← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

بخلاف حكم القاضى قال: وذكر صاحب الحاوى أن المفتى اذا نابذ فى فتواه شخصا معينا صار خصما وحكما معاندا فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه. واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه. ونقل الخطيب فيه اجماع المسلمين. ويجب عليه اذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه وأما المستور وهو الذى ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطنا ففيه وجهان: أصحهما جواز فتواه لان العدالة الباطنة يعسر معرفتها على غير القضاة. والثانى لا يجوز كالشهادة والخلاف كالخلاف فى صحة النكاح بحضور المستورين. قال الصيمرى: وتصح فتاوى أهل الاهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه. ونقل الخطيب هذا ثم قال وأما الشراة والرافضة الذين يسبون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة والقاضى كغيره فى جواز الفتيا بلا كراهة هذا هو الصحيح المشهور من مذهبنا. قال الشيخ ورأيت فى بعض تعاليق الشيخ أبى حامد أن له الفتوى فى العبادات وما لا يتعلق بالقضاء. وفى القضاء وجهان لاصحابنا: أحدهما: الجواز لانه أهل. والثانى: لا لانه موضع تهمة. وقال ابن المنذر تكره الفتوى فى مسائل الاحكام الشرعية. وقال شريح: أنا أقضى ولا أفتى. مذهب الحنابلة: قال فى كشاف القناع: (١) المفتى من يبين الحكم الشرعى ويخبر به من غير الزام. والحاكم يبين الحكم الشرعى ويلزم به فامتاز بالالزام. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (٢): اذا قام البرهان عند المرء على صحة قول ما قياما صحيحا فحقه التدين به والفتيا به والعمل به والدعاء اليه والقطع أن الحق عند الله . وليس من هذا الحكم بالشهادة من العدلين وقد يكونان فى باطن أمرهما عند الله تعالى كاذبين أو مغفلين اذ لم يكلفنا الله تعالى معرفة باطن ما شهدا به، لكن كلفنا الحكم بشهادتهما.

стр. 2312

ثم قال (١): واعتقاد الشئ والعمل به والفتيا به حكم به. وقال ابن حزم فى المحلى: من قال (٢) له قاض قد ثبت على هذا الصلب أو القتل أو القطع أو الجلد أو أخذ مال مقداره كذا منه فأنفذ ذلك عليه. فان كان المأمور من أهل العلم بالقرآن والسنن لم يحل له انفاذ شئ من ذلك ان كان الآمر له جاهلا أو غير عدل الا حتى يوقن أنه قد وجب عليه ما ذكر له فيلزمه انفاذه حينئذ والا فلا. وان كان الآمر عالما فأضلا لم يحل له أيضا أنفاذ أمره الا حتى يسأل من أى وجه وجب ذلك عليه، فاذا أخبره فان كان ذلك موجبا عليه ما ذكر لزمه انفاذ ذلك وعليه أن يكتفى بخبر الحاكم العدل فى ذلك ولا يجوز له تقليده فيما رأى أنه فيه مخطئ. فأما الجاهل فلا يحل له انفاذ أمر من ليس عالما فاضلا. فان كان الآمر له عالما فاضلا سأله: أوجب ذلك بالقرآن والسنة؟ فان قال نعم لزمه انفاذ ذلك والا فلا لقول رسول الله ﷺ انما الطاعة فى المعروف ولا يحل قول أحد بلا برهان. وقال ابن حزم: (٣) حكم القاضى لا يحل ما كأن حراما قبل قضائه ولا يحرم ما كان حلالا قبل قضائه انما القاضى منفذ على الممتنع فقط لا مزية له سوى هذا. وقال (٤): لا يحل الحكم الا بما أنزل الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وهو الحق وكل ما عدا ذلك فهو جور وظلم ولا يحل الحكم به ويفسخ أبدا اذا حكم به حاكم. مذهب الزيدية: جاء فى تتمة الروض النضير: (٥) الفتوى حكاية عن الحكم الذى شرعه الله لعباده، والقضاء هو حكاية الحكم الشرعى الفاصل لظاهر تلك الخصومة والالزام بها. مذهب الإمامية: لا يجوز نقض الحكم بالحكم (٦) كذلك لا يجوز نقضه بالفتوى.

стр. 2313

وأما الفتوى فيجوز نقضها بالفتوى وبالحكم. أما الاول: فكما اذا مات مجتهده أو تغير رأيه فانه يجب عليه وعلى مقلديه العمل بالفتوى الثانية فيما يأتى دون ما مضى فانه صحيح فى الاعمال السابقة بل اذا كان ما مضى عقدا أو ايقاعا أو نحوهما مما من شأنه الدوام والاستمرار يبقى على صحته فيما يأتى أيضا بالنسبة الى تلك الواقعة الخاصة فاذا تزوج بكرا باذنها - بناء على كون أمرها بيدها - ثم تبدل رأيه أو رأى مجتهده الى كون أمرها بيد أبيها تكون باقية على زوجيته وان كان لا يجوز له نكاح مثلها بعد ذلك. وأما الثانى: فكما اذا كان مذهبه اجتهادا أو تقليدا نجاسة الغسالة أو عرق الجنب من الحرام مثلا واشترى مائعا فتبين أنه كان ملاقيا للغسالة أو عرق الجنب من الحرام فتنازع مع البائع فى صحة البيع وعدمها وترافعا الى مجتهد كان مذهبه عدم النجاسة وصحة البيع فحكم بصحته فان اللازم على المشترى العمل به وجواز التصرف فى ذلك المائع ففى خصوص هذا المورد يعمل بمقتضى الطهارة ويبنى عليها وينقض الفتوى بالنسبة اليه بذلك الحكم. وأما بالنسبة الى سائر الموارد فعلى مذهبه من النجاسة حتى أنه اذا لاقى ذلك المائع بعد الحكم بطهارة الغسالة أو عرق الجنب يبقى على تقليده الاول فيبنى على نجاسته. وهكذا فى سائر المسائل الظنية فى غير الصورتين المذكورتين. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): ويكره للقاضى أن يفتى فى الاحكام اذا سئل عنها وكان شريح يقول انما أقضى ولا أفتى، وان أفتى فى أمور الدين جاز وعن عمر أنه كتب الى شريح لا تسارر الى أحد فى مجلسك ولا تبع ولا تبتع ولا تفت فى مسألة من الاحكام ولا تضر ولا تضار. وقال العاصمى: ومنع الافتاء للحكام: فى كل ما يرجع للخصام. وزعم بعض أنه يجوز كالخلفاء الاربعة قلت لا يصح عنهم. وأجيز الافتاء فى مسألة عامة لا فى خصومة معينة.

стр. 2314

استقبال القبلة المعنى اللغوى والاصطلاحى: - استقبال: استفعال بمعنى المقابلة (١) فالسين ليست للطلب لان طلب المقابلة ليس هو الشرط بل الشرط المقصود بالذات المقابلة. والقبلة فى الاصل الحالة التى يقابل الشئ عليها غيره كالجلسة للحالة التى يجلس عليها. وأصبحت القبلة كالعلم للجهة التى تستقبل فى الصلاة وسميت بذلك، لان الناس يقابلونها فى صلاتهم وتقابلهم (٢) والقبلة هى الكعبة سواء كان هناك بناء أو لم يكن اذ القبلة هى المكان والجهة (٣). وفى الفتاوى الهندية (٤): والمعتبر التوجه الى مكان البيت دون البناء. وفى فتاوى الحجة: الصلاة فى الآبار العميقة والجبال والتلال الشامخة وعلى ظهر الكعبة جائزة، لان القبلة من الارض الى السماء بحذاء الكعبة. ويقول الخرشى (٥) المالكى: الاستقبال ايقاع الشخص صلاته الى جهة مخصوصة مع الامن والاختيار. أما القبلة فقد عرفوها بأنها جهة مخصوصة يوقع مريد الصلاة اليها دون غيرها مع الامن والاختيار. وفى كشاف القناع (٦) فى فقه الحنابلة سميت قبلة لاقبال الناس عليها أو لان المصلى يقابلها وهى تقابله. وفى جواهر الكلام (٧) للشيعة الإمامية أنها عند التحقيق. المكان الواقع

стр. 2315

فيه البيت الممتد من تخوم الارض الى عنان السماء، لا نفس البناء كما يومئ الى ذلك خبر عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله ﵇ قال: سأله رجل قال: صليت فوق جبل أبى قبيس العصر، فهل يجزئ ذلك والقبلة تحتى؟ قال: نعم أنها قبلة من موضعها الى السماء ولذا لو أزيلت البنية، أو نقلت الى مكان آخر، وجب استقبال ذلك الفضاء، ولم تصح الصلاة الى نفس البناء. وفى شرائع الاسلام (١): القبلة هى الكعبة لمن كان فى المسجد والمسجد لمن كان فى الحرم، والحرم لمن خرج منه على الاظهر. وقريب منه ما جاء فى شرح النيل فى فقه الإباضية والايضاح (٢). أصل مشروعية استقبال القبلة: يقول الكاشانى (٣): أصل المشروعية قول الله تعالى «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ ﴿الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ»،﴾ (٤) وقول رسول الله ﷺ «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر» وعليه اجماع الامة. ويقول ابن نجيم فى البحر الرائق (٥) المراد بالمسجد الحرام فى الآية: الكعبة والنكتة فى ذكر المسجد الحرام، وارادة الكعبة الدلالة على أن الواجب فى حق الغائب هو الجهة. وقد استدل الخرشى المالكى (٦) بنفس الآية، وقال: انها نزلت بعد موقعه بدر بشهرين، أو ثلاثة وأن النبى ﷺ صلى بعد مقدمه المدينة الى بيت المقدس. فكانت هذه الآية ناسخة لذلك، وحولت القبلة الى بيت الله الحرام فى الركعة الثالثة من الظهر فجمع فيها بين استقبال القبلتين.

