وان شك فى ثلاث صلى ثلاث صلوات.
ومن نسى مطلوبية استقبال القبلة أو نسى أن يستقبل جهتها يعيد الصلاة المفروضة، وهو المشهور فى المذهب، وأما النفل فلا اعادة.
وأما الجاهل وجوب الاستقبال فيعيد أبدا قولا واحدا.
واذا تبين للمقلد أو المجتهد الخطأ يقينا أو ظنا وهو فى الصلاة، فان كان أعمى، ولو كثر انحرافه، أو بصيرا منحرفا يسيرا، فانهما يستقبلان القبلة، ويبنيان على صلاتهما.
أما البصير المنحرف كثيرا فانه يقطع على المشهور، ويبتدئ باقامة.
واذا تبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة، فان كان بصيرا منحرفا كثيرا، فانه يعيد استحبابا ما دام الوقت.
أما الاعمى والبصير المنحرف يسيرا فلا يعيدان الصلاة المتبين لهما بعدها خطؤهما.
ثم قال وان تبين الخطأ بعدها أعاد فى الوقت من يؤمر بالقطع حيث تبين له الخطأ فيه، وهو البصير المنحرف، كثيرا.
ولو شك بعد احرامه ولم يتبين له جهة تمادى فى صلاته لانه دخل باجتهاد لم يتبين خطؤه.
مذهب الشافعية:
قال الشافعية فى كتاب المهذب (١): ان لم يكن المصلى بحضرة البيت فان عرف القبلة صلى اليها وان أخبره من يقبل خبره عن علم قبل قوله ولا يجتهد.
وان رأى محاريب المسلمين فى موضع صلى اليها، ولا يجتهد، لان ذلك بمنزلة الخبر، وان لم يكن شئ من ذلك، فان كان ممن يعرف بالدلائل غائبا عن مكة، اجتهد فى طلب القبلة، لان له طريقا الى معرفتها بالشمس والقمر، وان خفيت عليه الدلائل فقيل هو كالاعمى، فى أنه يصلى ويعيد.
وقال فى موضع آخر فى كتاب المهذب:
ولا يسع بصيرا أن يقلد غيره، قال أبو اسحاق: لا يقلد، لانه يمكنه الاجتهاد.
وقال أبو العباس: ان ضاق الوقت قلد، وان اتسع لم يقلد.
وقال المزنى وغيره المسألة على قولين وهو الاصح.
стр. 2347
أحدهما يقلد وهو اختيار المزنى لأنه خفيت عليه الدلائل فهو كالاعمى.
والثانى لا يقلد لانه يمكنه التوصل بالاجتهاد.
وان صلى الى جهة ثم بان له أن القبلة فى يمينها أو شمالها لم يعد لان الخطأ فى اليمين والشمال لا يعلم قطعا ولا ينقض به الاجتهاد.
مذهب الحنابلة (١):
قال الحنابلة فى كتاب المغنى لابن قدامة المقدسى الحنبلى: ومن اشتبهت عليه القبلة فان كان فى قرية ففرضه التوجه الى محاريبهم، فان لم تكن لهم محاريب لزمه السؤال عن القبلة ان كان جاهلا بأدلتها، فان وجد من يخبره عن يقين ففرضه الرجوع الى خبره ولا يجتهد، وان كان يخبر عن ظن، ففرضه تقليده ان كان المخبر من أهل الاجتهاد فيها وضاق الوقت، والا لزمه التعلم والعمل باجتهاده.
وان اشتبهت عليه القبلة فى السفر وكان عالما بأدلتها ففرضه الاجتهاد فى معرفتها، وان تعذر عليه الاجتهاد
صلى على حسب حاله.
لغيم ونحوه، أو تعادلت عنده الامارات وفى موضع آخر (٢): والجاهل بأدلة القبلة والأعمى والبصير المحبوس اذا لم يجد كل منهم من يقلده صلى بالتجرى الى ما يغلب على ظنه أنه جهة القبلة ولم يعد أخطأ أو أصاب.
وقال ابن قدامة المقدسى، الحنبلى (٣):
ومن لا يمكنه الصلاة باجتهاد نفسه كالاعمى والجاهل قلد الاعمى الاوثق فى نفسه، لان الصواب اليه أقرب، وكذلك الحكم فى البصير الذى لا يعلم الادلة، ولا يقدر على تعلمها قبل خروج الوقت، فان قلد المفضول فظاهر قول الخرقى: أنه لا تصح صلاته، والاولى صحتها.
وفى كشاف القناع (٤): ومن علم بخطأ القبلة بعد فراغه، مجتهدا كان أو مقلدا، لم يعد، لانه أتى بالواجب عليه دون تفريط، ومن ظهر له خطؤه أثناء الصلاة انحرف الى الجهة التى
стр. 2348
تغير اجتهاده اليها، لانها ترجحت فى ظنه فتعينت عليه وأتم صلاته.
واذا صلى البصير فى الحضر فأخطأ أو صلى الاعمى بلا دليل بأن لم يستخبر ولم يلمس المحراب أعادا، ولو أصابا أو اجتهد البصير لان الحضر ليس بمحل اجتهاد لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها، ولوجود من يخبره عن يقين غالبا، وانما وجبت الاعادة عليهما لتفريطهما بعدم الاستخبار أو الاستدلال بالمحاريب مع القدرة عليه، ولو دخل فى الصلاة باجتهاد فى استقبال القبلة، وأحرم ثم شك.
لم يلتفت الى ذلك الشك ويبنى على صلاته، وكذك ان زاد ظن الخطأ، ولم يبن له جهة أخرى، أما لو غلب على ظنه جهة أخرى، ولم يظن جهة غيرها. بطلت صلاته، ولو أخبر من ثقة بالخطأ فى القبلة لزمه العمل بقوله.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى (١) فى كتاب المحلى: من صلى الى غير القبلة ممن يقدر على معرفة جهتها عامدا أو ناسيا بطلت صلاته، ويعيد ما كان فى الوقت ان كان عامدا، ويعيد أبدا ان كان ناسيا.
وقال أبو سليمان تجزئهم على كل حال ويبنون اذا عرفوا وهم فى الصلاة.
ويقول ابن حزم الظاهرى فى موضع آخر من المحلى. ويلزم الجاهل أن يصدق فى جهة القبلة من أخبره من أهل المعرفة والصدق.
مذهب الزيدية:
قال الزيدية فى كتاب شرح الازهار (٢) من لم يتمكن من مشاهدة الكعبة، بأن كان بعيدا عن مكة، ولا يتمكن من معاينتها الا بعد خروج الوقت فعليه التحرى لجهة الكعبة لا لعينها على خلاف فى التحرى للجهة أو للعين.
والتحرى يكون بالنظر فى الامارات كالنجوم المفيدة للظن.
أما غير المعاين اذا لم يمكنه التحرى، ففرنسه تقليد الحى اذا وجده، وكان ممن يمكنه التحرى، ولا يرجع الى المحاريب المنصوبة، ذكره أبو طالب.
стр. 2349
وقال أحمد بن الحسين الرجوع الى المحاريب أولى، لانها وضعت باراء واجتماع.
قال فى الزوائد عن بعض الناصرية هذا اذا كان المخبر واحدا.
أما لو كان أكثر فانه يرجع اليه.
ثم ان لم يمكنه التحرى ولا وجد حيا يمكنه التحرى لتقليده ففرضه الرجوع الى المحراب.
وانما يصح الرجوع الى المحراب بشرطين.
أحدهما: أن لا يجد حيا يقلده.
والثانى: أن يعلم، أو يظن أنه نصبه ذو معرفة ودين.
ثم ان لم يجد شيئا من ذلك بل التبس عليه الحال من كل وجه، فان فرضه أن يصلى الى حيث يشاء، من الجهات آخر الوقت.
ومن صلى فى موضع بالتحرى (١). ثم صلى فيه ثانيا بعد مدة لم يعد
التحرى، الا أن يظن خلاف تحريه الاول، قيل: أو شك.
ويقول صاحب كتاب شرح الازهار:
لا يعيد المتحرى المخطئ الا فى الوقت، ان تيقن الخطأ، ومن صلى بغير تحر، فانه يعيد فى الوقت، وبعده.
الا أن يعلم الاصابة، فانها تجزئه عند أبى العباس ولا تجزئه عند أحمد ابن الحسين والمصيب لا يعيد ولو صلى الى غير متحراه ان تيقن الاصابة عند أبى العباس، لا عند أحمد، بشرط أن يكون غير مستخف، ولا مستحل.
ومن انكشف له الخطأ بعد خروج الوقت، فانه لا يقضى، ولو تيقن الخطأ.
ومن خالف جهة امامه، كأن كان أعمى، وكان فى ظلمة، وكانت المخالفة عن جهل، فانه يعيد فى الوقت، لا بعده، ان تيقن الخطأ، وقيل: انه يعيد فى الوقت وبعده، وربما صححه بعض علماء المذهب.
ومن تحرى وظن الاصابة فى تحريه، ودخل فى الصلاة بالتكبيرة، ثم شك بعدها وقبل الفراغ فيكفيه أن يتحرى ثانيا، ان لم يكن قد غلب فى ظنه الخطأ، أما اذا تحرى بعد الشك فغلب فى ظنه أن الاول خطأ وجب عليه أن يتم صلاته، وينحرف الى حيث الاصابة، فاذا لم يكن
стр. 2350
قد تحرى قبل التكبيرة لزمه الاستئناف للصلاة من أولها، الا أن يعلم الاصابة على قول من يعتبر الحقيقة.
واذا خرج الوقت وهو فى الصلاة، وعلم الخطأ.
فيحتمل أن ينحرف، وتصح صلاته.
والاحتمال الثانى: وجوب الاعادة، ولعله أنسب للقواعد لخبر السرية، وهو ما رواه جابر رضى الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﵌ سرية كنا فيها، فأصابتنا ظلمة، ولم نعرف القبلة، فقالت طائفة: هى ها هنا، أى قبل الشمال وخطوا خطا، وقالت طائفة أخرى:
هى ها هنا أى قبل الجنوب، وخطوا خطأ، فلما طلعت الشمس أضحت الخطوط الى غير القبلة، فسألنا رسول الله ﵌، فنظر فى الامر، فنزل قول الله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ» الآية، هكذا رواه ائمتنا. وذلك بعد الفراغ من الصلاة.
مذهب الإمامية:
قال الإمامية فى كتاب الروضة البهية (١): ان علم البعيد بالجهة
بمحراب معصوم، أو اعتبار رصدى والا عول على العلامات المنصوبة لمعرفتها نصا، أو استنباطا، ويجوز أن يعول على قبلة البلد من غير أن يجتهد، الا مع علم الخطأ، فيجب حينئذ الاجتهاد وكذا يجوز الاجتهاد فيها، تيامنا وتياسرا. وان لم يعلم الخطأ.
