والوجه الثانى: ليس له أن يمنعها، لأن أكله لا يمنع الوط ء.
فان كانت الزوجة ذمية فله أن يمنعها من السكر، لأنه يمنع الاستمتاع. وأما منعها من أكل لحم الخنزير.
فقيل: يجوز له أن يمنعها من أكله، لأنه يمنع كمال الاستمتاع.
وقيل: ليس له أن يمنعها من ذلك، لأنه لا يمنع الوط ء (١).
ويجب على الزوج معاشرة زوجته بالمعروف، ولا يجب عليه الاستمتاع بها، لأن الاستمتاع حق له فجاز له أن يتركه كسكنى الدار المستأجرة، ولأن الداعى الى الاستمتاع الشهوة والمحبة فلا يمكن ايجابه. والمستحب أن لا يعطلها، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنه قال: قال لى رسول الله ﷺ : أتصوم النهار؟ قلت: نعم قال: وتقوم الليل؟ قلت نعم، قال: ولكنى أصوم وأفطر وأصلى وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى، ولأنه اذا عطل الاستمتاع بها لم يأمن الفساد ووقوع الشقاق.
ولا يجوز له أن يستمتع بزوجته بوطئها فى الدبر، لما روى خزيمة بن ثابت رضى
الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ملعون من أتى امرأة فى دبرها، ويجوز له أن يستمتع بها فيما بين الاليتين لقول الله عز شأنه: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»﴾. (٢)
ويجوز وطؤها فى الفرج مدبرة لما روى عن جابر رضى الله تعالى عنه قال: قالت اليهود: اذا جامع الرجل امرأته من ورائها جاء ولدها أحول، فأنزل الله تعالى: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ» (٣) قال يقول:
يأتيها حيث شاء مقبلة أو مدبرة اذا كان ذلك فى الفرج.
ويجب على المرأة بذل ما يجب له من حق الاستمتاع من غير مطل، لأن المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع لما روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
اذا دعا أحدكم امرأته الى فراشه فأبت فبات وهو عليها ساخط لعنتها الملائكة حتى تصبح (٤).
والقسم بين النساء فى الاستمتاع ليس بواجب على الزوج.
جاء فى المهذب أنه يستحب لمن قسم بين زوجاته أن يسوى بينهن فى الاستمتاع،
стр. 2417
لأنه أكمل فى العدل، فان لم يفعل جاز لأن الداعى الى الاستمتاع الشهوة والمحبة ولا يمكن التسوية بينهن فى ذلك. ولهذا قال الله : «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ»﴾. (١)
قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: يعنى فى الحب والجماع.
وقالت السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه ويعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملكه ولا أملكه (٢).
ولا يجوز للمرأة أن تهب ليلتها لبعض ضرائرها الا برضا الزوج، لأن حقه ثابت فى الاستمتاع بها فلا تملك نقل هذا الحق الى غيرها من غير رضاه.
وان كان له اماء لم يكن لهن الحق فى القسم، فان بات عند بعضهن لم يلزمه أن يقضى للباقيات، لأنه لا حق لهن فى استمتاع السيد، ولهذا لا يجوز لهن مطالبته بالفيئة اذا حلف أن لا يطأهن، والمستحب ان لا يعطلهن، لأنه اذا عطلهن لم يأمن أن يفجرن (٣).
وحق الزوج فى الاستمتاع بزوجته يجعل له الحق فى منع زوجته من كل ما يفوت عليه هذا الحق فقد ذكر صاحب المهذب أن للزوج أن يمنع زوجته من الارضاع، لأنه يستحق الاستمتاع بها فى كل وقت الا فى وقت العبادة فلا يجوز لها أن تفوته عليه بالرضاع (٤).
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب كشاف القناع أن أحمد رحمه الله تعالى نص على أن التى يمكن الاستمتاع بها هى بنت تسع سنين فأكثر، فاذا أتى على الصغيرة تسع سنين وطلبها زوجها دفعت اليه، وليس لهم أن يحبسوها بعد التسع، لأن النبى ﷺ بنى بعائشة رضى الله تعالى عنها وهى بنت تسع سنين.
قال القاضى: هذا لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها فيلزم تسليم بنت التسع ولو كانت نضوة الخلقة (٥) وهو جسيم، لكن ان خافت على نفسها الافضاء من عظمه فلها منعه من جماعها لحديث (لا ضرر ولا ضرار) وعليه النفقة، لأن منعها نفسها منه لعذر، ولا يثبت للزوج خيار الفسخ بكونها نضوة الخلقة، ويستمتع بها كما يستمتع من الحائض أى بما دون
стр. 2418
الفرج، وان أنكر أن وطأه يؤذيها لزمتها البينة لعموم حديث البينة على المدعى (١).
وللزوج أن يستمتع بزوجته فى كل وقت على أى صفة كانت اذا كان الاستمتاع فى القبل، ولو كان الاستمتاع فى القبل من جهة عجيزتها لقول الله تعالى «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ» والتحريم مختص بالدبر دون ما سواه.
وللزوج أن يستمتع بزوجته فى كل وقت الا أن يشغلها استمتاعه بها عن الفرائض.
أو يضرها فليس له أن يستمتع بها اذن، لأن ذلك ليس من المعاشرة بالمعروف وحيث لم يشغلها ذلك ولم يضرها فله الاستمتاع، ولو كانت على التنور أو على ظهر قتب.
وله الاستمناء بيدها، فان زاد الزوج عليها فى الجماع صولح على شئ منه لأنه غير مقدر فرجع الى اجتهاد الامام، فان تنازعا فينبغى أن يفرضه الحاكم كالنفقة وكوطئه اذا زاد.
قال فى الانصاف: ظاهر كلام أكثر الأصحاب خلاف ذلك وأن ظاهر كلامهم ما لم يشغلها عن الفرائض أو يضرها.
ولا يكره الجماع فى ليلة من الليالى ولا فى يوم من الأيام حيث لا يؤدى الى اخراج فرض عن وقته، ولا يجوز للمرأة تطوع بصلاة ولا بصوم وهو شاهد الا باذنه لقول النبى ﷺ : لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد الا باذنه ولا تأذن فى بيته الا باذنه، وما أنفقت من نفقة بغير اذنه فانه يرد اليه شطره.
ويحرم الوط ء فى الدبر لقول النبى ﷺ : إن الله لا يستحى من الحق، لا تأتوا النساء فى أدبارهن، فان وطئها فى الدبر عزر ان علم بتحريمه، لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة وان تطاوع الزوجان على الوط ء فى الدبر فرق بينهما، وان أكره الرجل زوجته على الوط ء فى الدبر نهى عنه، فان لم ينته فرق بينهما قال الشيخ كما يفرق بين الرجل الفاجر وبين من يفجر به من رقيقه.
وللزوج أن يتلذذ بين الاليتين من غير ايلاج فى الدبر.
وقال ابن الجوزى فى السر المصون: كره العلماء الوط ء بين الاليتين، لأنه يدعو الى الوط ء فى الدبر. وجزم به فى الفصول (٢).
стр. 2419
وليس للزوجة أن تستدخل ذكره وهو نائم فى فرجها بلا اذنه، لأنه تصرف فيه بغير اذنه.
وللزوجة لمسه وتقبيله بشهوة ولو نائما (١).
وللزوج أن يجبر زوجته - ولو كانت ذمية ومملوكة - على غسل حيض ونفاس لأنه يمنع الاستمتاع الذى هو حق له فملك اجبارها على ازالة ما يمنع حقه (٢).
وللزوج أن يجبر زوجته على أخذ شعر وظفر تعافه النفس وازالة وسخ، لأن ذلك يمنع من كمال الاستمتاع، فان احتاجت فى فعل ما ذكر الى شراء الماء فثمنه على الزوج، لأنه لحقه.
وتمنع الزوجة من أكل ماله رائحة كريهة كبصل وثوم وكراث، لأنه يمنع كمال الاستمتاع، قلت وكذا تناول النتن اذا تأذى به، لأنه فى معنى ذلك، وتمنع أيضا من تناول ما يمرضها، لأنه يفوت عليه حقه من الاستمتاع بها زمن المرض (٣).
ويكره للزوج أن يطأ زوجته وهما متجردان (٤)، لما روى عتبة بن عبد الله رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : اذا أتى أحدكم أهله فليستتر. ولا يتجرد تجرد العيرين (٥).
ويكره وط ء الرجل لزوجته أو سريته بحيث يراه غير طفل لا يعقل، أو بحيث يسمع حسهما غير طفل لا يعقل كذلك ولو رضى الزوجان ان كانا مستورى العورة، فان لم يكونا مستورى العورة حرم مع رؤية العورة لحديث «احفظ عورتك».
ويكره أن يقبل زوجته أو سريته أو يباشرها عند الناس، لأنه دناءة (٦).
وللزوج أن يستمتع بزوجته التى أجرت نفسها للرضاعة مثلا قبل العقد اذا نام الصبى الذى استؤجرت لرضاعه لزوال المعارض لحقه، وليس لولى الصبى أن يمنع الزوج من الاستمتاع بها.
стр. 2420
وللزوج كذلك أن يستمتع بزوجته المؤجرة لرضاع ولو أضر باللبن، لأن وط ء الزوج مستحق بعقد التزويج، فلا يسقط بأمر مشكوك فيه كما لو أذن فيه الولى.
وللزوج منعها من رضاع ولدها من غيره، وله منعها أيضا من رضاع ولد غيرها، لأن اشتغالها بذلك يفوت عليه كمال الاستمتاع بها، الا أن يضطر الرضيع اليها ويخشى عليه، كأن لا توجد مرضعة سواها، أو لا يقبل ثدى غيرها.
أو تكون قد شرطت عليه، فلا يمنعها منه كما لا يجوز له أن يمنعها من رضاع ولدها منه، لأنه حق لها فلا يمنعها كسائر حقوقها (١).
وللزوج أن يمنع زوجته من الخروج من منزلها الى ما لها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما أو غير ذلك.
ويحرم على الزوجة أن تخرج بدون اذن الزوج ما دام الزوج يقوم بحوائج الزوجة التى لا بد لها منها، فان خرجت الزوجة بدون اذنه فلا نفقة لها، لعدم تمكينه من الاستمتاع (٢).
وان تعذر استمتاع الزوج بزوجته نظر فان كان سبب التعذر راجعا اليها سقط حقها من القسم والنفقة، كما لو سافرت الزوجة باذن زوجها لحاجتها، أما ان كان سبب تعذر الاستمتاع راجعا اليه لم يسقط حقها من القسم والنفقة، كما لو بعثها الزوج لحاجته أو انتقلت من بلد الى بلد باذنه، لأن تعذر الاستمتاع بها بسبب من جهته (٣).
وللزوج أن يستمتع بزوجته فى غير يوم قسمها اذا وهبت زوجته الأخرى حقها من القسم فى جميع الزمان، أو فى بعضه لها، أو له، سواء قبلت الزوجة تلك الهبة، أو لم تقبل، لأن الحق فى ذلك للواهبة، وللزوج، فاذا رضيت هى والزوج جاز، لأن الحق لا يخرج عنهما، وحق الزوج فى الاستمتاع ثابت فى كل وقت على كل واحدة منهن، وانما منعته المزاحمة فى حق صاحبتها، فاذا زالت المزاحمة بهبتها ثبت حقه فى الاستمتاع بها، وان كرهت كما لو كانت منفردة (٤).
