لانعدام الفراش، لقول الرسول ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
اما المرأة فيثبت نسبه منها، لان الحكم فى جانبها يتبع الولادة، سواء كان بالنكاح، أو بالسفاح، وقد وجدت.
ولو ادعى رجل صبيا فى يد امرأة فقال: هو ابنى من الزنا، وقالت المرأة هو من النكاح لا يثبت نسبه من الرجل ولا من المرأة - من هذا الرجل لان الرجل أقر أنه ابنه من الزنا، والزنا لا يوجب النسب والمرأة تدعى النكاح والنكاح لا بد له من حجة.
وكذلك لو كان الامر على العكس بأن ادعى الرجل أنه ابنه من النكاح، وادعت المرأة أنه من الزنا، لما قلنا.
ولو قال الرجل بعد ذلك فى الصورة الاولى هو من النكاح، أو قالت المرأة بعد ذلك فى الصورة الثانية هو من النكاح، يثبت النسب، وان كان ذلك منهما تناقضا، لان التناقض ساقط الاعتبار شرعا فى باب النسب (١).
مذهب المالكية:
لا يصح استلحاق مقطوع النسب كولد الزنا الثابت أنه ولد زنا، لان الشرع قطع نسبه عن الزانى (٢).
مذهب الشافعية:
لا يجوز استلحاق ولد الزنا مطلقا سواء أمكن نسبته اليه من حيث السن أولا وسواء كان المستلحق هو الواطئ أولا (٣).
مذهب الحنابلة:
يلحق المرأة ولدها من الزنا دون الرجل (٤).
مذهب الظاهرية:
الولد يلحق بالمرأة اذا زنت به ولا يلحق بالرجل (٥).
مذهب الإمامية:
يبطل اقرار المقر بنسب المنفى عنه شرعا كولد الزنا وان كان على فراشه، كما لو زنى بأمرأة ثم تزوجها فماتت عن ولد لدون ستة أشهر من حين الدخول بعد التزويج (٦).
استلحاق الولد المنفى بلعان
مذهب الحنفية:
ان كذب الملاعن نفسه بدعوة الولد بعد ما فرق القاضى بينهما ثبت النسب منه ولو كان الولد المنفى كبيرا جاحدا للنسب من النافى، لان أصل النسب ثابت بالفراش واستتر باللعان وبقى موقوفا
стр. 2382
على حقه، فاذا أقر به بعد الانكار صح اقراره.
وعليه الحد، ولا تصح دعوة غير النافى، وان صدقه الولد، لاحتمال تكذيب الملاعن نفسه.
وقال البهنسى: تصح دعوة غيره ان كان الولد ممن يولد مثله لمثله وادعاه بعد موت الملاعن لان النسب مما يحتاط فى اثباته وهو مقطوع النسب عن غيره ووقع الاياس من ثبوته من الملاعن.
هذا اذا كان الولد حيا فان كان الولد قد مات فسيأتى بعد فى استلحاق الميت (١).
مذهب المالكية:
اذا استلحق الرجل الولد الذى نفاه بلعان، فانه يلحق به ويحد، لانه أكذب نفسه فيما رماها به (٢).
مذهب الشافعية:
المنفى بلعان ان ولد على فراش نكاح صحيح، لم يجز لاحد استلحاقه، لما فيه من ابطال حق النافى، وللنافى استلحاقه بعد نفيه فان ولد على فراش وط ء.
بشبهة او نكاح فاسد جاز للغير استلحاقه لانه لو نازعه قبل النفى سمعت دعواه (٣)
مذهب الحنابلة:
متى أكذب النافى نفسه بعد نفيه الولد، وبعد اللعان لحقه نسبه باستلحاقه (٤).
مذهب الظاهرية:
ان كانت المرأة الملاعنة حاملا فبتمام اللعان منهما جميعا ينتفى نسب الحمل، ذكره أو لم يذكره، الا أن يقر به فيلحقه، ولا حد عليه فى قذفه لها مع اقراره بأن حملها منه اذا تم اللعان (٥).
مذهب الزيدية:
لو نفى ولدا ثم وقع اللعان بينهما، حكم بالنفى ثم أكذب نفسه بعد ذلك وأقر بالولد فانه يصح الرجوع من الزوج عن النفى (٦).
مذهب الإمامية:
قال صاحب جواهر الكلام: لو أكذب النافى نفسه بعد اللعان لحق به الولد بلا خلاف فيه نصا وفتوى، ولكن فيما عليه لا فيما له، لاقراره أولا بالانتفاء
стр. 2383
عنه، ولذا يرثه الولد، ولا يرثه الاب ولا من يتقرب اليه به.
ووافقه على هذا صاحب السرائر فى الفقه، وصاحب المختصر النافع.
ولو اعترف بالولد فى أثناء اللعان لحق به وتوارثا وعليه الحد (١).
مذهب الإباضية:
ان أكذب الملاعن نفسه فاستلحق الولد المنفى لحقه (٢).
استلحاق أحد التوأمين
مذهب الحنفية:
من ادعى نسب أحد التوأمين ثبت نسبهما منه، لانهما خلقا من ماء واحد، فمن ضرورة ثبوت نسب أحدهما ثبوت نسب الآخر، هذا لان التوأمين ولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهر فلا يتصور علوق الثانى حادثا من ماء آخر.
وكذلك يثبت نسبهما ان نفى أول التوأمين، وأقر بالثانى أو عكس (٣) (انظر لعان وحد).
مذهب المالكية:
اذا استحلق الشخص أحد التوأمين فان التوأم الآخر يلحق به.
فان كان بينهما ستة أشهر فأكثر، فليسا بتوأمين لا يلحق أحدهما باستلحاق الآخر.
لان كل واحد منهما حمل مستقل، فله استلحاقهما، أو استلحاق أحدهما، ونفى الآخر (٤).
مذهب الشافعية:
ان نفى أحد التوأمين، واستلحق الآخر، أو سكت عن نفيه، أو نفاهما، ثم أستلحق أحدهما لحقاه، ويغلب الاستلحاق على النفى لقوته، هذا اذا كان بين وضعيهما أقل من ستة أشهر، أما اذا كان بينهما ستة أشهر فأكثر فهما حملان (٥).
مذهب الحنابلة:
ان ولدت امرأته توأمين بينهما دون ستة أشهر فاستلحق أحدهما ونفى الآخر لحقا به، ويجعل ما نفاه تابعا لما استلحقه.
وكذلك يثبت نسبهما منه ان استلحق أحدهما، أو نفاه وسكت عن الآخر (٦).
стр. 2384
مذهب الزيدية:
من أقر بأحد التوأمين أنه ابنه وصدقه لزمه الثانى وان كذبه، وان أقر بالثانى بعد نفى الاول والملاعنة، لزمه الولدان (١) ويحد.
مذهب الإمامية:
لو ولدت المرأة توأمين بينهما أقل من ستة أشهر، فاستلحاق أحدهما لحقه الآخر ولا يقبل نفيه، ولو كان بينهما ستة أشهر فصاعدا فلكل حكم نفسه (٢).
استلحاق الحمل
مذهب الحنفية:
ان أقر الزوج بحمل زوجته، ثم طلقها، أو توفى فجاءت بولد لاقل من سنتين، فأنكر الزوج الولادة، أو أنكرها ورثته بعد وفاته، وادعت هى، فانه يثبت النسب عند محمد وأبى يوسف بشهادة امرأة واحدة وعند أبى حنيفة يثبت من غير شهادة، لان النسب ثابت قبل الولادة بالفراش.
قال ابن عابدين جاء ذلك فى الكنز والهداية وصرح به فى البدائع، لكن رده الزيلعى بأنه سهو، وأنه لا بد من شهادة القابلة بتعيين الولد اجماعا فى جميع الصور، وهو ما جاء
فى الجوهر: من أنه لا بد من شهادة القابلة، لجواز أن تكون ولدت ولدا ميتا.
أما ان جاءت به لتمام سنتين من وقت الفرقة لم يثبت، لان الحمل حادث بعد الطلاق، فلا يكون منه الا أن يدعيه وهذا فى حالة قيام الفراش.
أما فى غير الفراش فالاقرار بالحمل اقرار بالولد، اذ الحمل عبارة عن الولد، ويثبت نسبه من المقر ان جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار للتيقن بوجوده فيه، فان جاءت به لاكثر من ستة أشهر، لم يلزمه النسب، لانا لم نتيقن بوجود هذا الحمل فى ذلك الوقت، لجواز أنها حملت بعد ذلك، فلا يثبت النسب بالشك (٣)
مذهب المالكية:
يصح استلحاق الحمل ولا يتوقف ذلك على الولادة فى الظاهر (٤).
واذا استلحقة فليس له أن ينفيه بعد ذلك (٥) ان أتت به لدون ستة أشهر، أو كانت ظاهرة الحمل يومها (٦).
стр. 2385
مذهب الشافعية:
من استلحق حملا تعذر عليه نفيه كما فى الولد المنفصل (١)، وهذا ان ولدته لاقل من أكثر مدة الحمل من وقت الاقرار (٢).
وفى غير الفراش ان ادعى الحمل فأتت بالولد لدون ستة أشهر لحقه، وان ولدته لستة أشهر فأكثر فلا يلحقه (٣).
مذهب الحنابلة:
ان استلحق الحمل فمنهم من قال:
لا يصح استلحاقه، وهو المنصوص عن أحمد، لأنه لو صح استلحاقه، للزمه نسبه، لعدم امكان نفيه بعد ذلك، كالمولود ولا يلزمه ذلك بالاجماع، ولان للشبه أثرا فى الاستلحاق، بدليل حديث الملاعنة، والشبه لا يعرف الا بعد الوضع، فاختص صحة الاستلحاق به، فعلى هذا لو استلحق الحمل، ثم نفاه بعد وضعه كان له ذلك.
ومنهم من قال: يصح استلحاقه، لانه محكوم بوجوده، بدليل وقف الميراث، فصح الاقرار به، كالمولود، فعلى هذا اذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك، كما لو استلحقه بعد الوضع (٤).
مذهب الزيدية:
يصح الاقرار من الزوج بالحمل ويثبت نسبه، فاذا أقر أن زوجته، أو مملوكته قد علقت منه، فلا يصح بعده النفى، ولا يحتاج بعد ذلك الى دعوى مهما أتت به لدون ستة أشهر من يوم اقراره أو لدون أربع سنين، وقد علم وجود الحمل بحركة أو نحوها (٥).
ولتمام الموضوع فى كل المذاهب أنظر مصطلح (نسب واستيلاد ولعان).
استلحاق الميت:
مذهب الحنفية:
ان أكذب الملاعن نفسه بدعوة الولد المنفى بعد أن مات الولد لم يصدق، لان الولد قد استغنى عن شرف النسب بالموت، ولان الاب مدع للمال، لا مقر بالنسب، وبمجرد الدعوى لا يستحق المال اذا لم يكن مناقضا فى الدعوى، فاذا كان مناقضا فبالاولى، الا أن يكون الولد الميت قد ترك ابنا أو بنتا، فحينئذ يصدق الاب، ويثبت النسب، لانه الآن مقر بالنسب، فان ولد الابن ينسب اليه، كولد الملاعنة.
ولو كانت المنفية بنتا فماتت عن ابن وأكذب الملاعن نفسه لم يصدق ولم يرث فى قول أبى حنيفة، لان كلامه الآن فى
стр. 2386
دعوى المال، لا فى الاقرار بالنسب، لان نسب الولد الى قوم أبيه دون قوم أمه.
وعن محمد وأبى يوسف: يصدق ويحد ويرث، لانها ماتت عمن يخلفها، فان الولد كما ينسب الى أبيه ينسب الى أمه، وكما يتشرف بشرف الاب يتشرف بشرف الام، وأب الام يسمى أبا مجازا كأبى الاب.
وكذلك ان كان اللقيط ميتا وترك مالا أو لم يترك فادعى انسان أنه ابنه، لا يصدق، ولا يثبت نسبه منه الا بحجة، لاحتمال ظهور مال له (١).
