﴿مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» ولأنها مباشرة تفضى الى قطع النسل فحرم كاللواط، فأن فعل عزر ولم يحد، لأنها مباشرة محرمة من غير ايلاج.
فأشبهت مباشرة الأجنبية فيما دون الفرج.
أما الاستمناء عن طريق الزوجة والأمة فهو غير محرم قال فى نهاية المحتاج (١) الاستمناء هو استخراج المنى بغير جماع محرما كان كاخراجه بيده أو غير محرم كاخراجه بيد زوجته أو أمته.
مذهب الحنابلة:
قال فى كشاف القناع (٢): من استمنى بيده خوفا من الزنا أو خوفا على بدنه فلا شئ عليه، قال مجاهد: كانوا يأمرون فتيانهم يستعفوا به، لكن هذا مقيد بما اذا كان لا يقدر على نكاح ولو لأمة، أو كان لا يجد ثمن أمة، لأن فعل ذلك انما يباح للضرورة وهى مندفعة بذلك، والا بأن كان يقدر على نكاح ولو لأمة، أو كان يقدر على ثمن أمة حرم الاستمناء وفيه التعزير، لأنه معصية، ولقوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ .. )﴾ الآية.
وحكم المرأة فى ذلك حكم الرجل فتستعمل شيئا مثل الذكر، ويحتمل المنع وعدم القياس كما ذكره ابن عقيل.
أما الاستمناء عن طريق الزوجة فقد قال فى الكشاف وله أن يستمنى بيد زوجته وجاريته المباحة له لأنه كتقبيلها.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى (٣): لو عرضت المرأة لفرجها شيئا دون أن تدخله حتى تنزل فيكره هذا ولا اثم فيه، وكذلك الاستمناء للرجال سواء سواء، لأن مس الرجل ذكره بشماله مباح ومس المرأة فرجها كذلك مباح باجماع الأمة كلها فاذ هو مباح فليس هنالك زيادة على المباح الا التعمد لنزول المنى، فليس ذلك حراما أصلا لقول الله تعالى ﴿(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)﴾ وليس هذا مما فصل لنا تحريمه، فهو حلال لقول الله تعالى: ﴿(خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)﴾ الا أننا نكرهه، لأنه ليس من مكارم الأخلاق ولا من الفضائل.
وقال الحسن فى الرجل يستمنى يعبث بذكره حتى ينزل، قال: كانوا يفعلونه فى المغازى.
стр. 2487
وعن مجاهد قال: كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء، يستعفون بذلك.
وعن مجاهد عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بالاستمناء.
وعن عمرو بن دينار قال: ما أرى بالاستمناء بأسا.
وبعد أن ساق ابن حزم هذه الاقوال قال: فهؤلاء كبار التابعين الذين لا يكادون يروون الا عن الصحابة رضى الله عنهم.
مذهب الزيدية:
يحرم استنزال المنى بالكف، لأنه معصية ويجب فيه التعزير، وفى الحديث: «أن قوما يحشرون وبطون أيديهم كبطون الحوامل» ولأنه الزنا الخفى لقوله تعالى: «فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ .. ﴾.
الآية (١)».
أما بالنسبة للزوجة فقد قال فى شرح الأزهار: ويجوز الاستمتاع بأى عضو من جسم الزوجة ما عدا باطن الدبر (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: الاستمناء وهو استدعاء اخراج المنى باليد وهو حرام يوجب التعزير بما يراه الحاكم لقول الله تعالى:
«وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الى قوله ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» وهذا الفعل مما وراء ذلك وعن النبى ﷺ أنه لعن الناكح كفه.
ثم قال فى الروضة: وفى معنى اليد:
اخراج المنى بغيرها من جوارحه وغيرها مما عدا الزوجة والمملوكة، وفى تحريمه بيد زوجته ومملوكته المحللة له وجهان.
ومن الوجوه المقتضية للتحريم، هو اخراج المنى وتضييعه بغير الجماع وبه قطع العلامة فى التذكرة.
ومن منع كون ذلك هو المقتضى عدم تناول الآية والخبر له، اذ لم يخص حفظ الفرج فى الزوجة وملك اليمين بالجماع، فيتناول محل النزاع.
وفى تعدى التحريم الى غير أيديهما من بدنهما غير الجماع، احتمال، وأولى بالجواز هنا لو قيل به.
وفى شرائع الاسلام: من استمنى بيده عزر، وتقديره منوط بنظر الامام.
стр. 2488
وفى رواية أن الامام عليا ﵇ ضرب يد المستمنى حتى احمرت، وزوجه من بيت المال (١).
مذهب الإباضية:
الاستمناء حرام عند الإباضية (٢)، واعتبروا من يفعل ذلك باغيا يجب منعه بل وقتاله لأنه معصية كارتكاب الفاحشة.
قال فى شرح النيل: يمنع ويقاتل كل من يرتكب معصية كمريد الفاحشة، وسواء كان ذلك بغيره أو بنفسه مثل أن يدلك ذكر نفسه بيد نفسه تلذذا، أو يحك ذكره بفخذه، ومثل أن يرى امرأة تدخل أصبعها أو عودا أو نحو ذلك فى فرجها، فانه يجوز لمن رأى أحدا يفعل ذلك بنفسه أن يدفعه ان لم ينته بالكلام ويقاتله، لأنه من جنس البغاة.
لكن فى جوهر النظام ما يفيد أنه ان خاف العنت فلا شئ عليه عند بعضهم فقد قال:
قيل لا حد على من عبثا … بفرجه ولو سنين لبثا
وذاك فعل عندنا محجور … على الذى يفعله منكور
وهو الزنا الاصغر فيما قيلا … فلا نرى قط به تحليلا
وقال بعض ان يكن خاف العنت … فلا عليه ان ضرورة عنت
لكننى بذاك لا أقول … مع أنه عن ماهر منقول (٣)
أثر الاستمناء فى العبادات
فى الغسل:
من القواعد المقررة فى جميع المذاهب أن خروج المنى بشهوة بأى وجه كان يوجب الغسل، وحديث النبى ﷺ : «انما الماء من الماء» محمول على خروج المنى بشهوة.
لكن محل البحث هنا فيمن حاول الاستمناء فلما تحركت شهوته وانتقل المنى عن مقره أمسك ذكره حتى سكنت شهوته ثم ترك ذكره فخرج المنى بلا شهوة، فهل يجب عليه الغسل فى هذه الحالة أم لا؟، وهذا محل الخلاف.
مذهب الحنفية:
المعتبر عند أبى حنيفة ومحمد أن الذى يوجب الغسل هو انفصال المنى عن مكانه
стр. 2489
بشهوة، حتى ولو خرج بعد ذلك بغير شهوة.
وعند أبى يوسف يشترط مع ذلك ظهوره بشهوة اعتبارا للخروج بالمزايلة، اذ الغسل يتعلق بهما.
قال فى فتح القدير: لا يجب الغسل اذا انفصل المنى عن مقره بشهوة الا اذا خرج على رأس الذكر باتفاق وانما الخلاف فى أنه هل تشترط مقارنة الشهوة للخروج.
فعند أبى يوسف: نعم.
وعند أبى حنيفة ومحمد: لا.
وتظهر ثمرة الخلاف فيمن استمنى بكفه، فلما انفصل المنى عن مقره بشهوة أخذ احليله حتى سكنت شهوته فأرسل فخرج بلا شهوة، فان الغسل يجب عليه حينئذ عند أبى حنيفة ومحمد.
ولا يجب عليه الغسل عند أبى يوسف.
وفى ابن عابدين: من نظر بشهوة فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته فأنزل وجب الغسل عند أبى حنيفة ومحمد.
ولا يجب عند أبى يوسف.
واذا اغتسل قبل خروج المنى ثم خرج منه بعد الغسل بلا شهوة يعيد عندهما لا (١) عنده.
مذهب المالكية:
قال خليل والدردير فى الشرح الكبير:
يجب غسل ظاهر الجسد بسبب خروج منى من رجل أو امرأة.
ويشترط بروزه عن الفرج فى حق المرأة لا مجرد احساسها بانفصاله عن مقره.
خلافا لسند حيث قال: خروج ماء المرأة ليس بشرط فى جنابتها، لأن عادة منيها ينعكس الى الرحم ليتخلق منه الولد، فاذا أحست بانفصاله من مقره وجب عليها الغسل وان لم يبرز.
ثم قال الدردير: ويكفى انفصاله عن مقره فى حق الرجل بأن يصل الى قصبة الذكر، ولو لم ينفصل عن الذكر بلذة معتادة قارنها الخروج أولا.
وعلق الدسوقى على ذلك فقال هذا غير صحيح، بل المنصوص عليه فى الرجل أنه لا يجب عليه الغسل حتى يبرز المنى من الذكر كما صرح به الأبى فى شرح مسلم، ونقله عنه الحطاب، ومثله فى العارضة لأبن العربى، فالرجل كالمرأة لا يجب عليهما الغسل الا ببروز المنى خارجا، فاذا وصل منى الرجل لأصل الذكر أو لوسطه ولم يخرج بلا مانع له من الخروج بأن انقطع بنفسه فلا يجب عليه الغسل.
ثم قال الدسوقى: وما ذكر الدردير من وجوب الغسل على الرجل بانفصاله عن مقره، لأن الشهوة قد حصلت بانتقاله فهو
стр. 2490
قول ضعيف، لأنه حدث لا تلزم الطهارة منه الا بظهوره كسائر الأحداث، وخلاف سند انما هو فى المرأة، لا فيها وفى (١) الرجل.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: يجب الغسل بخروج المنى بشهوة، وان أحس بانتقال الفرج الى الظاهر.
ومن أحس بنزول منيه فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل عليه (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: يجب الغسل بخروج المنى بشهوة، وان أحس بانتقال المنى فأمسك ذكره فلم يخرج وجب الغسل كخروجه.
وجاء فى المحرر (٣): من أحس بخروج المنى وأمسك ذكره فحبسه، فقد لزمه الغسل.
وعنه لا يلزمه الغسل حتى يخرج.
ثم قال: فان قلنا يجب عليه الغسل ولو لم يخرج. فاغتسل له ثم خرج المنى بعد الغسل أو كان قد اغتسل لمنى خرج بعضه ثم خرجت بقيته، فهل عليه غسل ثان؟ على روايتين.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم يجب الغسل بخروج المنى (٤).
