وتفسد العمرة المفردة أما غير المفردة فهى تابعة للحج صحة وفسادا.
وكذلك يفسد الحج بالجماع قبل التحلل الأول قبل الوقوف بالاجماع، وبعد الوقوف خلافا لأبى حنيفة، لأنه وط ء صادف احراما صحيحا لم يحصل فيه التحلل الأول فأشبه ما قبل الوقوف.
ولو كان المجامع فى العمرة أو الحج رقيقا أو صبيا مميزا، وذلك للنهى عن الجماع فى الحج بقول الله تعالى:
«فَلا رَفَثَ» ومعناه النهى، أما غير المميز من صبى أو مجنون فلا يفسد بجماعه، وكذا الناسى والجاهل والمكره فان كان الجماع بعد التحلل الأول فان الحج لا يفسد به وكذا العمرة التابعة له، وقيل تفسد.
ويجب بالجماع المفسد لحج أو لعمرة على الرجل بدنة لقضاء الصحابة رضى الله تعالى عنهم بذلك.
أما المرأة فلا فدية عليها على الصحيح سواء كان الواطئ زوجا أو غيره محرما أم حلالا (١).
وللزوج الحلال أو المحرم أن يحلل زوجته من حج أو عمرة تطوع لم يأذن فيه، كما أن له أن يمنعها منه ابتداء، لئلا يتعطل حقه من الاستمتاع، كما
ان له أن يخرجها من صوم النفل، وان أذن لها لم يجز لرضاه بالضرر، ويحرم عليه الاستمتاع على ما مر فى حج الفرض، وكذا له أن يحللها من الفرض بلا اذن فى الأظهر، لأن حقه فى الاستمتاع على الفور والنسك على التراخى.
والرأى الثانى لا يجوز له أن يحللها فى الفرض قياسا على الصلاة والصوم.
وفرق الرأى الأول بين الحج وبين الصلاة والصوم بأن مدة الصلاة والصوم لا تطول، فلا يلحق الزوج كبير ضرر.
وحكم حج النذر فى ذلك حكم حج الاسلام كما فى المجموع (٢).
واذا رمى وحلق وطاف حصل له التحلل الأول والثانى، فيحل له الاستمتاع بزوجته من مباشرة وقبلة وملامسة وجماع فى الفرج.
واذا قلنا أن الحلق نسك حصل له التحلل الأول بفعل اثنين من الثلاثة - الرمى والحلق والطواف - فيحل له الاستمتاع بالمباشرة فيما دون الفرج والقبلة والملامسة فى الأظهر، لأنها من المحرمات التى لا توجب فسادا.
وقيل: أن الأظهر أنه لا تحل المباشرة فيما دون الفرج بالتحلل الأول.
стр. 2452
وان قلنا ان الحلق ليس بنسك حصل له التحلل الأول بفعل واحد من اثنين هما الرمى والطواف.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: اذا دخل وقت. الرمى حصل له التحلل الأول وان لم يرم، كما اذا فات وقت الرمى حصل له التحلل الأول وان لم يرم.
قال صاحب المهذب: والمذهب أن التحلل الأول لا يحل الا بفعل اثنين من ثلاثة - ان قلنا ان الحلق نسك، أو بفعل واحد من اثنين - ان قلنا ان الحلق ليس بنسك، لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها:
أن النبى ﷺ قال:
اذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شئ الا النساء، فعلق التحلل بفعل الرمى.
ثم قال فى المهذب: وفيما يحل بالتحلل الأول والثانى قولان:
أحدهما - وهو الصحيح - أنه يحل بالأول جميع المحظورات الا الوط ء فتحل المباشرة فيما دون الفرج كما جاء فى مغنى المحتاج وبالتحلل الثانى يحل الوط ء.
والقول الثانى: أنه يحل بالأول كل شئ الا الطيب والنكاح والاستمتاع بالنساء (١).
مذهب الحنابلة:
قال صاحب كشاف القناع: التاسع من محرمات الاحرام المباشرة فيما دون الفرج لشهوة بوط ء أو قبلة أو لمس وكذا نظر لشهوة، لأنه وسيلة الى الوط ء المحرم فكان حراما (٢).
وان وطئ دون الفرج فلم ينزل فعليه دم وان أنزل فعليه بدنة وقد فسد حجه، أما اذا لم ينزل فان حجه لا يفسد بذلك، ولا نعلم أحدا قال بفساد حجه، لأنها مباشرة دون الفرج عريت عن الانزال، فلم يفسد بها الحج، كاللمس أو مباشرة لا توجب الاغتسال أشبهت اللمس وعليه شاة.
قال صاحب المغنى: ويدل لنا أنها ملامسة من غير انزال فأشبهت لمس غير الفرج. فاما ان أنزل فعليه بدنة لأنه جماع أوجب الغسل فأوجب بدنة كالوط ء فى الفرج وفى فساد حجه بذلك روايتان.
احداهما: يفسد الحج - واختارها الخرقى، لأنها عبادة يفسدها الوط ء، فأفسدها الانزال عن مباشرة كالصيام.
وثانيتهما: لا يفسد الحج - وهى الصحيحة - لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد فلم يفسد الحج، كما لو لم ينزل، ولأنه لا نص فيه ولا اجماع،
стр. 2453
ولا هو فى معنى المنصوص عليه، لأن الوط ء فى الفرج يجب بنوعه الحد، ولا يفترق فيه الحال بين الانزال وعدمه (١). فان قبل فلم ينزل فعليه دم، وان أنزل فعليه بدنة.
وعن أبى عبد الله رحمه الله تعالى رواية أخرى: وهى أنه ان أنزل فسد حجه.
وجملة ذلك أن حكم القبلة حكم المباشرة دون الفرج سواء، الا أن الخرقى ذكر فى هذه المسألة روايتين فى افساد الحج عند الانزال ولم يذكر فى افساد الحج فى الوط ء دون الفرج الا رواية واحدة، وقد ذكرنا أن فيها أيضا روايتين، وذكرنا الخلاف فيه، لكن نشير الى الفرق توجيها لقول الخرقى فنقول:
انزال بغير وط ء فلم يفسد به الحج كالنظر، ولأن اللذة بالوط ء فوق اللذة بالقبلة، فكانت فوقها فى الواجب، لأن مراتب أحكام الاستمتاع على وفق ما يحصل به اللذة، فالوط ء فى الفرج أبلغ الاستمتاع فأفسد الحج مع الانزال وعدمه والوط ء دون الفرج دونه، فأوجب البدنة، وأفسد الحج عند الانزال، والدم
عند عدم الانزال والقبلة دونهما فتكون دونهما فيما يجب بها فيجب بها بدنة عند الانزال من غير افساد للحج، وتكرار النظر دون الجميع فيجب به الدم عند الانزال ولا يجب عند عدمه شئ (٢).
ومن جمع بين الوط ء دون الفرج والقبلة قال: كلاهما مباشرة فاستوى حكمهما فى الواجب بهما.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه يباح للمحرم أن يقبل امرأته ويباشرها ما لم يولج، لأن الله تعالى ورسوله ﷺ لم ينه إلا عن الرفث، والرفث الجماع فقط، ولما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه قال: يحل للمحرم من امرأته كل شئ الا هذا وأشار باصبعه السبابة بين اصبعين من أصابع يده، يعنى الجماع، ولما روى عن ابن جريج أخبرنى عثمان بن عبد الرحمن أنه قبل امرأته وهو محرم فسألت سعيد بن جبير فقال: ما نعلم فيها شيئا فليستغفر الله .
стр. 2454
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أنه لا يفسد الاحرام الا الوط ء فى أى فرج، ولو مكرها له أو مجنونا قبل التحلل برمى جمرة العقبة (١)، وان وطئ بعد الرمى وقبل الزيارة فعليه بدنة وحجه صحيح.
ومن أمنى بتقبيل أو نحوه كفر اجماعا كالوط ء، والنظر كالتقبيل، ولا شئ فى اللمس والتقبيل لغير شهوة، وفى الايلاج بحائل وجوه والمذهب أنه (٢) يكفر.
وعلى الرجل مؤنة امرأة أكرهها ففعلت، اذ هو كالجانى فتعلق به الغرم ولا غرم عليها كالاثم.
وقيل: بل عليه وان طاوعت كالمهر اذ هو مال موجبه الوط ء (٣).
وكذلك يكرهون له المضاجعة لأنه لا يأمن انضمام الشهوة عند اللمس (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أن من المحظورات على المحرم الاستمتاع
بالنساء، فمن جامع زوجته فى الفرج قبلا أو دبرا عامدا عالما بالتحريم قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بلا خلاف ويلزمه المضى فيه، ويجب عليه الحج من قابل، سواء كانت حجته التى أفسدها فرضا أم نفلا، ويلزمه بدنة عندنا، وكذا لو جامع أمته وهو محرم، لا جماع الفرقة وطريقه الاحتياط، ولما روى عن ابن عمر وابن عباس رضى الله تعالى عنهم قالا: من وطئ قبل التحلل أفسد وعليه ناقة ولا مخالف لهما.
واذا وطئ بعد الوقوف بعرفة وقبل الوقوف بالمشعر فسد حجه، وعليه بدنة، وان وطئ بعد الوقوف بالمشعر قبل التحلل لزمه بدنة ولم يفسد حجه، واذا وطئ فى الفرج بعد التحلل الأول لم يفسد حجه وعليه بدنة (٥).
ولو كانت امرأته محرمة مطاوعة لزمها مثل ذلك، وعليهما أن يفترقا اذا بلغا ذلك المكان حتى يقضيا المناسك اذا حجا على تلك الطريق - ومعنى الافتراق أن لا يخلو الا ومعهما ثالث.
ولو أكره امرأته كان حجها ماضيا وكان عليه كفارتان ولا يتحمل عنها شيئا سوى (٦) الكفارة.
стр. 2455
ولو جامع أمته محلا وهى محرمة باذنه تحمل عنها الكفارة: بدنة أو بقرة أو شاة، وان كان معسرا فشاة أو صيام ثلاثة أيام.
ولو جامع المحرم قبل طواف الزيارة لزمه بدنة، فان عجز فبقرة أو شاة.
ومن جامع فى احرام العمرة قبل السعى فسدت عمرته وعليه بدنة وقضاؤها، والأفضل أن يكون فى الشهر الداخل، وان نظر الى امرأته لم يكن عليه شئ، ولو مسها بشهوة كان عليه شاة ولو لم يمن، ولو قبل امرأته كان عليه شاة، ولو كان بشهوة كان عليه جزور، وكذا لو أمنى عن ملاعبة (١).
مذهب الإباضية:
قال صاحب كتاب شرح النيل: ويمنع المحرم من الوط ء لقول الله «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.﴾. الى آخر الآية» والرفث الجماع وهو قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه.
وقيل الرفث التعريض بالجماع للنساء وذكره بالكناية بين أيديهن أى بحضرتهن.
والرفث يبطل الاحرام سواء كان عمدا أو نسيانا، وسواء كان الاحرام بحج أو عمرة أو بهما، لأنه من جنس الجماع (٢).
ولا يتلذذ المحرم بنظر الى امرأة وان كانت تلك المرأة زوجة أو سرية له، ولا يقبلها ولا يمس ما تحت ثيابها، فان فعل ذبح شاة بمكة وتم حجه الا ان أنزل.
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: يفسد الحج بمقدمات الجماع بلا انزال كالنظر والقبلة والمس كذا قيل عنه.
وفى رواية أنه رجع عن ذلك.
وقال بعض أصحابنا: من مس فرج امرأته أو نظره بشهوة فعليه دم.
قيل: وان غمزها بيده أو فعل ما يلتذ به منها مطلقا ذبح.
قيل: وينبغى أن يتعفف عن كل ما يدعو الى الجماع.