стр. 2316

ومثله فى كشاف القناع فى فقه الحنابلة والبحر الزخار فى فقه الزيدية والايضاح فى فقه الإباضية (١). بم يتحقق استقبال القبلة: مذهب الحنفية: قال الحنفية (٢): المصلى لا يخلو اما أن يكون قادرا على استقبال القبلة أو يكون عاجزا عنه. فان كان قادرا يجب عليه التوجه الى القبلة ان كان فى حال مشاهدة الكعبة فالى عينها، وان كان غائبا عنها يجب عليه التوجه الى جهتها، وهى المحاريب المنصوبة بالامارات الدالة عليها. لا الى عينها وتعتبر الجهة دون العين كذا ذكر الكرخى والرازى، وهو قول عامة مشايخنا بما وراء النهرين. وقال بعضهم المفروض اصابة عين الكعبة بالاجتهاد والتحرى، وهو قول أبى عبد الله البصرى. وجه قول هؤلاء قول الله تعالى «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» الآية: من غير فصل بين حال المشاهدة والغيبة، ولان لزوم الاستقبال لحرمة البقعة، وهذا المعنى فى العين لا فى الجهة، لان قبلته لو كانت الجهة لكان ينبغى له اذا اجتهد فأخطأ الجهة يلزمه الاعادة لظهور خطئه فى اجتهاده بتيقن. ومع ذلك لا تلزمه الاعادة بلا خلاف بين أصحابنا فدل أن قبلته فى هذه الحالة عين الكعبة بالاجتهاد والتحرى. ووجه قول الاولين: أن المفروض هو المقدور عليه، واصابة العين غير مقدور عليها، فلا تكون مفروضة، ولان قبلته لو كانت عين الكعبة فى هذه الحالة بالاجتهاد والتحرى، لترددت صلاته بين الجواز والفساد، لانه ان أصاب عين الكعبة بتحرية جازت صلاته، وان لم يصب عينها لا تجوز صلاته، لانه ظهر خطؤه بيقين الا أن يجعل كل مجتهد مصيبا وهو خلاف المذهب، أما اذ جعلت قبلته الجهة وهى المحاريب المنصوبة فلا يتصور ظهور الخطأ فنزلت الجهة فى هذه الحالة منزلة عين الكعبة فى حال المشاهدة. وأما اذا كان عاجزا فلا يخلو اما أن يكون عاجزا لعذر مع العلم بالقبلة. واما أن يكون عاجزا بسبب الاشتباه. فان كان الاول فله أن يصلى الى أى جهة كانت ويسقط عنه الاستقبال.

стр. 2317

وان كان عاجزا بسبب الاشتباه، وهو أن يكون فى المفازة فى الليلة المظلمة أو لا علم له بالامارات الدالة على القبلة سأل من يرشده فاذا لم يوجد من يرشده تحرى وصلى. ويقول ابن نجيم فى البحر الرائق: (١) وأما فى البحار والمفاوز فدليل القبلة النجوم. ويقول: وفرض المكى اصابة عين الكعبة للقدرة على اليقين. ويشمل المكى من كان بمعاينتها ومن لم يكن، حتى لو صلى مكى فى بيته ينبغى أن يصلى بحيث لو أزيلت الجدران يقع استقباله على شطر الكعبة بخلاف الافاقى، فانه لو أزيلت الموانع لا يشترط أن يقع استقباله على عين الكعبة لا محالة. وغير المكى فرضه اصابة جهتها، اما تحقيقا بمعنى أنه لو فرض خط من تلقاء وجهه على زاوية قائمة الى الافق يكون مارا على الكعبة، أو هوائها، واما تقريبا بمعنى أن يكون ذلك منحرفا عن الكعبة أو هوائها انحرافا لا تزول معه القابلة بالكلية. ثم يقول (٢): ونية استقبال القبلة ليست بشرط على الصحيح من المذهب سواء كان الفرض اصابة العين فى حق المكى أو اصابة الجهة فى حق غيره. ونقل عن الكاسانى أن الافضل ألا ينوى الكعبة لاحتمال أن لا تحاذى هذه الجهة الكعبة فلا تجوز صلاته، وانما كان هذا هو الصحيح، لان استقبالها شرط من الشرائط فلا يشترط فيه النية. مذهب المالكية: قال المالكية فى كتاب بلغة السالك: (٣) القبلة عين الكعبة أى ذاتها لمن بمكة ومن فى حكمها من يمكنه المسمتة وهى مقابلة بنائها فيجب عليه مقابلتها بجميع بدنه حتى لو خرج منه عضو لم تصح صلاته. ثم ان من بمكة ان كان بالحرم فيصلون صفا ان كانوا قليلا، أو دائرة، أو قوصا اذا لم تكمل الدائرة. وان لم يكن بالحرم بل كان فى بيته فعليه أن يصعد على سطح أو مكان مرتفع ثم ينظر الكعبة ويحرر قبلته جهتها، ولا يكفى الاجتهاد مع القدرة على اليقين.

стр. 2318

أما جهة الكعبة لغير من بمكة، سواء كان قريبا من مكة، كأهل منى، أو بعيدا، كأهل الآفاق، فيستقبل المصلى تلك الجهة بالاجتهاد. مذهب الشافعية: قال الشافعية فى كتاب نهاية المحتاج (١): استقبال عين الكعبة بصدره لا بوجهه شرط لصلاة القادر على الاستقبال. وفى المهذب (٢)، وفى استقبال القبلة قولان: قال فى الام فرضه اصابة العين لان من لزمه فرض القبلة لزمه اصابة العين كالمكى. وظاهر ما نقله المزنى: أن الفرض هو الجهة لانه لو كان الفرض هو العين لما صحت صلاة الصف الطويل لان فيهم من يخرج عن العين. وان كان فى أرض مكة فان كان بينه وبين البيت حائل أصلى كالجبل، فهو كالغائب عن مكة، وان كان بينهما حائل طارئ وهو البناء ففيه وجهان. أحدهما: أنه لا يجتهد لانه فى موضع كان فرضه الرجوع الى العين فلا يتغير فرضه بالحائل الطارئ. والثانى: أنه يجتهد وهو ظاهر المذهب لان بينه وبين البيت حائلا يمنع المشاهدة فأشبه اذا كان بينهما جبل. مذهب الحنابلة: قال الحنابلة فى كشاف القناع (٣): الفرض فى القبلة لمن قرب منها كمن كان بمكة اصابة عين الكعبة ببدنه كله بحيث لا يخرج شئ منه عنها، لانه قادر على التوجه الى عينها قطعا، فلم يجز العدول عنه، فلو خرج ببعض بدنه عن مسامتتها لم تصح. ولا يضره علوه عن الكعبة كما لو صلى على جبل أبى قبيس، كما لا يضر نزوله عنها كما لو صلى فى حفيرة تنزل عن مسامتتها، لان العبرة بالبقعة، لا بالجدران وذلك ان لم يتعذر على المصلى اصابة عين الكعبة ببدنه كالمصلى داخل المسجد الحرام، أو على سطحه، أو خارجه، وأمكنه ذلك بنظره، أو علمه أو خبر عالم بذلك، لان من نشأ بمكة أو أقام بها كثيرا تمكن من الامر اليقين فى ذلك ولو مع حائل حادث كالابنية.

стр. 2319

فان تعذرت اصابة عين الكعبة بحائل أصلى من جبل ونحوه كالمصلى خلف جبل أبى قبيس، اجتهد الى عينها لتعذر اليقين عليه. أما مع الحائل غير الاصلى كالمنازل التى تحول بينه وبين الكعبة، فلا بد من تيقنه محاذاة الكعبة ببدنه، اما بنظره اليها، أو خبر ثقة ونحوه. قال: والاعمى المكى، والغريب اذا أراد الصلاة بدار فى مكة، ففرضه الخبر عن يقين، أو عن مشاهدة، وليس له الاجتهاد. أما من كان بعيدا، وهو من لم يقدر على معاينة الكعبة، ولا على من يخبره عن علم، ففرضه فى القبلة اصابة الجهة بالاجتهاد، ويعفى عن الانحراف قليلا يمنة أو يسرة، لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة رواه ابن ماجة والترمذى، ولان الاجماع انعقد على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة، وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو. ثم قال: والمشاهد لمسجد النبى ﷺ ، والقريب منه فرضه اصابة العين، لان قبلته متيقنة الصحة، لانه ﷺ لا يقر على الخطأ وقد روى أسامة بن زيد رضى الله عنه أن النبى ﷺ ركع ركعتين قبل القبلة وقال: هذه القبلة. قال صاحب كشاف القناع: (١) وكذا مسجد الكوفة لاتفاق الصحابة عليه. ثم قال: والبعيد عن مسجد النبى ﷺ ، والبعيد عن مكة يجتهد الى الجهة لتعذر اصابة العين، فان أمكنه ذلك بخبر مسلم ثقة مكلف عدل ظاهرا وباطنا حرا كان أو عبدا رجلا كان أو امرأة عن يقين، لزمه العمل به، ولا يجتهد، ولا يقبل خبر كافر، ولا غير مكلف، ولا فاسق، وان أمكنه معرفة القبلة بالاستدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به، وان وجدت محاريب ببلد خراب لا يعلم أنها للمسلمين، لم يلتفت اليها، ولو نقض أو سقط بناء الكعبة، وجب استقبال موضعها وهوائها، دون أنقاضها، لان المقصود البقعة لا الانقاض. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: (٢) يشترط استقبال جهة الكعبة بالوجه والجسد فى حال القدرة، وينوى التوجه الى القبلة

стр. 2320

برهان ذلك قول الله تعالى «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» الآية. والمسجد الحرام فى المبدأ: انما هو البيت فقط، ثم زيد فيه الشئ بعد الشئ. ولا خلاف بين أحد من الامة أن امرءا لو كان بمكة بحيث يقدر على استقبال الكعبة فى صلاته، فصرف وجهه عامدا عنها الى ابعاض المسجد الحرام، أو من خارجه، أو من داخله، فان صلاته باطلة. مذهب الزيدية: قال الزيدية فى كتاب شرح الازهار: (١) يتحقق استقبال القبلة بتيقن المصلى استقبال عين الكعبة، أو جزء منها، أى جزء كان. وقال فى الانتصار فان توجه ببعض بدنه ففى صحة صلاته تردد، المختار أنها لا تصح. وقال الفقيه يحيى بن أحمد: العبرة بالوجه، وهو الصحيح، فان لم يتمكن من استقبال عينها الا بقطع مسافة بعيدة، نحو أن يحتاج الى صعود جبل عال، حتى يتمكن من اليقين طلبه. ولا يجزيه التحرى الى أن يلزمه آخر الوقت. وقال المنصور: لا تجب المقابلة للعين، الا اذا كان بينه وبينها ميلا فما دون، ولا يجب أكثر من ذلك. وظاهر كلام أهل المذهب أن الحجر من البيت حيث أوجبوا الطواف من خارجه فيجزئ استقباله. واليقين فى استقبال عين الكعبة انما هو فرض على المعاين لها، وهو الذى فى القرب منها، وهو الميل على وجه ليس بينهما حائل. وهو أيضا فرض على من فى حكم المعاين، وهو الذى يكون فى بعض بيوت مكة الداخلة فى الميل التى لا يشاهد منها الكعبة، بأن يكون أعمى، أو بعيدا منها، بحيث لا يتمكن من معاينتها الا بعد خروج الوقت. ويتحقق استقبال القبلة للمصلى فى مسجد الرسول ﵌ بالاتجاه الى محراب الرسول ﵌ الذى عين مكانه، فمن كان معاينا لمحراب الرسول ﵌ أو فى حكم