ثم ذكر ابن حزم فى مكان آخر من المحلى أنه كيفما خرجت الجنابة المذكورة - ويعنى بها المنى - بضربة أو علة أو لغير لذة أو لم يشعر به حتى وجده، أو باستنكاح فالغسل واجب فى ذلك، لقول الله تعالى:
«وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا»،﴾ (٥) ولأمر النبى ﷺ اذا فضخ الماء (٦) أن يغتسل وهذا عموم لكل من خرجت منه الجنابة، ولم يستثن الله ولا رسوله ﷺ حالا من حال (٧).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وهامشه: من موجبات الغسل: الامناء وهو انزال المنى بشهوة من رجل أو امرأة، ولكن هل يعتبر
стр. 2491
خروج المنى الى خارج الاحليل أو يكفى نزوله الى القضيب.
قيل ان العبرة بنزوله الى القضيب فيجب الغسل بانتقاله.
وظاهر كلام المذاكرين أن العبرة بظهوره الى موضع التطهير وهو المعتمد.
ثم قال: ولا يشترط اقتران خروج المنى والشهوة عندنا (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: يجب الغسل بخروج (٢) المنى.
وجاء فى مفتاح الكرامة أن الجنابة من موجبات الغسل.
والجنابة تحصل للرجل وللمرأة بانزال المنى مطلقا كيفما خرج المنى نوما أو يقظة بشهوة أو بغير شهوة، بدفق أو لا، باجماع علمائنا.
فان اشتبه اعتبر بالدفق والشهوة، وتكفى الشهوة فى المريض، فان تجرد عنهما لم يجب الغسل الا مع العلم بأنه منى كما اذا أحس بانتقال المنى فأمسك نفسه ثم خرج بعده بغير شهوة ولا فتور. فانه يجب الغسل (٣).
مذهب الإباضية:
قال فى شرح النيل: هل موجب الغسل خروج المنى من الذكر وان بتشه أو تذكر أو نظر، أو موجب الغسل لذة المنى ولو لم يخرج؟ قولان.
فان انتقل المنى من أصل مجاريه بلذة وجب الغسل عند من قال موجبه اللذة ولو بلا خروج.
ثم ان خرج بدون اللذة بعد الغسل ففى اعادة الغسل خلاف.
فمن قال موجبه الخروج أوجب الغسل.
ومن قال موجبه اللذة لم يوجب الغسل.
ثم قال فى شرح النيل: وقد قيل: يلزم الغسل بخروجه عن الذكر واللذة معا، فان لم يكن واحد منهما لم يلزم ثم قال:
والأحوط لزوم الغسل بوجود اللذة ولو لم يخرج (٤).
أثر الاستمناء فى الصوم
مذهب الحنفية:
جاء فى الزيلعى (٥): الاستمناء بالكف لا يفطر الصائم ولا يفسد به الصوم على ما قاله بعضهم.
стр. 2492
وعامتهم على أنه يفسد الصوم.
وفى الشلبى نقلا عن الينابيع: أن المختار هو قول العامة وهو أن الاستمناء يفسد الصوم.
وفى الاختيار (١): لو استمنى بكفه أفطر لوجود الجماع معنى ولا كفارة لعدم الصورة.
ولو قبل أو لمس أو جامع فيما دون السبيلين فأنزل فقد أفطر وعليه القضاء لا غير، لأنه قضاء احدى الشهوتين وهو ينافى الصوم ولا تجب الكفارة لتمكن النقصان فى قضاء الشهوة والاحتياط فى الصوم والايجاب لكونه عبادة، وفى الكفارات الدرء لانها من الحدود.
مذهب المالكية:
تعمد اخراج المنى يفطر الصائم ويفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة، قال فى الشرح الكبير (٢): تجب الكفارة على من تعمد اخراج منى بتقبيل أو مباشرة، وبفكر ونظر مستديمين اذا كانت عادته الانزال ولو فى بعض الأحيان فان كانت عادته عدم الانزال مع استدامة النظر والفكر ولكنه خالف عادته وأنزل فقولان فى لزوم الكفارة وعدمها.
واختار اللخمى عدم لزوم الكفارة.
وفى المدونة (٣): قلت أرأيت أن لامس رجل امرأته فى رمضان فأنزل، أيكون عليه القضاء والكفارة؟، قال: نعم عليه القضاء والكفارة عند مالك قلت: وان هى لامسته عالجت ذكره بيدها حتى أنزل، أيكون عليه القضاء والكفارة فى قول مالك قال نعم عليه القضاء والكفارة عند مالك اذا أمكنها من ذلك حتى أنزل.
مذهب الشافعية:
قال فى المجموع شرح المهذب (٤): ان استمنى فأنزل بطل صومه، لأنه انزال عن مباشرة فهو كالانزال عن القبلة ولان الاستمناء كالمباشرة فيما دون الفرج من الأجنبية فى الاثم والتعزير فكذلك فى الافطار، وهذا بلا خلاف عندنا، ومحل ذلك كما فى نهاية المحتاج حيث كان عامدا مختارا (٥).
أما بالنسبة للكفارة فقد قال (٦): ولا كفارة على مفسد غير رمضان أو مفسد رمضان
стр. 2493
بغير الجماع كالأكل والشرب والاستمناء باليد أو بالمباشرة فيما دون الفرج المفضية الى الانزال، لأن النص ورد فى الجماع وهذه الأشياء ليست فى معنى الجماع وهذا هو المذهب والمنصوص، وبه قطع الجمهور.
وحكى الرافعى وجها عن أبى خلف الطبرى من أصحابنا من تلامذة القفال المروزى: أنه تجب الكفارة بكل ما يأثم بالافطار به.
وقال الزهرى والأوزاعى والثورى واسحق تجب الكفارة.
ولو حك ذكره لعارض ولم يقصد الاستمناء فأنزل فلا كفارة، وفى بطلان الصوم وجهان.
أصحهما أن الصوم لا يبطل ولا يفطر به الصائم، لأنه متولد عن مباشرة مباحة.
مذهب الحنابلة:
يفسد الصوم بانزال المنى، سواء كان بيده، أو بمباشرة فيما دون الفرج، أو بتقبيل، أو لمس، أو تكرار نظر، لكن محل فساد الصوم بذلك اذا كان الصائم فعل ذلك عامدا أى قاصدا الفعل، ولو جهل التحريم وحال كونه ذاكرا لصومه فان فعل ذلك ناسيا أو مكرها لم يفسد الصوم، واذا فسد الصوم فقد وجب عليه القضاء فقط دون الكفارة (١).
مذهب الظاهرية:
الاستمناء لا يفسد الصوم ولا يفطر به الصائم فقد قال ابن حزم الظاهرى:
ولا ينقض الصوم حجامة ولا احتلام ولا استمناء.
ثم قال: أما الاستمناء فانه لم يأت نص بأنه ينقض الصوم وسواء تعمد ذلك أم لا (٢)
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار: يفسد الصوم الامناء أى انزال المنى لشهوة ولم يكن بجماع فى يقظة، لا ان أمنى من غير شهوة ولا خلاف فى أن الامناء مفسد اذا كان بسبب مباشرة أو مماسة كتقبيل ولمس.
واختلف فيما اذا وقع لاجل النظر لشهوة أو لأجل فكر.
стр. 2494
والمذهب أنه يفسد الصوم أيضا ويجب القضاء ويندب له كفارة (١).
مذهب الإمامية:
الاستمناء باليد أو باللمس يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة وذلك اذا وقع عمدا. (٢)
ومن أفطر فى رمضان أى أفسد صومه بالاستمناء فعليه ثلاث كفارات كما فى الروضة البهية (٣).
مذهب الإباضية:
المتعمد لانزال النطفة سواء بتحريك العورة باليد أو بغير اليد أو بمس الذكر الى جسد أو ثوب، أو بادامة النظر أو الفكر ينهدم صومه وتلزمه الكفارة المغلظة.
وقيل: لا مغلظة عليه.
وجاء فى موضع آخر من شرح النيل:
من أمنى بيده فى رمضان يلزمه ما يلزم
من زنى، ومن انعظ ذكره حتى أمنى لا بمس وان بكيد بل خطر له فى قلبه أمر الجماع أبدل يومه وقيل: لا ان لم يعالجه.
ثم قال: ولا نقض للصوم بانزال بلا عمد.
وقيل: يعيد يومه، والصحيح أنه لا اعادة.
ثم قال ويفسد الصوم على مدخلة بفرجها كعود أو اصبع ان التذت به ولزمتها مغلظة.
وقيل لا تلزمها مغلظة، بل ينهدم ما صامت فقط،.
والصحيح أنها ان أمنت لزمتها المغلظة وقضاء يومها وما مضى والا فيومها فقط (٤).
أثر الاستمناء فى الاعتكاف
مذهب الحنفية:
من أنزل بسبب قبلة أو لمس أو جماع فيما دون الفرج بطل اعتكافه لانه فى معنى الجماع المحرم فى الاعتكاف
стр. 2495
وسواء فعل ذلك عامدا أو ناسيا، لأن حالة الاعتكاف مذكرة، فلا يعذر بالنسيان كالحج بخلاف الصوم وان فعل ذلك ولم ينزل لم يفسد اعتكافه، لأنه ليس فى معنى الجماع، وكذلك لو أمنى بالتفكر أو بالنظر لا يفسد اعتكافه (١).
مذهب المالكية:
مقدمات الجماع تفسد الاعتكاف عند المالكية وسواء فى ذلك العمد أو السهو وسواء أنزل (٢) أو لم ينزل، ويفهم من ذلك ان الاستمناء يفسد الاعتكاف كذلك.
مذهب الشافعية:
ان أنزل المعتكف بسبب مباشرة بشهوة فيما دون الفرج كلمس وقبلة بطل اعتكافه وان لم ينزل لم يبطل والاستمناء باليد كالمباشرة فى الحكم، أما اذا أنزل بنظر أو تفكر فلا يبطل اعتكافه (٣).
مذهب الحنابلة:
يفسد الاعتكاف بالانزال بسبب مباشرة فيما دون الفرج، وكذا بالانزال بسبب قبلة لشهوة، فان لم ينزل فلا افساد (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم: ولا يبطل الاعتكاف شئ الا خروجه عن المسجد لغير حاجة عامدا ذاكرا ومباشرة المرأة فى غير الترجيل وتعمد معصية الله تعالى أى معصية كانت ومما تقدم لابن حزم فى حكم الاستمناء وأنه ليس بمعصية يؤخذ منه أنه لا يبطل الاعتكاف (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: الامناء يفسد الاعتكاف سواء وقع فى النهار أم فى الليل اذا كان معتكفا بالليل مع النهار، فأما حيث يعتكف نهارا فقط فلا يفسده ذلك اذا حدث بالليل (٦).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية يحرم على المعتكف نهارا ما يحرم على الصائم فيحرم عليه الجماع واللمس والتقبيل ويفسده ما يفسد الصوم، وقد مر فى الصوم ان الامناء يفسده (٧).