وللزوج أن يستمتع بملك يمينه وان نقص به زمن زوجاته بحيث لا ينقص الحرة عن ليلة من أربع، والأمة عن ليلة من سبع، وله أن يستمتع بهن كيف شاء كالزوجات،
стр. 2421
أو أقل، أو أكثر، بأن يطأ من شاء منهن متى شاء، وان شاء ساوى بينهن، وان شاء فضل، وان شاء استمتع ببعضهن دون بعض لقوله تعالى «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» (١) وقد كان للنبى ﷺ مارية وريحانة فلم يكن يقسم لهما، ولأن الأمة لاحق لها فى الاستمتاع، ولذلك لا يثبت لها الخيار بكون السيد مجبوبا أو عنينا، ولا يضرب لها مدة الايلاء، ويستحب له أن يسوى بينهن فى القسم ليكون أطيب لنفوسهن، وعليه أن لا يعضلهن بأن لم يرد الاستمتاع بهن فلا يمنعهن من التزوج (٢).
ولا تعار الأمة للاستمتاع بها فى وط ء ودواعيه، لأنه لا يباح الا بملك أو نكاح، فان وطئ المستعير الأمة المعارة مع العلم بالتحريم فعليه الحد، لانتفاء الشبهة اذن، وكذا هى يلزمها الحد ان طاوعته عالمة بالتحريم، وولده رقيق تبعا لأمه، ولا يلحقه نسبه لأنه ولد زنا (٣).
ولو كان لرجل جارية فأذن لولده فى أن يستمتع بها من غير أن يصحب هذا
الاذن تمليك له بالجارية ولا هبة ولا غير ذلك، فان كان الأب يعلم أن الأمة لا توطأ الا بملك لم يكن اذنه لابنه فى الاستمتاع بها الا على قصد تمليكها له، وعليه فيكون الابن واطئا فى ملكه، وولده منها حر لاحق النسب، والأمة أم ولد له لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأما ان قدر أن الأب لم يصدر منه تمليك بحال، واعتقد الابن أنه قد ملكها، كان ولده أيضا حرا ونسبه لاحقا ولا حد عليه، وان اعتقد الابن أنه لم يملكها ولكن وطئها بالاذن فانه لا يملكها بذلك فلا تصير أم ولد، أما الولد ففى حكمه عن أحمد روايتان.
احداهما: لا يكون حرا.
وثانيتهما: أن الولد يكون حرا، وهذا هو الصحيح اذا ظن الواطئ أنها حلال (٤).
مذهب الظاهرية:
ذكر ابن حزم أنه فرض على الأمة والحرة أن لا يمنعا السيد والزوج من الجماع متى دعاهما، ما لم تكن المدعوة حائضا أو مريضة تتأذى
стр. 2422
بالجماع أو صائمة فرض، فان امتنعت لغير عذر فهى ملعونة، لما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «والذى نفسى بيده ما من رجل يدعو امرأته الى فراشها فتأبى عليه الا كان الذى فى السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها (١)».
وفرض على الرجل أن يجامع امرأته التى هى زوجته. وأدنى ذلك مرة فى كل طهر ان قدر على ذلك، والا فهو عاص لله تعالى لقول الله «فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ» ويجبر على ذلك من أبى بالأدب، لأنه أتى منكرا من العمل، لما روى أن سلمان الفارسى قال لأبى الدرداء رضى الله تعالى عنهما: ان لجسدك عليك حقا، وان لأهلك عليك حقا، أعط لكل ذى حق حقه، صم وأفطر، وقم ونم وأت أهلك فأخبر أبو الدرداء بذلك رسول الله ﷺ .
فقال له رسول الله ﷺ مثل قول سلمان (٢).
وحلال للرجل أن ينظر الى فرج امرأته - زوجته وأمته التى يحل
له أن يطأها - وكذلك لهما أن ينظرا الى فرجه، لا كراهية فى ذلك أصلا، لقول الله «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» فأمر الله بحفظ الفروج الا على الزوجة وملك اليمين، فلا ملامة فى ذلك (٣).
ولا يحل للرجل أن يطأ امرأته فى دبرها، لما روى أن رسول الله ﷺ قال: «ان الله لا يستحى من الحق، ولا تأتوا النساء فى أدبارهن (٤)».
ويجوز للسيد أن يطأ أمته المكاتبة ما لم تؤد شيئا من كتابتها، فان حملت أو لم تحمل فهى على مكاتبتها لقول الله تعالى «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ.﴾. الخ الآية المتقدمة» والأمة المكاتبة لا تخلو من أن تكون مما ملكت يمينه فوطؤها له حلال، أو مما لا تملك يمينه فهى اما حرة واما أمة لغيره ولا شئ من هذين الأخيرين (٥).
أما اذا أدت شيئا من كتابتها فقد شرع العتق فيها بمقدار ما أدت.
ولا يحل وط ء من بعضها حر، لأنها ليست ملك يمينه حينئذ، بل بعضها
стр. 2423
ملك يمينه وبعضها غير ملك يمينه، والوط ء لا ينقسم.
ولا يحل وط ء حرام أصلا فان فعل فهو زان فعليه الحد والولد غير لاحق (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب أن استمتاع الزوج بوط ء زوجته حق له يجب عليها أن تمكنه منه، وان كانت صغيرة مكنه ولى مالها منه اذا كانت صالحة للوط ء أو الاستمتاع من مثل هذا الرجل وكانت خالية عن المانع الشرعى أو العقلى، كأن تكون فى مسجد، أو تكون فى حضور شخص مميز للجماع ولو ضرتها، وكان التمكين من الوط ء فى القبل ولو كان ذلك من دبر.
أما ان كانت صغيرة لا يوطأ مثلها لمثله، ولا تحتمل الاستمتاع، لم يجب، بل لا يجوز أن تمكنه منها، ومثله ما اذا كانت مريضة تخشى من الوط ء فى تلك الحال التلف أو الضرر، والقول فى ذلك قولها، وكذا اذا وجد مانع شرعى، أو عقلى، أو طلب أن تمكنه من وطئها فى الدبر، فانه لا يجب، بل لا يجوز لها أن تمكنه منه، ويجوز لها أن تقتله ان لم يندفع بدونه.
ويكره التعرى حال الجماع، ويكره للرجل أن ينظر باطن الفرج من زوجته
فأما ظاهره فلا كراهة فى نظره (٢).
ويجوز للرجل أن يستمتع بالأمة فى مدة الاستبراء، لكن يستمتع بها فى غير الفرج ما لم تكن حاملا ولو من زنا، حيث لا يجوز الاستمتاع لأن استبراءها بالوضع، فأما الاستمتاع فى الفرج فيمنع من صحة الاستبراء بالنظر الى البائع وأما المشترى فيأثم. ولا يلزم الاستئناف الا مشتريا ونحوه كالمتهب والوارث فلا يجوز له الاستمتاع منها ولو باللمس فى مدة الاستبراء اذا كان يجوز الحمل فيها أى يجوز أن مثلها تعلق، فأما اذا كان لا يجوز ذلك، بأن تكون صغيرة أو آيسة جاز له الاستمتاع، ذكره أبو العباس وأبو طالب، ورواه فى التقرير عن المنتخب وهو المختار (٣).
مذهب الإمامية:
ذكر صاحب مستمسك العروة الوثقى أنه لا يجوز وط ء الزوجة قبل اكمال تسع سنين حرة كانت أو أمة، بل لا يجوز وط ء المملوكة.
وأما الاستمتاع بما عدا الوط ء من النظر واللمس بشهوة والضم والتفخيذ فجائز فى الجميع ولو فى الرضيعة.
واذا تزوج صغيرة ودخل بها قبل اكمال تسع سنين فأفضاها حرمت عليه أبدا على
стр. 2424
المشهور، وهو الأحوط وان لم تخرج عن زوجيته - كما فى الشرائع.
وقيل بخروجها عن الزوجية أيضا، لأن التحريم المؤبد ينافى مقتضى النكاح اذ ثمرته حل الاستمتاع، بل الأحوط حرمتها عليه بمجرد الدخول وان لم يفضها.
ولكن الأقوى بقاؤها على الزوجية وان كانت مفضاة وعدم حرمتها عليه أيضا خصوصا اذا كان جاهلا بالموضوع أو الحكم (١).
ويكره الجماع فى أوقات ثمانية: ليلة خسوف القمر، ويوم كسوف الشمس، وعند الزوال، وعند غروب الشمس حتى يذهب الشفق، وفى المحاق، وبعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس، وفى أول ليلة من كل شهر الا فى شهر رمضان، وفى ليلة النصف، وفى السفر اذا لم يكن معه ماء يغتسل به، وعند هبوب الريح السوداء والصفراء، والزلزلة.
ويكره الجماع وهو عريان وعقيب الاحتلام قبل الغسل والوضوء، ولا بأس فى أن يجامع مرات من غير غسل يتخللها، ويكون غسله أخيرا، ويكره أن يجامع وعنده من ينظر اليه.
ويكره الجماع مستقبل القبلة ومستدبرها، وفى السفينة.
ويكره الكلام عند الجماع بغير ذكر الله.
ويكره النظر الى فرج المرأة حال الجماع وغيره (٢).
وروى صاحب مستمسك العروة الوثقى أن ابن حمزة يرى حرمة النظر الى فرج المرأة حال الجماع، لما فى خبر أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه فى وصية النبى ﷺ لعلى كرم الله وجهه: «ولا ينظر الرجل الى فرج امرأته، وليغض بصره عند الجماع، فان النظر الى الفرج يورث العمى فى الولد».
ويجوز لكل من الزوج والزوجة أن ينظر الى جسد الآخر حتى العورة مع التلذذ وبدونه، بل يجوز لكل منهما ان يمس من الآخر بكل عضو منه كل عضو من الآخر مع التلذذ وبدونه (٣).
وليس للمسلم أن يجبر زوجته الذمية على الغسل لأن الاستمتاع ممكن من دونه، ولو اتصفت بما يمنع الاستمتاع كالنتن الغالب وطول الأظافر المنفر كان له أن يلزمها بازالته (٤).
وأما الاستمتاع بالوط ء فى الدبر فقد ذكر صاحب مستمسك العروة الوثقى أن
стр. 2425
الأقوى - وفاقا للمشهور - جواز وط ء الزوجة والمملوكة دبرا على كراهة شديدة، بل الأحوط تركه، خصوصا مع عدم رضاها بذلك، لما روى عن عبد الله بن أبى يعفور قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يأتى المرأة فى دبرها قال: لا بأس اذا رضيت (١).
مذهب الإباضية:
الإباضية يبنون حق استمتاع الرجل بزوجته على تقديم الصداق جاء فى شرح النيل أن للمرأة أن تمنع الزوج من التلذذ بها ولو فيما دون الفرج، حتى يفرض لها الصداق ويعطيها، أو يفرضه عاجلا أو آجلا بحسب ما اتفقا عليه ولها حقوقها، فان وطئها ولو قسرا مرة أو بمطاوعة ولو دون الفرج فلا تمنعه بعد ذلك سواء كانت طفلة أو مجنونة أو أمة وسواء كان الزوج طفلا أو عبدا أو مجنونا، ولها منعه ان أصدقها عاجلا وحده أو مع آجل، حتى يؤدى العاجل ولو بعد وط ء ان كان بقسر، أما ان كان برضى فلا تمنعه.
وكره له أن يكرهها على وط ء اذا منعته حتى يصدق أو يعطيها العاجل (٢).
وان لم يمسها حتى حل الصداق المؤجل منعته ان شاءت من الاستمتاع بها، لأنه اذا حل صار بمنزلة العاجل، والعاجل، تمنعه به حتى يعطيها اياه.
هذا وقيل لا تمنعه من الاستمتاع فى أى حالة سواء أجل الصداق أو عجل، حل أو لم يحل، مس أو لم يمس كما فى الديوان (٣).
وللزوج أن يطأ زوجته متى شاء حتى ولو اشترطت عليه عند العقد أن لا يجامعها مطلقا أو فى وقت كذا، الا فى حيض أو نفاس أو اعتكاف باذنه أو صوم واجب أو نفل، ان كان النفل باذنه، أو حيث لا تدرك الطهارة.
ولو شرط عليه أولياؤها أن لا يدخل عليها لصغرها فله أن يدخل اذا رآها أطاقت ولو فى يومه، وان كانت لا تقدر على الافتضاض لزمه أن يكف ولو لم يشترطوا وكذا المرض.
