل والاعلم فان الواجب أن ينظر فان وافق اجتهاده الاعلم فذاك وان خالفه فمن أين ينفع كونه أعلم وقد صار مزيفا عنده وظنه عنده أقوى من ظن غيره وله الاخذ بظن نفسه اتفاقا ولم يلزمه الاخذ بقول غيره وان كان أعلم فينبغى أن لا يجوز تقليده. فان قيل فلم ينقل عن طلحة والزبير ونظرائهما نظر فى الاحكام مع ظهور الخلاف فالاظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم. قلنا كانوا لا يفتون اكتفاء بغيرهم وأما علمهم لنفوسهم لم يكن الا بما عرفوه فان اشكل عليهم شاوروا غيرهم لتعرف الدليل لا للتقليد والله أعلم (٥).

стр. 2285

مذهب الظاهرية: يرى ابن حزم (١) ان على كل مسلم عاقل بالغ ذكر أو أنثى حر أو عبد يلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضا بلا خلاف من أحد من المسلمين أن يعرف فرائض صلاته وصيامه وطهارته وكيف يؤدى كل ذلك وأن يعرف ما يحل له ويحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والاقوال والاعمال فهذا كله لا يسع جهله أحدا من الناس. وفرض عليهم أن يأخذوا فى تعلم ذلك من حين يبلغون الحكم. ويجبر الامام أزواج النساء وسادات الارقاء على تعليمهم أما بأنفسهم وأما بالاباحة لهم لقاء من يعلمهم. وفرض على الامام أن يأخذ الناس بذلك. ثم فرض على كل ذى مال تعلم حكم ما يلزمه من الزكاة فمن لم يكن له مال أصلا فليس تعلم أحكام الزكاة فرضا عليه. ومن لزمه الحج ففرض عليه تعلم أعمال الحج والعمرة. وفرض على قواد العساكر معرفة السير وأحكام الجهاد وقسم الغنائم والفئ. وفرض على الامراء والقضاة تعلم الاحكام والاقضية والحدود وليس تعلم ذلك فرضا على غيرهم. ثم فرض على التجار وكل من يبيع غلته تعلم أحكام البيوع. ثم جاء فى موضع آخر (٢): وكل من كان منا فى بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو أمرأة أن يرحلوا الى مكان يجدون فيه فقيها يعلمهم دينهم أو أن يرحلوا الى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم. وقال فى الاحكام: (٣) أن التقليد كله حرام فى جميع الشرائع أولها عن آخرها من التوحيد والنبوة والقدر والايمان والوعيد والامامة والمفاضلة وجميع العبادات والاحكام. ثم قال: (٤) فان قال قائل: فكيف يصنع العامى اذا نزلت به النازلة؟

стр. 2286

قال أبو محمد: فالجواب وبالله تعالى التوفيق أنا قد بينا تحريم الله تعالى للتقليد جملة ولم يخص الله تعالى بذلك عاميا من عالم، ولا عالما من عامى، وخطاب الله تعالى متوجه الى كل أحد فالتقليد حرام على العبد المجلوب من بلده والعامى والعذراء المخدرة والراعى فى شعف الجبال كما هو حرام على العالم المتبحر ولا فرق. والاجتهاد فى طلب حكم الله تعالى ورسوله ﵊ فى كل ما خص المرء من دينه لازم لكل من ذكرنا كلزومه للعالم المتبحر ولا فرق. فمن قلد من كل من ذكرنا فقد عصى الله وأثم ولكن يختلفون فى كيفية الاجتهاد فلا يلزم المرء منه الا مقدار ما يستطيع لقوله تعالى «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (١) ولقوله تعالى «فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٢) والتقوى هى العمل فى الدين بما أوجبه الله تعالى فيه ولم يكلفنا تعالى منه الا ما نستطيع فقط ويسقط عنا ما لا نستطيع وهذا نص جلى على أنه لا يلزم أحدا من البحث على ما نزل به فى الديانة الا بقدر ما يستطيع فقط فعلى كل أحد حظه من الاجتهاد ومقدار طاقته منه. ثم قال ابن حزم: فالناس فى ذلك على مراتب فمن ارتفع فهمه عن فهم أغنام المجلوبين من بلاد العجم منذ قريب وعن فهم أغنام العامة فانه لا يجزيه فى ذلك ما يجزى من ذكرنا لكن يجتهد هذا على حسب ما يطيق فى البحث عما نابه من نص الكتاب والسنة ودلائلهما ومن الاجماع ودلائله. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الازهار (٣): أن التقليد وهو قبول الغير من دون أن يطالبه بحجة جائز لغير المجتهد فى المسائل الفرعية العملية، سواء كانت ظنية الدليل أو قطعيته بخلاف التقليد فى المسائل الاصولية فانه لا يجوز التقليد فيها سواء كانت من أصول الدين أو أصول الفقه أو أصول الشرائع. وقال أبو اسحاق ابن عياش والامام يحيى: يجوز التقليد فى أصول الدين وروى عن القاسم وأبى القاسم أيضا. وكذلك لا يجوز التقليد فى الفروع العملية كمسألة الشفاعة وفسق من خالف الاجماع.

стр. 2287

وجواز التقليد فى هذه المسائل عند أكثر الامة. وذهب الجعفران وجماعة من البغدادية الى تحريم التقليد على العامى وغيره فى الفروع وغيرها وقالوا انما العامى يسأل العالم عن الحكم وطريقه على التحقيق. وقال أبو على الجبائى لا يجوز التقليد فى المسائل القطعية من الفروع لان الحق فيها مع واحد فالمقلد لا يأمن تقليد المخطئ. أما المجتهد فانه لا يجوز له التقليد ولو وقف على نص أعلم منه فانه لا يجوز له تقليده وهذا قول الاكثر. وقال محمد بن الحسن أنه يجوز تقليده للاعلم مطلقا. وقال أبو على: أنه يجوز اذا كان الغير صحابيا ولا يجوز فى غيره. وقيل: انه جائز له مطلقا ولو غير أعلم وهذه الاقوال انما هى قبل أن يجتهد المجتهد فى الحكم فأما بعد أن اجتهد فالاجماع منعقد على أنه لا يعدل عن اجتهاده الى اجتهاد غيره الا أن يجتهد فيه ويترجح له فذلك عمل باجتهاد نفسه لا غيره. مذهب الإمامية: جاء فى العروة الوثقى: (١) أنه يجب على غير المجتهد التقليد وان كان من أهل العلم. ثم قال يجب على العامى أن يقلد الاعلم فى مسألة وجوب تقليد الاعلم أو عدم وجوبه ولا يجوز أن يقلد غير الاعلم اذا أفتى بعدم وجوب تقليد الاعلم بل لو أفتى الاعلم بعدم وجوب تقليد الاعلم يشكل جواز الاعتماد عليه فالقدر المتيقن للعامى تقليد الاعلم فى الفرعيات. ثم قال فى موضع آخر: (٢) عمل العامى بلا تقليد ولا احتياط باطل. مذهب الإباضية: جاء فى طلعة الشمس: (٣) لا يصح لمن أطاق الاجتهاد فى شئ من المسائل الظنية أن يقلد غيره فيها ولو كان الغير أعلم منه أو صحابيا بل يجب أن ينظر لنفسه ما هو الحق فى حقه ويحرم عليه تقليد غيره سواء اجتهد فى تلك الحادثة فظهر له الراجح فيها أم لم يجتهد. وقيل لا يحرم تقليد المجتهد لغيره قبل أن يجتهد فى تلك الحادثة فاذا اجتهد ورأى الراجح حرم عليه تقليد غيره قيل اتفاقا.

стр. 2288

وحكى بعضهم الخلاف فيه أيضا. وقال أحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية والثورى بل يجوز له مطلقا أى سواء كان المقلد أعلم منه أو ليس بأعلم صحابيا كان أو غير صحابى خاف أن يفوت الوقت باشتغاله بالاجتهاد أو لم يخف لقوله تعالى «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ» ورد بأنه قيد ذلك بقوله «إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» والمجتهد يمكنه العلم. وقال محمد بن الحسن يجوز تقليد الاعلم فقط لان الظن بصواب من هو أعلم منه أقوى من الظن بصوابه. ورد بأنه رجوع عن الواضح الى المشكل. وقيل انما يجوز له تقليد الصحابى لا غير لقوله ﷺ «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». ورد بأن ذلك انما هو فى حق من يصح له التقليد. أما المجتهد ففرضه العمل باجتهاده. وقال ابن بركه تقليد الصحابة جائز فى بعض الأحكام. ثم قال بعد: يجوز تقليد الواحد منهم اذا قال قولا ولم ينكر عليه غيره وأما اذا علم له مخالف فلا. ثم قال ولا يجوز التقليد لاهل الاستدلال والبحث فى عصر غير الصحابة مع الاختلاف ويجوز الاعتراض عليهم فى أدلتهم ولا يجوز الاعتراض على الصحابة. قال البدر ﵀ وتفسير كلامه والله أعلم أن الصحابة اذا اختلفوا تختار بين أقوالهم ولا تحدث عليهم قولا وغير الصحابة اذا اختلفوا تجتهد لنفسك وحدك. أقول وظاهر كلام ابن بركة اعتبار اجماع الصحابة وان كان سكوتيا وأن قول الصحابى الواحد عنده ليس بحجة. وقال أهل العراق يجوز للمجتهد أن يقلد غيره فيما يخصه لنفسه دون ما يفتى به لغيره. ورد بأنه لا فرق بين ما يخصه لنفسه وبين ما يفتى به لغيره لانه فى الجميع متعبد بالاخذ بالراجح. وقال بعض يجوز أن يقلد غيره فيما يخصه بشرط لو اشتغل بالاجتهاد فاته العمل. وهذا القول أسهل من الاقوال المتقدمة لحصول العذر بضيق الحال ولانه اذا لم يمكنه الاجتهاد فى ذلك الحال كان بمنزلة من يسعه التقليد من العوام لعدم التمكن من الاجتهاد.