ويكره للمحرم أن يذكر الجماع حتى تستلذ النفس ذكرا كان أو امرأة.
ويكره نوم الرجل مع زوجته أو سريته وتكليمه اياها بخضوع.
стр. 2456
ولا ينبغى لمن لا يملك نفسه اذا استيقظ من نومه أن ينام معها فى خباء واحد، ولزم الدم قيل: بكل ما حرك الذكر اذا فعله على عمد (١).
حكم وحدود استمتاع الرجل
بزوجته المطلقة طلاقا رجعيا
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب بدائع الصنائع أن الرجل اذا طلق امرأته طلاقا رجعيا كره له التقبيل واللمس لغير شهوة اذا لم يرد به المراجعة، وكذا يكره له أن يراها متجردة لغير شهوة - كذا قال أبو يوسف - لأنه لا يأمن من أن يشته فيصير مراجعا من غير اشهاد وذلك مكروه. وكذا لا يأمن من الاضرار بها، لجواز أن يشته فيصير به مراجعا، وهو لا يريد امساكها فيطلقها، فتطول العدة عليها، فتتضرر، والله عز شأنه نهى عن ذلك فى قوله «وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا»﴾. (٢)
وكذا قال أبو يوسف ان الأحسن اذا دخل عليها أن يتنحنح ويسمعها خفق نعليه، ليس من أجل أنها حرام، ولكن لا يأمن من أن يرى الفرج بشهوة، فيكون رجعة بغير اشهاد.
ولو نظر الى دبرها موضع خروج الغائط بشهوة لم يكن ذلك رجعة كذا ذكر فى الزيادات وهو قول محمد الأخير، وكان يقول أولا انه يكون رجعة، ثم رجع عنه على ما حكى ابراهيم بن رستم، وهو قياس قول أبى حنيفة، لأن ذلك السبيل لا يجرى مجرى الفرج، ألا ترى أن الوط ء فيه لا يوجب الحد عنده، فكان النظر اليه كالنظر الى سائر البدن، ولأن النظر الى الفرج بشهوة انما كان رجعة لكون الوط ء حلالا تقريرا للحل صيانة عن الحرام، والنظر الى هذا المحل عن شهوة مما لا يحتمل الحل بحال، كما أن الفعل فيه لا يحتمل الحل بحال فلا يصلح دليلا على الرجعة.
ولو نظرت هى الى فرجه بشهوة .. قال أبو يوسف: قياس قول أبى حنيفة أن يكون رجعة. وهذا قبيح، ولا يكون رجعة كذا قال أبو يوسف.
والصحيح قياس قول أبى حنيفة، لما ذكرنا فيما اذا جامعته وهو نائم أو مجنون، ولأن النظر حلال لها كالوط ء فيجعل رجعة تقريرا للحل وصيانة عن الحرمة، ولأن النظرين يستويان فى التحريم، ألا ترى أن نظرها الى فرجه كنظره الى فرجها فى التحريم فكذا فى الرجعة.
ولو لمسته لشهوة مختلسة أو كان نائما أو اعترف الزوج أنه كان بشهوة فهو رجعة فى قول أبى حنيفة ومحمد.
стр. 2457
وقال أبو يوسف: ليس هذا برجعة، ولا يجوز أن تثبت الرجعة الا باختيار الزوج حتى قال أبو يوسف: انها اذا لمسته فتركها وهو يقدر على منعها كان ذلك رجعة، لأنه لما مكنها من اللمس فقد حصل ذلك باختياره فصار كأنه لمسها، وكذلك قال أبو يوسف اذا ابتدأت اللمس وهو مطاوع لها أنه يكون رجعة لما قلنا (١).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير والدسوقى عليه أن المطلقة الرجعية - وهى التى يملك مطلقها رجعتها يحرم الاستمتاع بها فى العدة ولو كان بنظر الشعر أو الوجه والكفين بلذة وأما نظر الوجه والكفين بلا لذة فجائز ويحرم الدخول عليها والأكل معها ولو كان معها من يحفظها (٢).
انما يحل الاستمتاع بالمطلقة طلاقا رجعيا فى العدة بوط ء أو مباشرة بشرط أن يكون ناويا بذلك الوط ء رجعتها، لأن الوط ء المباح فى عدة الرجعى هو الوط ء المنوى به الرجعة فلا بد من النية والا كان الوط ء حراما حتى يرتجعها.
وقال ابن وهب أن مجرد الوط ء يعتبر رجعة.
أما المطلقة طلاقا باتا أى بينونة كبرى فانه يحرم الاستمتاع بها فى العدة من
وط ء ومقدماته ولا تحل له قبل أن تنكح زوجا غيره (٣).
ويحرم على المالك فى زمن الاستبراء الاستمتاع بجميع أنواعه من وط ء ومقدماته سواء كانت حاملا أم لا، الا أن يكون الاستبراء من زنا أو غصب أو اشتباه وهى بينة الحمل من سيدها فلا يحرم وطؤها ولا الاستمتاع بها (٤).
مذهب الشافعية:
ذكر صاحب المهذب أنه اذا طلق الزوج زوجته طلاقا رجعيا فلا يجوز له أن يستمتع بها، لأنها معتدة فلا يجوز وطؤها كالمختلعة فان وطئها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها لزمه المهر لأنه وط ء فى ملك قد تشعث فصار كوط ء الشبهة، وان راجعها بعد الوط ء فقد قال فى الرجعة عليه المهر (٥).
وذكر فى موضع آخر أن الطلاق الرجعى يحرم به الاستمتاع كما يحرم بالطلاق البائن (٦).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه يباح لزوج الرجعية أن يطأها ويباح له أن يختلى بها
стр. 2458
والسفر بها، ولها أن تتزين له وتتشرف، لأنها فى حكم الزوجات كما قبل الطلاق.
وتحصل الرجعة بوطئها بلا اشهاد سواء نوى به الرجعة أو لم ينو، لأن الطلاق سبب زوال الملك، وقد انعقد مع الخيار، والوط ء من المالك يمنع زواله كوط ء البائع فى مدة الخيار.
ولا تحصل رجعتها بمباشرتها من القبلة واللمس والنظر الى فرجها بشهوة أو غيرها، ولا بالخلوة بها والحديث معها، لأن ذلك كله ليس فى معنى الوط ء، اذ الوط ء يدل على ارتجاعها دلالة ظاهرة بخلاف ما ذكر (١).
مذهب الظاهرية:
يرى الظاهرية أن الطلاق الرجعى لا يسقط حق الزوج فى الاستمتاع بزوجه ولا يؤثر فى كيفية الاستمتاع.
فقد ذكر ابن حزم (٢) فى المحلى أن المطلقة طلاقا رجعيا هى زوجة الذى طلقها ما لم تنقض عدتها، وعليه فيحل له أن ينظر منها الى ما كان ينظر اليه منها قبل أن يطلقها، ويحل له أن يطأها، وذلك لأنه لم يأت نص يمنع الزوج من شئ من ذلك، وقد سماه الله
جل شأنه بعلا لها، اذ يقول «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ» (٣) فان وطئها لم يكن بذلك مراجعا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهد ويعلمها (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب أن للزوج أن يستمتع بمطلقته طلاقا رجعيا بالوط ء أو مقدماته من تقبيل أو لمس أو نظر، ويعتبر ذلك منه مراجعة لها (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى أنه يجوز النظر الى الزوجة المعتدة بوط ء الشبهة وان حرم وطؤها، وكذا الامة، وذلك لعموم ما دل على جواز الاستمتاع بالزوجة، وعليه كما يجوز النظر يجوز غيره من أنواع الاستمتاع ما عدا الوط ء، فانه لا ريب عندهم فى حرمته (٦).
وجاء فى كتاب الخلاف أن المطلقة الرجعية لا يحرم وطؤها ولا تقبيلها بل هى باقية على الاباحة ومتى وطأها أو قبلها بشهوة كان ذلك رجعة (٧).
стр. 2459
مذهب الإباضية:
روى صاحب شرح النيل أن صاحب المنهاج قال فى مختصر بيان الشرع:
من طلق زوجته ثم جعل يقبلها ويأخذ بيدها، ثم ردها فهى امرأته، وقد أساء فيما صنع.
ولا يجوز للمطلق طلقة واحدة أو اثنتين أن ينظر من مطلقته شيئا مما يحرم على غيره (١).
وفى بعض القول أن من نظر الى فرج مطلقته أو مسها بيده فى العدة لا تحرم عليه.
وقال ابن محبوب: تفسد عليه بذلك أبدا (٢).
وذكر بعض ان للمطلق أن يمس مطلقته بيده فى غير فرجها وينظر ما دونه ويبيتا فى بيت واحد، ويدخل عليها باذن، ويرقدان فى فراش واحد، وتتزين له، واذا خرجت من العدة فهى كغيرها.
وقيل يجوز أن يبيتا فى بيت واحد ما لم تخرج من العدة لا فى فراش واحد.
وقيل: لا يبيتان فى بيت ولا فى فراش.
وان جامع مطلقته رجعيا فى فرجها من فوق بلا ادخال حرمت (٣).
حكم وحدود استمتاع
الرجل بالزوجة المظاهر منها
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى الهندية أنه اذا ظاهر الزوج من زوجته حرم عليه وطؤها، والدواعى الى غاية الكفارة.
ولو ظاهر الزوج من زوجته ثم طلقها طلاقا بائنا ثم تزوجها لا يحل له وطؤها والاستمتاع بها حتى يكفر، وكذا اذا كانت زوجته أمة فظاهر منها ثم اشتراها حتى بطل النكاح بملك اليمين، وكذا لو كانت حرة فارتدت عن الاسلام، ولحقت بدار الحرب فسبيت، ثم اشتراها، وكذا اذا ظاهر منها ثم ارتد عن الاسلام فى قول ابى حنيفة رحمه الله تعالى.
واختلفت الرواية عن ابى يوسف، وكذا اذا طلقها ثلاثا فتزوجت برجل آخر ثم عادت الى الاول فانه لا يحل له أن يطأها بدون تقديم الكفارة عليه، لأن الظهار قد انعقد موجبا حكمه وهو الحرمة، ولو ارتدا معا، ثم أسلما فهما على الظهار فى قول
стр. 2460
أبى حنيفة رحمه الله تعالى. هذا كله فى الظهار المطلق والمؤبد.
أما فى الظهار المؤقت - كما اذا ظاهر منها مدة معلومة كاليوم والشهر والسنة - فانه ان قربها فى تلك المدة تلزمه الكفارة وان لم يقربها حتى مضت المدة سقطت عنه الكفارة وبطل الظهار (١).
وجاء فى بدائع الصنائع: أنه يحرم بالظهار أن يستمتع الرجل من المرأة المظاهر منها بالمباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة والنظر الى فرجها عن شهوة قبل أن يكفر، لقول الله «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا»،﴾ (٢) وأخف ما يقع عليه اسم المس هو اللمس باليد، اذ هو حقيقة لهما جميعا أعنى الجماع واللمس باليد لوجود معنى المس باليد فيهما، ولأن الاستمتاع داع الى الجماع فاذا حرم الجماع حرم الداعى اليه اذ لو لم يحرم لأدى الى التناقض، ولهذا حرم فى الاستبراء وفى الاحرام بخلاف باب الحيض والنفاس، لأن الاستمتاع هناك لا يفضى الى الجماع لوجود المانع وهو الأذى فامتنع عمل الداعى للتعارض
فلا يفضى الى الجماع، ولأن هذه الحرمة انما حصلت بتشبيه امرأته بأمه فكانت قبل انتهائها بالتكفير وحرمة الأم سواء وتلك الحرمة تمنع من الاستمتاع كذا هذه ولأن الظهار كان طلاق القوم فى الجاهلية فنقله الشرع من تحريم المحل الى تحريم الفعل، فكانت حرمة الفعل فى المظاهر منها مع بقاء النكاح كحرمة الفعل فى المطلقة بعد زوال النكاح، وتلك الحرمة تعم البدن كله كذا هذه.