стр. 2321

المعاين له بأن يكون فى المدينة، فان حكمه حكم المعاين للكعبة، فى أنه لا يجزيه التحرى، بل يلزمه تيقن استقبال جهة ذلك المحراب. فمن كان غير معاين للكعبة ولا فى حكمه ولا مدينة الرسول ﵌ ففرضه التحرى لجهة الكعبة لا لعينها. مذهب الشيعة الإمامية الجعفرية: قال الشيعة الإمامية فى كتاب شرائع الاسلام (١): جهة الكعبة هى القبلة لا البناية، فلو زالت البناية صلى الى جهتها، كما يصلى من هو أعلى موقفا منها. وفى جواهر الكلام: (٢) القبلة: هى الكعبة، ثم المسجد قبلة من نأى عنها، لان التوجه اليه توجه اليها. ومن كان نائيا عنها خارجا عن المسجد الحرام توجه اليها بالتوجه اليه، لما روى عن أبى عبد الله رضى الله عنه أن الله جعل الكعبة قبلة لاهل المسجد، وجعل المسجد قبلة لاهل الحرم، وجعل الحرم قبلة لاهل الدنيا. مذهب الإباضية: قال الإباضية فى كتاب النيل وشرحه: (٣) والواجب على من لا يرى الكعبة الجهة. وجاء فى الايضاح (٤) وشرحه: ويجزيه استقبال هذه الجهة لقول الله : «وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» الاية أى نحوه وتلقاءه. والدليل أيضا على أن الفرض هو الجهة: اتفاق الجميع على جواز صلاة الصف الطويل وهو خارج عن الكعبة ضرورة. وهذا كله اذا لم تكن الكعبة مبصرة، أما اذا كانت مبصرة، فالفرض هو العين. وفى النيل وشرحه أيضا: والحرم قبلة لاهل الافاق يستقبلون الى جهة الحرم، لاجل الكعبة، لعلهم يوافقونها، فانما يستقبلون الحرم قصدا للكعبة، ونية لها، لا قصد الحرم لذاته.

стр. 2322

ويدل على الكعبة محارب فى المساجد وكذا يدل بالقمرين وبالنجوم. وفى المرجعين المذكورين أن الكعبة قبلة البيت الحرام، والبيت قبلة المسجد، والمسجد قبلة مكة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة أهل الافاق كلها، وعلى المصلى أن يستقبل القبلة بوجهه وقلبه وجميع جوارحه. ما تستقبل فيه القبلة وما لا ينبغى استقبالها فيه: مذهب الحنفية: قال الكاسانى فى بدائع الصنائع: (١) الاصل أن استقبال القبلة للصلاة شرط زائد لا يعقل معناه، بدليل أنه لا يجب الاستقبال فى ما هو رأس العبادات، وهو الايمان، وكذا فى عامة العبادات من الزكاة، والصوم والحج، وانما عرف شرطا فى باب الصلاة شرعا فيجب اعتباره بقدر ما ورد الشرع به. فقالوا (٢): لا يجوز لاحد أداء فريضة، ولا نافلة، ولا سجدة تلاوة، ولا صلاة جنازة، الا متوجها الى القبلة. ويقول ابن نجيم (٣): ويستقبل بالاذان والاقامة: القبلة، لفعل الملك النازل من السماء، وللتوارث عن بلال، ولو ترك الاستقبال جاز، وكره لمخالفة السنة، والظاهر أنها كراهة تنزيهية، واذا انته الى الصلاة والفلاح حول وجهه يمنة ويسرة، ولا يحول قدميه، لانه فى حالة الذكر والثناء على الله تعالى، والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، فالاحسن أن يكون مستقبلا، فأما الصلاة والفلاح فدعاء الى الصلاة وأحسن أحوال الداعى أن يكون مقبلا على المدعوين. ويستثنى من سنية الاستقبال ما اذا كان راكبا فانه لا يسن الاستقبال بخلاف ما اذا كان ماشيا. ويقول الميرغينانى (٤): فى صلاة الاستسقاء يستقبل القبلة بالدعاء. ويقول ابن نجيم (٥): ومن مستحبات الوضوء استقبال القبلة فيه.

стр. 2323

وفى حاشية ابن عابدين (١): وكره ترك التوجه الى القبلة عند الذبح بلا عذر لورود السنة بذلك. وفى المبسوط (٢): وصلاة الجنازة فى وجوب استقبال القبلة كسائر الصلوات. ويقول المرغينانى فى متن البداية: (٣) اذا احتضر الرجل وجه الى القبلة على شقه الايمن ولقن الشهادتين. ويقول فى الدفن: (٤) يدخل الميت مما يلى القبلة فاذا وضع فى لحده وجه الى القبلة. وقد نصوا على أشياء لا ينبغى أن تستقبل فيها القبلة. فقال ابن نجيم فى البحر الرائق: (٥) آداب الغسل هى آداب الوضوء لكن يستثنى من آداب الوضوء استقبال القبلة. وفى الهداية والفتح: (٦) ويكره استقبال القبلة بالفرج فى الخلاء لنهيه ﷺ عن ذلك فى قوله «اذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. ويقول الزيلعى فى تبيين الحقائق: (٧) ويكره أن توجه المرأة ولدها نحو القبلة ليتبول. وفى المبسوط: (٨) وينبغى للامام بعد صلاة الفجر أن يستقبل القوم بوجهه، ولا يجلس كما هو مستقبل القبلة، وكان ﷺ اذا صلى الفجر استقبل أصحابه بوجهه. مذهب المالكية: قال المالكية فى الخرشى (٩): وتستقبل القبلة لصلاة فرض ونفل مع الامن من عدو ونحوه ومع القدرة.

стр. 2324

ويقول الدردير: (١) ويشترط فى سجود التلاوة استقبال القبلة ان أمكن والا سجدها متوجها لغير جهة القبلة. وفى موضع آخر: (٢) يقول ويندب للامام بعد الفراغ من الخطبتين اللتين بعد صلاة الاستسقاء أن يستقبل القبلة. وفى موضع قبل ذلك يقول: (٣) ويندب للمؤذن عند الاذان أن يكون مستقبلا للقبلة الا لاسماع فيجوز الاستدبار، ولكن يبتدئ الاذان للقبلة، ويندب للمقيم حال اقامته الصلاة أن يكون مستقبلا للقبلة. وفى موضع آخر يقول: (٤) الافضل توجيه المذبوح أو المنحور للقبلة لانها أفضل الجهات. ويقول بالنسبة للميت: (٥) ويندب للميت استقبال القبلة عند شخوصه ببصره على شقة الايمن، ثم اذا تعسر على الشق الايمن، فعلى ظهره، رجلاه الى القبلة. وجاء فى الشرح الكبير أيضا (٦) أنه يحرم على المكلف اذا قضى حاجته فى الفضاء أن يستقبل القبلة، أو يستدبرها بلا ساتر، فان استتر بحائط، أو صخرة، أو ثوب أو غير ذلك، فلا حرمة، والاولى الترك مراعاة للخلاف. ثم قال ويحرم على المكلف الوط ء لحليلته فى الفضاء مستقبلا القبلة بلا ساتر، والا يكن فى الفضاء، بأن كان فى منزله، ولو فى ساحة الدار، أو رحبتها، أو سطحها، أو كان فى الفضاء ولكن بساتر فلا حرمة. مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج: (٧) واستقبال القبلة لا يجب فى غير الصلاة فتعين أن يكون فيها. ويقول: وشرط فى استقبال القبلة: أن يكون المستقبل قادرا على الاستقبال. فالعاجز لمرض، ومربوط على خشبة، وغريق على لوح يخاف من استقبال القبلة الغرق، ومن خاف من نزوله عن دابته على نفسه، أو ماله، أو انقطاعا

стр. 2325

عن الرفقة، فانه يصلى على حسب حاله، ويعيد على الاصح. وقال الاذرعى: لو أمكنه أن يصلى الى القبلة قاعدا والى غيرها قائما وجب الاول، لان فرض استقبال القبلة آكد من فرض القيام، بدليل سقوط القيام فى النفل مع القدرة من غير عذر. ويقول: (١) وسن أن يتوجه فى الاذان وفى الاقامة للقبلة، لانه المنقول سلفا وخلفا، ولانها أشرف الجهات، فلو ترك ذلك مع القدرة كره، واجزأه لانه لا يخل به، ويسن أن يلتفت فى الاذان والاقامة بوجهه لا بصدره، من غير أن ينتقل عن محله، محافظة على استقبال القبلة. وجاء فى المهذب: (٢) حكم سجود التلاوة حكم صلاة النفل يفتقر الى الطهارة، والستارة، واستقبال القبلة، لانها صلاة فى الحقيقة. وفى موضع آخر يقول: (٣) والمستحب استقبال القبلة فى أثناء الخطبة فى صلاة الاستسقاء، لما روى عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ خرج الى المصلى يستسقى، فاستقبل القبلة، ودعا، وحول رداءه. وجاء فى نهاية المحتاج (٤) يشترط فى صلاة الجنازة شروط غيرها من الصلاة، كستر، وطهارة، واستقبال، لانها تسمى صلاة، فكانت كغيرها من الصلوات. وقال قبل ذلك: (٥) من حضره الموت ولم يمت يضطجع على جنبه الايمن ندبا كالموضوع فى اللحد الى القبلة ندبا أيضا، فان تعذر وضعه على يمينه فيوضع على جنبه الايسر، لانه أبلغ فى التوجه من استلقائه، فان تعذر القى على قفاه ووجهه واخمصاه أى أسفل الرجلين - الى القبلة، والتلقين مقدم على الاستقبال ان ظن بقاء حياته. وجاء فى المهذب (٦): أن سلمى أم ولد رافع قالت: قالت فاطمة بنت رسول الله ﷺ : ضعى فراشى هاهنا، واستقبلى بى القبلة، ثم قامت، واغتسلت كأحسن ما يغتسل، ولبست ثيابا جددا، ثم

стр. 2326

قالت: تعلمين أنى مقبوضة الان، ثم استقبلت القبلة، وتوسدت يمينها. وفى نهاية المحتاج: (١) يوضع الميت فى اللحد، أو غيره على يمينه ندبا، ويوجه للقبلة حتما، تنزيلا له منزلة المصلى، فان دفن مستدبرا أو مستلقيا نبش حتما ان لم يتغير، ولئلا يتوهم أنه غير مسلم. ولو ماتت ذمية وفى جوفها جنين مسلم جعل ظهرها للقبلة وجوبا ليتوجه الجنين للقبلة. ويقول فى موضع آخر: (٢) يوجه الذابح ذبيحته للقبلة. وقال صاحب شرح المنهاج: وفى الاضحية ونحوها آكد، والاصح: أنه يوجه مذبحها ليمكنه هو الاستقبال أيضا فانه مندوب. وفى المهذب: (٣) اذا دخل الرجل الخلاء فانه لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: اذا ذهب أحدكم الى الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بغائط ولا بول. ويجوز ذلك فى البنيان، لما روت عائشة رضى الله عنها: أن ناسا كانوا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول الله ﷺ ، أو قد فعلوها. حولوا بمقعدتى الى القبلة. أما الفضاء فلانه لا يخلو غالبا عن مصل، انس، أو غيره، فقد يرى قبله ان استدبرها، أو دبره ان استقبلها. ولو تعارض الاستقبال والاستدبار، وجب الاستدبار، لان الاستقبال أفحش. مذهب الحنابلة: (٤) تستقبل القبلة فى الصلاة، وهو شرط من شروط صحتها، وذلك مع القدرة، ولا فرق بين الفريضة والنافلة، لانه شرط للصلاة، فاستوى فيه الفرض والنفل، لان قول الله تعالى: «وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ﴾

