الاسقاط بعوض
مذهب الحنفية:
نص فقهاء الحنفية على أنه يصح الخلع والطلاق والعتق على مال، ويقع الطلاق ويحصل العتق ويجب المال، وعلى أنه يجوز لولى الدم فى القتل العمد الذى موجبه القصاص أن يصالح عن حق القصاص نظير مال، وأنه يصح الصلح ويسقط حق القصاص ويجب المال.
ونصوا أيضا على أن الشفيع لو صالح عن حقه فى الشفعة نظير مال سقط حقه فى الشفعة، ولكن لا يجب المال، لأن قبوله الاسقاط نظير عوض تسليم منه بالحق، وهو الاسقاط وبذلك يزول الحق ويتلاشى ولا يعود، ولا حق له فى العوض لأن حق الشفعة لا يقبل التمليك لأحد فلا تصح مبادلته بشئ ..
ونصوا على أن المدين بدين مؤجل اذا صالح الدائن على اسقاط الأجل جاز اذا لم يكن نظير عوض، فان كان نظير عوض بطل.
وقد اختلفوا فى الأصل الذى يعتمد عليه فى معرفة الاسقاطات التى يصح الاعتياض عنها والتى لا يصح ..
والحق عند الحنفية على ضربين.
حق متقرر فى المحل الذى تعلق به، وحق غير متقرر فيه، وهو الذى يعبر عنه عادة بالحق المجرد ومجرد الحق.
والحق المتقرر تارة يكون ملكا فى المحل، كحق الزوج فى النكاح بالنسبة للاستمتاع، وحق السيد فى العبد وهو ملك رقبته، وتارة لا يكون ملكا كحق القصاص.
والفرق بين المتقرر وغيره أن ما يتغير بالصلح عما كان قبله فهو متقرر كحق القصاص، فان نفس القاتل كانت مباحة وغير معصومة فى حق ولى الدم الذى له حق القصاص وبالصلح حصلت له العصمة فى دمه ونفسه فكان الحق فى ذلك متقررا.
أما ما لا يتغير بالصلح عما كان قبله فهو حق غير متقرر كحق الشفعة اذا صالح الشفيع على اسقاط حقه فيها، فلا أثر لهذا الصلح بالنسبة للحق الا سقوطه به، والمشترى يملك الدار المشفوع فيها قبل الصلح وبعده على وجه واحد بطريق البيع بكل أوضاعه وشروطه وآثاره فلم يكن حقا متقررا.
والمقرر أنه لا يصح الاعتياض بالمال الا عن المال أو ما يؤول الى المال، وأن الانسان كما يجوز له أن يلتزم العوض ليثبت له الملك، يجوز أن يأخذ العوض، ليبطل ملكه أو حقه المتقرر، وأنه لا يحل
стр. 2662
له أخذ العوض عن الحق اذا لم يكن ملكا، ولا حقا متقررا.
أما الحق الذى ليس بمتقرر فلا يجوز الاعتياض عنه.
هذا رأى الأكثرين من الحنفية وعلى رأسهم المتقدمون وأكثر المتأخرين.
وذهب بعض المتأخرين الى أن الحقوق التى أثبتها الشارع للانسان اما أن يكون القصد منها دفع الضرر عنه، وحماية مصالحه المشروعة، كحق الشفعة أعطاه الشارع للشفيع لدفع الضرر الذى قد يلحقه بمخالطة المشترى السئ فى الشركة، أو مجاورته فى الجوار، وكحق الخيار أعطاه الشارع للمتصرف لدفع الضرر الذى قد ينجم من البيع أو الشراء.
وفى مثل هذه الحقوق لا يجوز الاعتياض عنها سواء كان متقررا أو مجردا، لأن من يثبت له اذا رضى باسقاطها بالعوض يتبين أنه لا ضرر يلحقه من زوالها فتسقط وتزول دون عوض.
واما أن يكون الشارع قد أثبت الحق للانسان أصالة لا على وجه رفع الضرر عن صاحبها كحق القصاص. وملك النكاح والعتق فانه يصح الاعتياض عنها مجردا كان الحق أو متقررا.
والحق ما ذهب اليه الأكثرون، لأنه الذى يتفق مع ما قرره فقهاء الحنفية، ونصوا على أحكامه فى الفروع المختلفة.
فقد نصوا على أنه يصح الخلع والطلاق والعتق على مال، ويقع الطلاق ويحصل العتق ويجب المال، ولو اصطلح الولى عن دم العمد على مال صح، وسقط القصاص ووجب المال، وان صالح الشفيع عن شفعته على عوض بطلت الشفعة ولم يجب العوض، وكذا لو باع شفعته بمال كان تسليما ولا يجب المال لأن البيع تمليك مال بمال وحق الشفعة لا يحتمل التمليك فيصير كلامه عبارة عن الاسقاط.
أما الصلح عن دعوى الشفعة على مال فيجوز ويجب المال ويكون افتداء اليمين، لأن الأصل أنه متى توجهت اليمين على شخص فى أى حق كان فافتدى اليمين بمال، فانه يجوز على الأصح، واذا أبرأ المكفول له الكفيل بالنفس عن هذه الكفالة بمال يشترطه عليه فى مقابلة البراءة لا يجب المال، واذا أداه اليه الكفيل كان له أن يرجع فيه لأن الكفالة بالنفس ليست مالا ولا تؤول الى المال أصلا. وهى مجرد حق.
ثم هل تسقط الكفالة فى هذه الصورة أو لا تسقط؟ روايتان أصحهما أنها تسقط.
стр. 2663
ومن عليه دين مؤجل اذا صالح الدائن على اسقاط الأجل وجعل الدين حالا ان لم يكن ذلك نظير عوض جاز ..
ولو قال الزوج لزوجته المخيرة اختارى بألف أو قال العنين لزوجته اختارى ترك الفسخ بألف ورضيت هذه وتلك بما عرض عليها. سقط الخيار ولا يثبت العوض.
هذه الفروع كلها وغيرها كثير يدل دلالة واضحة على أن الحق ما ذهب اليه الأكثرون من الحنفية لان الأساس فيها كون الحق مجردا أو متقررا وليس كونه ثبت أصالة أو لدفع الضرر كما يقول الآخرون.
وقد اختلف المتأخرون من الحنفية فى الفراغ عن النظر على الوقف بعوض والنزول عن الوظائف بمال يعطى لصاحبها المتنازل، هل يجوز ذلك أو لا يجوز.
وقد أخذ الكثيرون بصحة النزول.
وذهب البعض الى عدم صحة هذا النزول أصلا لا بعوض ولا بدون عوض.
واختلف من رأى صحة النزول فى جواز أخذ العوض عنه.
فذهب ابن نجيم فى الاشباه الى عدم جواز الاعتياض عنه لانه من الحقوق المجردة وهى لا يجوز الاعتياض عنها كحق الشفعة.
ثم قال: قد تعارف الفقهاء فى مصر النزول عن الوظائف بمال يعطى لصاحبها فينبغى الجواز اعتبارا للعرف. وأنه لو نزل له وقبض منه المبلغ ثم أراد الرجوع عليه لا يملك ذلك (١).
وأفتى خير الدين الرملى فى الفتاوى الخيرية بعدم جواز أخذ العوض فى ذلك، لانه اعتياض عن حق مجرد، وهو لا يجوز كما صرحوا به قاطبة، ومن أفتى بخلافه فقد أفتى بخلاف المذهب، لبنائه على اعتبار العرف الخاص وهو خلاف المذهب.
ثم قال ان للمنزول له أن يرجع بما بذل استنادا الى ما جاء فى البزازية: له عطاء فى الديوان مات عن ابنين فاصطلحا على أن يكتب فى الديوان اسم أحدهما ويأخذ العطاء ولا شئ للآخر من العطاء، ولكن يؤخذ ممن كتب اسمه وأخذ العطاء مالا معلوما، فالصلح باطل ويرد بدل الصلح، والعطاء الذى جعل الامام العطاء له.
كما نقل الخير الرملى عن المقدسى أن الفتوى على عدم جواز الاعتياض عن الوظائف على أساس أنها حقوق مجردة.
وذهب البعض الى أن المال الذى يؤخذ نظير الفراغ عن الوظائف رشوة وهى حرام بالنص.
وذهب ابن عابدين الى جواز أخذ العوض عن النزول عن الوظائف وقال: انه كلام وجيه يندفع به ما قيل من أن المال
стр. 2664
رشوة، وهى حرام، لأنه صلح عن حق، كما فى نظائره والرشوة لا تكون بحق.
وقد نزل الحسن بن على رضى الله عنهما لمعاوية رضى الله عنه عن الخلافة بعوض.
ونقل أن المفتى أبا السعود أفتى بجواز أخذ العوض فى حق القرار والتصرف وعدم صحة الرجوع. وقال ان الجواز أولى مما فى الخيرية من عدم الجواز وأن للمفروغ له الرجوع بالبدل (١).
وقد جاء فى حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢) وفى تنقيح الفتاوى الحامدية له أيضا: أن شيخ الاسلام زكريا من الشافعية والشيخ نور الدين الدميرى من المالكية. والشبيبى من الحنابلة: أفتى كل منهم بجواز وحل النزول عن الوظائف فى الوقف نظير ما يأخذه النازل من مال عوضا عن نزوله عن الوظيفة، وفى هذا اشارة الى جواز أخذ العوض عن اسقاط الحق عندهم.
تجزؤ الاسقاط
نص فقهاء الحنفية على أن الطلاق وهو اسقاط بالاتفاق - لا يتجزأ لأن محله لا يتجزأ فى قبول حكمه وهو زوال الحل أو الملك ابتداء أو انتهاء، فلا يتصور أن يكون بعض الزوجة حلالا للزوج محرما على غيره، وبعضها الآخر محرما عليه حلالا لغيره، فلو طلق جزءا شائعا منها كنصفها أو ثلثها طلقت، لأن الجزء الشائع محل لسائر التصرفات كالبيع والاجارة والهبة وغير ذلك فيكون محلا للطلاق، الا أنه لا يتجزأ فى حق الطلاق لما ذكرنا فيثبت فى الكل ضرورة.
وكذا اذا طلقها نصف تطليقة أو ثلث تطليقة وقعت عليها طلقة كاملة واحدة، لأن الطلاق لا يتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله صيانة للكلام عن الالغاء وتغليبا للمحرم على المبيح واعمالا للدليل بقدر الامكان، لأنه اذا قام الدليل على البعض وهو مما لا يتجزأ وجب اكماله وألا لزم ابطال الدليل.
ونصوا على أن العفو عن القصاص لا يتجزأ فلو عفا ولى الدم عن البعض سقط الحق وسقط القصاص كله ولم يبق له حق فى القود مطلقا.
وعللوا بأنه لا يتصور اسقاط نصف الحق فى القتل وابقاء النصف الآخر فأن القتل انما ثبت للولى نتيجة اثبات الشرع الحق له فى القصاص كاملا، ومع
стр. 2665
نصف هذا الحق الباقى بعد الاسقاط لا يمكن أن يثبت له القتل وهذا هو معنى سقوط القصاص بالعفو عن بعضه، وحق السيد فى استيلاد أمته لا يتجزأ، لعدم التصور أيضا، اذ لا يمكن أن يكون نصف الأمة مستولدا ونصفها الآخر غير مستولد، أما الاعتاق فأنه يتجزأ عند أبى حنيفة رضى الله عنه، لأن موجبه أولا وبالذات عنده هو زوال الملك عن الرقيق والملك يتجزأ قطعا وزوال الملك يتبعه زوال الرق، غير أن زوال الرق لا يثبت ولا يتحقق الا عند زوال الملك عن الكل ضرورة أن العتق قوة شرعية هى قدرة على التصرفات الشرعية من الولايات كالشهادة والقضاء والبيع وانكاح نفسه وبنته، ولا يتصور ثبوت هذه القوة فى بعض شائع منه، فاذا أعتق المولى بعض عبده عتق ذلك القدر عند أبى حنيفة بمعنى أن ملك المولى زال عن هذا البعض. لكن يتوقف زوال الرق وثبوت القوة الشرعية فى المملوك على زوال الملك عن الباقى.
أما الصاحبان فان الاعتاق عندهما لا يتجزأ لأن موجبه أولا وبالذات عندهما هو ازالة الرق واثبات القوة الشرعية للمملوك. وهما لا يتجزآن. فلو أعتق السيد بعض عبده كالنصف أو الثلث عتق كله وزال الرق عن جميعه وثبتت القوة الشرعية له كاملة.
فلا خلاف بين الامام وصاحبيه فى أن الملك وزواله يتجزآن ولا فى أن الرق وزواله لا يتجزآن.
وانما الخلاف فى حكم الاعتاق وموجبه أولا وبالذات فهو يرى أنه زوال الملك ولذا قال بالتجزى. وهما يريان أنه زوال الرق. ولذا قالا أنه لا يتجزأ.
والابراء من الدين يقبل التجزئة فله أن يسقط الدين كله وأن يسقط بعضه.
ولا يسقط الا ما أسقطه .. واسقاط حق الشفعة يقبل التجزئة فاذا قيل للشفيع أن المشترى هو فلان فسلم الشفعة ثم علم أن المشترى هو فلان مع غيره فله أن يأخذ نصيب هذا الغير لأن التسليم لم يوجد فى حقه .. ولو صالح الشفيع المشترى على أن يأخذ نصف المبيع بحصته من الثمن جاز الصلح.
وظاهر أن هذا الصلح أخذ بالشفعة فى النصف واسقاط لها فى النصف الآخر وكذا فى ظهور مشتر آخر والأخذ فى نصيبه وترك المشترى الذى أخبر به أولا وسلم بالنسبة هو أخذ بالشفعة فى البعض واسقاط لها فى البعض الآخر.
ومن هذا يتبين أن حق الشفعة يقبل التجزئة.
ولو جعل أرضه صدقة موقوفة وشرط غلتها لجماعة عينهم. فقال أحدهم لا أقبل غلة هذه السنة خاصة وأقبل ما كان من
стр. 2666
الغلة بعد ذلك … فهذا جائز على ما قبل من ذلك وما رد.
وكذلك الوصية بالثلث يقبل الموصى له منها ما شاء ويرد ما شاء فالموقوف عليه فى الأول والموصى له فى الثانى ثبت لهما بالوقف والوصية حق تملك الغلة والموصى به. ولكل منهما قبول البعض. ورد البعض وهذا الرد هو اسقاط لحق التملك فى البعض بعد أن ثبت فى الكل.
ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة على بنى فلان على أن لى أن أخص من شئت منهم فهو كما قال وله أن يخص من شاء منهم … ولو قال لا أخص واحدا منهم هذه السنة جاز وكانت الغلة بينهم بالسوية فى تلك السنة. فهو بهذا قد أسقط حقه فى التخصيص الذى ثبت له بمقتضى الشرط فى مدة معينة وهى السنة التى ذكرها. فأسقاط حق التخصيص المشروط له مما يقبل التجزئة.