ولا ينبغى للمرأة اذا ظاهر منها زوجها أن تدعه يقربها بالوط ء والاستمتاع حتى يكفر، لأن الاستمتاع بها حرام عليه والتمكين من الحرام حرام.
ويستوى فى هذه الأحكام جميع أنواع الكفارات كلها من الاعتاق والصيام والطعام، أعنى كما أنه لا يباح له وطؤها والاستمتاع بها قبل التحرير والصوم لا يباح له شئ من ذلك قبل الاطعام، وهذا قول عامة العلماء لأنه لو أبيح له الوط ء قبل الاطعام فوطئها، ومن الجائز أنه يقدر على الاعتاق والصيام فى خلال الاطعام فتنتقل كفارته اليه، فتبين أن وطأه كان حراما فيجب صيانته عن الحرام بايجاب تقديم الاطعام احتياطا (٣).
стр. 2461
مذهب المالكية:
قال صاحب الشرح الكبير: للمظاهر الذى لزمه كفارات فى امرأة واحدة المس بوط ء أو غيره بعد اخراج كفارة واحدة على الأرجح، وهو رأى القابسى وأبى عمران وصوبه ابن يونس، لأن الكفارة الواحدة هى اللازمة عن ظهاره بالاصالة والزائد عليها كأنه نذر.
وعلى القول الراجح: لا يجوز لمن لزمه كفارات عن امرأة واحدة أن يمسها حتى يكفر الجميع.
وحرم قبل الكفارة - أى قبل كمالها وأولى قبل الشروع فيها - أن يستمتع بالمظاهر منها بوط ء أو مقدماته، وله أن ينظر الى الوجه والأطراف فقط بلا لذة وهذا قول الأكثر.
ومقابله حرمة الاستمتاع بالوط ء وجواز المقدمات، والأول مذهب ابن القاسم والثانى مذهب سحنون وأصبغ.
وعلى المظاهر منها وجوبا أن تمنعه من الاستمتاع بها قبل الكفارة، لما فى ذلك من الاعانة على المعصية، ووجب عليها أن خافت أن يستمتع بها قهرا ولا تقدر على منعه أن ترفع أمرها الى الحاكم ليمنعه من ذلك (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب أنه اذا وجبت الكفارة فى الظهار - وذلك بامساك المظاهر منها بعد الظهار - فانه يحرم على الزوج أن يطأ زوجته المظاهر منها الى أن يكفر كفارة الظهار، لقول الله ﴿(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾.
الى قوله تعالى. ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)،﴾ (٢) فشرط فى العتق والصوم أن يكونا قبل المسيس، وقسنا عليه الاطعام.
وروى عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبى ﷺ فأخبره فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيت بياض ساقها فى القمر. قال: فاعتزلها حتى تكفر عن يمينك.
واختلف قوله فى المباشرة فيما دون الفرج فقال فى القديم: تحرم المباشرة فيما دون الفرج، لأنه قول يؤثر فى تحريم الوط ء فحرم به ما دونه من المباشرة كالطلاق.
وقال فى الجديد: لا تحرم المباشرة فيما دون الفرج، لأنه وط ء لا يتعلق بتحريمه مال، فلم يجاوزه التحريم كوط ء الحائض (٣).
стр. 2462
مذهب الحنابلة:
ذكر ابن ادريس فى كشاف القناع أنه يحرم على مظاهر ومظاهر منها الوط ء قبل التكفير للآية، ولما روى عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبى ﷺ فأخبره فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيت بياض ساقها فى القمر، قال:
فاعتزلها حتى تكفر عن يمينك.
ويحرم أيضا الاستمتاع منها بما دون الفرج قبل التكفير، لأن ما حرم الوط ء من القول حرم دواعيه، كالطلاق والاحرام.
وتجب الكفارة - أى تثبت فى ذمته بالعود وهو الوط ء فى الفرج لقوله تعالى ﴿(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الآية).
ولا تجب قبل ذلك الا أنها شرط لحل الوط ء فيؤمر بها من أراده ليستحله بها كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حلها وان وطئ المظاهر التى ظاهر منها قبل التكفير أثم مكلف منهما أو من أحدهما، لأنه عصى ربه بمخالفته أمره واستقرت على المظاهر الكفارة ولو كان مجنونا.
وتحريم المظاهر منها باق عليه حتى يكفر لظهاره لقول النبى ﷺ فى الحديث (لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به (١).
مذهب الظاهرية:
اذا ظاهر الرجل من زوجته فلا يحل له أن يستمتع بها بأى صورة من صور الاستمتاع حتى يكفر فقد ذكر صاحب المحلى أنه لا يحل للزوج المظاهر أن يطأ زوجته المظاهر منها ولا أن يمسها بشئ من بدنه فضلا عن أن يطأها حتى يكفر بالعتق أو بالصيام، فان عجز عن الصيام فعليه أن يطعم ستين مسكينا متغايرين شبعهم.
ولا يحرم عليه أن يطأها قبل الاطعام لقول الله ﴿(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)﴾ فشرط الله فى العتق والصيام أن يكون قبل التماس ولم يشترط ذلك فى الكفارة بالاطعام تبيانا لكل شئ (٢).
مذهب الزيدية:
ذكر صاحب التاج المذهب أنه يحرم على الزوج أن يستمتع بزوجه المظاهر منها، ولا ترتفع الحرمة الا بالكفارة أو ما فى حكمها (بانقضاء المدة فى الظهار المؤقت (٣).
стр. 2463
ويحرم على الزوج بالظهار الوط ء والاستمتاع من الزوجة بأى صورة من صور الاستمتاع من تقبيل أو لمس أو نظر لشهوة منه اليها.
أما اذا كان النظر منها اليه فلا يحرم عليها ما لم يؤد نظرها اليه الى نظره اليها لشهوة فلا يجوز حتى يكفر (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن الرجل اذا ظاهر من امرأته حرم عليه أن يطأها حتى يكفر، وانما يحرم الوط ء عليه بالظهار لا عليها، الا أن تكون معاونة له على الاثم فيحرم لذلك، لا للظهار، فلو استدخلته وهو نائم لم يحرم عليها لثبوت الحل لها قبله والأصل بقاؤه.
وأما غير الوط ء من ضروب الاستمتاع فقيل لا يحرم عليه - فى أحد قولين فى المسألة - لظاهر قوله تعالى «قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا» (٢) اذ الظاهر منه الوط ء كما فى قوله تعالى «مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ» (٣) وان كان بحسب اللغة أعم منه حذرا من الاشتراك، هذا اذا كان الظهار مطلقا،
أما اذا كان مشروطا لم يحرم حتى يقع الشرط.
ولو وطئ قبل التكفير عامدا حيث يتحقق التحريم فكفارتان، احداهما للوط ء وأخرى للظهار، وهى الواجبة بالعزم ولا شئ على الناسى، وفى الجاهل وجهان من أنه عامد وعذره فى كثير من نظائره (٤).
مذهب الإباضية:
ذكر صاحب شرح النيل أن المظاهر لا يرى من زوجته أو سريته التى ظاهر منها ظهرا ولا بطنا، ولا يتمتع منها حتى يكفر، ويجوز أن يأكل معها ويرقد معها فى بيت.
وذكر أن أبا معاوية قال: المظاهر يدخل على زوجته المظاهر منها بلا اذن ولا تستتر منه، وينظر الى فرجها وتنظر الى فرجه ولا يمسها حتى يكفر، وقيل: ان للمظاهر أن يجامع زوجه المظاهر منها فى غير الفرج وأن ينظر.
وان جامع فى غير الفرج فدخلت النطفة فيه لم تحرم الا ان تعمد ادخالها (٥).
стр. 2464
حدود الاستمتاع الذى يوجب
الغسل أو الوضوء أو يوجبهما معا
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الاستمتاع الذى يوجب الغسل هو ايلاج الفرج فى الفرج فى السبيل المعتاد سواء أنزل أم لم ينزل لما روى أن الصحابة رضى الله تعالى عنهم لما اختلفوا فى وجوب الغسل بالتقاء الختانين بعد النبى ﷺ ، وكان المهاجرون يوجبون الغسل والانصار لا يوجبونه بعثوا أبا موسى الاشعرى الى عائشة رضى الله تعالى عنها فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل، فعلت أنا ورسول الله ﷺ واغتسلنا. فقد روت قولا وفعلا.
وروى عن على رضى الله تعالى عنه أنه قال فى الاكسال: يوجب الحد أفلا يوجب صاعا من ماء. ولأن ادخال الفرج فى الفرج المعتاد من الانسان سبب لنزول المنى عادة فيقام مقامه احتياطا.
وكذا الايلاج فى السبيل الآخر حكمه حكم الايلاج فى السبيل المعتاد فى وجوب الغسل بدون الانزال: أما على أصل أبى يوسف ومحمد فظاهر لأنه يوجب الحد أفلا يوجب صاعا من ماء.
وأما على أصل أبى حنيفة فانما لم يوجب الحد احتياطا والاحتياط فى وجوب الغسل، ولأن الايلاج فيه سبب لنزول المنى عادة مثل الايلاج فى السبيل المعتاد، والسبب يقوم مقام المسبب خصوصا فى موضع الاحتياط، ولا غسل فيما دون الفرج بدون الانزال (١).
وذكر الكاسانى أن الاستمتاع بالمباشرة الفاحشة من نواقض الوضوء بأن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم ير بللا.
فعند أبى حنيفة وأبى يوسف يكون حدثا استحسانا، وذلك لما روى أن أبا اليسر بائع العسل سأل النبى ﷺ فقال: انى أصبت من امرأتى كل شئ الا الجماع فقال النبى ﷺ : توضأ وصل ركعتين، ولأن المباشرة على الصفة التى ذكرنا لا تخلو عن خروج المذى عادة، الا أنه يحتمل أنه جف لحرارة البدن فلم يقف عليه أو غفل عن نفسه لغلبة الشبق فكانت سببا مفضيا الى الخروج، واقامة السبب مقام المسبب طريقة معهودة فى الشريعة خصوصا فى أمر يحتاط فيه كما يقام المس مقام الوط ء فى حق ثبوت حرمة المصاهرة، بل يقام نفس النكاح مقامه، ويقام نوم المضطجع مقام الحدث ونحو ذلك كذا هنا،
стр. 2465
والقياس أن لا يكون حدثا - وهو قول محمد - لأن السبب انما يقام مقام المسبب فى موضع لا يمكن الوقوف على المسبب من غير حرج، والوقوف على المسبب ها هنا ممكن بلا حرج لأن الحال حال يقظة فيمكن الوقوف على الحقيقة، فلا حاجة الى اقامة السبب مقامها.
وهل تشترط ملاقاة الفرجين - وهى مماستهما؟ - على قول أبى حنيفة وأبى يوسف لا يشترط ذلك فى ظاهر الرواية عنهما.
وشرطه فى النوادر.
وذكر الكرخى ملاقاة الفرجين أيضا.
ولو لمس امرأته بشهوة أو غير شهوة، فرجها أو سائر أعضائها - من غير حائل ولم ينتشر لها لا ينتقض وضوؤه عند علمة العلماء، ولا شك فى أن طهارة الملموسة لا تنتقض عندنا، وذلك لما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها سئلت عن هذه الحادثة فقالت: كان رسول الله ﷺ يقبل بعض نسائه ثم يخرج الى الصلاة ولا يتوضأ، ولأن المس ليس بحدث بنفسه ولا سبب لوجود الحدث غالبا فأشبه مس الرجل الرجل والمرأة والمرأة، ولأن مس أحد الزوجين صاحبه مما يكثر وجوده، فلو جعل حدثا، لوقع الناس فى الحرج.