стр. 2496
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: ان تعمد المعتكف انزالا فأنزل بأى وجه كان فهو كالمجامع عمدا يلزمه البدل والكفارة المغلظة (١).
أثر الاستمناء فى الحج
مذهب الحنفية:
لا يفسد الحج عند الحنفية بالانزال من غير جماع سواء كان عن قبلة أو لمس بشهوة، وانما يجب عليه شاة، وكذا الجماع فيما دون الفرج.
قال الزيلعى: روى عن هشام أنه لو وطئ فيما دون الفرج لا يفسد حجه وعليه شاة.
قال الشلبى: أراد بالجماع فيما دون الفرج: الاستعمال بين الفخذين، لأنه يحصل فيه قضاء الشهوة.
وقال الكمال: الاستمناء بالكف كجماع البهيمية لا تجب به الكفارة (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير: يحرم على المحرم استدعاء منى فانه يحرم ويفسد به الحج، سواء استدعاه بيد أو قبلة أو ملاعبة أو حضن، بل وان استدعاه
بنظر أو فكر دائم حتى أنزل، وسواء كان عمدا أو جهلا أو نسيانا للاحرام.
ثم قال ومحل فساد الحج باستدعاء المنى ان وقع ذلك قبل الوقوف بعرفة مطلقا سواء فعل شيئا بعد احرامه كالقدوم والسعى أم لا، أو وقع بعده بشرطين: ان وقع قبل طواف الافاضة ورمى عقبة يوم النحر، أو قبله ليلة مزدلفة، والا بأن وقع قبلهما بعد يوم النحر أو بعد أحدهما فى يوم النحر فهدى واجب ولا فساد (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج: وتحرم المباشرة فيما دون الفرج بشهوة قبل التحللين وعليه دم، وكذلك الاستمناء باليد ويجب عليه دم ان أنزل (٤).
وفى المهذب: الاستمناء كالمباشرة فيما دون الفرج، لأنه بمنزلتها فى التحريم والتعزير فكان بمنزلتها فى الكفارة ولا يفسد به الحج (٥).
مذهب الحنابلة:
الانزال من غير جماع لا يفسد الحج ويجب به بدنة.
стр. 2497
قال فى كشاف القناع: ومن لمس لشهوة فأمنى، أو استمنى فأمنى، أو كرر النظر فأمنى فعليه بدنة، وان مذى بذلك فعليه شاة (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: لا يفسد الحج بالامناء بسبب تقبيل أو مباشرة ما لم يولج، لأن الله تعالى لم ينه إلا عن الرفث والرفث: الجماع فقط (٢).
مذهب الزيدية:
قال فى شرح الأزهار: تجب الكفارة فى الامناء وهى بدنة اذا كان الامناء لشهوة فى يقظة وسواء كان عن تقبيل أو لمس ولا يفسد به الحج (٣).
مذهب الإمامية:
قال فى الروضة البهية (٤): من محرمات الاحرام: الاستمناء وهو استدعاء المنى بغير الجماع (٥).
ثم قال: فلو أمنى بالاستمناء فعليه بدنة.
وقيل يفسد به الحج مع تعمده والعلم بتحريمه.
وجاء فى تذكرة الفقهاء (٦): لو استمنى بيده قال الشيخ: حكمه حكم المجامع ان كان قبل الوقوف بالموقفين فسد حجه ووجب عليه بدنة، لأن اسحق بن عمار سأل ابا الحسن ﵇: ما تقول فى محرم عبث بذكره فأمنى؟ قال: أرى عليه مثل ما على من أتى بأهله، لأنه هتك حرمة الاحرام بالانزال على وجه أبلغ من الوط ء، لاقترانه فى القبح، فكان مساويا له فى العقوبة.
وقال ابن ادريس: لا يفسد حجه وتجب به بدنة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: يفسد الاحرام بكل انزال للمنى عمدا بمس أو نظر أو تفكر أو عبث بذكره.
وقيل: لا يفسد بالانزال بغير جماع وعليه الكفارة (٧).
стр. 2498
استنابة
التعريف فى اللغة:
استنابة مصدر فعله استناب، وهو كما جاء فى المعجم الوسيط بمعنى أناب وأناب فلانا عنه فى كذا أقامه مقامه وأناب الى الشئ رجع اليه (١)
التعريف فى الاصطلاح:
لا يكاد يخرج استعمال الفقهاء لكلمة استنابة عن معنى انابة بمعنى اقامة شخص غيره مقامه، بل انهم يعبرون عن هذا المعنى تارة بكلمة استنابة.
وتارة أخرى يعبرون عنه بكلمة انابة.
ومواضع ذلك متعددة فى أبواب الفقه مثل الانابة فى امامة المصلين، والانابة فى عقد النكاح، والانابة فى الشراء والبيع.
والانابة فى القضاء (وأحكام الاستنابة مبينة فى مصطلح انابة: راجع انابة.
استناد
معناه لغة:
استناد مصدر فعله استند يقال استند اليه اذا سند اليه سنودا أى ركن اليه واعتمد عليه واتكأ (٢).
معناه اصطلاحا:
يستعمل الفقهاء كلمة استناد فى الدلالة على اسناد حكم من الأحكام واضافته الى زمن سابق معين، وذلك بسبب تحقق هذا الحكم فيه.
وأحوال الحكم من ناحية هذا النظر أربعة: الاقتصار والانقلاب والاستناد والتبيين.
وقد ذكر ابن نجيم فى الأشباه نقلا عن المستصفى للغزالى أن الأحكام تثبت بطرق أربعة: الاقتصار والانقلاب والاستناد والتبيين.
فأما الاقتصار فيراد به ثبوت الحكم فى الحال، لتحقق علته، أو سببه اذا
стр. 2499
ما توافرت شروط ذلك، كما فى حكم الطلاق يثبت عند قول الزوج لزوجته أنت طالق مقتصرا على وقت صدور هذه العبارة دون أن يتقدم عليها لأن المعلول لا يتقدم علته.
وأما الانقلاب فيراد به ثبوت الحكم بما انقلب فصار علة له بعد أن لم يكن كذلك، ويظهر هذا فى تعليق الطلاق، كما اذا قال زوج لزوجته ان دخلت هذه الدار فأنت طالق، فدخلتها، فانها تطلق بدخولها هذه الدار، لصيرورة ذلك الدخول علة جعلية بجعل الزوج، وذلك بتعليق الطلاق عليه ولم يكن الدخول علة للطلاق ولذا يقع الطلاق عند الدخول مقتصرا على وقته.
وأما الاستناد: فيراد به ثبوت الحكم فى الحال لتحقق علته ولكنه يثبت مستندا ومضافا الى وقت سابق معين تحققت فيه علة ذلك الحكم، وذلك كما فى الملك الثابت بالتضمين لصاحب يد الضمان اذا تلف المال تحت يده فانه بضمانه يملكه ملكا مستندا الى وقت اعتدائه، وذلك كما فى ملك الغاصب ومن فى حكمه لما غصبه من المال أو وضع يده عليه اعتداء بناء على تضمينه قيمته ان كان قيميا، أو مثله ان كان مثليا اذا تلف، سواء أتلف بفعله أم بغير فعله فانه يملكه بتضمينه اياه ملكا مستندا الى وقت الاعتداء بالغصب، أو بوضع اليد اعتداء عند الحنفية.
وبنوا على ذلك أن زيادة العين زيادة متصلة فى المدة بين الاعتداء والتلف تكون ملكا للمعتدى وهو واضع اليد، لأنه بضمانه تملك العين من وقت الاعتداء فكانت الزيادة المتصلة فيها نماء لملكه فيكون ملكا له بناء على ذلك حتى لا يطالب عند تضمينه بعوضها فلو كانت العين عند وضع اليد عليها اعتداء تقوم بأربعين دينارا ونمت بعد ذلك حتى صارت قيمتها عند تلفها خمسين دينارا لم يضمن واضع اليد الا أربعين دينارا فقط أما الفرق فقد تبين أنه قيمة مال مملوك له لأنه يعد نماء لملكه فلا يضمنه.
وأما اذا كانت الزيادة منفصلة كالولد والثمرة وقد حدثت وقت التعدى على العين فلا تعد متولدة من عين مملوكة للمعتدى حتى تكون هى أيضا مملوكة له بل تكون ملكا للمغصوب منه خلافا للحكم فى الزيادة المتصلة فانها ملك للغاصب لأنها نماء مال ملك ملكا مستندا ثبوته الى وقت الغصب بسبب التضمين وثبوته فى ذلك الوقت انما هو بطريق الاستناد اعتبارا لكون ذلك وسيلة الى الزامه بالقيمة وقت الاعتداء حتى لا يغبن مالك العين اذا ما نقصت القيمة عند التلف عما كانت عليه وقت الاعتداء اذ لا يرد اليه حينئذ كل ما أخذ منه بل بعضه، لذلك وجب الالزام بالقيمة وقت الاعتداء، حتى يرد الى المالك كل ما أخذ منه بالاعتداء والزام المعتدى بالعوض استلزم تملكه لما لزمه عوضه حتى يكون ما يدفعه عوضا عما دخل
стр. 2500
فى ملكه وحتى لا يكون البدلان فى ملك شخص واحد هو مالك العين، ولذا وجب أن تعد العين المعوض عنها ملكا للمعتدى نظير ما يدفعه لمالكها من عوض وقد اعتبر هذا الملك مستندا الى وقت التعدى لما ذكرنا من سبب، واذا اعتبر مستندا فان المستند لا يظهر أثره من كل وجه بل يظهر أثره فى وجه ويقتصر فى وجه آخر فيعمل بالاقتصار فى حق الزوائد المنفصلة لانفصالها واستقلالها عن أصلها.
ويعمل بالاستناد فى حق الزوائد المتصلة لأنها كالجزء من أصلها ولا يمكن العمل بالعكس نظرا لانفصال المنفصلة واتصال المتصلة اتصالا وثيقا كما هو ظاهر كالسمن مثلا.
وبناء على ذلك عدت المتصلة نماء لملك المعتدى عملا بالاستناد ولم تعد المنفصلة نماء لملك المعتدى عملا بالاقتصار (١).
ومما فرعوه على ذلك أيضا أن الغاصب اذا باع ما غصبه ثم تلف عند المشترى فضمنه المالك قيمته عند غصبه نفذ بيعه ولزم المشترى ثمنه للغاصب، لأنه تبين بالتضمين والاستناد انه قد باع ما يملك فينفذ لذلك بيعه ولا يكون للمالك بعد تضمين الغاصب مساءلة للمشترى، وانما يكون له أن يضمن المشترى اذا لم يختر تضمين الغاصب، وعندئذ يضمن المشترى قيمته عند تسلمه ويبطل بذلك البيع ويسترد
الثمن ان كان قد دفعه لظهور أن قد تسلم ما ملك (٢). (راجع مصطلح غصب).