стр. 2289

وقال يحيى بن حمزة والجوينى لا يجوز لاحد من المقلدين أن يقلد أحدا من الصحابة. قال يحيى لانه لم يكن لهم من الخوض فى علوم الاجتهاد مثل ما لغيرهم من متأخرى العلماء. وهذا باطل لان اجتهاد الصحابة أوفى وأكمل لان علوم العربية وأكثر أصول الفقه من عموم وخصوص واجمال وبيان ونسخ وغير ذلك يعلمونه من غير تعلم ولا نظر بل لغريزة ولا يصعب عليهم فهم معانى الكتاب والسنة ولا يحتاجون فى نقل الاحاديث كما يحتاج المتأخرون من البحث عن حال الراوى وغير ذلك فلا شك فى أن اجتهادهم أكمل. وقيل لا يجوز تقليد الصحابة لكون مذاهبهم لم تدون لا لقصورهم عن رتبة الاجتهاد. وهذا أيسر مما قبله وان كان ليس بشئ أيضا لان التدوين ليس بشرط لجواز الاخذ بقول الغير وانما الشرط فى ذلك صحة النقل فاذا صح النقل عن صحابى أو تابعى أو غيرهما كان حكم قوله كحكم أقوال سائر المجتهدين يجوز للضعيف الاخذ به وعلى المجتهد النظر لنفسه ولا يصح له تقليد غيره ان أمكنه الاجتهاد كما مر. والحجة لنا على ذلك أن الاجماع منعقد على أنه انما يكلف بظنه حيث يكون له طريق الى الظن ولا شك أن المجتهد يجد الطريق الى الظن فليس له العمل بظن غيره الا لدليل يبيح له العمل بظن مجتهد آخر ولا دليل يدل على ذلك الا فى المقلد فقط. قال ابن الحاجب جواز ذلك حكم شرعى فلا بد من دليل عليه لانه اثبات حكم بخلاف نفى الحكم فلا يحتاج الى دليل بل يكفى فيه انتفاء دليل الثبوت واذا كان ذلك اثبات حكم وأنه يحتاج فى اثباته الى دليل فالاصل عدم الدليل فلا يثبت ما لم تقم دلالة عليه. وأيضا فالمجتهد متمكن من الاصل وهو العمل بظنه فلا يجوز له العمل بالبدل مع التمكن من الاصل كالواجد للماء لا يجزيه التيمم ولانه لو جاز له التقليد قبل الاجتهاد لجاز بعده والاجماع على أنه لا يجوز والله أعلم. ثم أخذ فى بيان تقليد العامى فقال: اعلم أنه يجوز لمن لا قدرة له على الاجتهاد أن يقلد العالم المجتهد بشرط أن يكون معروفا بالعلم والعدالة بل يجب عليه تقليده اذا شاء العمل فى القضايا التى لا يعرف الحكم فيها لقوله تعالى «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ

стр. 2290

إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» فلو لم يكن تقليد العامى للعالم جائزا ما أمر العوام بسؤال العلماء وظاهر الامر للوجوب فهو واجب عند الحاجة اليه. وقيل لا يجوز التقليد فى العمليات بل يجب عليه أن يسأل العالم لينبهه على طريق الحكم لان العامى يمكنه العلم فلزم تكليفه به كالعالم وكما فى مسائل الاصول. واعلم أنه يجب على المقلد البحث عن حال المفتى فى الصلاحية للفتوى وهل هو جامع للاجتهاد والعدالة أم لا. وقيل لا يلزمه ذلك اذ لا طريق له الى تحقيقه كما لا يلزم البحث عن وجه الحكم. ورد بأنه ان لم يبحث عن حال المفتى لا يأمن فسقه تصريحا أو تأويلا أو جهله بعلوم الاجتهاد أو بعضها فلا يصلح للفتوى فيكون تقليده اقداما على ما لا يؤمن قبحه ويكفيه فى ذلك سؤال من يثق بخبره ويثمر الظن. ويكفيه أيضا أن يرى استفتاء الناس اياه معظمين له آخذين بقوله. قال صاحب المنهاج اذا كان فى بلد شوكته لاهل الحق الذين لا يسكتون على منكر والا لم يأمن مع استفتاء الناس اياه كونه غير صالح والله أعلم. ثم قال: ويجوز لضعيف العلم حكاية قول العالم فى الاحكام بلا خلاف بين العلماء لان ذلك ضرب من الاخبار ولا خلاف فى صحته عند الضبط والاتقان لكن الخلاف فى جواز افتائه بقول العالم الذى أخذ عنه تلك الفتيا وذلك بأن يسوق الكلام مساق الجزم بالحكم فيقول هذا حلال وهذا حرام مثلا. فقيل بجواز ذلك مطلقا. واشترط بعضهم فى هذا القول أن يكون المفتى انما يفتى بنص قول امامه. وقيل لا يجوز مطلقا لانه ليس أهلا للافتاء. وقيل ان كان مطلعا على مأخذ أمامه جاز له ذلك وصح له التخريج على مذهب امامه. وقيل انما يجوز للمخرج الافتاء بتخريجه عند عدم المجتهد، لا مع وجوده فى تلك الناحية اذ لا يجوز العمل بالاضعف مع امكان الاقوى. والصحيح أن فتوى الضعيف بنص عبارة المفتى جائزة فى غيبة المفتى وفى حضرته عرف عدلها أو لم يعرف اذا

стр. 2291

كان واثقا بمن أخذ عنه لان ذلك ليس بأشد من عمله فاذا جاز له أن يعمل بقول المفتى جاز له أن يفتى به اذ لا فرق بينهما. أما الفتوى بالتخريج من مذهب المفتى فلا تصح الا من المطلع على المأخذ العارف بالادلة ومواردها اذ لا يكون التخريج الا لمن يكون من أهل النظر فمن كان من أهل النظر والاستدلال جاز له التخريج على مذهب العالم وهو مذهب الامام الكدمى وجمهور المشارقة والمغاربة خلافا لمن منع ذلك والله أعلم. وجاء فى طلعة الشمس (١): أن تقليد العامى لعالمين فصاعدا أما أن يكون تقليده لهما فى شئ واحد أو فى شيئين. فان كان فى شئ واحد فاما أن يتفق قولهما فى تلك الحادثة. واما أن يختلفا فيها. فان اختلفا فلا يصح تقليدهما فى حال واحد معا اتفاقا لان تقليدهما معا فى تلك الحادثة وذلك الحال مفض الى التناقض فان أحدهما يجوز له الاقدام مثلا والاخر يمنعه فلا يتصور تقليدهما فى ذلك. وان اتفقا فى تلك الحادثة ففى جواز تقليدهما الخلاف الاتى فى تقليد عالمين. والصحيح عندنا جوازه لان الظن بصواب عالمين أقوى منه بصواب عالم واحد. وأيضا فالاجماع انما كان حجة بسبب اتفاق أقوال العلماء فى حادثة فلو لم يصح تقليد عالمين اذا اتفقا لما صح تقليد ثلاثة اتفقوا وكذا الاربعة وكذا الخمسة فيؤول ذلك الى ابطال حجة الاجماع رأسا وهو خلاف المشروع. وان كان تقليده لهما فى شيئين فصاعدا أو فى حالين. فالصحيح أيضا عندنا جوازه سواء كان قد التزم مذهب عالم من العلماء أو لم يلتزمه فيصح له أن يأخذ من هذا العالم مسألة ومن الآخر أخرى. وهذه المسألة معروفة عندهم بمسألة الانتقال عن مذهب أمامه الى مذهب امام آخر. وحجتنا على جوازه أن كل مجتهد مصيب فلم يحرم علينا فى الشرع الا الانتقال من الصواب الى الخطأ لا من صواب الى صواب فلا مقتضى لتحريمه لا عقلا ولا شرعا اذ يصير كالواجب المخير فانه جائز لكونه انتقالا من صواب