ولو قال: أرضى هذه صدقة موقوفة لله على أن لى أن أعطى غلتها لمن شئت من بنى فلان صح الوقف والشرط وله أن يعطى غلتها لمن شاء منهم ولو شاءهم جميعا ثم مات واحد منهم جاز له صرف حصته لمن شاء منهم دون غيرهم. وان أبطل مشيئته فى حصة هذا الذى مات صح وكانت للمساكين.
وهو بهذا قد أبطل حقه فى الادخال الذى ثبت له بمقتضى شرطه فى جزء من الغلة وهو نصيب من مات دون باقيها.
فاسقاط حق الادخال والاعطاء مما يقبل التجزئة.
وهكذا باقى الشروط المعروفة بالشروط العشرة فى الاصطلاح الحديث وهى:
الادخال والاخراج. والأعطاء والحرمان.
والزيادة والنقصان والتغيير والتبديل.
والابدال والاستبدال. هذه الشروط يقبل اسقاطها التجزئة فللواقف أن يسقطها بالنسبة لبعض الموقوف عليهم دون البعض الآخر. وبالنسبة لبعض الموقوف دون بعضه الآخر. وبالنسبة لزمان دون زمان.
وهذا عند من يقول بسقوط هذه الشروط بالاسقاط لأن هذا محل خلاف كبير بين فقهاء الحنفية (١).
هذه جزئيات ومسائل وأمثلة مما ذكره فقهاء الحنفية وفصلوا أحكامه ترى فيها أمثلة لما يتجزأ فيه الاسقاط وأخرى لما لا يتجزأ فيه.
وبالتأمل فى هذه المسائل يتبين أن المراد من تجزى الاسقاط هو تجزؤ محله فى قبول حكمه وهو زوال الحق أو الملك وتلاشيه فيثبت فى بعضه دون البعض الآخر.
والمراد من عدم تجزى الاسقاط عدم تجزى محله فى قبول حكمه. فلا
стр. 2667
يثبت فى بعضه دون البعض بل يثبت فى الكل دفعة واحدة.
فالمدار على قبول محل الاسقاط لحكمه متجزئا وعدم قبوله.
فأن قبله قيل أن الاسقاط يتجزأ وأن لم يقبله قيل أنه لا يتجزأ ومحال الاسقاط مختلفة فى هذا المعنى ومن ثم كان من الاسقاطات ما يتجزأ وكان منها ما لا يتجزأ.
وليس لكل من النوعين ضابط بعينه ولا أصل محدد يقوم عليه .. والمرجع فى ذلك الى كل محل بخصوصه ومعرفة حكمه فى ذلك.
ويقول المالكية والشافعية والحنابلة أنه يصح الطلاق على مال والخلع نظير بدل. والعتق فى مقابله والعفو عن القصاص نظير مال. ويقع الطلاق ويحصل العتق ويسقط الحق فى القصاص ويثبت للمطلق وللسيد وللولى الحق فى المال والبدل.
ويقول المالكية انه يصح للحاضنة أن تسقط حقها فى الحضانة بعوض وبغير عوض ويقول الشافعية ان المعتدة من طلاق بائن لو أسقطت حقها فى السكنى لا يجوز سواء كان ذلك نظير عوض أو بدونه. واتفقوا على أنه لا يجوز اسقاط حق الخيار نظير عوض.
وفى تجزؤ الاسقاط يقول الائمة الثلاثة ان الاعتاق وهو اسقاط لملك الرقبة يتجزأ فلو أعتق بعض العبد أو حصته فيه عتق ما أراد، وفى حكم العتق تفصيل كثير. واتفقوا أيضا على ان الدائن يجوز ان يسقط عن المدين بعض دينه ويحتفظ بالباقى دون اسقاط وهذا هو تجزؤ الاسقاط واتفقوا على أن الطلاق لا يتجزأ فلو طلق زوجته نصف تطليقة أو أسند الطلاق ألى نصفها أو بعض منها وقع الطلاق كاملا فى كل الصور، وكذلك لو عفا بعض أولياء الدم عن حق القصاص دون بعض لا يتجزأ قطعا.
ومن ذلك يمكن القول بان رأى المالكية والشافعية والحنابلة فى مقابلة الاسقاط بالعوض وعدم مقابلته وفى تجزى الاسقاط وعدم تجزئه كالحنفية.
يقولون بمبدأ جواز الاعتياض عن الاسقاط وبمبدأ تجزى الاسقاط. مع الاختلاف الواسع فى التفاصيل وفى الفروع.
تعليق الاسقاط بالشرط واقترانه به
هناك تعليق على الشرط. مثل بعتك الدار ان رضى زيد. وأنت طالق ان دخلت منزل فلان. وأنت حر ان صمت رمضان.
وهناك اقتران بالشرط أو تقييد بالشرط مثل بعتك الدار على أن تقرضنى مبلغ كذا أو بشرط أن تقرضنى. وأنت طالق على أن لا تتزوجى فلانا أو بشرط أن لا تتزوجى فلانا وأنت حر على أن تخدمنى مدة حياتى.
وهناك اضافة الى الزمان المستقبل مثل أنت طالق غدا أو أول رمضان.
стр. 2668
والتعليق يمنع انعقاد اللفظ المعلق سببا للحكم حتى يحصل الشرط فاذا حصل يصير اللفظ سببا ويوجد الحكم.
ومن ثم صح عند الحنفية تعليق طلاق الأجنبية على التزوج بها نحو: ان تزوجتك فأنت طالق لأن حقيقة التعليق وانتاج السبب للحكم لا يتم الا فى الملك.
أمام الاضافة فلا تمنع سببية اللفظ للحكم.
ويترتب على ذلك أنه لو علق بقوله:
ان جاء غد فلله على أن أتصدق بكذا فلا يجوز له أن يعجل التصدق قبل مجئ الغد لعدم تحقق الالتزام قبل ذلك نتيجة عدم انعقاد اللفظ سببا ولو أضاف بقوله: لله على أن أتصدق بكذا غدا يجوز له التعجيل بالتصدق قبل مجئ الغد لتحقق الالتزام بتحقق سببية اللفظ واذا حلف لا يطلق امرأته فأضاف طلاقها الى الغد حنث بمجرد الاضافة. وان علق الطلاق على مجئ الغد لا يحنث حتى يتحقق الشرط ويجئ الغد لما ذكرنا.
أما التعليق والاقتران بالشرط أو التقييد به فليس بينهما فرق من حيث النتيجة العملية وترتب الاحكام والآثار.
مذهب الحنفية:
وقد قال الحنفية أن الاسقاطات المحضة ان كانت مما يحلف به كالطلاق والعتق فلا خلاف فى صحة تعليقها على الشرط واقترانها به أيا كان الشرط صحيحا أو فاسدا متعارفا أو غير متعارف.
فان كان الشرط صحيحا ومتعارفا لزم وان كان فاسدا أو غير متعارف بطل وصح الاسقاط وكذلك لا خلاف فى صحة اضافته الى الزمان المستقبل ويتقيد به ومن ذلك اضافته الى ما بعد الموت نحو أنت حر بعد موتى ويكون بمنزلة الايصاء بالعتق.
وان كانت الاسقاطات المحضة مما لا يحلف به كاسقاط الكفالة والحوالة وحق الشفعة وحق الخيار فى خيار الشرط والعيب والصلح عن دم العمد والابراء عنه ونحو ذلك فانه يصح التعليق فيها على الشرط المألوف المتعارف وكذا الاقتران به وتصح اضافتها الى الزمان المستقبل.
غير أنه قد ورد فى بعض الكتب ما يشير الى وقوع خلاف فى جواز تعليق بعض هذه الاسقاطات كتسليم حق الشفعة واسقاط خيار الشرط والعيب.
فقد جاء فى الهداية (١) من باب الشفعة.
اذا صالح من شفعته على عوض بطلت ورد العوض لأن حق الشفعة لا يتعلق اسقاطه بالجائز من الشروط فبالفاسد أولى - فهذا صريح فى عدم جواز
стр. 2669
التعليق على الشرط مطلقا فى اسقاط حق الشفعة.
وعلق صاحب العناية فى شرحه للهداية على ذلك بقوله: ذكر الامام محمد فى الجامع الصغير أنه لو قال: سلمت الشفعة فى هذه الدار ان كنت قد اشتريتها لنفسك وقد اشتراها لغيره فهذا ليس بتسليم لأنه علقه بشرط وصح لأن تسليم الشفعة اسقاط محض كالطلاق فصح تعليقه بالشرط. فهذا صريح فى صحة تعليق اسقاط حق الشفعة على الشرط.
ووفق البعض بين هذه النقول بحمل ما فى الهداية على التسليم والاعراض لأنه بأخذ العوض قد أعرض عن الشفعة نهائيا وتبين أن لا مصلحة له فيها فبطلت وحمل ما فى غيرها على التسليم المشروط الذى يدل على ارتباط الحق لديه بالمصلحة فلم تبطل بالتعليق.
وفى اسقاط خيار الشرط والعيب عده صاحب التنوير والدر المختار مما يجوز تعليقه بالشرط وتقييده به واضافته الى المستقبل.
ولكن جاء فى البحر من باب خيار الشرط فان قلت: هل يصح تعليق ابطال هذا الخيار واضافته؟ قلت: قال فى الخانية: لو قال من له الخيار ان لم أفعل كذا اليوم فقد أبطلت خيارى كان باطلا ولا يبطل خياره.
وكذا لو قال فى خيار العيب: ان ام أرده اليوم فقد أبطلت خيارى ولم يرده اليوم لا يبطل خياره … ولو قال: أبطلت خيارى غدا. أو قال: أبطلت خيارى اذا جاء غد - ذكر فى الملتقى أنه يبطل خياره قال:
وليس هذا كالأول لأن هذا وقت يجئ لا محالة بخلاف الأول - ثم قال ولو كان الخيار للمشترى فقال ان لم أفسخ اليوم فقد رضيت أو ان لم أفعل كذا فقد رضيت - لا يصح بل يبقى خياره.
وبالنظر فيما ذكر يتبين أن هناك خلافا فى صحة تعليق اسقاط هذين الخيارين على الشرط وتقييده به واضافته الى المستقبل.
فبعضهم أجازه كما ورد فى التنوير والدر المختار.
وبعضهم منعه كما ورد فى البحر نقلا عن الخانية.
وفرق بين التعليق على شرط فيه حظر فلا يصح وشرط محقق الحصول فى المستقبل كمجئ الغد فيصح.
وقال بعضهم: ان هذا اذا كان الشرطان أو أحدهما للبائع أما اذا كان للمشترى فلا يصح مطلقا.
وغير ما ذكر مسائل أخرى يطول الكلام اذا أريد استعراضها.
غير أن ما جرت عليه المتون هو الذى ينبغى الأخذ به وهو ما ذكرنا من جواز
стр. 2670
التعليق والتقييد والاضافة فى هذا النوع من الاسقاط بالشرط الصحيح المتعارف.
أما اذا كانت الاسقاطات ليست محضة بل كان فيها تمليك ولو من وجه كالابراء من الدين - فأنه يصح تعليقه وتقييده بالشرط المتعارف كما لو أبرأته مطلقته بشرط الامهار فانه يصح وصورته أن تكون مطلقة منه ولها عليه دين وعرض عليها أن يتزوجها وتبرئه من دينها عليه فتشترط عليه أن يمهرها فى هذا الزواج وتبرئه مما لها عليه ويتم ذلك ويقبل هو الامهار لأن الامهار فى الزواج متعارف وتعليق الابراء بشرط متعارف جائز. فان قبل الامهار وهم بأن يمهرها فأبت ولم تزوج نفسها منه لا يبرأ لفوات الامهار الصحيح.
ولو أبرأته المبتوتة بشرط تجديد النكاح بمهر ومهر مثلها مائة فلو جدد لها نكاحا بدينار فأبت لا يبرأ بدون الشرط.
أما تعليق هذا القسم على شرط غير متعارف فلا يجوز ولو كان صحيحا وتعليقه بالشرط الفاسد يبطله، لأنه تمليك من وجه فيعتبر بالتمليكات وهى لا يصح تعليقها بالشرط ويبطلها الشرط. الفاسد.
وعلق ابن عابدين على ذلك بأن الابراء ليس من مبادلة المال بالمال فينبغى ألا يبطل بالشرط الفاسد وكونه معتبرا بالتمليكات لا يدل الا على بطلان تعليقه بالشرط.
وكما يجوز تعليق هذا القسم وتقييده بالشرط المتعارف يجوز تعليقه بالشرط الكائن بالفعل وبالموت واضافته الى ما بعد الموت - لأن التعليق بالكائن تنجيز.
والتعليق بالموت والاضافة الى ما بعده وصية بالابراء والوصية بالابراء جائزة.
وفى تنقيح (١) الفتاوى الحامدية - سئل فى رجل قال لأجيره: ان أخرجتك من عندى فأنت برئ من الدين الذى لى عليك ويريد الآن اخراجه فهل لا يصح تعليق الابراء بالشرط؟ أجاب نعم لا يصح.
قال فى الكنز قبيل الصرف: ما يبطل بالشرط الفاسد ولا يصح تعليقه بالشرط أشياء عد منها الابراء من الدين. ومثله فى المتون والشروح.
وقد جاء فى الدر المختار شرح تنوير الابصار وحاشية ابن عابدين عليه وههنا أصلان.
أحدهما: أن ما كان مبادلة مال بمال يفسد بالشرط الفاسد كالبيع وما ليس مبادلة مال بمال بأن كان مبادلة مال بغير مال كالنكاح والطلاق والخلع على مال ونحوها. أو كان من التبرعات كالهبة والوصية لا يفسد بالشرط الفاسد.
وحقيقة الشروط الفاسدة هى زيادة ما لا يقتضيه العقد ولا يلائمه فيكون فيها فضل خال عن العوض وهو الربا. ولا يتصور ذلك فى المعاوضات الغير المالية ولا فى التبرعات بل يفسد الشرط ويصح التصرف.
ثانيهما: أن كل ما كان من التمليكات كالبيع
стр. 2671
والاجارة والاستئجار والهبة والصدقة والنكاح والاقرار والابراء. أو التقييدات كالرجعة فيها تقييد للمرأة عما أطلق لها بالطلاق من حقوق الزوجية. وكعزل الوكيل وحجر العبد فيهما تقييد لما أطلق للوكيل والعبد بالوكالة والاذن من التصرف فى مال الموكل والمولى مما كان من قبيل التمليكات والتقييدات يبطل تعليقه بالشرط.
الا أن يكون شرطا كائنا بالفعل فانه يصح لأنه يكون تنجيزا والا أن يكون بملائم فى الابراء أو بالموت أو مضافا الى ما بعده.