ومما فرعوه على ذلك وجوب الزكاة عند وجود النصاب وحولان الحول عليه قد اعتبروا هذا الوجوب على صاحب الملك مستندا الى وقت تملك النصاب.
وفرعوا على ذلك انه اذا عجل زكاته قبل حولان الحول أجزأه ذلك خلافا للشافعى.
وانما يجزئه عند الحنفية لأنه أدى الواجب عليه وقت وجوبه مراعاة للاستناد خلافا للشافعية اذ لا يرون استناد الوجوب.
ويرون كذلك أن الأداء فى هذا الحال أداء لدين قبل وجوبه (٣) (راجع مصطلح زكاة).
وأما التبيين فهو ظهور الحكم فى الحال لظهور ثبوته من قبل مثل أن يقول شخص لزوجته: ان كان فلان فى دارى فأنت طالق ثم يتبين فى اليوم التالى أنه كان موجودا فيها عند صدور هذه العبارة فان الطلاق يقع من وقت التلفظ بها، وتبتدئ العدة من ذلك الوقت، لتبين وجود العلة المستوجبة لحكم الطلاق فيه.
ومن ذلك ما اذا قال شخص لزوجته ان حضت فأنت طالق ثم رأت الدم فانه لا يقضى بطلاقها الا اذا امتد نزول الدم ثلاثة أيام حتى يتبين أنه دم حيض وعند ذلك يتبين أنها طالق منذ ظهر الدم وتبتدى عدتها من ذلك التاريخ وهذا محل اتفاق (٤).
стр. 2501
استنتار
التعريف اللغوى:
جاء فى (١) لسان العرب مادة نتر:
النتر: الجذب بجفاء، نتره ينتره نترا فانتتر واستنتر الرجل من بوله اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء، وفى الحديث: اذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات يعنى بعد البول.
قال الشافعى فى الرجل يستبرئ ذكره اذا بال أن ينتره نترا مرة بعد أخرى كأنه يجتذبه اجتذابا.
وفى النهاية (٢) فى الحديث: ان أحدكم يعذب فى قبره، فيقال انه لم يكن يستنتر عند بوله، قال الاستنتار استفعال من النتر يريد الحرص عليه والاهتمام به.
التعريف الشرعى:
والاستنتار عند الفقهاء يساير التعريف اللغوى فى أنه استخراج بقية البول من الذكر.
حكمه وكيفيته
مذهب الحنفية:
والحنفية يعبرون عنه بالاستبراء، يقصدون استخراج بقية البول من الذكر بأى كيفية.
فقد جاء فى ابن عابدين أن الاستبراء من البول يكون بمشى أو تنحنح أو نوم على شقه الأيسر ويختلف بطباع الناس على الصحيح فمن وقع فى قلبه أنه صار طاهرا جاز أن يستنجى لأن كل أحد أعلم بحاله (٣) أنظر مصطلح استبراء.
مذهب المالكية:
وجاء فى الحطاب للمالكية: وواجب استبراء باستفراغ أخبثيه مع سلت ذكر ونتر خفيف بأن يجعل ذكره بين أصبعيه، ويمر هما من أصله الى الكمرة ونتره أى جذبه سلتا ونترا خفيفين، والنتر بالتاء المثناة الفوقية.
روى ابن المنذر مسندا أنه ﵊ قال: اذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثا ويجعله بين أصبعيه السبابة والابهام
стр. 2502
فيمرهما من أصله الى كمرته والذى يقتضيه كلام غير واحد من المذهب أن النتر واجب (١).
مذهب الشافعية:
وفى المجموع للشافعية: قال: واذا بال تنحنح حتى يخرج ان كان هناك شئ ويمسح ذكره مع مجامع العروق ثم ينتره، والنتر جذب بجفاء كذا قاله أهل اللغة، واستنتر اذا جذب بقية بوله عند الاستنجاء.
قال الأذرعى: قال فى البحر ينتر ذكره قبل الاستنجاء بيده اليسرى ثلاثا وهو أن يضع أصبعه على ابتداء مجرى بوله، وهو من عند حلقة الدبر، ثم يسلت المجرى بتلك الأصبع الى رأس الذكر.
قال والنتر هو الدلك الشديد.
وقيل يمسك الذكر بيده اليسرى ويضع أصبع يده اليمنى على ابتداء المجرى، فاذا انته الى الذكر نتره باليسرى وهذا أمكن حكاه الساجى.
وقال الماوردى والرويانى وغيرهما يستحب أن ينتر ثلاثا مع التنحنح.
والنتر ما ورد به الخبر وهو أن
يمر أصبعا ليخرج بقية ان كانت والمختار أن هذا يختلف باختلاف الناس والمقصود أن يظن أنه لم يبق فى مجرى البول شئ يخاف خروجه فمن الناس من يحصل له هذا المقصود بأدنى عصر ومنهم من يحتاج الى تكراره.
والنتر مستحب فلو تركه فلم ينتر ولم يعصر الذكر واستنجى عقيب انقطاع البول ثم توضأ فاستنجاؤه صحيح ووضوؤه كامل (٢).
مذهب الحنابلة:
وفى كشاف القناع للحنابلة (٣) يستحب مسح ذكره بيده اليسرى من حلقة الدبر الى رأس الذكر ثلاثا ونتره ثلاثا
مذهب الزيدية:
وفى البحر الزخار للزيدية: قال: بعد الفراغ من البول يستنتر بالجذب.
قال فى الشفاء وروى ابن المنذر عن النبى ﷺ «إذا بال
стр. 2503
أحدكم (١) فلينتر ذكره ثلاث مرات ويجعله بين أصبعيه السبابة وابهامه فيمرهما من أصله الى سربه (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى للامامية: النتر هو الجذب بقوة.
وفى صحيح حفص بن البحترى عن أبى عبد الله ﵇ فى الرجل يبول قال ﵇ رجل بال ولم يكن معه ماء قال يعصر أصل ذكره الى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه فان خرج بعد ذلك شئ فليس من البول (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى قناطر الخيرات للإباضية: من آداب قضاء الحاجة أن يستبرئ من البول بالتنحنح والنتر ثلاثا وامرار اليد على أسفل القضيب (٤).
استنثار
تعريفه عند علماء اللغة:
نثر الشئ ينثره بضم الثاء وكسرها - نثرا ونثارا: رماه متفرقا.
واستنثر: استنشق الماء ثم استخرج ذلك بنفس الأنف كانتثر (٥).
تعريفه فى اصطلاح الفقهاء:
اخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه.
كيفية الاستنثار وحكمه
مذهب الحنفية (٦):
السنة فى الوضوء أن يستنثر الماء ثلاثا بعد استنشاقه بماء جديد لكل مرة ويستنثر (٧) باليسرى.
ونقل الكاسانى ما روى عن الحسن ابن على رضى الله عنه - أنه استنثر بيمينه
стр. 2504
فقال له معاوية: جهلت السنة فقال: كيف أجهل؟ والسنة خرجت من بيوتنا. أما علمت أن النبى ﷺ قال: اليمين للوجه واليسار للمقعد (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: الاستنثار هو دفع الماء بنفسه - بفتح الفاء - مع وضع أصبعيه السبابة والابهام من يده اليسرى على أنفه كما يفعل فى امتخاطه (٢).
وهو سنة وقيل مستحب ويندب تثليثه بعد الاستنشاق بماء جديد واستحب بعضهم ادخال أصبعه فى أنفه لاخراج ما فيه من أذى (٣).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: يسن الاستنثار للأمر به فى خبر الصحيحين.
والاستنثار أن يخرج بعد الاستنشاق ما فى أنفه من ماء وأذى بخنصر يده اليسرى (٤).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: الاستنثار: اخراج الماء من أنفه ويستحب أن يستنثر بيسراه لما روى عن عثمان رضى الله عنه أنه استنثر
بيسراه، فعل ذلك ثلاثا وأن رسول الله ﷺ استنثر ثلاث مرات يتمضمض ويستنثر من غرفة واحدة (٥).
والاستنثار واجب فى الوضوء والغسل لأن النبى ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه ماء ثم ليستنثر) متفق عليه (٦).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٧) الاستنثار أن يضع الماء فى أنفه ويجبذه بنفسه ولا بد، ثم ينثره بأصابعه ولا بد مرة فان فعل الثانية والثالثة فحسن.
وحكمه أنه فرض لقوله ﵇ (اذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنث ثلاث مرات).
مذهب الزيدية:
يرى الزيدية أن الاستنثار واجب لحديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر (٨).
стр. 2505
وروى صاحب البحر ان عثمان بن عفان استنثر ثلاثا (١) وأن عليا استنثر ثلاثا فمضمض ونثر من الكف الذى يأخذ فيه (٢) وأن عليا ﵇ دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ثم قال: هذا وضوء رسول الله ﷺ أخرجه النسائى (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة (٤) أن الاستنثار مستحب على حدة.
مذهب الإباضية:
يرى الإباضية أن الاستنثار داخل فى الاستنشاق ولذا عبروا عن ذلك فى الايضاح (٥) بقولهم: الاستنشاق هو جذب الماء بخياشيمه ويجعل ابهامه وسبابته على أنفه ثم ينثر بالنفس لغسل باطن الأنف فأدخل الاستنثار فى الاستنشاق فيكون سنة واحدة وجعل الابهام والسبابة لبيان الأكمل لما روى من طريق ابن عباس رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: للقيط بن صبرة أو لغيره (اذا
توضأت فضع فى أنفك ماء ثم استنثر (٦) وقوله ﷺ (من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر (٧).
استنجاء
تعريفه فى اللغة:
الاستنجاء ازالة النجو عن بدنه بالغسل أو المسح.
وقيل هو من نجوة الشجرة وأنجيتها اذا قطعتها كأنه قطع الأذى عن نفسه.
وقيل: هو من النجوة وهو ما ارتفع من الأرض كأنه يطلبها ليجلس تحته (٨).
تعريفه عند الفقهاء:
ازالة النجاسة الخارجة من محل البول أو الغائط بالماء أو بالأحجار ونحوها.
ويعبر عن الاستنجاء بالأحجار ونحوها بلفظ الاستجمار فهو أخص من الاستنجاء (انظر استجمار).