стр. 2292

الى صواب فكذلك المقلد اذا قلد مجتهدا ثم انتقل الى تقليد مجتهد آخر فهو كمن شرع فى واحد من أنواع الكفارة ثم ترجح له فعل النوع الاخر منها فكما لا حظر عليه فى ذلك كذلك المقلد اذا انتقل وانما الحظر فى ذلك على القول بأن الحق مع واحد والمخالف مخطئ وقد قدمنا بطلانه. وأيضا فكما جاز للمقلد اختيار ما شاء من المذاهب فى الابتداء بلا خلاف لاصابة المجتهدين استصحبنا الحال بعد تقليده لايهم اذا لم يتجدد له ما يحرم ذلك. وقيل ليس للمقلد الانتقال بعد التزام مذهب أمام الى مذهب امام لغير مرجع لانه اختار المذهب الاول ولا يختاره الا وهو أرجح من غيره عنده فليس له الخروج عنه كما ليس للمجتهد الانتقال عن اجتهاده لغير مرجح وهذا مما لا خلاف فيه فى حق المجتهد ولا علة لتحريمه الا كونه خروجا عما قد اختاره لغير مرجح للخروج. فكذلك خروج المقلد لغيره ونسب هذا القول الى الاكثر. قالوا وتجويز ذلك يؤدى الى التهور فى الاعمال الشنيعة وتتبع الشهوات بأن يختار لنفسه من الاقوال ما يؤديه الى نيل شهواته لا لكونه دين الله ولا قائل بالتنقل فى المذاهب لمجرد اتباع الشهوات. وقد نص علماؤنا على أنه محرم اجماعا. ثم انهم جوزوا الانتقال من مذهب الى مذهب لامور: منها أن يعرف المقلد حجج المختلفين فى ذلك الحكم ويكون من أهل النظر فتترجح له حجة مخالف امامه فحينئذ يجوز له الانتقال الى ما ترجح له. ومنها أن ينكشف له أن امامه ذلك ناقص فى عدالته أو فى اجتهاده عن القدر المعتبر فينتقل عن تقليده الى تقليد الاكمل. ومنها أن ينتقل الى أفضل من امامه أو أوسع علما أو أشد ورعا. ثم اختلفوا فى الوجه الذى يصير به المقلد ملتزما لمذهب امامه. فقيل انه يصير مقلدا ملتزما بالنية فقط وهى العزم على العمل بمذهبه فى حكم أو فى جميع مسائله لان التقليد كالاجتهاد. فكما أن المجتهد متى عزم على العمل بما قد أداه اليه نظره صار

стр. 2293

ذلك الاجتهاد مذهبا له كذلك اختيار المقلد لمذهب عالم هو كالاجتهاد منه فى ذلك الحكم. وقيل بالنية والعمل فما لم يعمل فهو غير ملتزم لانه اذا نوى ولم يعمل كان كالمجتهد الذى لم يجزم بشئ. وقيل بل بالنية والقول والعمل لان التقليد التزام وايجاب على النفس أن لا يعدل عن قول هذا العالم والايجاب كالنذر فكما لا ينعقد النذر بمجرد نية ولا عمل بل لا بد من لفظ. كذلك التزام المذهب لا بد من أن يقول قد التزمت قول فلان فى كذا أو مذهب فلان فى مسائله كلها. أقول وهذا كله مما لا دليل عليه فان السلف من الصحابة ومن بعدهم كانوا على خلاف ذلك فان المعلوم من حال الصحابة رضى الله عنهم أنهم لم يلزموا من سأل واحدا منهم عن حكم واحد وعمل بفتواه أن لا يسأل غيره عن غير ذلك الحكم ولا أنكروا عليه ذلك ولا نقله أحد لا عدل ولا غير عدل. ولو وقع لنقل واشتهر لانه مما تقضى العادة بنقله. وكذلك فى زمن التابعين وتابع التابعين الى وقتنا هذا فكان اجماعا على جوازه. أما قياسهم المقلد على المجتهد فممنوع لوجود الفارق بينهما وهو أن المجتهد اذا تبين له الراجح منع من العدول عنه لكونه حكم الله فى حقه فعدوله انما يكون عدولا عن فرضه الى غيره ورجوعا من الواضح الى المشكل وحال المقلد بخلاف ذلك، فان أخذه بقول العالم ليس طريقا الى معرفة الراجح، وانما هو اختيار منه لكون جميع أقوال المجتهدين صوابا فحاله بعد التقليد كحاله من قبله. نعم نمنع الانتقال من مذهب الى مذهب لمجرد التشهى والحظوظ العاجلة لان ذلك يؤدى الى الانهماك فى الرخص وعدم المبالاة بالديانة حتى أن اصحابنا رحمهم الله تعالى منعوا من افتاء طالب الرخصة قبل الوقوع فيها وما ذلك الا لخوف التساهل فى الديانة وطلب الحزم فى أمور الدين والنجاة للمسلمين. وتجويز المانعين الانتقال فى بعض الصور ناقض لقياسهم المذكور فان قياسهم يقتضى اطلاق المنع وذلك التجويز تخصيص بغير مخصص فهو نقض لمذهبهم والله أعلم.

стр. 2294

ثم قال: اذا تعدد المجتهدون واختلفت أقوالهم وكان فيهم الفاضل والمفضول قال ابن الحاجب وغيره يجوز للمستفتى أن يقلد غير الافضل ولا يلزمه أن يتحرى الاكمل فى العلم والورع اذا كانوا جميعا أهل اجتهاد وعدالة اذ قد حصل المصحح فى كل واحد منهم. وقيل بل يلزمه تحرى الاكمل فى معرفة علوم الاجتهاد ليقوى ظن الصحة لفتواه كالمجتهد يلزمه تحرى أقوى الامارات الدالة على الحكم. والصحيح جواز تقليد المفضول مع كمال أسباب الاجتهاد والثقة بعدالته وسكون القلب الى فتواه. والدليل على ذلك أن الافتاء قد اشتهر فى زمن الصحابة من جماعة فيهم الفاضل والمفضول ولم ينكر أحد منهم افتاء المفضول ولم يعنف سائلهم. ولو كان ذلك غير واسع للناس ما سكت عليه الصحابة رضوان الله عليهم فهو اجماع على جوازه منهم. وكذلك وقع فى زمن التابعين وتابعيهم الى يومنا هذا ولا نكير من أحد من المسلمين فكان اجماعا من التابعين ومن بعدهم أيضا. فلا وجه للقول بخلافه. أما قياس المقلد على المجتهد فى ذلك فممنوع لان المجتهد انما يلزمه النظر فى الادلة والعامى انما يلزمه سؤال العلماء وعلى العالم النظر له فاذا سأل عالما من العلماء كان قد أدى ما شرع فى حقه. فاذا وجد السائل عالمين أحدهما أعلم والاخر أورع فقد اختلفوا هل الاعلم أولى أم الاورع. فقيل الاعلم لقوة معرفته مأخذ الحكم. وقيل الاورع لجده واجتهاده فى توفية الاجتهاد حقه وتوقى التقصير. والصحيح الاول اذا كملت عدالته لان العدالة تصونه من التقصير فيما يلزمه الوفاء به. اما اذا انخرمت عدالته فلا يصح تقليده اتفاقا. فاذا استوى المجتهدون فى العلم والفضل فقيل أن السائل يخير فى الاخذ بأيهما شاء كالمجتهد اذا تساوت معه الدلالات وهو مذهب على بن عزرة والحسن بن أحمد. وقيل بل يأخذ بالاخف فى حق الله لقوله تعالى «وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ

стр. 2295

عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (١) وبالاشد فى حقوقنا لانه أحوط. وقيل بل يأخذ بأول فتيا لانه بسؤاله قد لزمه قبوله. وقيل بل يخير فى حق الله تعالى بين أيهما شاء ولقول الله تعالى «وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ»﴾. (٢) وأما فى حق العباد فيأخذ بالحكم لترتفع الخصومة لو اختار أيها واختار خصمه خلافه. أداب المستفتى مذهب الحنفية: جاء فى البحر الرائق: (٣) يجب أن يستفتى من عرف علمه وعدالته ولو بأخبار ثقة عارف أو باستفاضة والا بحث عن ذلك فلو خفيت عدالته الباطنة اكتفى بالعدالة الظاهرة. ويعمل بفتوى عالم مع وجود أعلم جهله، فان اختلفا ولا نص قدم الاعلم وكذا اذا اعتقد أحدهما أعلم أو أورع ويقدم الاعلم على الاورع. ولو أجيب فى واقعة لا تتكرر ثم حدثت لزم اعادة السؤال ان لم يعلم استناد الجواب الى نص أو اجماع. وان لم تطمئن نفسه الى جواب المفتى استحب سؤال غيره ولا يجب ويكفى المستفتى بعث رقعة أو رسول ثقة. ومن الادب أن لا يسأل والمفتى قائم أو مشغول بما يمنع تمام الفكر، وأن لا يقول بجوابه هكذا قلت أنا، ولا يطالبه بدليل فان أراده فوقت آخر. وليبين موضع السؤال وينقط المشتبه فى الرقعة ويتأملها لا سيما آخرها ويتثبت ولا يقدح الاسراع مع التحقيق، وأن يشاور فيما يحسن اظهاره من حضر متأهلا، وأن يصلح لحنا فاحشا وليشغل بياضا بخط كيلا يلحق بشئ ويبين خطه بقلم بين قلمين.