وأما الآية فقد نقل عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن المراد من اللمس الجماع وهو ترجمان القرآن.
وذكر ابن السكيت فى اصلاح المنطق أن اللمس اذا قرن بالنساء يراد به الوط ء (١). وفى البحث تفصيل كبير ينظر فى مكانه.
مذهب المالكية:
ذكر صاحب الشرح الكبير أن الغسل يجب بخروج المنى من رجل أو أمرأة بلا جماع، بأن نظر أو تفكر أو باشر فالتذ فخرج المنى مقارنا للذة أو بعدها كما لو أمنى فى سرتها أو شفرها.
ويجب الغسل بالوط ء وهو تغييب حشفة بالغ أو قدرها فى فرج أو دبر وان من بهيمة وميت، وندب الغسل للمراهق (٢).
وعد صاحب الشرح الكبير من نواقض الوضوء اللمس من بالغ بحيث يلتذ صاحبه به عادة، ولو كان اللمس لظفر أو شعر، ولو كان اللمس فوق حائل خفيف وذلك اذا قصد لذة أو وجدها، ولا ينقض الوضوء لذة بنظر كانعاظ ما لم يمذ.
стр. 2466
والقبلة على الفم تنقض الوضوء اذا كانت على فم من يلتذ بها عادة، ولا ينقضه لذة بمحرم على الأصح (١).
وفى ذلك تفصيل كثير يرجع اليه فى مكانه.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب أن الاستمتاع الذى يوجب الغسل هو ايلاج الحشفة فى الفرج، لقول النبى ﷺ إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، وان أولج فى فرج امرأة ميتة وجب عليه الغسل وكذا الحكم اذا أولج فى دبر امرأة أو رجل أو بهيمة (٢).
أما ما ينقض الوضوء من ذلك فلمس النساء وهو أن يلمس الرجل بشرة المرأة، أو تلمس المرأة بشرة الرجل بلا حائل بينهما، فينتقض وضوء اللامس منهما لقول الله : «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا» (٣) وفى الملموس قولان.
أظهرهما ينتقض الوضوء.
وان لمس شعرها أو ظفرها لم ينتقض الوضوء، لأنه لا يلتذ به وانما يلتذ بالنظر اليه.
وان لمس ذات رحم محرم ففيه قولان.
وان لمس صغيرة لا تشته أو عجوزا لا تشته ففيه وجهان.
وينتقض الوضوء بمس الفرج ان كان ببطن الكف (٤).
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب كشاف القناع أن من موجبات الغسل تغييب حشفة أصلية أو قدرها ان فقدت بلا حائل فى فرج أصلى، لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه مرفوعا، اذا جلس بين شعبها الاربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، زاد أحمد ومسلم وان لم ينزل.
وفى حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : اذا قعد بين شعبها الاربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل.
أما ما روى عن عثمان وعلى والزبير وطلحة رضى الله تعالى عنهم من أنه لا يجب الغسل الا بالانزال، لقول النبى ﷺ الماء من الماء فمنسوخ بما روى عن أبى بن كعب قال: ان الفتيا التى كانوا يقولون
стр. 2467
الماء من الماء رخص بها رسول الله ﷺ ثم أمر بالاغتسال.
ولا يجب الغسل بوط ء دون الفرج من غير انزال ولا انتقال، لعدم التقاء الختانين، ولا بالتصاق أى تماس ختانيهما من غير ايلاج، لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه السابق ولا بسحاق - وهو اتيان المرأة المرأة بلا انزال لما تقدم (١).
وأما الاستمتاع الذى ينقض الوضوء فهو مس بشرة الذكر بشرة الأنثى لشهوة، لقول الله تعالى «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ»﴾.
وأما كون اللمس لا ينقض الا اذا كان لشهوة فللجمع بين الآية والاخبار، لأنه روى عن عائشة قالت فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدميه وهو فى المسجد وهما منصوبتان.
ونصبهما دليل على أنه كان يصلى، وروى عنها أيضا قالت: كنت أنام بين يدى رسول الله ﷺ ورجلاى فى قبلته فاذا سجد غمزنى فقبضت رجلى. والظاهر أن غمزه رجليها كان من غير حائل، ولأن النبى ﷺ صلى وهو حامل أمامة بنت العاص بن الربيع اذا سجد وضعها واذا قام حملها. والظاهر أنه لا يسلم من مسها، ولأن المس ليس بحدث فى
نفسه، وانما هو داع الى الحدث، فاعتبرت الحالة التى يدعو فيها الى الحدث، وهى حالة الشهوة.
وكذا مس بشرة الانثى بشرة الذكر لشهوة ينقض وضوءها من غير حائل فى الحالتين، لأنه مع الحائل لم يلمس بشرتها أشبه ما لو لمس ثيابها لشهوة، والشهوة لا توجب الوضوء بمجردها كما لو وجدت من غير لمس شئ.
ولا ينتقض وضوء ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة لانه لا نص فيه، وقياسه على اللامس لا يصح لفرط شهوته.
ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر، لأنه لا نص فيه.
ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن ولا المس به، لأنه فى حكم المنفصل (٢).
مذهب الظاهرية:
ذكر صاحب المحلى أن من موجبات الغسل ايلاج الحشفة أو ايلاج مقدارها من الذكر الذاهب الحشفة، والذاهب أكثر من الحشفة فى فرج المرأة الذى هو مخرج الولد منها بحرام أو حلال اذا كان تعمدا، أنزل أو لم ينزل.
стр. 2468
فان كان أحدهما مجنونا أو سكران أو نائما أو مغمى عليه أو مكرها فليس على من هذه صفته منهما الا الوضوء فقط اذا أفاق أو استيقظ الا أن ينزل.
فان عمدت هى أيضا لذلك فكذلك، أنزلت أو لم تنزل، لما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ قال: اذا التقى الختانان وجب الغسل.
وأما كل موضع لا ختان فيه، ولا يمكن فيه الختان فلم يأت نص ولا سنة بايجاب الغسل من الايلاج (١) فيه.
وأما ما يوجب الوضوء من الاستمتاع فهو مس الرجل المرأة والمرأة الرجل بأى عضو مس أحدهما الآخر اذا كان عمدا دون أن يحول بينهما ثوب أو غيره، سواء كانت أمه أو ابنته أو مست ابنها أو أباها، الصغير والكبير سواء، لا معنى للذة فى شئ من ذلك لقول الله ﵎ «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» والملامسة فعل من فاعلين، وبيقين ندرى أن الرجال
والنساء مخاطبون بهذه الآية لا خلاف بين أحد من الأمة فى هذا، لأن أول الآية وآخرها عموم للجميع من الذين آمنوا فصح أن هذا الحكم لازم للرجال اذا لامسوا النساء والنساء اذا لامسن الرجال، ولم يخص الله تعالى امرأة من امرأة، ولا لذة من غير لذة (٢).
وايلاج الذكر فى الفرج يوجب الوضوء كان معه انزال أو لم يكن، لما روى عن ابى بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يصيب من المرأة ثم يكسل (٣) قال: يغسل ما أصابه من المرأة ثم يتوضأ ويصلى فالوضوء لا بد منه مع الغسل (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وحواشيه أن من أسباب الغسل توارى الحشفة - وهو ما فوق الختان من الذكر - فى أى فرج سواء كان قبلا أو دبرا، لآدمى يصلح للجماع أو بهيمة، حى أم ميت. فان ذلك يوجب الغسل على الفاعل والمفعول به، وان لم يقع انزال، هذا اذا كان الايلاج بدون حائل.
стр. 2469
أما ان كان الايلاج مع حائل فان فيه وجوها.
قيل: يجب الغسل لعموم الخبر.
وقيل: الا يوجب كاللمس.
وقيل: يوجب الغسل ان رق الحائل اذ هو كالعدم (١).
والذى يوجب الوضوء من الاستمتاع التقاء الختانين مع توارى الحشفة، لأنه يوجب الغسل، والحدث الأصغر يدخل تحته، وكذا يجب الوضوء بالتقاء الختانين وان لم يحصل توار (٢).
مذهب الإمامية:
ذكر صاحب شرائع الاسلام أن الاستمتاع الذى يوجب الغسل هو الجماع، فان جامع الرجل امرأته فى قبلها والتقى الختانان وجب الغسل، وان كانت الموطوءة ميتة.
وان جامع فى الدبر ولم ينزل وجب الغسل على الأصح (٣).
وأما الاستمتاع الذى يوجب الوضوء فقد جاء فى التنقيح أن ابن الجنيد يقول بأن التقبيل ينقض الوضوء اذا كان عن شهوة، وكذا اذا مس - عن شهوة - باطن فرجه أو باطن فرج غيره محللا كان أم محرما، واستدل على ذلك بموثقة أبى بصير عن أبى عبد الله ﵇ قال: اذا قبل الرجل امرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء - وأنه سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره فقال: نقض وضوؤه.
غير أن صاحب التنقيح تعقب ذلك بقوله:
انها معارضة بغير واحد من الاخبار المعتبرة الدالة على عدم انتقاض الوضوء بالقبلة أو بمس الفرج والذكر (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن العلماء أجمعوا على وجوب الغسل من وط ء وان كان بلا انزال للنطفة، وكان لا يجب الا بالانزال ثم نسخ، واختلف فى الوط ء الذى يجب به الغسل.
فقيل: بالتقاء البابين وقيل بدخوله بين رجليها باجهاد.
وقيل بانزال فما لم يكن الانزال لا يجب ولو بوط ء.
стр. 2470
ورد بأن هذا فى الاحتلام أو كان ثم نسخ، أو انعقد الاجماع على خلافه.
والمرجح وجوبه بالتقاء الختانين ومعنى التقائهما تحاذيهما سواء التصقا حقيقة - ولا يتأتى الجماع الحقيقى الا بهذه الصورة - أو لم يلتصقا بأن كان الذكر أسفل الشق، وصح التقاء الختانين بغيوب الحشفة كلها أو قدرها من مقطوعها ولو كان الداخل من الذكر بحشفته أو قدرها ملفوفا فى شئ خشن أو لين ولا يجب أن بقى بعضها لعدم الالتقاء خلافا لبعضهم (١).
ثم بين الاستمتاع الذى يوجب الوضوء فى قوله وينتقض الوضوء بمس فرج غير الدابة وان كان المص بنسيان - سواء كان نسيان أنه على وضوء أو نسيان أن المس ناقض أو نسيان أن ذلك عورة - اذا كان المس بباطن الكف بلا ساتر.
وفى النقض بغير اليد وبظاهرها خلاف - وسواء كان ذلك الغير زوجة أو سرية (٢).
أما هما - أى الزوجة والسرية فلا ينتقض وضوؤهما بمس الزوج فرجهما، كما لا ينقض وضوءه مسهما فرجه.
وقيل ان تعمد الممسوس أن يمسه الماس انتقض وضوؤه ولو كان زوجا أو سرية فى الفرج وهو الصحيح.
وفى نقض وضوء الزوجين بجماع فى غير الفرج بلا خروج بلل قولان ولو بالذكر والسرية كالزوجة (٣).
حدود الاستمتاع
الذى يوجب الحد والذى يوجب التعزير
مذهب الحنفية:
حد الكاسانى فى البدائع الاستمتاع الذى يوجب الحد بأنه الوط ء الحرام فى قبل المرأة الحية فى حالة الاختيار فى دار العدل ممن التزم أحكام الاسلام العارى عن حقيقة الملك، وعن شبهته، وعن حق الملك، وعن حقيقة النكاح وشبهته، وعن شبهة الاشتباه فى موضع الاشتباه فى الملك والنكاح جميعا.