стр. 2506
حكمه
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: ان الاستنجاء سنة مؤكدة للرجال والنساء من نجس يخرج من السبيلين ما لم يتجاوز المخرج، وان تجاوز وكان قدر الدرهم وجب ازالته بالماء، وان زاد على الدرهم افترض (١)
مذهب المالكية (٢):
مذهب الشافعية (٣):
مذهب الحنابلة (٤):
مذهب الظاهرية (٥):
مذهب الزيدية (٦):
مذهب الإمامية (٧):
مذهب الإباضية (٨):
الاستنجاء واجب فى هذه المذاهب
متى يطلب الاستنجاء ؟
يطلب الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه لكل خارج من سبيل اذا أراد الانسان الصلاة ونحوها (٩).
الترتيب بين الاستنجاء والطهارة
مذهب المالكية:
عند المالكية يستحب تقديم الاستنجاء على الوضوء (١٠).
مذهب الشافعية:
يستنجى قبل أن يتوضأ، فان توضأ ثم استنجى صح الوضوء، وان تيمم ثم استنجى لم يصح التيمم، وهذا هو المنصوص عليه فى الأم، ووجهه أن التيمم لا يرفع الحدث وانما تستباح به الصلاة من نجاسة النجو فلا تستباح مع بقاء المانع ويخالف الوضوء فانه يرفع الحدث، فجاز أن يرفع الحدث والمانع قائم (١١).
مذهب الحنابلة:
ان توضأ قبل الاستنجاء فهل يصح وضوؤه؟ فيه روايتان:
احداهما لا يصح لأنها طهارة يبطلها الحدث فاشترط تقديم الاستنجاء عليها كالتيمم.
والرواية الثانية يصح، وهى أصح، لأنها ازالة نجاسة، فلم تشترط لصحة الطهارة كالتى على غير الفرج.
وان تيمم قبله خرج على الروايتين.
وقيل لا يصح وجها واحدا (١٢).
стр. 2507
مذهب الزيدية:
وعند الزيدية جاء فى البحر الزخار (١) ويشترط لصحة الوضوء طهارة البدن عن نجاسة توجب الوضوء فلو تمضمض واستنشق ثم استكمل الوضوء ثم استنجى لم يصح وضوؤه.
ما يكون به الاستنجاء
لقد فصل الفقهاء ذلك تفصيلا حسب مذاهبهم، ويتبين ذلك من أقوالهم كما يلى:
مذهب الحنفية:
ذكر الحنفية أنه يسن أن يستنجى بحجر منق ونحوه، والغسل بالماء أحب، لحصول الطهارة المتفق عليها، واقامة السنة على الوجه الأكمل، لأن الحجر مقلل، والمائع غير الماء مختلف فى تطهيره.
والأفضل فى كل زمان ومكان الجمع بين استعمال الماء والحجر مرتبا، فيمسح الخارج، ثم يغسل المخرج، لأن الله تعالى أثنى على أهل قباء باتباعهم الأحجار الماء فكان الجمع سنة على الاطلاق فى كل زمان وهو الصحيح وعليه الفتوى.
ويجوز أن يقتصر على الماء فقط وهو يلى الجمع بين الماء والحجر فى الفضل.
ويجوز أن يقتصر على الحجر فقط وهو دونهما فى الفضل، ويحصل به السنة وان تفاوت الفضل (٢).
مذهب المالكية:
قال المالكية: وندب له أن يجمع بين الحجر والماء، لأن الله تعالى مدح أهل قباء على ذلك بقوله تعالى ﴿(فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)﴾ وطهارتهم هى جمعهم بين الماء والحجر فى استنجائهم كما ورد الحديث بذلك، فيقدم ازالة النجاسة بالحجر ثم يتبع المحل بالماء، فان أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أولى من الحجر ونحوه (٣).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: وان أراد الاستنجاء نظر فان كانت النجاسة بولا أو غائطا ولم تجاوز الموضع المعتاد جاز بالماء أو الحجر والأفضل أن يجمع بينهما، فان أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل، لأنه أبلغ فى الانقاء، وان اقتصر على الحجر جاز (٤).
مذهب الحنابلة:
قالوا سن الاستنجاء بالحجر ونحوه كالخرق، ثم بعده بالماء، فان عكس بأن بدأ بالماء ثم ثنى بالحجر كره له ذلك، ويجزى أحدهما وان كان على نهر جار والماء وحده أفضل من الحجر (٥) وحده قال فى المقنع الا أن يتعدى الخارج موضع
стр. 2508
العادة، فان تعداه فلا يجزئ فيه الا الماء، مثل أن ينتشر الى الصفحتين أو يمتد الى الحشفة كثيرا، لأن الاستجمار فى المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة لتكرر النجاسة فيه، فما لا تتكرر فيه لا يجزئ فيه الا الماء (١).
مذهب الزيدية:
تزال النجاسة من فرجيه بالأحجار أولا ثم بالماء وتقديم الأحجار مع وجود الماء ندب.
واذا تجاوز الغائط ظاهر الالية وجب الماء وان لم يجاوزه كفت الأحجار (٢).
مذهب الإمامية:
ذكر الإمامية أن الغسل بالماء أفضل من المسح بالأحجار والجمع بينهما أكمل فقد جاء فى صحيح هشام عن الصادق ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ (يا معشر الأنصار ان الله قد أحسن اليكم الثناء فماذا تصنعون؟ قالوا نستنجى (٣) بالماء والاستنجاء يكون باليد اليسرى.
آداب الخلاء
ذكر الفقهاء آدابا للخلاء (٤) اذا أراد الانسان أن يقضى حاجته فيه من بول أو غائط وهذا بيانه:
بيان ما يستحب أو يندب
أو يسن فى الخلاء
مذهب الحنفية:
يستحب لداخل الخلاء الدخول برجله اليسرى تكرمة لليمنى، لأنه مستقذر يحضره الشيطان، وأن يكون مستور الرأس ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قبل دخوله أو قبل كشف عورته فى الفضاء.
ويقدم تسمية الله تعالى على الاستعاذة لقوله ﵊ (ستر ما بين أعين الجن وعورات بنى آدم اذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول بسم الله) ولقوله ﵊ (ان الحشوش محتضرة فاذا أتى فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث (٥).
стр. 2509
ويجلس معتمدا على يساره، لأنه أسهل لخروج الخارج، ويوسع فيما بين رجليه ولا يتكلم الا لضرورة لأنه يمقت به.
ويستحب دخول الخلاء بثوب غير الذى يصلى فيه، وأن يحترز، ويتحفظ من النجاسة.
ويخرج من الخلاء برجله اليمنى، لأنها أحق بالتقدم لنعمة الانصراف عن الأذى ومحل الشياطين ثم يقول بعد الخروج: الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى: وقد قال رسول الله ﷺ عند خروجه (١) (غفرانك).
مذهب المالكية:
يندب لمن أراد قضاء حاجته من بول أو غائط أن يجلس ويتأكد الندب فى الغائط.
وأن يكون بمحل طاهر اذا كان بالفضاء خوفا من تلوث ثيابه بالنجاسة.
وأن يكون المحل رخوا كالتراب والرمل، لا صلبا كالحجر لئلا يتطاير عليه البول.
وأن يديم الستر حال انحطاطه للجلوس لقرب المحل الذى يقضى به حاجته، فلا يرفع ثيابه وهو قائم وهذا فى غير الأكنفة.
وأن يعتمد حال جلوسه على رجله
اليسرى، لأنه أعون على خروج الخارج ولو بولا.
وأن يرفع عقب رجله اليمنى لما ذكر وأن يفرج بين فخذيه لذلك حال جلوسه.
وأن يغطى رأسه برداء ونحوه وألا يلتفت حال قضاء الحاجة لئلا يرى ما يخاف أذيته فيقوم قبل تمام حاجته فيتنجس مع عدم تمام غرضه.
وأما قبل جلوسه فينبغى أن يلتفت حتى يبعد عما يخافه ويطمئن قلبه.
وأن يسمى قبل دخول الخلاء أو قبل محل الجلوس فى الفضاء، فان نسى سمى قبل كشف عورته فى الفضاء.
ولا يسمى بعد دخوله الكنيف ولو لم يصل المحل بأن يقول بسم الله اللهم انى أعوذ بك من الخبث والخبائث (٢).
وأن يقول بعد خروجه من الخلاء أو بعد تحوله من مكانه فى الفضاء (الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى).
وأن يسكت ما دام فى الخلاء ولو بعد خروج الأذى الا لأمر مهم يقتضى كلامه كطلب ما يزيل به الأذى.
وأن يستتر عن أعين الناس اذا كان بالفضاء بنحو شجر أو صخرة أو نحو ذلك بحيث لا يرى جسمه.
стр. 2510
وأما ستر عورته فواجب وأن يبعد عنهم بحيث لا يسمع له صوت ريح يخرج منه، وأن يقدم يسراه دخولا ويمناه (١) خروجا.
مذهب الشافعية:
اذا أراد دخول الخلاء ومعه شئ عليه ذكر الله فالمستحب له أن ينحيه لما روى أنس أن النبى ﷺ كان اذا دخل الخلاء وضع خاتمه. وانما وضعه، لأنه كان عليه (محمد رسول الله).
ويستحب أن يقول اذا دخل الخلاء بسم الله لقوله ﷺ (ستر ما بين عورات أمتى وأعين الجن بسم الله).
ويستحب أن يقول: اللهم انى أعوذ بك من الخبث والخبائث، لما روى أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ كان اذا دخل الخلاء قال ذلك، ويقول اذا خرج غفرانك الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى، لما روى أبو داود رضى الله عنه أن النبى ﷺ كان اذا خرج من الخلاء قال (الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى).
ويستحب أن يقدم فى الدخول رجله اليسرى، وفى الخروج رجله اليمنى، لأن اليسار للأذى واليمين لما سواه وان
كان فى الصحراء أبعد، لما روى المغيرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ كان اذا ذهب الى الغائط أبعد.
ويستتر عن العيون بشئ لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: (من أتى الغائط فليستتر، فان لم يجد الا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به (٢).
والمستحب أن يتكئ على رجله اليسرى، لما روى سراقة بن مالك رحمه الله تعالى قال: علمنا رسول الله ﷺ إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسار، ولأنه أسهل فى قضاء الحاجة.
ولا يطيل القعود لما روى عن لقمان ﵇ أنه قال: (طول القعود على الحاجة يبجع منه الكبد ويأخذ منه الباسور، فاقعد هوينا واخرج (٣).
стр. 2511
ويسن له ألا ينظر الى عورة نفسه، ولا الى الخارج منه، ولا الى السماء.
ولا يعبث بيده ولا يلتفت يمينا ولا شمالا.
ويندب له أن يرفع لقضاء الحاجة ثوبه عن عورته شيئا فشيئا الا أن يخاف تنجس ثوبه فيه فيرفع بقدر حاجته ويرفعه شيئا فشيئا قبل انقضاء قيامه، ويعتمد فى قضاء حاجته على يساره.