أما الاسقاطات المحضة كالطلاق والعتق والالتزامات كالحج ونحوه مما يلتزم بالنذر فان كانت مما يحلف بها كالطلاق والحج فانه يصح تعليقها على الشرط مطلقا ملائما كان أو غير ملائم وان كانت لا يحلف بها من الاسقاطات كاسقاط حق الشفعة والالتزامات كما فى التزام ما لا يلزم شرعا. كأن يأذن لجاره بهدم جدار مشترك بينهما ويعلق هذا الأذن على شرط محافظة المأذون على دار الآذن وعدم اصابتها بضرر فان هذا التعليق غير صحيح ولا يلزم الشرط، ان كانت الاسقاطات والالتزامات كذلك فانه لا يصح تعليقها بالشرط.
وفى الاطلاقات كالأذن بالتجارة والولايات كالقضاء والامارة نحو ان وصلت الى بلد كذا فقد وليتك قضاءها أو امارتها.
والتحريضات نحو ان قتلت قتيلا فلك سلبه يصح تعليقها بالشرط الملائم وهو ما يؤكد موجب العقد - كما فى المثالين المذكورين.
وبمقارنه هذه النقول والأحكام يتبين أنه لا خلاف فى عدم صحة تعليق الابراء من الدين على الشرط ولا تقييده به ألا أن يكون شرطا ملائما متعارفا والا أن يكون التعليق على موت المبرئ وكذلك اضافته الى الزمان المستقبل لا تصح الا الى ما بعد الموت (١).
مذهب المالكية:
أما المالكية فان الأرجح عندهم مراعاة جانب التمليك فى الابراء من الدين ومن ثم فانه لا يجوز عندهم تعليقه على الشرط اعتبارا بالتمليكات وقد تقدم أنهم يرون توقف الابراء على القبول وأنه يرتد بالرد تغليبا لجانب التمليك فيه على جانب الاسقاط (٢).
مذهب الشافعية:
وللشافعية فى الابراء قولان هل هو اسقاط أو تمليك؟
والترجيح مختلف فى الفروع. ومن هذه الفروع تعليق الابراء على الشرط.
والأصح مراعاة جانب التمليك بالنسبة لذلك فلا يصح التعليق ولم يفرقوا بين شرط وشرط.
وأما بالنسبة لتوقف الابراء على قبول
стр. 2672
المبرأ وارتداده برده. فقد رجحوا جانب الاسقاط فيه ومن ثم قالوا لا يتوقف الابراء على قبول المبرأ ولا يرتد برده (١).
مذهب الحنابلة:
وذهب الحنابلة الى أن الأصل فى الابراء أن يكون منجزا. واذا علق على شرط لم يصح ولا يترتب عليه أثره فلا يسقط الدين من غير فرق بين شرط وشرط وذلك لما فيه من معنى التمليك فهو معتبر بالتمليكات كالبيع والاجارة لا يجوز تعليقها على الشرط، مع أنه تقدم فى الكلام على قبول الاسقاط ورده أنهم ينظرون الى جانب الاسقاط فيه، ومن ثم ذهبوا الى أنه يتم بارادة المبرئ ولا يتوقف على القبول ولا يرتد بالرد.
والواقع أن فيه الجانبين جانب التمليك وجانب الاسقاط. والترجيح يختلف بالنسبة لفروع المسائل والأحكام فيها.
وأجاز الحنابلة تعليق الابراء على الموت واضافته الى ما بعد الموت لأنه يكون حينئذ وصية بالابراء من الدين. والوصية بالابراء من الدين جائزة وهم فى ذلك كالحنفية (٢).
مذهب الزيدية:
وعند الزيدية: يصح تعليق الابراء من الدين وتقييده به ولو كان الشرط مجهولا أو غير متعارف أو لا تتعلق به أغراض الناس
كتقييده بنزول المطر أو بهبوب الريح أو بنعيب الغراب أو تعليقه على شئ من ذلك مثل أن يقول الدائن لمدينه ابرأتك من دينى عليك بشرط نزول المطر وقت كذا أو عند نزول المطر أو اذا هبت الريح أو اذا نعب الغراب .. أو نحو ذلك.
واذا قيد الابراء بالشرط أو علق عليه فلا يجوز للدائن المبرئ الرجوع فيه قبل تحقق الشرط.
ويصح تعليق الابراء على الموت واضافته الى ما بعده عندهم ويكون حينئذ وصية بالابراء والوصية بالابراء جائزة عندهم كالحنفية والحنابلة (٣).
واذا كان اختلاف الفقهاء فى صحة تعليق الابراء على الشرط وعدم صحته مبنيا كما رأينا على ما فيه من معنى التمليك واعتباره بالتمليكات فى عدم صحة تعليقه على الشرط أو ما فيه من معنى الاسقاط واعتباره بالاسقاطات المحضة التى ليس فيها تمليك فان ذلك يدل دلالة صريحة على أن الاسقاطات المحضة يجوز تعليقها على الشرط دون تفصيل فى نوع الشرط الذى يصح التعليق عليه دون نظر الى تفصيل فى نوع الاسقاطات.
محل الاسقاط
يراد بمحل الاسقاط. الحق الذى يتعلق به الاسقاط ويرد عليه. وليست كل الحقوق
стр. 2673
صالحة لأن يتعلق بها الاسقاط أو يرد عليها بل هناك حقوق تصلح لذلك وحقوق لا تصلح له، وليس من السهل بل ليس من الميسور حصر جميع الحقوق التى تقبل الاسقاط والتى لا تقبلها وسرد هذه وتلك فى بيان يحددها أو تفصيل يحيط بها كما أنه ليس من المفيد تتبع المسائل والجزئيات فى أماكنها وجمعها دون ابراز ما تعبر عنه من ضوابط ومعان جامعة.
والحقوق بالنسبة لقبول الاسقاط وعدم قبوله تنقسم الى ثلاثة أقسام.
الأول: ما لا يقبل الاسقاط.
والثانى: ما يقبله.
والثالث: ما حصل فيه اختلاف بين فقهاء الحنفية فى قبوله الاسقاط وعدم قبوله.
ما لا يقبل الاسقاط
ما لا يقبل الاسقاط أنواع أربعة:
الأول: ملك الأعيان.
والثانى: حق الغير أو ما يتعلق به حق الغير.
والثالث: الأوصاف الذاتية وما يعتبر اسقاطه تغييرا لحكم الشرع.
والرابع: الحقوق التى لم تجب بعد.
وسنتكلم على كل نوع فيها بشئ من التفصيل.
ملك الأعيان
فى الخانية من باب الصلح: الابراء عن الأعيان لا يصح، وفيها من باب الشرب.
اذا قال صاحب المسيل: أبطلت حقى فى المسيل لا يبطل ذلك بالابطال لأن ملك العين لا يبطل بالابطال.
وفى المحيط البراءة عن الأعيان بالاسقاط والابراء باطلة. حتى لو قال أبرأتك عن هذه العين لا يصح لأن العين لا تقبل الاسقاط.
وفى الخانية من باب الغصب: الابراء عن العين المغصوبة ابراء عن ضمانها وتصير أمانة فى يد الغاصب بعد الابراء.
وفى الأشباه: اذا أسقط صاحب المسيل حقه فيه. ان كان يملك حق اجراء الماء فى المسيل دون رقبته سقط حقه بالاسقاط قياسا على حق السكنى. وان كان يملك رقبة المسيل لا يبطل ملكه بالابطال. ومثل ذلك فى تنقيح الفتاوى الحامدية (١).
وفى موضع آخر نقل صاحب الأشباه نص الخانية وعقب عليه بقوله: قولهم الابراء عن الأعيان باطل معناه لا تكون ملكا للمبرأ بالابراء. والا فالابراء عنها بقصد سقوط الضمان عن المبرأ اذا كانت العين فى يده مضمونة صحيح ويسقط عنه الضمان بالابراء ويحمل على الامانة فلا تضمن الا بالتعدى عليها.
стр. 2674
وعند الامام زفر لا يصح الابراء عن العين المغصوبة ولا يعتبر ابراء عن ضمانها وتبقى مضمونة.
فتبين مما ذكر أن اسقاط الأعيان لا يصح ولا يفيد زوال ملك المبرئ عن العين وثبوت الملك فيها للمبرأ وانما يصح الابراء عن ضمان العين أن كانت مضمونة على خلاف لزفر فى ذلك.
وفى الدر المنتقى أن الابراء عن نفس الأعيان باطل ديانة فلا تصير العين ملكا للمبرأ المدعى عليه بهذا الأبراء ولا يبرأ به عنها فيما بينه وبين الله تعالى واذا ظفر المبرئ بها أخذها ..
وصحيح قضاء فلا تسمع عليه الدعوى بها أمام القضاء بخلاف الابراء عن دعوى العين فانه يصح قضاء وديانة.
وفى البحر أن الابراء من العين باطل فلا يسقط به الملك ولا حق الدعوى.
وصحيح بالنسبة للضمان فلا يضمنها من هى فى يده.
وقال بعضهم أن الابراء عن العين لا يسقط به حق الدعوى اذا كان الخصم منكرا. أما اذا كان معترفا بالعين للمدعى فتسمع عليه الدعوى بها ويكون الابراء عنها معناه الابراء عن ضمان ردها.
وبهذا يحصل التوفيق بين ما فى الدر من سقوط الدعوى بالابراء عن العين وما فى البحر من عدم سقوط هذا الحق بهذا الابراء.
وخلاصة ما ذكر كله أن اسقاط نفس الأعيان على وجه الانشاء باطل من جهة فلا يسقط به الملك ولا تحصل به البراءة عنها ديانة وصحيح من جهة فيسقط به ضمانها ان كانت مضمونة كما فى الغصب وتنقلب أمانة على خلاف لزفر فى ذلك.
وكذلك يسقط بهذا الابراء حق الدعوى بالعين ان كان الخصم منكرا للعين أما ان كان معترفا بها فلا تسقط الدعوى بل تسمع عليه ويكون الابراء حينئذ عن ضمان الرد.
ويستثنى من عدم صحة اسقاط الأعيان أو ملك الأعيان العتق.
فانه اسقاط لملك رقبة الرقيق. وهذا اسقاط ملك العين أو اسقاط العين.
ومع ذلك فقد اتفق الفقهاء جميعا على صحة هذا الاسقاط. فيكون استثناء من الأصل وهو عدم صحة اسقاط الأعيان.
ويفرق الزيدية: أصلا بين العين المضمونة كالتى فى يد غاصبها فيصح الابراء منها ويعتبر ابراء عن ضمانها وهذا أحد قولى المؤيد بالله. وبين العين التى تعتبر أمانة فى يد من هى فى يده وليست مضمونة. والابراء فى هذه
стр. 2675
يعد إباحة لها فيجوز لذى اليد أن يستهلكها بناء على هذا الابراء ويجوز لمالكها أن يرجع عن الابراء قبل استهلاكها.
وذهب بعضهم الى أن الابراء يعد اباحة لها مطلقا سواء كانت العين مضمونة أو أمانة.
وذهب بعض آخر الى أن الابراء من الأعيان يعتبر تمليكا للمبرأ لا فرق فى ذلك بين عين مضمونة على صاحب اليد عليها وعين هى أمانة فى يده، وليست مضمونة عليه (١)
حق الغير أو ما تعلق به حق الغير
اذا كان الملك أو الحق ثابتا لشخص بطريق شرعى صحيح فلا يكون لأحد غيره أن يتصرف فى هذا الملك أو الحق ولا أن يسقطه لأنه لا ملك له فيه ولا صفة له حتى يتصرف فيه أو يزيله عن ملك صاحبه.
وقد يكون الحق ملكا للشخص ولغيره أو يكون للغير حق متعلق بالملك فلا يملك المالك حينئذ ابطال الحق ولا ازالته مراعاة لحق الغير. ويشمل هذا النوع مسائل متعددة منها الحدود والتعزير والعدة. والسكنى فى مسكن العدة.
ودعوى الطلاق والخلع وسائر فرق
الزواج والحضانة القائمة والوكالة اذا تعلق بها حق الغير.
وسنتكلم على كل مسألة من هذه المسائل على الترتيب المذكور.
الحدود:
يقسم الفقهاء الجرائم الى جرائم حدود. وجرائم تعزير.
والحد يطلق فى اللغة على المنع ومنه سمى الفاصل بين العقارين حدا لأنه يمنع اختلاطهما.
وفى الاصطلاح. هو العقوبة المقدرة من قبل الشارع حقا لله تعالى. فلا يسمى القصاص حدا لأنه حق العبد ولا يسمى التعزير حدا لأنه غير مقدر من قبل الشارع وأن كان مقدرا من قبل ولى الأمر .. فيجب أن يتوافر فى جرائم الحدود معنيان.
الاعتداء على حق الله تعالى. وأن تكون العقوبة مقدرة من الشارع.
وحق الله تعالى ما يمس المجتمع أى يكون الاعتداء فى الجريمة واقعا على المجتمع وماسا به سواء أكان بجانب ذلك اعتداء شخص على شخص كما فى السرقة فيها اعتداء على المسروق منه بأفزاعه وأخذ ماله، واعتداء على المجتمع بترويع الناس واشاعة الذعر والاضطراب والخوف فيهم، ومن ثم كانت اعتداء على حق الله
стр. 2676
تعالى، وكما فى القذف فيه ناحية شخصية بسبب المقذوف وايذائه والتشهير به وأخرى اجتماعية بما يترتب على القذف بالزنى من اشاعة الفاحشة فى الذين آمنوا والاستهانة بجريمة الزنى وتهوين أمرها على الناس كما ذهب الى ذلك الحنفية.
على خلاف ما يرى الامام الشافعى رحمه الله تعالى من أن القذف حق العبد خالصا على ما سيأتى - أم لم يكن بجانب ذلك اعتداء شخصى كما فى الزنى والشرب وقطع الطريق. فأن هذه الجرائم الاعتداء فيها على حق الله تعالى أى على حق المجتمع مباشرة.
والأساس فى ذلك هو ملاحظة الجانب الشخصى فى الجريمة بجوار الجانب الاجتماعى وقوة أثر الجريمة فى المجتمع وضعفه.
فاذا كان اثر الجريمة بالنسبة للمجتمع أقوى من أثرها بالنسبة للشخص. فأن العقوبة التى قررها الشارع على هذه الجريمة وقدرها لها تكون حدا وحقا لله تعالى، لأنه الذى أوجد الشرع لحماية الفضيلة فى المجتمع.
وان كان أثرها بالنسبة للشخص أقوى وأوضح. تكون العقوبة المقررة والمقدرة جدا فيه حق للعبد بجواز حق الله تعالى.