стр. 2296

وقال صاحب فتح القدير: (١) واذا استفتى فقيهين أعنى مجتهدين فاختلفا عليه. الاولى بأن يأخذ بما يميل اليه قلبه منهما، وعندى أنه لو أخذ بقول الذى لا يميل اليه قلبه جاز لان ذلك الميل وعدمه سواء، والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل. أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ. وقالوا: المنتقل من مذهب الى مذهب باجتهاد وبرهان آثم يستوجب التعزير فبلا اجتهاد وبرهان أولى. ولا بد أن يراد بهذا الاجتهاد معنى التحرى وتحكيم القلب لان العامى ليس له اجتهاد. ثم حقيقة الانتقال انما يتحقق فى حكم مسألة خاصة قلد فيه وعمل به، والا فقوله: قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل والتزمت العمل به على الاجمال وهو لا يعرف صورها ليس حقيقة التقليد بل هذا حقيقة تعليق التقليد أو وعد به كأنه التزم أن يعمل بقول أبى حنيفة فيما يقع له من المسائل التى تتعين فى الوقائع فان أرادوا هذا الالتزام فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد المعين بالتزام نفسه ذلك قولا أو نية شرعا بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما احتاج اليه بقوله تعالى «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»﴾. (٢) والسؤال انما يتحقق عند طلب حكم الحادثة المعينة وحينئذ اذا ثبت عنده قول المجتهد وجب عمله به، والغالب أن مثل هذا الزامات منهم لكف الناس عن تتبع الرخص والا أخذ العامى فى كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه وأنا لا أدرى ما يمنع هذا من النقل - والعقل، وكون الانسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد سوغ له الاجتهاد وما علمت من الشرع ذمه عليه وكان النبى ﷺ يحب ما خفف عن أمته. مذهب المالكية: جاء فى الحطاب: (٣) المقلد له حالان: تارة يحيط بقواعد مذهبه فيجوز له تخريج غير المنصوص على المنصوص بشرط تعذر الفرق ومع امكانه يمتنع لان نسبته الى امامه وقواعده كنسبة المجتهد المطلق الى صاحب

стр. 2297

الشريعة وشريعته حكما فكما للمجتهد المطلق التخريج عند عدم الفارق ويمتنع عند الفارق فكذلك هذا المقلد. وتارة لا يحيط بقواعد مذهبه فلا يجوز له التخريج وان بعد الفارق لاحتمال أنه لو اطلع على قواعد مذهبه لا وجب له الاطلاع الفرق، ونسبته الى مذهبه كنسبة من دون المجتهد المطلق الى حملة الشريعة فكما يحرم على المقلد التخريج فيما ليس مذهب العلماء. ويحرم عليه اتباع الادلة ويجب عليه أن لا يعمل الا بقول عالم وان لم يظهر له دليله لقصوره عن رتبة الاجتهاد فكذلك هذا. قال القرافى (١) فى شرح المحصول قال سيف الدين اذا اتبع العامى مجتهدا فى حكم حادثة وعمل بقوله، اتفقوا على أنه ليس له الرجوع فى ذلك الحكم واختلفوا فى رجوعه الى غيره فى ذلك الحكم واتباع غيره فيه فمنع وأجيز وهو الحق نظرا الى اجماع الصحابة فى تسويغهم للعامى الاستفتاء لكل عالم فى مسأله ولم ينقل عن السلف الحجر فى ذلك على العامة ولو كان ذلك ممتنعا لما جاز للصحابة اهماله والسكوت عن الانكار عليه ولان كل مسئلة لها حكم نفسها فكما لا يتعين الاول للاتباع فى المسألة الاولى الا بعد سؤاله فكذلك فى المسألة الاخرى. وأما اذا عين العامى مذهبا معينا كمذهب الشافعى وأبى حنيفة وقال أنا على مذهبه وملتزم له فجوز قوم اتباع غيره فى مسألة من المسائل نظرا الى أن التزام ذلك المذهب غير ملزوم له ومنعه آخرون لان التزامه ملزوم له فى حكم حادثة معينة والمختار التفصيل وهو أن كل مسألة من مذهب الاول أن اتصل عمله بها فليس له تقليد الغير فيها وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره وكان الشيخ عز الدين ابن عبد السّلام يذكر فى هذه المسألة اجماعين. أحدهما: اجماع الصحابة المتقدم ذكره. والثانى: اجماع الامة على أن من أسلم لا يجب عليه اتباع أمام معين بل هو مخير فاذا قلد اماما معينا وجب أن يبقى ذلك التخيير المجمع عليه حتى يحصل دليل على رفعه لا سيما الاجماع لا يدفع الا بما هو مثله من القوة أهـ كلام القرافى.

стр. 2298

وقال البرزلى وأما الانتقال من مذهب امام الى غيره ففى ذلك ثلاثة أقوال. بالجواز والمنع. والثالثة: ان وقعت حادثة فقلده فيها فليس له الرجوع. مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: (١) فى آداب المستفتى وصفته وأحكامه فيه مسائل: احداها فى صفة المستفتى: كل من لم يبلغ درجة المفتى فهو فيما يسأل عنه من الاحكام الشرعية مستفت مقلد من يفتيه. والمختار فى التقليد أنه قبول قول من يجوز عليه الاصرار على الخطأ بغير حجة على عين ما قبل قوله فيه. ويجب عليه الاستفتاء اذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها فان لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل الى من يفتيه وان بعدت داره وقد رحل خلائق من السلف فى المسألة الواحدة الليالى والايام. الثانية: يجب عليه قطعا البحث الذى يعرف به أهلية من يستفتيه للافتاء اذا لم يكن عارفا بأهليته فلا يجوز له استفتاء من انتسب الى العلم وانتصب للتدريس والاقراء وغير ذلك من مناصب العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك. ويجوز استفتاء من استفاض كونه أهلا للفتوى. وقال بعض أصحابنا المتأخرين انما يعتمد قوله أنا أهل للفتوى لا شهرته بذلك ولا يكتفى بالاستفاضة ولا بالتواتر لان الاستفاضة والشهرة بين العامة لا يوثق بها وقد يكون أصلها التلبيس وأما التواتر فلا يفيد العلم اذا لم يسند الى معلوم محسوس. والصحيح هو الاول لان اقدامه عليها اخبار منه بأهليته فان الصورة مفروضة فيمن وثق بديانته. ويجوز استفتاء من أخبر المشهور المذكور بأهليته. قال الشيخ أبو اسحاق المصنف ﵀ وغيره يقبل فى أهليته خبر العدل الواحد. قال أبو عمرو وينبغى أن يشترط فى المخبر أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملتبس من غيره ولا يعتمد فى ذلك على خبر آحاد العامة لكثرة ما يتطرق اليهم من التلبيس فى ذلك.

стр. 2299

واذا اجتمع اثنان فأكثر ممن يجوز استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد فى أعلمهم والبحث عن الاعلم والاورع الاوثق ليفلده دون غيره؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب بل له استفتاء من شاء منهم لان الجميع أهل وقد أسقطنا الاجتهاد عن العامى وهذا الوجه الصحيح عند اصحابنا العراقيين قالوا وهو قول أكثر أصحابنا. والثانى: يجب ذلك لانه يمكنه هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال وشواهد الاحوال وهذا الوجه قول أبى العباس بن سريج واختيار القفال المروزى وهو الصحيح عند القاضى حسين. والاول أظهر وهو الظاهر من حال الاولين. قال أبو عمرو ﵀ لكن متى اطلع على الاوثق فالاظهر أنه يلزمه تقليده كما يجب تقديم أرجح الدليلين وأوثق الروايتين فعلى هذا يلزمه تقليد الاورع من العالمين والاعلم من الورعين فان كان أحدهما أعلم والاخر أورع قلد الاعلم على الاصح. وفى جواز تقليد الميت وجهان: الصحيح جوازه لان المذاهب لا تموت بموت أصحابها ولهذا يعتد بها بعدهم فى الاجماع والخلاف ولان موت الشاهد قبل الحكم لا يمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه. والثانى: لا يجوز لفوات أهليته كالفاسق وهذا ضعيف لا سيما فى هذه الاعصار. الثالثة: هل يجوز للعامى أن يتخير ويقلد أى مذهب شاء؟ قال الشيخ ينظر ان كان منتسبا الى مذهب بنيناه على وجهين حكاهم القاضى حسين فى أن العامى هل له مذهب أم لا. أحدهما: لا مذهب له لان المذهب لعارف الادلة فعلى هذا له أن يستفتى من شاء من حنفى وشافعى وغيرهما. والثانى: وهو الاصح عند القفال له مذهب فلا يجوز له مخالفته. وقد ذكرنا فى المفتى المنتسب ما يجوز له أن يخالف امامه فيه. وان لم يكن منتسبا بنى على وجهين حكاهما ابن برهان فى أن العامى هل يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه. أحدهما: لا يلزمه كما لم يلزمه فى العصر الاول أن يخص بتقليده عالما بعينه فعلى هذا هل له أن يستفتى من شاء أم يجب عليه البحث عن أشد