ويسن أن يستبرئ من البول عند انقطاعه لقوله ﷺ : (تنزهوا عن البول فان عامة عذاب القبر منه) ويكون ذلك بنحو تنحنح، ونتر ذكر.
قال فى المجموع: والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الناس، والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شئ يخاف خروجه، فمنهم من يحصل هذا بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج الى تكرره.
ومنهم من يحتاج الى تنحنح، ومنهم من لا يحتاج الى شئ من هذا، وينبغى لكل أحد ألا ينته الى حد الوسوسة (١).
مذهب الحنابلة:
يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول (بسم الله) لحديث على:
(ستر ما بين الجن وعورات بنى آدم اذا دخل الكنيف أن يقول (بسم الله) رواه ابن ماجة ويقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث لحديث أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ كان اذا دخل الخلاء قال:
اللهم انى أعوذ بك من الخبث والخبائث متفق عليه.
وزاد فى الاقناع والمنتهى تبعا للمقنع وغيره (الرجس النجس الشيطان الرجيم) ولحديث أبى أمامة: لا يعجز أحدكم اذا دخل مرفقه أن يقول:
(اللهم انى أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم).
ويستحب أن يقول عند الخروج من الخلاء (غفرانك) لحديث أنس: كان رسول الله ﷺ اذا خرج من الخلاء قال: غفرانك رواه الترمذى وحسنه.
وسن له أيضا أن يقول: (الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى)، لما روى ابن ماجة عن أنس كان رسول الله ﷺ اذا خرج من الخلاء قال: (الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى).
ويستحب له تقديم رجله اليسرى دخولا وتقديم رجله اليمنى خروجا.
ويستحب له اعتماده على رجله اليسرى حال جلوسه لقضاء الحاجة لما روى الطبرانى فى المعجم والبيهقى عن سراقة
стр. 2512
ابن مالك: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتكئ على اليسرى وان ننصب اليمنى).
ويستحب بعده اذا كان فى فضاء حتى لا يراه أحد لفعله ﷺ رواه أبو داود من حديث جابر.
ويستحب استتاره لحديث أبى هريرة قال: (من أتى الغائط فليستتر) رواه أبو داود، وارتياده (١) لبوله مكانا رخوا لحديث: (اذا بال أحدكم فليرتد لبوله) رواه أحمد وغيره.
وفى التبصرة. ويقصد مكانا علوا لينحدر عنه البول.
ويستحب مسح ذكره بيده اليسرى اذا فرغ من بوله فيضع أصبعه الوسطى تحت الذكر من أصله ويضع الأبهام فوقه، ويمر بهما الى رأس الذكر ثلاثا لئلا يبقى فيه شئ من البول.
ويستحب نتر ذكره ثلاثا ليستخرج بقية البول منه لحديث: (اذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثا) رواه أحمد وغيره.
ويستحب تحوله من موضعه ليستنجى فى غيره ان خاف تلوثا باستنجائه فى
مكانه ولئلا يتنجس، ويبدأ ذكر وبكر بقبل لئلا تتلوث يده اذا بدأ بالدبر، وتخير ثيب (٢).
مذهب الزيدية:
يندب لقاضى الحاجة أمور تسعة:
١ - توارى شخصه بالكلية عن أعين الناس، فان لم يجد ما يواريه عن الناس نحو أن يكون فى قاع مستو، فيبعد حتى لا تميز أفعاله، وتواريه يكون اما بهبوط مكان مطمئن أو دخول غار، أو خلف صخرة أو شجرة أو نحوها.
٢ - البعد عن الناس فهو مندوب مطلقا فى الصحارى والعمران، حتى لا يسمع له أحد صوت مخرج، ولا يجد له ريحا الا البول فلا يضر.
٣ - البعد عن المسجد، واختلف فى تقديره.
فالمذهب أنه يترك له كفناء الدار.
والصحيح مثل قدر أطول جدار فان لم يكن له جدار فأطول جدار فى قلب الناحية من المساجد.
وقيل بأوسط جدار.
стр. 2513
وذهب بعضهم الى أنه أربعون ذراعا الا (١) أن يقضى حاجته فى الملك، والمتخذ لذلك ولو كان قريبا من المسجد فان ذلك جائز.
٤ - التعوذ حين دخول الخلاء وهو قول (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) أو قول (اللهم انى أعوذ بك من الرجس النجس الخبث المخبث، الشيطان الرجيم).
٥ - تنحية ما فيه ذكر الله تعالى من خاتم وغيره الا أن يخشى ضياعه فلا ينحيه.
٦ - تقديم الرجل اليسرى دخولا، لأنه موضع خسيس، فنشرف اليمنى عن تقديم استعمالها فيه.
٧ - اعتماد الرجل اليسرى، لأنه أيسر لخروج ما يخرج، ولأن الجانب الأيسر مجتمع الطعام اليه.
٨ - تقديم الرجل اليمنى خروجا، لأنه خروج من أخس الى أشرف.
٩ - ستر العورة حين يهوى للجلوس، فيرفع ثوبه قليلا قليلا حتى ينحط، وكذا عند القيام يرسله قليلا قليلا حتى يستوى، وذلك مندوب مطلقا، سواء
قضى حاجته فى البيوت أم فى الصحارى الا أن يخشى التنجيس.
قيل: ومن المندوب ألا يكشف رأسه ولا كتفيه حال قضاء الحاجة، لأن هذه الحالة مما تكثر فيها الشياطين، ويبتعد فيها الحفظة.
ومن المندوب أيضا أن يكون قد أعد الأحجار، وكذا الانتعال حاله والتنحنح، ويندب أيضا بعده (الحمد) وهو أن يقول: (الحمد لله الذى أماط عنى الأذى، الحمد لله الذى عافانى فى جسدى أو نحو ذلك (٢).
مذهب الإمامية:
يستحب التباعد عن الناس بحيث لا يرى، تأسيا بالنبى ﷺ فانه لم ير قط على بول ولا غائط، وتغطية الرأس والدخول بالرجل اليسرى ان كان ببناء والا جعلها آخر ما يقدمه، والخروج بالرجل اليمنى والدعاء المأثور، والاعتماد على الرجل اليسرى، وفتح اليمنى، والاستبراء (٣).
مذهب الإباضية:
يسن لقاضى الحاجة من بول أو غائط الابعاد عن الناس لئلا يضرهم بالرائحة
стр. 2514
أو يروا عورته أو يسمعوا صوت ما يخرج منه فان تحقق شئ من ذلك وجب الابعاد والاستتار عن الناس من حيث ثيابه وما ليس بعورة من بدنه.
أما العورة فسترها واجب، والسكوت عن كل شئ.
وليطلب مكانا سهلا لئلا يرتد اليه البول برشاش ويكون المكان منحدرا الى غير جهته، أو محفورا لا اليه لئلا ينحدر اليه النجس حال كونه مستدبرا ريحا لئلا ترد اليه.
وليذكر الدعاء المأثور عند ارادة الدخول لقضاء الحاجة فى الموضع المعد لذلك فيقول اللهم انى أعوذ بك من النجس الرجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم (١).
وليذكر عند ارادة تشمير الثياب عند الموضع المعد لقضاء الحاجة وليذكره بقلبه ناسيه، وليستطب بيسراه (٢) الا من عذر، وليقدم يسراه دخولا فى المرحاض، ويمناه خروجا منه، ويقدم قبله فى الازالة مع توسيع فخذيه واسترخائه (٣).
ما يكره أو ينهى عنه
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى أنه يكره الاستنجاء باليد اليمنى لقوله ﷺ : (اذا بال أحدكم فلا يمسح ذكره بيمينه، واذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه) الا من عذر باليد اليسرى.
ويكره تحريما استقبال القبلة بالفرج حال قضاء الحاجة، واختلفوا فى استقبالها للتطهير.
واختار التمرتاشى عدم الكراهة.
وكذا يكره أيضا تحريما استدبار القبلة لقوله ﷺ (اذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا (٤) ولو كان ذلك فى البنيان، واذا جلس مستقبلا ناسيا فتذكر وانحرف اجلالا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له، كما أخرجه الطبرانى مرفوعا.
ويكره امساك الصبى نحو القبلة للبول.
واستقبال عين الشمس والقمر لأنهما آيتان عظيمتان.
والبول فى مهب الريح لعود البول اليه بسبب الريح فينجسه.
стр. 2515
وأن يبول أو يتغوط فى الماء ولو جاريا.
وأن يبول أو يتغوط بقرب بئر أو نهر أو حوض.
وأن يبول أو يتغوط فى الظل الذى يجلس فيه الناس.
وكذلك الجحر والطريق والمقبرة لقوله ﵊: (اتقوا الملاعنين، قالوا وما الملاعنان يا رسول الله قال: الذى يتخلى فى طريق الناس أو ظلهم).
وكذا تحت شجرة مثمرة.
والبول قائما الا من عذر كوجع بصلبه.
وفى محل التوضؤ لأنه يورث الوسوسة.
ونهى عن كشف عورته قائما وذكر الله، فلا يحمد اذا عطس، ولا يشمت عاطسا، ولا يرد سلاما ولا يجيب مؤذنا، ولا ينظر لعورته، ولا الى الخارج منها، ولا يبصق، ولا يتمخط، ولا يتنحنح ولا يكثر الالتفات، ولا يعبث ببدنه، ولا يرفع بصره الى السماء، ولا يطيل الجلوس لأنه يورث الباسور ووجع الكبد (١).
مذهب المالكية:
من آداب الخلاء أن يتجنب قضاء حاجته فى جحر، لئلا يخرج منه ما يؤذيه من الهوام، ولأنه مسكن الجن فربما حصل له منهم أذية.
وفى مهب الريح لئلا يعود عليه البول فينجسه.
وفى مورد الناس للماء لأنه يؤذى الناس فيلعنونه.
وفى الطريق التى يمر فيها الناس.
وفى الظل الذى يستظل فيه الناس، ومثله مكان الشمس أيام الشتاء.
وفى المكان المقمر الذى شأنهم الجلوس فيه (٢).
مذهب الشافعية:
قاضى الحاجة يتجنب استقبال القبلة واستدبارها ندبا اذا كان فى غير المكان المعد لقضاء الحاجة مع ساتر مرتفع ثلثى ذراع تقريبا فأكثر، بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل بذراع الآدمى، وارخاء ذيله كاف فى ذلك وكذا فى الصحراء بدون الساتر المتقدم.
стр. 2516
والأصل فى ذلك ما جاء فى الصحيحين أنه ﷺ قال:
(إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا).