مذهب المالكية:
يصح الاستلحاق، وان كان المستلحق ميتا، كبيرا كان أو صغيرا.
ولو نفى ولده ولا عن فيه، ثم مات الولد عن مال، ثم استلحقه أبوه، فان الاب يحد، ويلحق به الولد، ويرثه بشرط أن يكون للولد الميت ولد حر مسلم، ولو أنثى يشاركها الاب.
فان لم يكن له ولد - بأن عدم رأسا أو وجد، ولكن ليس على الصفة التى تجعله أهلا للميراث، بأن كان عبدا أو كافرا، فانه
يرثه أيضا ان قل المال الذى يحوزه المستلحق لضعف التهمة كما ذكره أبو ابراهيم الاعرج.
وقيل: الذى ينبغى اتباعه: هو التهمة فقد يكون السدس كثيرا، فينبغى أن لا يرثه، ولو كان للميت ولد، وقد يكون المال كله يسيرا، فينبغى أن يرثه وان لم يكن له ولد.
واستلحاقه له فى مرضه كاستلحاق له بعد موته (٢).
مذهب الشافعية:
يصح للمستلحق أن يستلحق ميتا صغيرا، ولو بعد أن قتله، ولا يبالى بتهمة الارث، وسقوط القصاص، وسواء أخلف ولدا أم لا، لان النسب يحتاط له، ومن ثم ثبت بمجرد الامكان.
وكذا يصح فى الاصح أن يستلحق ميتا كبيرا لم يسبق منه انكار، لاستلحاقه حال حياته فى حال تكليفه كأن سكت، لان الميت لما تعذر تصديقه كان كالمجنون والصغير.
стр. 2387
ويرث المستلحق - بكسر الحاء - المستلحق - بفتح الحاء - سواء كان صغيرا أو كبيرا لان الارث فرع النسب وقد ثبت (١).
مذهب الحنابلة:
ان أقر بنسب ميت صغير ثبت نسبه منه، لان علة ثبوت نسبه فى حياته الاقرار به وهو موجود بعد الموت، فيثبت كحاله فى الحياة.
وكذلك ان كان الكبير العاقل المقر بنسبه ميتا ثبت نسبه وارثه - اذا لم يسبقه انكار منه لاستلحاقه حال حياته - لأنه لا قول له فأشبه الصغير (٢).
مذهب الزيدية:
ان ادعى لقيطا بعد موته، ولا ولد له، فلا بد لثبوت النسب من البينة، أو الحكم.
وان أكذب الملاعن نفسه، فأقر بنسب الولد المنفى بعد موته، لم يرثه الاب الملاعن، ولا يثبت النسب ويحد للقذف.
وقال بعض المذاكرين: ان كان للولد المنفى الميت ولد لحق نسبه بالاب الملاعن، وكان جدا لابن المنفى، ولا يرث منه شيئا، لانه أقر بحق له، وهو الارث، فلا يصدق،
وبحق عليه، وهو لحوق النسب به فيصح اقراره.
والاصح للمذهب ما حكاه أبو جعفر فى شرح الابانة عن الهادى قال: انه ان لم يكن للولد المنفى الميت ولد لم يثبت نسبه ولا ميراثه، وان كان له ولد ثبت نسبه وميراثه، لان النسب أصل، والميراث فرع، واذا ثبت الاصل ثبت الفرع.
وقال الناصر: يثبت نسب الولد المنفى سواء كان له ولد أم لا (٣).
مذهب الإمامية:
اذا مات صبى مجهول النسب فأقر انسان ببنوته ثبت نسبه صغيرا أو كبيرا سواء كان له مال أو لم يكن، وكان ميراثه للمقر، ولا يقدح فى ذلك احتمال التهمة كما لو كان حيا، ويسقط اعتبار التصديق فى طرف الميت ولو كان كبيرا، لانه فى معنى الصغير.
واذا أتت المرأة الرجل بولد فنفاء باللعان، ثم مات الولد، فرجع الزوج، فأقر بنسبه، فانه لا يلحقه، ولا يرثه الاب، سواء خلف الولد ولدا، أو لم يخلف، لان نسبه منقطع باللعان بلا خلاف، واعادته تحتاج الى دليل.
стр. 2388
وقيل: لو كان للولد الميت ولد ورثه (١).
استلحاق اللقيط
مذهب الحنفية:
لو ادعى الملتقط أن اللقيط ابنه ثبت نسبه منه بنفس الدعوة استحسانا.
والقياس أن لا يثبت الا بالبينة، لانه لما ادعى أنه لقيط، كان نافيا نسبه، فلما ادعاه تناقض.
وجه الاستحسان: أنه عاقل أخبر بأمر محتمل الثبوت، فيجب تصديقه، تحسينا للظن به وهو الاصل، الا اذا كان فى تصديقه ضرر بالغير، وفى التصديق هنا نظر من الجانبين، والتناقض لا يضر فى دعوى النسب، لان النسب مما يخفى ثم يظهر.
وكذا يثبت نسبه من غير الملتقط بنفس الدعوة استحسانا، سواء صدقه الملتقط فى ذلك أولا، لانه اقرار للصبى بما ينفعه، فكان المدعى به أولى من غيره.
والقياس أن لا يثبت اذا كذبه الملتقط، لمتضمن هذا الاقرار ابطال يد الملتقط الثابتة عليه حقيقة وشرعا، والاقرار اذا تضمن ابطال حق الغير لا يصح.
وكذا يثبت نسبه من المدعى سواء كان مسلما أو ذميا استحسانا.
والقياس: ألا تصح دعوة الذمى، لانا لو صححنا دعوته وأثبتنا نسب الولد منه، للزمنا استتباعه فى دينه، وهذا يضر فلا تصح دعوته.
وجه الاستحسان: أنه ادعى أمرين ينفصل أحدهما عن الآخر فى الجملة، وهو النسب والتبعية فى الدين، اذ ليس من ضرورة كون الولد منه أن يكون على دينه، بأن أسلمت أمه فيصدق فيما ينفعه وهو النسب، ولا يصدق فيما يضره ويكون مسلما.
هذا اذا أقر الذمى أنه ابنه ولا بينة له، فان أقام البينة على ذلك ثبت نسب الولد منه ويكون على دينه ان كان الشهود من المسلمين.
والفرق أنه متهم فى اقراره، ولا تهمة فى الشهادة.
وكذلك تصح دعوة المدعى ويثبت نسبه منه، سواء كان المدعى حرا أو عبدا، لكنه يكون حرا، لما ذكرنا فى دعوى الذمى.
ولو ادعته امرأة أنه ابنها فقد مر تفصيله فى استلحاق المرأة.
стр. 2389
وهذا كله اذا كان اللقيط حيا، فان كان ميتا فقد مر تفصيله أيضا فى استلحاق الميت (١).
مذهب المالكية:
لا يلحق اللقيط شرعا بمن التقطه، ولا بغيره اذا استلحقه الا بأحد أمرين:
أولا: بينة تشهد له بأنه ابنه، ولا يكفى قول البينة: أنه ضاع له ولد أو طرح، فان أقامها لحق به، سواء كان اللقيط محكوما باسلامه أو كفره، وسواء كان المستلحق له - الذى شهدت له البينة - الملتقط أو غيره، وسواء كان الملتقط مسلما أو كافرا.
ثانيا: وجه يفيد الظن بصدق المدعى، كمن عرف أنه لا يعيش له ولد، فزعم أنه طرحه لما سمع أنه اذا طرح المولود عاش، أو طرحه لغلاء، أو خوف عليه من شئ بينه مما يدل على صدقه فيلحق بصاحب الوجه المدعى أنه ولده.
والوجه بمنزلة البينة فى الصور المتقدمة عند ابن عرفة والاجهورى والشيخ مصطفى الجزايرى.
وقيل: يكون بمنزلتها فى أربع منها فقط وهى: ما اذا كان المستلحق مسلما،
سواء كان الملتقط، أو غيره، وسواء كان اللقيط محكوما باسلامه، أو بكفره، وهو ما ذهب اليه بعضهم، وأيضا هو ما يفهم من قول الشيخ أحمد الزرقانى: وأما اذا استلحقه ذمى فلا بد من البينة (٢).
مذهب الشافعية:
من استلحق اللقيط لحقه بلا بينة ولا قافة، وتثبت أحكام النسب من الجانبين لان اقامة البينة على النسب مما يعسر، ولو لم نثبته بالاستلحاق لضاع كثير من الانساب، ويشترط فيه ما تقدم من الشروط، ولا فرق فيه بين الملتقط وغيره.
فان كان المستلحق له كافرا، فانه يلحقه كالمسلم لاستوائهما فى الجهات المثبتة للنسب.
وان استلحقه ملتقطه فيستحب سؤاله عن السبب، فربما يتوهم أن الالتقاط يفيد النسب.
قال الزركشى: وينبغى وجوب سؤاله اذا كان ممن يجهل ذلك احتياطا للنسب (٣).
стр. 2390
مذهب الحنابلة:
ان اقر انسان أن اللقيط ولده ألحق به، مسلما كان المقر، أو ذميا يمكن كون اللقيط منه، رجلا كان أو امرأة، حيا كان اللقيط أو ميتا، لانه مصلحة محضة للطفل، لوجوب نفقته وكسوته واتصال نسبه.
فان كان المدعى رجلا مسلما حرا لحق نسبه به، ثم ان كان هو ملتقطه أقر فى يديه، وان كان غيره، فله أن ينتزعه من الملتقط، لانه قد ثبت أنه أبوه، فيكون أحق بولده.
وان كان المدعى ذميا لحق به، ويلحق به فى النسب، لا فى الدين، ولا حق له فى حضانته، ولا يسلم اليه الا أن يقيم الذمى بينة أنه ولد على فراشه فيلحقه دينا، بشرط استمرار أبويه على الحياة والكفر الى بلوغه عاقلا.
ولا يلحق اللقيط بزوجة المقر بدون تصديقها، لان اقراره لا يسرى عليها (١).
مذهب الظاهرية:
كل من ادعى أن ذلك اللقيط ابنه من المسلمين، صدق أن أمكن أن يكون ما قال حقا، فان تيقن كذبه، لم يلتفت الى دعواه لان الولادات لا تعرف الا بقول الآباء
والامهات، وهكذا انساب الناس كلهم ما لم يتيقن الكذب.
فان أدعاه كافر لم يصدق لقول الرسول ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة وعلى الملة» ففى تصديقه اخراج اللقيط عن ما قد صح له من الاسلام، ولا يجوز ذلك الا حيث أجازه النص ممن ولد على فراش كافر من كافرة فقط (٢).
مذهب الزيدية:
ان ادعى الملتقط أن اللقيط ابنه قبل قوله، لكن يندب للحاكم مساءلة الملتقط من أين صار ابنا له؟ لئلا يعتقد البنوة لاجل التربية.
وان ادعاه غير الملتقط ووصفه بأمارات يغلب على الظن صدقه لاجلها، قبلت دعواه، ودفع اليه وان لم يقم البينة على أنه ولده.
وان ادعى كافر بنوة لقيطه لحقه نسبه، لصحة اقراره ولم يلحقه فى الدين لتقدم الحكم باسلامه لاجل الدار.
وقيل: يلحقه فى دينه أيضا بمجرد الدعوى كما لو ثبت ببينة (٣).
стр. 2391
مذهب الإمامية:
اذا ادعى أجنبى بنوة لقيط صغير ألحق به اذا كان المدعى أبا وان لم يقم بينة، وسواء كان المدعى حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا، وكذا لو كان أما.
فان كان المدعى حرا مسلما دفع اليه اللقيط وألزم بالنفقة عليه.
وان كان ذميا لحق به، ولا حضانة له، وعليه نفقته، ولا يحكم بكفره، الا أن أقام الكافر بينة فالاقرب الحكم بكفره.