стр. 2327

﴿أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ» (١) الآية: عام فيهما جميعا. وفى كشاف القناع: (٢) ويسن أن يكون المؤذن مستقبل القبلة. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم علي أن من السنة أن يستقبل القبلة بالاذان، وذلك لان مؤذنى رسول الله ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلى القبلة، فان أخل باستقبال القبلة كره له ذلك وصح. وفى موضع آخر يقول: (٣) من سنن الوضوء استقبال القبلة. وفيه عند الكلام (٤) عن سجود التلاوة: والراكب والمسافر يومئ بالسجود للتلاوة حيث كان وجهه كسائر النوافل، ويسجد المسافر الماشى بالارض مستقبلا القبلة. وفى موضع آخر: (٥) يستحب أن يستقبل الامام القبلة فى أثناء الخطبة لصلاة الاستسقاء، ثم يحول رداءه، لانه ﵊ حول رداءه حين استقبل القبلة، رواه مسلم. ونقل صاحب كشاف القناع عن النووى أن فيه استحباب استقبال القبلة للدعاء، ويلحق به الوضوء، والغسل، والتيمم، والقراءة، وسائر الطاعات، الا ما خرج بدليل. وقال فى الذبيحة: (٦) يسن توجيه الذبيحة الى القبلة، لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلّم، لما ضحى وجه أضحيته الى القبلة، ثم قال: ويكره توجيه الذبيحة الى غير القبلة. وفيه أيضا: (٧) يسن توجيه المحتضر الى القبلة قبل النزول به، وتيقن موته، وبعد موته، لقوله ﵊ عن البيت الحرام: قبلتكم أحياء وأمواتا، وروى عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ . إنها قالت لام رافع: استقبلن بى القبلة ثم قامت فاغتسلت كأحسن ما يغتسل ولبست ثيابا جددا ثم قالت تعلمين أنى مقبوضة الان ثم استقبلت القبلة وتوسدت يمينها. وجاء بعد ذلك: (٨) يجب أن يدفن الميت مستقبلا القبلة لقول رسول

стр. 2328

الله ﷺ فى الكعبة قبلتكم أحياء وأمواتا. وقال ابن قدامة المقدسى: (١) ولا يجوز استقبال القبلة فى الفضاء، لقضاء الحاجة فى قول أكثر أهل العلم. لما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : اذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة. ولا يولها ظهره، ولمسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ : اذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة. ولا يستدبرها. وقال عروة بن ربيعة وداود يجوز استقبالها واستدبارها، لما روى جابر رضى الله عنه قال: نهى رسول الله ﷺ : أن نستقبل القبلة ببول، ورأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. فأما فى البنيان، أو اذا كان بينه وبين القبلة شئ يستره ففيه روايتان: احداهما: لا يجوز، لعموم الاحاديث فى النهى. والثانية: يجوز استقبالها واستدبارها فى البنيان، روى ذلك عن العباس وابن عمر رضى الله عنهما. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى: (٢) أمرنا باستقبال الكعبة فى الصلاة خاصة، والسجود وحده ليس صلاة وهو جائز بلا طهارة والى غير القبلة. وقال ابن حزم فى موضع آخر: (٣) يجزئ الاذان والاقامة الى غير القبلة، وأفضل ذلك أن لا يؤذن الا الى القبلة، وانما قلنا ذلك، لانه لم يأت عن شئ من هذا نهى، وانما تخيرنا أن يؤذن ويقيم الى القبلة لانه عمل أهل الاسلام قديما وحديثا. وقال ابن حزم فى المحلى فى موضع آخر: (٤) يجوز سجود التلاوة على غير وضوء والى غير القبلة كيفما يمكن اذ لا نص فى أن سجدة التلاوة صلاة.

стр. 2329

وقال قبل ذلك (١): ان أراد الامام البروز فى الاستسقاء خاصة فليخرج متبذلا متواضعا الى موضع المصلى والناس معه، فيبدأ فيخطب بهم، ويدعو الله ، ثم يحول وجهه الى القبلة، وظهره الى الناس، لما روى عن عبد الله بن زيد الانصارى رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم خرج يستسقى فحول الى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو. ثم قال فى موضع آخر (٢): توجيه الميت الى القبلة حسن، فان لم يوجه فلا حرج قال الله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ» ولم يأت بنص بتوجيهه الى القبلة، وروى عن جابر رضى الله عنه قال: سألت الشعبى عن الميت يوجه الى القبلة؟ فقال: ان شئت فوجهه، وان شئت فلا توجهه. وفى الصلاة على الميت قال: (٣) يصلى على الميت بامام يقف ويستقبل القبلة. وقال أيضا فى دفن الميت: (٤) يدخل الميت القبر كيف أمكن، اما من قبل القبلة، أو من دبر القبلة، أو من قبل رأسه، أو من قبل رجليه، اذ لا نص فى شئ من ذلك، وقد صح عن على أنه أدخل يزيد بن المكفف من قبل القبلة وصح عن عبد الله بن يزيد الانصارى رضى الله عنه صاحب رسول الله ﷺ أنه أدخل الحارث الخارفى من قبل رجلى القبر ثم أطال فى نقل الاثار المختلفة وانته بقوله: وكل هذا لو صح لم تقم به حجة فى الوجوب، فكيف وهو لا يصح لانه ليس فيه منع مما سواه. وقال قبل ذلك فى موضع آخر: (٥) يجعل الميت فى قبره على جنبه الايمن، ووجهه قبالة القبلة ورأسه ورجلاه الى يمين القبلة ويسارها، على هذا جرى عمل أهل الاسلام من عهد رسول الله ﷺ الى يومنا هذا. وقال فيما لا يجوز استقبال القبلة فيه: (٦) لا يجوز استقبال القبلة

стр. 2330

واستدبارها للغائط والبول، لا فى بنيان ولا فى صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك فى حال الاستنجاء، لما روى عن أبى أيوب أن رسول الله ﷺ قال: اذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا غائط، وروى عن سلمان الفارسى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ نهانا أن يستنجى أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة. مذهب الزيدية: قال الزيدية: (١) تستقبل القبلة فى الصلاة فرضا أو نفلا، وهو شرط من شروط صحتها. ويندب استقبال القبلة عند الاذان. جاء فى البحر الزخار (٢): ويؤذن قائما مستقبلا ندبا لعادة السلف. وفى شرح الازهار: لو كان غير مستقبل للقبلة فانه يكره ويصح أذانه، وفى شرح الابانة: اذا تعمد فى التكبير والشهادتين أعاد. ونقل صاحب البحر (٣): عن أبى طالب تستقبل القبلة عند سجود التلاوة. وفى شرح الازهار: (٤) قال فى سجود التلاوة: يسجد طاهرا مستقبل القبلة. وفى البحر الزخار: (٥) ويندب استقبال القبلة عند التكبير والتسبيح فى الدعاء فى صلاة الاستسقاء، قال الناصر: بعد حمد الله والصلاة على نبيه يكبر مائة تكبيرة، مستقبلا القبلة، ثم يحمد الله مثلها مستقبلا القبلة. وفيه عند الكلام على الذبائح: (٦) وندب استقبال القبلة عند الذبح لفعله ﷺ واستقبال القبلة عند الذبح هو لاجل الموت فلو ذبح غير مستقبل القبلة فوجهه الى القبلة عند الموت كفى، وقيل انما الاستقبال لاجل الذبح فلو أنحرف بعده لم يضر. وفى الازهار: (٧) يندب توجيه المحتضر للقبلة فمتى احتضر المريض الذى

стр. 2331

حضره الموت وجه الى القبلة مستلقيا على ظهرة، ويصف قدماه الى القبلة، ليكون وجهه اليها كالقائم. وقال بعد ذلك (١) ويوضع الميت فى القبر على جنبه الايمن مستقبلا وجوبا بوجهه القبلة وهذا لا خلاف فيه. وجاء فيه قبل ذلك: (٢) يكره استقبال القبلتين عند قضاء الحاجة والعبرة بكل بدنه، وقيل بالفرجين والقبلتان هما الكعبة وبيت المقدس. أما الكعبة فالمذهب أنه مكروه، ولا فرق بين الصحارى والعمران. وقيل انه محرم فيهما. وأما بيت المقدس ففيه قولان. الاول: أن حكمه حكم الكعبة على الظاهر من مذهب أئمة العترة. الثانى: أنه غير منهى عنه وكذلك يكره استدبار القبلتين والاستقبال أشد وساق حديث: اذا ذهب أحدكم الى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط قال: وكذا حال الاستنجاء والجماع فان الاستقبال مكروه فيهما مذهب الشيعة الإمامية: قال الإمامية فى كتاب شرائع الاسلام (٣): ويجب استقبال القبلة فى فرائض الصلاة مع الامكان وعند الذبح وبالميت عند احتضاره ودفنه والصلاة عليه، وأما النوافل فالافضل استقبال القبلة بها. وجاء فى جواهر الكلام (٤): يجوز صلاة النوافل لغير القبلة اختيارا مطلقا وفاقا للمحكى عن ابن حمزة وللفاضل فى الارشاد وعن التلخيص وأبى العباس فى المهذب وعن الموجز وكشف الالتباس ومجمع البرهان بل ربما نقل أيضا عن علم الهدى للاصل والنقل المستفيض كما اعترف به غير واحد أن قول الله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ» نزل فى النافلة فاطلاقه حينئذ حجة على المطلوب واطال فى ذلك. ونقل عن جامع المقاصد أن الوجوب المستفاد فى قول الرسول ﷺ «صلوا كما رأيتمونى أصلى» يراد به أحد أمرين. اما كونه شرطا للشرعية مجازا بمشاركته الواجب فى كونه لا بد منه، فمع المخالفة يأثم بفعل النافلة الى غير القبلة. أو كون وجوبه مشروطا، بمعنى أنه ان فعل النافلة وجب فعلها الى القبلة