وكذا يتجنب البول والغائط فى الماء الراكد للنهى عن البول فيه كما جاء فى حديث مسلم (١) ومثله الغائط بل هو أولى بالنهى.
ويكره أيضا قضاء الحاجة بقرب الماء الذى يكره قضاؤها فيه لعموم النهى عن البول فى الموارد، وصب البول فى الماء كالبول فيه.
وكذا يجتنب ذلك ندبا تحت شجرة مثمرة ولو كان الثمر مباحا فى غير وقت الثمر، صيانة لها عن التلوث عند الوقوع فيها فتعافها النفس.
وكذا يجتنب ندبا البول والغائط فى الطريق المسلوك للحديث المتقدم، ولخبر أبى داود باسناد جيد (اتقوا الملاعن الثلاث البراز فى الموارد، وقارعة الطريق، والظل) وقيس البول على الغائط فى ذلك.
وصرح فى المجموع أن ظاهر كلام الأصحاب الكراهة وينبغى التحريم للأخبار الصحيحة.
وكذا يتجنب ندبا البول والغائط فى الثقب للنهى عنه فى خبر أبى داود وغيره،
ولما قيل من أنه مسكن الجن، ولأنه ربما يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى، أو يكون فيه حيوان قوى فيؤذيه أو ينجسه، ومثل الثقب الشق المستطيل.
قال فى المجموع وينبغى تحريم ذلك للنهى عنه الا أن يعد لقضاء الحاجة فلا تحريم ولا كراهة والمعتمد عدم التحريم.
وكذا يتجنب ذلك فى الظل للنهى عن التخلى فى ظل الناس، ومثله مواضع اجتماعهم فى الشمس زمن الشتاء.
ويكره له أن يتكلم أثناء البول أو الغائط الا لضرورة لخبر (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فان الله يمقت على ذلك).
رواه الحاكم وصححه.
وعلى هذا فلو عطس حمد الله تعالى بقلبه ولا يحرك لسانه بكلام يسمع به نفسه.
كما أنه يكره أن يستقبل الشمس والقمر ببول أو غائط أو يستدبرهما (٢).
وحكم استقبال بيت المقدس واستدباره كحكم استقبال الشمس والقمر واستدبارهما.
стр. 2517
وكذا يكره أن يستنجى بماء فى مجلسه ان لم يكن معدا لذلك، لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه.
كما أنه يكره أن يبول فى المغتسل لقوله ﷺ : (لا يبولن أحدكم فى مستحمه ثم يتوضأ فيه فان عامة الوسواس منه) ومحل ذلك اذا لم يكن هناك منفذ ينفذ منه البول والماء.
وكذا يكره البول أو الغائط عند قبر محترم احتراما للقبر.
هذا ويكره البول فى موضع هبوب الريح وان لم تكن هابة اذ قد تهب بعد شروعه فيه فترد عليه الرشاش.
كما يكره البول فى مكان صلب لما ذكر.
وكذا يكره أن يبول قائما لخبر الترمذى وغيره باسناد جيد، أن عائشة رضى الله عنها قالت: (من حدثكم أن النبى ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه) الا لعذر فى ذلك فلا يكره.
هذا ولا يدخل الخلاء حافيا، ولا مكشوف الرأس،
ويكره حشو البول من الذكر بنحو قطن وكذا اطالة المكث فى محل قضاء الحاجة لما روى عن لقمان أنه يورث وجعا فى الكبد (١).
مذهب الحنابلة:
يكره للمتخلى دخول الخلاء بشئ فيه ذكر الله تعالى الا لحاجة واستكمال رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض بلا حاجة فيرفع شيئا فشيئا، وكلامه فى الخلاء ولو برد سلام الا لحاجة فيجب ان عطس حمد الله بقلبه.
وبوله فى شق ونحوه كسرب (٢).
وبوله فى اناء بلا حاجة ومستحم كذلك غير مقير أو مبلط ومس فرجيه بيمينه.
واستنجاؤه واستجماره بيمينه لحديث قتادة (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه)، متفق عليه.
واستقبال الشمس والقمر لما فيهما من نور الله تعالى (٣).
مذهب الزيدية:
يكره قضاء الحاجة فى أربعة عشر موضعا
стр. 2518
أولها: الملاعن لقوله ﷺ (اتقوا الملاعن) وهى مضار المسلمين وهى ست الطرقات السابلة والمقابر وشطوط الأنهار وأفنية الديار، ومجالس الناس، ومساقط الثمار حيث الشجرة مثمرة أو تأتى ثمرتها والأذى باق، والا فلا كراهة حينئذ الا أن يكون مستظلا.
ثانيها: الجحر اذا كان من مخاريق الحشرات لأنه يؤذيها، وقيل مساكن الجن، ولنهيه ﷺ .
ثالثها: الصلب من الأرض مخافة أن ينتضح منه شئ فينجسه، فان أعوز عمد الى حجر أملس وسله عليه.
رابعها: التهوية (١) بالبول وهى الطموح به لقوله ﷺ (اذا بال أحدكم فلا يطمح ببوله).
خامسها: البول قائما لأنه ﷺ نهى أن يبول الرجل قائما الا من علة.
سادسها: الكلام حال قضاء الحاجة لما روى أن رسول الله ﷺ قال فى الحديث: فان الله يمقت على ذلك.
سابعها: نظر الفرج والأذى فقد ورد: ثلاث مقسيات القلب: الأكل على
الشبع والذنب على الذنب ونظر الفرج والأذى.
ثامنها: بصق الأذى لتأديته الى الغثيان والوسواس والتشبه بالحمقاء.
تاسعها: الأكل والشرب والسواك لأنها حالة تستخبثها النفس.
عاشرها: الانتفاع باليمين فى شئ من منافع قضاء الحاجة، لما أخرج أبو داود عن عائشة رضى الله عنها قالت:
كانت يد رسول ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من (٢) أذى.
الحادى عشر: استقبال القبلتين وهما الكعبة وبيت المقدس (٣)، أما الكعبة فالمذهب أنه مكروه، ولا فرق بين الصحارى والعمران، والمنتخب أنه محرم، وأما بيت المقدس ففيه قولان.
الأول أن حكمه حكم الكعبة على الظاهر من مذهب أئمة العترة، قال بعض الأئمة وهو الذى نختاره (٤).
القول الثانى: أنه غير منهى عنه، ووجه الكراهة قوله ﷺ (اذا ذهب أحدكم الى الغائط فلا يستقبل
стр. 2519
القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط وكذا حال الاستنجاء.
الثانى عشر: استقبال القمرين وهما الشمس والقمر.
الثالث عشر: استدبار القبلتين والقمرين والاستقبال أشد كراهة.
الرابع عشر: اطالة القعود، فان احتجت الى ذلك فقم هوينا واقعد هوينا (١).
مذهب الإمامية:
يكره الاستنجاء باليمين لغير ضرورة، والبول قائما حذرا من تخبيل الشيطان.
والبول فى الماء جاريا أو راكدا للتعليل فى أخبار النهى: (بأن للماء أهلا فلا تؤذوهم بذلك)، والحدث فى الشارع المسلوك وفى المشرع (٢)، وفى الفناء وفى الملعن (٣)، وفى قارعة الطريق، وفى أبواب الدور، وتحت الشجرة (٤) المثمرة وفى النزال (٥) وفى الجحرة (٦).
ويكره السواك حالته، وكذا الكلام الا بذكر الله تعالى، والا قراءة آية الكرسى.
وكذلك حمد الله تعالى وشكره وذكره لأنه حسن على كل حال، والضرورة كالتكلم لحاجة يخاف فوتها لو أخره الى أن يفرغ وكذا يستثنى من منع الكلام الصلاة على النبى ﷺ عند سماع ذكره، والحمدلة عند العطاس منه ومن غيره وهو من الذكر.
ويكره الأكل والشرب لما فيه من المهانة وللخبر.
كما أنه يكره البول فى الهواء سواء كان الى أعلا أو الى أسفل (٧).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: لا يرد سلاما، لأن السّلام اسم الله تعالى، ولئلا يصله النجس بالاشتغال به ولا يلتفت للحديث.
وكره العمل مع قضاء الحاجة حذرا من التنجيس وان قل.
ولا يستقبل أو يستدبر القمرين لحرمتهما ولا مطالعهما ولا مقاربهما ولو لم يكونا فيها، ولا نابت كزرع.
ولا يستقبل كل ذى حرمة ككتاب ولوح لأنها نور ولا تقضى حاجة الانسان فى حرث وان لم ينبت لئلا يقابل الموضع
стр. 2520
أو ما ظهر من بذر بالعورة، وكذا لا تقضى فى بيوت الغير بلا اذن وان خربت.
ويكره ذكر الله تعالى فانه لا يكون فى الخلاء، وكذا لا تقضى الحاجة على نهر لحرمة الماء ولئلا يتصل بأحد أو يشربه.
وكذا لا تقضى على طريق عامر. ولا فى باب المدينة، ولا فى ظل مسكن بحيث يقعد صاحبه أو غيره.
ولا فى ظل شجرة مطلقا أثمرت بالفعل أو بالقوة وهو المختار.
وقيل ان كانت مثمرة بالفعل، ولا يصطحب فى الذهاب الى حاجته أحدا بلا عذر والا جاز.
وليحذر من الملاقاة بين البول والغائط ومن الغائط وندا البول فى غير المرحاض.
وكذا لا يلتفت أثناء قضاء حاجته بلا عذر (١).
ما يحرم فى الخلاء
مذهب الحنفية:
يحرم كشف العورة اذا ترتب على كشفها رؤية الغير لها (٢).
مذهب المالكية:
يحرم قراءة القرآن فى الخلاء والدخول فيه بمصحف أو بعضه ولو آية ما لم تكن حرزا مستورا بساتر فانه يمنع الحرمة كجيبه مثلا، وكذلك ما لم يخف على المصحف الضياع فلا يحرم حينئذ (٣).
مذهب الشافعية:
يحرم البول أو الغائط عند قبور الأنبياء وعند القبور المتكرر نبشها لاختلاط ترابها بأجزاء الميت.
وكذا يحرم البول أو الغائط فى اناء فى المسجد على الأصح.
وكذا يحرم استقبال القبلة واستدبارها فى البناء غير المعد لقضاء الحاجة بدون ساتر.
وكذا فى الصحراء بدون ساتر لحديث الصحيحين فى ذلك المتقدم ذكره (٤).
مذهب الحنابلة:
تحرم القراءة فى الحش وسطحه، ويحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة فى غير بنيان لخبر أبى أيوب مرفوعا (اذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) متفق عليه.
стр. 2521
كذا يحرم لبثه فوق حاجته لما فيه من كشف العورة بلا حاجة وهو مضر عند الأطباء.