وله أن يتمتع بها بدون افتضاض اذا كانت لا تطيقه ولو شرطوا أن لا يقربها (٤).
وللزوجة أن تمنع زوجها من وطئها نهارا فى رمضان أو صوم كفارة أو نذر ان أذن لها فى النذر، وذلك بأن تهرب منه أو تضطرب أو تصيح عليه.
стр. 2426
وكذلك لها أن تمنعه من الوط ء فى الفرج فى حيض أو نفاس ولو فى غير الدم. ولا تمنعه فى غير الفرج أو تمنعه بعد طهر وقبل غسل (١).
وكره له ولها أن يطأها بين ظهر وعصر.
وبين مغرب وعشاء، وان أرادها فى ذلك وأبى الا الفعل فلا تمنعه، وحرم بمرأى الناس لأشخاصهما ولو لم يروا عورتهما أو جسدهما، وتمنعه فيه.
وأجاز كثير الجماع بمرأى صبى ومجنون لا يميزان.
ولا يطؤها أكثر من طاقتها ان كانت صغيرة، وله وط ء الكبيرة متى شاء بلا حد ولو كرهت (٢).
ولا يجامع حاملا بما يضر حملها.
ولا يجوز للمرأة أن تتقلب عن زوجها فى فراشه ولا ترد اليه ظهرها الا بأذنه، روى عن النبى ﷺ أنه قال:
لا يحل لامرأة أن تبيت ليلة لا تعرض على زوجها نفسها. قيل له وكيف تعرض نفسها؟ قال: تنزع ثيابها وتدخل فى
فراشه وتلزق جلدها بجلده (٣) ولا يجامعها نائمة وان فعل فلا بأس (٤).
ومن عنده امرأة واحدة فلها ليلة ويوم من أربع وله ثلاث، ولا يتنفل فى ليلتها، وكذا فى يومها الا بأذنها. وله فيها ما لا بد له منه من الاشغال ولو لم تكن هذه الاشغال بحد الضرورة، ولكن ان أمكن شغله بحضرتها فعله بحضرتها (٥) وليس للرجل أن يطأ زوجته فى دبرها فان وطئها عمدا فى الدبر حرمت عليه على التأييد كما (٦) أنه ليس للرجل أن يطأ امته المكاتبة بحكم التسرى اذ هى حرة عندنا ولو لم تقض قليلا ولا كثيرا مما وقعت به (٧) المكاتبة.
ويحرم التسرى بالأمة المدبرة والنظر الى ما لا ينظر من الحرة والتلذذ منها ان دبرها قبل موته أو قبل موتها أو موت غيرهما بشهر أو سنة أو أقل أو أكثر أو قبل وقوع هذا بمدة، لأنه لا يدرى كم بقى من عمر من دبرها الى مدة قبل موته مثلا ولا يدرى لعله فى حينه أو فى حين مسها مثلا يكون فى المدة (٨).
стр. 2427
حكم وحدود استمتاع
الرجل بزوجته الحائض
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب بدائع الصنائع أن الحنفية اختلفوا فى حدود استمتاع الرجل بزوجته الحائض.
فقال الامام أبو حنيفة وأبو يوسف رضى الله تعالى عنهما: لا يحل الاستمتاع بما بين السرة والركبة، وهو المراد بما تحت الازار. لما روى عن عبد الله بن سعد.
سألت رسول الله ﷺ عما يحل لى من امرأتى وهى حائض فقال لك ما فوق الازار.
وروى أن أزواج النبى ﷺ كن اذا حضن أمرهن أن يتزرن ثم يضاجعهن، ولأن الاستمتاع بها، بما يقرب من الفرج سبب الوقوع فى الحرام، قال رسول الله ﷺ :
ألا ان لكل ملك حمى، وان حمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
وفى رواية من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، والمستمتع بالفخذ يحوم حول الحمى ويرتع حوله فيوشك أن يقع فيه، دل أن الاستمتاع به سبب الوقوع فى الحرام وسبب الحرام حرام ولقوله تعالى «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ: هُوَ أَذىً» (١) لأنما حول الفرج لا يخلو عن الأذى عادة، فكان الاستمتاع به استعمال الأذى.
وقال محمد رحمه الله تعالى: يجتنب الرجل شعار الدم، وله ما سوى ذلك، لقول الله ﵎: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً» حيث جعل الحيض أذى فتختص الحرمة بموضع الأذى.
وقد روى أن سيدتنا عائشة رضى الله تعالى عنها سئلت عما يحل للرجل من امرأته الحائض فقالت: يتقى شعار الدم وله ما سوى ذلك.
وذكر الكاسانى ان المشايخ قد اختلفوا فى تفسير قولهما بما فوق الازار.
قال بعضهم: المراد منه ما فوق السرة فيحل الاستمتاع بما فوق سرتها، ولا يباح بما تحتها الى الركبة.
وقال بعضهم: المراد منه مع الازار فيحل الاستمتاع بما تحت سرتها سوى الفرج لكن مع المئزر لا مكشوفا.
ويمكن العمل بعموم قولهما بما فوق الازار، لأنه يتناول ما فوق السرة وما تحتها سوى الفرج مع المئزر اذ كل
стр. 2428
ذلك فوق الازار فيكون عملا بعموم اللفظ (١).
مذهب المالكية:
روى الدسوقى فى حاشيته خلاف علماء المالكية فى حكم الاستمتاع بالزوجة فى الحيض وحدوده فقال: ظاهر كلام الدردير ومن تبعه أنه يحرم الاستمتاع بالزوجة وهى حائض بما بين السرة والركبة بالجماع وبغير الجماع من لمس ومباشرة ولو على حائل، وهما - أى السرة والركبة - خارجان عن هذا الحكم.
وفى البنانى: الذى لابن عاشر ما نصه «ظاهر عباراتهم جواز الاستمتاع بما تحت الازار - وهو ما بين السرة والركبة - بغير الوط ء من لمس ومباشرة ونظر حتى الفرج.
وقال أبو على المسناوى: نصوص الائمة تدل على أن الذى يمنع تحت الازار هو الوط ء فقط لا التمتع خلافا للدردير ومن تبعه.
وقال ابن الجلاب: لا يجوز وط ء الحائض فى فرجها ولا فيما دون الفرج.
ومثل ذلك فى عبارة عبد الوهاب وابن رشد وابن عطية وابن عرفة وغيرهم.
وقال الشيخ الدردير العدوى:
ان الحطاب ذكر فى شرح الورقات: أن المشهور حرمة الاستمتاع بما تحت الازار ولو بغير الوط ء.
ثم تعقب الدسوقى هذه الاقوال بقوله:
فظهر من هذا ان الوط ء فيما تحت الازار سواء كان فرجا أو غيره حرام باتفاق.
وأما التمتع بغير الوط ء كاللمس والمباشرة فيما تحت الازار ففيه قولان مرجحان:
أحدهما بالمنع ولو من فوق حائل وهو المشهور.
والثانى عدم المنع.
وأما النظر الى ما تحت الازار ولو الى الفرج فلا حرمة فيه ولو التذ بالنظر، وهذا الخلاف الذى ذكر انما هو فى الاستمتاع بما بين السرة والركبة.
أما ما عدا السرة والركبة من بقية أجزاء الجسم فانه يجوز الاستمتاع بكل أجزاء جسمها قال الدردير كالاستمتاع بيدها وصدرها وقال الدسوقى: وكذا عكن بطنها، وذلك مثل أن يستمنى بما ذكر من الامور الثلاثة أى يدها وصدرها وبطنها.
واذا انقطع دم الحيض فلا يسوغ له الاستمتاع بما حرم عليه الا بعد أن تطهر بالماء فلا يحل ذلك بعد تيمم تحل به الصلاة لأنه - وان حلت
стр. 2429
به الصلاة - لا يرفع الحدث، ولا بد من التطهير بالماء لجواز الوط ء الا لطول يحصل به ضرر وذلك لعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله فله حينئذ الوط ء بعد التيمم ندبا.
وقال الشيخ عليش فى تقريراته:
وتجبر على الغسل وان كانت كافرة.
وقال ابن نافع اذا انقطع دم الحيض حاز الوط ء فى الفرج قبل الغسل.
وقال ابن بكير ان التمتع بما تحت الازار بعد النقاء من دم الحيض وقبل الغسل مكروه.
وقال ابن شعبان اذا تيممت لعذر بعد انقطاع الدم جاز وطؤها ولو لم يخف الضرر (١).
ويمنع النفاس ما يمنعه الحيض من الاستمتاع بالوط ء فى الفرج وما تحت الازار، ويجوز الاستمتاع بما عدا ذلك من بقية أجزاء جسمها (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه يحرم وط ء الحائض فى فرجها ولو بحائل، وتحرم المباشرة بما بين سرتها وركبتها
ولو بلا شهوة، لقول الله تعالى «فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ» (٣) ولخبر أبى داود باسناد جيد أن النبى ﷺ سئل عما يحل للرجل من امرأته وهى حائض فقال:
ما فوق الازار، وخص بمفهومه عموم خبر مسلم «اصنعوا كل شئ الا النكاح» ولأن الاستمتاع بما تحت الازار يدعو الى الجماع فحرم لخبر: من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
وقيل: لا يحرم غير الوط ء واختاره فى التحقيق لخبر مسلم السابق بجعله مخصصا لمفهوم خبر ابى داود والاول أوجه لما فيه من رعاية الأحوط.
وخرج بما بين السرة والركبة هما - أى السرة والركبة - وباقى الجسد فلا يحرم الاستمتاع بهما.
أما عن مباشرة المرأة لزوجها وهى حائض فالقياس أن مسها الذكر ونحوه من الاستمتاعات المتعلقة بما بين السرة والركبة حكمه حكم تمتعاته بها فى ذلك المحل.
والصواب كما قاله بعض المتأخرين فى نظم القياس أن نقول: كل ما منعناه منه نمنعها أن تلمسه به فيجوز له أن يلمس بجميع بدنه سائر بدنها الا ما بين سرتها وركبتها.
стр. 2430
ويحرم عليه تمكينها من لمسه بما بينهما.
ووط ء الحائض فى الفرج كبيرة من العامد العالم بالتحريم المختار ويكفر مستحله كما فى المجموع عن الاصحاب وغيرهم بخلاف الجاهل والناسى والمكره (١).
وذكر صاحب المهذب أنه ان وطئها مع العلم بالتحريم ففيه قولان.
قال فى القديم: ان كان فى أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار.
وان كان فى آخره لزمه أن يتصدق بنصف دينار، لما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ قال فى الذى يأتى امرأته وهى حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار.
وقال فى الجديد: لا تجب عليه الكفارة لأنه وط ء محرم للأذى فلم تتعلق به الكفارة كالوط ء فى الدبر (٢).
وذكر صاحب المغنى أنه ان كان الوط ء فى الفرج فى أول الدم وقوته تصدق بمثقال اسلامى من الذهب الخالص، وان كان الوط ء فى آخر الدم وضعفه تصدق
بنصف مثقال، لخبر اذا واقع الرجل أهله وهى حائض ان كان دما أحمر تصدق بدينار، وان كان أصفر فليتصدق بنصف دينار (٣).
ولا فرق فى الواطئ بين الزوج وغيره فغير الزوج مقيس على الزوج الوارد فى الحديث.
ويستثنى من وجوب الكفارة بوط ء الحائض، المتحيرة - وهى من جاوز دمها أكثر الحيض أو هى المستحاضة غير المميزة لنسيانها عادتها أو وقتها فى الحيض - فلا كفارة بوطئها وان حرم ولو أخبرته بحيضها ولم يمكن صدقها حل له الاستمتاع بها ولا يلتفت اليها.
وان أمكن صدقها وصدقها هو حرم وطؤها. وان كذبها فلا، لأنها ربما عاندته. ولأن الاصل عدم التحريم (٤).