وقيل: تقبل دعوى الذمى، ويلحق به نسبا ودينا وان لم يقم بينة لقوله تعالى: «أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ»﴾. (١)
واذا ثبت نسبه بلا خلاف، حكمنا بكفره، لان ولد الكافر يكون كافرا، والحكم باسلامه يحتاج الى شرع.
وفى كل موضع حكمنا بثبوت نسبه للرجل، فلا يثبت فى طرف زوجته ان نسبه اليها، الا أن تصدقه المرأة (٢).
استلحاق ولد من جماعة
خاصة دون تعيين
مذهب الحنفية:
ان ادعى رجل ولدا من جملة أولاد ولدوا فى بطون مختلفة، فقال: أحد هؤلاء ابنى، فما دام حيا يجبر على البيان، فان بين ثبت نسب من بينه، وان مات قبل البيان أجمعوا على أن النسب لا يثبت حتى لا يرث واحد منهم من الميت (٣)
مذهب المالكية:
ان قال المستلحق: أحدهم ولدى ومات ولم يعينه، فلا يثبت لهم نسب، ولا ارث لواحد منهم، لعدم تحقق سببه، وهو النسب فى واحد منهم، ولو غاب بعد أن قال هذا، فانه ينتظر (٤).
مذهب الشافعية:
لو استلحق أحد ولدين فقال: أحدهما ولدى، لزمه التعيين فاذا عين أحدهما رتب عليه حكمه من نسب وغيره.
وان مات المستلحق قبل أن يعين أحدهما عينه الورثة، لانهم خليفته وتعيينهم كتعيينه فى ثبوت النسب والارث.
стр. 2392
فان قالوا: لا نعلم، عرض الولدان على القائف، ويستدل القائف بالعصبة ان لم يكن رأى المستلحق.
فان فقد القائف، أو أشكل عليه الامر، أو ألحقهما به، أو نفاهما عنه، فلا يثبت لهما نسب ولا أرث، ولا ينتظر بلوغهما لينتسبا، ولا يرجع الى القرعة ليعرف بها من استلحقه منهما، لان النسب والارث لا يثبت كل منهما بالقرعة لانها على خلاف القياس (١).
مذهب الحنابلة:
ان قال رجل: أحد هذين ابنى - وهما غير معروفى النسب - لزمه البيان، فان عين أحدهما ثبت نسبه، وان مات قبل البيان قام وارثه مقامه فى البيان.
فان لم يكن له وارث، أو لم يعين الوارث عرض الولدان على القافة فألحق به من تلحقه به.
وان لم تكن قافة أو أشكل فلا يثبت النسب، ولا مدخل للقرعة فى تمييز النسب، ويجعل سهمه فى بيت المال، لانا نعلم أن أحدهما يستحق نصيب ولد، ولا يعرف عينه فلا يستحقه بقية الورثة، قاله السامرى (٢).
مذهب الزيدية:
يصح الاقرار بنسب مجهول ويتحتم على المقر أن يفسره، فان امتنع كلف ذلك قسرا، فان تمرد عن التفسير أجبر عليه بحبس أو غيره، لانه لما أقر مختارا غير مكره، لزمه باقراره حق، واذا لزم الحق صح اجباره على تعيينه بعد لزومه، واذا مات المقر بالمجهول فانه يصدق وارثه حيث لا وصى (٣).
مذهب الإمامية:
لو قال الرجل: أحد هذين ولدى، فأنه يكلف البيان، ويثبت نسب من بينه.
وان لم يعين، ومات، سئل الورثة، فان عينوا، كان مثل ذلك سواء.
وان لم يعينوا، أو اشتبه المعين أو لا ورثة له، أقرع بينهما، فمن خرج اسمه منهما ألحق به (٤).
استلحاق اثنين فأكثر واحدا:
مذهب الحنفية:
لو ادعى اللقيط الملتقط وغيره معا، فالملتقط أولى لاستوائهما فى الدعوة فترجح اليد فان سبقت دعوة الملتقط لا تسمع دعوة الخارج، لانه ثبت نسبه من
стр. 2393
الملتقط، فلا يتصور ثبوته من غيره بعد ذلك، الا أن يقيم غير الملتقط البينة، لان الدعوة لا تعارض البينة.
ولو ادعاه شخصان غير الملتقط لا يد لاحدهما عليه، فان كان أحدهما مسلما، والآخر ذميا، فالمسلم أولى، وكذا اذا ادعته مسلمة وذمية فالمسلمة أولى، ولو شهد للذمى مسلمان وللمسلم ذميان فهو للمسلم.
ولو كان أحدهما حرا والآخر عبدا فالحر أولى.
وان كانا حرين مسلمين، فان ذكر أحدهما علامة فى بدن اللقيط لا فى ثوبه ولم يذكر الآخر، فوافقت دعوته العلامة فصاحبها أولى، لرجحان دعواه بالعلامة، وهذا كله اذا لم يكن لاحدهما بينة، فان كان لاحدهما بينة فانه يقضى له كما مر (١) وان لم يكن لاحدهما بينة ثبت نسبه منهما جميعا وهو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقى منهما.
واذا ثبت نسب الصبى من المدعيين، ورث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل، لان كلا منهما أقرّ له بميراثه كله، حيث ادعى أنه ابنه وحده، واقراره حجة فى حقه، ويرثان منه ميراث أب
واحد، لان دعوى كل منهما الانفراد بالابوة لا تسرى فى حق الآخر لاجماع الصحابة على نحوه فى زمن عمر رضى الله عنه. وكذا ان أقاما جميعا البينة يحكم بكونه ابنا لهما لانه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
ولو ادعته امرأتان، وأقامت أحداهما البينة، فهى أولى به.
وان أقامتا جميعا البينة أولا بينة لهما فهو ابنهما عند أبى حنيفة.
وعند أبى يوسف: لا يكون لواحدة منهما، لان النسب فى جانب النساء يثبت بالولادة وولادة ولد واحد من امرأتين لا يتصور، فلا يتصور ثبوت النسب منهما، بخلاف الرجال، لان النسب فى جانبهم يثبت بالفراش (٢).
واذا كان الصبى فى أيدى زوجين، وزعم الزوج أنه ابنه من غيرها، وزعمت أنه ابنها من غيره، فهو ابنهما، لان الظاهر أن الولد منهما لقيام أيديهما، أو لقيام الفراش بينهما، ثم كل واحد منهما يريد ابطال حق صاحبه، فلا يصدق عليه.
стр. 2394
مذهب المالكية:
اذا ولدت امرأتان واختلط الولدان، فادعى الابوان صبيا واحدا منهما، كل واحد منهما يقول: هذا ابنى ويتنازعان فيه وينفيان الآخر، قال ابن رشد: الواجب عندى على أصولهم أن تدعى له القافة اذ ليس لهما أن ينفيا الآخر عن أنفسهما، وقد علم أنه ابن أحدهما، والذى ادعياه جميعا ليس أحدهما بأولى به من صاحبه، ولا يعترض على هذا بأن القافة لا يحكم بها فى أولاد الحرائر على المشهور كما ذكره ابن رشد فى سماع أشهب من كتاب الاستلحاق، لان العلة فى ذلك هى قوة الفراش فى النكاح، فيلحق الولد بصاحب الفراش الصحيح دون الفاسد، وذلك معدوم هنا، اذ لا مزية لاحد الفراشين على الآخر لصحتهما جميعا.
وقال البرزلى: اذا فرض عدم القافة فانه اذا كبر الولد والى أيهما شاء (١) - أى اتخذه وليا يأوى اليه (٢) - بمنزلة ما اذا أشكل الامر، فان مات الولد قبل ذلك ورثاه (٣) معا ميراث أب واحد، يقسم بينهما، وان ماتا ورث كل واحد منهما ميراث نصف بنوة، وليس له أن يواليهما معا، لان الشركة لا تصح فى الولد.
وفى نوازل سجنون: رجل له امرأة وله ولد فزعمت المرأة أنه ولدها من زوج غيره، وزعم الزوج أنه ولده من امرأة غيرها أنه يلحق بالزوج ولا يقبل قول المرأة (٤).
مذهب الشافعية:
لو استلحق اثنان أو جماعة بالغا عاقلا ووجدت الشروط فيهم ما عدا التصديق ثبت نسبه لمن صدقه منهم، لاجتماع الشروط فيه دون غيره، سواء صارت الام فراشا لهم أم لا فان صدقهم أو لم يصدق واحدا منهم كأن سكت عرض على القائف على الوجه الآتى: فى اللقيط، ولا يحتاج لتصديقه ان ألحقه القائف بأحدهم، لان قول القائف حكم لا استلحاق.
اما ان استلحقا مجهولا صغيرا - لقيطا كان أو غيره - فان استلحقه مسلم وكافر تساويا، لان كلا منهما أهل للاستلحاق لو انفرد فلا مزية.
ولا فرق بين أن يكون لاحد المستلحقين عليه يد أم لا، لان اليد لا تدل على النسب، فان استلحق اللقيط ذو يد، ثم استلحقه آخر، لم يلتفت اليه، لثبوت النسب من الاول معتضدا باليد، الا ان كان الاول هو الملتقط فيعرض اللقيط مع المستلحق الثانى على القائف، فان ألحقه به عرض مع الملتقط، فان ألحقه
стр. 2395
به أيضا تعذر العمل بقوله فيوقف، وان نفاه عنه فهو للمدعى، وان لم يستلحقه ذو اليد الا وقد استلحقه الآخر استويا، فلا يقدم ذو اليد اذ الغالب من حال الاب أن يذكر نسب ولده ويشهره، فاذا لم يفعل صارت يده كيد الملتقط فى أنها لا تدل على النسب، فان كان لاحدهما بينة سليمة من المعارض عمل بها، وان لم يكن لواحد منهما، أو كان لكل بينة وتعارضتا وأسقطناهما عرض الولد مع المستلحقين على القائف، فمن ألحقه به لحقه، لاستحالة انعقاد شخص من ماء شخصين كما أجمع عليه الاطباء وبرهنوا عليه.
فان عدم القائف، أو تحير، أو ألحقه بهما، أو نفاه عنهما انتظرنا بلوغه، وأمر بالانتساب قهرا عليه، وحبس ان امتنع، فمن انتسب اليه منهما لحق به، لما رواه البيهقى بسند صحيح أن رجلين ادعيا رجلا لا يدرى أيهما أبوه، فقال عمر رضى الله عنه: اتبع أيهما شئت، ولان طبع الولد يميل الى والده ويجد به ما لا يجد بغيره، والمعتبر ميل طبعه الجبلى لا مجرد التشهى، ولا يقبل رجوعه عن انتسابه لاحدهما، فان فقد الميل منه وقف أمره، فان انتسب الى ثالث وصدقه لحقه، ثم بعد انتسابه لاحدهما أو لثالث متى وجد قول القائف بأن ألحقه بغيره أبطل الانتساب.
وكذا ان وجدت البينة بعد الانتساب أو الالحاق بقول القائف أبطلتهما لانها حجة فى كل خصومة بخلافهما.
وكذلك الحكم لو اشترك رجلان فى وط ء امرأة فولدت ممكنا منهما وتنازعاه، بأن وطئا بشبهة فى طهر واحد، أو وطئ زوجته فطلق فوطئها آخر بشبهة أو نكاح فاسد، فاذا ولدت ولدا ممكنا منهما لاقل من أربع سنين وأكثر من ستة أشهر من الوطأين، وادعياه جميعا - أو لم يدعياه - عرض على القائف كما مر لامكانه منهما، فان تخلل بين وطئها حيضة فالولد للثانى، وان ادعاه الاول لظهور انقطاع تعلقه به، اذ الحيض امارة ظاهرة على البراءة منه، الا أن يكون الاول زوجا قائم الفراش فى نكاح صحيح. والثانى واطئا بشبهة أو نكاح فاسد، فلا يسقط حق الاول، لان امكان الوط ء مع فراش النكاح الصحيح قائم مقام نفس الوط ء، والامكان حاصل بعد الحيضة، ولا يتعين الزوج للالحاق هنا فى الاصح للاشتباه.