стр. 2300

المذاهب وأصحها أصلا ليقلد أهله. فيه وجهان مذكوران كالوجهين السابقين فى البحث عن الاعلم والاوثق من المفتين. والثانى: يلزمه وبه قطع أبو الحسن الكيا وهو جار فى كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم. ووجهه أنه لو جاز اتباع أى مذهب شاء لافضى الى أن يلتقط رخص المذاهب متبعا هواه ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز وذلك يؤدى الى انحلال ربقة التكليف بخلاف العصر الاول فانه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث مهذبة وعرفت. فعلى هذا يلزمه أن يجتهد فى اختيار مذهب يقلده على التعيين ونحن نمهد له طريقا يسلكه فى اجتهاده سهلا فنقول. أولا ليس له أن يتبع فى ذلك مجرد التشهى والميل الى ما وجد عليه آباءه وليس له التمذهب بمذهب أحد من ائمة الصحابة رضى الله عنهم وغيرهم من الاولين وان كانوا أعلم وأعلا درجة ممن بعدهم لانهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه فليس لاحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر وانما قام بذلك من جاء بعدهم من ائمة الناحلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها الناهضين بايضاح أصولها وفروعها كمالك وأبى حنيفة وغيرهما. ولما كان الشافعى قد تأخر عن هؤلاء الائمة فى العصر ونظر فى مذاهبهم نحو نظرهم فى مذاهب من قبلهم فسبرها وخبرها وانتقدها واختار أرجحها ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل فتفرغ للاختيار والترجيح والتكميل والتنقيح مع كمال معرفته وبراعته فى العلوم وترجحه فى ذلك على من سبقه ثم لم يوجد بعده من بلغ محله فى ذلك كان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع والتقليد. وهذا مع ما فيه من الانصاف والسلامة مع القدح فى أحد من الائمة جلى واضح اذا تأمله العامى قاده الى اختيار مذهب الشافعى والتمذهب به. الرابعة: اذا اختلف عليه فتوى مفتيين ففيه خمسة أوجه للاصحاب: أحدها: يأخذ بأغلظها. والثانى: بأخفها. والثالث: يجتهد فى الاولى فيأخذ بفتوى الاعلم الاورع واختاره السمعانى الكبير ونص الشافعى رضى الله عنه على مثله فى القبلة. والرابع: يسأل مفتيا آخر فيأخذ بفتوى من وافقه.

стр. 2301

والخامس: يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء. وهذا هو الاصح عند الشيخ أبى اسحاق الشيرازى المصنف وعند الخطيب البغدادى ونقله المحاملى فى أول المجموع عن أكثر أصحابنا واختاره صاحب الشامل فيما اذا تساوى المفتيان فى نفسه. وقال الشيخ أبو عمرو: المختار أن عليه أن يبحث عن الارجح فيعمل به فانه حكم التعارض فيبحث عن الاوثق من المفتيين فيعمل بفتواه وان لم يترجح عنده أحدهما استفتى آخر وعمل بفتوى من وافقه فان تعذر ذلك وكان اختلافهما فى التحريم والاباحة وقبل العمل اختار التحريم فانه أحوط. وان تساويا من كل وجه خيرناه بينهما وان أبينا التخيير فى غيره لانه ضرورة وفى صورة نادرة. قال الشيخ ثم انما نخاطب بما ذكرناه المفتيين. وأما العامى الذى وقع له ذلك فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو مفتيا آخر وقد أرشدنا المفتى الى ما يجيبه به. وهذا الذى اختاره الشيخ ليس بقوى بل الاظهر أحد الاوجه الثلاثة وهى الثالث والرابع والخامس. والظاهر أن الخامس أظهرها لانه ليس من أهل الاجتهاد وانما فرضه أن يقلد عالما أهلا لذلك وقد فعل ذلك بأخذه يقول من شاء منهما. والفرق بينه وبين ما نص عليه فى القبلة أن أمارتها حسية فادراك صوابها أقرب فيظهر التفاوت بين المجتهدين فيها والفتاوى أمارتها معنوية فلا يظهر كبير تفاوت من المجتهدين والله أعلم. والخامسة: قال الخطيب البغدادى اذا لم يكن فى الموضع الذى هو فيه الا مفت واحد فأفتاه لزمه فتواه. وقال أبو المظفر السمعانى ﵀ اذا سمع المستفتى جواب المفتى لم يلزمه العمل به الا بالتزامه قال ويجوز أن يقال أنه يلزمه اذا أخذ فى العمل به وقيل يلزمه اذا وقع فى نفسه صحته قال السمعانى وهذا أولى الاوجه. قال الشيخ أبو عمرو لم أجد هذا لغيره وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الاصوليين أنه اذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره ثم اختار هو أنه يلزمه الاجتهاد فى أعيان المفتيين ويلزمه الاخذ بفتيا من اختاره باجتهاده. قال الشيخ والذى تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول اذا أفتاه المفتى نظر فان لم يوجد مفت آخر لزمه الاخذ بفتياه

стр. 2302

ولا يتوقف ذلك على التزامه لا بالاخذ فى العمل به ولا بغيره ولا يتوقف أيضا على سكون نفسه الى صحته وان وجد مفت آخر فان استبان ان الذى أفتاه هو الاعلم الاوثق لزمه ما أفتاه به بناء على الاصح فى تعينه كما سبق وان لم يستبن ذلك لم يلزمه ما أفتاه بمجرد افتائه اذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده ولا يعلم اتفاقهما فى الفتوى فان وجد الاتفاق أو حكم به عليه حاكم لزمه حينئذ. السادسة: اذا استفتى فأفتى ثم حدثت تلك الواقعة له مرة أخرى فهل يلزمه تجديد السؤال؟ فيه وجهان. أحدهما: يلزمه لاحتمال تغير رأى المفتى والثانى: لا يلزمه وهو الاصح لانه عرف الحكم الاول والاصل استمرار المفتى عليه. وخصص صاحب الشامل الخلاف بما اذا قلد حيا وقطع فيما اذا كان ذلك خبرا عن ميت بأنه لا يلزمه. والصحيح أنه لا يختص فان المفتى على مذهب الميت قد يتغير جوابه على مذهبه. السابعة: أن يستفتى بنفسه وله أن يبعث ثقة يعتمد خبره ليستفتى له وله الاعتماد على خط المفتى اذا أخبره من يثق بقوله أنه خطه أو كان يعرف خطه ولم يتشكك فى كون ذلك الجواب بخطه. الثامنة ينبغى للمستفتى أن يتأدب مع المفتى ويبجله فى خطابه وجوابه ونحو ذلك ولا يؤمئ بيده فى وجهه ولا يقل له ما تحفظ فى كذا، أو ما مذهب امامك أو الشافعى فى كذا ولا يقل اذا أجابه هكذا قلت أنا، أو كذا وقع لى ولا يقل أفتانى فلان أو غيرك بكذا ولا يقل ان كان جوابك موافقا لمن كتب فاكتب والا فلا تكتب ولا يسأله وهو قائم أو مستوفز أو على حالة ضجر أو هم أو غير ذلك مما يشغل القلب. وينبغى أن يبدأ بالاسن الاعلم من المفتين وبالاولى فالاولى ان أراد جمع الاجوبة فى رقعة فان أراد أفراد الاجوبة فى رقاع بدأ بمن شاء. وتكون رقعة الاستفتاء واسعة فيتمكن المفتى من استيفاء الجواب واضحا لا مختصرا مضرا بالمستفتى ولا يدع الدعاء فى رقعة لمن يستفتيه. قال الصيمرى فان اقتصر على فتوى واحد قال ما تقول رحمك الله أو رضى الله عنك أو وفقك الله وسددك ورضى عن والديك ولا يحسن أن يقول رحمنا الله واياك وان أراد جواب جماعة قال ما تقولون رضى الله عنكم أو ما تقول الفقهاء سددهم الله تعالى ويدفع الرقعة الى المفتى منشورة ويأخذها منشورة فلا يحوجه الى نشرها ولا الى طيها. التاسعة: ينبغى أن يكون كاتب الرقعة ممن يحسن السؤال ويضعه على الغرض

стр. 2303

مع ابانة الخط واللفظ وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف. قال الصيمرى يحرص أن يكون كاتبها من أهل العلم. وكان بعض الفقهاء ممن له رياسة لا يفتى الا فى رقعة كتبها رجل بعينه من أهل العلم ببلده. وينبغى للعامى أن لا يطالب المفتى بالدليل ولا يقل لم قلت فان أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة طلبها فى مجلس آخر أو فى ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة. وقال السمعانى لا يمنع من طلب الدليل وأنه يلزم المفتى أن يذكر الدليل ان كان مقطوعا به ولا يلزمه ان لم يكن مقطوعا به لافتقاره الى اجتهاد يقصر فهم العامى عنه والصواب الاول. العاشرة: اذا لم يجد صاحب الواقعة مفتيا ولا أحدا ينقل له حكم واقعته لا فى بلده ولا فى غيره. قال الشيخ هذه مسألة فترة الشريعة الاصولية وحكمها حكم ما قبل ورود الشرع. والصحيح فى كل ذلك القول بانتفاء التكليف عن العبد وأنه لا يثبت فى حقه حكم لا ايجاب ولا تحريم ولا غير ذلك فلا يؤاخذ اذا صاحب الواقعة بأى شئ صنعه فيها والله أعلم. مذهب الحنابلة: جاء فى الاقناع: (١) يحفظ المستفتى الادب مع المفتى ويجله، ولا يومئ بيده فى وجهه ولا يقول: ما مذهب امامك فى كذا؟ وما تحفظ فى كذا؟ أو أفتانى غيرك أو فلان بكذا أو قلت أنا أو وقع لى، أو ان كان جوابك موافقا فاكتب لكن ان علم غرض السائل فى شئ لم يجز أن يكتب بغيره. ويكره أن يسأله فى حال ضجر، أو هم أو قيامه أو نحوه، ولا يطالبه بالحجة. ويجوز تقليد المفضول من المجتهدين ولزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال الى غيره - الا شهر عدمه. ولا يجوز له ولا لغيره تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه فان تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه، وان حسن قصده فى حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخلص المستفتى بها من حرج جاز كما أرشد النبى ﷺ بلالا رضى الله عنه الى بيع التمر بدراهم، ثم يشترى بالدراهم تمرا آخر فيتخلص من الربا.