واذا انقطع دم الحيض فلا يحل الاستمتاع بها، حتى تغتسل لقول الله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ»﴾. (٥)
قال مجاهد: حتى يغتسلن، فان لم تجد الماء فتيممت حل لها ما يحل بالغسل، لأن التيمم قائم مقام الغسل
стр. 2431
فاستبيح به ما يستباح بالغسل، وان تيممت وصلت فريضة لم يحرم وطؤها.
ومن أصحابنا من قال: يحرم وطؤها بفعل الفريضة كما يحرم فعل الفريضة بعد الوط ء.
والأول اصح، لأن الوط ء ليس بفرص فلم يحرم بفعل الفريضة كصلاة النفل (١).
ولا يحرم الاستمتاع بالمستحاضة لأن الاستحاضة علة (٢) مزمنة.
واختلف فى المتحيرة وهى التى جاوز دمها أكثر الحيض ونسيت عادتها فى الحيض قدرا ووقتا لنحو غفلة أو جنون وهى المتحيرة المطلقة فالمشهور وجوب الاحتياط فيحرم على الحليل الوط ء فى الفرج والاستمتاع بما بين سرتها وركبتها لاحتمال الحيض.
وقيل يجوز ذلك، لأن الاستحاضة علة مزمنة والتحريم دائما موقع فى الفساد (٣).
.. ويقاس النفاس على الحيض فى حرمة الاستمتاع بالوط ء فى الفرج والمباشرة بما بين السرة والركبة وذلك بالاجماع،
لأنه دم حيض مجتمع فحكمه حكم الحيض فى حرمة الاستمتاع (٤).
مذهب الحنابلة:
جاء فى النكت والفوائد السنية أنه يجوز للزوج أن يتمتع بزوجته الحائض الا بالوط ء فى الفرج.
وعن الامام أحمد، يجوز ذلك - ذكره صاحب الوسيلة -.
وقال الخلال والشيخ - يعنى القاضى - يحملانها على الاستحباب.
قال جعفر بن محمد قلت للامام أحمد:
ما للرجل من امرأته وهى حائض؟ قال:
قالت عائشة رضى الله عنها: «كان النبى ﷺ يأمر احدانا أن تتزر» واختار هذا ورخص فيما دون الفرج، وينبغى أن يكون هذا رواية بالكراهة، لأن مخالفة الأمر توجب ارتكاب المكروه.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول فى الحائض تقبل وتلمس، واذا جامعها (أى باضعها وضاجعها) كان بينهما ازار الى السرة والى الركبة ويباشرها.
وقال الخلال: كان فى مسألة جعفر وحنبل أن أبا عبد الله أحب لهما الازار فى وقت الجماع، وهو على ما روت عائشة
стр. 2432
وأم سلمة عن النبى ﷺ ثم بين عنه الباقون أنه لا بأس به واحتج فى ذلك، والعمل فى مذهبه أنه لا بأس أن يجامع بغير ازار اذا اتقى مخرج الدم. ولا اشكال أن المذهب عدم الكراهة وقد صرح فى رواية أبى طالب أنه لا بأس أن يأتيها دون الفرج وصرح قاطعا صاحب النهاية وغيرها.
قال الشيخ تقى الدين: ومع هذا فالمستحب تركه.
وظاهر كلام أمامنا وأصحابنا: أنه لا فرق بين أن يأمن على نفسه مواقعة المحظور أو يخاف.
وقطع الأزجى فى نهايته بأنه اذا لم يأمن على نفسه من ذلك حرم عليه لئلا يكون طريقا الى مواقعة المحظور (١).
مذهب الظاهرية:
قال صاحب المحلى: وللرجل أن يتلذذ من امرأته الحائض بكل شئ حاشا الايلاج فى الفرج، وله أن يشفر ولا يولج.
وأما الدبر فحرام فى كل وقت، لما روى عن ميمونة أم المؤمنين رضى
الله تعالى عنها أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الازار وهن حيض. ولما رواه الأسود عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ كان يأمرها أن تتزر فى فور حيضتها ثم يباشرها وأيكم يملك (٢) اربه كما كان رسول الله ﷺ يملك اربه (٣).
ومن وطئ حائضا عامدا أو جاهلا فقد عصى الله تعالى وفرض عليه التوبة والاستغفار ولا كفارة عليه فى ذلك، لأنه لم يصح لدينا من الآثار ما يوجب شيئا على من وطئ الحائض (٤).
مذهب الزيدية:
الزيدية على أن استمتاع الرجل بزوجته الحائض على ثلاثة أضرب.
أحدها مجمع على تحريمه.
وثانيها: مجمع على اباحته.
وثالثها: مختلف فيه.
стр. 2433
أما الاستمتاع المجمع على تحريمه فهو الوط ء فى الفرج جاء فى شرح الأزهار وحواشيه أنه يحرم على الزوج وط ء زوجته فى الفرج.
قال فى الانتصار: تحريمه معلوم من الدين بالضرورة فمن وطئها مستحلا كفر، وعليه يحمل قول رسول الله ﷺ : من أتى امرأته وهى حائض فقد كفر بما أنزل على محمد، وان كان غير مستحل لم يكفر ولم يفسق ولا كفارة عليه، ويحرم عليها أن تمكنه ولها أن تقتله ان لم يندفع الا بالقتل.
وأما الاستمتاع المجمع على جوازه فهو الاستمتاع بما فوق السرة وما تحت الركبة مما يلى الساق.
وأما الاستمتاع المختلف فى حكمه فهو الاستمتاع فيما بين السرة والركبة ما خلا الفرج.
وقال الهادى ﵇: ان ذلك الاستمتاع جائز.
وقال القاسم ﵇ ان ذلك مكروه كراهة تنزيه.
قال فى الانتصار: والظاهر من مذهب العترة وفقهاء الامة المنع من التلذذ بالفرج من دون ايلاج لأجل الأذى.
والمختار جوازه اذا غسلته أو كان الدم مقتصرا، لأن العلة فى التحريم الأذى (١).
ولو اختلف مذهب الزوجين بأن كان عند الزوجة تحريم الاستمتاع فيما دون الازار وعند الزوج جواز الاستمتاع قال السيد يحيى بن الحسين فى مثل تلك الحالة له أن يطأها أى فيما دون الفرج كما هو مقرر فى مذهبه - وعليها أن تمتنع.
وقال مولانا ﵇: فى هذا نظر، ووجهه أنه لا يلزمها اجتهاده الا بحكم من الحاكم (٢)
وتستمر حرمة وطئها حتى تطهر اجماعا، وهى تطهر بأحد ثلاثة أشياء.
اما بانقطاع الدم على مقدار العادة.
أو برؤية النقا وهو شئ يخرج من فرجها كالقطنة البيضاء.
أو بكمال العشر وان لم ينقطع.
وأما استمرار حرمة وطئها حتى تغتسل ففيه خلاف.
стр. 2434
قال: صاحب شرح الأزهار: ومذهبنا أنه لا يجوز له أن يطأها حتى تطهر وتغتسل ان أمكن أو تتيمم للعذر المبيح لترك الغسل.
وقال أحمد بن الحسين فى الزيادات:
فان لم تجد ماء ولا ترابا جاز وطؤها من دون تيمم ولا اغتسال (١).
مذهب الإمامية:
قال صاحب تذكرة الفقهاء: قد أجمع علماء الاسلام على تحريم الجماع فى قبل المرأة الحائض لقول الله تعالى «فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ» وأجمعوا على اباحة الاستمتاع بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فى حكم الاستمتاع بين السرة والركبة غير القبل.
فالمشهور عندنا الاباحة وتركه أفضل وبه قال الثورى والاوزاعى وأبو اسحاق المروزى عملا بالأصل، ولقول النبى ﷺ : «اصنعوا كل شئ غير النكاح».
ومن طريق الخاصة قول الصادق وقد سئل عن ما لصاحب المرأة الحائض منها - له كل شئ منها ما عدا القبل بعينه.
وقال السيد المرتضى بالتحريم.
وأجمعوا كذلك على كراهة الوط ء قبلا بعد انقطاع الدم قبل الغسل.
وقال الكاظم لا بأس فى أن يقع الزوج على زوجته الحائض اذا رأت الطهر وقبل أن تغتسل، وأن يفعل ذلك بعد أن تغتسل أحب الى.
وقال الصدوق: لا يجوز حتى تغتسل.
وقال داود: اذا غسلت فرجها حل وطؤها. فان وطئها لم يكن عليه شئ ولو غلبته الشهوة بعد الانقطاع قبل الغسل أمرها بغسل فرجها ثم وطئها.
لقول الباقر: ان أصابه الشبق فليأمرها بغسل فرجها ثم يمسها (٢) ان شاء، فان وطئها فى الفرج جاهلا بأنها حائض أو جاهلا بأن ذلك محرم فلا شئ عليه وان كان عالما بهما أثم واستحق العقاب، ويجب عليه التوبة بلا خلاف فى جميع ذلك وكان عليه - عندنا - الكفارة ان كان فى أول الحيض دينار، وان كان فى وسطه نصف دينار وان كان فى آخره ربع دينار (٣).
стр. 2435
وذكر صاحب مستمسك العروة الوثقى ان حكم النفساء حكم الحائض فى تحريم وطئها وجواز الاستمتاع بها بما دون الفرج من غير خلاف (١).
مذهب الإباضية:
قال صاحب شرح النيل: ان جماع الحائض فى الفرج حرام بالقرآن والسنة والاجماع، فمن فعله لا باعتقاد لحله، فان كان فعله بنسيان أو جهل بحيضها لم تلزمه كفارة، والا أثم ولزمه الكفارة بعلم به وعمد وحرمت عليه عند الأكثر.
ومن فعله باعتقاد الحل أشرك وحرمت عليه لدخوله عليها وهو مشرك الا على قول من لا يحرم بشرك الزلة.
وأبيح له أن يستمتع بالذكر بما فوق السرة وتحت الركبة من حائض ونفساء، وبقبلة ومعانقة اجماعا، وبما بين السرة والركبة دون الفرج عندنا وبعض الأمة لقول النبى ﷺ : اصنعوا كل شئ الا النكاح ولقوله ﷺ «انما أمرتم بعزل الفروج (٢)».
حكم وحدود استمتاع الرجل
بزوجته الصائمة واستمتاع الصائم بزوجته
مذهب الحنفية:
الحنفية على أن حق استمتاع الرجل بزوجته مقدم على صومها تطوعا فقد ذكر صاحب البدائع أنه ليس للمرأة التى لها زوج أن تصوم تطوعا الا باذن زوجها لأن له حق الاستمتاع بها ولا يمكنه ذلك فى حال الصوم، ولما روى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم صوم تطوع الا باذن زوجها».
وللزوج أن يمنعها من الصوم ان كان يضره لأنه لا يمكنه استيفاء حقه مع الصوم فكان له منعها.
أما ان كان صيامها لا يضره - بأن كان صائما أو مريضا لا يقدر على الجماع - فليس له أن يمنعها، لأن المنع كان لاستيفاء حقه، فاذا لم يقدر على الاستمتاع فلا معنى للمنع (٣).
وجاء فى الفتاوى الهندية: أنه لا بأس بالقبلة اذا أمن الصائم على نفسه من الجماع والانزال، لما روى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى
стр. 2436
عنها أن النبى ﷺ كان يقبل وهو صائم، ويكره اذا لم يأمن، والمس فى جميع ذلك كالقبلة، وأما القبلة للفاحشة - وهى أن يمص شفتيها فتكره على الاطلاق، والجماع فيما دون الفرج والمباشرة كالقبلة فى ظاهر الرواية.
وقيل: ان المباشرة الفاحشة تكره وان أمن - والمباشرة الفاحشة هى أن يتعانقا وهما متجردان ويمس فرجه فرجها - ولا بأس بالمعانقة اذا أمن على نفسه أو كان شيخا كبيرا (١).