فلو وطئ الصبى أو المجنون امرأة أجنبية لم يجب على أى واحد منهما الحد، لأن فعلهما لا يوصف بحرمة.
وكذلك الوط ء فى الدبر فى الأنثى لا يوجب الحد عند أبى حنيفة - وان كان حراما - لعدم الوط ء فى القبل، فلم يكن زنا.
стр. 2471
وعند صاحبيه يوجب الحد، لا لأنه زنا، بل لأنه فى معنى الزنا، لمشاركته الزنا فى المعنى المستدعى لوجوب الحد، وهو الوط ء الحرام على وجه التمحض، فكان فى معنى الزنا.
وأما الاستمتاع الذى يوجب التعزير فمنه وط ء المرأة الميتة وكذا وط ء البهيمة، والوط ء فى الدبر من الأنثى عند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وكذا وط ء الحائض والنفساء والصائمة والمحرمة والمجنونة والموطوءة بشبهة والتى ظاهر منها أو آلى منها، ووط ء الجارية المشتركة والمجوسية والمرتدة والمكاتبة والمحرمة برضاع أو صهرية، ولا حد فى شئ من ذلك، لقيام الملك وان كان حراما وعلم بالحرمة (١).
انظر زنا.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير أن من الاستمتاع الذى يوجب الحد أن يطأ مكلف حر أو عبد مسلم فرج آدمى قبلا أو دبرا لا ملك له فيه، لأنه بذلك يكون زانيا، وكذلك اذا وطئ مملوكة له بشراء تعتق عليه بنفس الملك كبنت وأخت، أو وطئ محرمة بصهر مؤبد بنكاح، كمن تزوج امرأة بعد العقد على بنتها، أو كانت زوجة لأبيه أو ابنه، أو وطئ خامسة
علم بتحريمها، أو وطئ مبتوتة له، وان كانت فى عدتها منه بنكاح وأولى بلا نكاح (٢).
أما الاستمتاع الذى يوجب التعزير والأدب فمنه المساحقة - وهى فعل النساء بعضهن ببعض - ووط ء البهيمة، ووط ء من حرم عليه وطؤها لعارض، كحائض ونفساء، ووط ء مملوكة له لا تعتق عليه بنفس الملك، كعمة وخالة، ووط ء معتدة من غيره فى عدتها بنكاح أو ملك، ووط ء بنت بنكاح على أم لم يدخل بها، ففى كل ذلك يؤدب اجتهادا (٣).
مذهب الشافعية:
ذكر صاحب المهذب أنه اذا وطئ رجل من أهل دار الاسلام امرأة محرمة عليه من غير عقد، ولا شبهة عقد، وغير ملك، ولا شبهة ملك، وهو عاقل بالغ مختار عالم بالتحريم وجب عليه الحد، فان كان محصنا وجب عليه الرجم، وان لم يكن محصنا وجب عليه الجلد (٤).
واللواط محرم لقول الله :
«وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٥)»
стр. 2472
فسماه فاحشة، ولأن الله عذب بها قوم لوط بما لم يعذب به أحدا، فدل على تحريمه.
ومشهور المذهب أنه يجب فيه حد الزنا (١).
ومن حرمت مباشرته فى الفرج بحكم الزنا أو اللواط حرمت مباشرته فيما دون الفرج بشهوة، لقول الله «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٢)»، ولأن النبى ﷺ قال: لا يخلون أحدكم بامرأة ليست له بمحرم فان ثالثهما الشيطان، فاذا حرمت الخلوة بها فلأن تحرم المباشرة أولى، لأنها أدعى الى الحرام، فان فعل ذلك لم يجب عليه الحد، وانما يعزر، لأنه معصية ليس فيها حد، ولا كفارة فشرع فيها التعزير.
وقد روى ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ فقال: انى أخذت امرأة فى البستان وأصبت منها كل شئ غير أنى لم أنكحها فاعمل بى ما شئت فقرأ عليه: «أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ (٣)».
ويحرم اتيان البهيمة. وفى ذلك تفصيل كبير يرجع اليه فى موطنه (٤).
مذهب الحنابلة:
حد صاحب كشاف القناع الاستمتاع الذى يوجب الحد بما اجتمع فيه شروط ثلاثة.
أحدها: أن يطأ فى فرج أصلى من آدمى حى، قبلا كان أو دبرا، بذكر أصلى، وأقله تغييب حشفة من فحل، أو خصى، أو قدرها عند عدمها.
وثانيها: أن يكون الزانى مكلفا، فلا حد على صغير ومجنون.
والثالث: انتفاء الشبهة، لقوله ﵊: «ادرءوا الحدود بالشبهات ما (٥) استطعتم» فان كان الوط ء فيما دون الفرج، أو تساحقت امرأتان، أو جامع الخنثى المشكل بذكره ولو فى فرج أصلى، أو جومع الخنثى المشكل فى قبله ولو بذكر أصلى، فلا حد، وعلى كل منهم التعزير، لارتكابهم تلك المعصية، وكذا لو وجد رجل مع امرأة يقبل كل منهما الآخر ولم بعلم أنه وطئها، فلا حد على واحد منهما، لعدم العلم بموجبه، وعليهما التعزير لتلك المعصية (٦)».
стр. 2473
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى تحديد الاستمتاع الذى يوجب الحد بأنه وط ء العاهر من لا يحل له النظر الى مجردها وهو عالم بالتحريم (١)، وأما ما عدا ذلك من السحق واتيان البهيمة وفعل قوم لوط فلا قتل عليه، ولا حد، لأن الله تعالى لم يوجب ذلك ولا رسوله ﷺ ، فحكمه أنه أتى منكرا، فالواجب بأمر رسول الله ﷺ تغيير المنكر باليد، فواجب أن يضرب التعزير الذى حده رسول الله ﷺ فى ذلك لا أكثر (٢).
مذهب الزيدية:
حد صاحب شرح الازهار الاستمتاع الذى يوجب الحد بأنه ايلاج فرج ولو لف عليه خرقة فى فرج حى محرم، فان كان امرأة فهو الزنا الحقيقى، وان كان غير امرأة فهو الذى فى حكم الزنا، سواء كان ذلك الايلاج فى قبل أو دبر بلا شبهة.
أما الاستمتاع بظاهر الفرج فانه لا يوجب حدا بل يوجب تعزيرا.
وكذلك ايلاج أصبع فى فرج أو ايلاج فرج فى غير فرج كالابط والفم.
وايلاج فى زوجة أو أمة على غير الوجه المشروع كما لو أتاهما فى الدبر أو فى الحيض فانه يجب فى كل ذلك التعزير (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن الاستمتاع الذى يوجب الحد هو ايلاج الذكر البالغ فى فرج امرأة قبلا أو دبرا محرمة عليه من غير عقد نكاح بينهما، ولا ملك، ولا شبهة اذا كان الايلاج قدر الحشفة من عالم بالتحريم مختارا، فان كان الاستمتاع بدون ايلاج كالتفخيذ وغيره، أو كان المولج غير بالغ أو غير عاقل، أو كان الايلاج فى غير الفرج - والمراد به ما يشمل القبل والدبر - فانه يجب فى كل ما تقدم التعزير لا الحد (٤).
مذهب الإباضية:
يرى الإباضية على ما جاء فى جوهر النظام أن الاستمتاع الذى يوجب الحد هو - أن يزنى البالغ بامرأة سواء كانت بالغة أو غير بالغة. واختلف فيما اذا زنت البالغة بغير البالغ، فقيل تحد، وقيل لا، هذا اذا كان الزنا من غير حائل، فان كان الزنا من فوق حائل فقيل: يوجب الحد، وقيل لا يوجبه وانما يلزم الصداق ويكون الحائل شبهة.
قال: وان زنى البالغ بالصبية .. كان عليه الحد فى القضية. والخلف فى بالغة
стр. 2474
اذا زنت .. بذى الصبا هل حدها هنا ثبت .. ومن زنى بامرأة من فوق .. ثوب يحد عند أهل الذوق.
وقيل: لا حد عليه فاعلم .. ويلزم الصداق بالتجهم، ومسقط الحد لاجل الشبهة .. بذلك الحائل عند الفعلة (١).
ما يترتب على الاستمتاع
مذهب الحنفية:
يرتب الحنفية على استمتاع الرجل بزوجته أمورا.
من أهمها تأكد المهر للزوجة ووجوب النفقة لها.
أما تأكد المهر للزوجة: فقد ذكر صاحب بدائع الصنائع أن مما يتأكد به المهر الدخول والخلوة، وتأكده بالدخول متفق عليه، لأن المهر قد وجب بالعقد، وصار دينا فى ذمته، ولما كان الدخول استيفاء المعقود عليه تقرر البدل، لأن استيفاء المعقود عليه يقرر البدل (٢)، وتأكد المهر بالخلوة لقول الله «وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى ٣ بَعْضٍ»،﴾ نهى
الزوج عن أخذ شئ مما ساق اليها من المهر عند الطلاق وأبان عن معنى النهى لوجود الخلوة.
كذا قال الفراء ان الافضاء هو الخلوة دخل بها أو لم يدخل - ومأخذ اللفظ دليل على أن المراد منه الخلوة الصحيحة، لأن الافضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض وهو الموضع الذى لا نبات فيه ولا بناء فيه ولا حاجز يمنع عن ادراك ما فيه، فكان المراد منه الخلوة على هذا الوجه، وهى التى لا حائل فيها، ولا مانع من الاستمتاع عملا بمقتضى اللفظ، فظاهر النص يقتضى أن لا يسقط شئ منه بالطلاق، الا أن سقوط النصف بالطلاق قبل الدخول وقبل الخلوة فى نكاح فيه تسمية واقامة المتعة مقام نصف مهر المثل فى نكاح لا تسمية فيه ثبت بدليل آخر، فبقى حال ما بعد الخلوة على ظاهر النص.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: من كشف خمار امرأته ونظر اليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل، وهذا نص فى الباب.
وروى عن زرارة بن أبى أوفى أنه قال قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه اذا أرخى الستور وأغلق الباب فلها الصداق كاملا وعليها العدة دخل بها أو لم يدخل.
وحكى الطحاوى فى هذه المسألة اجماع الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم.
ولأن الزوجة سلمت المبدل الى زوجها،
стр. 2475
فيجب على زوجها تسليم البدل اليها، وذلك لأن تسليم محل المنفعة يقوم مقام تسليم المنفعة اذ المنافع قبل الاستيفاء معدومة - لأن التسليم هو جعل الشئ سالما للمسلم اليه وذلك برفع الموانع وقد وجد، لأن الكلام فى الخلوة الصحيحة وهى عبارة عن التمكن من الانتفاع، ولا يتحقق التمكن الا بعد ارتفاع الموانع كلها فثبت أنه وجد منها تسليم المبدل فيجب على الزوج تسليم البدل (١).
وأما وجوب النفقة:
فقد ذكر صاحب بدائع الصنائع أن الشرط الأول فى وجوب النفقة للزوجة هو أن تسلم المرأة نفسها الى الزوج وقت وجوب التسليم - ونعنى بالتسليم التخلية، وهى أن تخلى بين نفسها وبين زوجها برفع المانع من وطئها أو الاستمتاع بها حقيقة اذا كان المانع من قبلها أو من قبل غير الزوج، فان لم يوجد التسليم على هذا التفسير وقت وجوب التسليم فلا نفقة لها.
وان كانت الزوجة صغيرة يجامع مثلها فهى كالبالغة فى النفقة، لأن المعنى الموجب للنفقة يجمعهما.
وان كانت لا يجامع مثلها فلا نفقة لها عندنا اذ لا يتحقق التسليم فى الصغيرة التى لا يجامع مثلها، لا منها ولا من غيرها، لقيام المانع فى نفسها من الوط ء والاستمتاع، لعدم قبول المحل لذلك، فانعدم شرط وجوب النفقة فلا يجب.