والمراد بقبلة البلد: محراب مسجده، وتوجه قبوره، ونحوه، والمراد به بلد المسلمين.
ولو فقد الامارات الدالة على الجهة المذكورة هنا وغيرها، قلد العدل العارف بها، رجلا كان، أو امرأة، حرا أو عبدا.
ولا فرق بين فقدها المانع من رؤيتها.
كغيم، ورؤيته كعمى، وجهل لعامى، مع ضيق الوقت عن التعلم، على أجود الأقوال، وهو الذى يقتضيه اطلاق العبارة.
ولصاحب اللمعة وغيره فى ذلك اختلاف.
ويجب الاستقبال فى الصلاة مع العلم بجهة القبلة، لقول الله «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» أى شطر المسجد الحرام، والشطر بمعنى الجهة والجانب والناحية، والمراد نحو الكعبة، كما يظهر من الأخبار، والعلم يتحقق هنا بالشياع، والخبر
стр. 2351
المحفوف بالقرائن، ومحراب المعصوم ﵇، واستعمال العلامات المفيدة لذلك، كالجدى ونحوه على بعض الوجوه.
أما وجوب التعويل لفاقد العلم على الامارات المفيدة للظن فللاتفاق وصحيحة زرارة وغيرها.
وقد ذكر من الامارات المفيدة للظن:
الرياح الاربعة، ومنازل القمر، وحصول الظن كاف فى مبحث القبلة.
واذا كانت المسألة ظنية وجب التعويل فيها على أقوى الظنين، ويؤيده عموم قوله ﵇ «يجزى فى التحرى أبدا اذا لم يعلم أين وجه القبلة» والاستخبار ممن يفيد قوله الظن نوع من التحرى.
والاقوى عند المحقق وبعض الاصحاب:
أن خبر الكافر اذا أفاد الظن عمل به أيضا: اذا لم يكن للمصلى طريق الى الاجتهاد وبالامارات الاخر، بل مع وجود الطريق لو كان خبره أقوى ظنا.
وجاء فى كتاب شرائع الاسلام (١):
ومن ليس متمكنا من الاجتهاد كالاعمى، يعول على غيره، ومن فقد العلم
والظن، فان كان الوقت واسعا صلى الصلاة الواحدة الى أربع جهات، لكل جهة مرة، وان ضاق عن ذلك، صلى من الجهات ما يحتمله الوقت، وان ضاق، الا عن صلاة واحدة صلاها الى أى جهة شاء، والاعمى يرجع الى غيره لقصوره عن الاجتهاد، فان عول على رأيه مع وجود المبصر لامارة وجدها صح، والا فعليه الاعادة.
واذا اجتهد لصلاة ثم دخل وقت أخرى، فان تجدد عنده شك، استأنف الاجتهاد، والا بنى على الاول.
وجاء فى موضع آخر من كتاب جواهر الكلام (٢): روى عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ﵇ يجزئ المتحير أبدا أينما يتوجه اذا لم يعلم أين وجه القبلة، وما فى الصحيح المروى فى القنية عن معاوية بن عمار عن الرجل يقوم فى الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا وشمالا فقال: قد مضت صلاته فما بين المشرق والمغرب قبلة، ونزلت هذه الآية فى المتحير، قال الله «وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ» (٣) وان ضاق الوقت مثلا عن ذلك أى الصلاة
стр. 2352
الى الاربع، صلى من الجهات ما يحتمله الوقت، وان ضاق، الا عن صلاة واحدة صلاها الى أى جهة شاء، واكتفى بها بلا خلاف صريح أجده فى شئ من ذلك، مع عدم تقصيره فى التأخير للاصل، وعدم سقوط الميسور بالمعسور.
وجاء فى موضع آخر من كتاب شرائع الاسلام (١): أما ان تبين الخلل، وهو فى الصلاة، فانه يستأنف على كل حال، الا أن يكون منحرفا يسيرا، فانه يستقيم، ولا اعادة.
مذهب الإباضية:
قال الإباضية فى كتاب الايضاح (٢) وحاشيته: ان من تحير فى القبلة هل يخالف ما قاله بعضهم من أن الانسان القادر على معرفة القبلة يقينا لا يجوز له الاجتهاد، والقادر على الاجتهاد لا يجوز له التقليد، لكن يجتهد، ويتحرى القبلة، ويصلى، فان تبين له أنه أخطأ القبلة بعد خروج الوقت، لم تلزمه الاعادة، وان كان الوقت لم يخرج أعاد الصلاة استحبابا.
وقيل: أن استدبر القبلة لخطأ أعاد، ولو بعد الوقت، وان شرق أو غرب، لم يعد بعد الوقت.
وقيل: ان استدبر القبلة من تحير عن القبلة، فليصل الصلاة أربع مرات، الى أربع جهات مختلفات.
وجاء فى كتاب شرح النيل (٣) والايضاح: وان تحيرت جماعة فلا يقتد كل بآخر، وان اجتمع اجتهادهم صلوا معا أى جماعة وان صلوا فرادى فجائز، وان اجتمع اجتهاد بعضهم، صلوا معا، أو فرادى، لا مع من خالف اجتهاده، ثم قال: ولا يصلى كل مع مخالفه فى اجتهاد.
وجاء فى كتاب الايضاح (٤) وشرحه:
وان تحير فى القبلة ومعه من لم يتحير فيها فانه يقتدى به، أمينا كان، أو غير أمين، وان خالف الامين، وصلى على اجتهاده فوافق القبلة، فانه يعيد صلاته عند بعضهم، لان الامين حجة، والدليل على ذلك ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال: بينما الناس فى قباء فى صلاة
стр. 2353
الصبح اذ أتاهم آت فقال لهم: أن رسول الله ﷺ .
نزل عليه قرآن، فأمر أن يستقبل الكعبة. وكانت وجوههم الى الشام، فاستداروا الى الكعبة وهم فى الصلاة.
وقال آخرون لا اعادة حين وافق القبلة.
وأما ان لم يوافق فعليه الاعادة على كل حال، وكذلك ان لم يكن معه غيره فتحير فى القبلة وصلى وخالف اجتهاده على حال اختلافهم فى مسألة الامين.
وقال فى موضع آخر من كتاب الايضاح (١) وحاشيته: ويقلد الاعمى البصير والجاهل العارف، ثم قال:
وأما الاعمى ففرضه التقليد، وأنه يقلد شخصا عالما بأدلة القبلة، مسلما مكلفا، وان عدم من يقلده، فليجتهد ويصلى الصلاة أربع مرات، الى أربع جهات.
وجاء فى موضع آخر من كتاب النيل وشرحه (٢): معرفة أدلة القبلة فرض كفاية على الصحيح، وقيل فرض
عين، ثم قال ولا يكفيه - أى الشخص - أن يقلد غيره، بلا ادراك لدليل الكعبة، وقيل الا المحاريب فيقلدها.
ثم قال أيضا: والظاهر أنه ان صدق مشرك أخذ بقوله فى القبلة، وأما آلته فتختبر، فان وجد صحتها عمل بها، وقيل لا يقلد غير الامين فى القبلة ولا فى الوقت.
ثم قال أيضا: وان خالف الامين باجتهاده وصلى أعاد ولو وافق القبلة، وان خالف غير الامين لم يعد ان لم يتبين خطؤه.
وقيل يعيد بناء على أن غير الامين هنا حجة، وان حكمه حكم الامين، وان وافق اجتهاده أمينا وخالف آخر صلى مع موافقه، وان وافق أمينا وخالف أمينين، فليتبع الامينين.
وقيل يصلى كأعمى أى مثل صلاة الاعمى، وهو ممن كان فى ظلمة سجن، أو غيره ولم يدر، والمتحير حيث لا مرشد له يصلى الصلاة الواحدة أربعا أربع مرات لاربع نواح كل ناحية بصلاة.
وجاء فى موضع آخر من كتاب النيل وشرحه (٣): ومن صلى لغير القبلة
стр. 2354
خطأ فانه يعيد الصلاة أبدا.
وقيل يعيد ان تبين فى الوقت وقيل لا يعيد أصلا.
الصلاة فى جوف الكعبة أو
على سطحها واستقبال القبلة:
مذهب الحنفية: (١)
قال الحنفية: كل جانب من جوانب الكعبة قبلة بيقين، فمن صلى فى جوف الكعبة ركعة الى جهة، وركعة الى جهة أخرى، لا تجوز صلاته، لانه صار مستدبرا عن الجهة التى صارت قبلة فى حقه بيقين من غير ضرورة، والانحراف من غير ضرورة مفسد للصلاة، وان صلى جماعة مصطفين خلف الامام داخل الكعبة الى جهة الامام، فلا شك أن صلاتهم جائزة.
وفى كتاب المبسوط (٢) يقول السرخسى: يجوز أداء الصلاة فى جوف الكعبة، النافلة والمكتوبة فيه سواء، لان الواجب عليه استقبال جزء من الكعبة وقد استقبلها بيقين.
مذهب المالكية:
قال المالكية فى كتاب الخرشى (٣):
ويجوز لمن صلى فى الكعبة أن يصلى لاى جهة، ولو لجهة بابها مفتوحا.
أما حكم الصلاة المفروضة فى الكعبة فلا يجوز ايقاعها فيها ولا فى الحجر، وتعاد فى الوقت، سواء كان عامدا، أو ناسيا، أو مكرها على الاقامة هناك.
ثم قال ومن صلى الفرض على ظهر الكعبة، فان صلاته تبطل، ويعيد أبدا على المشهور، ولو كان بين يديه قطعة من سطحها، لان المأمور به جملة البناء، لا بعضه، ولا الهواء، ويفهم من تخصيص الفرض بالبطلان صحة ما عداه، لكن نص القاضى تقى الدين الفاسى فى تاريخه شفاء الغرام، على عدم صحة السنن والنافلة المتأكدة كركعتى الفجر، وركعتى الطواف الواجب على سطح الكعبة قائلا على المشهور.
وأما الصلاة تحت الكعبة كما لو حفر حفرة تحتها فانها تبطل، ولو نفلا، كما هو مقتضى كلام سند.
стр. 2355
مذهب الشافعية:
قال الشافعية فى كتاب المهذب (١):
ومن صلى على سطح البيت العتيق فان كان بين يديه سترة متصلة به جازت صلاته لانه متوجه الى جزء منه، وان لم يكن بين يديه سترة متصلة، لم تجز لما روى عمر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة، وذكر منها فوق بيت الله العتيق، ومن صلى فى عرصة البيت وليس بين يديه سترة متصلة ففيه وجهان:
قال أبو اسحاق: لا يجوز، وهو المنصوص.
وقال أبو العباس: يجوز، لانه صلى الى ما بين يديه من أرض البيت فأشبه اذا ما خرج من البيت وصلّى الى أرضه.