وقد قالوا ان الحدود الخالصة لله تعالى وليس للعبد فيها حق هى: جريمة الزنى وشرب الخمر وقطع الطريق لأن الجانب الشخصى غير ملاحظ فيها ففى الزنا الاعتداء الشخصى بين الرجل والمرأة غير واضح بل فيه استمتاع وتلذذ ولكن ثمة اعتداء آخر هو الاعتداء على الأسرة، والاعتداء على النسل، والاعتداء على النظام الاجتماعى الذى نظم الله فيه العلاقة بين الرجل والمرأة وحصر اباحة التلاقى بينهما فى علاقة الزواج المقدسة التى سماها النبى ﷺ كلمة الله - وفى الشرب يستمتع الشارب بالشرب ولا يعتدى على أحد به، ولكن فيه انتهاك للفضيلة الاسلامية واعتداء على العقل الذى شرف الله به الانسان على غيره. والخصومة ليست بشرط بالاتفاق فى الحدود الخالصة لله تعالى، فلا يتوقف الاثبات فيها على الدعوى، بل الشاهد فيها مدع، وتسمى هذه دعوى الحسبة أو شهادة الحسبة، لأن الاثبات لا بد أن تسبقه الدعوى الا فى هذه الحدود، فان الاثبات يسمع بدون دعوى فيها، فالزنى تسمع فيه الشهادة وتترتب عليها العقوبة وان لم تسبقها دعوى، وتسمى شهادة حسبة، وتقوم مقام الدعوى كما ذكر، وكذلك حد الشرب تكون الشهادة فيه حسبة وتقوم مقام الدعوى.
ولقد قال الكاسانى فى ذلك: لا خلاف فى أن الخصومة لبست بشرط فى حد الزنى
стр. 2677
أو الشرب، لأنه خالص حق الله تعالى، والخصومة ليست بشرط فى الحدود الخالصة لله تعالى، لأنها تقام حسبة لله تعالى فلا يتوقف ظهورها على دعوى العبد، والجرائم التى للعبد فيها حق بجانب حق الله تعالى هى جريمة السرقة والقذف وان اختلفا من حيث قوة حق العبد فيهما، فان السرقة اعتداء على المال، والمال لا بد له من مالك فجانب الملكية المصونة المحرزة فى حرز مثلها جزء من ماهية الجريمة، والحد لا يثبت الا اذا تحققت الملكية المحترمة التى هى فى حرز مثلها، فالجانب الشخصى متحقق وثابت فى الجريمة والحد ملاحظ فى اثباته ذلك الجانب الشخصى.
ومن ثم قالوا ان حق العبد ثابت فى السرقة فى الابتداء وحق الله ثابت فى الحد فى الانتهاء وكان مقتضاه أن يكون الحد فيها حقا خالصا لله تعالى ولكن نظرا لأن اثبات ذلك لا يتحقق الا بعد تحريك الدعوى من المسروق منه والخصومة وطلب الحد كان للعبد نوع حق وان لم يكن غالبا.
واشتراط الدعوى والخصومة فى حد السرقة هو رأى الحنفية والشافعية وأكثر الحنابلة، لأنه لا بد لتحقق السرقة من كون المال مملوكا ومحترما ومحرزا فى حرز مثله ولم يبح للسارق، ولا يتحقق كل هذا الا اذا ادعى المسروق منه اذ عساه يكون قد أباحه له أو مكنه منه أو لم يكن فى حرز مثله وغير ذلك من احتمالات .. ومع هذه الاحتمالات لا يقام الحد للشبهة وسقوط الاستدلال.
وذهب المالكية وبعض الحنابلة الى أنه لا حاجة الى الدعوى فى السرقة من المسروق منه وذلك لعموم النص فى قوله تعالى «وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ. وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»﴾. (١)
والقذف جانب الحق الشخصى فيه أوضح منه فى جانب السرقة كما سبقت الاشارة اليه. وقد اتفقوا على أن الخصومة شرط فى ثبوت حد القذف اذا لم يكن أساسه الاتهام بالزنى فى مجلس القضاء.
ومع أن الحنفية يشترطون الدعوى والخصومة فى حد القذف - فانهم يقررون أن الأفضل للمقذوف أن يعفو.
يقول الكاسانى: الأفضل للمقذوف أن يترك الخصومة لأن فيها اشاعة الفاحشة والعفو عن الخصومة والمطالبة التى هى شرطها من الفضل والكرامة. وقد قال تعالى «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» (٢) واذا رفع الأمر الى القاضى يستحسن للقاضى أن يقول قبل الاتيان بالبينة أعرض عن هذا لأنه ندب الى الستر والعفو.
والحدود عند الحنفية وجبت حقا لله
стр. 2678
تعالى فليس لأحد اسقاطها ولا العفو فيها اماما كان أو غيره.
ولا تجوز الشفاعة فيها بعد الوصول الى الحاكم والثبوت عنده بالدليل الشرعى البينة أو الاقرار أو النكول عند البعض فى بعض الحدود - حد القذف - لأنه حينئذ يكون طلبا لترك الواجب. ولذلك أنكر النبى ﷺ على أسامة بن زيد حين شفع فى المخزومية التى سرقت فقال «أتشفع فى حد من حدود الله؟».
أما قبل الوصول الى الحاكم والثبوت عنده فتجوز الشفاعة عند الرافع له الى الحاكم ليطلقه لأن وجوب الحد قبل ذلك لم يثبت فالوجوب لا يثبت بمجرد الفعل بل يجب على الامام بعد الثبوت عنده.
ويروى فى ذلك أن جماعة شكوا لصا ليرفعوه الى عثمان رضى الله عنه فتلقاهم الزبير فشفع فيه فقالوا: اذا رفع الى عثمان فاشفع فيه فقال: اذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع (١).
وقد صرح الامام الطحطاوى الحنفى بأنه تجوز الشفاعة فى الحد بعد الوصول الى الحاكم وقبل الثبوت عنده.
وحكم حد القذف عند الحنفية كحكم سائر الحدود لأن المغلب فيه حق الشرع فلا يجوز العفو فيه.
جاء فى الخانية: رجل قذف محصنة أو محصنا وأراد المقذوف حد القذف فصالحه القاذف على دراهم مسماة أو على شئ آخر على أن يعفو عنه ففعل لم يجز الصلح حتى لا يجب المال وهل يسقط الحد؟ ان كان ذلك قبل أن يرفع الأمر الى القاضى بطل الحد وان كان ذلك بعد ما رفع الى القاضى لا يبطل الحد - والرجل اذا قذف امرأته المحصنة حتى وجب اللعان ثم صالحها على مال على ألا تطلب اللعان كان باطلا ولا يجب المال - وعفوها بعد الرفع باطل وقبل الرفع جائز.
والمراد من الرفع الوصول الى الحاكم والثبوت عنده بالدليل.
وفيها أيضا: ولو أن رجلا أخذ سارقا فى دار غيره فأراد أن يدفعه الى صاحب السرقة بعد ما أخرج السرقة من الدار فصالحه السارق على مال معلوم حتى كف عنه كان باطلا وعليه أن يرد المال على السارق ولو كان هذا من صاحب السرقة لا يجب على السارق ويبرأ عن الخصومة اذا دفع السرقة الى صاحبها ولو كان هذا الصلح من صاحب السرقة بعد ما رفع الى القاضى. ان كان بلفظ العفو لا يصح بالاتفاق وان كان بلفظ الهبة والبراءة عندنا يسقط القطع.
وفيها أيضا: رجل زنى بامرأة رجل فعلم الزوج فأراد حدها فصالحاه معا أو أحدهما على دراهم معلومة أو شئ آخر على أن يعفو عنهما كان باطلا. لا يجب المال وعفوه باطل سواء كان قبل الرفع أو بعده.
стр. 2679
وفيها أيضا والامام أو القاضى اذا صالح شارب الخمر على أن يأخذ منه مالا ويعفو عنه لا يصح الصلح ويرد المال على شارب الخمر سواء كان ذلك قبل الرفع أو بعده.
ويخلص من هذا كله أن الحدود التى تتوقف على الدعوى وهى حد السرقة وحد القذف لا يصح العفو فيها بعد الرفع الى الحاكم الا أن يأتى المدعى بما يبطل الدعوى ويسقط الخصومة التى هى شرط فى اقامة الحد. كهبة المسروق للسارق أو ابرائه منه. وبعد الرفع لا يصح العفو فى الحد لأن الحد صار ثابتا وهو حق الله أو حق الله فيه غالب فلا يملك اسقاطه - والمراد من الرفع الوصول الى الحاكم والثبوت عنده كما يؤخذ مما قالوه فى الشفاعة.
والاسقاط فى حالة اتيان المدعى بما يبطل الدعوى - ليس واردا على نفس الحد فى الواقع بل هو وارد على الدعوى والمخاصمة وهى خالص حقه. ويترتب على ذلك سقوط الحد لفوات الشرط وهو المخاصمة.
أما ما لا يتوقف على الدعوى كحد الزنا وشرب الخمر فلا يصح اسقاطه قبل الرفع ولا بعده لأنه ليس هناك دعوى حتى ينصرف الاسقاط اليها - فتعين أن يكون واردا على نفس الحد وهو خالص حق الله فلا يملك العبد اسقاطه.
وفى جميع الأحوال لا يجب المال لأنه اذا لم يصح الاسقاط كان أخذا للمال بلا مقابل واذا صح الاسقاط كان اسقاطا لحق الخصومة وهو حق مجرد لا يصح أخذ العوض عنه. فأخذ المال فى الحالين بغير حق وأكل لأموال الناس بالباطل وهو حرام.
أما عند الائمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد فأنه لا يجوز العفو مطلقا فى الحدود الخالصة لله تعالى وهى حد الزنى وشرب الخمر لا قبل الرفع الى الحاكم ولا بعده لأن المعتدى عليه فيهما هو حق الله تعالى أو بحسب التعبير الجارى هو المجتمع ولا مجنى عليه فى الحقيقة سواه. ولا يملك أحد أن يبطل حق الله ولا حق المجتمع.
أما حد السرقة وحد القذف فان الحق الشخصى ثابت وظاهر فيهما بلا ريب. اذ الأول اعتداء على مال الشخص وأمنه والثانى اعتداء على سمعته وكرامته فيتصور فيهما العفو. والعفو قبل الترافع الى القضاء يجوز فى حد السرقة بالاتفاق. واذا كان العفو فلا دعوى ولا عقوبة.
وقد كان بعض الصحابة وكثير من الفقهاء يستحسنون الشفاعة لدى المجنى عليه قبل الترافع فيها الى الحاكم ليكون العفو منه عملا بقوله تعالى «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» (١) ولأنه من قبيل الستر. وستر الجرائم مستحسن دائما فى الاسلام اذ الجريمة المعلنة تدعو الى
стр. 2680
الجريمة وسبب لاشاعة نوعها، ولأن التسامح مع الجانى قد يؤدى الى توبته.
أما العفو بعد الترافع الى الحاكم وقبل الاثبات واقامة الدليل عنده فهو جائز كذلك بالاتفاق، وموضع النظر هو العفو بعد الرفع الى الحاكم والثبوت عنده بالدليل وقبل اقامة الحد والتنفيذ بالفعل .. اذ وقع خلاف فى جواز العفو فى هذه الحالة.
وأرجح الأقوال أنه لا يجوز العفو.
وقد تقدم أن الحنفية يقولون أن المدعى اذا أتى فى هذه الحالة بما يبطل الدعوى كتمليك المسروق للسارق أو ابرائه منه يسقط الحد لفوات شرط الخصومة، والاسقاط فى ذلك وارد فى الحقيقة على الدعوى والمخاصمة لا على الحد كما ذكر سابقا.
ولكن الأئمة الثلاثة قالوا ان تمليك المسروق من السارق بعد ثبوت الحد لا أثر له فى اسقاط الحد لأن النبى ﷺ أقام الحد بالفعل على سارق بعد أن تصدق المسروق منه عليه بما سرق.
جاء فى المغنى لابن قدامة الحنبلى (١) أن السارق اذا ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غيرهما من أسباب الملك. لم يخل من أن يملكها قبل رفعه الى الحاكم والمطالبة بها عنده أو بعد ذلك فان ملكها قبله لم يجب القطع لأن من شروطه المطالبة بالمسروق وبعد
زوال ملكه لا تصح المطالبة. وأن ملكها بعده لم يسقط القطع وبهذا قال مالك والشافعى واسحاق.
وقال أصحاب الرأى يسقط لأنها صارت ملكه فلا يقطع فى عين هى ملكه كما لو ملكها قبل المطالبة بها لأن المطالبة شرط والشروط يعتبر دوامها ولم يبق لهذه العين مطالب.
ولنا ما روى الزهرى عن ابن صفوان عن أبيه أنه نام فى المسجد وتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه الى النبى ﷺ فأمر به النبى أن يقطع. فقال صفوان يا رسول الله لم أرد هذا. ردائى عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ . فهلا قبل أن تأتينى؟.
واذا أقر المسروق منه بملكية العين المسروقة للسارق سقط الحد بالاجماع لانهيار جريمة السرقة حينئذ اذ قد وقع الأخذ على ملكه ولا عبرة بتناقض المدعى فى ادعائه السرقة ومطالبته بالحد قبل الاقرار لامكان التوفيق فى ذلك بأن يكون قد اشترى العين المسروقة من شخص ثم تبين أن هذا الشخص البائع كان قد اغتصبها من الشخص الذى اتهم بالسرقة ولم يكن مدعى السرقة يعلم بذلك ثم علم.
أما حد القذف فانه يجوز العفو فيه عند الشافعية والحنابلة ولو بعد الرفع الى الامام بل انه يجوز العفو عند الشافعية
стр. 2681
ولو بعد الحكم وقبل التنفيذ بل فى أثناء التنفيذ اذا صدر العفو لا يكمل الحد لأنه خالص حق العبد أو حق العبد فيه غالب لأن سبب وجوب هذا الحد هو القذف والقذف جناية على عرض المقذوف بالتعرض له وعرضه حقه. والحد بدل حقه فله أن يعفو عنه بدليل أن بدل نفسه يقبل العفو وهو القصاص فى العمد والدية فى الخطأ.
واشتراط الدعوى فيه يؤيد ذلك اذ الدعوى لا تشترط فى حقوق الله تعالى.
وقال المالكية: لا يجوز العفو عن حد القذف الا أن يريد المقذوف الستر على نفسه.
وقد جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى أنه قد اختلف فى جواز عفو المقذوف عن القاذف فقال بعض الفقهاء انه يجوز وقال آخرون أنه لا يجوز ولا عفو فى ذلك لأحد لقول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه:
لا عفو فى الحدود عن شئ منها بعد أن تبلغ الامام فان اقامتها من السنة.
وروى هذا عن الحسن البصرى وهو قول الأوزاعى.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز العفو عن الحد فى القذف.