стр. 2332

فمع المخالفة يأثم بترك الاستقبال وبفعلها الى غير القبلة معا، وهذا المعنى يثبت على تقدير دلالة قوله ﷺ «صلوا كما رأيتمونى أصلى» على وجوب الاستقبال. وقالوا ان قول الله تعالى «وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» أنها مختصة فى صلاة الفريضة. ونقل عن أبى جعفر أنه قال: ان الله يقول لنبيه ﷺ فى الفريضة «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ»﴾. (١) ونقل عن مجمع البيان عن أبى جعفر وأبى عبد الله فى قول الله تعالى «وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ»﴾. (٢) انها ليست بمنسوخة وأنها مخصوصة بالنوافل فى حال السفر. ثم انته صاحب جواهر الكلام الى قوله وتجوز النافلة راكبا وماشيا دون اشتراط استقبال القبلة حتى فى تكبيرة الاحرام منها من غير فرق بين السفر والحضر. وفى الروضة البهية: (٣) على المؤذن، استقبال القبلة فى جميع الفصول خصوصا الاقامة. وفى موضع آخر من الروضة: (٤) استقبال القبلة بالمذبوح لا الذابح وذلك بمقاديم بدن المذبوح ومنه مذبحه. وربما قيل بالاكتفاء باستقبال المذبح خاصة، ولو ترك الاستقبال ناسيا فلا بأس للاخبار الكثيرة، وفى الجاهل وجهان، والحاقه بالناسى حسن. وجاء فى موضع آخر من الروضة أيضا: (٥) ويجب كفاية توجيه المحتضر الى القبلة فى المشهور بأن يجعل ظهره وباطن قدميه اليها بحيث لو جلس استقبل القبلة، ولا فرق فى ذلك بين الصغير والكبير، ولا يختص الوجوب بوليه بل بمن علم باحتضاره. وقال صاحب شرائع الاسلام: (٦) يسقط فرض الاستقبال فى كل موضع لا يتمكن منه كصلاة المطاردة وعند

стр. 2333

ذبح الدابة العائلة والمتردية لا بحيث لا يمكن صرفها الى القبلة. وفى الروضة البهية: (١) يجب على المتخلى ترك استقبال القبلة بمقاديم بدنه فلا يكفى تحويل العورة خاصة مع استقباله واستدباره وذلك فى البناء وغيره. مذهب الإباضية: قال الإباضية فى كتاب الايضاح: (٢) استقبال القبلة شرط فى صحة الصلاة لقول الله تعالى «وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» الآية. وجاء فى النيل وشرحه: (٣) ويندب للمؤذن حال الاذان أن يكون مستقبلا للقبلة الا قوله حى على الصلاة فانه يلتفت بوجهه فقط لليمين، وحى على الفلاح للشمال، كما يندب استقبال القبلة للمقيم عند اقامته للصلاة. وفيه أيضا: (٤) أن استقبال القبلة فى سجود التلاوة أفضل بناء على أنها دعاء ويجوز غيره. وقيل لا بد من الاستقبال بناء على أنها صلاة. وقيل يتعين على من سجد بغيره اماما، وأما المأموم فيستجب له وهو ضعيف جدا لوجود مخالفة أمامه. وفى موضع آخر قبل ذلك: (٥) من شروط التذكية استقبال القبلة فلو ذبح ذابح أو نحر ناحر بلا استقبال القبلة لم يحكم عليها بأنها ذبيحة شرعية أو نحيرة شرعية فلا تؤكل وهذا قول. وقيل أنها لا تحرم لعدم الاستقبال ويكون المراد من أن الاستقبال شرط فى التذكية. أنه شرط فى التذكية التامة. وجاء فى الايضاح (٦) وفى الصلاة على الميت: أنهم يضعونه مستقبلا للقبلة كما يوضع فى القبر، وان صلوا عليه مكبا على وجهه أو مستدبرا للقبلة أو مستلقيا على ظهره ورأسه الى القبلة فلا يجزيهم ذلك وعليهم الاعادة. وجاء فى كتاب النيل وشرحه: (٧) وسن عند قضاء الحاجة ألا يكون

стр. 2334

مستدبرا للقبلة ولا مستقبلا لها لحرمتها على الصحيح. ثم قال وجاز فى المبانى والصحارى. وقيل يجوز فى المبانى لا فى الصحارى وقيل يجوز فى غير مكة. وقيل فيها أيضا لم يستقبل أو يستدبر المسجد بالرؤيا والمقابلة، ويكفى الستر بثيابه فمن ستر قبله أو دبره بثوبه لم يضره فى قول بعض استقبال أو استدبار جهة القبلة. وفيه عند الكلام عن غسل الميت: (١) ولا يجعل الميت فى حالة غسله مستقبلا للقبلة الا ان لم يمكنهم غير ذلك. استقبال القبلة فى الخوف والمرض والسفر وعند العذر: مذهب الحنفية: يقول السرخسى: (٢) ويصلى المسافر التطوع على دابته بايماء حيثما توجهت به لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ كان يصلى على دابته تطوعا حيث توجهت به، وتلا قول الله تعالى: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا﴾ ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ»،﴾ وعن جابر رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ فى غزوة انما يتطوع على دابته بالايماء، ووجهه الى المشرق. الا أن فى حديث ابن عمر رضى الله عنه أنه كان ينزل للوتر والمكتوبة. وفى حديث جابر رضى الله عنه أنه كان يوتر على دابته وينزل للمكتوبة. ونقل عن الهارونيات أن أبا حنيفة ﵀ لا يجوز التطوع على الدابة فى المصر. وعن محمد ﵀ يجوز ويكره. وعند أبى يوسف ﵀ لا بأس به ثم قال: ولا يصلى المسافر المكتوبة على الدابة من غير عذر لان المكتوبة فى أوقات محصورة فلا يشق عليه النزول. وفى موضع آخر من المبسوط (٣) قال: وفى السفينة يلزمه التوجه الى القبلة عند افتتاح الصلاة، ولذلك كلما دارت السفينة يتوجه اليها، لانها فى حقه كالبيت فيلزمه التوجه الى القبلة.

стр. 2335

وقال الكمال بن الهمام فى الفتح: (١) ولو كان على الدابة يخاف النزول للطين والردغة - أى الوحل الشديد - يستقبل، ونقل عن صاحب الظهيرية أن هذا اذا كانت واقفة سائرة يصلى حيث يشاء. قال المرغينانى: (٢) والمريض ان لم يستطع القعود استلقى على ظهره، وجعل رجليه الى القبلة، وان استلقى على جنبه ووجهه الى القبلة فأومأ جاز. ويقول الكاسانى: (٣) اذا كان المصلى عاجزا عن استقبال القبلة مع العلم بها لعذر فله أن يصلى الى أى جهة كانت، ويسقط عنه الاستقبال نحو أن يخاف على نفسه من العدو فى صلاة الخوف أو كان بحال لو استقبل القبلة يثب عليه العدو، أو كان على لوح من السفينة فى البحر لو وجهه الى القبلة يغرق غالبا، أو كان مريضا لا يمكنه أن يتحول بنفسه الى القبلة وليس بحضرته من يحوله اليها ونحو ذلك، لان هذا شرط زائد على حقيقة الصلاة فليسقط عند العجز. ويقول ابن نجيم فى البحر الرائق: (٤) الخائف يصلى الى أى جهة قدر، لان استقبال القبلة شرط زائد يسقط عند العجز، فيتوجه الى أى جهة قدر. والخائف من له عذر فيشمل المريض اذا كان لا يقدر على التوجه وليس عنده من يحوله اليها، أو كان التحويل يضره والتقييد بعدم وجود من يحوله يجرى على قول الصاحبين. أما عند الامام فالقادر بقدرة غيره ليس بقادر كما يشمل ما اذا كان فى السفينة يخاف الغرق اذا انحرف اليها وما اذا كان فى طين وردغة - أى وحل شديد - لا يجد على الارض مكانا يابسا أو كانت الدابة جموحا لو نزل لا يمكنه الركوب الا بمعين أو كان شيخا كبيرا لا يمكنه أن يركب الا بمعين ولا يجده. ويقول الميرغينانى: (٥) ان اشتد الخوف صلوا ركبانا فرادى يومئون بالركوع والسجود الى أى جهة شاءوا اذا لم يقدروا على التوجه الى القبلة. مذهب المالكية: قال المالكية فى كتاب الخرشى: (٦) وجهة السفر للمسافر عوض له عن

стр. 2336

توجهه الى الكعبة فى النوافل وان وترا لفعل رسول الله صلّى الله عليه ذلك، وأحرى ركعتا الفجر وسجود التلاوة، بشرط أن يكون سفره سفر قصر، وان يكون لراكب دابة، فلا يرخص فى ذلك فى حضر، ولا فيما دون مسافة القصر، أو سفر غير مباح، ولو الى القبلة، ولا لماش، ولا لراكب سفينة، فاذا استوفى هذه الشروط، فله أن يبتدئ تنفله الى جهة سفره، ولا يجب عليه أن يبتدأه الى جهة القبلة، ولو انحرف بعد احرامه الى غير جهة سفره عامدا لغير ضرورة بطلت، الا أن يكون الى القبلة فلا شئ عليه، لانها الاصل، وان كان لضررة كظنه أنها طريقة أو غلبته دابته فلا شئ عليه. وقال بالنسبة لراكب السفينة: (١) يمنع من تنفله صوب سفره كالفرض ليتيسر استقباله بدورانه لجهة القبلة اذا دارت عنها مع امكانه، والفرض والنفل فى هذا سواء. وفى حاشية العدوى: فان لم يمكن صلاها حيث توجهت به، وان اتسع الوقت كما هو ظاهر المدونة (٢). وجاء فى التاج والاكليل على هامش الحطاب: (٣) اذا اشتد الخوف صلوا على قدر طاقتهم يركعون ايماءا مستقبلين القبلة أو غيرها. ويسقط استقبال القبلة عن المكتوف والمربوط وصاحب الهدم - أى من وقع عليه الهدم - والمسايف للعدو والخائف من اللصوص والسباع اذا كان يخشى متى وقف أدركه العدو أو اللصوص أو السباع. مذهب الشافعية: قال الشافعية فى كتاب نهاية المحتاج: (٤) ونفل السفر المباح لا يشترط فيه الاستقبال، لأن رسول الله ﷺ كان يصلى على راحلته فى السفر حيثما توجهت به، رواه الشيخان، اذ الناس محتاجون الى الاسفار، فلو شرطنا فيها الاستقبال للتنفل لادى الى ترك مصالح معايشهم، ويشترط دوام السفر فلو صار مقيما فى أثناء الصلاة وجب اتمامها على الارض مستقبلا القبلة، ولا يجوز لراكب السفينة التنفل حيث توجهت لتيسر الاستقبال، ويستثنى منه