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة فى كتاب كشاف القناع (٢): لا تصح الفريضة فى الكعبة المشرفة ولا على ظهرها لقول الله «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ» (٣) الاية، والشطر الجهة، ومن صلى فيها أو على سطحها فهو غير مستقبل لجهتها، ولانه يكون مستدبرا من الكعبة ما لو استقبله منها وهو خارجها صحت صلاته، ولان النهى عن الصلاة على ظهرها قد ورد صريحا فى حديث عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما، وفيه ننبيه على النهى عن الصلاة فيها، لانهما سواء فى المعنى، والجدار لا أثر له، اذ المقصود البقعة.
بدليل أنه يصلى للبقعة حيث لا جدار الا اذا وقف على منتهى الكعبة بحيث لم يبق وراءه شئ منها، أو صلى خارج الكعبة، وسجد فيها فيصح فرضه، لانه مستقبل لطائفة من الكعبة غير مستدبر لشئ منها، فصحت صلاته، كما لو صلى لاحد أركانها.
وتصح النافلة فيها وعليها.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى (٤) فى كتاب المحلى: الصلاة جائزة فى جوف الكعبة أينما شئت منها، الفريضة والنافلة سواء، لما روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله
стр. 2356
صلّى الله عليه وسلّم الكعبة، وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبى رضى الله عنهم فأغلقها عليه ومكث فيها، فسألت بلال حين خرج، ما صنع النبى ﷺ ، قال: جعل عمودا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة من ورائه، ثم صلى.
قال على: ما قال أحد قط أن صلاته المذكورة كانت الى غير القبلة، وقد نص رسول الله ﷺ على أن الارض كلها مسجد وباطن الكعبة أطيب الارض، وأفضلها، فهى أفضل المساجد وأولاها بصلاة الفرض والنافلة.
وفى موضع آخر يقول ابن حزم الظاهرى فى المحلى (١) أيضا: الصلاة على ظهر الكعبة جائزة اذ كل مكان أعلى من الكعبة فانما علينا مقابلة جهة الكعبة فقط.
مذهب الزيدية:
قال الزيدية فى كتاب شرح الازهار (٢) تصح الصلاة فى جوف الكعبة وعليها اذا تقدمه جزء منها عند سجوده ولو قل.
مذهب الإمامية:
قال الشيعة الإمامية الجعفرية فى كتاب جواهر (٣) الكلام: من صلى فى جوف الكعبة مختارا أو مضطرا فريضة
أو نافلة جاز، واستقبل أى جدار منها شاء لكن على كراهية فى الفريضة، واستدل على صحة صلاة النافلة بما روى عن أبى عبد الله ﵇ «لا تصل المكتوبة فى جوف الكعبة فان النبى ﵌ لم يدخل الكعبة فى حج ولا عمرة ولكنه دخلها فى فتح مكة وصلى ركعتين بين العمودين ومعه أسامة بن زيد رضى الله تعالى عنه».
وجاء فى موضع آخر من المرجع نفسه:
وتصح الفريضة فى الكعبة عند الاضطرار لو قلنا بعدم جوازها اختيارا فيها مع أن الاقوى الجواز وفاقا للاكثر،
وجاء فى موضع آخر من كتاب جواهر الكلام (٤): لا أشكال فى جواز الصلاة على سطحها، فلو صلى حينئذ على سطحها جاز، لكن أبرز بين يديه شيئا منها أى ما يصلى اليه ليستقبله فى جميع أحوال الصلاة المشترط فى كل جزء
стр. 2357
منها الاستقبال، فلو سجد على نقطة الانتهاء بطلت لعدم الاستقبال حينئذ
مذهب الإباضية:
قال الإباضية فى كتاب النيل (١) وشرحه: لا تجوز الصلاة على ظهر الكعبة اذ لا قبة فى ظهرها.
أما الصلاة فى داخلها فقولان.
ومن صلى فى الكعبة استقبل جهة الباب بنفسه ولو مفتوحا غير منطو عليه ما يسده ولا يصلى فى سرب تحت الكعبة.
استقبال القبلة فى
بعض مناسك الحج:
مذهب الحنفية:
قال الحنفية فى كتاب الهداية والفتح بعد ذكر طواف القدوم (٢): ثم يخرج الى الصفا فيصعد عليه ويستقبل البيت ويكبر ويهلل ويصلى على النبى ﷺ ويدعو الله لحاجته، لما روى أن رسول الله ﷺ صعد الصفا، حتى اذا نظر الى البيت قام مستقبل القبلة يدعو الله، وانما يصعد بقدر ما يصير
البيت بمرأى منه، لان الاستقبال هو المقصود بالصعود.
وجاء فى الدر المختار (٣): من سنن السعى بين الصفا والمروة أن يصعد عند البدء على الصفا ويستقبل القبلة.
وفى الهداية والفتح (٤) أيضا: ينبغى للامام أو نائبه أن يقف بعرفة، مستقبل القبلة، لأن رسول الله ﷺ وقف كذلك.
وفى التنوير (٥): ويقف الناس خلف الامام بقربه مستقبلين القبلة.
مذهب المالكية:
قال المالكية فى كتاب الشرح الصغير للدردير (٦): وندب للحاج الوقوف بالمشعر الحرام مستقبلا القبلة.
وفى موضع آخر (٧) من المرجع نفسه يندب المكث بعد رمى الجمرتين
стр. 2358
الاوليين للدعاء: مستقبلا البيت قدر قراءة سورة البقرة.
وفى موضع آخر من الشرح الصغير (١) للدردير قبل ذلك: ويسن فى جبل الرحمة الوقوف أو الركوب بطهارة مع استقبال البيت.
ويقول الحطاب (٢): قال ابن شعبان ويقفون بعرفة مستقبلى القبلة عن يمين الامام وشماله وأمامه وخلفه.
وفى موضع آخر من الحطاب (٣): قال ابن شعبان يبدأ الحالق بالشق الايمن ويستقبل القبلة وروى ابن جماعة عن وكيع أن أبا حنيفة ﵀ قال أخطأت فى ستة أبواب من المناسك فعلمنيها حجام، وذلك أنى فى حين أردت أن أحلق رأسى جلست منحرفا عن القبلة، فقال لى: حول وجهك الى القبلة، فحولت وقلت من أين لك ما أمرتنى؟ فقال: رأيت عطاء بن أبى رباح يفعل ذلك.
مذهب الشافعية:
قال الشافعية فى كتاب نهاية المحتاج (٤): الافضل أن يكون الواقف بعرفة مستقبل القبلة.
وفى موضع آخر (٥) من المرجع نفسه أيضا: السنة فى رمى جمرة العقبة أن يستقبلها ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه أما فى أيام التشريق فيستقبل الكعبة كما فى بقية الجمرات.
وفى موضع آخر أيضا فى كتاب نهاية المحتاج (٦): اذا دفعوا الى منى وبلغوا المشعر الحرام وقفوا عليه ندبا وذكروا الله تعالى ودعوا الى الاسفار مستقبلين القبلة للاتباع ولانها أشرف الجهات.
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة فى كتاب المغنى (٧) لابن قدامة المقدسى: اذا فرغ الحاج من طوافه وصلى ركعتين واستلم الحجر فيستحب أن يخرج الى الصفا فيرقى
стр. 2359
عليه حتى يرى الكعبة، ثم يستقبلها فيكبر الله ويهلل ويدعو، لفعل رسول الله ﷺ ، ويستحب للحاج أن يستقبل القبلة فى الموقف، ففى حديث جابر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أمر أن تضرب له قبة بنمرة فنزل بها حتى اذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادى فخطب الناس، ثم صلى الظهر، ثم العصر، ثم ركب حتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، ويستحب كذلك استقبال القبلة عند المشعر الحرام، فقد ركب رسول الله ﷺ ، حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبر وهلل ووحده.
وفى موضع آخر (١): من المرجع نفسه: والمستحب أن يستقبل القبلة عند الصخرات وجبل الرحمة.
وفى موضع آخر أيضا من كتاب المغنى (٢): واستقبال القبلة مستحب عند رمى جميع الجمرات.
وفى موضع آخر (٣) أيضا من المرجع نفسه: ويستحب توجيه الهدى عند الذبح الى القبلة.
وفى كشاف القناع (٤): ويستقبل القبلة فى الحلق، لانه نسك أشبه سائر المناسك.
وجاء فى منتهى الارادات (٥): بالنسبة لزيارة قبر رسول الله ﷺ : ويستحب للحاج زيارة قبر النبى ﷺ وقبر صاحبيه رضى الله تعالى عنهما مستقبلا القبلة جاعلا الحجر عن يساره ويدعو.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى: (٦)
روى أن رسول الله ﷺ بدأ فى حجه بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره ولما أتى عرفة أتى بطن الوادى فخطب الناس، ثم أتى الموقف واستقبل القبلة، ولما أتى المشعر الحرام استقبل القبلة فدعا الله تعالى، وكبره كما روى عن بسالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضى
стр. 2360
الله تعالى عنهما أنه كان يرمى الجمرة مستقبل القبلة ويقول هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
مذهب الزيدية:
قال الزيدية فى كتاب شرح الازهار (١) وكتاب البحر الزخار: أنه يندب للرجل اذا صعد الصفا واستوى عليه أن يستقبل القبلة بوجهه ويدعو كما ندب عند الصخرات استقبال القبلة لفعل رسول الله ﵌.
وقال فى موضع آخر من كتاب البحر (٢) الزخار: اذا صلى الصبح بمزدلفة صار حتى يأتى المشعر الحرام فيستقبل القبلة ندبا لفعل رسول الله ﵌.
مذهب الإمامية:
قال الشيعة الإمامية الجعفرية فى كتاب المختصر (٣) النافع: يستقبل فى الرمى جمرة العقبة ويستدبر القبلة وفى غيرها يستقبل الجمرة والقبلة.
وفى الروضة البهية (٤): ويستحب بعد رمى الجمرة الاولى الدعاء والوقوف مستقبل القبلة.
مذهب الإباضية:
قال الإباضية فى كتاب النيل وشرحه (٥):
وندب الصعود على الصفا بقدر ما يستقبل البيت وكذا يصعد على المروة بقدر ما يستقبل البيت.
وجاء فى كتاب قناطر الخيرات (٦): وكيفية رمى جمرة العقبة أن يقف مستقبلا للقبلة وان استقبل الجمرة فلا بأس.
وقال فى موضع آخر من كتاب قناطر الخيرات (٧) أيضا: وفى عرفة الافضل أن يقف عند الصخرات بقرب الامام مستقبلا للقبلة.
وفى موضع آخر من المرجع نفسه أيضا قبل ذلك (٨): والسنة فى الحلق أن يستقبل القبلة.
стр. 2361
وجاء فى كتاب قناطر الخيرات (١) بعد ذلك: فى زيارة قبر رسول الله ﷺ أنه يقف عند رأسه مستقبلا القبلة ويحمد الله ثم ان كانت له حاجة فليجعل النبى ﷺ خلف كتفه وليستقبل القبلة وليسأل حاجته.