وقال أبو يوسف اذا كانت الصغيرة تخدم الزوج وينتفع الزوج بها بالخدمة فسلمت نفسها اليه، فان شاء ردها وان شاء أمسكها، فان أمسكها فلها النفقة، وان ردها فلا نفقة لها، لأنها اذا لم تحتمل الوط ء لم يوجد التسليم الذى أوجبه العقد، فكان له أن يمتنع من القبول فان أمسكها فلها النفقة، لانه حصل له منها نوع منفعة وضرب من الاستمتاع، وقد رضى بالتسليم القاصر، وان ردها فلا نفقة لها.
وان كان الزوج صغيرا والمرأة كبيرة فلها النفقة لوجود التسليم منها على التفسير الذى ذكرنا، وانما عجز الزوج عن القبض.
ولو كانت المرأة مريضة قبل النقلة مرضا يمنع من الجماع فنقلت وهى مريضة فلها النفقة بعد النقلة وقبلها أيضا. واذا طلبت النفقة فلم ينقلها الزوج وهى لا تمتنع من النقلة لو طالبها الزوج. وان كانت تمتنع فلا نفقة لها كالصحيحة كذا فى ظاهر الرواية، لأن التسليم فى حق التمكين من الوط ء ان لم يوجد فقد وجد فى حق التمكين من الاستمتاع وهذا يكفى لوجوب النفقة كما فى الحائض والنفساء والصائمة صوم رمضان.
وروى عن ابى يوسف رضى الله تعالى عنه أنه لا نفقة لها قبل النقلة، فاذا نقلت وهى مريضة فله ان يردها لأنه
стр. 2476
لم يوجد التسليم اذ هو تخلية وتمكين، ولا يتحقق ذلك مع المانع.
فلا تستحق النفقة كالصغيرة التى لا تحتمل الوط ء.
واذا سلمت نفسها وهى مريضة له أن يردها لأن التسليم الذى أوجبه العقد - وهو التسليم الممكن من الوط ء - لما لم يوجد كان له أن لا يقبل التسليم الذى لم يوجبه العقد.
وان نقلت وهى صحيحة ثم مرضت فى بيت الزوج مرضا لا تستطيع معه الجماع لم تبطل نفقتها بلا خلاف، لأن التسليم المطلق - وهو التسليم الممكن من الوط ء والاستمتاع - قد حصل بالانتقال لأنها كانت صحيحة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير أنه يتقرر جميع الصداق الشرعى المسمى - أو صداق المثل فى التفويض. بوط ء المطيقة من بالغ، وان حرم ذلك الوط ء بسبب الزوج أو الزوجة، أو بسببهما، كما اذا كان الوط ء فى حيض أو نفاس أو صوم أو اعتكاف أو احرام فى قبل أو دبر ولو بكرا،
لأنه قد استوفى سلعتها بالوط ء، فاستحقت جميعه (٢).
واذا استمتع الرجل بالمرأة بشئ دون الوط ء فى النكاح الفاسد، سواء كان متفقا على فساده أو كان مختلفا فيه اذا فسخ أو حصل فيه طلاق اختيارا، فان المرأة تعطى شيئا وجوبا اعتياضا عن التلذذ بها (٣).
وأما النفقة فانها تجب للزوجة فى مقابلة الاستمتاع بها، فلو أسلم زوجان وكان اسلام الزوج أولا وتأخر اسلام الزوجة (اذا كانت وثنية أو مجوسية) فترة فلا نفقة على الزوج فى الفترة التى بين اسلامهما، لأن المانع من جهتها بتأخيرها الاسلام فلم يتمكن من الاستمتاع بها والنفقة فى مقابلة الاستمتاع (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب أن الصداق يستقر بالوط ء فى الفرج لقول الله «وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ»﴾. (٥) وفسر
стр. 2477
الافضاء بالجماع، وهل يستقر الصداق بالوط ء فى الدبر؟ فيه وجهان.
أحدهما يستقر، لأنه موضع يجب بالايلاج فيه الحد فأشبه الفرج.
والثانى لا يستقر، لأن المهر فى مقابلة ما يملك بالعقد، والوط ء فى الدبر غير مملوك فلم يستقر به المهر (١).
واذا وطئ امرأة بشبهة أو نكاح فاسد لزمه المهر (٢). وفى ذلك تفصيل كبير ينظر فى موطنه.
واذا سلمت المرأة نفسها الى زوجها وتمكن من الاستمتاع بها ونقلها الى حيث يريد، وهما من أهل الاستمتاع فى نكاح صحيح وجبت نفقتها على الزوج، لما روى جابر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: اتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وان امتنعت من تسليم نفسها أو مكنت من استمتاع دون استمتاع، أو فى منزل دون منزل، أو بلد دون بلد، لم تجب النفقة، لأنه لم يوجد التمكين.
وان سلمت نفسها الى الزوج وهى صغيرة لا يجامع مثلها ففيه قولان:
أحدهما: تجب النفقة.
والثانى: لا تجب، وهو الصحيح، لانه لم يوجد التمكين التام من الاستمتاع.، وان كانت كبيرة والزوج صغير ففيه قولان:
أحدهما: لا تجب، لأنه لم يوجد التمكين من الاستمتاع.
والثانى: تجب وهو الصحيح، لأن التمكين وجد من جهتها، وانما تعذر الاستيفاء من جهته فوجبت النفقة.
وان سلمت وهى مريضة أو رتقاء أو نحيفة لا يمكن وطؤها أو الزوج مريض أو مجبوب لا يقدر على الوط ء وجبت النفقة، لأنه وجد التمكين من الاستمتاع (٣).
وان سلمت اليه ومكن من الاستمتاع بها فى نكاح فاسد لم تجب النفقة، لأن التمكين لا يصح مع فساد النكاح، ولا يستحق ما فى مقابلته.
وان كان الزوجان كافرين وأسلمت المرأة بعد الدخول ولم يسلم الزوج لم تسقط نفقتها، لأنه تعذر الاستمتاع
стр. 2478
بمعنى من جهته وهو قادر على ازالته فلم تسقط نفقتها.
وقال أبو على بن خيران: فيه قول آخر: أنها تسقط نفقتها لانه امتنع الاستمتاع لمعنى من جهتها فسقطت نفقتها كما لو أحرمت المسلمة من غير أذن الزوج.
والصحيح هو الأول.
وان أسلم الزوج بعد الدخول وهى مجوسية أو وثنية وتخلفت فى الشرك سقطت نفقتها، لأنها منعت الاستمتاع بمعصية فسقطت نفقتها كالناشزة.
وان ارتد الزوج بعد الدخول لم تسقط نفقتها، لأن امتناع الوط ء بسبب من جهته، وهو قادر على ازالته.
وان ارتدت المرأة سقطت نفقتها لانها منعت الاستمتاع بمعصية فسقطت نفقتها.
وان كانت الزوجة أمة فسلمها المولى بالليل والنهار وجبت لها النفقة لوجود التمكين التام وان سلمها بالليل دون النهار ففيه وجهان (١).
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب كشاف القناع أنه يقرر الصداق للزوجة وطؤها فى فرج ولو دبرا
أو فى غير خلوة، لأنه قد وجد استيفاء المقصود فاستقر العوض.
ويقرره أيضا خلوة الزوج بها روى ذلك عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر رضى الله تعالى عنهم.
فقد روى أحمد عنهم أن من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد أوجب المهر ووجبت العدة.
وروى أيضا عن الأحنف عن ابن عمر وعلى، وهذه قضايا اشتهرت، ولم يخالفهم أحد فى عصرهم فكان كالاجماع ولأن التسليم المستحق (وهو التمكين من الاستمتاع) وجد من جهتها فيستقر به البدل.
وأما قوله تعالى «مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ» (٢) فيحتمل أنه كنى بالمسبب عن السبب الذى هو الخلوة بدليل ما ذكرنا.
وأما قوله تعالى «وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ» (٣) فقد حكى عن الفراء أنه قال: الافضاء الخلوة دخل بها أو لم يدخل الى آخر ما تقدم.
ويشترط للخلوة التى تقرر الصداق أن تكون من بالغ ومميز (يريد خلو
стр. 2479
محل الخلوة) ولو كان كافرا أو أعمى، وكذا لو كان الزوج الخالى بزوجته أعمى، أو نائما، مع علمه بأنها عنده ان لم تمنعه الزوجة من وطئها، فان منعته لم يتقرر الصداق، لأنه لم يحصل التمكين.
وانما تكون الخلوة مقررة للصداق ان كان الزوج ممن يطأ مثله وهو ابن عشر - وقد خلا بمن يوطأ مثلها، فان كان دون العشر، أو كانت دون التسع لم يتقرر الصداق، لعدم التمكن من الوط ء.
ويقرر الصداق كاملا - كذلك لمس للزوجة ونظر الى فرجها بشهوة فى اللمس والنظر للفرج، وتقبيلها ولو بحضرة الناس، لأن ذلك نوع استمتاع، ولأنه نال منها شيئا لا يباح لغيره، ولمفهوم قول الله تعالى: «وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ» (١) الآية وحقيقة اللمس التقاء البشرتين.
ولا يتقرر الصداق بالنظر اليها دون فرجها، لأنه ليس منصوصا عليه ولا فى معنى المنصوص عليه.
ولا يقرره أيضا تحملها ماء الزوج من غير خلوة منه بها، ولا وط ء لأنه لا استمتاع منه بها فيه (٢).
واذا بذلت الزوجة تسليم نفسها البذل التام بأن لا تسلم فى مكان دون آخر أو بلد دون آخر: بل بذلت نفسها حيث شاء مما يليق بها، وهى ممن يوطأ مثلها، لزمته النفقة والكسوة، كبيرا كان الزوج أو صغيرا، وسواء كان يمكنه الوط ء أو لا يمكنه كالعنين والمجبوب والمريض.
لأن النفقة تجب فى مقابلة الاستمتاع وقد أمكنته من ذلك كالمؤجر اذا أسلم المؤجرة، فتجب حتى ولو تعذر وطؤها لمرض أو حيض أو نفاس أو رتق أو قرن أو لكونها نضوة الخلق - أى هزيلة - أو حدث بها شئ من ذلك عند الزوج، لأن الاستمتاع ممكن ولا تفريط من جهتها.
ولو بذلت الصحيحة الاستمتاع بما دون الفرج لم تجب نفقتها، لكن لو امتنعت من التسليم وهى صحيحة ثم حدث لها مرض فبذلته فلا نفقة لها ما دامت مريضة عقوبة عليها بمنعها نفسها فى حالة متمكن من الاستمتاع بها فيها وبذلها فى ضدها، فان كان الزوج صغيرا فالنفقة عليه كالكبير، لأن الاستمتاع بها ممكن، وانما تعذر بسبب من جهة الزوج أشبه الكبير اذا هرب، وأجبر وليه على نفقتها من مال الصبى، لأنها عليه، والولى ينوب فى أداء الواجبات كالزكاة وكذا السفيه والمجنون.
وان كانت الزوجة صغيرة لا يمكن وطؤها وزوجها طفل أو بالغ لم تجب
стр. 2480
نفقتها، ولو مع تسليم نفسها، أو بتسليم وليها لها، لأنها ليست محلا للاستمتاع بها فلا أثر لتسليمها.
واذا بذلت نفسها تسليما غير تام كتسليمها فى منزل دون غيره من المنازل، لم تستحق شيئا، الا أن تكون قد اشترطت ذلك فى العقد.
وان سلم الزوجة الأمة لزوجها سيدها ليلا ونهارا فكحرة فى وجوب النفقة على زوجها الحر.