стр. 2337

الملاح وان لم يكن رئيس الملاحين، فانه يتنفل الى جهة مقصده فان أمكن استقبال الراكب القبلة لزمه والا فالاصح ان سهل الاستقبال وجب، لكونه متيسرا عليه، فان لم يسهل فلا يجب الاستقبال للمشقة، وقيل يجب عليه مطلقا وقيل لا مطلقا. وجاء فى المهذب: (١) ان عجز المريض عن القيام والقعود صلى على جنبه ويستقبل القبلة بوجهه. ومن أصحابنا من قال: يستلقى على ظهره ويستقبل القبلة برجليه. والمنصوص فى البويطى هو الاول، والدليل عليه ما روى على رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: يصلى المريض قائما، فان لم يستطع صلى جالسا، فان لم يستطع صلى على جنبه، مستقبل القبلة، فان لم يستطع صلى مستلقيا على قفاه ورجلاه الى القبلة، ولانه اذا اضطجع على جنبه استقبل القبلة بجميع بدنه، واذا استلقى لم يستقبل القبلة الا برجليه. وفى موضع آخر (٢) ان اشتد الخوف ولم يتمكن من تفريق الجيش صلوا رجالا وركبانا، مستقبلى القبلة وغير مستقبليها، لقول الله «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ الآية»: (٣) قال ابن عمر رضى الله تعالى عنه: مستقبلى القبلة وغير مستقبليها ثم قال: فاذا أمن قبل تمام صلاته فنزل فان استدبر القبلة فى النزول بطلت صلاته، لانه ترك القبلة من غير خوف. وفى نهاية المحتاج (٤) ومن الخوف المجوز لترك الاستقبال أن يكون شخص فى أرض مغصوبة، ويخاف فوت الوقت فله أن يحرم ويتوجه للخروج، ويصلى بالايماء الا فى نفل السفر المباح لمن له مقصد معلوم، فلا يشترط فيه الاستقبال، فله أن يصلى غير الفرائض ولو عيدا أو ركعتى الطواف، لأن رسول الله ﷺ كان يصلى على راحلة فى السفر حيثما توجهت به أى فى أى جهة مقصده، رواه الشيخان، وقيس بالراكب الماشى، لان المشى أحد السفرين وقد استويا فى صلاة الخوف، فكذا فى النافلة.

стр. 2338

مذهب الحنابلة: قال الحنابلة فى كتاب المغنى لابن قدامة المقدسى: (١) ان كان على الراحلة فى مكان واسع يتمكن من الصلاة الى القبلة والركوع والسجود فعليه استقبال القبلة فى صلاته. وان كان يعجز عن استقبال القبلة فى ابتداء صلاته كراكب راحلة لا تطيعه، أو كان فى قطار - أى من الابل ونحوها - فليس عليه استقبال القبلة فى شئ من الصلاة. فان أمكنه افتتاحها الى القبلة ففيه روايتان. احداهما يلزمه لما روى أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان اذا سافر، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه، ولانه أمكنه استقبال القبلة فى ابتداء الصلاة، فلزمه ذلك، كالصلاة كلها. والثانية: لا يلزمه، لانه جزء من أجزاء الصلاة أشبه سائر أجزائها، ولان ذلك لا يخلو عن مشقة فسقط، وما روى عن النبى ﷺ يحمل على الفضيلة والندب. وقبلة هذا المصلى حيث كانت وجهته، فان عدل عنها الى جهة الكعبة جاز، لأنها الاصل، وان عمد الى غيرها فسدت صلاته لتركه القبلة عمدا وان فعل ذلك مغلوبا أو ظنا منه أنها جهة سفره، فهو على صلاته، ويرجع الى جهة سفره عند زوال العذر، لانه مغلوب على ذلك، فأشبه العاجز عن الاستقبال، فان تمادى به ذلك بعد زوال عذره، فسدت صلاته، لانه ترك الاستقبال عمدا. ولا فرق بين جميع التطوعات فى هذا، فيستوى فيه النوافل المطلقة، والسنن الرواتب والمعينة، والوتر، وسجود التلاوة، وقد كان النبى ﷺ يوتر على بعيره. ثم قال: وأما الماشى فى السفر ففى رواية عن أحمد، أنه يصلى ماشيا، ويستقبل القبلة، لافتتاح الصلاة، ثم ينحرف الى جهة سيره، واحتجوا بأن الصلاة أبيحت للراكب، لئلا ينقطع عن القافلة فى السفر، وهذا المعنى موجود فى الماشى، ولانه احدى حالتى سير المسافر. وفى كشاف القناع: (٢) والمريض العاجز عن استقبال القبلة، أو العاجز عمن يديره اليها، ومثله المربوط فتصح صلاتهم الى غير القبلة بلا اعادة.

стр. 2339

والمتنفل راكبا وماشيا فى سفر غير محرم ولا مكروه، ولو سفرا قصيرا، فانه يسقط عنه شرط استقبال القبلة ان تعذر عليه. وجاء فى المغنى لابن قدامة المقدسى (١) اذا اشتد الخوف بحيث لا يتمكن من الصلاة الى القبلة أو احتاج الى المشى، أو عجز عن بعض أركان الصلاة، اما لهرب مباح من عدو، أو سيل، أو سبع أو حريق، أو نحو ذلك مما لا يمكنه التخلص منه الا بالهرب أو المسايفة والتحام الحرب والحاجة الى الكر والفر والطعن والضرب والمطاردة، فله أن يصلى على حسب حاله راجلا وراكبا، الى القبلة ان أمكن، والى غيرها ان لم يمكن، فاذا كان خوفا هو أشد من ذلك، صلوا رجالا قياما على أقدامهم، وركبانا، مستقبلى القبلة، وغير مستقبليها. واذا أمكن افتتاح الصلاة الى القبلة فهل يجب ذلك؟ قال أبو بكر: فيه روايتان أحداهما لا يجب، لانه جزء من أجزاء الصلاة، فلم يجب الاستقبال فيه كبقية أجزائها. والثانية يجب، لانه أمكنه ابتداء الصلاة مستقبلا القبلة، فلم يجز بدونه. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى: (٢) جائز للمرء أن يتطوع راكبا حيث توجهت به دابته الى القبلة وغيرها فى السفر. برهان ذلك أن رسول الله ﷺ . كان يصلى التطوع وهو راكب فى غير القبلة، وما روى عن عبد الله ابن دينار قال: كان عبد الله بن عمر يصلى فى السفر على راحلته أينما توجهت به، ونقل عن على أن هذا الحكم يسرى على عموم المراكب أى شئ ركب، وفى كل حال من سفر أو حضر، وهذا العموم زائد على كل خبر ورد فى هذا الباب ولا يجوز تركه وهو قول أبى يوسف وغيره. ولم يأت فى الراجل نص أن يتطوع ماشيا، والقياس باطل، فلا يجوز ذلك لغير الراكب، وقد روينا عن وكيع عن سفيان الثورى عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعى قال: كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت بهم وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين رضى الله عنهم عموما فى السفر والحضر (٣).

стр. 2340

وقال ابن حزم الظاهرى فى المحلى أيضا، بالنسبة لصلاة الفرض: (١) من كان راكبا على محمل، أو على فيل، أو كان فى غرفة، أو فى أعلى شجرة، أو على سقف، أو فى قاع بئر، أو على نهر جامد أو على حشيش أو صوف، أو على جلود، أو خشب، أو غير ذلك، فقدر على الصلاة قائما، فله أن يصلى الفرض حيث هو قائم مع استقبال الكعبة ولا بد. ثم قال: فان عجز عن القيام واستقبال القبلة فى الاحوال التى ذكرنا ففرض عليه النزول الى الارض والصلاة كما أمر الا من ضرورة تمنعه من النزول فليصل كما يقدر. وقال فى موضع آخر من المحلى أيضا: (٢) فان كان قوم فى سفينة لا يمكنهم الخروج الى البر الا بمشقة، فليصلوا فيها كما يقدرون بامام وأذان واقامة ولا بد، فان عجزوا عن اقامة الصفوف والقيام صلوا كما يقدرون. وقال ابن حزم فى موضع آخر من المحلى: (٣) واستقبال جهة الكعبة بالوجه والجسد فرض على المصلى حاشا المتطوع راكبا، فمن كان مغلوبا بمرض، أو بجهد، أو بخوف أو باكراه، فتجزيه صلاته كما يقدر، وينوى فى كل ذلك التوجه الى الكعبة لقول الله تعالى «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» (٤) الآية وقول رسول الله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، الحديث. مذهب الزيدية: قال الزيدية فى كتاب شرح الازهار: (٥) يسقط فرض التوجه الى الكعبة عن المصلى اذا كان مسايفا - أى مقاتلا بالسيف - مجاهدا أو مربوطا لا يمكنه الانصراف الى الجهة، أو راكب سفينة، أو غيرها على وجه يتعذر عليه الاستقبال، أو كان مريضا ولم يجد من يوجهه اليها. وفرضه أن يصلى الى حيث أمكنه آخر الوقت والمتنفل الراكب فى غير الهودج يعفى من استقبال القبلة لقول رسول الله ﷺ : صل حيث توجه بك بعيرك الا المكتوبة.

стр. 2341

وقد تضمن هذا أنه لا يعفى مع التمكن من استقبال القبلة من دون مضرة الا بثلاثة شروط. الاول: أن تكون الصلاة نفلا لا فرضا. الثانى: أن يكون الركوب فى حال السفر كما صرح الامام يحيى. أما بالنسبة لمن فى الحضر فوجهان. المختار أنه لا يجوز الى غير القبلة. الشرط الثالث: أن يكون ركوبه فى غير المحمل، لانه اذا كان فى المحمل أمكنه استقبال القبلة. وفى شرح الازهار (١): وان اتصلت المدافعة للعدو أو ما فى حكمه من نار أو سبع أو سيل أو نحوها وخاف المدافع فوت الصلاة بخروج الوقت، فعل منها ما أمكن فعله مع المدافعة ولو لم يستوف أركانها، كالعليل ولو كان ذلك فى الحضر. ولا تفسد هذه الصلاة بما لا بد للمصلى منه حال الصلاة من قتال أو انفتال - أى انحراف - عن القبلة ونحوهما من العدو والركوب. فأما اذا كان منه بد وكان مما يعد فعلا كثيرا فى هذه الحال أفسد. وفى الكافى عن الناصر وزيد بن على لا تفسد. مذهب الإمامية: قال الإمامية فى كتاب شرائع الاسلام (٢) والمسافر يجب عليه استقبل القبلة، ولا يجوز له أن يصلى شيئا من الفرائض على الراحلة الا عند الضرورة، ويستقبل القبلة، فان لم يتمكن استقبل القبلة بما أمكنه من صلاته، وينحرف الى القبلة كلما انحرفت الدابة، فان لم يتمكن استقبل لتكبيرة الاحرام، ولو لم يتمكن من ذلك أجزأته الصلاة، وان لم يكن مستقبلا، وكذا المضطر الى الصلاة ماشيا مع ضيق الوقت. وفى كتاب جواهر الكلام (٣): ضرورة عدم الفرق عندنا بين المشى والركوب وغيرهما فى جميع ما سبق من الاحكام حال الاختيار والاضطرار والكيفية. ونقل عن المنتهى أنه اذا اضطر يصلى على حسب حاله ماشيا يستقبل القبلة ما أمكنه.

стр. 2342

وفى موضع آخر من جواهر الكلام (١) أيضا سئل أبو عبد الله عن الصلاة فى السفينة، ربما استقبل المصلى القبلة فدارت السفينة؟ قال: تحر القبلة جهدك ونقل صاحب الجواهر عن المبسوط أن من صلى فى السفينة، صلى قائما، مستقبلا القبلة، فاذا دارت دار معها، واستقبل القبلة فان لم يمكنه استقبل بأول تكبيرة، ثم صلى كيفما دارت. وقيل يصلى الى صدر السفينة اذا كانت الصلاة نافلة. وفى كتاب الروضة البهية (٢) ان عجز المريض عن القيام والقعود اضطجع، ويجب الاستقبال حينئذ بوجهه، فان عجز عن الاضطجاع على أحد جنبيه استلقى على ظهره وجعل باطن قدميه الى القبلة ووجهه بحيث لو جلس كان مستقبلا كالمحتضر. وفى الروضة البهية فى موضع آخر أيضا (٣): فى صلاة الخوف: يصلون بحسب المكنة ركبانا ومشاة جماعة وفرادى، ويغتفر اختلاف الجهة هنا، لان الجهات قبلة فى حقهم هنا ويجب الاستقبال بما أمكن، ولو بالتحريمة - أى تكبيرة الاحرام - فان عجز سقط. مذهب الإباضية: قال الإباضية فى كتاب شرح النيل (٤): وصح تنفل على راحلة ويكون ذلك لا لقبلة بعد احرام اليها بوجهه وجسده، ثم يتحول حيث يسير. وصح تنفل ماش الى غير القبلة لكن يحرم اليها ثم يقابل حيث مشى، واذا بلغ الركوع أو السجود ركع وسجد الى القبلة ثم ينقل وجهه. وكذا يصح صلاة الفرض على ظهر الراحلة، ولو كانت ماشية، متجهة الى غير القبلة، اذا كان تلحقه مضرة فى النزول، ويحرم الى القبلة، ثم ينقل وجهه، وان أمكنه أن يقابلها حتى تتم صلاته فعل. وكذا يصلى الفريضة ماشيا لعذر ويقابل فى الاحرام واذا أراد ركوعا، أو سجودا، وأمكنه الاستقبال، استقبل بهما. وضابط ذلك أنه متى أمكنه الاستقبال، استقبل، ولو مرارا يستقبل ويستدبر،

стр. 2343

ولا ضير بالنفل الى غير جهة القبلة فى السعة. وقيل لا نفل ولا فرض لغير جهة القبلة الا لضرورة. وذكر بعضهم أن الصلاة الى غير القبلة بالنفل فى غير ضرورة تختص بالسفر. وراكب السفينة (١): قيل يصلى كمريض بما أمكنه ولا يضره استدبار بعد احرام للقبلة وكذا تجنبها بعد احرام اليها ان أمكنه الاحرام، والا نوى استقبالها وأحرم كما أمكنه. وقال فى موضع آخر من كتاب شرح النيل، وسقط (٢) الاستقبال بشدة خوف وان كان الخوف على مال أو نفس لغيره ان خاف ضمان مال الغير، وذلك بحيث لو استقبلها قتل، أو ضرب، أو أخذ المال، وان لم يمكنه الا الاحرام اليها أحرم، وعاد كلما أمكن، كما يسقط الاستقبال بربط على خشبة ونحوها، وبمرض وغرق وتعذر معهما التوجه وقيل ينوى هؤلاء كلهم القبلة. التعرف على جهة القبلة وحكم الصلاة لمن تبين الخطأ فى القبلة: مذهب الحنفية: قال الحنفية فى كتاب البحر الرائق لابن نجيم (٣): ومن اشتبهت عليه القبلة تحرى اذا عجز عن التعرف عليها بغير التحرى، لان الصحابة رضى الله تعالى عنهم تحروا وصلوا ولو قدر على تعرف القبلة بالسؤال من أهل ذلك الموضع ممن هو عالم بالقبلة فلا يجوز له التحرى، لان الاستخبار فوقه، اذ الخبر ملزم له ولغيره بينما التحرى ملزم له، دون غيره، فان لم يخبره المستخبر حين سأله فصلى بالتحرى ثم أخبره لا يعيد ولو كان مخطئا، وكذا اذا كان فى المغازة والسماء مصحية وله علم بالاستدلال بالنجوم على القبلة لا يجوز له التحرى، لان ذلك فوقه. وجاء فى الهداية والفتح (٤): واذا صلى من اشتبهت عليه القبلة بلا تحر فعليه الاعادة الا أن علم بعد الفراغ أنه أصاب.

стр. 2344

وقال ابن عابدين: (١) ولو تحرى ولم يتيقن بشئ فصلى الى أى جهة شاء كانت جائزة ولو أخطأ فيه. وقيل ان لم يقع تحريه على شئ أخر الصلاة. وقيل يصلى الى الجهات الاربع. وظاهر كلام القهستانى فى ترجيح الرأى الاول. واستظهره ابن عابدين، وقال لما لم يقع تحريه على شئ استوت فى حقه الجهات الاربع فيختار واحدة منها ويصلى اليها وتصح صلاته وان ظهر خطؤه فيها لانه أتى بما فى وسعه. واختار الكمال بن الهمام التأخير، لانه لما كانت القبلة عند عدم الدليل عليها هى جهة التحرى، ولم يقع تحريه على شئ صار فاقدا لشرط صحة الصلاة فيؤخرها كفاقد الطهورين لكن القول بوجوب الصلاة فى الوقت مع التخيير الى أى جهة شاء أحوط. وفى موضع آخر من ابن عابدين (٢): وان علم بخطئه فى استقبال القبلة أثناء صلاته أو تحول رأيه استدار وبنى على ما بقى فى صلاته لما روى أن أهل قباء كانوا متوجهين الى بيت المقدس فى صلاة الفجر فأخبروا بتحويل القبلة فاستداروا وأقرهم رسول الله ﷺ على ذلك وأما اذا تحول رأيه فلأن الاجتهاد المتجدد لا يفسخ حكم ما قبله فى حق ما مضى وقال أيضا اذا عجز المصلى عن الادلة والامارات من النجوم والمحاريب وسؤال أهل البلد تعين أن يتحرى ولا يقلد مثله لان المجتهد لا يقلد مجتهدا وقال فاذا لم يقع تحريه على شئ فهل له أن يقلد؟ قال لم أره. ويقول المرغينانى فى البداية (٣): ومن أم قوما فى ليلة مظلمة فتحرى القبلة وصلى الى المشرق، وتحرى من خلفه، فصلى كل واحد منهم الى جهة وكلهم خلفه ولا يعلمون ما صنع الامام أجزأهم. ويقول الزيلعى (٤): اذا شك ولم يتحر فانه يعيد الصلاة لان التحرى

стр. 2345

افترض عليه فيفسد بتركه الا اذا علم بعد الفراغ أنه أصاب القبلة، وان علم فى الصلاة يستقبل. وعند أبى يوسف ﵀ يبنى وان تحرى ووقع تحريه الى جهة فصلى الى جهة أخرى لا تجزئه أصاب أو لم يصب. وفى الفتاوى الهندية فى موضع آخر (١): ولو اشتبهت القبلة فى المغازة فوقع اجتهاده الى جهة فأخبره عدلان أن القبلة الى جهة أخرى فان كانا مسافرين لا يلتفت الى قولهما أما اذا كانا من أهل ذلك الموضع لا يجوز له الا أن يأخذ بقولهما. مذهب المالكية (٢): قال المالكية: المجتهد وهو من يعرف الادلة لا يسوغ له أن يقلد غيره مع اتساع الوقت وظهور الادلة ويستأنف الاجتهاد لكل صلاة ان كان الوقتان يختلف فيهما الادلة بأن كان فى كل وقت بمحل، والا فان ظهرت له الادلة وضاق الوقت عن الاستدلال بها قلد مجتهدا غيره وأن خفيت عليه الادلة سأل غيره من المجتهدين فان بان له صواب اجتهاده تبعه والا انتظر ظهور الادلة ما لم يخف خروج الوقت فانه يقلده، ولا يقلد محرابا ان كان البلد الذى هو فيه خرابا، أما لو كان عامرا بتكرار الصلاة فيه ويعلم أن امام المسلمين قد نصب محرابه أو أجتمع أهل البلد على نصبه فانه يجب أن يقلده. ثم قال وغير المتأهل للاجتهاد وهو العاجز عنه بالفعل والقوة، بصيرا، أو أعمى يقلد محرابا، وان لم يكن من محاريب مصر - أى مدينة - أو يقلد مكلفا عارفا بطريق القبلة. وزاد ابن الحاجب أن يكون مسلما عدلا. فان لم يجد من يسأله أو يقلده ولا محرابا، فانه يتخير له جهة من الجهات الاربع ويصلى اليها مرة واحدة، قاله ابن عبد الحكم وعزاه سند - الفقيه المالكى - للكافة. ومثله ان خفيت على المجتهد الادلة. وقيل يقلد كالعاجز الجاهل وهو أظهر. وقيل: يصلى أربعا، وهو قول ابن مسلمة، وهذا حسن عند ابن الحكم، واختير عند اللخمى، وهذا اذا شك فى الجهات الاربع. وأما ان شك فى جهتين صلى صلاتين.