стр. 2304

واذا استفتى واحدا أخذ بقوله ويلزمه بالتزامه ولو سأل مفتيين فأكثر فاختلفا عليه تخير. وان لم يجد الا مفتيا واحدا لزمه قبوله وله العمل بخط المفتى، وان لم يسمع الفتوى من لفظه اذا عرف أنه خطه. مذهب الظاهرية: (١) يرى الظاهرية أن على المستفتى - وهو العامى - أن يجتهد واجتهاده اذا سأل العالم عن أمور دينه فأفتاه أن يقول له: هكذا أمر الله ورسوله؟ فان قال له نعم: أخذ بقوله ولم يلزمه أكثر من هذا البحث وان قال له لا أو قال له: هذا قولى أو قال له: هذا قول مالك أو ابن القاسم أو أبى حنيفة أو أبى يوسف أو الشافعى أو أحمد أو داود أو سمى له أحدا من صاحب أو تابع فمن دونهما غير النبى ﷺ ، أو انتهره، أو سكت عنه فحرام على السائل أن يأخذ بفتياه وفرض عليه أن يسأل غيره من العلماء وأن يطلبه حيث كان. اذ انما يسأل المسلم من سأل من العلماء عن نازلة تنزل به ليخبره بحكم الله تعالى وحكم محمد ﷺ فى ذلك وما يجب فى دين الاسلام فى تلك المسألة ولو علم أنه يفتيه بغير ذلك لتبرأ منه وهرب عنه. وفرض على الفقيه اذا علم أن الذى أفتاه به هو فى نص القرآن والسنة عن رسول الله ﷺ أو الاجماع أن يقول له: نعم هكذا أمر الله تعالى ورسوله ﷺ وحرام عليه أن ينسب الى الله تعالى والى رسوله ﷺ شيئا قاله بقياس أو استحسان أو تقليد لاحد دون النبى ﷺ لانه ان فعل ذلك كان بذلك كاذبا على رسوله ﵇ ومقولا له ما لم يقل وقد وجبت له النار يقينا بنص قوله ﵊: من كذب على فليلج النار. وهذا الذى قلنا لا يعجز عنه أحد وان بلغ الغاية فى جهله لانه لا يكون أحد من الناس مسلما حتى يعلم أن الله تعالى ربه وأن النبى ﷺ وهو محمد بن عبد الله رسول الله بالدين القيم. ثم قال ابن حزم فى موضع آخر (٢): فان سأل العامى فقيهين فصاعدا فاختلفوا عليه فان الذى نقول به أنه ان أفتاه فقيهان فصاعدا بأمور مختلفة نسبوها

стр. 2305

إلى رسول الله ﷺ فهو غير فاسق بتركه قبول شئ منها لانه انما يلزمه ما ألزمه النص فى تلك المسألة وهو لم يدره بعد فهو غير آثم بتركه ما وجب مما لم يعلمه حتى يعلمه لكنه يتركهم ويسأل غيرهم ويطلب الحق. وذلك كما اذا سأل رجل كيف أحج؟ فقال له فقيه: أفرد هكذا فعل رسول الله ﷺ فى حجته التى لم يكن له بعد الهجرة غيرها. وقال له آخرون: أقرن فهكذا فعل رسول الله ﷺ فى حجته التى لم تكن له بعد الهجرة غيرها وقال له آخر: تمتع: فهكذا فعل رسول الله ﷺ فى حجته التى لم يكن له بعد الهجرة غيرها. ففرض عليه أن يتركهم ويستأنف سؤال غيرهم ثم يلزمه أخذ ما وافق الحق بعد اجتهاده، ويكون العامى حينئذ بمنزلة عالم لم يبن له وجه الحكم فى مسألة ما، اما بتعارض أحاديث أو آى، أو أحاديث وآى، فحكمه التوقف والتزيد من الطلب والبحث حتى يلوح له الحق أو يموت وهو باحث عن الحق عالى الدرجة فى الآخرة فى كلا الامرين ولا يؤاخذه الله تعالى بتركه أمرا لم يلح له الحق فيه لما قدمنا قبل من أن الشريعة لا تلزم الا من بلغته وصحت عنده. والاصل أن لا يلزم أحدا شئ الا بعد ورود النص وبيانه. فمن علم أن عليه الحج ولم يدر كيف يقيمه فلا يؤاخذ من تركه ما وجب عليه من عمل الحج الا بما علم لا بما لا يعلم ولكن عليه التزيد فى البحث حتى يدرى كيف يعمل ثم حينئذ يلزمه الذى علم. وقد أخطأ من قال: ان الفرض على العامى أن يقبل ما أفتاه به الفقيه ولم يفسر كما فسرنا. مذهب الزيدية: (١) جاء فى هامش الازهار: لا يجمع مستفت بين قولين مختلفين فى حكم واحد احترازا من الحكمين فلا يجمع بينهما بحيث يصير الحكم الذى القولان فيه على صورة لا يقول بها أمام منفرد على معنى أنه يحرم على الآخر تتبع الرخص وذلك بأن يأخذ بما هو رخصة من قول الآخر ويترك العزائم وان رجحت له فان ذلك يحرم اذ يفضى الى المنكرات والمحرمات.

стр. 2306

مذهب الإمامية: (١) جاء فى العروة الوثقى: اذا كان فى البلد أو ما يقرب منه مما لا يتعسر ارجاع الترافع اليه مجتهدان متساويان فلا اشكال فى تخيير المترافعين فى الرجوع الى أيهما شاء مع تراضيهما ومع اختيار كل منهما واحدا. وان كان أحدهما أعلم من الآخر ففى تعين الرجوع اليه وعدمه قولان. فعن جماعة التخيير أيضا للاصل واطلاقات أخبار النصب والسيرة المستمرة فى زمان النبى ﷺ والائمة ﵈ فى الرجوع والارجاع الى آحاد الصحابة من غير ملاحظة الاعلمية مع اختلافهم فى الفضيلة وعدم الانكار عليهم. وعن أخرى بل وهو الاشهر كما فى المسالك تقديم الاعلم والظاهر أن مرادهم الاعلم فى البلد أو ما يقرب منه لا الاعلم مطلقا. ولا يبعد قوة هذا القول لكون الاطلاقات مقيدة بالاخبار الدالة على الرجوع الى المرجحات عند اختلاف الحاكمين من الافقهية والاصدقية والاعدلية مع امكان دعوى عدم كونها الا فى مقام بيان عدم جواز الرجوع الى قضاة الجور فلا اطلاق فيها. وأيضا الظن الحاصل من قول الاعلم أقوى نوعا فبالاتباع أحرى، فان أقوال المجتهدين كالادلة للمقلدين. وأيضا مقتضى مذهبنا ومبناه قبح ترجيح المفضول على الافضل والسيرة المذكورة غير معلومة الحال اذ لعل كل واحد بالنسبة الى مكان مخصوص لا يكون أعلم فيه فى ذلك المكان مع أن باب العلم كان مفتوحا لهم وكان الحكم معلوما عندهم بخلاف زماننا. وأما التمسك بالاصل فلا وجه له اذ مقتضاه عدم النفوذ ودعوى أن مورد أخبار المرجحات التى هى العمدة فى المقام خصوص صورة اختيار كل من المترافعين حاكما أو صورة رضاهما بحكمين فاختلفا فلا دلالة فيها على وجوب الرجوع الى الاعلم مطلقا مدفوعة بأن الظاهر منها أن المدار على الارجح عند التعارض مطلقا كما هو الحال فى الخبرين المتعارضين بل فى صورة عدم العلم بالاختلاف أيضا لوجوب الفحص عن المعارض لكن هذا اذا كان مدرك الحكم هو الفتوى وكان الاختلاف فيها بأن كانا مختلفين فى الحكم من جهة اختلاف الفتوى. وأما اذا كان أصل الحكم معلوما وكان المرجع اثبات الحق بالبينة واليمين والجرح والتعديل ونحو ذلك فلا دلالة فى الاخبار على تعين الاعلم.