وان ادعى الولد مسلم وذمى، وأقام الذمى البينة تبعه الولد نسبا ودينا، وان لحقه بالحاق القائف تبعه نسبا لا دينا فلا يحضنه.
ولو تنازعت امرأتان لقيطا أو مجهولا وأقامتا بينتين تعارضتا عرض معهما على القائف، فلو ألحقه باحداهما لحقها ولحق زوجها أيضا، كما لو أقامت بينة، فان لم تكن بينة لم يعرض على
стр. 2396
القائف لان استلحاق المرأة بدون بينة لا تصح (١).
مذهب الحنابلة:
اذا وطئ رجلان امرأة فى طهر واحد وطئا يلحق النسب بمثله فأتت بولد يمكن أن يكون منهما، مثل أن يطأ رجل امرأة آخر فى الطهر الذى وطئها زوجها فيه، بأن يجدها على فراشه، فيظنها زوجته، أو يدعو زوجته فى ظلمة فتجيبه زوجة آخر، أو يتزوجها كل واحد منهما تزويجا فاسدا، أو يكون نكاح أحدهما صحيحا والآخر فاسدا وتأتى بولد يمكن أن يكون منهما، فانه يرى للقافة معهما فبأيهما ألحقوه لحق (٢)، وسواء ادعياه أو جحداه، أو ادعاه أحدهما وجحده الآخر (٣).
والخلاف فيه كالخلاف الآتى فى اللقيط (٤).
وان ادعى نسب اللقيط اثنان أو أكثر سمعت دعواهما، لان كل واحد لو انفرد صحت دعواه، فاذا تنازعوا تساووا فى
الدعوى، ولا فرق بين المسلم والكافر والحر والعبد، فان كان لاحدهما بينة قدم بها.
وان كان اللقيط المدعى نسبه فى يد أحدهما وأقاما بينة، قدمت بينة الخارج، وان تساووا فى البينة بأن أقام كل منهم بينة والطفل بأيديهم، أو ليس بيد واحد منهم، أو تساووا فى عدمها عرض اللقيط مع المدعيين ان ادعياه معا على القافة أو مع أقاربهما ان ماتا، فان الحقته بأحدهما لحق به، وان الحقته القافة بالمدعيين لحق نسبه بهما (٥)، وكان ابنهما يرثهما ميراث ابن، ويرثانه ميراث أب واحد، لاثر سيدنا عمر رضى الله عنه فى ذلك، فان نفته القافة عنهما، أو أشكل عليهم، أو لم يوجد قافة، أو تعارضت أقوالهم، أو لم يوجد من يوثق بقوله، لم يرجح أحدهما بذكر علامة فى جسده، لان ذلك لا يرجح به فى سائر الدعاوى ويضيع نسبه فى أحد الوجهين وهو قول أبى بكر الخلال، لانه لا دليل لاحدهم، أشبه من لم يدع أحد نسبه.
وقال ابن حامد: نتركه حتى يبلع فينتسب الى من شاء منهم، قال القاضى أبو يعلى: وقد أومأ أحمد الى هذا.
ولا خلاف فى أنه لا يثبت نسبه بالانتساب قبل البلوغ.
стр. 2397
وعلى قول من جعل له الانتساب الى أحدهما لو عاد فانتسب الى الآخر أو نفى نسبه من الاول ولم ينتسب الى أحد لم يقبل منه، وان قامت للآخر بينة بنسبه عمل بها.
وان وجدت قافة بعد انتسابه فألحقته بغير من انتسب اليه بطل انتسابه، لان قول القافة أقوى فبطل به الانتساب (١).
وان ادعت امرأتان نسب ولد، فان كانتا ممن لا يقبل دعوتهما لم تسمع دعوتهما، وان كانت احداهما ممن تسمع دعوتها دون الاخرى، فهو ابن لها كالمنفردة، وان كانتا جميعا ممن تسمع دعوتهما فهما فى اثباته بالبينة أو كونه يرى للقافة كالرجلين (٢).
ولا يلحق الولد بأكثر من أم واحدة لانه يستحيل أن يكون من أمين، فان ألحقته القافة بأكثر من أم سقط قولها ولم يلحق بواحدة منهما لتبين خطأ القافة، وليست احداهما بأولى من الاخرى، وان ادعى نسب الولد رجل وامرأة الحق بهما، ويكون ابنهما بمجرد دعواهما كالانفراد لامكان كونه منهما بنكاح أو وط ء بشبهة.
ولو ادعى نسب اللقيط انسان وألحق نسبه به لانفراده، ثم جاء آخر فادعاه، لم يزل نسبه عن الاول، الا أن ألحقته القافة بالثانى فيلحق به وينقطع نسبه عن الاول.
واذا ألحقته القافة بواحد، ثم جاءت أخرى، فألحقته بالآخر، كان لاحقا بالاول، وكذلك ان ألحقته بواحد، ثم عادت فألحقته بغيره، لان قول القائف جرى مجرى حكم الحاكم، ومتى حكم الحاكم حكما لم ينتقض بمخالفة غيره له، فان أقام الآخر بينة أنه ولده حكم له به وسقط قول القائف، لانه بدل فيسقط بوجود الاصل.
وان ألحقته القافة بكافر لم يحكم بكفره، لان الاسلام ثبت له بظاهر الدار فلا يزول ذلك بمجرد الشبهة والظن كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد (٣).
مذهب الظاهرية:
ان تزوج رجلان بجهالة امرأة فى طهر واحد ولم يعرف تاريخ الزواجين فظهر بها حمل فأتت بولد، فانه ان تداعياه جميعا فانه يقرع بينهما فيه، فأيهما خرجت قرعته ألحق به الولد، وهكذا الحكم فيما زاد، سواء كان المتداعيان أجنبيين أو قريبين أو أبا وابنا، فان كان أحدهما
стр. 2398
مسلما والآخر كافرا ألحق بالمسلم حتما بلا قرعة.
وان تداعت امرأتان فأكثر ولدا فان كان فى يد احداهما فهو لها، وان كان فى أيديهن كلهن دعى له القافة.
ولا يجوز ان يكون ولد واحد ابن رجلين وابن امرأتين (١).
مذهب الزيدية:
ان تعدد المدعون لنسب اللقيط واستووا فى كونهم جميعا ذكورا أحرارا مسلمين وفى ادعائه ووصفه فى وقت واحد، فانه يكون ابنا لكل فرد منهم ومجموعهم أب (٢).
ومعنى كونه ابنا لكل فرد أنه اذا مات أحد أبويه ورثه ميراث ولد كامل لا نصف ميراث.
ومعنى كونهم جميعا بمنزلة أب واحد أنه لا يلزم كل واحد منهم لهذا الابن من النفقة وصدقة الفطر ونحوهما الا قدر حصته من نصف وثلث ونحوهما، واذا مات أحد الابوين فانه يكمل الباقى منهم أبا، فاذا كان لهذا الميت ابن ومات الولد المدعى نسبه، كان الاب الباقى هو الذى يرثه دون ابن الميت (٣).
فان سبق أحد المدعيين بالدعوة استقر نسبه منه ولاحق للمتأخر، وان وصفه أحدهما دون الآخر، فهو أحق اذ الوصف أمارة صدقه كالبينة (٤)، وان كان لاحدهم مزية باسلام فانه يكون له ولمن شاركه فى تلك المزية، ولو كان أحدهما يهوديا والآخر نصرانيا، فانه يثبت لهما النسب فقط لعدم المزية، أما الدين فلا يلحق الولد بأيهما فيه، لانه قد حكم باسلامه للدار، ولو كان أحدهما فاطميا والآخر غير فاطمى فلا ترجيح بذلك، وكذا لو كان أحدهما صالحا والآخر فاسقا فانه يلحق بهما.
ولو ادعاه رجل وامرأة فانه يكون أبا كاملا والمرأة أما كاملة (٥).
وان ادعاه رجل وامرأة غير زوجة له، وبينا فوجوه.
أصحها: يتكاذبان اذ لا مزية لواحد منهما.
وقيل: يعمل ببينة المرأة اذ نشهد بالتحقيق.
وقيل: يعمل ببينة الرجل لئلا يلحق زوجها من لا يقر به (٦).
وأما اذا ادعاه امرأتان فان تفردت احداهما بمزية لحق بها، والا فلا
стр. 2399
يلحق بأيهما سواء بينتا أم لا، لان كذب احداهما معلوم بخلاف الرجلين فهو يمكن أن يكون منهما، وهذا ان كان صغيرا، فان بلغ وصدق احداهما فيلحق بها (١).
وقال الامام يحيى: بل يلحقهما كما لو ادعته كل واحدة منفردة وبينت، فان لم تبين لم يصح اقرارها (٢).
مذهب الإمامية:
اذا وطئ المرأة اثنان فى طهر واحد وطئا يلحق به النسب بأن تكون مشتبهة عليهما أو زوجة لاحدهما ومشتبهة على الآخر، أو لعقد الاثنان عقدا فاسدا توهما الحل به ثم تأتى بالولد لستة أشهر فصاعدا الى أقصى مدة للحمل.
فادعى كل منهما نسب الولد، فعندنا يحكم بالقرعة، فمن خرجت له لحق به النسب، وكذا ان لم يتداعياه.
وسواء كان الواطئان مسلمين أو مختلفين فى الاسلام والكفر، وسواء كانا أجنبيين أو أحدهما أبا للآخر، وسواء أقام كل واحد منهما أو لم يقم أحدهما بينة ولو أقام أحدهما البينة دون الآخر حكم لصاحب البينة.
ولا اعتبار بالقيافة ولا يجوز الالحاق بمن يلحقه القائف (٣).
ولا يلحق الولد برجلين لقوله تعالى «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى» (٤) والمراد خلق كل واحد من ذكر وأنثى، فمن قال من أنثى وذكرين فقد ترك الآية (٥).
وكذا اللقيط لو تداعى بنوته اثنان.
ولا بينة لاحدهما، أو لكل منهما بينة، فالقرعة لانه من الامور المشكلة وهى لكل أمر مشكل (٦)، فان كان لاحدهما بينة حكم بها (٧) ولا ترجيح لاحدهما بالاسلام، وان كان اللقيط محكوما باسلامه ظاهرا على قول الشيخ الطوسى فى الخلاف، لعموم الاخبار فيمن تداعوا نسبا لتكافؤهما فى الدعوى.
ورجح فى المبسوط دعوى المسلم لتأييد الحكم باسلام اللقيط على تقديره وحيث يحكم به للكافر يحكم بكفره على الاقوى للتبعية.
وكذا لا ترجيح بالالتقاط، بل الملتقط كغيره فى دعوى نسبه، لجواز أن يكون قد سقط أو نبذه ثم عاد الى أخذه من ملتقطه.
стр. 2400
ولا ترجيح للسيد فى النسب، نعم لو لم يعلم كونه ملتقطا ولا صرح ببنوته فادعاه غيره فنازعه، فان قال: هو لقيط.
وهو ابنى، فهما سواء، وان قال هو ابنى واقتصر ولم يكن هناك بينة على أنه التقطه، فقد قرب فى الدروس ترجيح دعواه عملا بظاهر اليد (١).
وكذا الوصف لا يحكم به لانه يجوز أن يكون شاهده أو سمعه (٢).
ولو نزل أحدهما للآخر صح ولم يقتصر النزول الى اذن الحاكم (٣).
ولو ادعاه امرأتان حكم لذات البينة، فان سقطتا أو تعارضتا احتمل القرعة.
ولو ادعاه رجل وأمرأة فلا تعارض وألحق بهما، لاحتمال حصوله منهما عن نكاح بينهما (٤).
مذهب الإباضية:
ان ادعوا منبوذا فمن بين فابنه، وان بينوا جميعا فمشترك بينهم، وكذا ان ادعوا غير المنبوذ، سواء ادعاه المسلمون، أو الكفار، أو النساء، أو الرجال، أو بعض أولئك مع بعض (٥).
والمشهور أن لا تكون الشركة فى الولد بين أكثر من اثنين (٦).
وقيل يحكم بالشبه والقافة.