وروى عن أبى يوسف فى أحد قوليه وعن الشافعى وأصحابه وابن حنبل وأصحابه أن العفو فى ذلك جائز قبل رفع الأمر الى الامام وبعد بلوغه اليه.
وقال مالك لا يجوز العفو عن حد القذف الا أن يريد المقذوف سترا على نفسه مخافة أن يثبت عليه ما رمى به.
ثم اختار ابن حزم أن حد القذف من حقوق الله تعالى لا مدخل للمقذوف فيه أصلا ولا عفو له (١).
بقى بعد ذلك الكلام عن أثر التقادم فى اسقاط الحدود وهل تسقط الحدود بالتقادم أو لا تسقط وهو من صميم الحديث فى الاسقاط غاية الامر أنه اسقاط من جانب الشارع عند من يقول أن التقادم يسقط الحد وليس اسقاطا من جانب الشارع عند من يقول أنه لا يسقطه.
جاء فى فتح القدير لكمال الدين بن الهملم فى فقه الحنفية (٢) الحاصل أن فى الشهادة بالحدود القديمة والاقرار بها أربعة مذاهب.
الأول: رد الشهادة بما عدا حد القذف من الحدود القديمة وعدم قبولها. وقبول الاقرار بتلك الحدود وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف.
الثانى: رد الشهادة بما عدا حد القذف من الحدود القديمة وقبول الاقرار بتلك الحدود عدا حد الشرب. وهو قول محمد ابن الحسن الشيبانى.
стр. 2682
الثالث: قبول الشهادة والاقرار بجميع الحدود القديمة كالحدود الجديدة على السواء وهو قول الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد.
الرابع: رد الشهادة والاقرار بجميع الحدود القديمة ونقل هذا عن ابن أبى ليلى.
ويتبين من هذا أن الأئمة الثلاثة مالكا والشافعى وأحمد يقولون أن التقادم لا أثر له بالنسبة للحدود القديمة كلها فلا يمنع قبول الشهادة عليها ولا قبول الاقرار بها وأن الشهادة على الجريمة القديمة كالشهادة على الجريمة الحديثة لا فرق بينهما وكذلك الاقرار بالجريمة القديمة كالأقرار بالجريمة الحديثة لا فرق بينهما ويحتجون على رأيهم بأمرين.
أحدهما: أن الشهادة على ما يوجب الحد والاقرار به كالشهادة على غيره من حقوق العباد والاقرار به سواء أكانت أموالا أم دماء. وبما أن التقادم لا يسقط العقوبة فى تلك الجرائم غير الحدود ولا يمنع سماع الشهادة فيها ولا قبول الاقرار بها فكذلك التقادم هنا فى الحدود لا يمنع قبول الشهادة والاقرار.
ثانيهما: أن أساس قبول الشهادة فى الحقوق هو الصدق والتأخير لا يؤثر فى صدق الشهادة ما دام الشهود عدولا لم تعلق بعدالتهم ريبة واحتمال الطعن أو التهمة مجرد افتراض لا يصح أن ترد به الشهادة فان رد شهادة العدل يجب أن يبنى على أمور متيقنة تقدح فى العدالة ولا يبنى على أمور غير متيقنة بل ولا مظنونة وانما هى مفترضة افتراضا.
ونوقش هذا الاستدلال أولا: بالمنع:
فأن الشخص لو أخر الشهادة فى حقوق العباد بعد طلب المدعى بلا عذر يعد فاسقا ولا تقبل شهادته من بعد .. وعلى فرض التسليم بأن التأخير لا يمنع من سماع الشهادة فى حقوق العباد - فان حقوق العباد لا تسقطها الشبهات ولا تؤثر فى وجوبها وثبوتها بخلاف الحدود فانها تدرأ بالشبهات عملا بقول النبى ﷺ : أدرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» ولذلك اذا تأخرت الشهادة فى السرقة سمعت بالنسبة لاثبات المال والضمان ولا تسمع بالنسبة لاقامة الحد. فلم تقبل الشهادة باثبات السرقة المتقادمة فى حق الحد لأنه حق الله والتقادم يمنع الشهادة به للتهمة والحد لا يثبت مع الشبهة وقبلت فى حق المال ويضمنه لعدم التهمة والمال يثبت مع الشبهة.
وكل ذلك بشرط ألا يدعى الشهود ويتأخروا من غير عذر والا فانهم لا شهادة لهم.
ونوقش ثانيا: بأن الحدود تقوم على أساس نفى التهمة لقطع الشبه المؤثرة فى اسقاط الحد بالحديث والتهمة هنا أثر خفى نفسى جاء من التأخير بدون عذر ولا سبب والامور الخفية النفسية لا يلغى اعتبارها فى الحدود .. ولانه لا اطلاع على
стр. 2683
ما فى النفس فأقيمت مدة التقادم مقام ذلك الأمر النفسى فى الدلالة.
وفى بيان ذلك يقول الزيلعى فى تبيين الحقائق (١) والحكم يدار على كونه حقا لله تعالى فلا تعتبر التهمة فى كل فرد من أفراده اذ التهمة أمر باطن لا يوقف عليه فيكتفى بالصورة لأن الحد يسقط بصورة الشبهة كما يسقط بمعناها.
أما رأى الأمامين أبى حنيفة وأبى يوسف فأنه يتكون من شقين.
الأول: عدم سماع الشهادة بالحدود القديمة.
والثانى: قبول الاقرار بتلك الحدود.
أما عن الشق الأول فان القول فيه مقصور على منع سماع الشهادة فى الزنى والشرب والسرقة بخلاف القذف لأنه حق العبد وأن كان لله تعالى حقا فيه كما سبق والحجة فى هذا الشق أن التأخير جعل الشاهد متهما. لأن الشاهد مأمور من قبل الشارع أمرا فوريا بأحد أمرين كلاهما حسبة لله تعالى عليه.
أولهما: أداء الشهادة لاقامة حد الله تعالى ومنع الفساد فى الأرض وتثبيت دعائم الدين والفضيلة.
وثانيهما الستر عملا بقوله ﷺ «من ستر على مسلم ستره الله فى الدنيا والآخرة» ولمنع أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا باعلان الخصومة لقوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» (٢) وهو مخير بين هذين النظرين.
والواجب أن يختار فورا فأن تأخر بدون عذر حتى مضت مدة تقادمت فيها الجريمة ثم أقدم على الشهادة كان اقدامه مظنة عداوة تحركت أو حقد طرأ فصار متهما.
ويؤثر عن الخليفة عمر فى ذلك فيما رواه عنه الامام محمد «أيما شهود شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فأنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم» واذا كان الشهود قد صاروا بالتأخير متهمين على هذا النحو فأن شهادتهم تكون مردودة ولا تقبل لقول النبى ﷺ لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين أى متهم ومن ثم كان التقادم فى الحدود مانعا من سماع الشهادة فيها.
أما الاقرار فى هذه الحدود الثلاثة فأنه يقبل ويثبت ويقام به الحد عند الشيخين لأن الاقرار تنتفى فيه تهمة الضغن لأنه يخبر عن نفسه والذى يخبر عن نفسه لا يتهم فى قوله خصوصا اذا كان قوله هذا يؤدى الى تلك العقوبة القاسية فمظنة أثارة الأمر للتهمة منتفية. ويستوى فى ذلك الاقرار بالزنى أو السرقة أو الشرب.
стр. 2684
وحجة الامام محمد فى استثناء حد الشرب من قبول الاقرار بالحدود القديمة فلم يقبل الاقرار به اذا تقادم - أن حد الشرب ليس منصوصا عليه فى كتاب الله ولا فى السنة الصحيحة، وانما ثبت باجماع الصحابة رضوان الله عليهم وقد كان اجماعهم فى شارب أتى به وأثر الخمر ما زال فيه.
أما اذا كانت آثار الخمر قد ذهبت ولم يبق فيه أثر لها فقد خالف فى اقامة الحد عليه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه وما كان الاجماع لينعقد مع مخالفة هذا الصحابى الجليل. فلم يكن هناك اجماع على ثبوت الحد فى تلك الحالة، وعلى ذلك يكون التقادم مانعا لاقامة الحد فى الشرب سواء أكان طريق ثبوته البينة اتفاقا مع الشيخين فى ذلك أم كان طريق ثبوته الاقرار عملا بما ذكر لأن التقادم يذهب بأثر الشرب كله رائحة وسكرا.
ثم التقادم كما يمنع قبول الشهادة فى الحدود القديمة على النحو المذكور ويسقط الحد فى الابتداء وقبل الحكم بالحد - فأنه يمنع اقامة الحد بالفعل بعد الحكم به - فاذا رفع الأمر فى حد من الحدود الثلاثة الزنى أو الشرب أو السرقة الى الحاكم وثبت عنده بالدليل وحكم الحاكم بالحد ثم تأخر التنفيذ مدة تقادم بها الحكم يسقط الحد بهذا التقادم. وهذا رأى أبى حنيفة والصاحبين أبى يوسف ومحمد.
وقال زفر من الحنفية والأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد أن التقادم لا أثر له مطلقا على الحد ولا يسقط بعد الحكم به.
جاء فى فتح القدير على الهداية للكمال ابن الهمام الحنفى ثم التقادم كما يمنع قبول الشهادة فى الابتداء يمنع الاقامة بعد القضاء عندنا خلافا لزفر حتى لو هرب بعد ما ضرب بعض الحد ثم أخذ بعد ما تقادم الزمان لا يقام عليه الحد. وقول زفر هو قول الأئمة الثلاثة.
واختلف فى تحديد مدة التقادم المؤثر فى سقوط الحد على أقوال.
فعن أبى حنيفة أن الأمر فى تقدير المدة مفوض لرأى الحاكم وفى كل عصر يقدرها بالقدر الذى يراه معتبرا فى تقدير الاعذار ومدى تأثيرها فى المدة لأن الوقائع تختلف والبلدان تختلف أعرافها وأحوالها فكان التقدير متعذرا فيترك التقدير للحاكم.
وقيل أن مدة التقادم ستة أشهر. فقد ذكر الكمال فى الفتح أن محمدا أشار فى الجامع الصغير الى أن التقادم ستة أشهر حيث قال: شهدوا بعد حين وقد جعلوه عند عدم النية ستة أشهر على ما تقدم فى الأيمان.
وقيل انها شهر لأنه فرق ما بين العاجل والآجل فيما لو حلف أن يؤدى دينه عاجلا اذ قالوا: يجب أن يؤديه فى أقل من شهر هذا كله فى الحدود.
أما فى القصاص فقد أجمع الفقهاء على أن الحق فيه للعبد لأولياء المقتول وهو
стр. 2685
مخير بين القصاص والعفو بعوض أو بغير عوض.
قال ابن عابدين من الحنفية فى تنقيح الفتاوى الحامدية من الجنايات: ويسقط القود بموت القاتل وبعفو الأولياء وبصلحهم على مال ولو قليلا.
وقال المالكية ان الواجب فى القتل العمد أما القصاص وأما عفو الأولياء كما ذكر ذلك ابن القاسم وقال أشهب أن الأولياء مخيرون فى القصاص وأخذ الدية والعفو على غير شئ (١).
وعند الشافعية رأيان.
الأول: أن الواجب القصاص والدية بدل عنه.
والثانى: أنهما يجبان ابتداء والولى مخير فيهما وللولى العفو فى جميع الحالات.
وقال الحنابلة أن الواجب فى هذا القتل القود أو الدية فيخير الولى بينهما وان عفا مجانا فهو أفضل (٢).
وقال ابن حزم أن ولى المقتول فى القتل العمد الواقع على مسلم مخير بين القتل والعفو أحب القاتل أو كره ولا رأى له فى ذلك (٣).
وفى مذهب الزيدية: أن القصاص فى القتل
العمد يسقط بعفو ولى المقتول عن القاتل (٤).
وعند الإمامية: أن لولى المقتول عمدا أن يعفو عن القاتل ولو تعددوا وعفا البعض لم يقتص الباقون حتى يردوا عليه نصيب من عفا. ومن لاولى له فالامام ولى دمه وله المطالبة بالقود أو الدية. وهل له العفو؟ المروى (٥): لا.
وفى مذهب الإباضية: أن الجناية تورث لعاصب فله أن يقتل قصاصا وله أن يعفو وله أن يأخذ الدية (٦).
أثر التقادم بالنسبة للحقوق والديون
هذا هو أثر التقادم بالنسبة للحدود وتلك هى أراء الفقهاء فيه.
أما بالنسبة للديون والحقوق المالية التى تقبل الاسقاط بالانشاء والتنازل، فان الأمر يختلف فيها.
ويكاد الفقهاء يتفقون على أن التقادم لا يسقط نفس الحق المالى ولا يؤثر فيه ديانة أى فيما بين العبد وربه، ولكنهم يختلفون فى ذلك من وجهة القضاء وسماع الدعوى بالحق، ويختلفون فى مدة التقادم والشروط التى يجب أن تتوافر ليعمل التقادم عمله ويمنع من سماع الدعوى بالحق عند من يقول به.
стр. 2686
جاء فى الدر المختار شرح تنوير الأبصار فى فقه الحنفية (١): القضاء مظهر لا مثبت ويتخصص بزمان ومكان وخصومة حتى لو أمر السلطان بعدم سماع الدعوى بعد خمس عشرة سنة فسمعها لم ينفذ ..
قلت فلا تسمع بعدها الا بأمر الا فى الوقف والارث. ووجود عذر شرعى وبه أفتى المفتى أبو السعود.
وجاء فى تعليق ابن عابدين فى حاشيته رد المحتار على الدر المختار على ذلك ونقل فى الحامدية فتاوى من المذاهب الأربعة بعدم سماع الدعوى بعد النهى المذكور
وأشار الى اختلاف النقل فى استثناء الارث كما ذكر صاحب الدر وعدم استثنائه.
ثم قال: ان عدم سماع الدعوى بعد هذه المدة انما هو لنهى السلطان عن سماعها فيكون القاضى معزولا عن سماعها لأن القضاء يتخصص وسبب النهى قطع الحيل والتزوير فلا ينافى ما فى الأشباه من أن الحق لا يسقط بتقادم الزمان.
ولذلك قالوا أنه يجب على السلطان الذى نهى قضاته عن سماع الدعوى بعد هذه المدة أن يسمعها بنفسه أو يأمر بسماعها لئلا يضيع حق المدعى
والظاهر أن هذا حيث لم يظهر من المدعى امارة التزوير وعدم سماع القاضى
الدعوى فى هذه الحالة انما هو عند انكار الخصم للحق فلو اعترف به تسمع الدعوى كما يعلم من فتوى المولى أبى السعود اذ لا تزوير مع الاقرار ولا يكون عدم السماع الا حيث يتحقق ترك صاحب الحق الدعوى به هذه المدة فلو ادعى اثناءها لا يمنع بل تسمع دعواه ثانيا، ما لم يكن بين الدعوى الأولى والثانية هذه المدة.