стр. 2307

وجاء فى موضع آخر: (١) فتوى المجتهد تعلم بأحد أمور. الاول أن يسمع منه شفاها. الثانى: أن يخبر بها عدلان. الثالث: أخبار عدل واحد بل يكفى أخبار شخص يوجب قوله الاطمئنان وان لم يكن عدلا. الرابع: الوجدان فى رسالته ولا بد أن تكون مأمونة من الغلط. مذهب الإباضية: يجب على المقلد البحث عن حال المفتى فى الصلاحية للفتوى وهل هو جامع للاجتهاد والعدالة أم لا. وقيل لا يلزمه ذلك اذ لا طريق له الى تحقيقه كما لا يلزمه البحث عن وجه الحكم. ورد بأنه ان لم يبحث عن حال المفتى لا يأمن فسقه تصريحا أو تأويلا أو جهله بعلوم الاجتهاد أو بعضها فلا يصلح للفتوى فيكون تقليده اقداما على ما لا يؤمن قبحه. ويكفيه فى ذلك سؤال من يثق بخبره ويثمر الظن. ويكفيه أيضا أن يرى استفتاء الناس اياه معظمين له آخذين بقوله. قال صاحب المنهاج اذا كان شوكته لاهل الحق الذين لا يسكتون على منكر والا لم يأمن مع استفتاء الناس اياه كونه غير صالح (٢) الفرق بين الفتوى والحكم مذهب الحنفية: جاء فى الدر المختار: (٣) حاصل ما ذكره الشيخ قاسم فى تصحيحه أنه لا فرق بين المفتى والقاضى فى العمل بعلامات الافتاء وهذا لا ينافى أن المفتى له أن يفتى بالديانة والقاضى يقضى بالظاهر، الا أن المفتى مخبر عن الحكم للمستفتى والقاضى ملزم بالحكم وله حق الحبس والتعزير عند عدم الامتثال وله اقامة الحدود والقصاص. ولا يصح الفتيا ولا القضاء بالقول المرجوح وهو جهل وخرق للاجماع والخلاف بين الامام أبى حنيفة وصاحبيه فيما اذا قضى القاضى بغير مذهبه هل ينفذ أو لا.

стр. 2308

فقالا لا ينفذ. وقال الامام: اذا وقع منه القضاء بغير مذهبه مخالفا لرأيه ناسيا لمذهبه نفذ عنده. وفى العمد عنه روايتان. واختلف الترجيح فى قوله وقولهما وقيل ان الصاحبين وافقا الامام فى نفاذ القضاء. ونقله صاحب البحر عن البزازية معزيا لشرح الطحاوى. ونصه: اذا لم يكن القاضى مجتهدا وقضى بالفتوى ثم تبين أنه على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه وله أن ينقضه، كذا عن محمد. وقال الثانى ليس له أن ينقضه أيضا وهكذا ذكره العمادى فى الفصول. وفى عمدة الفتاوى القاضى اذا قضى بقول مرجوع عنه جاز وكذا لو قضى فى فصل مجتهد فيه وكذا فى السراحية وفى مآل الفتاوى قضى بخلاف مذهبه وهو مجتهد فيه قال أبو حنيفة ينفذ وقال أبو يوسف لا ينفذ. وجاء فى الفتاوى الهندية: (١) ومن أفتاه فى حادثة وهو جاهل وقضى قاض فى تلك الحادثة بخلاف الفتوى والحادثة مجتهد فيها فان كان القضاء عليه يتبع رأى القاضى ولا يلتفت الى فتوى المفتى وان كان المفتى أعلم من القاضى فى تلك الحادثة عند العامة، وان كان القضاء له فهو على الاختلاف الذى مر لان قول المفتى فى حق الجاهل بمنزلة رأيه واجتهاده. مذهب المالكية: جاء فى تهذيب الفروق (٢) فى الفرق الرابع والعشرين والمائتين بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم أن كلا منهما وان كان خبرا عن الله تعالى ويجب على السامع اعتقاد ذلك ويلزم المكلف. الا أن بينهما فرقا من جهتين. الجهة الاولى أن الفتوى محض أخبار عن الله تعالى فى الزام أو اباحة والحكم أخبار مآله الانشاء والالزام أى التنفيذ والامضاء لما كان قبل الحكم فتوى. فالمفتى مع الله تعالى كالمترجم مع القاضى ينقل عنه ما وجده عنده واستفاده منه باشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك. والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينفذ ويمضى بين الخصوم ما كان قبل

стр. 2309

ذلك فتوى وليس بناقل ذلك عن مستنيبه بل مستنيبه قال له أى شئ حكمت به على (١) القواعد فقد جعلته حكمى. فكما أن كلا من المترجم عن القاضى ونائب القاضى موافق للقاضى ومطيع له وساع فى تنفيذ مراده غير أن أحدهما ينقل نقلا محضا من غير اجتهاد له فى التنفيذ والامضاء بين الخصوم والآخر ينفذ ويمضى ما يجتهد فيه من الاحكام على وفق القواعد بين الخصوم كذلك المفتى والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى قابل لحكمه غير أن المفتى مخبر محض والحاكم منفذ وممض. الجهة الثانية أن كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى ولا عكس. وذلك أن العبادات كلها على الاطلاق لا يدخلها الحكم البتة بل انما تدخلها الفتيا فقط فكل ما وجد فيها من الاخبارات فهى فتيا فقط ليس لحاكم أن يحكم أن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون بحلول قليل نجاسة فيه لم تغيره نجسا فيحرم على المالكى بعد ذلك استعماله، بل ما يقال فى ذلك انما هو فتيا، ان كانت مذهب السامع عمل بها والا فله تركها والعمل بمذهبه. ويلحق بالعبادات أسبابها فاذا شهد بهلال رمضان شاهد واحد فأثبته حاكم شافعى ونادى فى المدينة بالصوم لا يلزم ذلك المالكى لان ذلك فتيا لا حكم. وكذلك اذا قال حاكم قد ثبت عندى أن الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها أو ملك نصاب من الحلى المتخذ لاستعمال مباح سبب لوجوب الزكاة فيه أو أنه لا يوجب الزكاة أو غير ذلك من أسباب الاضاحى والعقيقة والكفارات والنذور ونحوها من العبادات المختلف فيها أو فى أسبابها لا يلزم شئ من ذلك من لا يعتقده بل يتبع مذهبه فى نفسه ولا يلزمه قول ذلك القائل لا فى عبادة ولا فى سببها ولا شرطها ولا مانعها. وبهذا يظهر أن الامام لو قال لا تقيموا الجمعة الا باذنى لم يكن ذلك حكما، وان كانت مسألة مختلفا فيها: هل تفتقر الجمعة الى اذن السلطان أم لا، وللناس أن يقيموها بغير اذن الامام الا أن يكون فى ذلك صورة المشاقة وخرق أبهة الولاية واظهار العناد والمخالفة فتمتنع اقامتها بغير أمره لاجل ذلك لا لانه موطن خلاف اتصل به حكم حاكم. ثم قال صاحب التهذيب وأما ما يتأتى (٢) فيه حكم حاكم فضبطه فى الفروق بأربعة قيود فقال.

стр. 2310

انما يؤثر حكم الحاكم اذا أنشأه فى مسألة اجتهادية تتقارب فى المدارك لاجل مصلحة دنيوية. قال: فالانشاء احتراز من حكمه فى مواقع الاجماع فان ذلك اخبار وتنفيذ محض. وأما فى مواضع الخلاف فهو ينشئ حكما وهو الزام أحد القولين اللذين قيل بهما فى المسألة، ويكون انشاؤه اخبارا خاصا عن الله تعالى فى تلك الصورة. من ذلك الباب قد جعل الله تعالى فى مواطن الخلاف نصا ورد من قبله فى خصوص تلك الصورة فاذا قضى المالكى فى امرأة علق طلاقها قبل الملك بوقوع الطلاق تناول هذه الصورة الدليل الدال على عدم لزوم الطلاق عند الحنفى والشافعى وكان حكم المالكى بلزوم الطلاق نصا خاصا تختص به هذه المرأة المعينة وهو نص من قبل الله تعالى فان الله جعل ذلك للحكام رفعا للخصومات والمشاجرات وهذا النص الوارد من هذا الحكم أخص من ذلك الدليل العام فيقدم عليه ويصير حكم المالكى مثلا مذهبا لغيره. ثم قال: فهذا هو معنى الانشاء. وأما المسألة الاجتهادية فللاحتراز عن مواقع الاجماع فان الحكم هنالك ثابت بالاجماع فيتعذر فيه الانشاء لتعينه وثبوته اجماعا. وأما تقارب المدارك فللاحتراز من الخلاف الشاذ المبنى على المدرك الضعيف فانه لا يرفع الخلاف بل ينقض فى نفسه اذا حكم بالفتوى المبنية على المدرك الضعيف. وأما مصالح الدنيا فللاحتراز من العبادات كالفتوى بتحريم السباع وطهارة الاوانى وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة بخلاف الاختلاف فى العقود والاملاك والرهون والاوقاف ونحوها مما لا يكون الا لمصالح الدنيا. وبهذا يظهر أن الاحكام الشرعية قسمان: الاول: ما يقبل حكم الحاكم مع الفتوى فيجتمع الحكمان. والثانى: ما لا يقبل الا الفتوى. ويظهر بهذا لك أيضا تصرف رسول الله ﷺ إذا وقع هل هو من باب الفتوى أو من باب القضاء والانشاء. مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: (١) قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: وينبغى أن يكون المفتى كالراوى فى أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة وجر نفع ودفع ضر لان المفتى فى حكم مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوى لا كالشاهد وفتواه لا يرتبط بها الزام

стр. 2311

بخلاف حكم القاضى قال: وذكر صاحب الحاوى أن المفتى اذا نابذ فى فتواه شخصا معينا صار خصما وحكما معاندا فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه. واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه. ونقل الخطيب فيه اجماع المسلمين. ويجب عليه اذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه وأما المستور وهو الذى ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطنا ففيه وجهان: أصحهما جواز فتواه لان العدالة الباطنة يعسر معرفتها على غير القضاة. والثانى لا يجوز كالشهادة والخلاف كالخلاف فى صحة النكاح بحضور المستورين. قال الصيمرى: وتصح فتاوى أهل الاهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه. ونقل الخطيب هذا ثم قال وأما الشراة والرافضة الذين يسبون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة والقاضى كغيره فى جواز الفتيا بلا كراهة هذا هو الصحيح المشهور من مذهبنا. قال الشيخ ورأيت فى بعض تعاليق الشيخ أبى حامد أن له الفتوى فى العبادات وما لا يتعلق بالقضاء. وفى القضاء وجهان لاصحابنا: أحدهما: الجواز لانه أهل. والثانى: لا لانه موضع تهمة. وقال ابن المنذر تكره الفتوى فى مسائل الاحكام الشرعية. وقال شريح: أنا أقضى ولا أفتى. مذهب الحنابلة: قال فى كشاف القناع: (١) المفتى من يبين الحكم الشرعى ويخبر به من غير الزام. والحاكم يبين الحكم الشرعى ويلزم به فامتاز بالالزام. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (٢): اذا قام البرهان عند المرء على صحة قول ما قياما صحيحا فحقه التدين به والفتيا به والعمل به والدعاء اليه والقطع أن الحق عند الله . وليس من هذا الحكم بالشهادة من العدلين وقد يكونان فى باطن أمرهما عند الله تعالى كاذبين أو مغفلين اذ لم يكلفنا الله تعالى معرفة باطن ما شهدا به، لكن كلفنا الحكم بشهادتهما.