وذكر الأوزجندى فى فتاويه عن أبى حنيفة فى رواية أنه يكره للصائم المصافحة أيضا كما يكره له المعانقة (٢).
مذهب المالكية:
ذكر صاحب الشرح الكبير أنه ليس لامرأة يحتاج لها زوجها - أو علمت أو ظنت أنه يحتاج لها للوط ء - أن تصوم تطوعا الا باذنه - والمراد بصوم التطوع غير الواجب فيشمل النذر - فان صامت تطوعا بلا اذن فله افساده عليها بجماع، لا بأكل أو شرب، فان أذن لها فليس له ذلك، فان
علمت أنه لا يحتاج لها لوط ء جاز لها التطوع بلا اذن (٣).
ويجوز الاستمتاع بالزوجة فى الصوم ليلا من غروب الشمس الى طلوع الفجر بالجماع أو مقدماته (٤).
ويحرم الجماع نهارا فى الصوم، لأن ترك الجماع من شروط صحة الصوم، والمراد بالجماع تغييب حشفة بالغ أو قدرها فى فرج مطيق وان لم ينزل سواء كان الفرج قبلا أو دبرا، وسواء كان ذلك المطيق المغيب فيه مستيقظا أو نائما، وسواء كان حيا أو ميتا آدميا كان أو بهيمة، فلو غيبها بالغ فى فرج غير مطيق، أو غيبها غير بالغ فى فرج مطيق أو غيره فلا يفسد صومه، ولا صوم موطوءته البالغة حيث لم تمن ولم تمذ.
وكذا يحرم الاستمتاع باخراج منى فى اليقظة بلذة معتادة فان أخرجه كذلك فسد الصوم ووجب القضاء والكفارة.
ويحرم أيضا اخراج مذى بلذة معتادة فان أخرجه كذلك فسد الصوم ووجب القضاء، لا ان خرج بلا لذة أصلا أو خرج بلذة غير معتادة أو حصل مجرد انعاظ فلا يفسد
стр. 2437
صومه، ولو نشأ عن مقدمات على المعتمد وهذا رواية أشهب عن مالك فى المدونة، خلافا لقول ابن القاسم فيها، وروايته عن مالك فى العتبية بالقضاء.
وقد تقرر عن الأشياخ أن رواية غير ابن القاسم مقدمة على رواية ابن القاسم.
قال الدسوقى: واعلم أن الخلاف فى القضاء فى الانعاظ الناشئ عن قبلة أو مباشرة، فان نشأ عن نظر أو فكر فقال الحطاب: الظاهر فيه عدم القضاء اتفاقا ولو استديم النظر والفكر (١).
وكره مقدمة جماع كقبلة وفكر ونظر ومباشرة وملاعبة ان علمت السلامة من انزال منى أو مذى، والا بأن لم تعلم السلامة من منى أو مذى حرمت مقدمة الجماع.
وظاهر ذلك كما قال الدسوقى هو كراهة المقدمات المذكورة اذا علمت السلامة، وأنه لا شئ عليه ولو حصل انعاظ، وهو رواية أشهب عن مالك فى المدونة كما مر، وهو المعتمد.
وروى ابن القاسم عنه لزوم القضاء.
وقال ابن القاسم بالفرق بين المباشرة، فيقضى، وبين ما دون المباشرة فلا قضاء عليه، وهذا القول أنكره سحنون.
وقال الدسوقى فى حاشيته: واعلم أنه ان أمذى بالمقدمات المذكورة فى حالة الكراهة أو فى حالة الحرمة فالقضاء اتفاقا، فان حصل عن نظر أو فكر من غير قصد ولا متابعة ففيه قولان:
أظهرهما أنه لا قضاء عليه.
وان أنزل ففى حالة الحرمة تلزمه الكفارة اتفاقا، وفى حالة الكراهة ثلاثة أقوال.
أصحها أنه لا كفارة عليه الا أن يتابع حتى ينزل.
والثانى: عليه القضاء والكفارة مطلقا.
والثالث: الفرق بين اللمس والقبلة والمباشرة وبين النظر والتفكر.
فالانزال الناشئ عن الثلاثة الأول موجب للكفارة مطلقا.
والناشئ عن الأخيرين لا كفارة فيه الا أن يتابع ذلك حتى ينزل (٢).
стр. 2438
وتجب الكفارة على من تعمد اخراج منى بتقبيل أو مباشرة، بل وان كان بادامة فكر أو نظر، وكان عادته الانزال ولو فى بعض الأحيان من ادامتهما، فان كانت عادته عدم الانزال منهما، لكنه خالف عادته وأنزل فقولان فى لزوم الكفارة وعدمه. واختار اللخمى القول الثانى، فان لم يدمهما فلا كفارة قطعا.
وان أمنى بتعمد نظرة واحدة فتأويلان: الراجح منهما عدم الكفارة.
ومحلهما اذا لم يخالف عادته، بأن كانت عادته الامناء بمجرد النظر، والا فلا كفارة اتفاقا (١).
ويكفر عن أمة له وطئها ولو طاوعته الا أن تطلبه ولو حكما بأن تتزين له فتلزمها الكفارة ويكفر عن زوجته البالغة العاقلة المسلمة ان أكرهها، فان أعسر الزوج كفرت عن نفسها، وفى تكفيره عن زوجته ان أكرهها على القبلة ونحوها مما ليس بجماع حتى أنزلا أو أنزلت هى، وعدم تكفيره عنها تأويلان، الأول لابن أبى زيد، والثانى القابسى، قال عياض: والثانى منهما ظاهر المدونة (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن حق الزوج فى الاستمتاع بزوجه فرض، فلا يجوز تركه لنفل، ومن أجل ذلك لا يحل لامرأة أن تصوم تطوعا وزوجها شاهد الا باذنه حتى ولو كان صومها على أنه اذا أراد أن يتمتع بها تمتع وفسد صومها، لأن صومها يمنعه التمتع عادة لأنه يهاب انتهاك حرمة الصوم بالافساد (٣).
ويحرم على الزوج الصائم أن يباشر فى الفرج لقول الله «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ ﴿ .. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ» فتحرم المباشرة فى الفرج نهارا، فان باشرها فى الفرج نهارا بطل صومه، لأنه أحد ما ينافى الصوم.
وان باشر فيما دون الفرج فأنزل، أو قبل فأنزل بطل صومه، وان لم ينزل لم يبطل صومه، لما روى جابر رضى الله عنه قال: قبلت وأنا صائم فأتيت النبى ﷺ فقلت: قبلت وأنا صائم فقال: أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم. فشبه القبلة بالمضمضة، وقد ثبت أنه اذا تمضمض فوصل الماء الى جوفه أفطر، وان لم يصل لم يفطر، فدل على أن القبلة مثلها، وان نظر وتلذذ فأنزل لم يبطل
стр. 2439
صومه لأنه انزال من غير مباشرة فلم يبطل الصوم كما لو نام فاحتلم وان شد امرأة ووطئها وهى مكرهة لم يبطل صومها، وان استدخلت المرأة ذكر الرجل وهو نائم لم يبطل صومه (١)، ومن حركت القبلة شهوته كره له أن يقبل وهو صائم والكراهية كراهية تحريم، وان لم تحرك القبلة شهوته قال الشافعى رضى الله تعالى عنه: لا بأس به وتركها أولى.
والأصل فى ذلك ما روت عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم .. الخ الحديث المتقدم.
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه أرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب، ولأن فى حق أحدهما لا يؤمن أن ينزل فيفسد الصوم وفى الآخر يؤمن ففرق بينهما (٢).
هذا ويجوز الاستمتاع بالزوجة ليلا أثناء الصوم فيجوز أن يباشر
الى طلوع الفجر لقول الله تعالى.
«فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ»﴾. (٣)
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب كشاف القناع أن الرجل اذا كان صائما ثم قبل امرأته أو لمس أو باشر فيما دون الفرج فأمنى أو أمذى فسد صومه، لما روى أبو داود عن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: نسيت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله: انى فعلت أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو تمضمضت من اناء وأنت صائم؟ قلت:
لا بأس به قال فمه (يريد: فما الفرق بين القبلة والمضمضة؟) فشبه القبلة بالمضمضة من حيث أنها من مقدمات الفطر، فان القبلة اذا كان معها انزال أفطر، والا فلا، ذكره فى المغنى والشرح، وفيه نظر، لأن غايته أنها قد تكون وسيلة وذريعة الى الجماع، وعلم منه أنه لا فطر بدون الانزال، لقول عائشة رضى الله تعالى عنها: كان النبى ﷺ يقبل وهو صائم، وكان
стр. 2440
أملككم لاربه، وكذا لو كرر النظر فأمنى، لأنه انزال بفعل يلتذ به ويمكن التحرز منه فأشبه الانزال باللمس، أما ان كرر النظر فأمذى فلا فطر لأنه لا نص فيه، ومثله ما اذا لم يكرر النظر فأمنى لعدم امكان التحرز من النظرة الأولى، وكذا اذا كرر النظر فلم ينزل قال فى الشرح والمبدع: بغير خلاف (١).
واذا جامع فى نهار شهر رمضان (٢) بلا عذر شبق ونحوه - كمن به مرض ينتفع بالوط ء فيه - بذكر أصلى فى فرج أصلى - قبلا كان الفرج أو دبرا من آدمى أو غيره كبهيمة أو سمكة أو طيرة حى أو ميت أنزل أم لا - فعليه القضاء والكفارة عامدا كان أو ساهيا أو جاهلا أو مخطئا، مختارا أو مكرها نصا، سواء أكره حتى فعله - يعنى الجماع - أو فعل به من نائم وغيره.
أما وجوب الكفارة فلحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: بينا نحن جلوس عند النبى ﷺ اذ جاء رجل فقال:
يا رسول الله قال: مالك؟ قال:
وقعت على امرأتى وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ :
هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال:
فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد اطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، فمكث النبى ﷺ فبينا نحن على ذلك أتى النبى ﷺ بعرق فيه تمر - والعرق المكتل - فقال: أين السائل؟ فقال أنا، قال خذ هذا فتصدق به فقال: على أفقر منى يا رسول الله؟ فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتى، فضحك النبى ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك.
وأما وجوب القضاء فلقوله ﷺ للمجامع: وصم يوما مكانه.
ولو أولج بفرج أصلى فى فرج غير أصلى كفرج الخنثى المشكل أو أولج بفرج غير أصلى فى فرج غير أصلى - كما لو جامع خنثى مشكل خنثى مشكلا - فلا كفارة على واحد منهما لاحتمال الزيادة، ولم يفسد صوم واحد منهما الا أن ينزل كالغسل، فان أنزل وجب عليه القضاء فقط.
وان أولج بغير أصلى فى أصلى فسد صومها فقط أى دون صوم الخنثى، لأن داخل فرجها فى حكم الباطن فيفسد صومها بادخال غير الفرج الأصلى كأصبعها وأصبع غيرها، وافساد صومها بادخال الفرج غير الأصلى أولى من افساده بادخال اصبع فى فرجها.
стр. 2441
ولو طلع على الرجل الفجر الثانى وهو مجامع فنزع فى الحال مع أول طلوع الفجر الثانى فعليه القضاء والكفارة.
لأنه يلتذ بالنزع كما يلتذ بالايلاج فهو كما لو استدام الجماع بعد طلوع الفجر.
ولو جامع يعتقده ليلا فبان نهارا وجب عليه القضاء والكفارة، لأنه لا فرق بين العامد وغيره.
ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر كنوم أو اكراه ونسيان وجهل، لأنها معذورة ويفسد صومها بوطئها معذورة فيلزمها القضاء.
وتلزمها الكفارة اذا جومعت مع عدم العذر، لأنها هتكت حرمة صوم رمضان بالجماع فلزمتها الكفارة كالرجل.