стр. 2346

وان شك فى ثلاث صلى ثلاث صلوات. ومن نسى مطلوبية استقبال القبلة أو نسى أن يستقبل جهتها يعيد الصلاة المفروضة، وهو المشهور فى المذهب، وأما النفل فلا اعادة. وأما الجاهل وجوب الاستقبال فيعيد أبدا قولا واحدا. واذا تبين للمقلد أو المجتهد الخطأ يقينا أو ظنا وهو فى الصلاة، فان كان أعمى، ولو كثر انحرافه، أو بصيرا منحرفا يسيرا، فانهما يستقبلان القبلة، ويبنيان على صلاتهما. أما البصير المنحرف كثيرا فانه يقطع على المشهور، ويبتدئ باقامة. واذا تبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة، فان كان بصيرا منحرفا كثيرا، فانه يعيد استحبابا ما دام الوقت. أما الاعمى والبصير المنحرف يسيرا فلا يعيدان الصلاة المتبين لهما بعدها خطؤهما. ثم قال وان تبين الخطأ بعدها أعاد فى الوقت من يؤمر بالقطع حيث تبين له الخطأ فيه، وهو البصير المنحرف، كثيرا. ولو شك بعد احرامه ولم يتبين له جهة تمادى فى صلاته لانه دخل باجتهاد لم يتبين خطؤه. مذهب الشافعية: قال الشافعية فى كتاب المهذب (١): ان لم يكن المصلى بحضرة البيت فان عرف القبلة صلى اليها وان أخبره من يقبل خبره عن علم قبل قوله ولا يجتهد. وان رأى محاريب المسلمين فى موضع صلى اليها، ولا يجتهد، لان ذلك بمنزلة الخبر، وان لم يكن شئ من ذلك، فان كان ممن يعرف بالدلائل غائبا عن مكة، اجتهد فى طلب القبلة، لان له طريقا الى معرفتها بالشمس والقمر، وان خفيت عليه الدلائل فقيل هو كالاعمى، فى أنه يصلى ويعيد. وقال فى موضع آخر فى كتاب المهذب: ولا يسع بصيرا أن يقلد غيره، قال أبو اسحاق: لا يقلد، لانه يمكنه الاجتهاد. وقال أبو العباس: ان ضاق الوقت قلد، وان اتسع لم يقلد. وقال المزنى وغيره المسألة على قولين وهو الاصح.

стр. 2347

أحدهما يقلد وهو اختيار المزنى لأنه خفيت عليه الدلائل فهو كالاعمى. والثانى لا يقلد لانه يمكنه التوصل بالاجتهاد. وان صلى الى جهة ثم بان له أن القبلة فى يمينها أو شمالها لم يعد لان الخطأ فى اليمين والشمال لا يعلم قطعا ولا ينقض به الاجتهاد. مذهب الحنابلة (١): قال الحنابلة فى كتاب المغنى لابن قدامة المقدسى الحنبلى: ومن اشتبهت عليه القبلة فان كان فى قرية ففرضه التوجه الى محاريبهم، فان لم تكن لهم محاريب لزمه السؤال عن القبلة ان كان جاهلا بأدلتها، فان وجد من يخبره عن يقين ففرضه الرجوع الى خبره ولا يجتهد، وان كان يخبر عن ظن، ففرضه تقليده ان كان المخبر من أهل الاجتهاد فيها وضاق الوقت، والا لزمه التعلم والعمل باجتهاده. وان اشتبهت عليه القبلة فى السفر وكان عالما بأدلتها ففرضه الاجتهاد فى معرفتها، وان تعذر عليه الاجتهاد صلى على حسب حاله. لغيم ونحوه، أو تعادلت عنده الامارات وفى موضع آخر (٢): والجاهل بأدلة القبلة والأعمى والبصير المحبوس اذا لم يجد كل منهم من يقلده صلى بالتجرى الى ما يغلب على ظنه أنه جهة القبلة ولم يعد أخطأ أو أصاب. وقال ابن قدامة المقدسى، الحنبلى (٣): ومن لا يمكنه الصلاة باجتهاد نفسه كالاعمى والجاهل قلد الاعمى الاوثق فى نفسه، لان الصواب اليه أقرب، وكذلك الحكم فى البصير الذى لا يعلم الادلة، ولا يقدر على تعلمها قبل خروج الوقت، فان قلد المفضول فظاهر قول الخرقى: أنه لا تصح صلاته، والاولى صحتها. وفى كشاف القناع (٤): ومن علم بخطأ القبلة بعد فراغه، مجتهدا كان أو مقلدا، لم يعد، لانه أتى بالواجب عليه دون تفريط، ومن ظهر له خطؤه أثناء الصلاة انحرف الى الجهة التى

стр. 2348

تغير اجتهاده اليها، لانها ترجحت فى ظنه فتعينت عليه وأتم صلاته. واذا صلى البصير فى الحضر فأخطأ أو صلى الاعمى بلا دليل بأن لم يستخبر ولم يلمس المحراب أعادا، ولو أصابا أو اجتهد البصير لان الحضر ليس بمحل اجتهاد لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها، ولوجود من يخبره عن يقين غالبا، وانما وجبت الاعادة عليهما لتفريطهما بعدم الاستخبار أو الاستدلال بالمحاريب مع القدرة عليه، ولو دخل فى الصلاة باجتهاد فى استقبال القبلة، وأحرم ثم شك. لم يلتفت الى ذلك الشك ويبنى على صلاته، وكذك ان زاد ظن الخطأ، ولم يبن له جهة أخرى، أما لو غلب على ظنه جهة أخرى، ولم يظن جهة غيرها. بطلت صلاته، ولو أخبر من ثقة بالخطأ فى القبلة لزمه العمل بقوله. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى (١) فى كتاب المحلى: من صلى الى غير القبلة ممن يقدر على معرفة جهتها عامدا أو ناسيا بطلت صلاته، ويعيد ما كان فى الوقت ان كان عامدا، ويعيد أبدا ان كان ناسيا. وقال أبو سليمان تجزئهم على كل حال ويبنون اذا عرفوا وهم فى الصلاة. ويقول ابن حزم الظاهرى فى موضع آخر من المحلى. ويلزم الجاهل أن يصدق فى جهة القبلة من أخبره من أهل المعرفة والصدق. مذهب الزيدية: قال الزيدية فى كتاب شرح الازهار (٢) من لم يتمكن من مشاهدة الكعبة، بأن كان بعيدا عن مكة، ولا يتمكن من معاينتها الا بعد خروج الوقت فعليه التحرى لجهة الكعبة لا لعينها على خلاف فى التحرى للجهة أو للعين. والتحرى يكون بالنظر فى الامارات كالنجوم المفيدة للظن. أما غير المعاين اذا لم يمكنه التحرى، ففرنسه تقليد الحى اذا وجده، وكان ممن يمكنه التحرى، ولا يرجع الى المحاريب المنصوبة، ذكره أبو طالب.

стр. 2349

وقال أحمد بن الحسين الرجوع الى المحاريب أولى، لانها وضعت باراء واجتماع. قال فى الزوائد عن بعض الناصرية هذا اذا كان المخبر واحدا. أما لو كان أكثر فانه يرجع اليه. ثم ان لم يمكنه التحرى ولا وجد حيا يمكنه التحرى لتقليده ففرضه الرجوع الى المحراب. وانما يصح الرجوع الى المحراب بشرطين. أحدهما: أن لا يجد حيا يقلده. والثانى: أن يعلم، أو يظن أنه نصبه ذو معرفة ودين. ثم ان لم يجد شيئا من ذلك بل التبس عليه الحال من كل وجه، فان فرضه أن يصلى الى حيث يشاء، من الجهات آخر الوقت. ومن صلى فى موضع بالتحرى (١). ثم صلى فيه ثانيا بعد مدة لم يعد التحرى، الا أن يظن خلاف تحريه الاول، قيل: أو شك. ويقول صاحب كتاب شرح الازهار: لا يعيد المتحرى المخطئ الا فى الوقت، ان تيقن الخطأ، ومن صلى بغير تحر، فانه يعيد فى الوقت، وبعده. الا أن يعلم الاصابة، فانها تجزئه عند أبى العباس ولا تجزئه عند أحمد ابن الحسين والمصيب لا يعيد ولو صلى الى غير متحراه ان تيقن الاصابة عند أبى العباس، لا عند أحمد، بشرط أن يكون غير مستخف، ولا مستحل. ومن انكشف له الخطأ بعد خروج الوقت، فانه لا يقضى، ولو تيقن الخطأ. ومن خالف جهة امامه، كأن كان أعمى، وكان فى ظلمة، وكانت المخالفة عن جهل، فانه يعيد فى الوقت، لا بعده، ان تيقن الخطأ، وقيل: انه يعيد فى الوقت وبعده، وربما صححه بعض علماء المذهب. ومن تحرى وظن الاصابة فى تحريه، ودخل فى الصلاة بالتكبيرة، ثم شك بعدها وقبل الفراغ فيكفيه أن يتحرى ثانيا، ان لم يكن قد غلب فى ظنه الخطأ، أما اذا تحرى بعد الشك فغلب فى ظنه أن الاول خطأ وجب عليه أن يتم صلاته، وينحرف الى حيث الاصابة، فاذا لم يكن

стр. 2350

قد تحرى قبل التكبيرة لزمه الاستئناف للصلاة من أولها، الا أن يعلم الاصابة على قول من يعتبر الحقيقة. واذا خرج الوقت وهو فى الصلاة، وعلم الخطأ. فيحتمل أن ينحرف، وتصح صلاته. والاحتمال الثانى: وجوب الاعادة، ولعله أنسب للقواعد لخبر السرية، وهو ما رواه جابر رضى الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﵌ سرية كنا فيها، فأصابتنا ظلمة، ولم نعرف القبلة، فقالت طائفة: هى ها هنا، أى قبل الشمال وخطوا خطا، وقالت طائفة أخرى: هى ها هنا أى قبل الجنوب، وخطوا خطأ، فلما طلعت الشمس أضحت الخطوط الى غير القبلة، فسألنا رسول الله ﵌، فنظر فى الامر، فنزل قول الله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ» الآية، هكذا رواه ائمتنا. وذلك بعد الفراغ من الصلاة. مذهب الإمامية: قال الإمامية فى كتاب الروضة البهية (١): ان علم البعيد بالجهة بمحراب معصوم، أو اعتبار رصدى والا عول على العلامات المنصوبة لمعرفتها نصا، أو استنباطا، ويجوز أن يعول على قبلة البلد من غير أن يجتهد، الا مع علم الخطأ، فيجب حينئذ الاجتهاد وكذا يجوز الاجتهاد فيها، تيامنا وتياسرا. وان لم يعلم الخطأ. والمراد بقبلة البلد: محراب مسجده، وتوجه قبوره، ونحوه، والمراد به بلد المسلمين. ولو فقد الامارات الدالة على الجهة المذكورة هنا وغيرها، قلد العدل العارف بها، رجلا كان، أو امرأة، حرا أو عبدا. ولا فرق بين فقدها المانع من رؤيتها. كغيم، ورؤيته كعمى، وجهل لعامى، مع ضيق الوقت عن التعلم، على أجود الأقوال، وهو الذى يقتضيه اطلاق العبارة. ولصاحب اللمعة وغيره فى ذلك اختلاف. ويجب الاستقبال فى الصلاة مع العلم بجهة القبلة، لقول الله «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» أى شطر المسجد الحرام، والشطر بمعنى الجهة والجانب والناحية، والمراد نحو الكعبة، كما يظهر من الأخبار، والعلم يتحقق هنا بالشياع، والخبر
следующие страницы →