والدعوى لا تكون الا فى مجلس القضاء أما مجرد المطالبة خارج مجلس القضاء فلا يعد دعوى ولا يقطع التقادم.
ولا تبدأ المدة التى تمنع من سماع الدعوى ألا بعد ثبوت حق الطلب، فلو مات زوج المرأة أو طلقها بعد عشرين سنة من وقت الزواج فلها طلب مؤخر الصداق لأن حق طلبه انما يثبت لها بعد الموت أو الطلاق لا من وقت الزواج، ولو أخر دعوى الحق على المدين المعسر خمس عشرة سنة ثم أيسر وثبت يساره يكون له الحق فى الادعاء عليه لأن حق الطلب انما يثبت من وقت اليسار.
ونظير ذلك ما لو ادعى زيد على عمرو بدار فى يده فقال له عمرو كنت اشتريتها منك من عشرين سنة وهى فى ملكى الى الآن وكذبه زيد فى الشراء فتسمع دعوى عمرو الشراء من زيد وتقبل بينته على ذلك بعد مدة
стр. 2687
العشرين سنة، لأن الدعوى انما توجهت عليه الآن وأصبح مطالبا باثبات ملكيته الدار من الآن، وقبل ذلك كان واضع اليد بلا معارض فلم يكن مطالبا باثبات الملكية فلم يكن تاركا للدعوى فى تلك المدة، وانما تبدأ مدة التقادم من وقت معارضة زيد له فى الملكية.
وكذلك لو استأجر شخص دارا موقوفة من ناظر الوقف وكان ينفق على عمارتها واصلاحها من ماله ليكون دينا على الوقف ولا يطالب به ما دام فى الدار فاذا خرج منها فله الدعوى على الناظر بهذا الدين وان طالت مدة مكثه فى الدار عشرين سنة حيث جرت العادة بأنه لا يطالب بالدين قبل خروجه ولا سيما اذا كان يقتطع بعض الدين من أجرة الدار المستحقة عليه.
ولا يسقط حق الشخص فى رفع الدعوى بعد هذه المدة اذا كان هناك عذر منعه من رفعها خلال المدة كما اذا كان المدعى عليه ظالما يخاف منه أو دائنا له يخشى مطالبته بالدين وهو غير قادر عليه. أو معسرا أو كان المدعى صغيرا أو عديم الأهلية وليس له ولى ولا وصى - وكذا غيبة المدعى أو المدعى عليه.
وأعذار كثيرة لم تحصر وقد استثنوا الغائب والوقف والارث ولم يبينوا مدة فتسمع من الغائب ولو بعد خمسين سنة وكذا الظاهر فى باقى الأعذار أنه لا مدة لها لأن بقاء العذر وان طالت مدته يؤكد عدم التزوير بخلاف الوقف فانه لو طالت مدة دعواه بلا عذر ثلاثا وثلاثين سنة لا تسمع كما أفتى به فى الحامدية أخذا مما ذكره فى البحر فى كتاب الدعوى عن ابن الغرس عن المبسوط.
اذا ترك الدعوى ثلاثا وثلاثين سنة ولم يكن مانع من الدعوى ثم ادعى لا تسمع دعواه لأن ترك الدعوى مع التمكن يدل على عدم الحق ظاهرا.
وفى جامع الفتوى عن فتاوى العتابى.
قال المتأخرون من أهل الفتوى: لا تسمع الدعوى بعد ست وثلاثين سنة الا أن يكون المدعى غائبا أو صبيا أو مجنونا وليس لهما ولى أو المدعى عليه أميرا جائرا.
ونقل عن الخلاصة لا تسمع بعد ثلاثين سنة.
ثم لا يخفى أن هذا ليس مبنيا على المنع السلطانى بل هو منع من الفقهاء فلا تسمع الدعوى بعده وان أمر السلطان بسماعها.
وسماع الدعوى قبل مضى المدة المحدودة مقيد بما اذا لم يمنع منه مانع آخر يدل على عدم الحق ظاهرا، لما قالوه من أنه لو باع عقارا أو غيره وامرأته أو أحد أقاربه حاضر يعلم به ثم ادعى هذا الحاضر ابنه مثلا أن المبيع ملكه لا تسمع دعواه وجعل سكوته كالافصاح قطعا للتزوير والحيل بخلاف الأجنبى فان سكوته ولو جارا لا يكون رضا الا اذا سكت وقت البيع والتسليم وتصرف المشترى فيه زرعا وبناء فلا تسمع
стр. 2688
دعواه على ما عليه الفتوى قطعا للأطماع الفاسدة. ولم يقيدوا فى ذلك بمدة.
وقد أفتى البعض فيمن له بيت يسكنه مدة تزيد على ثلاث سنين ويتصرف فيه هدما أو عمارة مع اطلاع جاره على ذلك بأنه لا تسمع دعوى الجار عليه البيت أو بعضه على ما عليه الفتوى ..
وظاهر مما ذكر - أن الحق نفسه لا يسقط بمضى المدة مطلقا طالت المدة أو قصرت. وان من عليه الحق يجب أن يؤديه الى صاحبه فيما بينه وبين الله تعالى اذا كان فى ذمته ومقرا به. وان الأمر كله يتعلق بحق المطالبة بهذا الحق ورفع الدعوى به أمام القضاء.
وجملة القول فى ذلك: أولا: اذا أمر السلطان قضاته بعدم سماع الدعوى التى مضى عليها خمس عشرة سنة بأن يضمن قانونا للمحاكم هذا النهى - بما له من الحق فى ذلك بناء على قاعدة تخصيص القضاء بالزمان والمكان والخصومة.
فانه يجب عليهم شرعا أن يمتثلوا هذا الأمر ولا يحق لهم أن يسمعوا هذه الدعاوى ولا شيئا منها بصفتهم قضاة الا بأمر من السلطان يصدر اليهم بالسماع - ويعتبرون معزولين بالنسبة لما صدر النهى عن سماعه ولا يسقط الحق نفسه بهذا النهى، ولذلك يجب على من عليه الحق أن يؤديه لصاحبه فيما بينه وبين الله تعالى:
ويجب على السلطان أن يسمع هذه الدعاوى بنفسه، أو يأمر من يسمعها، لئلا يضيع الحق على صاحبه.
والسبب فى صدور مثل هذا النهى هو القضاء على الحيل وقطع دابر التزوير، لأن الظاهر يكذب مثل هذه الدعوى ويوحى بأنها لا تقوم على أساس من الحق فليس من المعتاد أن يسكت صاحب حق عن المطالبة بحقه مدة كهذه بدون عذر.
واستثنوا من ذلك الوقف والارث ومال اليتيم والغائب لطبيعة هذه الدعاوى وظروفها فلا يكفى مضى هذه المدة للنهى عن سماعها.
ثانيا: بالنسبة للوقف والارث ولما استثنى من النهى السلطانى المذكور - وفى حالة ما اذا لم يصدر نهى من ولى الأمر مطلقا. ومضت مدة طويلة تحمل على الاعتقاد بعدم أحقية الدعوى بعدها وتوحى بتكذيب الظاهر لها لا يجوز سماع أى دعوى بأى حق بعد مضى تلك المدة الطويلة.
وقد اختلف الفقهاء فى تقدير هذه المدة. فقدرها بعضهم بثلاثين سنة.
وقدرها بعض آخر بثلاث وثلاثين سنة.
وقدرها بعض ثالث بست وثلاثين سنة والأكثرون على التقدير الوسط - وهو ثلاث وثلاثون سنة.
وعدم سماع الدعوى بعد مضى هذه المدة بناء على آراء الفقهاء واجتهادهم لا على النهى السلطانى.
والأساس فى هذا وذاك هو القضاء على التزوير وقطع دابر الاحتيال والفساد
стр. 2689
وتبدأ المدة فى الحالتين من تاريخ ثبوت حق المطالبة بالحق لصاحبه لا من تاريخ ثبوت الحق نفسه.
فبالنسبة لمؤخر صداق الزوجة يثبت الحق للزوجة فى الصداق كله مقدمه ومؤخره بالعقد ومن تاريخ حصوله ولكن لا يثبت لها الحق فى المطالبة بالمؤخر منه الا بعد الطلاق أو الموت. فتبدأ مدة التقادم من تاريخ الطلاق أو الموت لا من تاريخ عقد الزواج.
ويشترط لأعمال التقادم وترتب أثره عليه وهو سقوط الحق فى رفع الدعوى بعد مضى المدة فى الحالتين المذكورتين أن يكون صاحب الحق قد ترك الدعوى بحقه طول المدة مع تمكنه من رفعها فيها، والا يكون هناك عذر شرعى لديه فى عدم رفعها، وأن يكون الذى عليه الحق منكرا له فى تلك المدة - فلو لم يتمكن من رفع الدعوى فى المدة أو كان لديه عذر منع من رفعها فيها أو كان من عليه الحق مقرا به فى المدة. فلا يسقط الحق فى رفع الدعوى بل يكون من حقه رفعها الا أن تمضى مدة أخرى وتتوفر الشروط والأوضاع ليسقط الحق اذن.
وقد ذكرت أمثلة للأعذار الشرعية التى تمنع من رفع الدعوى كالصغر والجنون مع عدم الولاية وكجور من عليه الحق.
وعدم وجود قاض. وغيبة المدعى أو المدعى عليه، وجهل المدعى بالحق.
ونحو ذلك مما لا يمكن حصره لاختلاف الأعذار باختلاف الناس والزمان والمكان والظروف والأحوال وتقدير القضاة وغير ذلك من العوامل التى تؤثر فى الاعتبار.
ثالثا: هناك أحوال يسقط فيها الحق فى رفع الدعوى دون انتظار لمضى مدة معينة لوجود مانع آخر من السماع يدل على عدم الحق ظاهرا أخذا من موقف للمدعى يوحى بأنه ليس على حق فيما يدعيه. كما لو باع شخص دارا لشخص آخر باعتبارها ملكه وزوجة هذا البائع أو ابنه أو أحد أقاربه حاضر مجلس البيع وتم البيع أمامه وبعلمه ثم جاء هذا الحاضر وادعى أن الدار المبيعة ملكه - لا تسمع منه هذه الدعوى، لأن ظاهر الحال يقطع بكذب هذه الدعوى اذ لو كان حقا ما يدعيه لبادر بالاعتراض على البيع وطلب رده فجعل سكوته بمثابة الافصاح بأنه غير مالك للدار، أما اذا كان الحاضر فى مجلس العقد أجنبيا من البائع فلا يعتبر سكوته عند البيع بمثابة تسليم بملكية البائع للمبيع ولو كان جارا له، بل لا بد أن يضاف الى ذلك سكوته عند تصرف المشترى فيه ببيع أو هدم أو بناء أو نحو ذلك
وحينئذ لا تسمع دعواه الملكية ..
أما لو ادعى قبل تصرف المشترى أو عند تصرفه فتسمع دعواه.
وجاء فى الجزء السادس من مواهب الجليل للحطاب (١): قال العلامة خليل:
وان حاز أجنبى غير شريك وتصرف ثم ادعى حاضر ساكت بلا مانع عشر سنين لم تسمع ولا بينته الا باسكان ونحوه - وقال شارحه الحطاب - ختم رحمه
стр. 2690
الله كتاب الشهادات بالكلام على الحيازة لأنها كالشاهد على الملك.
ونقل عن ابن رشد من سماع ابن القاسم - الحيازة لا تنقل الملك عن المحوز عنه الى الحائز باتفاق، ولكنها تدل على الملك كارخاء الستور ومعرفة العفاص والوكاء وما أشبه ذلك فيكون القول معها قول الحائز مع يمينه لقول النبى ﷺ من حاز شيئا عشر سنين فهو له، لأن المعنى عند أهل العلم فى قوله ﷺ : هو له - أن الحكم يوجبه له بدعواه - فاذا حاز الرجل مال غيره فى وجهه مدة تكون فيها الحيازة عاملة وهى عشرة أعوام دون هدم ولا بنيان أو مع الهدم والبنيان على ما نذكره من الخلاف فى ذلك وادعاه ملكا لنفسه بابتياع أو صدقة أو هبة وجب أن يكون القول قوله فى ذلك مع يمينه وسواء ادعى صيرورة ذلك اليه من غير المدعى أو من المدعى، ولا خلاف فى ذلك حين يدعى البيع اما فى ادعاء الهبة والصدقة ففيه خلاف وقوله مع يمينه هو أحد قولين.
والحيازة أقسام: أضعفها حيازة الأب عن ابنه، وتليها حيازة الأقارب الشركاء بالميراث أو غيره، وتليها حيازة الأقارب فيما لا شركة فيه بينهم وحيازة الموالى والأختان الشركاء، وتليها حيازة الموالى والأختان فيما لا شركة فيه بينهم ثم حيازة الأجانب الشركاء ثم حيازة الأجانب فيما لا شركة فيه بينهم وهى أقواها.
والحيازة تكون بأشياء - أضعفها السكنى والازدراع ويليها الهدم والبناء والغرس والاستغلال ويليها التفويت بالبيع والهبة والصدقة والنحلة - والركوب فى الدابة كالسكنى فما يسكن وكالازدراع فيما يزرع والاستغلال فى ذلك كالهدم والبنيان فى الدور والغرس فى الأرض.
والكلام هنا فى حيازة الأجنبى غير الشريك وهى أقواها فان حاز عقارا دارا أو أرضا ولو بالسكنى والزرع عشر سنين - فان هذه الحيازة تمنع سماع دعوى شخص آخر ملكية العين المحوزة بشرط أن يكون حاضرا عالما بالملكية فان كان غائبا غيبة بعيدة مسافة سبعة أيام تسمع دعواه وان كانت قريبة مسافة أربعة أيام أو أقل فان كان له عذر يمنعه من الحضور فهو على دعواه والا فلا تسمع دعواه.
كما يشترط أن يكون ساكتا فى مدة الحيازة فان تكلم وطالب فيها لا يسقط حقه ويشترط أيضا ألا يكون هناك مانع من الكلام فلو كان هناك مانع يمنعه من الكلام كخوف من الحائز لكونه ذا سلطان أو مستندا الى ذى سلطان. أو دين عليه للحائز أو صغر أو سفه فلا يبطل حقه فى ذلك كله.
وتقدير مدة الحيازة بعشر سنين هو قول الأكثر.
وعن مالك أن الأمر فيها مفوض الى القاضى وتقديره حسب الظروف والأحوال.
وقيل أنها تقدر بسبع سنين فاذا تمت الحيازة على هذا الوضع وتوفرت الشروط المذكورة فلا تسمع دعوى المدعى على الحائز.
стр. 2691
والمراد بعدم سماع الدعوى عدم العمل بها فلا يترتب عليها أثرها من توجه اليمين على المدعى عليه - وليس المراد أنها لا تسمع ابتداء اذ قد يقر المدعى عليه بملكية المدعى لتعود عليه الدعوى.
والملك نفسه لا يبطل بالحيازة لقوله ﵇ لا يبطل حق امرئ مسلم وان قدم، والحائز لا ينتفع بحيازته الا اذا جهل أصل مدخله فيها، أما اذا علم أن العين فى يده بسبب معين يدل على ملكية الغير فلا تنفعه الحيازة وتسمع بينة المدعى اذا ادعى أنه أعطى الدار للحائز اجارة ليسكنها مثلا.
والبناء والهدم من مظاهر الحيازة بالاتفاق ولكن ذلك مقيد بما اذا لم يهدم ما يخشى سقوطه أو يجرى اصلاحا يسيرا فان ذلك لا ينقل الملك ولا تحصل الحيازة بين الأقارب الشركاء الا بالهدم والبناء ولا تكون الحيازة بينهم بالسكنى والازدراع.
وهل تكون المدة عشر سنين أو تكون المدة الطويلة؟ خلاف.
والأرجح أن الحيازة بين الأقارب مطلقا شركاء أو غير شركاء لا تكون بالسكنى والازدراع وانما تكون بالهدم والبناء فى الأمد الطويل الذى يزيد على أربعين سنة.
وقيل تكفى عشرة أعوام فى الشريك الأجنبى والقريب الشريك ولا تكون الحيازة بين أب وابنه بالسكنى والازدراع والاستخدام والركوب اتفاقا.
وهناك أقوال فى مدة الحيازة وفيما تكون به الحيازة فى أقسامها المتقدمة.
وفى المدة التى يسقط بها طلب الدين (١) - قال فى المسائل الملقوطة من الكتب المبسوطة المنسوب لولد ابن فرحون - الساكت عن طلب الدين ثلاثين سنة لا قول له ويصدق الغريم فى دعوى الدفع ولا يكلف الغريم ببينة لامكان موتهم أو نسيانهم للشهادة.
وفى كتاب محمد بن ياسين فى مدعى دين سلف بعد عشرين سنة أن المدعى عليه مصدق فى القضاء اذ الغالب أن لا يؤخر السلف مثل هذه المدة كالبيوعات.
وفى التبصرة لابن فرحون نقلا عن مختصر الواضحة قال عبد الملك وقال لى مطرف وأصبغ: اذا ادعى رجل على رجل حقا قديما وقام عليه بذكر حقه بعد العشرين سنة ونحوها أخذه به وعلى الآخر البراءة منه.
وفى مفيد الحكام ذكر الحق المشهود فيه لا يبطل الا بطول الزمان كالثلاثين سنة والأربعين وكذلك الديون وان كانت معروفة فى الأصل اذا طال زمانها هكذا.
ومن هى له وعليه حضور فلا يقوم عليه بدينه الا بعد طول الزمان ليقول. قد قضيتك ومات شهودى بذلك فلا شئ على المدين غير اليمين.
قال وكذلك الوصى يقوم عليه اليتيم
стр. 2692
بعد طول الزمان وينكر قبض ماله من الوصى فان كانت مدة يهلك فى مثلها شهود الوصى فلا شئ عليه والا فعليه البينة بالدفع.
وقال البرزلى فى مسائل البيوع رأيت جوابا وأظنه للمازرى فى الديون فقال:
اذا طال الزمان على الطالب وبيده وثائق وأحكام وهو حاضر مع المطلوب ولا عذر له يمنعه من الطلب من ظلم ونحوه وسكت عن الطلب فاختلف المذهب، فى حد السكوت القاطع لطلب الديون الثابتة فى الوثائق والأحكام هل حد ذلك عشرون سنة وهو قول مطرف أو ثلاثون وهو قول مالك واتفقا جميعا على أن ذلك دلالة قاطعة لطلب الطالب .. وقول النبى ﷺ لا يبطل حق امرئ مسلم وان قدم - معلل بوجود الأسباب المانعة من الطلب كالغيبة البعيدة وعدم القدرة على الطلب مع الحضور حتى اذا ارتفعت هذه الأسباب من الطلب كان طول المدة مع الحضور والسكوت دلالة يقوى بها سبب المطلوب بدليل قوله ﷺ : من حاز شيئا على خصمه عشر سنين فهو أحق به، فأطلق ﵇ ذكر الحيازة فهو عام فى كل ما يحاز من ربع ومال معين وغيره.
فمن اجتهد وحد فى الرباع العشر سنين وحد فى الدين العشرين والثلاثين رأى أن ذلك راجع الى حال الطالب مع المطلوب، فمن غلب على حاله كثرة المشاحة وأنه لا يمكن أن يسكت عن خصمه عشر سنين جعلها حدا قاطعا.
ومن جعلها عشرين سنة أو ثلاثين أى أنها أقصى ما يمكن السكوت فى بيع المتحمل فجعلها حدا قاطعا لأعذار الطالبين، لأن الغالب من الحال أنه قضاء.
وقد قضى بتغليب الأحوال عمر بن الخطاب وقاله مالك فيمن له شئ وترك غيره يتصرف فيه. ويفعل فيه ما يفعل المالك الدهر الطويل فان ذلك مما يسقط الملك ويمنع الطالب من الطلب قاله مالك وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
واذا كان طول المدة مع حضور الطالب وسكوته مانعا له من الطلب - فالطلب ممنوع فى سائر المطالب دون وثائق وأحكام ورباع بدليل أن السكوت فى ذلك يعد كالاقرار المنطوق به من الطالب للمطلوب بأنه لا حق له عليه ولاتباعة ولا طلب.
ثم قال الحطاب: هذا الجواب يقتضى أن ما بعد الثلاثين مجمع عليه واذا أجراه على مسائل الحيازة ففيها قريب القرابة والبعيد والمتوسط والمقاطع لقريبه والمواصل له فيجرى عليها وفى بعضها ما يبلغ الخمسين وأكثر.
مع أنى أحفظ لابن رشد فى شرحه أنه اذا تقرر الدين وثبت لا يبطل وان طال لعموم الحديث المتقدم.
стр. 2693
واختاره التونسى اذا كان ذلك بوثيقة مكتوبة هى فى يد الطالب والطلب بسببها، لأن بقاءها بيد ربها دليل على أنه لم يقبض دينه. اذ العادة اذا قبض دينه أخذ عقده أو مزقه بخلاف ما اذا كانت الديون بغير عقود ولو وجدت بغير المطلوب والا ففيها قولان حكاهما ابن رشد.
وظاهر مما ذكر أن المالكية يفرقون بين الأعيان والديون ففى الأعيان يجعلون الحيازة مانعة من سماع الدعوى ويجعلون الحيازة أقساما أقواها ما بين الأجانب بغير الشركاء ثم الأجانب فيما هو شركة بينهما ثم الأقارب فى الحالين ثم الموالى والأختان فيهما وأضعفها ما بين الأب وابنه ويجعلون للحيازة مظاهر وأمارات أقواها الهدم والبناء وأضعفها السكنى والازدراع ويجعلون لها مدة أقلها عشر سنين وقد تمتد الى أربعين سنة أو تزيد.
والحيازة فى العقار بين الأجانب الذين لا شركة بينهم تكون بالبناء والهدم وغيرهما ومدتها عشر سنين وتمنع من سماع الدعوى بشروط.
منها جهل أصل الحيازة وأن يكون المدعى حاضرا وعالما بملكيته للعين المحوزة ويسكت عن المطالبة فى المدة وألا يكون له عذر ولا مانع يمنعه من المطالبة والمراد بعدم سماع الدعوى عدم ترتب أثرها عليها لعدم توجيه اليمين للمدعى عليه وترجيح جانبه فى الملكية وهم يقولون ان الحيازة لا تسقط الملك وانما هى دليل على الملك كالشهادة. وفى مدة الحيازة وما تكون به بالنسبة لأقسامها المختلفة أقوال وتفصيلات طويلة.
أما فى الديون فقد نقل عن ابن رشد أنها متى ثبتت وتقررت لا يسقط حق طلبها بمضى المدة طالت أو قصرت وسواء أكانت ثابتة بوثيقة أو حكم أو بغيرهما.
واختار التونسى ذلك فى الديون الثابتة بوثيقة أو حكم اذا كان السند باقيا بيد الطالب جريا على العرف من أنه اذا دفع الدين للدائن يؤخذ منه السند أو يمزق.
والمعروف فى المذهب والذى جرى عليه الأكثرون أن مضى المدة يمنع من الطلب على معنى أن المدعى عليه يعتبر بريئا ومؤديا للدين ما لم يقم دليل على غير ذلك ويستوى أن تكون الديون ثابتة بوثيقة أو بحكم أو بغير ذلك.
واختلف فى تقدير المدة عشرين أو ثلاثين سنة وأحسن ما قيل التفويض فيها الى رأى القاضى، لأن ذلك يختلف باختلاف الناس وأحوالهم فى الطلب والظروف التى تحيط بهم والصلات التى تربطهم وما يطرأ على هذه الصلات من عوامل تؤثر فيها بالقوة والضعف.
وجاء فى الفتاوى الكبرى لابن حجر
стр. 2694
الهيتمى (١): سئل ﵀ عن امرأة بيدها مستند شرعى مضمونه أن فلانة الفلانية اشترت من أختها فلانة الفلانية بيتا بيعا مطلقا بثمن كذا وكذا وقبضت البائعة الثمن باعترافها وحكم حاكم شافعى بالتبايع المذكور. ومؤرخ التبايع والحكم بعام سنة عشرين وتسعمائة (٩٢٠) والشاهد لم يكتب فى المستند معرفته للبائعة ولا عرفه بها أحد.
والحالة أن البائعة منكرة للبيع المذكور وأنها لم تقبض الثمن المذكور وأنها لم تكن أختا لها كما كتب فى المستند.
ثم أن البائعة جاءت عند حاكم شرعى مخالف للحاكم المثبت وادعت على المشترية المذكورة أنها واضعة يدها على بيتها بمقتضى أنها جعلته تحت يدها فى مبلغ اثنى عشر أشرفيا هو ومستندات شرعية تشهد لها بذلك فأجابت بأنها صار اليها ذلك بالشراء الشرعى منها كما ذكر أعلاه وأننى تقايلت واياك التبايع الصادر منك كما ذكر. فهل تسمع دعواها الآن بأنها لم تبع ولم تقبض الثمن؟ وهل حكم الحاكم الشافعى يمنعها من الدعوى بذلك وهل طول المدة مع تصرفها فى البيت بالهدم والبناء مسقط للطلب أيضا أم لا وهل للحاكم المدعى لديه الزام المشترية بحضور البينة ثانيا لتشهد فى وجه البائعة بالمعرفة والبيع وبقبض الثمن أم لا؟ فأجاب: نفع الله تعالى بعلومه بقوله: لا تسمع دعواها الآن
بأنها لم تبع حيث ثبت عند الحاكم وليس للحاكم المدعى لديه الزام المشترية بحضور البينة ثانيا لتشهد فى وجه البائعة بالمعرفة لأن من لازم حكم الحاكم بصحة البيع استيفاء مسوغاته الشرعية ومنها أن الشهادة لا تكون الا على عينها أو باسمها ونسبها ولا نظر لطول المدة المذكورة ولا لقصرها وأما دعواها أنها لم تقبض الثمن فان كانت الشهادة عليها بطريق المعاينة لم تسمع دعواها وان كانت بطريق الشهادة على اقرارها سمعت دعواها أنها لم تقر الا على رسم القيالة فتحلف المشترية أنها أقبضتها الثمن فان نكلت حلفت البائعة أنها لم تقبض واستحقت الثمن. والله أعلم.
وظاهر مما ذكر - أن طول المدة وقصرها لا دخل له مطلقا فى سماع الدعوى وعدم سماعها عند الشافعية.
وقد جاء فى مستهل ما نقلناه من تعليق العلامة ابن عابدين فى حاشيته رد المحتار على ما ذكره صاحب الدر المختار فى شأن النهى السلطانى عن سماع الدعوى بعد خمس عشرة سنة - أن صاحب الفتاوى الحامدية - نقل فتاوى من المذاهب الأربعة بعدم سماع الدعوى بعد نهى السلطان عن سماعها بعد مضى خمس عشرة سنة مما يدل على أن عدم السماع فى هذه الحالة ليس محل خلاف بين الأئمة رضوان الله عليهم.
стр. 2695
التعزير
يقول ابن تيمية فى جرائم التعزير - المعاصى التى ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذى يقبل المرأة الأجنبية أو يباشر بلا جماع أو يقذف فى الناس بغير الزنى أو يسرق من غير حرز أو شيئا دون النصاب أو يخون أمانته كولاة أموال بيت المال أو الأوقاف ومال اليتيم ونحو ذلك اذا خانوا أو كالوكلاء والشركاء اذا خانوا أو يغش فى معاملته كالذين يغشون فى الأطعمة والثياب ونحو ذلك أو يطفف المكيال والميزان أو يشهد الزور. أو يلقن شهادة الزور. أو يرتشى فى حكمه أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدى على رعيته. الى غير ذلك من أنواع المحرمات .. فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا بقدر ما يراه الوالى على حسب كثرة ذلك الذنب فى الناس وقلته، فاذا كان كثيرا زاد فى العقوبة، بخلاف ما اذا كان قليلا وعلى حسب حال المذنب فاذا كان من المدمنين على الفجور زيد فى عقوبته بخلاف المقل من ذلك وعلى حسب كبر الذنب وصغره (١).
فالجرائم التعزيرية متفاوتة تفاوتا بينا ومتنوعة تنوعا كثيرا منها جرائم يكون الاعتداء فيها اعتداء مباشرا على المجتمع أو على أوامر الله ونواهيه من غير أن يكون ثمة اعتداء على شخص
معين كجريمة ترك الزكاة وترك الصلاة وترك الأذان من الجميع والاتفاق على تركه فان هذه الجرائم فيها اعتداء مباشر على الدين وعلى حقوق الله تعالى وعلى الجماعة والعقاب فيها يكون حقا لله تعالى. ولذلك لا تقبل الاسقاط أو العفو الا أن يتوبوا لأن العقاب فيها للحمل على أداء الواجب والقيام به. وبالتوبة يتحقق ذلك.
وقد تكون الجناية على الأشخاص كالاتهام بالباطل والدعاوى الباطلة وكمطل الغنى والقذف بمثل يا فاسق يا آكل الربا. يا شارب الخمر ونحو ذلك. فان الاعتداء فى هذه الجرائم انما يقع على الأشخاص بالسب والتشهير. والعقاب عليها لحفظ حرمات الناس المسلمين وأعراضهم.
ولا شك أن هذه العقوبة ليست حقا خالصا لله تعالى بل يكون للعبد الحق فى أن يطلب العقاب أو لا يطلبه وفى أن يسقطه بالعفو أو لا يسقطه بعد وجوبه.
ثم أن العقوبات التعزيرية التى ترك الشارع الأمر فى تقديرها لولى الأمر.
هل تعتبر فى فرضها وتوقيعها حقا لولى الأمر بحيث يكون له أن يفرض العقوبة وألا يفرضها وبحيث يسوغ له أن يهمل العقوبة على جريمة تعزيرية يمكن أن تدخل تحت القضاء ويجرى عليها الاثبات امام القاضى بطريق معتاد ليس فيه
стр. 2696
تجسس ولا هتك للاستار. أو لا يسوغ له ذلك. وحتى يمكن الجواب عن هذا التساؤل يجب تمييز الجرائم وتحديد أنواعها من حيث أثرها المباشر بالنسبة للأشخاص والمجتمع.
فهناك جرائم على الأفراد أى يقع الاعتداء فيها أول ما يقع على الأشخاص وتكون العقوبة فيها حقا لهم كالاعتداء بالسب والضرب على أشخاص وكأكل أموالهم بالباطل بطريق الغصب أو بطريق الاحتيال والابتزاز وهناك جرائم على الكافة أى يقع الاعتداء والضرر فيها على المجتمع كالاحتكار والمغالاة فى الأسعار والتجسس على الدولة والتقبيل وكشف العورة واتيان الأفعال الفاضحة فى الطرقات العامة أو أمام الناس ونحو ذلك من الجرائم التى يكون فيها الاعتداء على الناس وعلى النظام العام والآداب والفضائل الانسانية.
وهناك جرائم يتمثل فيها الأمران الاعتداء على الأشخاص والمساس بحقوق الكافة ومن ثم يجتمع فيها الحقان حق العبد وحق الله كالرمى بغير الزنى. وكالزنى الذى لا يثبت فيه الحد للتقادم مثلا - فان هذه الجرائم تكون العقوبة فيها حقا لله تعالى وحقا للعبد.
والمقرر أن الجرائم التى يكون فيها اعتداء على حق العبد سواء أكان معه اعتداء على حق الله تعالى أم لم يكن يجب على ولى الأمر أن يضع لها عقابا عادلا زاجرا شافيا لنفس المجنى عليه متى طلب منه المجنى عليه ذلك دفعا للظلم وتحقيقا للعدل بين الناس ومنعا للفوضى والفساد فى الأرض.
وقد اتفق الفقهاء على أن هذا واجب على الامام وليس من حقه أن يعفو فيها وانما العفو بيد صاحب الحق ان شاء عفا وان شاء طلب العقاب وأصر عليه. ولا يسقط التعزير فى ذلك عن الجانى بالتوبة لأن حق العبد لا يسقط الا برضاه وتسامحه.
أما الجرائم التى يتمحض فيها العقاب لغير حق العبد كالزنى الذى لم يستوف الاثبات فيه نصاب أربعة شهداء وكجرائم الحدود الأخرى التى لم تكتمل فيها البينة نصاب شاهدين وكالذى يعرف بالافساد وارتكاب الكبائر والمنكرات من غير أن يرتكب حدا من حدود الله تعالى، ففى هذه الجرائم وأمثالها مما تمس فيه الجريمة حق المجتمع وتتمحض العقوبة فيها حقا خالصا لله تعالى يختلف الفقهاء هل يكون العقاب فيها واجبا على الامام يتعين عليه أن يقيمه ولا خيار له فيه ولا يملك أن يعفو عن الجانى.
أم يكون العقاب حقا للامام له أن يعاقب وله ألا يعاقب؟ رأيان:
الأول: رأى جمهور الفقهاء. الحنفية والمالكية والحنابلة أن التعزيز واجب ويتعين على الامام اقامته ولا يجوز له أن يعفو فيه عن الجانى ولا أن يترك عقابه كما أنه لا يجوز لأحد كائن من كان أن يعفو فيه ولكن اذا تاب الجانى وأصلح سقط عنه التعزير.
стр. 2697
والثانى رأى الشافعية: وهو أن التعزير ليس واجبا على الامام بل هو جائز له أن يفعله وألا يفعله لأنه تأديب وليس حدا فيتخير فيه كما يتخير فى تقدير العقوبة لما روى أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ وقال له: انى لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها فقال النبى ﷺ : أصليت معنا؟ قال نعم فتلا عليه «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ (١)» ولقوله ﵊ فى الأنصار «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» وقال رجل للنبى ﷺ فى الحكم الذى حكم به للزبير بن العوام بسقى أرضه ولم يوافق هذا الحكم غرضه «ان كان ابن عمتك» فغضب النبى ﷺ ولم يعزره .. وقال له رجل فى قسمة قسمها ﵊ «أن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله». وغضب النبى ﷺ ولم يعزره.
واحتج الجمهور بأن ما كان منصوصا عليه من التعزير كالتعزير فى وط ء جارية امرأته أو جارية مشتركة فيجب امتثال الأمر فيه وما لم يكن منصوصا عليه اذا رأى الامام بعد مجانبة هوى النفس المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر الا به وجب عليه لأنه زاجر مشروع لحق الله فوجب كالحد.
وما علم أنه ينزجر بدونه لا يجب وهو محمل حديث الرجل الذى ذكر للنبى ﷺ ما أصاب من المرأة فانه لم
يذكره له الا وهو نادم منزجر لأن ذكره ما وقع منه للنبى ليس الا لمعرفة ما يجب فيه ليفعل معه.
وأما ما قاله فى الأنصار فليس مما نحن فيه بل هو فى حقوق العباد. اذ لا تجاوز للعباد فى حقوق الله تعالى.
وأما حديث الرجل الذى انتقد حكم النبى ﷺ للزبير وحديث الرجل الذى انتقد قسمته ﵊ فترك التعزير فيهما لأنه حق النبى الخالص وليس فيه حق لله تعالى.
وقد تقدم أن حق العبد يجوز فيه العفو بالاتفاق.
جاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار فى فقه الحنفية أن التعزير الذى يجب حقا للعبد كالصبى يشتم رجلا اذ الصبى غير مكلف بحقوق الله تعالى فلا يظهر فيه حق الله فكان خالص حق العبد. ولا شبهة فى سقوط هذا بالاسقاط من صاحب الحق (٢).
وجاء فيها أما التعزير الذى يكون فيه حق الله وحق العبد وحق العبد غالب كالتعزير الواجب بألفاظ السب والشتم المنهى عنها شرعا فان فيه حق لله للنهى عنه وحق العبد للاعتداء عليه وهو غالب لحاجته فيجوز فيه الاسقاط بالابراء والعفو من صاحب الحق. ولو عفا سقط التعزير.
أما الذى يغلب فيه حق الله تعالى عند الحنفية
стр. 2698
فهو حد القذف وقد تقدم حكم العفو فيه فى الكلام على الحدود.
وجاء فى تبيين الحقائق للزيلعى فى فقه الحنفية (١) روى أن النبى ﷺ عزر رجلا قال لغيره يا مخنث. وحبس رجلا للتهمة وأجمعوا على وجوبه فى كبيرة لا توجب الحد أو جناية لا توجب الحد وهذا صريح فى أن التعزير باجماع الحنفية فى الكبائر التى يجرى فيها الاثبات بالطريق المعتاد واجب.
وجاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه فى فقه المالكية (٢): التعزيز ان كان واجبا فى معصية لله تعالى كالأكل فى نهار رمضان وتأخير الصلاة فلا يجوز لأحد اسقاطه الا أن يجئ تائبا أما ما كان حقا لآدمى كالسب والضرب والايذاء فيجوز لصاحبه اسقاطه - وجاء فى حاشية الدسوقى تعليقا على ذلك - فالتعزير المتحمض لحق الله يسقط عن مستحقه اذا جاء تائبا بخلاف التعزير لحق الآدمى فانه لا يسقط بالتوبة وانما يسقط بعفو صاحب الحق.
وجاء فى كشاف القناع فى فقه الحنابلة (٣) قال فى المبدع: ما كان من التعزير منصوصا عليه كما فى التعزير على وط ء جارية امرأته أو جارية مشتركة يجب امتثال
الأمر فيه وما لم يكن ورأى الامام المصلحة فيه وجب كالحد وان رأى العفو جاز للاخبار وان كان لحق آدمى فطلبه لزمه اجابته.
وفى الكافى يجب التعزير فى موضعين ورد الخبر فيهما وهما ما ورد النص فيهما على التعزير كما تقدم وما عداهما الى اجتهاد الامام فان جاء تائبا معترفا قد أظهر الندم والاقلاع جاز ترك تعزيزه والا وجب وهذا التائب هو محمل العفو فى عبارة كشاف القناع.
وجاء فى المغنى لابن قدامة الحنبلى من باب التعزير - والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب اذ رآه الامام وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال الشافعى ليس بواجب لأن رجلا جاء إلى النبى ﷺ فقال:
انى لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، وساق الحديث الذى تقدم ذكره وقول النبى فى الأنصار. أقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم - وحديث الرجل الذى اعترض على حكم النبى للزبير وحديث الرجل الذى اعترض على القسمة على النحو الذى تقدم. كما ساق الاستدلال للحنابلة على النحو الذى استدل به للجمهور فيما سبق.
وجاء فى كتاب الأم فى فقه الشافعية (٤):
أن التعزير جائز له - أى للامام وذلك أن التعزير أدب لا حد من حدود الله تعالى -
стр. 2699
وقد يجوز تركه. ألا ترى أن أمورا قد فعلت على عهد رسول الله ﷺ كانت فى غير حد فلم يضرب فيها، منها الغلول فى سبيل الله.
ولم يؤت بحد قط فعفاه.
ثم يقول فى هذا أيضا: التعزير كما وصفت انما هو شئ ان رأى بعض الولاة أن يفعله على التأديب لا يأثم بتركه.
ويقول فى موضع آخر (١): الأدب (التعزير) أمر لم يبح له الا بالرأى وحلال له تركه. ألا ترى أن رسول الله ﷺ قد ظهر على قوم قد غلوا فى سبيل الله تعالى فلم يعاقبهم ولو كانت العقوبة تلزم لزوم الحد ما تركهم كما قال ﷺ وقطع امرة لها شرف فكلم فيها فقال: لو سرقت فلانة لامرأة شريفة لقطعت يدها.
هذا هو الخلاف الذى تذكره كتب الفقه فى المذاهب المختلفة. وقد حاول البعض أن يوفق بين الآراء فقال أن الباعث على العقوبة أحد أمور ثلاثة.
أما فساد يعم وأما حمل على التوبة والرجوع الى الجادة واما زجر عام عن المعاصى.
والمنكرات تقع علنا وعلى صورة تدعو الى الرذيلة فيجب أن تقابلها عقوبة زاجرة.
فاذا كان واحد من هذه وتوفرت الشروط
بالاعلان وامكان الاثبات العادى وعدم حدوث التوبة وجبت العقوبة.
ولذلك قال فقهاء الحنفية: أن اقامة التعزير مستحق على الامام شرعا اذ علم أنه لا ينزجر الا به. وما يكون مستحقا على المرء لا يتقيد بشرط ليس فى وسعه التحرز عنه.
والحنابلة والمالكية يقولون بوجوب التعزير حين ينص عليه وحين تستوجبه المصلحة وتدعو اليه العدالة وهذه المعانى بلا شك يقدرها الامام الشافعى حق التقدير ولا يمكن أن يقول أن الامام له أن يترك التعزير وقد تعين دفعا للفساد ومنعا لاستمرار الجريمة أو منعا لشيوعها بين الناس. وقوله «حلال له تركه».
أو قد يجوز تركه يريد منه أنه مبنى على رأى الامام وتقديره وأنه ان عاقب فبرأيه الذى تدفع اليه المصلحة وتوجبه العدالة ويحتمه دفع الفساد وان ترك فلان المصلحة أوجبت ذلك. وليس المراد منه أنه مخير فيه وليس بواجب عليه أن تعين للانزجار ونحوه.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى (٢):
ومن أتى منكرات جمة فللحاكم أن يضربه لكل منكر منها عشر جلدات فأقل. وفى موضع آخر منه (٣) ويقال ذو الهيئة عثرته وهو
стр. 2700
الذى له هيئة علم وشرف ما لم يكن حدا أو منكرا فلا بد من اقامة الحدود والتعزير .. ؟
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (١) ويجب التعزير بعد الرفع فى حقوق الآدميين ولا يشترط الرفع فى حقوق الله.
ثم قال: ويسقط التعزير بالتوبة ولو بعد الرفع فى حق غير الآدمى.
وقال فى موضع آخر (٢): وما تعلق من التعزيرات بالآدمى كالشتم الذى هو دون القذف فحق له. وليس للامام طلبه ولا العفو عنه. فينتظر طلب من له الحق. ويصح العفو من صاحب الحق قبل الرفع وبعده. ولا يسقط بالتوبة اذا لم يسقطه من هو له .. وأما حق الله فانه يجوز لذى الولاية تركه أو العفو عنه لمصلحة ويسقط بالتوبة ولو بعد الرفع.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٣) وفى المختصر النافع (٤): يقيم الحاكم حدود الله تعالى أما حقوق الناس فتقف اقامتها على المطالبة حدا كانت أو تعزيرا ولصاحب الحق المطالبة أو العفو فى حق العبد.
ومنها العدة والسكنى فى مسكنها:
مذهب الحنفية:
أوجب الشارع العدة على المرأة عند
حصول الفرقة فى الزواج الصحيح وعند حصول الوفاة بعده وعند الفرقة بعد الدخول فى الزواج الفاسد وفى الوط ء بشبهة حقا للشارع الحكيم لتقرر آثار الزواج ونتائجه التى من شأنها أن تمتد بعد الفراق زمنا وحقا للزوج بثبوت نسب الولد منه اذا كان هناك حمل ظاهر والاحتياط لذلك عند عدم ظهور الحمل وأوجب الشارع على المعتدة السكنى فى مسكن العدة وهو المسكن الذى كانت تقيم فيه حين الفرقة أو الوفاة «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ. لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ (٥)» ويستوى فى ذلك أن تكون العدة عدة وفاة أو عدة طلاق أو فسخ بعد زواج صحيح. فلو حصلت الوفاة أو الفرقة فى وقت كانت فيه خارج هذا البيت وجب عليها أن تعود اليه فورا.
وسكنى المعتدة فى مسكن العدة فيه حق الله تعالى وحق الزوج وحق الزوجة.
فليس للزوج أن يسقط العدة عن زوجته ويبطلها. وان هو أسقطها وأباح لها التزوج بغيره أثناء عدتها لا تسقط ولا يحل لها التزوج بغيره لأن فى اسقاط حقه فى ذلك اسقاطا لحق الله فيه وهو لا يملكه وليس له أن يخرجها من مسكن العدة لأن فى