وان ولدت امرأتان مسلمتان، أو كافرتان، أو أحداهما مسلمة، والاخرى كافرة، ولا يتميز ولداهما، فاختلف أبواهما أو أماهما أو أولياؤهما عليهما فقيل: يحكم بالشبه والقافة (٧).
استلحاق غير الولد
مذهب الحنفية:
يصح اقرار الرجل بالوالد اذا كان المقر يولد لمثله، ولم يكن المقر ثابت النسب من غيره اذا صدقه المقر له فى اقراره اذا كانت له عبارة صحيحة (٨).
ومن أقر بأخ أو عم أو ولد ولد أو جد ونحوهم فان كان المقر واحدا، فانه لا يصح اقراره فى حق النسب، فلا يثبت به، وان صدقه المقر له عند أبى حنيفة ومحمد، بل لا بد فيه من البينة، أو تصديق المقر عليه أو الورثة وهم من أهل التصديق، لان فى هذا الاقرار حمل نسب غيره على الغير، فكان شهادة وشهادة الفرد غير مقبولة.
стр. 2401
ويصح فى حق الميراث، لكن بشرط أن لا يكون له وارث أصلا، فان كان فهو أولى بالميراث من المقر له، لان نسبه لم يثبت، فلا يزاحم الوارث المعروف.
ويصح للمقر أن يرجع عن اقراره هذا بعد ذلك ولو صدقه المقر له فيبطل اقراره فى حق الميراث أيضا، لانه وصية معنى، والرجوع عن الوصية صحيح، ومحله ما اذا لم يصدقه المقر عليه، أو لم يقر بمثل اقراره، والا لم ينفع المقر رجوعه عن اقراره، لان نسب المقر له قد ثبت من المقر عليه.
وقال أبو يوسف: يصح اقرار الواحد فى حق النسب أيضا فيثبت به، وبه أخذ الكرخى، لان اقرار الواحد مقبول فى حق الميراث، فيكون مقبولا فى حق النسب كاقرار الجماعة.
وان كان المقر أكثر من واحد بأن كانا رجلين أو رجلا وامرأتين فصاعدا فانه يثبت النسب باقرارهم بالاجماع (١).
هذا فى حق النسب أما فى حق الارث فانظر «ارث».
ولو أقر الاخ بابن أخيه الميت فالظاهر من كلام المشايخ صحة اقرار هذا الاخ، ويثبت نسبه فى حق نفسه فقط
فيرث الابن دونه، لانه أقر أنه مقدم عليه فى استحقاق ماله واقراره حجة على نفسه (٢).
مذهب المالكية:
ان استلحق غير ولد من أخ أو عم أو نحوهما فان المستلحق - بفتح الحاء - لا يثبت نسبه، لانه لا يصح استلحاق غير الاب، ولا يرث المقر ان كان للمقر وارث ثابت النسب حائز للمال منعا للتهمة وعلى ما هو مفصل فى مصطلح (ارث).
والمعتبر وجود الوارث يوم موت المقر لا يوم الاقرار.
وان أقر عدلان - ابنان أو اخوان أو عمان - بثالث، فانه يثبت نسبه ويرث، والمراد بالاقرار هنا الشهادة لان النسب هنا لا يثبت بالاقرار لان الاقرار قد يكون بالظن، ولا يشترط فيه العدالة والشهادة لا تكون الا بتا وجزما، ويشترط فيها العدالة، والنسب لا يثبت بالظن.
وروى المازرى عن ابن القصار: أنه يثبت النسب باقرار غير العدول اذا كانوا ذكورا وحازوا الميراث كله، والمعتمد الاول.
وأن أقر وارث بمن يحجبه كما لو أقر أخ بابن أعطى جميع ماله، وهذا كله
стр. 2402
اذا كان المقر رشيدا، فان كان سفيها لم يؤخذ من حصته شئ (١).
مذهب الشافعية:
اذا ألحق شخص النسب بغيره ممن يتعدى النسب منه الى نفسه بواسطة واحدة وهى الاب كهذا أخى أو بثنتين كالاب والجد فى هذا عمى أو بثلاثة كهذا ابن عمى يجوز ويثبت نسبه من الملحق به لان الوارث يخلف مورثه فى حقوقه، والنسب من جملتها، فيثبت باقراره، ويشترط فيه وراء ما تقدم من الشروط فى الاستلحاق بنفسه.
أولا: أن يكون الملحق به ميتا فيمتنع الالحاق بالحى ولو مجنونا لانه قد يفيق ويصبح أهلا، فلو ألحق بالحى ثم صدق ثبت النسب بتصديقه دون الالحاق.
واذا كان واسطتان كهذا عمى، يشترط تصديق الجد فقط، لانه الاصل الذى ينسب اليه.
ومن اشترط تصديق الاب أيضا كالبغوى فقد أبعد، لان الالحاق ليس بالاب.
ولا يشترط أن لا يكون الملحق به قد نفاه فى الاصح، بل يجوز الالحاق به وان نفاه عنه، قبل موته بلعان أو غيره، لانه لو استلحقه لقبل فكذا وارثه.
ثانيا: أن يكون الملحق به رجلا، لان استلحاق المرأة لا يصح كما مر، فبالاولى استلحاق وارثها، وإن كان رجلا، لأنه خليفتها، جزم به ابن الرفعة.
ونقل عنه العمرانى فى زوائده، أن الاقرار بالام لا يصح، لامكان اقامة البينة على الولادة.
وقال فى الخادم: هذا الرأى - وهو أن وارث المرأة لا يصح استلحاقه - مردود نقلا وتوجيها والاصح خلافه.
أما النقل. فما ذكروه من أنه تشترط موافقة الزوج لبقية ورثة المرأة فى الحاقهم بها.
واما التوجيه. فلان الحاق النسب بغيره أوسع بابا من ألحاقه بنفسه، ولذا تلحق المرأة النسب بغيرها، ولا تلحقه بنفسها.
ثالثا: أن يكون المقر وارثا حائزا لتركة الملحق به حين الاقرار، لانه ان لم يرث الميت لم يكن خليفته، وكذا ان لم يستغرق تركته، وسواء كان رجلا أو امرأة وسواء كان واحدا أو أكثر كابنين أقرا بثالث فيثبت نسبه ويرث منهما ويرثان منه، ولا بد من
стр. 2403
موافقة جميع من ورث - ولو بزوجية أو ولاء، على الاستلحاق، ليكون المستلحق حائزا، لان القائم مقام الملحق به مجموعهم لا خصوص المستلحق بكسر الحاء، وينتظر بلوغ الصغير وقدوم الغائب، ليوافقا على الاستلحاق، فان ماتا قبل الموافقة فموافقة وارثهما تعتبر، ولو ورثه بيت مال المسلمين فللامام أن يلحق النسب بالميت وله أن يوافق فيه غير الحائز ان ورث معه، لانه نائب الوارث وهو جهة الاسلام.
ولا يصح الاستلحاق من غير وارث كالقاتل والكافر والعبد والاجنبى، ولا تعتبر موافقة غير الوارث للمستلحق بكسر الحاء.
رابعا: أن يكون المقر لا ولاء عليه.
فلو أقر عتيق بأخ أو عم لم يقبل لاضراره بمن له الولاء.
والاصح فيما اذا أقر أحد الحائزين بثالث وأنكره الآخر أو سكت أن المستلحق - بفتح الحاء - لا يرث، لعدم ثبوت نسبه، ولا يشارك المقر فى حصته ظاهرا وقضاء لكن تحرم على المقر بنت المقر به وان لم يثبت نسبها، مؤاخذة له باقراره احتياطا.
والاصح أنه اذا كان الوارث الحائز يحجبه المستلحق - بفتح الحاء - حجب حرمان كأخ أقر بابن للميت فانه يثبت النسب للابن، لان الوارث الحائز فى الظاهر قد استلحقه ولكن لا ارث له اذ لو ورث لحجب الاخ، واذا حجب الاخ خرج عن كونه وارثا فلم يصح استلحاقه.
وجاء فى نهاية المحتاج ومقابل الاصح عدم ثبوتهما اما الارث فلما مر وأما النسب فلانه لو ثبت لثبت الارث (١).
والاصح أنه لو أقر ابن حائز مشهور النسب بأخوة مجهول، فأنكر المجهول نسب المقر بأن قال: أنا ابن الميت ولست أنت ابنه لم يؤثر فيه، لثبوته وشهرته، ويثبت أيضا نسب المجهول، لان الحائز قد استلحقه، ولا ينظر لاخراجه عن أهلية الاقرار بتكذيبه له (٢).
مذهب الحنابلة:
أن أقر انسان بأن هذا أبوه. فهو كأقراره بأنه ابنه فيشترط فيه ما يشترط فى الاقرار بالنسب، وان أقر بنسب أخ أو عم فى حياة أبيه أو جده لم يقبل اقراره.
وان كان الاقرار بالنسب عليه وعلى غيره كاقراره بأخ أو عم اعتبر فيه الشروط الاربعة المذكورة فى شرائط الاستلحاق، وشرط خامس وهو: أن يكون المقر جميع الورثة، لقيام الورثة مقام الميت فى ماله وديونه، فكذا فى النسب.
стр. 2404
فان كان المقر زوجا أو زوجة ولا وارث معهما، لم يثبت النسب باقرارهما، لان المقر لا يرث المال كله، فان اعترف به الامام معه ثبت النسب، لانه قائم مقام المسلمين فى مشاركة الوارث وأخذ الباقى.
وان كان الوارث بنتا أو أختا أو أما أو ذا فرض يرث جميع المال بالفرض والرد، ثبت النسب بقوله كالابن، لانه يرث المال كله، الا ان يكون الميت قد نفاه قبل موته، فلا يلحق الملاعن نسب المنفى بلعان باستلحاق ورثته له بعد موت الملاعن وبعد تمام لعانه، لانهم يحملون على غيرهم نسبا قد نفاه عنه فلم يقبل منهم.
وان كان أحد الوالدين غير وارث لكونه مخالفا لدين مورثه، أو قاتلا فلا عبرة به، وثبت النسب باقرار الآخر وحده لانه يجوز كل الميراث.
وان كان أحد الوارثين غير مكلف كالصبى والمجنون فأقر المكلف بأخ ثالث لم يثبت النسب باقراره، لانه لا يحوز كل الميراث فان بلغ الصبى، أو أفاق المجنون فأقرا به أيضا ثبت نسبه، لاتفاق جميع الورثة عليه، وان أنكر لم يثبت النسب، وان ماتا قبل أن يصيرا مكلفين ثبت نسب المقر به، لانه وجد الاقرار من الحائز لجميع التركة.
ولو كان الوارثان بالغين عاقلين فأقر به أحدهما، وأنكر الآخر، ثم مات المنكر، وورثه المقر ثبت نسب المقر به، لان المقر صار حائزا لجميع التركة.
وفيه وجه آخر: أنه لا يثبت النسب لانه أنكره بعض الورثة فلم يثبت نسبه كما لو لم يمت.
واذا أقر الوارث بمن يحجبه كأخ أقر بابن للميت، وأخ من أب أقر بأخ من أبوين ثبت نسب المقر به، وورث، وسقط المقر، وهذا اختيار ابن حامد والقاضى، لأنه، ابن ثابت النسب لم يوجد فى حقه أحد موانع الارث، وثبوت النسب سبب للميراث، فلا يجوز قطع حكمه عنه، ولا يورث محجوب به مع وجوده وسلامته من الموانع (١).
مذهب الزيدية:
ان كان هناك واسطة بين المقر والمقر له كالاقرار بأخ أو عم لم يثبت النسب، الا أن يصادق الواسطة ان كان حيا، أو بالبينة والحكم مطلقا.
وفى البحر الزخار من ادعى أخوة رجل بعد موت الاب فبين ثبت نسبه، والا حلف، فان نكل الاخ ثبت الميراث، وفى ثبوت النسب وجهان (٢).
стр. 2405
مذهب الإمامية:
غير الولد من الانساب لا يثبت نسبه الا بتصديق المقر به، فاذا أقر بنسب غير الولد للصلب ولا وارث له وصدقه المقر به توارثا بينهما، ولا يتعدى التوارث الى غيرهما، الا الى أولادهما، ولو كان له ورثة مشهورون لم يقبل اقراره بالنسب.
واذا مات رجل وله ابنان فأقر أحدهما باخ ثالث وأنكره الآخر، فلا خلاف أنه لا يثبت نسبه.
واذا كان الوارث جماعة فأقر اثنان رجلان أو رجه وامرأتان بنسب وكانوا عدولا يثبت النسب، ولو كانوا فاسقين لم يثبت النسب، ويثبت الميراث.
ولو أقر بابن ابنه وابنه ميت اعتبر فيه الشروط المتقدمة فى صحة الاستلحاق مع التصديق (١).
مذهب الإباضية:
استلحاق الابن لابيه جائز وهو أن يقر بأن فلانا أبوه، فان صدقه الاب صار مستلحقا ولزم ذلك وثبت به النسب على ما تقدم، وأن أكذبه فلا عبرة به، ولا يعتبر تصديق المجنون ولا اقراره ..
وقال شارح أبى اسحاق: كل من استلحق أحدا من أقاربه كالاخ وابن الاخ وابن
ابن أو جد أو عم أو غيرهم من الاقارب، فلا يجوز استلحاقه، لانه انما استلحق فى فراش غيره.
والصحيح أن المقر بوارث معه يلزمه أن يعطيه من حظه، ولا يثبت نسبه به ان أنكره غيره كابنين ادعى أحدهما ثالثا وعليه الاكثر.
وان أقر وارث حائز فى ظاهر الحال بمن يحجبه حرمانا يثبت نسبه ولا يرث، كما اذا أقر أخ مثلا بابن للميت، فيثبت نسب الابن المقر به ولا يرث.
وقيل: يرث أيضا كما يثبت النسب، لان الارث فرع ثبوت النسب.
وقيل: لا يثبت النسب أيضا (٢).
استلحاق الرقيق:
مذهب الحنفية:
ان ادعى العبد المأذون ولد جارية من تجارته تصح، ويثبت نسب الولد منه، لان ملك اليد ثابت له، وهو كاف لثبوت النسب.
أما لو ادعى ولدا من جارية لمولاه ليس من تجارته، وادعى أن مولاه زوجها منه، فلا يثبت نسب الولد منه الا بتصديق المولى، لانعدام الملك له فيه، فان كذبه
стр. 2406
المولى ثم عتق فملك الجارية بوجه من الوجوه نفذت دعوته وثبت نسب الولد منه، لان التوقف كان لحق المولى وقد زال.
وعلى هذا دعوة المكاتب ولد جارية من اكسابه تصح، ويثبت بها النسب، لان ملك اليد والتصرف ثابت له كالمأذون، والعبد المسلم والذمى سواء فى دعوى النسب، وكذلك المكاتب المسلم والذمى، لان الكفر لا ينافى النسب.
ولو ادعى المضارب ولد جارية المضاربة لم تصح دعوته اذا لم يكن فى المضاربة ربح لانه لا بد لثبوت النسب من ملك ولا ملك للمضارب أصلا لا يدا ولا ذاتا.
واذا ولدت الجارية فى ملك رجل لستة أشهر فصاعدا فلم يدع الولد حتى باع الام والولد، ثم ادعاه صحت دعوته، وثبت النسب منه استحسانا، لان قيام الملك وقت الدعوة ليس بشرط لصحة هذه الدعوة، بل الشرط أن يكون حمل الولد فى الملك، وما دام النسب قد ثبت عتق الولد وبطل البيع فى الجارية وفى ولدها، ولو لم يدعه البائع حتى خرج عن ملك المشترى بوجه من الوجوه فان كان ذلك مما يحتمل الفسخ كما اذا باع المشترى الولد أو وهبه أو رهنه أو أجره أو كاتبه، فانه يفسخ ويثبت النسب من البائع، وان لم يحتمل الفسخ - كما لو أعتقه ومات الولد أو قتل - فانه لا يفسخ ولا تصح دعوة البائع، ولو كان المشترى أعتق الام دون الولد أو ماتت ثم ادعى البائع الولد صحت دعوته وثبت النسب، لان محل النسب قائم وهو الولد وعلى هذا اذا باعها والحمل غير ظاهر، أو حملت فى ملكه فباعها وهى حامل، فولدت عند المشترى لاقل من ستة أشهر، فادعاه البائع صحت دعوته وثبت نسبه منه.
وان ولدت لستة أشهر فصاعدا الى سنتين فان صدقه المشترى ثبت النسب والا فلا.
وان ادعياه معا فدعوة المشترى أولى لقيام ملكه واحتمال العلوق فيه.
ولو ادعى المشترى نسبه بعد تصديقه البائع لم يصح، لان النسب متى ثبت لانسان فى زمان لا يتصور ثبوته من غيره بعد ذلك، هذا اذا كانت الدعوة من البائع.
فان كانت من المشترى وقد ولدت لاقل من ستة أشهر صحت دعوته وثبت النسب، لقيام الملك، فلو ادعاه البائع بعد ذلك لا تسمع دعوته لما مر.
ولو ادعاه البائع والمشترى معا فدعوة البائع أولى، وان لم تعلم مدة الولادة لا تصح دعوة البائع الا بتصديق المشترى للشك فى وقت العلوق، وتصح
стр. 2407
دعوة المشترى، وان ادعياه معا لا تصح واحدة منهما للشك (١).
واذا ولدت جارية الابن فى ملكه لستة أشهر فصاعدا، فادعاه الاب ثبت نسبه منه، سواء ادعى شبهة أو لا، صدقه الابن فى ذلك أو كذبه، لكن يشترط لصحة هذه الدعوة أن تكون الجارية فى ملك الابن من وقت العلوق الى وقت الدعوة، حتى لو اشتراها الابن فجاءت بولد لاقل من ستة أشهر فادعاه الاب لا تصح دعوته، وكذا لو باعها فجاءت بولد لاقل من ستة أشهر فادعاه الاب لا تصح دعوته، لانعدام الملك وقت العلوق فى الاولى، ووقت الدعوة فى الثانية.
وكذا لا تصح دعوة الاب ولا يثبت نسب الولد منه ان كان العلوق به وولادته فى ملك الابن، لكن خرجت عن ملكه فيما بينهما.
وكذلك لو كان الاب كافرا أو عبدا فادعى لا تصح دعوته، لان الكفر والرق ينفيان الولاية.
ولو كان كافرا فأسلم أو عبدا فأعتق فادعى نظر فى ذلك، فان ولدت بعد الاسلام أو الاعتاق لاقل من ستة أشهر، لم تصح دعوته، وان ولدت لستة أشهر فصاعدا صحت دعوته وثبت النسب منه، لقيام الولاية.
ولو كان الاب مجنونا فأفاق صحت دعوته استحسانا، لان الجنون أمر عارض كالاغماء، وكل عارض على أصل اذا زال يلتحق بالعدم من الاصل كأنه لم يكن.
ولو كان مرتدا فدعوته موقوفة عند أبى حنيفة لتوقف ولايته.
وعند محمد وأبى يوسف صحيحة، لنفاذ ولايته.
هذا كله اذا ادعى الاب ولد جارية ابنه.
فأما اذا ادعى ولد أم ولده أو مدبرته، بأن جاءت بولد فنفاه الابن حتى انتفى نسبه منه، ثم ادعاه الاب لم يثبت نسبه منه فى ظاهر الرواية الا أن يصدقه الابن فى الدعوى بعد ما نفاه فان صدقه ثبت النسب بالاجماع.
ولو ادعى الاب ولد مكاتبة ابنه لم يثبت نسبه منه الا اذا عجزت فتنفذ دعوته لعودتها قنا.
ولو كان الابن ادعى الولد - فى كل ما سبق - ثم ادعاه الاب أو ادعياه معا فالابن أولى.
ودعوة الجد أبى الاب ولد جارية ابن الابن بمنزلة دعوة الاب عند انعدامه أو عند انعدام ولايته، فأما عند قيام ولايته فلا (٢).
стр. 2408
مذهب المالكية:
من باع أمة وهى حامل - بحسب دعوى البائع - وليست ظاهرة الحمل فولدت عند المشترى فاستلحق البائع الولد، فانه يلحق به، وهذا حيث لم يكن قد استبرأها بحيضة، ولم يطأها المشترى وولدت بعد البيع، ولو لاقصى مدة الحمل.
فان استبرأها فأتت بولد لستة أشهر من يوم الاستبراء فلا يلحق به.
ولو وطئها المشترى وأتت به لستة أشهر فالقافة.
ولو وضعته لاكثر من أقصى مدة الحمل فلا يصح استلحاقه.
وأما اذا كانت ظاهرة الحمل وقت البيع فان الولد يلحق بالبائع ولو لم يستلحقه عند الاجهورى.
وقيل: لا بد من استلحاقه فى الظاهرة الحمل، والا لم يلحق، وهو الظاهر الجارى على قواعد المذهب.
ومن باع عبدا ولد عنده وحده أو مع أمه فأعتقه المشترى، ثم استلحقه البائع، فانه يلحق به ويصدق ان لم يقم دليل على كذبه (١).
مذهب الشافعية:
لو استلحق شخص عبد غيره أو عتيقه لم يقبل قول المستلحق ان كان العبد صغيرا أو مجنونا، بل يحتاج الى البينة، فان كان العبد كبيرا عاقلا وصدق المستلحق قبل، ولا عبرة بما فيه من قطع الارث المتوهم بالولاء، والعبد باق على رقه، لعدم التنافى بين النسب والرق، لان النسب لا يستلزم الحرية، والحرية لم تثبت.
ثم ان ثبت نسبه بالبينة أو صدقه المشترى تبين بطلان البيع والا فلا.
وقيل: لا يقبل الاستلحاق ورجحه السبكى محافظة على حق الولاء للسيد.
وان استلحق عبدا بيده، وأمكن لحوقه به لحقه ان كان صغيرا أو مجنونا، أو كان كبيرا وصدقه، أما ان كذبه فلا يلحق به نسبه ويعتق مؤاخذة له باعترافه بحريته.
وقيل: لا يعتق ولا يتوارثان (٢).
مذهب الحنابلة:
اذا اشترى رجل جارية وظهر بها حمل لم تخل من أحوال خمسة:
أحدها أن يكون البائع أقر بوطئها عند البيع أو قبله وأتت بولد لدون
стр. 2409
ستة أشهر، أو يكون البائع ادعى الولد فصدقه المشترى، فان الولد يلحق بالبائع، والبيع باطل.
الثانى: أن يكون أحدهما استبرأها ثم أتت بولد لاكثر من ستة أشهر من حين وطئها المشترى فالولد للمشترى.
الثالث: أن تأتى به لاكثر من ستة أشهر بعد استبراء أحدهما لها ولاقل من ستة أشهر منذ وطئها المشترى.
فان ادعاه كل واحد منهما فهو للمشترى، لانه ولد فى ملكه مع احتمال كونه منه.
وان ادعاه البائع وحده فصدقه المشترى لحقه، وكان البيع باطلا، وان كذبه فالقول قول المشترى فى ملكية الولد.
أما ثبوت نسب الولد من البائع ففيه وجهان:
أحدهما: يثبت، لانه نفع للولد.
والثانى: لا يثبت، لان فيه ضررا على المشترى.
الرابع: أن تأتى به بعد ستة شهور منذ وطئها المشترى قبل استبرائها فنسبه لاحق بالمشترى، ان ادعاه البائع فأقر له المشترى لحقه، وبطل البيع، وان كذبه فالقول قول المشترى.
الخامس: اذا أتت به لاقل من ستة أشهر منذ باعها، ولم يكن أقر بوطئها، فان ادعاه البائع فالحكم ما ذكرنا فى الحال الثالث (١).
مذهب الظاهرية:
من استلحق ولد جارية له باعها ولم يكن عرف قبل ذلك ببينة أنه وطئها أو باقرار منه بوطئها قبل بيعه لها لم يصدق ولم يلحق به نسبه، سواء باعها حاملا، أو حدث الحمل بها بعد بيعه لها، أو باعها دون ولدها، أو باع ولدها دونها، كل ذلك سواء.
فلو صح ببينة أنه وطئها قبل بيعه لها، أو أقر بوطئها قبل أن يبيعها، فان ظهر بها حمل كان مبدؤه قبل بيعه لها بلا شك، فانه يلحق به ولدها، سواء أقر به أو لم يقر، ويفسخ البيع (٢).
مذهب الإمامية:
اذا باع جارية فظهر بها حمل فادعى البائع أنه ابنه ولم يكن أقر بوطئها
стр. 2410
عند البيع ولم يصدقه المشترى، فلا خلاف أن أقراره يقبل فى الحاق النسب، لانه اقرار لا ضرر فيه على غيره، فوجب جوازه، ولا يقبل فيما يؤدى الى فساد البيع (١).
مذهب الإباضية:
من باع أمة مع ولدها ثم أقر أنه ولده رد قوله، فان ملكه يوما جاز اقراره الاول ولزمه (٢).
стр. 2411
استمتاع
تعريف الاستمتاع فى اللغة
استمتاع مصدر فعله استمتع المزيد بالهمزة والسين والتاء، والسين والتاء تزادان على الفعل لأغراض من أهمها افادة المعالجة والطلب، فالمستمتع طالب للمتعة قاصد اليها، فمادته الأصلية متع.
وقد جاء فى القاموس المحيط أنه يقال: متع الرجل بالشئ متعا ومتعة بالضم اذا ذهب به.
والمتعة بالضم والكسر اسم للتمتيع كالمتاع، وأن تتزوج امرأة تتمتع بها أياما ثم تخلى سبيلها، وأن تضم عمرة الى حجك. وقد تمتعت واستمتعت ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق. وقد متعها تمتيعا.
وجاء فى مختار الصحاح: أنه يقال قد متع الرجل بالشئ أى انتفع به من باب قطع، والمتاع: المنفعة والسلعة والأداة وما تمتعت به من الحوائج قال الله تعالى «اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ» (١) ويقال أمتعه الله بكذا أبقاه وأنشأه الى أن ينته شبابه كمتعه، وأمتع بماله وتمتع به واستمتع به بمعنى، والاسم المتعة ومنه متعة النكاح، والطلاق والحج لأنها انتفاع (٢).
تعريفه فى اصطلاح الفقهاء
لا يكاد الفقهاء فى استعمالاتهم للفظ الاستمتاع يخرجون به على المضمون اللغوى.
استمتاع الرجل بزوجته ومملوكته
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب بدائع الصنائع أن للزوج أن يطالب زوجته بالوط ء متى شاء، الا عند اعتراض أسباب مانعة من الوط ء، كالحيض والنفاس والظهار والاحرام وغير ذلك، لقوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)﴾.
ثم قال: ويحل النظر والمس من رأسها الى قدميها فى حالة الحياة، لأن الوط ء
стр. 2412
فوق النظر والمس فكان احلاله احلالا للمس والنظر من طريق الأولى (١).
وحل الاستمتاع هذا على سبيل الملكية والاختصاص (أى يملك الاستمتاع ويختص به).
فقد ذكر صاحب البدائع أن للزوج ملك المتعة، وهو اختصاص الزوج بمنافع بضعها وسائر أعضائها استمتاعا.
هذا ولا يحل للرجل شئ من ذلك بعد الموت، فلا يحل له المس ولا النظر، لأن النكاح ارتفع بموتها فلا يبقى حل المس والنظر، كما لو طلقها قبل الدخول بخلاف ما اذا مات الزوج، لأن هناك ملك النكاح قائم، لأن الزوج مالك والمرأة مملوكة، والملك لا يزول عن المحل بموت المالك، ويزول بموت المحل كما فى ملك (٢) اليمين
وذكر الكاسانى فى موضع آخر من البدائع أنه يحل للرجل أن ينظر الى نفس فرج المرأة المنكوحة، لأن الاستمتاع به حلال فالنظر اليه أولى، الا أن الأدب غض البصر عنه من الجانبين، لما روى عن سيدتنا عائشة رضى الله عنها
أنها قالت: قبض رسول الله ﷺ وما نظرت الى مأمنه ولا نظر الى مأمنى.
هذا ولا يحل اتيان المرأة فى دبرها، لأن الله عز شأنه نهى عن قربان الحائض ونبه على المعنى وهو كون المحيض أذى، والأذى فى ذلك المحل أفحش فكان أولى بالتحريم.
وروى عن سيدنا على رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضا أو امرأة فى دبرها أو أتى كاهنا فصدقه فيما يقول فهو كافر بما أنزل على محمد ﷺ ».
نهى عن اتيان النساء فى أدبارهن، وعلى ذلك جاءت الآثار من الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم أنها سميت اللوطية الصغرى، ولأن حل الاستمتاع فى الدنيا لا يثبت لحق قضاء الشهوات خاصة لأن لقضاء الشهوات خاصة دارا أخرى. وانما يثبت لحق قضاء الحاجات، وهى حاجة بقاء النسل الى انقضاء الدنيا، الا أنه ركبت الشهوات فى البشر للبعث على قضاء الحاجات، وحاجة النسل لا تحتمل الوقوع فى الأدبار، فلو ثبت الحل لثبت لحق قضاء الشهوة خاصة، والدنيا لم تخلق له (٣).
стр. 2413
والمملوكات حكمهن حكم المنكوحات، فيحل للمولى النظر الى سائر بدن جاريته ومسها من رأسها الى قدمها.
لأنه حل له ما هو أكثر منه، لقول الله «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» الآية السابقة، الا أن حالة الحيض صارت مخصوصة فلا يقربها فى حالة الحيض، ولا يأتيها فى دبرها لما ذكرنا من الدلائل.
وفى الاستمتاع بها فيما دون الفرج الاختلاف السابق.
واذا حدث الملك فى الجارية بأى سبب من أسباب الملك لا يحل لمن ملكها أن يقربها قبل أن يستبرئها بحيضة.
والأصل فيه ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال فى سبايا أوطاس: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة، ولأن فيه خوف اختلاط المياه، وقد قال رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يستقين ماءه زرع غيره (١).
وأما الدواعى من القبلة والمعانقة والنظر الى الفرج عن شهوة فيمن طرأ عليها الملك فلا يحل عند عامة العلماء الا فى المسبية، لأن حرمة القربان
انما تثبت خوفا عن توهم العلوق وظهور الحبل، وعند الدعوة والاستحقاق يظهر أن الاستمتاع صادف ملك الغير، وهذا المعنى موجود فى الدواعى من المستبرأة ونحوها فيتعدى اليها، ولا يتعدى فى المسبية فيقتصر الحكم فيها على مورد النص، ولأن الاستمتاع بالدواعى وسيلة الى القربان، والوسيلة الى الحرام حرام أصله الخلوة، وهذا أولى. لأن الخلوة فى التوسل الى الحرام دون المس فكان تحريمها تحريما للمس بطريق الأولى كما فى تحريم التأفيف من الضرب والشتم.
وقال مكحول رحمه الله تعالى:
تحل الدواعى، لأن المالك فى الأصل مطلق التصرف، ولهذا لم تحرم الدواعى فى المسبية ولا على الصائم فكان ينبغى أن لا يحرم القربان أيضا الا أن الحرمة عرفناها بالنص فتقتصر الحرمة على مورد النص، على أن النص ان كان معلولا بخوف اختلاط المياه فهذا معنى لا يحتمل التعدية الى الدواعى فلا يتعدى اليها.
وفى حكم استمتاع الرجل بالأمة المدبرة قال الكاسانى أنه يجوز الاستمتاع بالأمة المدبرة لأنه استيفاء المنافع وعن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه كان يطأ مدبرته. ثم انه اذا كان الاستيلاد لا يمنع من الاستمتاع بالمستولدة فان جواز الاستمتاع بالمدبرة أولى.
стр. 2414
وفى حكم استمتاع المرأة بزوجها وحدوده.
قال صاحب البدائع: ان حل الاستمتاع مشترك بين الزوجين، فان المرأة كما تحل لزوجها فزوجها يحل لها قال الله «لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ»﴾. (١)
وللزوجة أن تطالب زوجها بالوط ء لأن حله لها حقها كما أن حلها له حقه. واذا طالبته الزوجة بالوط ء يجب على الزوج ويجبر عليه فى الحكم مرة واحدة، والزيادة على ذلك تجب فيما بينه وبين الله تعالى من باب حسن المعاشرة واستدامة النكاح فلا يجب عليه فى الحكم عند بعض أصحابنا.
وعند بعضهم يجب عليه فى الحكم (٢).
وعليه فانه يحل للمرأة أن تنظر الى زوجها وأن تلمسه من فرقه الى قدمه، لأنه حل لها ما هو أكثر من ذلك وهو التمكين من الوط ء فهذا أولى (٣).
مذهب المالكية:
ذكر صاحب الشرح الكبير أن النكاح الصحيح يحل به استمتاع كل من الزوجين بالآخر، ونظر كل جزء من جسد صاحبه حتى الفرج، سواء كان فى حالة الجماع أو فى غيرها.
كذلك يحل الاستمتاع بالملك التام المستقل به (أى فى الجارية) - أى الذى انفرد به واحد - دون مانع من محرمية.
فيحل به للسيد وللأنثى المملوكة نظر جميع الجسد حتى الفرج، بخلاف المعتقة لأجل والمبعضة والمشتركة ومحرم وذكر مملوك وخنثى.
لكن لا يحل للزوج ولا للسيد أن يستمتع بالوط ء فى الدبر.
أما التمتع بظاهر الدبر بغير الوط ء فجائز بلا استمناء.
وذكر البرزلى والحطاب واللقانى أنه يجوز التمتع بظاهر الدبر على وجه الاستمناء.
أما التتائى والبساطى والأقفهسى فقد قالوا: لا يجوز التمتع بالدبر لا ظاهرا ولا باطنا (٤).
ويجب القسم بين الزوجات فى المبيت وان امتنع الوط ء لعارض، ولا يجب
стр. 2415
القسم فى الوط ء بل يترك الى طبيعته ولا بأس أن ينشط للجماع عند واحدة دون الأخرى الا لاضرار أى قصد ضرر ككفه عنها بعد ميله للجماع لتتوفر لذته لأخرى (١).
وللزوج الذى تمنعه زوجته من الاستمتاع بها وعظها أولا، ثم هجرها، ثم ضربها ضربا خفيفا غير مبرح (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب أن من تزوج امرأة أو ملك جارية يملك وطأها فله أن ينظر منها الى غير الفرج أما النظر الى الفرج ففى حكمه وجهان.
أحدهما: لا يجوز لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلّم قال: النظر الى الفرج يورث الطمس.
وثانيهما: يجوز وهو الصحيح، لأنه يملك الاستمتاع بالفرج فجاز له أن ينظر اليه كالفخذ.
وان زوج السيد أمته حرم عليه النظر الى ما بين السرة والركبة، لما روى
عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قال: اذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر الى ما دون السرة والركبة (٣).
واذا تزوج الرجل وجب على زوجته أن تسلم له نفسها ليلا ونهارا، ولا يجوز لها أن تسافر بغير اذنه، لأن الاستمتاع مستحق له فلا يجوز تفويته عليه.
ويجوز للزوج أن يجبر امرأته على الغسل من الحيض والنفاس لأن الوط ء يقف عليه وفى غسل الجنابة قولان:
أحدهما: له أن يجبرها عليه، لأن كمال الاستمتاع يقف عليه، لأن النفس تعاف من وط ء الجنب.
والقول الثانى: ليس له أن يجبرها، لأن الوط ء لا يقف عليه، وفى التنظيف والاستحداد - وهو حلق العانة - وجهان.
أحدهما: يملك اجبارها عليه، لأن كمال الاستمتاع يقف عليه.
والثانى: لا يملك اجبارها، لأن الوط ء لا يقف عليه، وفى منعها من أكل ما بتأذى برائحته وجهان كذلك.
أحدهما: له أن يمنعها، لأن أكله يمنع كمال الاستمتاع.
стр. 2416
والوجه الثانى: ليس له أن يمنعها، لأن أكله لا يمنع الوط ء.
فان كانت الزوجة ذمية فله أن يمنعها من السكر، لأنه يمنع الاستمتاع. وأما منعها من أكل لحم الخنزير.
فقيل: يجوز له أن يمنعها من أكله، لأنه يمنع كمال الاستمتاع.
وقيل: ليس له أن يمنعها من ذلك، لأنه لا يمنع الوط ء (١).
ويجب على الزوج معاشرة زوجته بالمعروف، ولا يجب عليه الاستمتاع بها، لأن الاستمتاع حق له فجاز له أن يتركه كسكنى الدار المستأجرة، ولأن الداعى الى الاستمتاع الشهوة والمحبة فلا يمكن ايجابه. والمستحب أن لا يعطلها، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنه قال: قال لى رسول الله ﷺ : أتصوم النهار؟ قلت: نعم قال: وتقوم الليل؟ قلت نعم، قال: ولكنى أصوم وأفطر وأصلى وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى، ولأنه اذا عطل الاستمتاع بها لم يأمن الفساد ووقوع الشقاق.
ولا يجوز له أن يستمتع بزوجته بوطئها فى الدبر، لما روى خزيمة بن ثابت رضى
الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ملعون من أتى امرأة فى دبرها، ويجوز له أن يستمتع بها فيما بين الاليتين لقول الله عز شأنه: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»﴾. (٢)
ويجوز وطؤها فى الفرج مدبرة لما روى عن جابر رضى الله تعالى عنه قال: قالت اليهود: اذا جامع الرجل امرأته من ورائها جاء ولدها أحول، فأنزل الله تعالى: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ» (٣) قال يقول:
يأتيها حيث شاء مقبلة أو مدبرة اذا كان ذلك فى الفرج.
ويجب على المرأة بذل ما يجب له من حق الاستمتاع من غير مطل، لأن المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع لما روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
اذا دعا أحدكم امرأته الى فراشه فأبت فبات وهو عليها ساخط لعنتها الملائكة حتى تصبح (٤).
والقسم بين النساء فى الاستمتاع ليس بواجب على الزوج.
جاء فى المهذب أنه يستحب لمن قسم بين زوجاته أن يسوى بينهن فى الاستمتاع،
стр. 2417
لأنه أكمل فى العدل، فان لم يفعل جاز لأن الداعى الى الاستمتاع الشهوة والمحبة ولا يمكن التسوية بينهن فى ذلك. ولهذا قال الله : «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ»﴾. (١)
قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: يعنى فى الحب والجماع.
وقالت السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه ويعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملكه ولا أملكه (٢).
ولا يجوز للمرأة أن تهب ليلتها لبعض ضرائرها الا برضا الزوج، لأن حقه ثابت فى الاستمتاع بها فلا تملك نقل هذا الحق الى غيرها من غير رضاه.
وان كان له اماء لم يكن لهن الحق فى القسم، فان بات عند بعضهن لم يلزمه أن يقضى للباقيات، لأنه لا حق لهن فى استمتاع السيد، ولهذا لا يجوز لهن مطالبته بالفيئة اذا حلف أن لا يطأهن، والمستحب ان لا يعطلهن، لأنه اذا عطلهن لم يأمن أن يفجرن (٣).
وحق الزوج فى الاستمتاع بزوجته يجعل له الحق فى منع زوجته من كل ما يفوت عليه هذا الحق فقد ذكر صاحب المهذب أن للزوج أن يمنع زوجته من الارضاع، لأنه يستحق الاستمتاع بها فى كل وقت الا فى وقت العبادة فلا يجوز لها أن تفوته عليه بالرضاع (٤).
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب كشاف القناع أن أحمد رحمه الله تعالى نص على أن التى يمكن الاستمتاع بها هى بنت تسع سنين فأكثر، فاذا أتى على الصغيرة تسع سنين وطلبها زوجها دفعت اليه، وليس لهم أن يحبسوها بعد التسع، لأن النبى ﷺ بنى بعائشة رضى الله تعالى عنها وهى بنت تسع سنين.
قال القاضى: هذا لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها فيلزم تسليم بنت التسع ولو كانت نضوة الخلقة (٥) وهو جسيم، لكن ان خافت على نفسها الافضاء من عظمه فلها منعه من جماعها لحديث (لا ضرر ولا ضرار) وعليه النفقة، لأن منعها نفسها منه لعذر، ولا يثبت للزوج خيار الفسخ بكونها نضوة الخلقة، ويستمتع بها كما يستمتع من الحائض أى بما دون
стр. 2418
الفرج، وان أنكر أن وطأه يؤذيها لزمتها البينة لعموم حديث البينة على المدعى (١).
وللزوج أن يستمتع بزوجته فى كل وقت على أى صفة كانت اذا كان الاستمتاع فى القبل، ولو كان الاستمتاع فى القبل من جهة عجيزتها لقول الله تعالى «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ» والتحريم مختص بالدبر دون ما سواه.
وللزوج أن يستمتع بزوجته فى كل وقت الا أن يشغلها استمتاعه بها عن الفرائض.
أو يضرها فليس له أن يستمتع بها اذن، لأن ذلك ليس من المعاشرة بالمعروف وحيث لم يشغلها ذلك ولم يضرها فله الاستمتاع، ولو كانت على التنور أو على ظهر قتب.
وله الاستمناء بيدها، فان زاد الزوج عليها فى الجماع صولح على شئ منه لأنه غير مقدر فرجع الى اجتهاد الامام، فان تنازعا فينبغى أن يفرضه الحاكم كالنفقة وكوطئه اذا زاد.
قال فى الانصاف: ظاهر كلام أكثر الأصحاب خلاف ذلك وأن ظاهر كلامهم ما لم يشغلها عن الفرائض أو يضرها.
ولا يكره الجماع فى ليلة من الليالى ولا فى يوم من الأيام حيث لا يؤدى الى اخراج فرض عن وقته، ولا يجوز للمرأة تطوع بصلاة ولا بصوم وهو شاهد الا باذنه لقول النبى ﷺ : لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد الا باذنه ولا تأذن فى بيته الا باذنه، وما أنفقت من نفقة بغير اذنه فانه يرد اليه شطره.
ويحرم الوط ء فى الدبر لقول النبى ﷺ : إن الله لا يستحى من الحق، لا تأتوا النساء فى أدبارهن، فان وطئها فى الدبر عزر ان علم بتحريمه، لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة وان تطاوع الزوجان على الوط ء فى الدبر فرق بينهما، وان أكره الرجل زوجته على الوط ء فى الدبر نهى عنه، فان لم ينته فرق بينهما قال الشيخ كما يفرق بين الرجل الفاجر وبين من يفجر به من رقيقه.
وللزوج أن يتلذذ بين الاليتين من غير ايلاج فى الدبر.
وقال ابن الجوزى فى السر المصون: كره العلماء الوط ء بين الاليتين، لأنه يدعو الى الوط ء فى الدبر. وجزم به فى الفصول (٢).
стр. 2419
وليس للزوجة أن تستدخل ذكره وهو نائم فى فرجها بلا اذنه، لأنه تصرف فيه بغير اذنه.
وللزوجة لمسه وتقبيله بشهوة ولو نائما (١).
وللزوج أن يجبر زوجته - ولو كانت ذمية ومملوكة - على غسل حيض ونفاس لأنه يمنع الاستمتاع الذى هو حق له فملك اجبارها على ازالة ما يمنع حقه (٢).
وللزوج أن يجبر زوجته على أخذ شعر وظفر تعافه النفس وازالة وسخ، لأن ذلك يمنع من كمال الاستمتاع، فان احتاجت فى فعل ما ذكر الى شراء الماء فثمنه على الزوج، لأنه لحقه.
وتمنع الزوجة من أكل ماله رائحة كريهة كبصل وثوم وكراث، لأنه يمنع كمال الاستمتاع، قلت وكذا تناول النتن اذا تأذى به، لأنه فى معنى ذلك، وتمنع أيضا من تناول ما يمرضها، لأنه يفوت عليه حقه من الاستمتاع بها زمن المرض (٣).
ويكره للزوج أن يطأ زوجته وهما متجردان (٤)، لما روى عتبة بن عبد الله رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : اذا أتى أحدكم أهله فليستتر. ولا يتجرد تجرد العيرين (٥).
ويكره وط ء الرجل لزوجته أو سريته بحيث يراه غير طفل لا يعقل، أو بحيث يسمع حسهما غير طفل لا يعقل كذلك ولو رضى الزوجان ان كانا مستورى العورة، فان لم يكونا مستورى العورة حرم مع رؤية العورة لحديث «احفظ عورتك».
ويكره أن يقبل زوجته أو سريته أو يباشرها عند الناس، لأنه دناءة (٦).
وللزوج أن يستمتع بزوجته التى أجرت نفسها للرضاعة مثلا قبل العقد اذا نام الصبى الذى استؤجرت لرضاعه لزوال المعارض لحقه، وليس لولى الصبى أن يمنع الزوج من الاستمتاع بها.
стр. 2420
وللزوج كذلك أن يستمتع بزوجته المؤجرة لرضاع ولو أضر باللبن، لأن وط ء الزوج مستحق بعقد التزويج، فلا يسقط بأمر مشكوك فيه كما لو أذن فيه الولى.
وللزوج منعها من رضاع ولدها من غيره، وله منعها أيضا من رضاع ولد غيرها، لأن اشتغالها بذلك يفوت عليه كمال الاستمتاع بها، الا أن يضطر الرضيع اليها ويخشى عليه، كأن لا توجد مرضعة سواها، أو لا يقبل ثدى غيرها.
أو تكون قد شرطت عليه، فلا يمنعها منه كما لا يجوز له أن يمنعها من رضاع ولدها منه، لأنه حق لها فلا يمنعها كسائر حقوقها (١).
وللزوج أن يمنع زوجته من الخروج من منزلها الى ما لها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما أو غير ذلك.
ويحرم على الزوجة أن تخرج بدون اذن الزوج ما دام الزوج يقوم بحوائج الزوجة التى لا بد لها منها، فان خرجت الزوجة بدون اذنه فلا نفقة لها، لعدم تمكينه من الاستمتاع (٢).
وان تعذر استمتاع الزوج بزوجته نظر فان كان سبب التعذر راجعا اليها سقط حقها من القسم والنفقة، كما لو سافرت الزوجة باذن زوجها لحاجتها، أما ان كان سبب تعذر الاستمتاع راجعا اليه لم يسقط حقها من القسم والنفقة، كما لو بعثها الزوج لحاجته أو انتقلت من بلد الى بلد باذنه، لأن تعذر الاستمتاع بها بسبب من جهته (٣).
وللزوج أن يستمتع بزوجته فى غير يوم قسمها اذا وهبت زوجته الأخرى حقها من القسم فى جميع الزمان، أو فى بعضه لها، أو له، سواء قبلت الزوجة تلك الهبة، أو لم تقبل، لأن الحق فى ذلك للواهبة، وللزوج، فاذا رضيت هى والزوج جاز، لأن الحق لا يخرج عنهما، وحق الزوج فى الاستمتاع ثابت فى كل وقت على كل واحدة منهن، وانما منعته المزاحمة فى حق صاحبتها، فاذا زالت المزاحمة بهبتها ثبت حقه فى الاستمتاع بها، وان كرهت كما لو كانت منفردة (٤).
وللزوج أن يستمتع بملك يمينه وان نقص به زمن زوجاته بحيث لا ينقص الحرة عن ليلة من أربع، والأمة عن ليلة من سبع، وله أن يستمتع بهن كيف شاء كالزوجات،