ولو طاوعت الرجل أمته على الجماع كفرت بالصوم، لأنه لا مال لها، ومثل أم الولد والمدبرة والمكاتبة.
ولو أكره زوجته أو أمته على الوط ء فى نهار رمضان دفعته بالأسهل فالأسهل، ولو أفضى ذلك الى ذهاب نفسه كالمار بين يدى المصلى.
ولو استدخلت صائمة ذكر نائم أو ذكر صبى أو مجنون بطل صومها الجماع فيجب عليها القضاء والكفارة ان كان فى نهار رمضان (١).
وتكره القبلة ممن تحرك شهوته فقط، لقول عائشة رضى الله تعالى عنها السابق وان ظن الانزال مع القبلة لفرط شهوته حرم بغير خلاف.
ولا تكره القبلة ممن لا تحرك شهوته، وكذا دواعى الوط ء كلها من اللمس وتكرار النظر حكمها حكم القبلة فيما تقدم (٢).
ومن به شبق يخاف أن ينشق ذكره أو أنثياه أو مثانته جامع وقضى، ولا يكفر نصا، نقله اسماعيل بن سعيد الشالخى.
قال أحمد يجامع ولا يكفر، ويقضى يوما مكانه، وذلك أنه اذا أخذ الرجل هذا ولم يجامع خيف عليه أن ينشق فرجه، وان اندفعت شهوته بغير الجماع - كالاستمناء بيده أو يد زوجته أو يد جاريته ونحوه كالمفاخذة - لم يجز له الوط ء كالصائل يندفع بالأسهل لا ينتقل الى غيره، وكذا ان أمكنه أن لا يفسد صوم زوجته أو أمته المسلمة البالغة بأن يطأ زوجته أو أمته الكتابيتين، أو يطأ زوجته أو أمته الصغيرتين أو المجنونتين، أو اندفعت شهوته بالوط ء دون الفرج فلا يباح له افساد صومها لعدم الضرورة اليه، ولعل مقياس ذلك اذا أمكنه وط ء من
стр. 2442
لزمها الامساك كمن طهرت ونحوها فى أثناء النهار، لأن الامساك دون الصوم الشرعى خصوصا فيما فيه خلاف فى وجوبه، وان لم يمكنه عدم افساد صوم الزوجة أو الأمة المسلمة البالغة جاز له افساد صومها للضرورة كأكل الميتة للمضطر، ومع الضرورة الى وط ء حائض وصائمة بالغ بأن لم يكن له غيرهما، فوط ء الصائمة أولى من وط ء الحائض، لأن تحريم وط ء الحائض بنص القرآن الكريم، وان لم تكن الزوجة أو الأمة الصائمة بالغة وجب اجتناب الحائض للاستغناء عنه بلا محذور فيطأ الصغيرة وكذا المجنونة.
وان تعذر قضاء ذى الشبق لدوام شبقه فككبير عجز عن الصوم، فيطعم لكل يوم مسكينا، ولعل حكم زوجته أو أمته التى ليس له غيرها كذلك.
وحكم المريض الذى ينتفع بالجماع فى مرضه حكم من خاف تشقق فرجه فى جواز الوط ء مع الكفارة وافساد صوم زوجته وأمته وعدمه (١).
مذهب الظاهرية:
والظاهرية يوسعون دائرة استمتاع الصائم بزوجه فقد ذكر ابن حزم فى المحلى أن للرجل الصائم أن يباشر
امرأته أو أمته المباحة له فيما دون الفرج سواء تعمد الأمناء أو لم يتعمد وأمنى أم لم يمن، أو أمذى أم لم يمذ، كما أن له أن يقبل كذلك (٢).
ثم قال: وأما القبلة والمباشرة للرجل مع امرأته وأمته المباحة له فهما سنة حسنة نستحبها للصائم شابا كان أو كهلا أو شيخا، ولا نبالى أكان معها انزال مقصود اليه أو لم يكن، لما روى عن عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم، «ولما روى عن علقمة عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان يباشر وهو صائم (٣)».
مذهب الزيدية:
ذكر صاحب شرح الأزهار أنه يكره للصائم أن يضاجع أهله فى النهار وأن يفعل شيئا من مقدمات الجماع لا سيما للشباب، ولا كراهة لمن لا تتحرك شهوته (٤).
стр. 2443
وجاء فى حاشية شرح الأزهار أن الامام المهدى أحمد بن الحسين قال:
بل يجب على الصائم أن يحترز من مثل هذا، لأن من رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه (١).
وذكر صاحب البحر الزخار أن المذهب على أن من أصبح وهو مولج فنزع لم يفسد صومه لقوله تعالى «حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ (٢)».
وقال القاسم: يفسد اذ النزع جماع للتلذذ به كالايلاج.
قلنا: بل هو ترك للجماع وان ألذ، هذا اذا نزع أما ان استمر فانه يفطر ويأثم.
واذا جومعت المرأة وهى نائمة لم يفسد صومها اذ رفع القلم عنها ولا كفارة (٣).
ثم قال: الأمناء عن لمس أو تقبيل ولو مع حائل مفطر اجماعا ومثل ذلك ما لو نظر فأمنى، وكذلك يفسد ان أمنى عن تفكير لقول النبى صلّى الله
عليه وسلم «العينان تزنيان» فجعل لهما حكم الفرج فى استدعاء الشهوة فكذلك القلب.
ومن جامع قبل الفجر وأمنى بعده فوجهان: أصحهما لا يضر لتولده عن مباح كالاحتلام (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب الخلاف أنه يجوز للرجل أن يجامع امرأته اذا بقى من طلوع الفجر مقدار ما يغتسل فيه من الجنابة، فان لم يعلم ذلك وظن أن الوقت باق فجامع فطلع عليه الفجر نزع وكان عليه القضاء دون الكفارة، فان لم ينزع وأولج كان عليه القضاء والكفارة، فأما اذا كان عالما بقرب الفجر فجامع فطلع الفجر عليه كان عليه القضاء (٥) والكفارة. وكما تجب الكفارة على الرجل تجب كذلك على المرأة ان كانت مطاوعة له، فان استكرهها كان عليه كفارتان (٦). ولو وطئها نائمة أو أكرهها قهرا على الجماع لم تفطر هى ولزمه الكفارتان (٧).
وتكره القبلة للشاب اذا كان صائما ولا تكره للشيخ (٨) واذا وطئ الرجل فيما
стр. 2444
دون الفرج أو باشرها أو قبلها بشهوة فأنزل كان عليه القضاء والكفارة (١).
مذهب الإباضية:
يوجب الإباضية على الرجل أن يمتنع عن وط ء امرأته اذا لم يكن فى الوقت متسع للاغتسال قبل الفجر فقد جاء فى شرح النيل أنه يلزم الرجل أن يكف عن وط ء امرأته، وعن مقدماته قبل الفجر بقدر الغسل، ان كان مغتسلا، وبقدر التيمم ان كان متيمما.
وقيل: بقدر الغسل لامكان أن يقدر عليه أو يجد الماء وأما قوله تعالى «حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ» فغاية للأكل لا للجماع، بدليل حديث (من أصبح جنبا أصبح مفطرا) فظهر بالحديث أنه يجب الامساك عن الجماع بقدر ما لا يصبح جنبا.
وجاز لامرأة أن تمنع زوجها من الوط ء ومقدماته ان لم يبق من الليل قدر الغسل أو التيمم على التفصيل السابق (٢).
وكره تقبيل الصائم امرأته ولو كان شيخا على الأصح، وأوجب بعضهم به افطارا مطلقا أى ولو كان بلا لمذاء.
وأجاز بعضهم للشيخ ومن يملك اربه أن يقبل.
وأجازه بعض آخر للشيخ وللشاب ومن لا يملك اربه بلا كراهة.
ومن خاف الانزال بالتقبيل وقبل فسبقه المنى أفطر لأنه متعرض له (٣) ومن أدام نظرا بشهوة أو أدام فكرا فى الجماع أو مس البدن باليد أو الذكر أو غيرهما أو قبل عمدا انهدم صومه ان أمنى.
وقيل ولو لم يخرج من ذكره اذا انفصل عنه فى داخله. أما ان أمذى أو أودى لم ينهدم صومه (٤).
حكم وحدود استمتاع
الرجل بزوجته فى حال الاعتكاف
مذهب الحنفية:
جاء فى فتاوى قاضيخان أنه يكره للمعتكف أن يباشر المباشرة الفاحشة وان أمن على نفسه ما سوى ذلك - بخلاف الصائم فانه يباح له ذلك اذا أمن على نفسه - لأن الاعتكاف مما يمتد ليلا ونهارا، فاباحة الدواعى قد تصير سببا للوقوع فيما هو محظور الاعتكاف وهو الجماع، أما
стр. 2445
الصوم فلا يمتد ليلا فاباحة الدواعى لا تصير سببا للوقوع فى الجماع.
واذا باشر المعتكف فيما دون الفرج فأنزل فسد اعتكافه وان لم ينزل لم يفسد (١).
مذهب المالكية:
يحرم المالكية الاستمتاع فى الاعتكاف بالجماع ومقدماته ليلا ونهارا فقد قال صاحب الشرح الكبير: وشرط صحة الاعتكاف عدم وط ء، ولو ليلا، فان وطئ ولو ليلا عمدا أو سهوا بطل اعتكافه واستأنفه من أوله، ولو كان الوط ء لغير مطيقة، لأن أدناه أن يكون كقبلة الشهوة واللمس.
وشرط صحته أيضا عدم قبلة بشهوة ولمس ومباشرة كذلك.
قال الدسوقى: وحاصله أنه اذا قبل وقصد اللذة أو لمس أو باشر بقصدها أو وجدها بطل اعتكافه واستأنفه من أوله. ووط ء المكرهة والنائمة مبطل لاعتكافهما (٢).
ولو خرج المعتكف الى منزله لعذر طرأ عليه فيحرم عليه - ما يحرم
وهو معتكف فى المسجد من جماع ومقدماته الى أن يزول العذر ويعود لتمام اعتكافه (٣).
مذهب الشافعية:
ذكر صاحب المهذب أنه لا يجوز للمرأة أن تعتكف بغير اذن الزوج، لأن الاستمتاع بها ملك له فلا يجوز لها أن تبطله عليه بغير اذنه (٤)، ولا يجوز للمعتكف أن يباشر بشهوة لقول الله «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» (٥) فان جامع فى الفرج ذاكرا للاعتكاف عالما بالتحريم فسد اعتكافه، لأنه أحد ما ينافى الاعتكاف وان باشر فيما دون الفرج بشهوة أو قبل بشهوة ففيه قولان.
قال فى الاملاء: يبطل، وهو الصحيح، لأنها مباشرة محرمة فى الاعتكاف فبطل بها كالجماع.
وقال فى الأم: لا يبطل لأنها مباشرة لا تبطل الحج، فلم تبطل الاعتكاف كالقبلة بغير شهوة.
وقال أبو اسحق: لو قال قائل: أنه لو أنزل بطل وان لم ينزل لم يبطل كالقبلة فى الصوم كان مذهبا وتعقبه صاحب
стр. 2446
المهذب فى قوله: وهذا قول لم يذهب اليه أحد من أصحابنا، ويخالف الصوم فان القبلة فيه لا تحرم على الاطلاق فلم تبطل الصوم على الاطلاق، والقبلة فى الاعتكاف محرمة على الاطلاق فأبطلته على الاطلاق.
ويجوز أن يباشر من غير شهوة ولا يبطل (١) اعتكافه واذا نظر أو تفكر فأنزل فانه لا يبطل، والاستمناء كالمباشرة تبطل الاعتكاف (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه لا يجوز الاعتكاف للمرأة بغير اذن زوجها لأن منافع المرأة مملوكة لغيرها - وهو الزوج - فان شرعت فى الاعتكاف بغير اذنه فله أن يحللها منه ولو كان الاعتكاف نذرا، لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوما من غير رمضان الا باذنه. وضرر الاعتكاف أعظم، ولأن اقامتها على ذلك تتضمن تفويت حق غيرها بغير اذن فكان لصاحب الحق أن يمنع منه كرب الحق مع غاصبه.
وان كان الاعتكاف باذن من الزوج فله أن يحللها ان كان تطوعا، لأن النبى ﷺ أذن لعائشة وحفصة
وزينب فى الاعتكاف ثم منعهن منه بعد أن دخلن، ولأن حق الزوج واجب والتطوع لا يلزم بالشروع فيه، أما ان كان نذرا فلا يحللها منه لأنه يتعين بالشروع فيه، ويجب اتمامه كالحج.
ويحرم على المعتكف الوط ء لقول الله تعالى «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» (٣) فان وطئ المعتكف فى فرج ولو ناسيا فسد اعتكافه، لما روى حرب فى مسائله عن ابن عباس قال: اذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف الاعتكاف، ولأن الاعتكاف عبادة تفسد بالوط ء عمدا فكذلك سهوا كالحج، ولا كفارة للوط ء لعدم النص، والقياس لا يقتضيه، بل عليه الكفارة لافساد نذره اذا كان معينا وهو كفارة يمين.
وان باشر المعتكف دون الفرج أو قبل لغير شهوة فلا بأس كغسل رأسه وترجيل شعره، وان باشر دون الفرج أو قبل بشهوة حرم لقوله تعالى السابق، فان أنزل فكوط ء فيفسد اعتكافه ولا كفارة له، وان لم ينزل بالمباشرة دون الفرج فلا افساد كالصوم (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يحل للرجل أن يباشر المرأة ولا للمرأة أن تباشر الرجل فى حال الاعتكاف بشئ من الجسم الا
стр. 2447
فى ترجيل المرأة للمعتكف خاصة فهو مباح لقول الله «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» فصح أن من تعمد ما نهى الله تعالى عنه من عموم المباشرة - ذاكرا لاعتكافه - فلم يعتكف كما أمر فلا اعتكاف له فان كان نذرا قضاه، والا فلا شئ عليه (١).
مذهب الزيدية:
ذكر صاحب شرح الأزهار من الزيدية أنه يجب على المعتكف أن يترك وط ء النساء وما فى حكم الوط ء، من الامناء بشهوة فى اليقظة (٢).
مذهب الإمامية:
يحرم على المعتكف مباشرة النساء بالجماع فى القبل أو الدبر وباللمس والتقبيل بشهوة ولا فرق فى ذلك بين الرجل والمرأة فيحرم على المعتكفة أيضا الجماع واللمس والتقبيل بشهوة، والأقوى عدم حرمة النظر بشهوة الى من يجوز النظر اليه وان كان الأحوط اجتنابه (٣).
وذكر صاحب الخلاف أن الرجل اذا باشر امرأته فى حال اعتكافه فيما دون
الفرج أو لمس ظاهرها بطل اعتكافه سواء أنزل أم لم ينزل، والدليل على ذلك قوله تعالى «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» وهذا عام فى كل مباشرة سواء أنزل أو لم ينزل، والنهى يدل على فساد المنهى عنه (٤).
واذا وطئ المعتكف ناسيا لم يبطل اعتكافه، والدليل على ذلك اجماع الفرقة، وقول النبى ﷺ : رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (٥).
مذهب الإباضية:
يفرق الإباضية فى الاعتكاف بين الاستمتاع بالوط ء والاستمتاع بالتقبيل فيمنعونه من الأول ويبيحون له الثانى.
فقد جاء فى كتاب النيل وشرحه «ومن شروط الاعتكاف أن يترك الجماع وان كان فى الليل، لا التقبيل (٦)».
стр. 2448
حكم وحدود استمتاع
الرجل بزوجه فى حالة الاحرام
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أنه يجب علي المحرم أن يجتنب الدواعى من التقبيل واللمس بشهوة والمباشرة والجماع فيما دون الفرج.
لقول الله «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ» (١).
قيل فى بعض وجوه التأويل: أن الرفث جميع حاجات الرجال إلي النساء.
وسئلت عائشة رضى الله تعالى عنها عن ما يحل للمحرم من امرأته فقالت «يحرم عليه كل شئ الا الكلام» فان جامع فيما دون الفرج - سواء أنزل أو لم ينزل - أو قبل أو لمس بشهوة أو باشر فعليه دم، لكن لا يفسد حجه، لأن ذلك حكم متعلق بالجماع فى الفرج على طريق التغليظ، وأما وجوب الدم فلحصول ارتفاق كامل مقصود، وقد روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه قال: اذا باشر المحرم امرأته فعليه دم .. ولم يرد عن غيره خلافه سواء فعل ذلك ذاكرا أو ناسيا.
ولو نظر الى فرج امرأته عن شهوة فأمنى فلا شئ عليه بخلاف المس عن شهوة فانه يوجب الدم سواء أمنى أو لم
يمن، وذلك لأن اللمس استمتاع بالمرأة وقضاء للشهوة فكان ارتفاقا كاملا، فأما النظر فليس من باب الاستمتاع ولا قضاء الشهوة، بل هو سبب لزرع الشهوة فى القلب، والمحرم غير ممنوع عما يزرع الشهوة كالأكل (٢).
وجاء فى فتاوى قاضيخان أن الشيخ الامام أبا بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى قال: انما يجب الدم على المرأة المحرمة بتقبيل الزوج اذا وجدت ما تجد عند وط ء الزوج من اللذة وقضاء الشهوة (٣).
وروى صاحب فتح القدير أن الجامع الصغير اشترط الانزال فى وجوب الدم على من استمتع بالتقبيل أو اللمس بشهوة (٤).
والامام أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه لا يرتب على استمتاع الرجل بدبر زوجه افساد الحج فى احدى روايتين عنه، فقد جاء فى حاشية الشلبى على تبيين الحقائق عن أبى حنيفة أنه لا يفسد الحج بالجماع فى الدبر.
стр. 2449
لأنه وط ء فى موضع لا يتعلق به وجوب المهر بحال، فلا يتعلق به فساد الحج، كالوط ء فيما دون الفرج.
ويفسد الحج فى الرواية الأخرى لأنه وط ء يوجب الاغتسال من غير انزال فصار كالوط ء فى الفرج.
وقال أبو يوسف ومحمد أنه يفسد الحج، لأنه وط ء يتعلق به الحد عندهما فصار كالوط ء فى الفرج (١).
مذهب المالكية:
ذكر صاحب الشرح الكبير أنه يحرم بالاحرام على الرجل والمرأة الجماع ومقدماته ولو علمت السلامة من منى أو مذى.
واستظهر بعض المشايخ كراهة مقدمات الجماع اذا علمت السلامة كالصوم.
قال الدسوقى لكنه يقيد بما اذا قلت.
والجماع يفسد الحج والعمرة مطلقا ولو سهوا أو مكرها، سواء كان ذلك فى آدمى، أو غير آدمى، وسواء كان قد فعل شيئا من أفعال الحج بعد الاحرام، أو لم يفعل، وسواء كان بالغا أو غير بالغ.
ولم يوافق الدسوقى فى حاشيته على ذلك من غير البالغ - كما قال الدردير - حيث ذكر أن هذا غير صواب.
ثم قال: ولم أر لأحد ما يوافقه، وقول ابن الحاجب يدل على خلاف ذلك، وكذا فى التوضيح.
ويحرم على المحرم أيضا استدعاء منى ويفسد به الحج اذا استدعاه بيد أو قبلة أو مداعبة أو حضن بل وان استدعاه بنظر أو فكر دائم حتى أنزل، وسواء كان عمدا أو جهلا أو نسيانا للاحرام، فان خرج المنى بمجرد فكر أو نظر - أى غير دائم - لم يفسد الحج وعليه هدى وجوبا.
أما خروج المنى بغير النظر والفكر كالقبلة والحضن والملامسة فلا يشترط فى ذلك الاستدامة بل يفسد الحج بمجرد الانزال.
فان لم ينزل فلا شئ عليه الا القبلة للذة فان عليه بها الهدى اذا لم ينزل. ومحل فساد الحج بالجماع أو بخروج المنى ان وقع ذلك قبل الوقوف بعرفة مطلقا، سواء فعل شيئا بعد احرامه كالقدوم والسعى أو لم يفعل شيئا، أو وقع ذلك المحظور من الجماع وغيره بعد الوقوف بعرفة بشرطين:
أن يكون قبل طواف الافاضة، وقبل رمى جمرة العقبة، وكان ذلك يوم النحر أو قبلة ليلة مزدلفة، والا بأن وقع الجماع أو المقدمات قبلهما - أى قبل طواف الافاضة وقبل رمى جمرة العقبة، ولكن بعد يوم النحر، أو وقع الجماع بعد أحدهما - أى بعد طواف الافاضة وقبل الرمى أو بعد الرمى، وقبل الافاضة والحال أنه
стр. 2450
قد قدم السعى فلا يفسد الحج وانما يجب عليه الهدى.
والامذاء - ولو بمجرد النظر فيه الهدى ولا يفسد الحج.
وفى العمرة اذا حصل الاستمتاع - سواء كان بالجماع أو بخروج المنى - بعد السعى وقبل الحلق فعليه هدى، فان حصل الجماع قبل السعى فسدت العمرة ووجب عليه القضاء والهدى.
وان فعل فى العمرة أمرا غير مفسد للحج مما يوجب هديا فيه وذلك كالمذى والقبلة وطول الملامسة والملاعبة قبل تمامها قال فى الدسوقى، والظاهر كما قال الشيخ سالم أن فيه الهدى وأن العمرة كالحج فى ذلك، وهذا مما يشهد له عموم كلام الباجى الذى نقله الحطاب والتوضيح.
وظاهر كلام بهرام وغيره أنه لا هدى فيما ذكر فى العمرة لقولهم: ان الذى يوجب الهدى فى العمرة ما أوجب فساد الحج فى بعض الأحوال من وط ء وانزال، وأما ما يوجب الهدى فى الحج فلا يوجب فى العمرة لأن أمرها أخف من حيث أنها ليست فرضا وهو واضح.
قال الشيخ العدوى: وينبغى التعويل على الأول، وان كان ظاهر النقل خلافه.
ويتحد هدى الفساد وان تكرر موجب الفساد، كوطئه لامرأته مرارا متعددة أو لنساء لأن الحكم للوط ء الأول (١).
ويحل الاستمتاع بالنساء بوط ء أو بمقدماته وذلك بعد طواف الافاضة والحلق، وهذا اذا كان قد قدم السعى عند القدوم، فان لم يكن فعل السعى فلا يحل له الاستمتاع الا بعد فعله بعد طواف الافاضة، فان وطئ بعد الافاضة وقبل السعى، فعليه هدى، وكذلك ان وطئ بعد الافاضة وقبل الحلق، ويشترط أن يكون قد رمى جمرة العقبة قبل الافاضة، فانه اذا أفاض قبل رمى جمرة العقبة، ثم وطئ قبل رميها فعليه هدى ان كان الوط ء قبل فوات وقت الرمى، فان كان وقتها قد فات فلا شئ عليه (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه يحرم على المرأة الحلال أن تمكن زوجها المحرم من الجماع، لأن الجماع من محرمات الاحرام بالاجماع ولو لبهيمة فى قبل أو فى دبر وتمكين الزوج منه اعانة له على المعصية.
ويحرم على الحلال أن يجامع زوجته المحرمة، وكذلك تحرم المباشرة فيما دون الفرج بشهوة قبل التحللين وعليه دم، وكذا الاستمناء باليد. ويجب عليه الدم ان أنزل، لكن يسقط عنه الدم فى الصورتين ان جامع بعد ذلك لدخوله فى بدنة الجماع.
стр. 2451
وتفسد العمرة المفردة أما غير المفردة فهى تابعة للحج صحة وفسادا.
وكذلك يفسد الحج بالجماع قبل التحلل الأول قبل الوقوف بالاجماع، وبعد الوقوف خلافا لأبى حنيفة، لأنه وط ء صادف احراما صحيحا لم يحصل فيه التحلل الأول فأشبه ما قبل الوقوف.
ولو كان المجامع فى العمرة أو الحج رقيقا أو صبيا مميزا، وذلك للنهى عن الجماع فى الحج بقول الله تعالى:
«فَلا رَفَثَ» ومعناه النهى، أما غير المميز من صبى أو مجنون فلا يفسد بجماعه، وكذا الناسى والجاهل والمكره فان كان الجماع بعد التحلل الأول فان الحج لا يفسد به وكذا العمرة التابعة له، وقيل تفسد.
ويجب بالجماع المفسد لحج أو لعمرة على الرجل بدنة لقضاء الصحابة رضى الله تعالى عنهم بذلك.
أما المرأة فلا فدية عليها على الصحيح سواء كان الواطئ زوجا أو غيره محرما أم حلالا (١).
وللزوج الحلال أو المحرم أن يحلل زوجته من حج أو عمرة تطوع لم يأذن فيه، كما أن له أن يمنعها منه ابتداء، لئلا يتعطل حقه من الاستمتاع، كما
ان له أن يخرجها من صوم النفل، وان أذن لها لم يجز لرضاه بالضرر، ويحرم عليه الاستمتاع على ما مر فى حج الفرض، وكذا له أن يحللها من الفرض بلا اذن فى الأظهر، لأن حقه فى الاستمتاع على الفور والنسك على التراخى.
والرأى الثانى لا يجوز له أن يحللها فى الفرض قياسا على الصلاة والصوم.
وفرق الرأى الأول بين الحج وبين الصلاة والصوم بأن مدة الصلاة والصوم لا تطول، فلا يلحق الزوج كبير ضرر.
وحكم حج النذر فى ذلك حكم حج الاسلام كما فى المجموع (٢).
واذا رمى وحلق وطاف حصل له التحلل الأول والثانى، فيحل له الاستمتاع بزوجته من مباشرة وقبلة وملامسة وجماع فى الفرج.
واذا قلنا أن الحلق نسك حصل له التحلل الأول بفعل اثنين من الثلاثة - الرمى والحلق والطواف - فيحل له الاستمتاع بالمباشرة فيما دون الفرج والقبلة والملامسة فى الأظهر، لأنها من المحرمات التى لا توجب فسادا.
وقيل: أن الأظهر أنه لا تحل المباشرة فيما دون الفرج بالتحلل الأول.
стр. 2452
وان قلنا ان الحلق ليس بنسك حصل له التحلل الأول بفعل واحد من اثنين هما الرمى والطواف.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: اذا دخل وقت. الرمى حصل له التحلل الأول وان لم يرم، كما اذا فات وقت الرمى حصل له التحلل الأول وان لم يرم.
قال صاحب المهذب: والمذهب أن التحلل الأول لا يحل الا بفعل اثنين من ثلاثة - ان قلنا ان الحلق نسك، أو بفعل واحد من اثنين - ان قلنا ان الحلق ليس بنسك، لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها:
أن النبى ﷺ قال:
اذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شئ الا النساء، فعلق التحلل بفعل الرمى.
ثم قال فى المهذب: وفيما يحل بالتحلل الأول والثانى قولان:
أحدهما - وهو الصحيح - أنه يحل بالأول جميع المحظورات الا الوط ء فتحل المباشرة فيما دون الفرج كما جاء فى مغنى المحتاج وبالتحلل الثانى يحل الوط ء.
والقول الثانى: أنه يحل بالأول كل شئ الا الطيب والنكاح والاستمتاع بالنساء (١).
مذهب الحنابلة:
قال صاحب كشاف القناع: التاسع من محرمات الاحرام المباشرة فيما دون الفرج لشهوة بوط ء أو قبلة أو لمس وكذا نظر لشهوة، لأنه وسيلة الى الوط ء المحرم فكان حراما (٢).
وان وطئ دون الفرج فلم ينزل فعليه دم وان أنزل فعليه بدنة وقد فسد حجه، أما اذا لم ينزل فان حجه لا يفسد بذلك، ولا نعلم أحدا قال بفساد حجه، لأنها مباشرة دون الفرج عريت عن الانزال، فلم يفسد بها الحج، كاللمس أو مباشرة لا توجب الاغتسال أشبهت اللمس وعليه شاة.
قال صاحب المغنى: ويدل لنا أنها ملامسة من غير انزال فأشبهت لمس غير الفرج. فاما ان أنزل فعليه بدنة لأنه جماع أوجب الغسل فأوجب بدنة كالوط ء فى الفرج وفى فساد حجه بذلك روايتان.
احداهما: يفسد الحج - واختارها الخرقى، لأنها عبادة يفسدها الوط ء، فأفسدها الانزال عن مباشرة كالصيام.
وثانيتهما: لا يفسد الحج - وهى الصحيحة - لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد فلم يفسد الحج، كما لو لم ينزل، ولأنه لا نص فيه ولا اجماع،
стр. 2453
ولا هو فى معنى المنصوص عليه، لأن الوط ء فى الفرج يجب بنوعه الحد، ولا يفترق فيه الحال بين الانزال وعدمه (١). فان قبل فلم ينزل فعليه دم، وان أنزل فعليه بدنة.
وعن أبى عبد الله رحمه الله تعالى رواية أخرى: وهى أنه ان أنزل فسد حجه.
وجملة ذلك أن حكم القبلة حكم المباشرة دون الفرج سواء، الا أن الخرقى ذكر فى هذه المسألة روايتين فى افساد الحج عند الانزال ولم يذكر فى افساد الحج فى الوط ء دون الفرج الا رواية واحدة، وقد ذكرنا أن فيها أيضا روايتين، وذكرنا الخلاف فيه، لكن نشير الى الفرق توجيها لقول الخرقى فنقول:
انزال بغير وط ء فلم يفسد به الحج كالنظر، ولأن اللذة بالوط ء فوق اللذة بالقبلة، فكانت فوقها فى الواجب، لأن مراتب أحكام الاستمتاع على وفق ما يحصل به اللذة، فالوط ء فى الفرج أبلغ الاستمتاع فأفسد الحج مع الانزال وعدمه والوط ء دون الفرج دونه، فأوجب البدنة، وأفسد الحج عند الانزال، والدم
عند عدم الانزال والقبلة دونهما فتكون دونهما فيما يجب بها فيجب بها بدنة عند الانزال من غير افساد للحج، وتكرار النظر دون الجميع فيجب به الدم عند الانزال ولا يجب عند عدمه شئ (٢).
ومن جمع بين الوط ء دون الفرج والقبلة قال: كلاهما مباشرة فاستوى حكمهما فى الواجب بهما.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه يباح للمحرم أن يقبل امرأته ويباشرها ما لم يولج، لأن الله تعالى ورسوله ﷺ لم ينه إلا عن الرفث، والرفث الجماع فقط، ولما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه قال: يحل للمحرم من امرأته كل شئ الا هذا وأشار باصبعه السبابة بين اصبعين من أصابع يده، يعنى الجماع، ولما روى عن ابن جريج أخبرنى عثمان بن عبد الرحمن أنه قبل امرأته وهو محرم فسألت سعيد بن جبير فقال: ما نعلم فيها شيئا فليستغفر الله .
стр. 2454
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أنه لا يفسد الاحرام الا الوط ء فى أى فرج، ولو مكرها له أو مجنونا قبل التحلل برمى جمرة العقبة (١)، وان وطئ بعد الرمى وقبل الزيارة فعليه بدنة وحجه صحيح.
ومن أمنى بتقبيل أو نحوه كفر اجماعا كالوط ء، والنظر كالتقبيل، ولا شئ فى اللمس والتقبيل لغير شهوة، وفى الايلاج بحائل وجوه والمذهب أنه (٢) يكفر.
وعلى الرجل مؤنة امرأة أكرهها ففعلت، اذ هو كالجانى فتعلق به الغرم ولا غرم عليها كالاثم.
وقيل: بل عليه وان طاوعت كالمهر اذ هو مال موجبه الوط ء (٣).
وكذلك يكرهون له المضاجعة لأنه لا يأمن انضمام الشهوة عند اللمس (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أن من المحظورات على المحرم الاستمتاع
بالنساء، فمن جامع زوجته فى الفرج قبلا أو دبرا عامدا عالما بالتحريم قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بلا خلاف ويلزمه المضى فيه، ويجب عليه الحج من قابل، سواء كانت حجته التى أفسدها فرضا أم نفلا، ويلزمه بدنة عندنا، وكذا لو جامع أمته وهو محرم، لا جماع الفرقة وطريقه الاحتياط، ولما روى عن ابن عمر وابن عباس رضى الله تعالى عنهم قالا: من وطئ قبل التحلل أفسد وعليه ناقة ولا مخالف لهما.
واذا وطئ بعد الوقوف بعرفة وقبل الوقوف بالمشعر فسد حجه، وعليه بدنة، وان وطئ بعد الوقوف بالمشعر قبل التحلل لزمه بدنة ولم يفسد حجه، واذا وطئ فى الفرج بعد التحلل الأول لم يفسد حجه وعليه بدنة (٥).
ولو كانت امرأته محرمة مطاوعة لزمها مثل ذلك، وعليهما أن يفترقا اذا بلغا ذلك المكان حتى يقضيا المناسك اذا حجا على تلك الطريق - ومعنى الافتراق أن لا يخلو الا ومعهما ثالث.
ولو أكره امرأته كان حجها ماضيا وكان عليه كفارتان ولا يتحمل عنها شيئا سوى (٦) الكفارة.
стр. 2455
ولو جامع أمته محلا وهى محرمة باذنه تحمل عنها الكفارة: بدنة أو بقرة أو شاة، وان كان معسرا فشاة أو صيام ثلاثة أيام.
ولو جامع المحرم قبل طواف الزيارة لزمه بدنة، فان عجز فبقرة أو شاة.
ومن جامع فى احرام العمرة قبل السعى فسدت عمرته وعليه بدنة وقضاؤها، والأفضل أن يكون فى الشهر الداخل، وان نظر الى امرأته لم يكن عليه شئ، ولو مسها بشهوة كان عليه شاة ولو لم يمن، ولو قبل امرأته كان عليه شاة، ولو كان بشهوة كان عليه جزور، وكذا لو أمنى عن ملاعبة (١).
مذهب الإباضية:
قال صاحب كتاب شرح النيل: ويمنع المحرم من الوط ء لقول الله «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.﴾. الى آخر الآية» والرفث الجماع وهو قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه.
وقيل الرفث التعريض بالجماع للنساء وذكره بالكناية بين أيديهن أى بحضرتهن.
والرفث يبطل الاحرام سواء كان عمدا أو نسيانا، وسواء كان الاحرام بحج أو عمرة أو بهما، لأنه من جنس الجماع (٢).
ولا يتلذذ المحرم بنظر الى امرأة وان كانت تلك المرأة زوجة أو سرية له، ولا يقبلها ولا يمس ما تحت ثيابها، فان فعل ذبح شاة بمكة وتم حجه الا ان أنزل.
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: يفسد الحج بمقدمات الجماع بلا انزال كالنظر والقبلة والمس كذا قيل عنه.
وفى رواية أنه رجع عن ذلك.
وقال بعض أصحابنا: من مس فرج امرأته أو نظره بشهوة فعليه دم.
قيل: وان غمزها بيده أو فعل ما يلتذ به منها مطلقا ذبح.
قيل: وينبغى أن يتعفف عن كل ما يدعو الى الجماع.
ويكره للمحرم أن يذكر الجماع حتى تستلذ النفس ذكرا كان أو امرأة.
ويكره نوم الرجل مع زوجته أو سريته وتكليمه اياها بخضوع.