استلام
المعنى اللغوى:
الاستلام مصدر استلم وفى ترتيب القاموس المحيط. استلم الحجر لمسه اما بالقبلة أو باليد كاستلام (٢).
المعنى الاصطلاحى
لا يخرج عند الفقهاء عن هذا المعنى اللغوى.
وقد جاء ذكر الاستلام عندهم فى موضعين، استلام الحجر الاسود واستلام الركن اليمانى، ويكونان عند الكعبة، وفى أول الطواف وأثنائه.
مشروعيته، وكيفيته
جاء فى الصحيحين أن عمر رضى الله عنه جاء الى الحجر فقبله. وقال: انى لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك، وفى رواية أن النبى ﷺ قال ذلك، وقال مثله أبو بكر رضى الله عنه.
مذهب الحنفية:
قال الحنفية فى كتاب فتح القدير: استلم الحجر تناوله باليد أو بالقبلة أو يمسحه بالكف من السلمة بفتح السين وكسر اللام، وهى الحجر.
والاستلام أن يضع يده على الحجر ويقبله.
وهل يستحب السجود على الحجر عقيب التقبيل؟ فعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان يقبله ويسجد عليه بجبهته وقال رأيت عمر رضى الله عنه قبله ثم سجد عليه ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل ذلك ففعلته.
وقال الشيخ قوام الدين الكاكى: وعندنا الاولى ألا يسجد لعدم الرواية فى المشاهير، ونقل السجود عن أصحابنا الشيخ عز الدين فى مناسكه، وان أمكنه أن يمس الحجر بشئ فى يده أو يمسه بيده ويقبل ما مس به فعل راكبا كان أو ماشيا
стр. 2362
وقد أخرج الستة الا الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ : طاف فى حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، وعن عمر رضى الله عنه أنه ﵊ قال له: انك رجل قوى، لا تزاحم على الحجر فتؤذى الضعيف، لو وجدت خلوة فاستلمه، والا فاستقبله وهلل وكبر، وقد جاء فى الصحيحين واللفظ لمسلم عن نافع قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم يقبل يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وذكر فى فتاوى قاضيخان، مسح الوجه باليد مكان التقبيل.
وجاء فى موضع آخر، وان لم يستطع شيئا من ذلك استقبله وكبر وهلل وحمد الله وصلى على النبى ﷺ . ويستلم الحجر كلما مر به ان استطاع، لان أشواط الطواف كركعات الصلاة، فكما يفتتح الصلاة بالتكبير.
كذلك يفتتح كل شوط باستلام الحجر، وان لم يستطع الاستلام، استقبل وكبر وهلل على ما ذكر (١).
ومن المأثور عند الاستلام، اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك
واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ ، لا اله الا الله والله أكبر، اللهم اليك بسطت يدى، وفيما عندك عظمت رغبتى، فاقبل دعوتى، وأقلنى عثرتى.
وارحم تضرعى، وجدلى بمغفرتك، وأعذنى من مضلات الفتن (٢)، ويختتم الطواف باستلام الحجر (٣).
مذهب المالكية:
قال المالكية: يقبل الحجر الاسود بالفم فى أول الطواف.
وفى الصوت فى التقبيل قولان بالكراهة والاباحة.
وقال زروق ان القول بالاباحة رجحه غير واحد.
وكره مالك السجود وتمريغ الوجه عليه.
وجاز للزحمة المانعة من تقبيل الحجر الاسود لمس بيد ان قدر، ثم عود ان لم يقدر باليد، فلا يكفى العود مع امكان اليد، ولا اليد مع امكان التقبيل.
وتوضع اليد أو العود على الفم من غير تقبيل، والمعتمد التكبير مع التقبيل واللمس باليد والعود، ثم ان تعذر العود
стр. 2363
كبر فقط من غير اشارة بيده ولا فرق فى هذه المراتب بين الشوط الاول وغيره (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: يستلم الحجر الاسود أول ما يطوف، ويقبله، وان لم يمكنه أن يستلم من الزحام أشار اليه بيده، لما روى أبو مالك سعد بن طارق عن أبيه.
قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف حول البيت فاذا ازدحم الناس على الطواف استلم رسول الله ﷺ بمحجن بيده.
ولا يشير الى القبلة بالفم لأن النبى ﷺ لم يفعل ذلك.
ويستحب له أن يقول عند الاستلام باسم الله والله أكبر اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك ﷺ .
ويستلمه فى كل طوفة لما روى ابن عمر أن النبى ﷺ كان يستلم فى كل طوفة.
ويستحب كلما حاذى الحجر الاسود أن يكبر ويقبله لانه مشروع فى محل فتكرر بتكرره كالاستلام.
والاستلام للحجر أن يتناوله ويعتمده بلمس أو تقبيل أو ادراك بعصا (٢).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: استلمه أى مسحه بيده مأخوذ من السّلام وهى الحجارة، فاذا مسح الحجر قيل استلم أى مس السّلام.
قاله ابن قتيبة، ويبتدئ الطواف بالحجر الاسود فيستلمه، وهو أن يمسحه بيده ويقبله وروى ابن ماجة عن ابن عمر رضى الله عنه قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكى طويلا فاذا هو بعمر بن الخطاب رضى الله عنه يبكى فقال يا عمر هاهنا تسكب العبرات.
واستلام الحجر يكون اذا كان الحجر فى موضعه لم يذهب به، كما ذهب به القرامطة مرة حين ظهروا على مكة فاذا كان ذلك والعياذ بالله فانه يقف مقابلا لمكانه ويستلم الركن.
وان كان الحجر موجودا فى موضعه استلمه وقبله. فان لم يمكنه استلامه وتقبيله قام حياله، أى بحذائه، واستقبله بوجهه فكبر وهلل.
стр. 2364
وهكذا ان كان راكبا فقد روى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: طاف النبى ﷺ على بعير، كلما أتى الحجر أشار اليه بشئ فى يده وكبر، وأوردوا ما سبق ذكره فى مذهب الاحناف من قول النبى ﷺ لعمر عند الزحام.
فان أمكنه استلام الحجر بشئ فى يده كالعصا ونحوها فعل، فقد روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف فى حجة الوداع يستلم الركن بمحجن.
ويقول عند استلام الحجر، باسم الله والله أكبر، ايمانا بك، وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ ، رواه عبد الله بن السائب عن النبى ﷺ .
والمرأة كالرجل ولا يستحب لها مزاحمة الرجال لاستلام الحجر، لكن تشير بيدها اليه كالذى لا يمكنه الوصول اليه لما روى عطاء قال كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة: انطلقى نستلم يا أم المؤمنين، قالت انطلقى أنت وأبت (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: اذا قدم المعتمر أو المعتمرة مكة - والحاج فى هذا كالمعتمر - فليدخلا المسجد ولا يبدءا بشئ لا ركعتين ولا غير ذلك قبل القصد الى الحجر الاسود فيقبلانه، وكلما مر على الحجر الاسود قبلاه (٢).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: اذا قدم الحاج مكة أتى الحجر الاسود فاستلمه وقبله ندبا، لقوله ﷺ : يشهد لمن استلمه، ومن بعد أشار اليه، ثم قبل يده لاستلامه ﷺ بالمحجن ثم السجود عليه بعد التقبيل لفعله ﷺ ثلاثا ويكره تزاحم الناس للتقبيل لنهيه ﷺ .
ويقول عند الاستلام باسم الله والله أكبر .. الخ ما مر كفعله ﷺ ، وان تلا قرآنا فحسن اذ هو أفضل الاذكار، أو قال سبحان الله والله أكبر والحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله.
والمرأة لا ينبغى أن تزاحم الرجال للاستلام بل تشير وتخفض صوتها ملبية.
стр. 2365
ويكون الاستلام فى الاشواط كلها فان تعذر ففى الاوتار الاول والثالث، والخامس والسابع (١).
مذهب الإمامية:
قال الشيعة الإمامية: مندوب الطواف الوقوف عند الحجر والدعاء واستلامه وتقبيله، فان لم يقدر أشار بيده ولو كانت مقطوعة فبموضع القطع ولو لم يكن له يد اقتصر على الاشارة ويقول:
هذه أمانتى أديتها، وميثاقى تعاهدته، لتشهد لى بالموافاة اللهم تصديقا بكتابك الى آخر الدعاء (٢).
مذهب الإباضية:
قالت الإباضية: اذا دنا - الحاج أو المعتمر - من البيت دعا ويمسح الحجر بيده اليمنى ان قدر ولا يعله بيده بل يمسحه من جانب أو تحت وكذا لا يعله بغيه اذا قبله ويقول: اللهم أمانتى أديتها
وميثاقى تعاهدته اشهد لى بالوفاء ويدعو بما شاء ويكبر ثلاثا ويقف حياله حتى لا يضر أحدا، ولو خارجا من المطاف، ويدعو لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات ويصلى على النبى ﷺ .
وكلما بلغ الحجر الاسود استلمه ان قدر على ذلك والا أشار اليه بيده وقبلها ويدعو عنده بهذا الدعاء:
اللهم اليك بسطت يدى وفيما عندك عظمت رغبتى فاجعل جائزتى فكاك رقبتى من النار، وأسعدنى فى دنياى وآخرتى، اللهم كثرت ذنوبى وضعف عملى، فاغفر لى ذنوبى وتقبل توبتى وأقلنى عثرتى وتجاوز عن خطيئتى وحط عنى وزرى (٣).
حكم استلام الحجر الاسود
مذهب الحنفية:
قال الحنفية فى كتاب فتح القدير: علمنا المواظبة على استلام الحجر الاسود من خارج فقلنا باستنانه، فهو عند الحنفية سنة، وكما جاء عندهم الاستلام سنة (٤).
стр. 2366
مذهب المالكية:
قال الدسوقى تعليقا على قول الدردير:
أن تقبيل الحجر سنة، ظاهر الاطلاق أنه سنة فى كل طواف سواء كان الطواف واجبا أو تطوعا، والذى نسبه ابن عرفة للتلقين ولنقل اللخمى عن المذهب، وقد أطلق ابن شاس وابن الحاجب، وذلك كله خلاف قول المدونة.
وليس عليه استلام - أى تقبيل - للحجر الاسود فى ابتداء طوافه الا فى الطواف الواجب، وتقبيل الحجر فى باقى الاشواط مستحب (١).
مذهب الشافعية:
هو عندهم مستحب، فقد جاء فى المهذب، يبتدئ الطواف من الحجر الاسود والمستحب أن يستقبله.
وقال: ويستحب أن يستلم الحجر لما روى ابن عمر رضى الله عنهما قال رأيت رسول الله ﷺ حين قدم مكة يستلم الركن الاسود أول ما يطوف (٢).