واذا نشزت المرأة فلا نفقة لها، لأنها فى مقابلة التمكين، وقد زال، وكذا لو سافرت بغير اذنه، أو انتقلت من منزله بغير اذنه، أو تطوعت بحج، أو بصوم منعته فيه نفسها، أو أحرمت بحج منذور فى الذمة فلا نفقة لها، لأنها فى معنى المسافرة، ولما فيه من تفويت الاستمتاع الواجب للزوج، فان أحرمت باذنه فقال القاضى لها النفقة.
والصحيح أنها كالمسافرة لأنها باحرامها مانعة له من التمكين.
وكذا لا نفقة لها اذا لم تمكنه من الوط ء أو مكنته منه دون بقية الاستمتاع كالقبلة والمباشرة أو لم تبت معه فى فراشه، لأنها فى كل ذلك لم تسلم نفسها التسليم التام (١).
مذهب الظاهرية:
يرى الظاهرية أن الصداق لا يثبت كاملا للزوجة الا اذا دخل بها الزوج ووطئها فقد ذكر صاحب المحلى أن من طلق قبل أن يدخل بها فلها عليه نصف الصداق الذى سمى لها، وكذا لو دخل بها ولم يطأها طال مقامه معها أو لم يطل لقول الله «وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ» (٢) الآية.
وروى عن ابن عباس أنه قال: لا يجب الصداق وافيا حتى يجامعها.
وروى عن شريح أنه قال: لم أسمع الله ذكر فى كتابه بابا ولا سترا اذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق (٣).
وأما النفقة فلا يرتبها الظاهرية على الاستمتاع وانما على الزوج كسوة الزوجة مذ يعقد النكاح ونفقتها وما تتوطاه وتتغطاه وتفترشه، واسكانها
стр. 2481
كذلك أيضا صغيرة كانت أو كبيرة، ذات أب أو يتيمة، غنية أو فقيرة، دعى إلى البناء أو لم يدع، نشزت أو لم تنشز، حرة كانت أو أمة، بوأت معه بيتا أو لم تبوأ، لما روى عن حكيم بن معاوية القشيرى قال: قلت يا رسول الله:
ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال:
أن تطعمها اذا طعمت، وتكسوها اذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر الا فى بيت (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب أن الزوجة تستحق المهر كاملا بالدخول، والمراد به الوط ء ولو فى الدبر من الصالح للجماع فى الصالحة له، وأقله ما يوجب الغسل فى الثيب، وما يذهب البكارة فى البكر ولو مع مانع شرعى.
وكذلك تستحقه كاملا بالخلوة الصحيحة فى نكاح صحيح، فان كانت فاسدة لم توجب المهر ولو مع الاستمتاع.
وان كانت الخلوة صحيحة فالمذهب أنها توجب كمال المهر، الا أن يخلو بها مع حصول مانع من الوط ء شرعى، كأن تحصل الخلوة فى مسجد، فان الخلوة تكون فاسدة مع علمها
أو الزوج أنه مسجد، أما لو جهلا فالخلوة تكون صحيحة.
وكذا لو خلا بها وهى حائض، أو أحدهما محرم ولو نفلا، أو صائم صوما واجبا غير مرخص، أو حضر معهما غيرهما ممن بلغ الفطنة، واذا كان كبيرا فلا فرق بين أن يكون يقظان أو نائما اذا ظن الزوج أنه يستيقظ أو يخلو بها مع حصول مانع عقلى يقضى العقل بأنه يمنع الوط ء مع حصوله فان الخلوة تكون فاسدة كأن تكون مريضة على صفة لا يمكن تحرك الدواعى اليها أو صغيرة لا تصلح له أو تمنع نفسها وهو غير قادر على اكراهها (٢).
وتجب النفقة على الزوج أو سيده اذا كان عبدا تزوج باذنه أو ولى مال الزوج اذا كان الزوج غير مكلف ولو كان الزوج حملا أو مجنونا، ولو زوج لغير مصلحة. تجب لزوجته من يوم العقد سواء كانت كبيرة ولو شيخة أم صغيرة صالحة للجماع أم لا، دخل بها أم لا حيث لم يطلب ولا امتنعت. سليمة من العيب أم معيبة كالرتق والجنون ونحوهما ولم يفسخ، حرة كانت أو
стр. 2482
أمة وسلمت نفسها مستداما يوما وليلة فما فوق (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن الدخول الذى يوجب المهر تماما هو الوط ء المتحقق بغيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها وضابطه ما أوجب الغسل قبلا كان أو دبرا، لا مجرد الخلوة بالمرأة، وارخاء الستر على وجه ينتفى معه المانع من الوط ء على أصح القولين (٢).
أما النفقة فتجب بالعقد الدائم بشرط التمكين الكامل، وهو إن تخلى بينه وبين نفسها قولا وفعلا فى كل زمان ومكان يسوغ فيه الاستمتاع، فلو بذلت فى زمان دون زمان أو مكان دون مكان كذلك يصلحان للاستمتاع فلا نفقة لها.
وحيث كان مشروطا بالتمكين فلا نفقة للصغيرة التى لم تبلغ سنا يجوز الاستمتاع بها بالجماع على أشهر القولين، لفقد الشرط وهو التمكين من الاستمتاع.
ولا للناشزة الخارجة عن طاعة الزوج ولو بالخروج من بيته بلا اذن.
ومنع لمس بلا عذر، ولا للساكتة بعد العقد ما لم تعرض التمكين عليه (٣).
مذهب الإباضية:
ذكر صاحب شرح النيل أن الزوج أن وطئ زوجته ولو كانت طفلة أو مجنونة أو أمة - مرة سواء كان بمطاوعة منها أو كان قسرا، فى الفرج أو دون الفرج كما فى الديوان - بالغا كان الزوج أو طفلا أو عبدا أو مجنونا فانه يجب الصداق كاملا بالمس الاول والعقد، وان قهرته على مسها لم يلزمه به صداق تام حتى يمسها باختياره (٤).
وتلزم الزوج نفقة زوجته وسكناها وكسوتها ان جلبها أو طلبت للجلب سواء كان الطالب زوجها أو أبوها أو وليها أو هى.
وان مضت لواجب حج لزمته نفقتها وكسوتها فى الرجوع لا فى الذهاب على الصحيح، لان الحج فرض عليها، وليس فى ذهابها اليه حق لزوجها كجماع، لأنها فارقته بالسفر بخلاف الرجوع
стр. 2483
فانه رجوع الى حقوقه بعد الذهاب عنها.
وقيل: تلزمه النفقة فى الذهاب كما أنه عليه ماء تتوضأ به وتغتسل من جنابة أو نفاس أو حيض، وتغسل به نجسا وعليه غسل ثيابها من وسخ، ولأنها قد لزمها الحج ولزم الزوج نفقة زوجته ما بقيت لتحيى وتؤدى حقوق الله وحقوق الخلق، ألا ترى إن حقوقها لازمة فى حيضها ونفاسها وفى نهار رمضان مع أنه ممنوع من جماعها، مع انه لو منعت امرأة زوجها من فرجها وأباحت غيره لأبطلت حقوقها (١).
استمناء
التعريف اللغوى:
جاء فى لسان العرب مادة منى: المنى:
ماء الرجل، يقال: منى الرجل وأمنى من المنى بمعنى واستمناء مصدر من استمنى المزيد بالهمزة والسين والتاء للطلب واستمنى: أى استدعى خروج المنى (٢).
التعريف الشرعى:
عرف الفقهاء الاستمناء بأنه طلب استخراج المنى بشهوة بغير جماع سواء كان بيده أو بيد زوجته أو أمته أو كان بسبب مباشرة أو بسبب تقبيل أو لمس أو ما شابه ذلك، وكما يكون الاستمناء من الرجل فانه يكون من (٣) المرأة.
حكم الاستمناء وما يترتب
عليه من عقوبة
مذهب الحنفية:
اذا كان الاستمناء بيد الانسان نفسه فان الحكم يختلف باختلاف دوافعه، فاذا كان لاستجلاب الشهوة فهو حرام.
جاء فى الزيلعى (٤): أنه لا يحل الاستمناء أن قصد به قضاء الشهوة، وذلك لقول الله
стр. 2484
عز وجل «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» أى الظالمون المتجاوزون، فلم يبح الله الاستمتاع الا بالزوجة والأمة، فيحرم الاستمتاع بالكف.
وقال ابن جريج: سألت عنه عطاء فقال مكروه، سمعت قوما يحشرون وأيديهم حبالى، فأظن أنهم هم هؤلاء.
قال سعيد بن جبير: عذب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم.
وفى الدر المختار (١) نقلا عن الجوهرة أن الاستمناء بالكف يكره تحريما، لحديث: ناكح اليد ملعون.
وفى موضع آخر قال فى الدر: الاستمناء بالكف حرام، لكن ابن عابدين قيد ذلك بما اذا كان الاستمناء لاستجلاب الشهوة وألحق ابن عابدين بذلك ما لو أدخل ذكره بين فخذيه مثلا فأمنى.
وعقوبة الاستمناء بالكف اذا كان لاستجلاب الشهوة هى التعزير وهو آثم بفعله. هذا اذا كان لاستجلاب الشهوة.
أما اذا غلبته الشهوة فقد جاء فى ابن عابدين والدر نقلا عن السراج (٢) أنه اذا
غلبته الشهوة المفرطة الشاغلة للقلب، وأراد تسكينها، وكان أعزب لا زوجة له ولا أمة أو كان له زوجة أو أمة، ولكنه لا يستطيع الوصول اليهما لعذر، ففعل ذلك لتسكين الشهوة، فالرجا أن لا وبال عليه، كما قاله أبو الليث.
وعبارة الفتح ان غلبته الشهوة ففعل ارادة تسكينها، فالرجا أن لا يعاقب، وكذلك الحكم فيمن فعله خوف الزنا كما جاء فى الدر المختار.
لكن ابن عابدين استظهر أن خوف الزنا غير قيد، وقال: انه لو تعين الخلاص من الزنا بالاستمناء وجب لأنه أخف.
وفى البحر الرائق (٣) نقلا عن المحيط: لو أن رجلا عزبا به فرط شهوة له أن يستمنى بعلاج لتسكن شهوته، ولا يكون مأجورا عليه، ليته ينجو رأسا برأس، هكذا روى عن أبى حنيفة.
وفى امداد الفتاح (٤)، قيل يؤجر اذا خاف الشهوة، كذا فى الكفاية عن الواقعات.
стр. 2485
أما الاستمناء عن طريق الزوجة والأمة فقد قال ابن عابدين (١): يجوز أن يستمنى الرجل بيد زوجته وأمته.
وفى الدر نقلا عن الجوهرة: لو مكن امرأته أو أمته من العبث بذكره فأنزل كره ولا شئ عليه.
قال ابن عابدين: الظاهر أنها كراهة تنزيه لأن ذلك بمنزلة ما لو أنزل بتفخيذ أو تبطين، ولا شئ عليه من تعزير وكذا من اثم.
مذهب المالكية:
الاستمناء بالكف حرام عند المالكية قال فى الحطاب (٢) المسائل التى يلزم فيها التعزير:
الخلوة بالأجنبية ووط ء المكاتبة ونحو ذلك من الاستمناء، واتيان البهيمة.
وفى المسائل الملقوطة: يلزم التعزير بالاستمناء.
وقال فى حاشيتى حجازى والأمير (٣):
وأدب بسبب ارتكاب ما لا حد فيه كالاستمناء باليد على قول الجمهور، ولم يفصل المالكية بين ما اذا كان لاستجلاب الشهوة أو لغيرها وهذا بالنسبة للاستمناء باليد.
أما الاستمناء عن طريق الزوجة فقد قال فى الحطاب (٤): هل يجوز للرجل أن يستمنى بيد الزوجة؟ قال ابن غازى: لم نقف على نص فى المذهب، ونص على جوازه فى الاحياء.
ثم قال: واطلاقات المذهب والاحاديث تقتضى جواز ذلك.
وقال الدسوقى فى حاشيته (٥): ويجوز الاستمتاع بيد الزوجة وصدرها وعكن بطنها وذلك بأن يستمنى بما ذكر من الأمور الثلاثة.
وفى حاشيتى حجازى والأمير (٦): يجوز التمتع بدبر الزوجة بغير الايلاج، ولو بوضع الذكر عليه وان أدى الى استمناء لأنه كالاستمناء باليد ونحوه، وقيل بالمنع حينئذ.
مذهب الشافعية:
الاستمناء باليد حرام وفيه التعزير، جاء فى المهذب (٧): ويحرم الاستمناء، لقول الله «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ﴾
стр. 2486
﴿مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» ولأنها مباشرة تفضى الى قطع النسل فحرم كاللواط، فأن فعل عزر ولم يحد، لأنها مباشرة محرمة من غير ايلاج.
فأشبهت مباشرة الأجنبية فيما دون الفرج.
أما الاستمناء عن طريق الزوجة والأمة فهو غير محرم قال فى نهاية المحتاج (١) الاستمناء هو استخراج المنى بغير جماع محرما كان كاخراجه بيده أو غير محرم كاخراجه بيد زوجته أو أمته.
مذهب الحنابلة:
قال فى كشاف القناع (٢): من استمنى بيده خوفا من الزنا أو خوفا على بدنه فلا شئ عليه، قال مجاهد: كانوا يأمرون فتيانهم يستعفوا به، لكن هذا مقيد بما اذا كان لا يقدر على نكاح ولو لأمة، أو كان لا يجد ثمن أمة، لأن فعل ذلك انما يباح للضرورة وهى مندفعة بذلك، والا بأن كان يقدر على نكاح ولو لأمة، أو كان يقدر على ثمن أمة حرم الاستمناء وفيه التعزير، لأنه معصية، ولقوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ .. )﴾ الآية.
وحكم المرأة فى ذلك حكم الرجل فتستعمل شيئا مثل الذكر، ويحتمل المنع وعدم القياس كما ذكره ابن عقيل.
أما الاستمناء عن طريق الزوجة فقد قال فى الكشاف وله أن يستمنى بيد زوجته وجاريته المباحة له لأنه كتقبيلها.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى (٣): لو عرضت المرأة لفرجها شيئا دون أن تدخله حتى تنزل فيكره هذا ولا اثم فيه، وكذلك الاستمناء للرجال سواء سواء، لأن مس الرجل ذكره بشماله مباح ومس المرأة فرجها كذلك مباح باجماع الأمة كلها فاذ هو مباح فليس هنالك زيادة على المباح الا التعمد لنزول المنى، فليس ذلك حراما أصلا لقول الله تعالى ﴿(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)﴾ وليس هذا مما فصل لنا تحريمه، فهو حلال لقول الله تعالى: ﴿(خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)﴾ الا أننا نكرهه، لأنه ليس من مكارم الأخلاق ولا من الفضائل.
وقال الحسن فى الرجل يستمنى يعبث بذكره حتى ينزل، قال: كانوا يفعلونه فى المغازى.
стр. 2487
وعن مجاهد قال: كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء، يستعفون بذلك.
وعن مجاهد عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بالاستمناء.
وعن عمرو بن دينار قال: ما أرى بالاستمناء بأسا.
وبعد أن ساق ابن حزم هذه الاقوال قال: فهؤلاء كبار التابعين الذين لا يكادون يروون الا عن الصحابة رضى الله عنهم.
مذهب الزيدية:
يحرم استنزال المنى بالكف، لأنه معصية ويجب فيه التعزير، وفى الحديث: «أن قوما يحشرون وبطون أيديهم كبطون الحوامل» ولأنه الزنا الخفى لقوله تعالى: «فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ .. ﴾.
الآية (١)».
أما بالنسبة للزوجة فقد قال فى شرح الأزهار: ويجوز الاستمتاع بأى عضو من جسم الزوجة ما عدا باطن الدبر (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: الاستمناء وهو استدعاء اخراج المنى باليد وهو حرام يوجب التعزير بما يراه الحاكم لقول الله تعالى:
«وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الى قوله ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» وهذا الفعل مما وراء ذلك وعن النبى ﷺ أنه لعن الناكح كفه.
ثم قال فى الروضة: وفى معنى اليد:
اخراج المنى بغيرها من جوارحه وغيرها مما عدا الزوجة والمملوكة، وفى تحريمه بيد زوجته ومملوكته المحللة له وجهان.
ومن الوجوه المقتضية للتحريم، هو اخراج المنى وتضييعه بغير الجماع وبه قطع العلامة فى التذكرة.
ومن منع كون ذلك هو المقتضى عدم تناول الآية والخبر له، اذ لم يخص حفظ الفرج فى الزوجة وملك اليمين بالجماع، فيتناول محل النزاع.
وفى تعدى التحريم الى غير أيديهما من بدنهما غير الجماع، احتمال، وأولى بالجواز هنا لو قيل به.
وفى شرائع الاسلام: من استمنى بيده عزر، وتقديره منوط بنظر الامام.
стр. 2488
وفى رواية أن الامام عليا ﵇ ضرب يد المستمنى حتى احمرت، وزوجه من بيت المال (١).
مذهب الإباضية:
الاستمناء حرام عند الإباضية (٢)، واعتبروا من يفعل ذلك باغيا يجب منعه بل وقتاله لأنه معصية كارتكاب الفاحشة.
قال فى شرح النيل: يمنع ويقاتل كل من يرتكب معصية كمريد الفاحشة، وسواء كان ذلك بغيره أو بنفسه مثل أن يدلك ذكر نفسه بيد نفسه تلذذا، أو يحك ذكره بفخذه، ومثل أن يرى امرأة تدخل أصبعها أو عودا أو نحو ذلك فى فرجها، فانه يجوز لمن رأى أحدا يفعل ذلك بنفسه أن يدفعه ان لم ينته بالكلام ويقاتله، لأنه من جنس البغاة.
لكن فى جوهر النظام ما يفيد أنه ان خاف العنت فلا شئ عليه عند بعضهم فقد قال:
قيل لا حد على من عبثا … بفرجه ولو سنين لبثا
وذاك فعل عندنا محجور … على الذى يفعله منكور
وهو الزنا الاصغر فيما قيلا … فلا نرى قط به تحليلا
وقال بعض ان يكن خاف العنت … فلا عليه ان ضرورة عنت
لكننى بذاك لا أقول … مع أنه عن ماهر منقول (٣)
أثر الاستمناء فى العبادات
فى الغسل:
من القواعد المقررة فى جميع المذاهب أن خروج المنى بشهوة بأى وجه كان يوجب الغسل، وحديث النبى ﷺ : «انما الماء من الماء» محمول على خروج المنى بشهوة.
لكن محل البحث هنا فيمن حاول الاستمناء فلما تحركت شهوته وانتقل المنى عن مقره أمسك ذكره حتى سكنت شهوته ثم ترك ذكره فخرج المنى بلا شهوة، فهل يجب عليه الغسل فى هذه الحالة أم لا؟، وهذا محل الخلاف.
مذهب الحنفية:
المعتبر عند أبى حنيفة ومحمد أن الذى يوجب الغسل هو انفصال المنى عن مكانه
стр. 2489
بشهوة، حتى ولو خرج بعد ذلك بغير شهوة.
وعند أبى يوسف يشترط مع ذلك ظهوره بشهوة اعتبارا للخروج بالمزايلة، اذ الغسل يتعلق بهما.
قال فى فتح القدير: لا يجب الغسل اذا انفصل المنى عن مقره بشهوة الا اذا خرج على رأس الذكر باتفاق وانما الخلاف فى أنه هل تشترط مقارنة الشهوة للخروج.
فعند أبى يوسف: نعم.
وعند أبى حنيفة ومحمد: لا.
وتظهر ثمرة الخلاف فيمن استمنى بكفه، فلما انفصل المنى عن مقره بشهوة أخذ احليله حتى سكنت شهوته فأرسل فخرج بلا شهوة، فان الغسل يجب عليه حينئذ عند أبى حنيفة ومحمد.
ولا يجب عليه الغسل عند أبى يوسف.
وفى ابن عابدين: من نظر بشهوة فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته فأنزل وجب الغسل عند أبى حنيفة ومحمد.
ولا يجب عند أبى يوسف.
واذا اغتسل قبل خروج المنى ثم خرج منه بعد الغسل بلا شهوة يعيد عندهما لا (١) عنده.
مذهب المالكية:
قال خليل والدردير فى الشرح الكبير:
يجب غسل ظاهر الجسد بسبب خروج منى من رجل أو امرأة.
ويشترط بروزه عن الفرج فى حق المرأة لا مجرد احساسها بانفصاله عن مقره.
خلافا لسند حيث قال: خروج ماء المرأة ليس بشرط فى جنابتها، لأن عادة منيها ينعكس الى الرحم ليتخلق منه الولد، فاذا أحست بانفصاله من مقره وجب عليها الغسل وان لم يبرز.
ثم قال الدردير: ويكفى انفصاله عن مقره فى حق الرجل بأن يصل الى قصبة الذكر، ولو لم ينفصل عن الذكر بلذة معتادة قارنها الخروج أولا.
وعلق الدسوقى على ذلك فقال هذا غير صحيح، بل المنصوص عليه فى الرجل أنه لا يجب عليه الغسل حتى يبرز المنى من الذكر كما صرح به الأبى فى شرح مسلم، ونقله عنه الحطاب، ومثله فى العارضة لأبن العربى، فالرجل كالمرأة لا يجب عليهما الغسل الا ببروز المنى خارجا، فاذا وصل منى الرجل لأصل الذكر أو لوسطه ولم يخرج بلا مانع له من الخروج بأن انقطع بنفسه فلا يجب عليه الغسل.
ثم قال الدسوقى: وما ذكر الدردير من وجوب الغسل على الرجل بانفصاله عن مقره، لأن الشهوة قد حصلت بانتقاله فهو
стр. 2490
قول ضعيف، لأنه حدث لا تلزم الطهارة منه الا بظهوره كسائر الأحداث، وخلاف سند انما هو فى المرأة، لا فيها وفى (١) الرجل.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: يجب الغسل بخروج المنى بشهوة، وان أحس بانتقال الفرج الى الظاهر.
ومن أحس بنزول منيه فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل عليه (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: يجب الغسل بخروج المنى بشهوة، وان أحس بانتقال المنى فأمسك ذكره فلم يخرج وجب الغسل كخروجه.
وجاء فى المحرر (٣): من أحس بخروج المنى وأمسك ذكره فحبسه، فقد لزمه الغسل.
وعنه لا يلزمه الغسل حتى يخرج.
ثم قال: فان قلنا يجب عليه الغسل ولو لم يخرج. فاغتسل له ثم خرج المنى بعد الغسل أو كان قد اغتسل لمنى خرج بعضه ثم خرجت بقيته، فهل عليه غسل ثان؟ على روايتين.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم يجب الغسل بخروج المنى (٤).
ثم ذكر ابن حزم فى مكان آخر من المحلى أنه كيفما خرجت الجنابة المذكورة - ويعنى بها المنى - بضربة أو علة أو لغير لذة أو لم يشعر به حتى وجده، أو باستنكاح فالغسل واجب فى ذلك، لقول الله تعالى:
«وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا»،﴾ (٥) ولأمر النبى ﷺ اذا فضخ الماء (٦) أن يغتسل وهذا عموم لكل من خرجت منه الجنابة، ولم يستثن الله ولا رسوله ﷺ حالا من حال (٧).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وهامشه: من موجبات الغسل: الامناء وهو انزال المنى بشهوة من رجل أو امرأة، ولكن هل يعتبر