стр. 2312

ثم قال (١): واعتقاد الشئ والعمل به والفتيا به حكم به. وقال ابن حزم فى المحلى: من قال (٢) له قاض قد ثبت على هذا الصلب أو القتل أو القطع أو الجلد أو أخذ مال مقداره كذا منه فأنفذ ذلك عليه. فان كان المأمور من أهل العلم بالقرآن والسنن لم يحل له انفاذ شئ من ذلك ان كان الآمر له جاهلا أو غير عدل الا حتى يوقن أنه قد وجب عليه ما ذكر له فيلزمه انفاذه حينئذ والا فلا. وان كان الآمر عالما فأضلا لم يحل له أيضا أنفاذ أمره الا حتى يسأل من أى وجه وجب ذلك عليه، فاذا أخبره فان كان ذلك موجبا عليه ما ذكر لزمه انفاذ ذلك وعليه أن يكتفى بخبر الحاكم العدل فى ذلك ولا يجوز له تقليده فيما رأى أنه فيه مخطئ. فأما الجاهل فلا يحل له انفاذ أمر من ليس عالما فاضلا. فان كان الآمر له عالما فاضلا سأله: أوجب ذلك بالقرآن والسنة؟ فان قال نعم لزمه انفاذ ذلك والا فلا لقول رسول الله ﷺ انما الطاعة فى المعروف ولا يحل قول أحد بلا برهان. وقال ابن حزم: (٣) حكم القاضى لا يحل ما كأن حراما قبل قضائه ولا يحرم ما كان حلالا قبل قضائه انما القاضى منفذ على الممتنع فقط لا مزية له سوى هذا. وقال (٤): لا يحل الحكم الا بما أنزل الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وهو الحق وكل ما عدا ذلك فهو جور وظلم ولا يحل الحكم به ويفسخ أبدا اذا حكم به حاكم. مذهب الزيدية: جاء فى تتمة الروض النضير: (٥) الفتوى حكاية عن الحكم الذى شرعه الله لعباده، والقضاء هو حكاية الحكم الشرعى الفاصل لظاهر تلك الخصومة والالزام بها. مذهب الإمامية: لا يجوز نقض الحكم بالحكم (٦) كذلك لا يجوز نقضه بالفتوى.

стр. 2313

وأما الفتوى فيجوز نقضها بالفتوى وبالحكم. أما الاول: فكما اذا مات مجتهده أو تغير رأيه فانه يجب عليه وعلى مقلديه العمل بالفتوى الثانية فيما يأتى دون ما مضى فانه صحيح فى الاعمال السابقة بل اذا كان ما مضى عقدا أو ايقاعا أو نحوهما مما من شأنه الدوام والاستمرار يبقى على صحته فيما يأتى أيضا بالنسبة الى تلك الواقعة الخاصة فاذا تزوج بكرا باذنها - بناء على كون أمرها بيدها - ثم تبدل رأيه أو رأى مجتهده الى كون أمرها بيد أبيها تكون باقية على زوجيته وان كان لا يجوز له نكاح مثلها بعد ذلك. وأما الثانى: فكما اذا كان مذهبه اجتهادا أو تقليدا نجاسة الغسالة أو عرق الجنب من الحرام مثلا واشترى مائعا فتبين أنه كان ملاقيا للغسالة أو عرق الجنب من الحرام فتنازع مع البائع فى صحة البيع وعدمها وترافعا الى مجتهد كان مذهبه عدم النجاسة وصحة البيع فحكم بصحته فان اللازم على المشترى العمل به وجواز التصرف فى ذلك المائع ففى خصوص هذا المورد يعمل بمقتضى الطهارة ويبنى عليها وينقض الفتوى بالنسبة اليه بذلك الحكم. وأما بالنسبة الى سائر الموارد فعلى مذهبه من النجاسة حتى أنه اذا لاقى ذلك المائع بعد الحكم بطهارة الغسالة أو عرق الجنب يبقى على تقليده الاول فيبنى على نجاسته. وهكذا فى سائر المسائل الظنية فى غير الصورتين المذكورتين. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): ويكره للقاضى أن يفتى فى الاحكام اذا سئل عنها وكان شريح يقول انما أقضى ولا أفتى، وان أفتى فى أمور الدين جاز وعن عمر أنه كتب الى شريح لا تسارر الى أحد فى مجلسك ولا تبع ولا تبتع ولا تفت فى مسألة من الاحكام ولا تضر ولا تضار. وقال العاصمى: ومنع الافتاء للحكام: فى كل ما يرجع للخصام. وزعم بعض أنه يجوز كالخلفاء الاربعة قلت لا يصح عنهم. وأجيز الافتاء فى مسألة عامة لا فى خصومة معينة.

стр. 2314

استقبال القبلة المعنى اللغوى والاصطلاحى: - استقبال: استفعال بمعنى المقابلة (١) فالسين ليست للطلب لان طلب المقابلة ليس هو الشرط بل الشرط المقصود بالذات المقابلة. والقبلة فى الاصل الحالة التى يقابل الشئ عليها غيره كالجلسة للحالة التى يجلس عليها. وأصبحت القبلة كالعلم للجهة التى تستقبل فى الصلاة وسميت بذلك، لان الناس يقابلونها فى صلاتهم وتقابلهم (٢) والقبلة هى الكعبة سواء كان هناك بناء أو لم يكن اذ القبلة هى المكان والجهة (٣). وفى الفتاوى الهندية (٤): والمعتبر التوجه الى مكان البيت دون البناء. وفى فتاوى الحجة: الصلاة فى الآبار العميقة والجبال والتلال الشامخة وعلى ظهر الكعبة جائزة، لان القبلة من الارض الى السماء بحذاء الكعبة. ويقول الخرشى (٥) المالكى: الاستقبال ايقاع الشخص صلاته الى جهة مخصوصة مع الامن والاختيار. أما القبلة فقد عرفوها بأنها جهة مخصوصة يوقع مريد الصلاة اليها دون غيرها مع الامن والاختيار. وفى كشاف القناع (٦) فى فقه الحنابلة سميت قبلة لاقبال الناس عليها أو لان المصلى يقابلها وهى تقابله. وفى جواهر الكلام (٧) للشيعة الإمامية أنها عند التحقيق. المكان الواقع

стр. 2315

فيه البيت الممتد من تخوم الارض الى عنان السماء، لا نفس البناء كما يومئ الى ذلك خبر عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله ﵇ قال: سأله رجل قال: صليت فوق جبل أبى قبيس العصر، فهل يجزئ ذلك والقبلة تحتى؟ قال: نعم أنها قبلة من موضعها الى السماء ولذا لو أزيلت البنية، أو نقلت الى مكان آخر، وجب استقبال ذلك الفضاء، ولم تصح الصلاة الى نفس البناء. وفى شرائع الاسلام (١): القبلة هى الكعبة لمن كان فى المسجد والمسجد لمن كان فى الحرم، والحرم لمن خرج منه على الاظهر. وقريب منه ما جاء فى شرح النيل فى فقه الإباضية والايضاح (٢). أصل مشروعية استقبال القبلة: يقول الكاشانى (٣): أصل المشروعية قول الله تعالى «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ ﴿الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ»،﴾ (٤) وقول رسول الله ﷺ «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر» وعليه اجماع الامة. ويقول ابن نجيم فى البحر الرائق (٥) المراد بالمسجد الحرام فى الآية: الكعبة والنكتة فى ذكر المسجد الحرام، وارادة الكعبة الدلالة على أن الواجب فى حق الغائب هو الجهة. وقد استدل الخرشى المالكى (٦) بنفس الآية، وقال: انها نزلت بعد موقعه بدر بشهرين، أو ثلاثة وأن النبى ﷺ صلى بعد مقدمه المدينة الى بيت المقدس. فكانت هذه الآية ناسخة لذلك، وحولت القبلة الى بيت الله الحرام فى الركعة الثالثة من الظهر فجمع فيها بين استقبال القبلتين.
следующие страницы →