مذهب الحنابلة:
قال صاحب المغنى بعد أن ذكر الاستلام وكيفيته، وهذا كله مستحب أى استلام الحجر وكونه بهذه الكيفية (٣).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى وأما تقبيل الركن فسنة وليس فرضا لانه لم يأت بذلك أمر، وانما هو عمل من رسول الله ﷺ فقط، وقد طاف ﵇ راكبا يشير بمحجن فى يده الى الركن (٤).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية (٥): حكمه الندب وقد عد من مندوبات طواف القدوم وطواف العمرة وهذا فى شرح الازهار.
وعد من السنة فى البحر الزخار.
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: استلام الحجر من بين مندوبات الطواف (٦).
стр. 2367
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: وحكمه انه سنة.
وذكر فى شرح النيل أن من لم يقبله ولم يمسه فى شئ من أشواط الطواف الواجب فعليه دم وقيل لا، وأساء (١).
استلام الركن اليمانى ومشروعيته وحكمه:
الركن اليمانى هو قبلة أهل اليمن، وهو آخر ما يمر عليه من الاركان فى طوافه، وذلك أنه يبدأ بالركن الذى فيه الحجر الاسود وهو قبلة أهل خراسان فيستلمه ويقبله ثم يأخذ على يمين نفسه ويجعل البيت على يساره فاذا انته الى الركن الثانى وهو العراقى، لم يستلمه، فاذا مر بالثالث وهو الركن الشامى لم يستلمه أيضا وهذان الركنان يليان الحجر الاسود، والركن الرابع وهو الركن اليمانى قبل الركن الذى فيه الحجر الاسود.
ودليل مشروعيته «حديث ابن عمر رضى الله عنه من رواية الجماعة الا الترمذى لم أر النبى ﷺ يمس من الاركان الا اليمانيين (١).
مذهب الحنفية:
قال الحنفية فى كتاب فتح القدير.
يستلم الركن اليمانى ويقبله مثل الحجر، وهو حسن أى مستحب فى ظاهر
الرواية وعن محمد رحمه الله تعالى أنه سنة، وحديث ابن عمر رضى الله عنه وهو: ما تركت استلام هذين الركنيين اليمانى والحجر الاسود منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما لا يزيد على أنه رأى الرسول ﷺ يستلمه فلم يتركه هو، وذلك قد يكون منه محافظة على الرأى المستحب، وليس حجة على ظاهر الرواية اذ ليس فيه سوى اثبات رؤية استلامه ﵇ للركنين ومجرد ذلك لا يفيد المواظبه، ولا سنة دونها (٢).
مذهب المالكية:
قال المالكية: ويسن استلام الركن اليمانى بيده ويضعها على فيه من غير تقبيل، وذلك فى مبتدأ الطواف أما فى باقى الاشواط فمستحب (٣).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية فى كتاب المهذب، بالنسبة لمن يطوف، فاذا بلغ الركن اليمانى فالمستحب أن يستلمه لما روى ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ كان يستلم الركن اليمانى والاسود ولا يستلم الآخرين (٤)
стр. 2368
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: لا يستلم ولا يقبل من الاركان الا الاسود واليمانى فاذا وصل الى الركن اليمانى استلمه، قال الخرقى ويقبله، والصحيح عن أحمد أنه لا يقبله وهو قول أكثر أهل العلم.
قال ابن عبد البر، جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليمانى والركن الاسود ولا يختلفون فى شئ من ذلك، وانما الذى فرقوا به بينهما، التقبيل، فرأوا تقبيل الاسود ولم يروا تقبيل اليمانى.
وأما استلامهما فأمر مجمع عليه وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال رأيت رسول الله ﷺ اذا استلم الركن قبله ووضع خده الايمن عليه، قال وهذا لا يصح وانما يعرف التقبيل فى الحجر الاسود وحده، ولان الركن اليمانى مبنى على قواعد ابراهيم ﵇ فسن استلامه كالذى فيه الحجر وأما تقبيله فلم يصح عن النبى ﷺ فلا يسن.
وأما الركنان اللذان يليان الحجر فلا يسن استلامهما على قول أكثر أهل العلم (١)
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: سبق أن ذكرنا قول ابن حزم الظاهرى أن تقبيل الركنين سنة، وقال وكلما مر - أى الحاج والمعتمر - على الحجر الاسود قبلاه، وكذلك الركن اليمانى أيضا فقط (٢)
مذهب الزيدية:
قال الزيدية فى كتاب البحر الزخار فى ذكر سنن الطواف: ثم استلام الاركان وتقبيلها، فعدها من السنن وجاء بهامشه، ولنا رواية جابر وابن عباس رضى الله عنهما روى عن جابر بن عبد الله قال «كنا نستلم الاركان كلها ورسول الله ﷺ يشاهد ذلك منا فلا ينهانا» وروى عن ابن عباس رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه طاف فى حجة الوداع على بعير استلم الاركان كلها» وعدها صاحب شرح الازهار فى المندوبات (٣).
مذهب الإمامية:
قال الشيعة الإمامية: يلتزم الاركان كلها وآكدها الركن الذى فيه الحجر واليمانى وقد ذكرت فى مندوبات الطواف (٤).
стр. 2369
وجاء فى المختصر النافع فى مندوبات الطواف، وكذا يستلم الاركان وآكدها ركن الحجر واليمانى (١).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية - اذا بلغ الذى يطوف - الركن اليمانى دعا عنده بهذا الدعاء، الله أكبر الله أكبر الله أكبر اللهم انى أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب والنجاة من العذاب.
وان قدر أن يستلمه فعل ذلك، وهو يقول. الله أكبر الله أكبر الله أكبر ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم انى أعوذ بك من الكفر والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر وموقف الخزى والذل فى الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين (٢).
وجاء فى كتاب شرح النيل وسن الدعاء عند الوقوف بالباب وعند الميزاب والركنين ومسهما (٣).
الاستلحاق والاقرار بالنسب
تعريفه لغة
استلحق فلانا ادعاه (٤).
التعريف الشرعى
وقد استعمله الفقهاء فى معنى الاقرار بالنسب.
فالمالكية استعملوه فى الحاق الولد، وغيره، من أخ، أو عم، أو نحوهما، غير أن ابن عرفة خصه بالحاق الولد بأبيه (٥).
والحنفية استعملوه فى الاقرار بالنسب استعمالا نادرا.
والشافعية استعملوه فى الحاق الولد، وغير الولد من الاقارب.
وكذلك الحنابلة والظاهرية والإمامية والإباضية استعملوه فى استلحاق الرجل المرأة.
أما الزيدية فلم يستعملوا هذا الاسم وانما استعملوا الاقرار بالنسب بدله (٦).
стр. 2370
حكمه التكليفى
الاستلحاق حكمه الوجوب عند الصدق، والحرمة عند الكذب (١).
شروط صحة الاستلحاق
أو الاقرار بالنسب:
مذهب الحنفية:
يشترط لصحته:
أولا: - أن يكون المقربه محتمل الثبوت.
لان الاقرار اخبار عن كائن، فاذا استحال كونه، فالاخبار يكون كذبا محضا، فمن أقر بغلام أنه ابنه، ومثله لا يلد مثله، لا يصح اقراره.
ثانيا: - أن لا يكون المقر بنسبه معروف النسب من غيره، فان كان لم يصح.
ثالثا: - تصديق المقر بنسبه اذا كان أهلا للتصديق، لان اقراره يتضمن ابطال يده، فلا تبطل الا برضاه.
بخلاف الصغير الذى لا يعبر عن نفسه لانه فى يد غيره فلا يشترط تصديقه.
ولو كان المقر له عبدا لغيره اشترط تصديق مولاه، لان الحق له.
ويضح تصديق المقر له بالنسب بعد موت المقر. لان النسب يبقى بعد الموت ويثبت به أحكام النسب بأسرها.
رابعا: - أن لا يكون فيه حمل النسب على الغير، سواء كذبه المقر نفسه أو صدقه لان اقرار الانسان حجة على نفسه لا على غيره والاقرار الذى فيه حمل نسب الغير على غيره اقرار على غيره.
لا على نفسه، فكان دعوى أو شهادة وكل ذلك لا يقبل الا بحجة.
وعلى هذا يجوز اقرار الرجل بخمسة نفر: الوالدين، والولد، والزوجة، والمولى.
ويجوز اقرار المرأة بأربعة نفر:
الوالدين، والزوج، والمولى، ولا يجوز بالولد، لانه ليس فى الاقرار بهؤلاء حمل نسب الغير على غيره.
خامسا: الا يصرح المقر فى اقراره بنسبه أنه من زنا، ولا يشترط صحة المقر لصحة اقراره بالنسب حتى يصح من الصحيح والمريض جميعا، لان المرض ليس بمانع لعينه، بل لتعلق حق الغير أو التهمة، وكل ذلك منعدم، كما لا يشترط ألا يسبق اقراره ما يناقضه فى الاقرار بالنسب المباشر.
ولا يصح الاقرار بالنسب مع الاكراه والهزل.
واذا صح الاقرار بالنسب المباشر ترتبت عليه جميع آثاره.
стр. 2371
أما الاقرار بالنسب (١) غير المباشر، كالاقرار بالاخوة، فلا تترتب عليه آثاره الا بالنسبة للمقر ومن صدقه.
مذهب المالكية:
يشترط لصحة الاستلحاق.
أولا: ألا يكذبه العقل أو العادة، فان كذبه العقل أو العادة أو الشرع، فانه لا يصح استلحاقه.
مثال الاول: أن يستلحق الصغير الكبير، فان ذلك يحيله العقل لما فيه.
من تقدم المعلول على علته.
ومثال الثانى: أن يستحلق من ولد ببلد بعيد يعلم أنه لم يدخله.
فان كان دخوله فيها محل شك فمقتضى كلام البرادعى: أنه يصح استلحاقه. وهو الظاهر، لان الشارع متشوف له.
ومقتضى كلام ابن يونس: أنه لا يصح استلحاقه.
ودخول المرأة بلد الزوج والشك فى دخولها يجرى فيه ما جرى فى الرجل، وكاستلحاق من علم أنه لم يقع منه نكاح، ولا تسر أصلا، فان كلا من العادة والعقل يحيل أن يكون له
ولد، لان كون الولد انما يكون بين ذكر وأنثى أمر عادى لا عقلى.
وأما تكذيب الشرع فقد خرج بقيد أن يكون مجهول النسب.
ثانيا: أن لا يكون المستلحق رقيقا أو مولى لمن يكذب المستلحق.
ثالثا: يشترط فى المستلحق أن يكون مكلفا ولو سفيها.
رابعا: أن يكون المستلحق مجهول النسب، ولا يشترط تصديقه، ولا تصديق أمة، فلو كذبه أحدهما فلا عبرة بتكذيبه.
كما لا يشترط أن يعلم تقدم ملك أم هذا الولد أو نكاحها لهذا المستلحق على المشهور وهو ظاهر المدونة.
وقال سحنون: يشترط ذلك ابن عبد السّلام وهو قول لابن القاسم.
ووجه الاول. أنهم اكتفوا فى هذا الباب بالامكان فقط لتشوف الشارع للحوق النسب ما لم يقم دليل على كذب المقر.
واحترز بمجهول النسب عن معلومه أى الثابت النسب، ويحد من استلحقه حد القذف.
وعن مقطوعة كولد الزنى أى الثابت أنه ولد زنا، لان الشرع قطع نسبه عن الزانى.
стр. 2372
ويستثنى أيضا من قوله مجهول النسب اللقيط كما سيأتى.
والاستلحاق يصح وان كان المستلحق كبيرا ولا يشترط تصديقه - كما تقدم - ومن باب أولى الصغير.
وعدم اشتراط تصديق الكبير لمستلحقه هو قول ابن رشد وابن شاس.
وقال ابن خروف والعوفى: باشتراطه.
وقال ابن يونس: يشترط تصديقه، ان كان فى حوز مستلحقه لا ان كان فى حوز غيره (١).
ويصح الاستلحاق فى المرض كما استظهره ابن عبد السّلام قياسا على صحته بعد الموت.
(انظر استلحاق ميت).
مذهب الشافعية:
يشترط لصحته.
أولا: ألا يكذبه الحس، فان كان كذبه بأن كان فى سن لا يتصور أن يولد لمثله مثل هذا الولد، أو كان قد قطع ذكره وأنثياه من زمن يتقدم على زمن العلوق به، لم يثبت نسبه، لان الحس يكذبه،
وكان استلحاقه لغوا وان صدقه المستلحق.
ثانيا: ألا يكذبه الشرع، فان كذبه بأن يكون معروف النسب من غيره، أو ولد على فراش نكاح صحيح لم يصح استلحاقه وان صدقه المستلحق، لان النسب الثابت من شخص لا ينتقل الى غيره فالشرع مكذب له.
ثالثا: ألا يكذبه الحال، فان جاءت امرأة من بلدة بعيدة ومعها طفل فاستلحقه رجل ما سافر قط الى بلدها ولا هى الى بلدة لم يلحقه.
رابعا: أن يصدقه المستلحق ان كان أهلا للتصديق، لان له حقا فى نسبه، وهو أعرف به من غيره، فان كان بالغا عاقلا، فكذبه أو سكت، أو قال.
لا أعلم، لم يثبت نسبه منه الا ببينة، أو يمين مردودة.
وان مات قبل التمكن من التصديق، صح الاقرار، وثبت نسبه.
وان استلحق صغيرا، أو مجنونا ثبت نسبه منه بالشروط السابقة، ما عدا التصديق، فلو بلغ، أو أفاق، وكذبه، لم يبطل استلحاقه له، بتكذيبه فى الاصح، لان النسب يحتاط له فلا يندفع.
ولو استلحق أباه المجنون لم يثبت نسبه حتى يفيق ويصدق.
стр. 2373
والفرق أن استلحاق الاب على خلاف الاصل والقياس فاحتيط له أكثر.
خامسا: ألا يزاحمه غيره، فان ادعى آخر نسبه أيضا لم يلحق به الا بتصديقه وتكذيب الآخر ان كان بالغا، أو ببينة مع عجز الآخر عنها، أو الحاق القائف به وحده ان كان صغيرا.
سادسا: ألا يكون المستلحق قنا أو عتيقا للغير، والا لم يصح لاحد استلحاقه، الا أن كان بالغا عاقلا وصدقه المستلحق.
سابعا: ان يكون المستلحق ذكرا بالغا عاقلا مختارا غير ممسوح أى غير مجبوب فلا يصح (١) استلحاق المرأة والصبى والمجنون. ولا يشترط الاسلام ولا الحرية ولا اطلاق التصرف.
مذهب الحنابلة:
ان أقر بولد اعتبر فى ثبوت نسبه أربعة شروط.
أحدها: أن يكون المقر به مجهول النسب، فان كان معروف النسب، لم يصح، لانه يقطع نسبه الثابت من غيره.
الثانى: أن لا ينازعه فيه منازع، لانه اذا نازعه فيه غيره تعارضا، فلم يكن الحاقه بأحدهما بأولى من الآخر.
الثالث: أن يمكن صدقه بأن يكون المقر به يحتمل أن يولد لمثله، فلو قدمت امرأة من بلاد الروم معها طفل، فأقر به رجل لحقه، لوجود الامكان، وعدم المنازع، لانه يحتمل أن يكون دخل أرضهم، أو دخلت هى دار الاسلام ووطئها.
والنسب يحتاط لاثباته ولهذا لو ولدت امرأة رجل، وهو غائب عنها بعد عشرين سنة من غيبته، لحقه، وان لم يعرف له قدوم اليها، ولا عرف لها خروج من بلدها.
الرابع: أن يكون المقر به ممن لا قول له كالصغير والمجنون، فان كان المقر به كبيراً عاقلا لم يثبت نسبه من المقر حتى يصدقه باقرار، أو سكوت، لان هـ قولا صحيحا، فاعتبر تصديقه كما لو أقر له بمال،.
وان ادعى نسب مكلف فى حياته، فلم يصدقه حتى مات المقر، ثم صدقه ثبت نسبه، لان بتصديقه حصل اتفاقهما على التوارث من الطرفين جميعا.
أما الولد الصغير والمجنون فلا يشترط تصديقهما، فان كبرا وعقلا، وأنكرا النسب لم يسمع انكارهما، لانه نسب
стр. 2374
حكم بثبوته فلم يسقط برده كما لو قامت به بينة.
وان اعترف انسان بأن هذا أبوه.
فهو كاعترافه بأنه ابنه.
ويكفى فى تصديق والد بولده وعكسه سكوته عند الاقرار به، لانه يغلب فى ذلك ظن التصديق. ولا يعتبر فى تصديق أحدهما تكرار التصديق.
ولا يصح اقرار من له نسب معروف بغير أربعة، وهم: الاب، والابن، والزوج، والمولى، كجد يقر بابن ابن وعكسه (١).
مذهب الزيدية:
يشترط له عندهم.
أولا: أن يصدر من مكلف مختار.
ثانيا: أن يكون ذلك بحيث لم يعلم هزله ولا سبق لسانه.
ثالثا: أن يكون ذلك بحيث لم يعلم كذبه عقلا أو شرعا نحو أن يقر بولد يقاربه فى السن أو معروف النسب.
رابعا: أن يصدقه المقر به، ويختص الاقرار بالنسب بأن التصديق به
يخالف التصديق بالمال، كسكوت المقر به، فانه يكون تصديقا حيث علم به وبالاقرار، وعلم ان له الانكار، فلو أقر بصغير كان الصغير فى حكم المصدق، لأنه فى حال الصغر لا يصح منه الإنكار، فإذا بلغ ولم يصدق، فإنه يبطل الاقرار ولو حكم به الحاكم لان الحكم مشروط بالتصديق.
خامسا: يشترط عدم الواسطة بين المقر والمقر به، فلا يصح الاقرار الا بولد أو والد، ولا يصح الاقرار من السبى بعضهم ببعض، وكذا لا يصح الاقرار من العتيق، لانه يؤدى الى ابطال حق الولاء الثابت للمعتق (٢).
مذهب الإمامية:
يشترط له عندهم.
أولا: أهلية المقر للاقرار ببلوغه وعقله.
ثانيا: امكان الحاق المقر به بالمقر شرعا، فلو أقر ببنوة المعروف نسبه، أو أقر ببنوة من هو أعلى سنا منه، أو مساو له، أو أنقص منه بما لم تجر العادة بتولده منه، بطل الاقرار.
واذا دخلت امرأة من دار الحرب الى دار الاسلام، ومعها ولد، فأقر رجل
стр. 2375
فى دار الاسلام أنه ولده، ويمكن أن يكون كما قال، بأن يجوز دخوله الى دار الحرب، أو مجئ المرأة الى دار الاسلام، ثبت نسبه منه، وان علم انه لم يخرج الى دار الحرب، ولا المرأة دخلت بلد الاسلام، لا يثبت نسبه منه.
ثالثا: يشترط تصديق المقر به للمقر فى دعواه النسب ان كان المقر به كبيرا وهو الاشبه، فلو أنكر الكبير لم يثبت النسب، أما الولد الصغير ذكرا كان أم أنثى، والمجنون، فلا يعتبر تصديقهما، بل يثبت نسبهما بالنسبة الى المقر بمجرد اقراره، لان التصديق انما يعتبر مع امكانه، وهو ممتنع منهما، ولا عبرة بانكار الصغير بعد بلوغه، وكذا المجنون بعد افاقته لثبوت النسب قبله، فلا يزول بالانكار اللاحق.
رابعا: يشترط عدم المنازع له فى نسب المقر به، والمراد بالولد هنا، ولد الصلب فلو أقر ببنوة ولد ولده فنازلا، اعتبر التصديق كغيره من الأقارب (١).
ويصح اقرار السفيه بالنسب فلو أقر بنسب صحيح قبل ويثبت النسب لانتفاء المانع وهو مصادفة الاقرار
المال اذ لو وجب الانفاق على المقر به أنفق عليه من بيت المال (٢).
مذهب الإباضية:
يستلحق الاب ابنه بشروط.
أولا: ألا يكون الابن المستلحق معروف النسب لغير المستلحق.
ثانيا: ألا يكذبه العرف، نحو أن يكون الولد محمولا من أرض العدو، أو من بلد يعلم أن المستلحق لم يدخلها قط، أو تشهد بينة عادلة أن أم الصبى لم تزل زوجة لفلان غير المستلحق حتى ماتت، أو نحو ذلك.
ثالثا: ألا يكذبه الولد اذا كان كبيرا.
رابعا: أن يكون مثله يولد له مثل هذا الولد.
خامسا: أن يكون مجهول النسب.
ولا يصح اقرار الصبى، وفى اقرار السفيه قولان، ولا يعتبر اقرار المجنون ولا تصديقه، أما اقرار المريض فجائز عندنا، ودعوى العبيد فى النسب تجوز ولو أنكر سادتهم (٣).
стр. 2376
الانكار بعد الاستلحاق
مذهب الحنفية:
متى ثبت النسب باقرار المقر لم يكن له أن ينفيه بعد ذلك، لان النفى يكون انكارا بعد الاقرار بحق للولد، اذا النسب حقه، فلا يملك الرجوع عن اقراره، والسكوت عند التهنئة بولد يعتبر اعترافا منه بنسبه، فلا يملك نفيه بعده (١).
مذهب المالكية:
ان استلحق رجل ولدا ولحق به شرعا، ثم أنكره بعد ذلك بأن قال: ليس بولدى، فانه لا يسقط نسبه بانكاره بعد استلحاقه.
ثم أن مات الولد عن مال، ومستلحقه حى، فلا يرثه لنفيه عن نفسه، واعترافه أنه لا حق له فى ارثه، ويوقف مال ذلك الولد، فان مات الاب فيدفع مال الولد الموقوف لورثة أبيه، لان انكاره لا يقطع حق ورثة الاب.
وان مات المستلحق بعد رجوعه عن الاستلحاق قبل الابن ورثه الابن بالاستلحاق الحاصل أولا، ثم ان مات
الابن بعد ذلك ورثه عصبته من قبل أبيه المستلحق له (٢).
مذهب الشافعية:
ان استلحق بالغا عاقلا وصدقه، ثم رجعا عنه، لم يسقط النسب لان النسب لا يرتفع بالاتفاق، كالثابت بالفراش.
وقال ابن أبى هريرة: يسقط، وان قال هذا ولدى ثم زاد: من زنى، لينفيه عن نفسه، لم يقبل قوله: من زنى.
وأن اتصل باقراره.
وقيل: ان وصل اللفظ لا يثبت النسب (٣).
مذهب الحنابلة:
اذا ثبت النسب بالاقرار، ثم أنكر المقر لم يقبل انكاره، لانه نسب ثبت بحجة شرعية فلم يزل بانكاره كما لو ثبت ببينة أو بالفراش، وسواء كان المقربه غير مكلف، أو مكلفا، فصدق المقر.
ويحتمل أن يسقط نسب المكلف باتفاقهما على الرجوع عنه، لانه ثبت باتفاقهما، فزال برجوعهما كالمال.
стр. 2377
والاول أصح، لان النسب يحتاط لاثباته، بخلاف المال.
وان هنئ فسكت كان اقرارا ذكره أبو بكر الخلال، لان السكوت صلح دالا على الرضا فى حق البكر، فهنا أولى (١).
مذهب الزيدية:
لا يصح من الرجل نفى الولد بعد الاقرار به سواء علم أن له نفيه أم لا، فيثبت نسبه بعد الاقرار، وان نفاه من بعد لم ينتف.
وكذا لا يصح من الرجل نفى الولد بعد السكوت حين العلم به سواء سكت سكوت مستبشر، أو سكوت مفكر، وخرج من المجلس.
ويصح الرجوع عن الاقرار بمصادقة المقر له (٢).
مذهب الإمامية:
لا يجوز نفى الولد بعد استلحاقه، فان نفاه بعد الاعتراف، لم يقبل منه وحده.
ولو اتفقا على الرجوع عن الاستلحاق لم يسقط النسب (٣).
استلحاق المرأة
مذهب الحنفية:
يقبل اقرار المرأة بالوالدين والزوج، والمولى، لانه اقرار بما يلزمها، وليس فيه تحميل بالنسب على الغير، والانوثة لا تمنع صحة اقرارها على نفسها.
أما اقرارها بالولد أنه ابنها ففيه تفصيل، لانها اما أن تكون ذات زوج، أو معتدة، أو لا منكوحة ولا معتدة.
فان كانت ذات زوج وصدقها فيما زعمت أنه ابنها منه ثبت النسب منهما بالتزامه فلا حاجة الى حجة.
وان كذبها لم تجز دعوتها، حتى تشهد بالولادة أمرأة حرة عدل، لانها تدعى تحميل النسب على الغير، وهو الزوج، فلا تصدق الا بالحجة.
وان كانت معتدة احتاجت الى حجة كاملة عند أبى حنيفة، وهى شهادة رجلين، أو رجل وأمرأتين، الا اذا كان هناك حبل ظاهر، أو اعتراف من قبل الزوج.
стр. 2378
وقال محمد وأبو يوسف: يكفى فى الجميع شهادة امرأة واحدة.
وان لم تكن ذات زوج ولا معتدة.
فمنهم من قال: يثبت النسب منها بقولها، أى من غير بينة أصلا، لان فيه الزاما على نفسها، دون غيرها، وفى هذا لا فرق بين الرجل والمرأة.
ومنهم من قال: لا يقبل قولها سواء كانت ذات زوج أم لا.
ووجه الفرق بينها وبين الرجل أن المرأة يمكنها اثبات النسب بالبينة، لان انفصال الولد مما يشاهد فلا بد لها من البينة، بخلاف الرجل، فانه لا يمكنه اقامة البينة على الاعلاق والاحبال، لمكان الخفاء والتغيب عن عيون الناظرين فلا يحتاج اليها.
والاول هو المختار لعدم تحميل النسب على أحد فيهما (١).
مذهب المالكية:
الاستلحاق المباشر من خصائص الاب فغيره لا يصح استلحاقه، كالام اتفاقا.
لان الولد لابيه دون أمه، ولولا أن الشرع
خصه بالاب، لكان استلحاق الام أولى لانها اشتركت مع الاب فى ماء الولد، وزادت عليه الحمل والرضاع (٢).
مذهب الشافعية:
لا يصح استلحاق المرأة.
ولو استلحقت امرأة لقيطا بلا بينة لم يلحقها، وان كانت خلية فى الاصح، لامكانها اقامة البينة بالولادة من طريق المشاهدة، بخلاف الرجل، فاذا أقامتها لحقها، وكذا يلحق بزوجها ان شهدت بينتها بوضعه على فراشه، وأمكن العلوق منه، ولا ينتفى عنه الا بلعان.
والوجه الثانى: يلحقها لانها أحد الابوين فصارت كالرجل (٣).
مذهب الحنابلة:
وان كان المدعى نسب الولد امرأة.
فقد روى عن أحمد أن دعوتها تقبل، ويلحقها نسبه، لانه يمكن أن يكون منها كالرجل بل أكثر، لانها تأتى به من زوج ووط ء بشبهة، ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل، وعلى هذه الرواية يلحق بها دون زوجها لانه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقربه.
стр. 2379
وروى عن أحمد أنها ان كانت ذات زوج، لم يثبت النسب بدعوتها لافضائه الى الحاق النسب بزوجها بغير اقراره ولارضائه، أو الى أن امرأته وطئت بزنا أو شبهة، وفى ذلك ضرر عليه فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به، وان لم يكن لها زوج قبلت دعوتها لعدم الضرر.؟
ونقل الكوسج عن أحمد رواية ثالثة فى امرأة ادعت ولدا، ان كان لها أخوة أو نسب معروف، فلا تصدق الا ببينة، لانه ان كان لها أهل ونسب معروف لم تخف ولادتها عليهم، ويتضررون بالحاق النسب بها، لما فيه من تعيير بولادتها من غير زوجها، وليس كذلك اذا لم يكن لها أهل.
وقال ابن قدامة: يحتمل ألا يثبت النسب بدعوتها بحال، لانها يمكنها أقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرده (١).
مذهب الظاهرية:
المرأة فى استلحاق الولد بنفسها كالرجل، بل هى أقوى سببا فى ذلك لانه يلحق بها من حلال كان أو من حرام (٢).
مذهب الزيدية:
يصح الاقرار بالولد من المرأة الحرة ولو بكرا، أو رتقاء سواء كان قبل الزواج.
أو فى خلاله، أو بعده، فلو أقرت أن هذا ولدها قبل أن تزوج، ولو كانت بكرا، أو رتقاء، فانه يصح اقرارها بلا خلاف لجواز أن العلوق حصل بتسرب ماء الرجل اليها عند الاستمتاع بظاهر قبلها، وكذا لو أقر به وهى مزوجة، وهو لا يمكن أن يكون من زوجها لاجل السن التى هو عليها عند اقرار الزوجية والنكاح، وكذا لو أقرت به وهى مطلقة وحصل بعد زوال الفراش.
وهذا كله ما لم يستلزم اقرارها به لحوق نسب الولد بالزوج، بأن يحتمل كونه منه، كأن تأتى به لاكثر من ستة أشهر من يوم الزواج، أو تكون مطلقة، وهو يصح لحوقه به فى زمن الفراش، فلا يصح اقرارها بالولد عندنا اذا ناكرها الزوج فى الولادة، فان صدقها أو سكت صح اقرارها، ولو استلزم لحوقه به.
واذا ادعت امرأة لقيطا لحقها كالاب، ولا يلحق بزوجها، ولا سيدها باقرارها.
وقيل لا يلحق بالمزوجة لاستلزامه لحوق الزوج (٣).
стр. 2380
مذهب الإمامية:
لو أقرت المرأة بولد قبل اقرارها سواء كانت ذات زوج أولا.
وهذا يقتضى عدم الفرق بين دعوى الاب ودعوى الام، وهو أحد القولين فى المسألة.
وأصحهما الفرق، وأن ذلك مخصوص بدعوى الاب.
وأما الام فيعتبر التصديق لها لورود النص على الرجل، فلا يتناول المرأة واتحاد طريقهما ممنوع لامكان اقامتها البينة على الولادة دونه.
واذا ادعت امرأة لقيطا بأنه ولدها لم يثبت نسبه منها الا ان يبلغ ويصدقها، أو تقيم البينة، فان أقامتها ألحق بها وبالزوج بلا خلاف.
وقيل ان ادعته ولم تقم بينة فانه يقبل اقرارها على نفسها سواء كان معها زوج أو لم يكن (١).
مذهب الإباضية:
المرأة ان قالت هذا ابنى.
فقيل لا تصدق الا ان أتت بمن يشهد على ولادته.
وقيل يجوز استلحاقها ان صدقها أبوه، لان الفراش له فالاستلحاق له، لا لها.
والمختار هو تصديقها بلا شرط تصديق اب فيما يصدق فيه الرجل ان ادعى ولدا.
ويشترط فيها ما يشترط فى الاب.
ولكن الظاهر أنه ان أنكره الاب بطل.
ثم اذا أقرت به لم يدخل الى الاب.
ولعل المراد أنه يرثها ولو أنكره الاب، لان اقرارها راجع لان يرثها فقط (٢).
واذا كان الطفل فى يد امرأة فادعت أنه ابنها من زوجها هذا، وأنكر، فلا يشتغل بانكاره ان سكنت مع زوجها أكثر من ستة أشهر، أو عرف على فراشه، وكذا لو لم تسكن معه وأمكن الوط ء.
وقال شارح كتاب أبى اسحاق: اقرار المرأة بابن لا يصح ولا يثبت به النسب (٣).
استلحاق ولد الزنا
مذهب الحنفية:
اذا زنى رجل بامرأة فجاءت بولد فادعاه الزانى لم يثبت نسبه منه،
стр. 2381
لانعدام الفراش، لقول الرسول ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
اما المرأة فيثبت نسبه منها، لان الحكم فى جانبها يتبع الولادة، سواء كان بالنكاح، أو بالسفاح، وقد وجدت.
ولو ادعى رجل صبيا فى يد امرأة فقال: هو ابنى من الزنا، وقالت المرأة هو من النكاح لا يثبت نسبه من الرجل ولا من المرأة - من هذا الرجل لان الرجل أقر أنه ابنه من الزنا، والزنا لا يوجب النسب والمرأة تدعى النكاح والنكاح لا بد له من حجة.
وكذلك لو كان الامر على العكس بأن ادعى الرجل أنه ابنه من النكاح، وادعت المرأة أنه من الزنا، لما قلنا.
ولو قال الرجل بعد ذلك فى الصورة الاولى هو من النكاح، أو قالت المرأة بعد ذلك فى الصورة الثانية هو من النكاح، يثبت النسب، وان كان ذلك منهما تناقضا، لان التناقض ساقط الاعتبار شرعا فى باب النسب (١).
مذهب المالكية:
لا يصح استلحاق مقطوع النسب كولد الزنا الثابت أنه ولد زنا، لان الشرع قطع نسبه عن الزانى (٢).
مذهب الشافعية:
لا يجوز استلحاق ولد الزنا مطلقا سواء أمكن نسبته اليه من حيث السن أولا وسواء كان المستلحق هو الواطئ أولا (٣).
مذهب الحنابلة:
يلحق المرأة ولدها من الزنا دون الرجل (٤).
مذهب الظاهرية:
الولد يلحق بالمرأة اذا زنت به ولا يلحق بالرجل (٥).
مذهب الإمامية:
يبطل اقرار المقر بنسب المنفى عنه شرعا كولد الزنا وان كان على فراشه، كما لو زنى بأمرأة ثم تزوجها فماتت عن ولد لدون ستة أشهر من حين الدخول بعد التزويج (٦).
استلحاق الولد المنفى بلعان
مذهب الحنفية:
ان كذب الملاعن نفسه بدعوة الولد بعد ما فرق القاضى بينهما ثبت النسب منه ولو كان الولد المنفى كبيرا جاحدا للنسب من النافى، لان أصل النسب ثابت بالفراش واستتر باللعان وبقى موقوفا
стр. 2382
على حقه، فاذا أقر به بعد الانكار صح اقراره.
وعليه الحد، ولا تصح دعوة غير النافى، وان صدقه الولد، لاحتمال تكذيب الملاعن نفسه.
وقال البهنسى: تصح دعوة غيره ان كان الولد ممن يولد مثله لمثله وادعاه بعد موت الملاعن لان النسب مما يحتاط فى اثباته وهو مقطوع النسب عن غيره ووقع الاياس من ثبوته من الملاعن.
هذا اذا كان الولد حيا فان كان الولد قد مات فسيأتى بعد فى استلحاق الميت (١).
مذهب المالكية:
اذا استلحق الرجل الولد الذى نفاه بلعان، فانه يلحق به ويحد، لانه أكذب نفسه فيما رماها به (٢).
مذهب الشافعية:
المنفى بلعان ان ولد على فراش نكاح صحيح، لم يجز لاحد استلحاقه، لما فيه من ابطال حق النافى، وللنافى استلحاقه بعد نفيه فان ولد على فراش وط ء.
بشبهة او نكاح فاسد جاز للغير استلحاقه لانه لو نازعه قبل النفى سمعت دعواه (٣)
مذهب الحنابلة:
متى أكذب النافى نفسه بعد نفيه الولد، وبعد اللعان لحقه نسبه باستلحاقه (٤).
مذهب الظاهرية:
ان كانت المرأة الملاعنة حاملا فبتمام اللعان منهما جميعا ينتفى نسب الحمل، ذكره أو لم يذكره، الا أن يقر به فيلحقه، ولا حد عليه فى قذفه لها مع اقراره بأن حملها منه اذا تم اللعان (٥).
مذهب الزيدية:
لو نفى ولدا ثم وقع اللعان بينهما، حكم بالنفى ثم أكذب نفسه بعد ذلك وأقر بالولد فانه يصح الرجوع من الزوج عن النفى (٦).
مذهب الإمامية:
قال صاحب جواهر الكلام: لو أكذب النافى نفسه بعد اللعان لحق به الولد بلا خلاف فيه نصا وفتوى، ولكن فيما عليه لا فيما له، لاقراره أولا بالانتفاء
стр. 2383
عنه، ولذا يرثه الولد، ولا يرثه الاب ولا من يتقرب اليه به.
ووافقه على هذا صاحب السرائر فى الفقه، وصاحب المختصر النافع.
ولو اعترف بالولد فى أثناء اللعان لحق به وتوارثا وعليه الحد (١).
مذهب الإباضية:
ان أكذب الملاعن نفسه فاستلحق الولد المنفى لحقه (٢).
استلحاق أحد التوأمين
مذهب الحنفية:
من ادعى نسب أحد التوأمين ثبت نسبهما منه، لانهما خلقا من ماء واحد، فمن ضرورة ثبوت نسب أحدهما ثبوت نسب الآخر، هذا لان التوأمين ولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهر فلا يتصور علوق الثانى حادثا من ماء آخر.
وكذلك يثبت نسبهما ان نفى أول التوأمين، وأقر بالثانى أو عكس (٣) (انظر لعان وحد).
مذهب المالكية:
اذا استحلق الشخص أحد التوأمين فان التوأم الآخر يلحق به.
فان كان بينهما ستة أشهر فأكثر، فليسا بتوأمين لا يلحق أحدهما باستلحاق الآخر.
لان كل واحد منهما حمل مستقل، فله استلحاقهما، أو استلحاق أحدهما، ونفى الآخر (٤).
مذهب الشافعية:
ان نفى أحد التوأمين، واستلحق الآخر، أو سكت عن نفيه، أو نفاهما، ثم أستلحق أحدهما لحقاه، ويغلب الاستلحاق على النفى لقوته، هذا اذا كان بين وضعيهما أقل من ستة أشهر، أما اذا كان بينهما ستة أشهر فأكثر فهما حملان (٥).
مذهب الحنابلة:
ان ولدت امرأته توأمين بينهما دون ستة أشهر فاستلحق أحدهما ونفى الآخر لحقا به، ويجعل ما نفاه تابعا لما استلحقه.
وكذلك يثبت نسبهما منه ان استلحق أحدهما، أو نفاه وسكت عن الآخر (٦).
стр. 2384
مذهب الزيدية:
من أقر بأحد التوأمين أنه ابنه وصدقه لزمه الثانى وان كذبه، وان أقر بالثانى بعد نفى الاول والملاعنة، لزمه الولدان (١) ويحد.
مذهب الإمامية:
لو ولدت المرأة توأمين بينهما أقل من ستة أشهر، فاستلحاق أحدهما لحقه الآخر ولا يقبل نفيه، ولو كان بينهما ستة أشهر فصاعدا فلكل حكم نفسه (٢).
استلحاق الحمل
مذهب الحنفية:
ان أقر الزوج بحمل زوجته، ثم طلقها، أو توفى فجاءت بولد لاقل من سنتين، فأنكر الزوج الولادة، أو أنكرها ورثته بعد وفاته، وادعت هى، فانه يثبت النسب عند محمد وأبى يوسف بشهادة امرأة واحدة وعند أبى حنيفة يثبت من غير شهادة، لان النسب ثابت قبل الولادة بالفراش.
قال ابن عابدين جاء ذلك فى الكنز والهداية وصرح به فى البدائع، لكن رده الزيلعى بأنه سهو، وأنه لا بد من شهادة القابلة بتعيين الولد اجماعا فى جميع الصور، وهو ما جاء
فى الجوهر: من أنه لا بد من شهادة القابلة، لجواز أن تكون ولدت ولدا ميتا.
أما ان جاءت به لتمام سنتين من وقت الفرقة لم يثبت، لان الحمل حادث بعد الطلاق، فلا يكون منه الا أن يدعيه وهذا فى حالة قيام الفراش.
أما فى غير الفراش فالاقرار بالحمل اقرار بالولد، اذ الحمل عبارة عن الولد، ويثبت نسبه من المقر ان جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار للتيقن بوجوده فيه، فان جاءت به لاكثر من ستة أشهر، لم يلزمه النسب، لانا لم نتيقن بوجود هذا الحمل فى ذلك الوقت، لجواز أنها حملت بعد ذلك، فلا يثبت النسب بالشك (٣)
مذهب المالكية:
يصح استلحاق الحمل ولا يتوقف ذلك على الولادة فى الظاهر (٤).
واذا استلحقة فليس له أن ينفيه بعد ذلك (٥) ان أتت به لدون ستة أشهر، أو كانت ظاهرة الحمل يومها (٦).
стр. 2385
مذهب الشافعية:
من استلحق حملا تعذر عليه نفيه كما فى الولد المنفصل (١)، وهذا ان ولدته لاقل من أكثر مدة الحمل من وقت الاقرار (٢).
وفى غير الفراش ان ادعى الحمل فأتت بالولد لدون ستة أشهر لحقه، وان ولدته لستة أشهر فأكثر فلا يلحقه (٣).
مذهب الحنابلة:
ان استلحق الحمل فمنهم من قال:
لا يصح استلحاقه، وهو المنصوص عن أحمد، لأنه لو صح استلحاقه، للزمه نسبه، لعدم امكان نفيه بعد ذلك، كالمولود ولا يلزمه ذلك بالاجماع، ولان للشبه أثرا فى الاستلحاق، بدليل حديث الملاعنة، والشبه لا يعرف الا بعد الوضع، فاختص صحة الاستلحاق به، فعلى هذا لو استلحق الحمل، ثم نفاه بعد وضعه كان له ذلك.
ومنهم من قال: يصح استلحاقه، لانه محكوم بوجوده، بدليل وقف الميراث، فصح الاقرار به، كالمولود، فعلى هذا اذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك، كما لو استلحقه بعد الوضع (٤).
مذهب الزيدية:
يصح الاقرار من الزوج بالحمل ويثبت نسبه، فاذا أقر أن زوجته، أو مملوكته قد علقت منه، فلا يصح بعده النفى، ولا يحتاج بعد ذلك الى دعوى مهما أتت به لدون ستة أشهر من يوم اقراره أو لدون أربع سنين، وقد علم وجود الحمل بحركة أو نحوها (٥).
ولتمام الموضوع فى كل المذاهب أنظر مصطلح (نسب واستيلاد ولعان).
استلحاق الميت:
مذهب الحنفية:
ان أكذب الملاعن نفسه بدعوة الولد المنفى بعد أن مات الولد لم يصدق، لان الولد قد استغنى عن شرف النسب بالموت، ولان الاب مدع للمال، لا مقر بالنسب، وبمجرد الدعوى لا يستحق المال اذا لم يكن مناقضا فى الدعوى، فاذا كان مناقضا فبالاولى، الا أن يكون الولد الميت قد ترك ابنا أو بنتا، فحينئذ يصدق الاب، ويثبت النسب، لانه الآن مقر بالنسب، فان ولد الابن ينسب اليه، كولد الملاعنة.
ولو كانت المنفية بنتا فماتت عن ابن وأكذب الملاعن نفسه لم يصدق ولم يرث فى قول أبى حنيفة، لان كلامه الآن فى