وكذا يحرم بوله وتعوطه فى طريق مسلوك، وظل نافع، ومثله مشمس بزمن الشتاء، ومتحدث الناس وتحت شجرة عليها ثمرة لأنه يقذرها، وكذا فى موارد الماء وتغوطه بماء مطلقا (١).
مذهب الزيدية:
يحرم مس الفرج باليد اليمنى بدون (٢) عذر.
مذهب الإمامية:
يحرم فى حال التخلى استقبال القبلة واستدبارها، ونقل عن التنقيح ان المحرم هو الاستقبال بالفرج لنهيه ﷺ أن يبول الرجل وفرجه باد للقبلة (٣) ولا فرق فى الحرمة بين الأبنية والصحارى.
وكذا يحرم التخلى فى ملك الغير من غير اذنه حتى الوقف الخاص ويحرم فى الطريق غير النافذ بدون اذن أربابه وكذا يحرم التخلى على قبور المؤمنين لأن حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا.
استنشاق
تعريف الاستنشاق فى اللغة
جاء فى (٤) لسان العرب مادة: نشق النشق صب سعوط فى الأنف وأنشقته الدواء فى أنفه صببته فيه، وهو من استنشاق الريح اذا شممتها مع قوة، واستنشق الماء فى أنفه صبه فيه، واستنشقت الماء اذا أدخلته فى الأنف، وفى الحديث: أنه كان يستنشق فى وضوئه ثلاثا فى كل مرة يستنثر، أى يبلغ الماء خياشيمه ..
تعريفه فى اصطلاح الفقهاء
يسير الفقهاء فى تعريفهم للاستنشاق مسار اللغويين بالنسبة للمعنى الأصلى وهو (٥) ايصال الماء الى داخل الأنف،
стр. 2522
الا أنهم يقيدون ذلك بأن يكون ايصال الماء الى الأنف عن طريق الجذب بالنفس ولا بد حتى أن بعض فقهاء الحنابلة نص على أن ذلك هو الواجب (١) بحيث لا يكفى وضع الماء فى الأنف بدون جذبه الى باطنه لان ذلك لا يسمى استنشاقا.
حكم الاستنشاق وكيفيته وما يتعلق به
مذهب الحنفية:
جاء فى (٢) البدائع ان الاستنشاق سنة فى الوضوء وذلك أن الواجب فى الوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، وداخل الأنف ليس من جملتها فلا يجب غسله.
ولكنه واجب (٣) فى الغسل، لأن ايصال الماء الى داخل الأنف ممكن بلا حرج ولأن (٤) الواجب فى الجنابة تطهير البدن، لقوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» أى طهروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج، ظاهرا كان أو باطنا ومواظبة النبى ﷺ فى
الوضوء دليل السنية دون الفرضية فان النبى ﷺ كان يواظب على سنن العبادات.
وقال أصحاب الحديث هو فرض فى الوضوء والغسل جميعا محتجين بمواظبة النبى ﷺ .
أما بالنسبة للميت فان الميت (٥) يوضأ وضوء الصلاة الا انه لا يمضمض ولا يستنشق، لان الماء لا يدخل الخياشيم الا بالجذب بالنفس وهو غير متصور من الميت.
الا انه جاء فى ابن (٦) عابدين أنه قيل يفعلان أى المضمضة والاستنشاق بخرقة وعليه العمل اليوم.
أما اذا كان الميت. جنبا أو حائضا أو نفساء فانهما يفعلان اتفاقا تتميما للطهارة كما فى امداد الفتاح.
وبالنسبة للصوم فانه لا يكره الاستنشاق (٧) للصائم لغير وضوء وغسل.
ومن السنة (٨) فعل الاستنشاق باليد اليمنى.
стр. 2523
وقال بعضهم المضمضة باليمين والاستنشاق باليسار، لأن الفم مطهرة والأنف مقذرة واليمين للاطهار واليسار للأقذار، والدليل على ذلك ما روى عن الحسن بن على رضى الله عنهما أنه استنثر بيمينه فقال له معاوية: جهلت السنة، فقال الحسن رضى الله عنه: كيف أجهل والسنة خرجت من بيوتنا، أما علمت أن النبى ﷺ قال: اليمين للوجه واليسار للمقعد.
ومن السنة كذلك المبالغة فى الاستنشاق الا فى حال الصوم فبرفق، لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلّم قال: للقيط بن صبرة: بالغ فى المضمضة والاستنشاق الا أن تكون صائما فارفق ولأن المبالغة فيهما من باب التكميل فى التطهير فكانت مسنونة الا فى حال الصوم لما فيه من تعريض الصوم للفساد.
والمبالغة فى الاستنشاق تكون بمجاوزة الماء لمارن الأنف، ومن السنة تأخير الاستنشاق عن المضمضة، لأن النبى ﷺ كان يقدم المضمضة على الاستنشاق.
ومن السنة افراده بماء على حدة لان الذين حكوا وضوء رسول الله ﷺ أخذوا لكل واحد من المضمضة والاستنشاق ماءا جديدا، ولأنهما عضوان منفردان فيفرد كل واحد منهما بماء على حدة كسائر الأعضاء، وما روى من أن الرسول الله ﷺ تمضمض واستنشق بكف واحد يحتمل أنه فعل ذلك بماء على حدة، فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يرد المحتمل الى المحكم وهو ما ذكرنا توفيقا بين الدليلين.
ولو (١) أخذ ماء فمضمض ببعضه واستنشق بباقيه أجزأه عن أصل المضمضة والاستنشاق ويكون قد فاته سنة التجديد.
ولو عكس بأن قدم الاستنشاق على المضمضة لا يجزئه لصيرورة الماء مستعملا كما فى البحر، لأن ما فى الأنف لا يمكن امساكه بخلاف ما فى الفم، والمراد لا يجزئه عن المضمضة لأن الاستنشاق صح، وهل يدخل أصبعه فى أنفه؟ الأولى نعم.
ومن السنة التثليث فى الاستنشاق.
وفى البحر عن المعراج ان ترك التكرار مع الامكان لا يكره وأيده فى الحلية بأنه ثبت عن النبى ﷺ أنه تمضمض واستنشق مرة كما أخرجه أبو داود.
قال ابن عابدين: وينبغى تقييده بما اذا لم يجعل الترك عادة له ..
مذهب المالكية:
الاستنشاق (٢) سنة فى الوضوء قال فى التوضيح هو المعروف.
стр. 2524
وذكر المازرى أن بعض المتأخرين ذهب الى أنه فضيلة، ولا بد فيه من النية (١) والا لم يكن آتيا بالسنة.
وهو سنة فى الغسل (٢) كذلك.
قال ويندب عند (٣) غسل الميت وذلك بتعهد أنفه بخرقة نظيفة كمنديل.
ويندب أن يبالغ (٤) فيه المفطر وذلك بايصال الماء الى أقصى الأنف قال فى الذخيرة: يستحب المبالغة فى الاستنشاق ما لم يكن صائما فيكره له ذلك خوفا مما قد يصل الى حلقه من الماء.
فان وقع وسبقه لزمه القضاء وان تعمد فعليه الكفارة.
والمبالغة مستحبة لحديث: وبالغ فى الاستنشاق الا أن تكون صائما.
وندب فعل كل من المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات بأن يتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث.
وفى التوضيح وابن راشد فى شرح ابن الحاجب وابن عبد السّلام أن فعلهما بست متفق على أنه الأفضل.
وحكى الباجى فى ذلك عن الأصحاب قولين.
أحدهما ذلك.
والثانى: ان الأفضل أن يأتى بثلاث غرفات فى كل غرفة مضمضة واستنشاق.
واختار ابن رشد هذا القول الثانى وجعل الأول من الجائز.
ويجزئه أقل من ثلاث فى المضمضة والاستنشاق، وله جمع ذلك فى غرفة واحدة.
وقيد ابن رشد الغرفة الواحدة اذا قدر أن يمسك من الماء بكفه ما يكفيه لذلك.
ويستحب أن (٥) يستنشق بيمناه وهو متفق عليه ومأثور فى وضوء النبى ﷺ ، ومن لم يستطع ذلك لعلة تمنعه منه لم يلزمه.
ومن احتاج الى أكثر مما قدمناه من العدد فعله ولا حرج وذلك اذا كان فى أنفه نجاسة أو غيرها ولم تخرج الا بالأكثر من ذلك.
مذهب الشافعية:
الاستنشاق (٦) سنة فى الوضوء وفى الغسل وهو أن يجعل الماء فى أنفه ويجذبه
стр. 2525
بنفسه الى خياشيمه ثم يستنثر، لما روى عمر بن عبسة أن النبى ﷺ قال: ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ثم يستنشق ويستنثر الا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء.
والمستحب أن يبالغ فى الاستنشاق للمفطر ولا يستحب ذلك للصائم لقول النبى ﷺ للقيط بن صبرة أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ فى الاستنشاق الا أن تكون صائما.
ولا يستقصى فى المبالغة فيكون سعوطا (١) فان كان صائما لم يبالغ للخبر.
قال فى المهذب وهل يجمع بين المضمضة والاستنشاق أو يفصل بينهما؟ قال فى الأم يجمع بينهما، لأن على بن أبى طالب كرم الله وجهه وصف وضوء رسول الله ﷺ فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد.
وقال فى البويطى: يفصل بينهما، لما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال:
رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ولأن الفصل أبلغ فى النظافة فكان أولى.
واختلف أصحابنا فى كيفية الجمع والفصل.
فقال بعضهم على قوله فى الأم: يغرف غرفة واحدة فيتمضمض منها ثلاثا ويستنشق منها ثلاثا ويبدأ بالمضمضة.
وعلى رواية البويطى يغرف غرفة فيتمضمض منها ثلاثا ثم يغرف غرفة أخرى فيستنشق منها ثلاثا.
وقال بعضهم على قوله فى الأم: يغرف غرفة فيتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة أخرى فيتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف غرفة ثالثة فيتمضمض منها ويستنشق فيجمع فى كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق.
وعلى رواية البويطى يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق.
والأول: أشبه بكلام الشافعى ﵀ لأنه قال: يغرف غرفة لفيه وأنفه.
والثانى: أصح لأنه أمكن.
فان ترك الاستنشاق جاز لقول النبى ﷺ للأعرابى: توضأ كما أمرك الله تعالى وليس فيما أمر الله تعالى المضمضة والاستنشاق، ولأنه عضو باطن دونه حائل معتاد فلا يجب غسله كالعين.
والميت (٢) يوضأ كما يتوضأ الحى حين الغسل لما روت أم عطية قالت لما غسلنا ابنة رسول الله ﷺ قال لنا: