تجسس ولا هتك للاستار. أو لا يسوغ له ذلك. وحتى يمكن الجواب عن هذا التساؤل يجب تمييز الجرائم وتحديد أنواعها من حيث أثرها المباشر بالنسبة للأشخاص والمجتمع.
فهناك جرائم على الأفراد أى يقع الاعتداء فيها أول ما يقع على الأشخاص وتكون العقوبة فيها حقا لهم كالاعتداء بالسب والضرب على أشخاص وكأكل أموالهم بالباطل بطريق الغصب أو بطريق الاحتيال والابتزاز وهناك جرائم على الكافة أى يقع الاعتداء والضرر فيها على المجتمع كالاحتكار والمغالاة فى الأسعار والتجسس على الدولة والتقبيل وكشف العورة واتيان الأفعال الفاضحة فى الطرقات العامة أو أمام الناس ونحو ذلك من الجرائم التى يكون فيها الاعتداء على الناس وعلى النظام العام والآداب والفضائل الانسانية.
وهناك جرائم يتمثل فيها الأمران الاعتداء على الأشخاص والمساس بحقوق الكافة ومن ثم يجتمع فيها الحقان حق العبد وحق الله كالرمى بغير الزنى. وكالزنى الذى لا يثبت فيه الحد للتقادم مثلا - فان هذه الجرائم تكون العقوبة فيها حقا لله تعالى وحقا للعبد.
والمقرر أن الجرائم التى يكون فيها اعتداء على حق العبد سواء أكان معه اعتداء على حق الله تعالى أم لم يكن يجب على ولى الأمر أن يضع لها عقابا عادلا زاجرا شافيا لنفس المجنى عليه متى طلب منه المجنى عليه ذلك دفعا للظلم وتحقيقا للعدل بين الناس ومنعا للفوضى والفساد فى الأرض.
وقد اتفق الفقهاء على أن هذا واجب على الامام وليس من حقه أن يعفو فيها وانما العفو بيد صاحب الحق ان شاء عفا وان شاء طلب العقاب وأصر عليه. ولا يسقط التعزير فى ذلك عن الجانى بالتوبة لأن حق العبد لا يسقط الا برضاه وتسامحه.
أما الجرائم التى يتمحض فيها العقاب لغير حق العبد كالزنى الذى لم يستوف الاثبات فيه نصاب أربعة شهداء وكجرائم الحدود الأخرى التى لم تكتمل فيها البينة نصاب شاهدين وكالذى يعرف بالافساد وارتكاب الكبائر والمنكرات من غير أن يرتكب حدا من حدود الله تعالى، ففى هذه الجرائم وأمثالها مما تمس فيه الجريمة حق المجتمع وتتمحض العقوبة فيها حقا خالصا لله تعالى يختلف الفقهاء هل يكون العقاب فيها واجبا على الامام يتعين عليه أن يقيمه ولا خيار له فيه ولا يملك أن يعفو عن الجانى.
أم يكون العقاب حقا للامام له أن يعاقب وله ألا يعاقب؟ رأيان:
الأول: رأى جمهور الفقهاء. الحنفية والمالكية والحنابلة أن التعزيز واجب ويتعين على الامام اقامته ولا يجوز له أن يعفو فيه عن الجانى ولا أن يترك عقابه كما أنه لا يجوز لأحد كائن من كان أن يعفو فيه ولكن اذا تاب الجانى وأصلح سقط عنه التعزير.
стр. 2697
والثانى رأى الشافعية: وهو أن التعزير ليس واجبا على الامام بل هو جائز له أن يفعله وألا يفعله لأنه تأديب وليس حدا فيتخير فيه كما يتخير فى تقدير العقوبة لما روى أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ وقال له: انى لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها فقال النبى ﷺ : أصليت معنا؟ قال نعم فتلا عليه «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ (١)» ولقوله ﵊ فى الأنصار «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» وقال رجل للنبى ﷺ فى الحكم الذى حكم به للزبير بن العوام بسقى أرضه ولم يوافق هذا الحكم غرضه «ان كان ابن عمتك» فغضب النبى ﷺ ولم يعزره .. وقال له رجل فى قسمة قسمها ﵊ «أن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله». وغضب النبى ﷺ ولم يعزره.
واحتج الجمهور بأن ما كان منصوصا عليه من التعزير كالتعزير فى وط ء جارية امرأته أو جارية مشتركة فيجب امتثال الأمر فيه وما لم يكن منصوصا عليه اذا رأى الامام بعد مجانبة هوى النفس المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر الا به وجب عليه لأنه زاجر مشروع لحق الله فوجب كالحد.
وما علم أنه ينزجر بدونه لا يجب وهو محمل حديث الرجل الذى ذكر للنبى ﷺ ما أصاب من المرأة فانه لم
يذكره له الا وهو نادم منزجر لأن ذكره ما وقع منه للنبى ليس الا لمعرفة ما يجب فيه ليفعل معه.
وأما ما قاله فى الأنصار فليس مما نحن فيه بل هو فى حقوق العباد. اذ لا تجاوز للعباد فى حقوق الله تعالى.
وأما حديث الرجل الذى انتقد حكم النبى ﷺ للزبير وحديث الرجل الذى انتقد قسمته ﵊ فترك التعزير فيهما لأنه حق النبى الخالص وليس فيه حق لله تعالى.
وقد تقدم أن حق العبد يجوز فيه العفو بالاتفاق.
جاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار فى فقه الحنفية أن التعزير الذى يجب حقا للعبد كالصبى يشتم رجلا اذ الصبى غير مكلف بحقوق الله تعالى فلا يظهر فيه حق الله فكان خالص حق العبد. ولا شبهة فى سقوط هذا بالاسقاط من صاحب الحق (٢).
وجاء فيها أما التعزير الذى يكون فيه حق الله وحق العبد وحق العبد غالب كالتعزير الواجب بألفاظ السب والشتم المنهى عنها شرعا فان فيه حق لله للنهى عنه وحق العبد للاعتداء عليه وهو غالب لحاجته فيجوز فيه الاسقاط بالابراء والعفو من صاحب الحق. ولو عفا سقط التعزير.
أما الذى يغلب فيه حق الله تعالى عند الحنفية
стр. 2698
فهو حد القذف وقد تقدم حكم العفو فيه فى الكلام على الحدود.
وجاء فى تبيين الحقائق للزيلعى فى فقه الحنفية (١) روى أن النبى ﷺ عزر رجلا قال لغيره يا مخنث. وحبس رجلا للتهمة وأجمعوا على وجوبه فى كبيرة لا توجب الحد أو جناية لا توجب الحد وهذا صريح فى أن التعزير باجماع الحنفية فى الكبائر التى يجرى فيها الاثبات بالطريق المعتاد واجب.
وجاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه فى فقه المالكية (٢): التعزيز ان كان واجبا فى معصية لله تعالى كالأكل فى نهار رمضان وتأخير الصلاة فلا يجوز لأحد اسقاطه الا أن يجئ تائبا أما ما كان حقا لآدمى كالسب والضرب والايذاء فيجوز لصاحبه اسقاطه - وجاء فى حاشية الدسوقى تعليقا على ذلك - فالتعزير المتحمض لحق الله يسقط عن مستحقه اذا جاء تائبا بخلاف التعزير لحق الآدمى فانه لا يسقط بالتوبة وانما يسقط بعفو صاحب الحق.
وجاء فى كشاف القناع فى فقه الحنابلة (٣) قال فى المبدع: ما كان من التعزير منصوصا عليه كما فى التعزير على وط ء جارية امرأته أو جارية مشتركة يجب امتثال
الأمر فيه وما لم يكن ورأى الامام المصلحة فيه وجب كالحد وان رأى العفو جاز للاخبار وان كان لحق آدمى فطلبه لزمه اجابته.
وفى الكافى يجب التعزير فى موضعين ورد الخبر فيهما وهما ما ورد النص فيهما على التعزير كما تقدم وما عداهما الى اجتهاد الامام فان جاء تائبا معترفا قد أظهر الندم والاقلاع جاز ترك تعزيزه والا وجب وهذا التائب هو محمل العفو فى عبارة كشاف القناع.
وجاء فى المغنى لابن قدامة الحنبلى من باب التعزير - والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب اذ رآه الامام وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال الشافعى ليس بواجب لأن رجلا جاء إلى النبى ﷺ فقال:
انى لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، وساق الحديث الذى تقدم ذكره وقول النبى فى الأنصار. أقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم - وحديث الرجل الذى اعترض على حكم النبى للزبير وحديث الرجل الذى اعترض على القسمة على النحو الذى تقدم. كما ساق الاستدلال للحنابلة على النحو الذى استدل به للجمهور فيما سبق.
وجاء فى كتاب الأم فى فقه الشافعية (٤):
أن التعزير جائز له - أى للامام وذلك أن التعزير أدب لا حد من حدود الله تعالى -
стр. 2699
وقد يجوز تركه. ألا ترى أن أمورا قد فعلت على عهد رسول الله ﷺ كانت فى غير حد فلم يضرب فيها، منها الغلول فى سبيل الله.
ولم يؤت بحد قط فعفاه.
ثم يقول فى هذا أيضا: التعزير كما وصفت انما هو شئ ان رأى بعض الولاة أن يفعله على التأديب لا يأثم بتركه.
ويقول فى موضع آخر (١): الأدب (التعزير) أمر لم يبح له الا بالرأى وحلال له تركه. ألا ترى أن رسول الله ﷺ قد ظهر على قوم قد غلوا فى سبيل الله تعالى فلم يعاقبهم ولو كانت العقوبة تلزم لزوم الحد ما تركهم كما قال ﷺ وقطع امرة لها شرف فكلم فيها فقال: لو سرقت فلانة لامرأة شريفة لقطعت يدها.
هذا هو الخلاف الذى تذكره كتب الفقه فى المذاهب المختلفة. وقد حاول البعض أن يوفق بين الآراء فقال أن الباعث على العقوبة أحد أمور ثلاثة.
أما فساد يعم وأما حمل على التوبة والرجوع الى الجادة واما زجر عام عن المعاصى.
والمنكرات تقع علنا وعلى صورة تدعو الى الرذيلة فيجب أن تقابلها عقوبة زاجرة.
فاذا كان واحد من هذه وتوفرت الشروط
بالاعلان وامكان الاثبات العادى وعدم حدوث التوبة وجبت العقوبة.
ولذلك قال فقهاء الحنفية: أن اقامة التعزير مستحق على الامام شرعا اذ علم أنه لا ينزجر الا به. وما يكون مستحقا على المرء لا يتقيد بشرط ليس فى وسعه التحرز عنه.
والحنابلة والمالكية يقولون بوجوب التعزير حين ينص عليه وحين تستوجبه المصلحة وتدعو اليه العدالة وهذه المعانى بلا شك يقدرها الامام الشافعى حق التقدير ولا يمكن أن يقول أن الامام له أن يترك التعزير وقد تعين دفعا للفساد ومنعا لاستمرار الجريمة أو منعا لشيوعها بين الناس. وقوله «حلال له تركه».
أو قد يجوز تركه يريد منه أنه مبنى على رأى الامام وتقديره وأنه ان عاقب فبرأيه الذى تدفع اليه المصلحة وتوجبه العدالة ويحتمه دفع الفساد وان ترك فلان المصلحة أوجبت ذلك. وليس المراد منه أنه مخير فيه وليس بواجب عليه أن تعين للانزجار ونحوه.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى (٢):
ومن أتى منكرات جمة فللحاكم أن يضربه لكل منكر منها عشر جلدات فأقل. وفى موضع آخر منه (٣) ويقال ذو الهيئة عثرته وهو
стр. 2700
الذى له هيئة علم وشرف ما لم يكن حدا أو منكرا فلا بد من اقامة الحدود والتعزير .. ؟
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (١) ويجب التعزير بعد الرفع فى حقوق الآدميين ولا يشترط الرفع فى حقوق الله.
ثم قال: ويسقط التعزير بالتوبة ولو بعد الرفع فى حق غير الآدمى.
وقال فى موضع آخر (٢): وما تعلق من التعزيرات بالآدمى كالشتم الذى هو دون القذف فحق له. وليس للامام طلبه ولا العفو عنه. فينتظر طلب من له الحق. ويصح العفو من صاحب الحق قبل الرفع وبعده. ولا يسقط بالتوبة اذا لم يسقطه من هو له .. وأما حق الله فانه يجوز لذى الولاية تركه أو العفو عنه لمصلحة ويسقط بالتوبة ولو بعد الرفع.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٣) وفى المختصر النافع (٤): يقيم الحاكم حدود الله تعالى أما حقوق الناس فتقف اقامتها على المطالبة حدا كانت أو تعزيرا ولصاحب الحق المطالبة أو العفو فى حق العبد.
ومنها العدة والسكنى فى مسكنها:
مذهب الحنفية:
أوجب الشارع العدة على المرأة عند
حصول الفرقة فى الزواج الصحيح وعند حصول الوفاة بعده وعند الفرقة بعد الدخول فى الزواج الفاسد وفى الوط ء بشبهة حقا للشارع الحكيم لتقرر آثار الزواج ونتائجه التى من شأنها أن تمتد بعد الفراق زمنا وحقا للزوج بثبوت نسب الولد منه اذا كان هناك حمل ظاهر والاحتياط لذلك عند عدم ظهور الحمل وأوجب الشارع على المعتدة السكنى فى مسكن العدة وهو المسكن الذى كانت تقيم فيه حين الفرقة أو الوفاة «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ. لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ (٥)» ويستوى فى ذلك أن تكون العدة عدة وفاة أو عدة طلاق أو فسخ بعد زواج صحيح. فلو حصلت الوفاة أو الفرقة فى وقت كانت فيه خارج هذا البيت وجب عليها أن تعود اليه فورا.
وسكنى المعتدة فى مسكن العدة فيه حق الله تعالى وحق الزوج وحق الزوجة.
فليس للزوج أن يسقط العدة عن زوجته ويبطلها. وان هو أسقطها وأباح لها التزوج بغيره أثناء عدتها لا تسقط ولا يحل لها التزوج بغيره لأن فى اسقاط حقه فى ذلك اسقاطا لحق الله فيه وهو لا يملكه وليس له أن يخرجها من مسكن العدة لأن فى
стр. 2701
السكنى فيه حق الله تعالى فلا يملك اسقاطه وليس له أن يأذنها بالخروج من هذا المسكن لأنهما لا يملكان ابطال حق الله تعالى فى وجوب التزام بيت العدة والقرار فيه بخلاف حال قيام الزوجية حيث يكون له أن يأذنها بالخروج من منزل الزوجية حيث أن القرار فيه خالص حقه.
واذا أبرأت المطلقة مطلقها من حق السكنى حال قيام العدة لا يبرأ من ذلك لأن السكنى فى مسكن العدة كما هى حق لها حق لله تعالى فلا تملك ابطاله .. وان أبرأته من مؤنة السكنى صح ذلك. ولا تجب لها أجرة المسكن ولكن تجب عليها السكنى فى مسكن العدة .. وان صالحت المبانة زوجها من سكناها على دراهم لا يجوز لأن السكنى فى العدة حق الشرع وهى لا تقدر على اسقاط حق الشرع بعوض أو بغير عوض ويجوز لها أن تنتقل من المسكن الذى كان يضاف اليها حين الفرقة أو الوفاة وهو مسكن العدة الى مسكن آخر اذا كان هناك عذر يقتضى ذلك كأن تخشى سقوطه أو تخاف من السكنى فيه على نفسها أو مالها أو أراد مطلقها أو ورثة زوجها اخراجها منه ظلما أو أعنتوها فى السكنى فيه أو كانت تسكن فيه بالأجر بعد وفاة زوجها ولا تجد هذا الأجر (١).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية
الدسوقى عليه (٢) اذا خالع الزوج زوجته على خروجها من مسكنها الذى طلقها فيه فلا يجوز. ويجب رد خروجها من المسكن بعودتها اليه لأن ردها اليه وبقاءها فيه الى انقضاء العدة حق الله تعالى فلا يجوز لأحد اسقاطه ..
وبانت الزوجة من زوجها بالخلع ولا شئ عليها له. اللهم الا أن يريد بمخالعتها على الخروج من مسكن العدة مخالعتها على الخروج من أجرة هذا المسكن بأن تتحمل هى أجرته من مالها زمن العدة. فحينئذ يجوز ويلزمها تحمل تلك الأجرة.
والعدة (٣) تجب شرعا بخلوة الزوج البالغ غير المجبوب بزوجته التى تطيق الوط ء خلوة صحيحة يمكن أن يطأها فيها، ولو تصادق الزوجان على عدم حصول الوط ء بينهما فى هذه الخلوة لأن العدة حق لله تعالى فلا تسقط بتصادقهما على ذلك.
وانما يؤخذان باقرارهما بنفى الوط ء. فى الخلوة فيما هو حق لهما. فلا نفقة لها ولا يتكمل لها الصداق. مؤاخذة لها باقرارها. ولا رجعة له فيها مؤاخذة له باقراره.
وفى الحطاب (٤): وسقطت سكنى المعتدة اذا أقامت بغير المسكن الذى كان يسكن به من غير عذر .. ولو طلبت كراء الموضع
стр. 2702
الذى هربت منه فلا كراء لها. قاله فى التوضيح.
واذا انهدم المسكن (١) فدعت المرأة الى سكنى موضع ودعى الزوج الى سكنى غيره فذلك لها الا أن تدعوه الى ما يضربه لكثرة كراء فتمنع. ولو أسقطت الكراء سكنت حيث شاءت.
وظاهر مما ذكر أن العدة والسكنى فى مسكنها حق لله تعالى لا يملك الزوجان ولا أحدهما ولا غيرهما اسقاطه.
واذا انتقلت المرأة عن مسكن العدة بدون عذر سقط حقها فى السكنى وفى الكراء - وعند العذر تسكن المرأة حيث تريد ما لم يترتب على ذلك ضرر بالزوج كزيادة الأجر.
مذهب الشافعية:
فى شرح منهج الطلاب وحاشية البجيرمى (٢) عليه: وتجب السكنى لمعتدة فرقة بطلاق أو فسخ أو وفاة فى مسكن لائق كانت به عند الفرقة ولو كان من نحو شعر محافظة على ماء الزوج. ولا تخرج منه ولو رجعية. ولا تخرج هى منه.
ولو وافقها الزوج على خروجها منه بغير حاجة لم يجز وعلى الحاكم المنع منه لأن فى العدة حقا لله تعالى. وقد وجبت فى ذلك المسكن. فكما لا يجوز ابطال أصل العدة باتفاق الزوجين
لا يجوز ابطال توابعه. فلو أبطلت حقها فى السكنى نظير عوض أو بدونه لا يجوز ولا يبطل لأنها لا تملك ابطال حق الله تعالى.
ولو أسقطت حق السكنى عن الزوج لم يسقط لوجوبها يوما بيوم واسقاط ما لم يجب لاغ - قال الله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً»﴾.
وما ذكرته فى الرجعية هو ما قاله الامام قال فى المطلب ونص عليه فى الأم.
وفى الحاوى والمهذب وغيرهما من كتب العراقيين أن للزوج أن يسكنها حيث شاء لأنها فى حكم الزوجة. وبه جزم النووى فى نكته.
قال السبكى: والأول أولى لاطلاق الآية.
وقال الأوزاعى: أنه المذهب المشهور.
وقال الزركشى: انه الصواب.
ولا تخرج المعتدة من مسكن العدة الا لعذر كشراء طعام ونحوه نهارا.
وتآنسها عند جارتها ليلا ان رجعت وباتت ببيتها. وكخوف على نفس أو مال من هدم وغرق وفسقة مجاورين وشدة تأذيها بجيران أو عكسه ..
стр. 2703
وفى المهذب (١): اذا طلقت المرأة كانت سكناها حيث يختار الزوج من المواضع التى تصلح لسكنى مثلها لأنها تجب لحق الزوجية هذا اذا كان الطلاق رجعيا.
فان كان بائنا وكان يملك الزوج سكناه بملك أو اجارة أو اعارة. فان كان يصلح لسكنى مثلها لزمها أن تعتد فيه لقوله تعالى: «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» (٢) فأوجب أن تسكن فى الموضع الذى كان يسكن فيه الزوج أى عند الفرقة .. وان أراد الزوج بيع الدار فالبيع باطل .. وان حجر على الزوج بعد الطلاق لديون عليه لم يبع المسكن حتى تنقضى العدة لأن حقها يختص بالعين فقدمت.
وان طلقت وهى فى مسكن لها لزمها أن تعتد به لأنه مسكن وجبت فيه العدة. ولها أن تطالب الزوج بأجرة المسكن.
وظاهر مما ذكر أن الشافعية يرون أن فى العدة حق الله تعالى وأن السكنى فى مسكن العدة وهو المسكن الذى وقعت فيه الفرقة. واجب شرعا لقوله تعالى: «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» وان هذا متفق عليه بين الشافعية بالنسبة لغير المطلقة رجعيا.
أما بالنسبة للمطلقة رجعيا فقد وقع خلاف بينهم. ففى الحاوى والمهذب وغيرهما من كتب العراقيين أن للزوج أن يسكنها حيث شاء ولا يجب أن تسكن فى مسكن العدة. وهو الذى وقعت فيه الفرقة - لأنها فى حكم الزوجة عندهم لبناء النكاح وحكمه من كل وجه وذهب غيرهم الى أنها كمعتدة البائن يجب عليها أن تسكن مدة العدة فى المسكن الذى وقعت فيه الفرقة ولا تخرج منه ولا تخرج هى منه ولو باذن الزوج الا لعذر. وذلك لاطلاق الآية وهذا ما قال به الامام ونص عليه فى الأم.
وقال السبكى أنه الأولى.
وقال الأوزاعى أنه المذهب المشهور وقال الزركشى أنه الصواب.
والاتفاق على أنه لا يملك الزوجان ولا أحدهما ولا غيرهما ابطال العدة ولا ابطال السكنى فى مسكنها لأنه من توابعها.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى لابن قدامة الحنبلى (٣):
اذا كانت المبتوتة حاملا وجب لها السكنى قولا واحدا ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فيه. وان لم تكن حاملا ففيها روايتان:
احداهما: لا يجب لها ذلك وهو قول ابن عباس وجابر وبه قال عطاء وطاووس
стр. 2704
والحسن وعمر بن ميمون واسحاق وأبو ثور وداود.
والثانية: يجب لها ذلك وهو قول ابن مسعود وابن عمر وعائشة وسعيد ابن المسيب والقاسم وسالم وأبى بكر ابن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وسليمان ابن يسار ومالك والثورى والشافعى وأصحاب الرأى .. لقول الله تعالى:
«لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»،﴾ وقوله تعالى:
«أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾.
﴿وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ».﴾. فأوجب لهن السكنى مطلقا، ثم خص الحامل بالانفاق عليها.
ولنا ما روت فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو ابن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل اليها وكيله بشعير فتسخطته. فقال لها: والله ما لك علينا من شئ. فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال لها: «ليس لك عليه نفقة ولا سكنى. فأمرها أن تعتد فى بيت أم شريك ثم قال: أن تلك امرأة يغشاها أصحابى. اعتدى فى بيت ابن أم مكتوم متفق عليه.
وساق ابن قدامة ما قيل فى هذا الحديث وفى راويته فاطمة بنت قيس هذه. من عمر ومن عائشة ومن سعيد ابن المسيب ومناقشته من جانب أصحاب الرأى الآخر.
ثم قال: قال أصحابنا: ولا يتعين الموضع الذى تسكنه فى الطلاق سواء قلنا لها السكنى أو لم نقل. بل يتخير الزوج بين اقرارها فى الموضع الذى طلقها فيه وبين نقلها الى مسكن مثلها.
والمستحب اقرارها لقوله تعالى:
«لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»،﴾ ولأن فيه خروجا من الخلاف فان الذين ذكرنا عنهم أن لها السكنى يرون وجوب الاعتداد عليها فى منزلها .. فان كانت فى بيت يملك الزوج سكناه ويصلح لمثلها اعتدت فيه.
فان ضاق عنهما انتقل عنها وتركه لها لأنه يستحب سكناها فى الموضع الذى طلقها فيه .. وان اتسع الموضع لهما وفى الدار موضع لها منفرد كالحجرة أو علو الدار أو سفلها وبينهما باب مغلق سكنت فيه وسكن الزوج فى الباقى لأنهما كالحجرتين المتجاورتين. وان لم يكن بينهما باب مغلق لكن لها موضع تتستر فيه بحيث لا يراها ومعها محرم تتحفظ به جاز لأن مع المحرم يؤمن الفساد ويكره فى الجملة لأنه لا يؤمن النظر. وان لم يكن معها محرم لم يجز لقول النبى ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم فان ثالثهما الشيطان».
وان امتنع من اسكانها وكانت ممن لها عليه السكنى أجبره الحاكم. فان كان
стр. 2705
الحاكم معدوما رجعت على الزوج. وان كان الحاكم موجودا. فهل ترجع؟ على روايتين.
وان كان الزوج حاضرا ولم يمنعها من المسكن فاكترت لنفسها موضعا أو سكنت فى موضع تملكه لم ترجع بالأجره لأنها تبرعت بذلك فلم ترجع به على أحد.
وان عجز الزوج عن اسكانها لعسرته أو غيبته أو امتنع من ذلك مع قدرته سكنت حيث شاءت وكذلك المتوفى عنها زوجها اذا لم يسكنها ورثته لأنه انما تلزمها السكنى فى منزله لتحصين مائه فاذا لم تفعل لم يلزمها ذلك.
وجاء فى كشاف القناع (١): وتعتد بائن حيث شاءت من بلدها فى مكان مأمون. ولا يجب عليها العدة فى منزله لما روت فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو ابن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل اليها بشئ فسخطته. فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال لها: ليس لك عليه نفقة ولا سكنى وأمرها أن تعتد فى بيت أم مكتوم … والمستحب اقرارها بمسكنها لقوله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»﴾.
ولا تسافر قبل انقضاء عدتها لما
فيه من التبرج والتعرض للزينة.
ولا تبيت الا فى منزلها أى المكان المأمون الذى شاءته وجوبا لما تقدم ..
فلو كانت دار المطلق متسعة لهما وأمكنها السكنى فى موضع منفرد كالحجرة وعلو الدار وبينهما باب يغلق وسكن الزوج فى الباقى جاز لأنه لا محظور فيه ..
ولو غاب من لزمته السكنى لها أى لزوجته أو مطلقته الرجعية أو البائن الحامل ونحوها أو منعها من السكنى الواجبة عليه - اكتراه الحاكم من ماله ان وجد له مالا أو اقترض عليه ما تسكن به ان لم يجد له مالا لقيامه مقام الغائب والممتنع أو فرض الحاكم أجر ما وجب على الغائب من المسكن لتأخذ منه اذا حضر نظير ما فرضه - وان أكترت مسكنا باذنه أو باذن الحاكم أو بدون اذن منهما للعجز عن الاذن - رجعت على من وجبت عليه السكنى بنظير ما أكترت … ولو سكنت ملكها مع غيبته أو امتناعه فلها أجرته ..
وحكم الرجعية فى العدة حكم المتوفى عنها زوجها فى لزوم المنزل لقوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ» وسواء أذن لها الزوج فى الخروج أو لم يأذن، لأن ذلك من حقوق العدة - وهى حق الله تعالى فلا يملك الزوج اسقاط شئ من حقوقها كما لا يملك اسقاطها.
وظاهر مما ذكر أن الحنابلة يرون أن العدة واجبة شرعا بنص الكتاب
стр. 2706
الكريم ولا يجوز لأحد من الزوجين أو من غيرهما اسقاطها لأنها حق الله تعالى. وأن السكنى فى مسكن العدة واجب شرعا على المطلقة رجعيا والمتوفى عنها زوجها ولا يجوز لواحدة منهما الخروج من هذا المسكن والاعتداد فى مكان آخر ولا اسقاط الاعتداد فيه لحق الله تعالى لقوله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
وأما المطلقة بائنا - فان كانت حاملا وجبت لها السكنى شرعا باتفاق أهل العلم - وان لم تكن حاملا فلا تجب لها السكنى .. وفى الحالين لا يتعين الموضع الذى تسكنه بل يتخير الزوج بين اقرارها فى الموضع الذى طلقها فيه وبين نقلها الى مسكن مثلها. والمستحب اقرارها فى المسكن الذى طلقها فيه لقوله تعالى:
«لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» ولأن فيه خروجا من الخلاف لأن الذين يوجبون لها السكنى يرون وجوب الاعتداد عليها فى منزل العدة وهو الذى وقعت فيه الفرقة.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى (١):
وتعتد المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا أو آخر ثلاث والمعتقة تختار فراق
زوجها حيث أحببن ولا سكنى لهن لا على المطلق ولا على ورثة الميت ولا على الذى اختارت فراقه ولا نفقة لهن ولهن ان يحججن فى عدتهن وان يرحلن حيث شئن ..
وأما كل مطلقة يحق للذى طلقها أن يراجعها ما دامت فى العدة شرعا فلا يحل لها الخروج من بيتها الذى كانت فيه اذا طلقها ولها عليه النفقة والكسوة فان كان خوف شديد أو لزمها حد فلها أن تخرج حينئذ والا فلا أصلا لا ليلا ولا نهارا البتة الا لضرورة لا حيلة فيها.
برهان ذلك قول الله : ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً. فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ»﴾.
فهذه صفة الطلاق الرجعى لا صفة الطلاق البات وأما الطلاق البات فلحديث فاطمة بنت قيس عن الشعبى قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها. فقالت:
طلقها زوجها البتة. قالت: فخاصمته إلى رسول الله ﷺ فى السكنى والنفقة فلم يجعل لى سكنى ولا نفقة وأمرنى أن أعتد فى بيت ابن أم مكتوم.
وهذا ظاهر فى أن الامام ابن حزم الظاهرى: يرى أن السكنى فى مسكن
стр. 2707
العدة لا تجب شرعا الا على المطلقة طلاقا رجعيا أى التى لمطلقها حق الرجعة عليها أخذا من ظاهر الآية ولا تخرج من بيت العدة الا لضرورة لا حيلة فيها، أما المبتوتة والمتوفى عنها زوجها وكل من لا رجعة عليها فى العدة فلا سكنى لها ولا نفقة.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (١): اذا كانت المرأة فى عدة البائن فلا يجوز لها الخروج من دار عدتها. ولو أذن لها الزوج الا لعذر كما يأتى لأن الحق لله تعالى وللزوج فان رضى الزوج باسقاط حقه لم يسقط حق الله تعالى فان خرجت ولو باذنه أثمت - فالسكنى فى مسكن العدة واجب وهو حق الله تعالى وحق الزوج - ولا يملك الزوج ابطاله وهذا عندهم فى الطلاق البائن.
وفى البحر الزخار (٢): ولا تنقطع العدة بانكاحها فيها والعقد باطل ولا حكم له فان وطئها مع العقد عالما بالتحريم فزنا ولا تنقطع به العدة - فالعدة عندهم واجبة ولا تنقطع ولا تسقط.
مذهب الإمامية:
لا يجوز (٣) لمن طلق رجعيا أن يخرج الزوجة من بيته الا أن تأتى بفاحشة وهو
ما يجب به الحد. وقيل أدناه أن تؤذى أهله … ولا تخرج هى فان اضطرت خرجت بعد انتصاف الليل وعادت قبل الفجر ولا يلزم ذلك فى البائن ولا المتوفى عنها زوجها بل تبيت كل واحدة منهما حيث شاءت.
وهذا ظاهر فى أن وجوب السكنى فى مسكن العدة مدة العدة قاصر على المطلقة رجعيا دون المطلقة بائنا والمتوفى عنها زوجها كالظاهرية على ما تقدم بيانه فى مذهبهم.
الحضانة القائمة
مذهب الحنفية:
اختلف فقهاء الحنفية فى الحضانة هل هى حق الحاضنة أو حق الولد.
ورجح الأول كثيرون منهم وقيل أن عليه الفتوى.
وقال بالثانى الفقهاء الثلاثة أبو الليث والهندوانى وخواهر زادة - وأيده الكمال ابن الهمام فى حاشيته فتح القدير على الهداية.
ووفق ابن عابدين بين القولين وقال:
أن فى الحضانة حقا للولد وحقا للحاضنة وقد صرح بذلك المفتى أبو السعود. وهذا هو الواضح الذى يتفق مع العقل وتؤيده فروع الأحكام الفقهية.
فقد نصوا على أن الزوجة لو اختلعت من زوجها على أن تترك ولدها الصغير الذى فى سن الحضانة عند الزوج صح
стр. 2708
الخلع وبطل الشرط لأن بقاء الصغير فى يد حاضنته فى مدة حضانة النساء حق له فلا تملك الزوجة ابطاله.
كما نصوا على أنها لو خالعها الزوج على أن يكون ولدهما الصغير الذى فى سن الحضانة فى يد أبيه سنين معلومة من مدة الحضانة صح الخلع وبطل الشرط كذلك، لأن كون الصغير الذى فى سن الحضانة فى يد حاضنته مدة الحضانة حق الولد فلا يملك الوالدان ابطاله.
والحضانة نوعان - حضانة للنساء وحضانة للرجال - وبيان السن فى كل منهما وترتيب الحاضنات والحاضنين مبين فى كتب الفقه ولا محل لذكره هنا ..
واذا كان المحضون فى سن حضانة النساء وأسقطت الحاضنة حقها فى الحضانة فانها تسقط باسقاطها ولا تجبر عليها اذا كانت هناك حاضنة أخرى تليها وترضى بحضانته - لأنها أسقطت حقا لها - وليس فى ذلك ابطال لحق الصغير لوجود من تحضنه من النساء صاحبات الحق ويدل هذا على أن التفاوت فى الشفقة على المحضون الذى من أجله كان ترتيب الحاضنات لا يضر فواته على الصغير ولا يمنعها من اسقاط حقها.
أما اذا لم يوجد غيرها من الحاضنات أو وجد ولكن امتنع من قبول الحضانة فان حقها حينئذ لا يسقط باسقاطها وتجبر على الحضانة اذ يترتب على اسقاط حقها فى هذه الحالة ابطال حق الصغير والاضرار به. وحقه فى الحضانة أقوى من حقها. فان ساغ أن تسقط حقها فلا يسوغ ولا يقبل منها أن تبطل حقه - فاذا امتنعت الأم عن حضانة وليدها وعرضت الحضانة على الجدة لأم فامتنعت هى أيضا أجبرت الأم لا الجدة.
واذا أسقطت الحاضنة حقها فى الحضانة والصغير ما يزال فى سن حضانة النساء ولم توجد حاضنة أخرى هى أهل للحضانة أو وجدت وامتنعت ويوجد حاضن من العصبة يرضى بها فهل يسقط حقها فى الحضانة باسقاطها فى هذه الحالة ويعطى الولد للحاضن العاصب.؟
لم ينص الحنفية على حكم هذه المسألة ولكن يؤخذ من فرع الخلع الذى ذكرناه سابقا وهو أن أم الصغير لو اختلعت من زوجها والد الصغير على أن تترك الولد عنده مدة الحضانة يصح الخلع ويبطل الشرط لأن فيه ابطالا لحق الصغير فى البقاء مع أمه مدة الحضانة وهما لا يملكان ابطاله، يؤخذ من هذا الحكم أن حق الحاضنة لا يسقط بالاسقاط فى هذه الحالة. وهذا واضح، لأن التفاوت بين حضانة النساء وحضانة الرجال كبير فيكون فى اسقاطها ضرر بين بالصغير لا يمكن أن يغتفر كما اغتفر فى التفاوت بين حاضنة وحاضنة.
стр. 2709
واذا استغنى الولد عن خدمة النساء أجبر الأب أو الولى على أخذه لأنه أقدر على تأديبه ورعايته واعداده.
وقد نصوا على أن هذا حق للصغير على الأب .. لكن اذا امتنع صاحب الحق فى الحضانة من الرجال عن الحضانة ووجد ممن يليه من الأولياء من يقبل الحضانة هل تسقط حضانة الممتنع باسقاطه أو لا تسقط؟ يؤخذ من الحكم السالف فى حضانة النساء أنها تسقط، لأن غاية الشارع هى المحافظة على حق الصغير ومصلحته وعدم الحاق الضرر به بالقدر الممكن وليس فى ذلك ابطال حق له ولا الحاق ضرر به والتفاوت يسير.
هذا كله اذا كان اسقاط حق الحضانة بعد ثبوته وتقرره.
أما اذا كان قبل ثبوت الحق كأن تسقط الجدة حقها فى الحضانة مع وجود الأم وصلاحيتها وقبولها للحضانة فانه لا يصح ولا يكون اسقاطا بل يكون امتناعا لأن من مفهوم الاسقاط وشروطه قيام الحق الذى يرد عليه وسيأتى الكلام فى اسقاط ما لم يجب من الحقوق ولم يثبت من الملك (١).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه (٢): ولا تعود الحضانة بعد الاسقاط للغير بعوض أو بغير عوض أى اذا أسقطت الحاضنة حقها فيها لغيرها بغير عذر بعد وجوبها لها ثم أرادت العود لها فلا تعود بناء على أنها حق للحاضنة وهو المشهور وقيل تعود بناء على أنها حق للمحضون.
وقال الدسوقى فى الحاشية تعليقا على ما ذكر .. واسقاط الأم حضانتها فى مقابلة خلعها لا يسقط حق الجدة.
فاذا أسقطت الجدة بعد طلاق بنتها صح الاسقاط لأنه اسقاط للشئ بعد وجوبه الا أن المعتمد أنه اذا أسقط من له الحضانة حقه فيها انتقل الحق لمن يليه فى المرتبة لا للمسقط له.
وأما لو أسقطت حقها فى الحضانة قبل وجوبها لها لم يسقط حقها على المعتمد كما لو خالعته على اسقاط حضانتها وقد أسقطت الجدة أو الخالة حقها قبل مخالعة ابنتها أو أختها.
وظاهر من هذه النصوص أن للمالكية قولين فيمن له الحق فى الحضانة هل هو الحاضنة أو هو المحضون.
стр. 2710
وقد رأيت لهم قولا ثالثا بأن فى الحضانة حقا للحاضنة وحقا للمحضون معا وليست حقا خالصا لواحد منهما، وان لم يصرحوا بأى الحقين أقوى.
وقد رتبوا على اعتبار الحق للحاضنة عدم جواز عودتها الى الحضانة بعد اسقاطها - وعلى اعتبارها حقا للمحضون جواز العود اليها.
والوجه فى ذلك أنها ما دامت صاحبة الحق فى الحضانة لا تجبر عليها واذا تنازلت عنها تكون قد أسقطت حقا مقررا لها وبالاسقاط يتلاشى هذا الحق ولا يعود اذ الساقط لا يعود.
أما اذا كان الحق للمحضون فانها تجبر على الحضانة لحق الصغير واذا امتنعت يكون امتناعها لعذر فاذا عادت يكون العذر قد زال ويقبل العود ويكون من قبيل زوال المانع لا من قبيل عود الساقط كالناشز تعود الى الطاعة فيعود حقها فى النفقة التى سقطت للنشوز لزوال المانع.
والمالكية: يجيزون أخذ العوض نظير الاسقاط ومن ثم أجازوا للحاضنة أن تسقط حقها بعوض وبغير عوض والخلع على الاسقاط نوع من المقابلة بالعوض وان لم يكن مالا.
ويرون أن الحق الذى يرد عليه الاسقاط لا بد أن يكون قائما عند وروده والا كان الاسقاط باطلا ويثبت الحق عند حصوله. فاذا أسقطت الجدة حقها فى الحضانة حال وجود الأم وحضانتها لا يصح هذا الاسقاط وتثبت لها الحضانة فى دورها.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (١): لو أسقطت الحاضنة حقها انتقلت لمن يليها فاذا رجعت عاد حقها.
وفى المهذب (٢): لو امتنعت الأم عن الحضانة فقيل تنتقل الى أم الأم وقيل الى الأب لان الأم لم يبطل حقها ولو طالبت بها كانت أحق.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٣): أن من له حق الحضانة اذا أسقطه صح وسقط وان أراد أن يعود اليه عاد متى شاء لأنه حق يتجدد بتجدد الزمان كالنفقة - أى أنه يرد أولا على حق قائم وثابت بالفعل فيسقط أما ما يأتى بعد ذلك فلم يرد عليه الاسقاط لأنه لم يكن قد وجب فيجوز له أن يعود اليه كما فى النفقة.
стр. 2711
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (١): ويجوز للأم الامتناع عن ارضاع ولدها وترك حقها فى حضانته ان قبل غيرها فان امتنع من غيرها وخشى عليه التلف صارت الحضانة حقا للطفل فيجبر من عليه الحضانة على حضانته من أم أو غيرها وتعود الحضانة بزوال المانع.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٢): لو تزوجت الأم بغير الأب مع وجوده سقطت حضانتها فان طلقت عادت الحضانة على المشهور لزوال المانع
والحضانة حق للأم لكن هل تجب عليها مع ذلك أم لها اسقاط حقها منها؟
الأصل يقتضى ذلك وهو الذى صرح به فى القواعد. اذ قالوا: ولو امتنعت الأم من الحضانة صار الأب أولى به ولو امتنعا معا فالظاهر اجبار الأب … فهذا ظاهر فى أنها لو امتنعت يكون اسقاطا لحقها ويقبل ويؤول الحق للأب. واذا امتنعت لعذر وزال العذر يعود الحق.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٣): اختلفوا فى
الحضانة. هل هى حق للحاضن فتسقط اذا أسقطها كسائر الحقوق اذا أسقطها صاحبها وكانت تقبل الاسقاط. أو هى حق للمحضون فلا تسقط أن أسقطها الحاضن لأنه يجبر عليها لمصلحة المحضون. أو هى حق لهما. أو حق لله تعالى فلا تسقط على هذين القولين باسقاط الحاضن.
وجاء فى موضع آخر (٤): واذا أسقطت الحضانة لعذر ثم زال عادت الا أن سقطت لتزوج فلا تعود على المشهور. وذلك كالمرض والسفر. فان صحت أو عادت من السفر عادت الحضانة … ومن ترك الحضانة بلا حادث سفر ونحوه لم يجدها بعد.
ومنها دعوى الطلاق والخلع وسائر الفرق
ينشأ عن الطلاق والخلع حق لله تعالى لما يترتب عليهما من حرمة الوط ء وهى حق لله تعالى. فالدعوى بالطلاق أو بالخلع من جانب الزوجة فيها حق الله فلا يصح اسقاطها ولا الصلح على ابطالها وتركها. بخلاف الدعوى فى الحدود التى تحتاج الى دعوى ومخاصمة وهى حد السرقة وحد القذف باتفاق الفقهاء. فانها وان كانت متعلقة بحق الله تعالى وهو الحد كما هنا الا أن الستر فى الحدود مندوب اليه من الشارع.
فالمدعى يعتبر مأذونا باسقاط الدعوى
стр. 2712
اذا رغب فى الستر بخلاف حرمة الفرج بالطلاق ونحوه فانها حق لله تجب اقامته وليس فيه ندب الى الستر فلا يصح اسقاطه.
فلو ادعت المرأة أن زوجها طلقها ثلاثا وأنكر الزوج دعواها فصالحها على مائة درهم على أن يبرأ من الدعوى لا يصح الصلح ولو أخذت المرأة البدل فللزوج أن يرجع عليها بما أعطاها منه. وتكون المرأة على دعواها ولا يقال أنها تركتها وأسقطت حقها فيها.
وكذا لو ادعت تطليقة أو تطليقتين أو خلعا - كذا فى الخانية.
وفى المغنى لابن قدامه: لو ادعت المرأة أن زوجها طلقها ثلاثا فصالحها زوجها على مال لتنزل عن دعواها لم يجز فأنه لا يجوز لها بذل نفسها لمطلقها بعوض أو بغير عوض .. وأن دفعت اليه مالا ليقر بطلاقها لم يجز فى أحد الوجهين وفى الآخر يجوز كما لو بذلت له عوضا ليطلقها ثلاثا (١).
وفى كشاف القناع: لو طلق الرجل زوجته ثلاثا أو أقل من ثلاث فصالحها على مال لتترك دعوى الطلاق لم يجز الصلح لأنه يحل حراما (٢).
والفقهاء جميعا متفقون على أن الصلح لا يجوز شرعا ويكون باطلا اذا ترتب عليه تحليل الحرام أو تحريم الحلال - للنص كل صلح جائز بين المسلمين الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا.
ومنها نسب الصغير
فى العناية: اذا ادعت المرأة على رجل صبيا هو بيدها أنه ابنه منها وجحد الرجل. ولم تدع المرأة النكاح وقالت ابنه وبانت منه وصدقها فى الطلاق فصالح من النسب على مائة درهم فالصلح باطل لأن النسب حق الصغير فلا يملك أحد ابطاله، وفى تكملة رد المحتار: لو قال شخص لغلام يعبر عن نفسه أنه ابنى وصدقه الغلام ثم قال الرجل ليس ابنى لا يصح نفى نسب الغلام ولا يقبل منه اذ باقراره بأنه ابنه تعلق حق المقر له بذلك اذ بذلك ثبت نسبه من رجل معين وانتفى كونه مخلوقا من ماء الزنا فاذا قال بعد هذا الاقرار الذى تعلق به حق الولد. ليس هذا الولد منى لا يصح ولا يقبل منه لأنه لا يملك ابطال حق الولد بعد ثبوته (٣).
ومنها الوكالة اذا تعلق بها حق الغير
نص فقهاء الحنفية على أن للموكل عزل الوكيل اذا لم يتعلق بالوكالة حق الغير بشرط العلم فالوكالة من الحقوق التى
стр. 2713
تقبل الاسقاط اذا لم يتعلق بها حق الغير، حتى أن الموكل لو أسقط حقه فى عزل الوكيل لا يسقط هذا الحق بالاسقاط لكن اذا تعلق بها حق الغير لا تقبل الاسقاط مراعاة لحقه - فلو وكل المدعى عليه وكيلا بالخصومة بطلب المدعى ثم غاب الموكل وعزل وكيله فانه لا يصح لئلا يضيع حق المدعى.
ولو عزل العدل الموكل ببيع الرهن نفسه بحضرة المرتهن ان رضى به صح والا لا ينعزل لتعلق حقه به. ولو وكل الراهن المرتهن ببيع الرهن عند حلول الأجل ثم عزله لا ينعزل لتعلق حقه بالوكالة فصارت لازمة لا تبطل بابطاله (١).
وفى الشرح الكبير فى فقه المالكية: من باب الرهن (٢): ولا يعزل الأمين الموكل على حوز الرهن وبيعه برأى واحد منهما - الراهن والمرتهن - فان اتفقا على عزله فلهما ذلك.
وفى موضع آخر (٣): وجاز توكيل واحد فى خصومة وليس للموكل ان قاعد الوكيل للخصم ثلاث مرات سواء كان التوكيل لعذر أم لا - عزل الوكيل عن الوكالة الا لمقتض كظهور تفريط أو ميل مع الخصم - ولم يذكر السبب فى عدم جواز العزل عند عدم الخيانة - هل هو حق الغير أولا ولكن عدم جواز عزل الوكيل
ببيع الرهن من الراهن وحده أو المرتهن وحده وعزله باتفاقهما يدل على أن لحق الغير صلة بعدم جواز العزل.
وفى المهذب فى فقه الشافعية: ويجوز للموكل (٤) أن يعزل الوكيل اذا شاء ويجوز للوكيل أن يعزل نفسه متى شاء لأنه اذن فى التصرف فى ماله فجاز لكل واحد منهما ابطاله كالاذن فى أكل طعامه. وان رهن عند رجل شيئا وجعلاه على يد عدل واتفقا على أنه يبيعه اذا حل الدين ثم عزله الراهن عن البيع انعزل لأنه وكيله فى البيع فانعزل بعزله كالوكيل فى بيع غير الرهن.
وظاهر من هذا أن الشافعية يطلقون للموكل الحق فى عزل الوكيل من غير نظر الى تعلق حق الغير بالوكالة وعدم تعلقه فقد أجازوا للراهن أن يعزل الوكيل ببيع الرهن من غير نظر الى موافقة المرتهن مع أن حقه فى الوكالة ظاهر.
وفى المغنى لابن قدامة فى فقه الحنابلة (٥): للموكل عزل وكيله متى شاء وللوكيل عزل نفسه كذلك لأنه أذن فى التصرف فكان لكل واحد منهما ابطاله - وهذا هو اتجاه الشافعية فى الاطلاق والتعليل.
стр. 2714
وفى المحلى لابن حزم الظاهرى (١) اذا كتب الموكل الى الوكيل أو أوصى اليه اذا بلغك رسولى فقد عزلتك فهذا صحيح لأن له أن يتصرف فى حقوق نفسه كما يشاء فاذا بلغه فقد صح عزله وليس للخصم أن يمنع من يخاصمه من عزل وكيله وتولية آخر لأن التوكيل فى ذلك قد صح ولا برهان على أن للخصم منعه من عزل من شاء وتولية من شاء.
وهذا صريح فى اطلاق الحرية للموكل فى عزل وكيله سواء كان وكيلا فى الخصومة أو غيرها وأنه ليس للخصم أن يمنعه من ذلك ولكن العبارة فيها شئ من الاحتمال اذ المنفى هو المنع من عزل الوكيل وتولية آخر بدله. فهل يصدق ذلك بالعزل دون تولية آخر؟ ان كان كذلك فلا يمنع تعلق حق الغير بالوكالة من العزل والا منع.
وفى التاج المذهب فى فقه الزيدية (٢):
أعلم أنه لا انعزال باللفظ لوكيل المرافعة حيث طلبه الخصم ولو وكيلا نحو أن يقول: وكل فلانا فى مدافعتى أو نحو ذلك فوكله أو لم يطلبه ولكنه نصب بحضرته - اى نصب الوكيل بحضرة الخصم - أو لا يكون طلبه الخصم ولا نصب بحضرته ولكنه قد خاصم بعض الخصومة - لم يكن له أن يعزله أيضا ولا للوكيل أن يعزل نفسه فى وجه
الموكل فقط الا فى وجه الأصل مع وجه الخصم الذى خاصمه أو علمه بكتاب أو رسول وسواء رضى الخصم أو لا فانه يصح.
وأما فى غير ذلك وهو حيث لم يتفق أى هذه الوجوه الثلاثة ولم يكن وكيل مدافعة بل وكيل مطالبة فانه يصح أن يعزل ولو فى الغيبة أى غيبته عن الأصل وغيبة خصمه.
ويصح للوكيل أن يعزل نفسه فى مواجهة الأصل لا فى غيبته - هذا فى وكيل المطالبة أما وكيل المدافعة فالحكم كما تقدم.
وعلق فى الهامش على قوله - لا انعزال باللفظ - بقوله واما بالفعل من الموكل فيعزل فى ذلك كله.
وهذا ظاهر فى أن حق الغير لا يمنع الموكل من عزل الوكيل وانما يتطلب علم هذا الغير بالعزل ويجعله متوقفا على العلم والعلم اما بالمواجهة أو بالأخبار.
مع تفصيل فى الاجراءات وفرق فيها بين وكيل الخصومة ووكيل المطالبة.
وبين العزل باللفظ والعزل بالفعل كما هو واضح.
وفى شرائع الاسلام فى فقه الشيعة الإمامية (٣) والموكل أن يعزل الوكيل بشرط أن يعلمه بالعزل ولو لم يعلمه لم
стр. 2715
ينعزل - فلم يشرط وراء علم الوكيل شيئا.
ما يعتبر اسقاطه تغييرا للمشروع
من ذلك ولاية الأب والجد:
فى الأشباه والنظائر لابن نجيم أن الولاية مراتب أولاها ولاية الأب والجد وهى وصف ذاتى لهما. ونقل ابن السبكى الاجماع على أنهما لو عزلا أنفسهما لم ينعزلا. والمراد من العزل أن يصير الأب أو الجد نفسه غير ولى فهذا لا يصح لأن فيه تغيير المشروع وبعد أن نقل بعضا من النصوص الفقهية قال - فهذا يدل على صحة الاجماع ولولا أن الولاية وصف ذاتى لهما لما قالوا ذلك.
وفى حاشية رد المحتار من باب الحجر (١): اذا أسقط الأب أو الجد أب الأب حقه فى الولاية على الصغير وعزل نفسه من ذلك وصير نفسه غير ولى لا يجوز ولا يسقط حقه فى ذلك لما فيه من خلاف المشروع اذ أن ولاية الأب والجد أب الأب على الصغير ثابتة لازمة.
وفى كشاف القناع فى فقه الحنابلة (٢):
لو أسقط الولى حقه فى النكاح فلا يسقط
بالاسقاط لأن ولاية النكاح حق عليه لله تعالى وللمرأة بدليل اثمه بالعضل.
وجميع الفقهاء متفقون على أنه لا يجوز اسقاط حق الله تعالى وما فى اسقاطه خلاف المشروع وتغييره.
ومنه حق الرجوع فى الهبة:
نص فقهاء الحنفية على أن حق الرجوع فى الهبة لا يسقط بالاسقاط لما رواه الحاكم وصححه من قول النبى ﷺ ، من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب عليها.
فدل هذا الحديث على أن كل هبة ليست بعوض يصح الرجوع فيها واذا أبطل حقه فى الرجوع فقد غير المشروع لأنه يجعل هبته التى لم يثب عليها ولم يعوض عنها لا يجوز الرجوع فيها وهذا مخالف للحديث ويستوى أن يكون هذا الاسقاط بعوض أو بغير عوض.
غير أنه اذا صالحه الموهوب له من حق الرجوع على شئ يصح ويكون عوضا عن الهبة لا عن الاسقاط ويسقط حقه فى الرجوع لأنها تكون حينئذ هبة بعوض والهبة بالعوض لا يجوز الرجوع فيها.
جاء فى تكملة رد المحتار: من باب الهبة (٣): ولو أسقط الواهب حقه فى الرجوع عن هبته لا يسقط حقه ولو بعوض ما دام لم يعوض عن الهبة لأن
стр. 2716
الهبة بغير عوض شرعت غير لازمة فاذا أبطل حقه فى الرجوع فقد غير المشروع ولأن الاسقاط لا يكون فى كل حق فان بعض الحقوق لا تسقط بالاسقاط كهذا الحق فهو نظير الميراث والاستحقاق فى الوقف.
وجاء فى الفتاوى الهندية (١): وهب شخص شيئا لآخر ثم قال الواهب أسقطت حقى فى الرجوع لا يسقط حقه ولو صالحه من حق الرجوع على شئ فانه يصح ويكون عوضا عن الهبة وسقط حق الرجوع.
وفى الشرح الكبير فى فقه المالكية (٢):
لا يصح الرجوع فى الهبة الا الأب فقط لا الجد - فله اعتصار الهبة من ولده الحر الذكر والأنثى صغيرا او كبيرا غنيا أو فقيرا جبرا بلا عوض ولو حازها الابن الا فيما أريد به ثواب الآخرة فلا اعتصار فيه.
وفى تحفة المحتاج فى فقه الشافعية (٣): أن للأب حق الرجوع فى هبته لولده ولا يسقط هذا الحق بالاسقاط.
وفى الاقناع فى فقه الحنابلة (٤):
لا يجوز للواهب أن يرجع فى هبته الا الأب الأقرب فيجوز له الرجوع فى الهبة
ولو أسقط حقه فى الرجوع - أى أن حق الرجوع فى الهبة لمن يجوز له الرجوع فيها وهو الأب الأقرب لا يسقط بالاسقاط.
وفى المحلى لابن حزم الظاهرى (٥):
من وهب هبة صحيحة لم يجز له الرجوع فيها أصلا منذ تلفظ بها إلا الوالد والأم فيما أعطيا أو أحدهما لولده ولم يذكر ابن حزم ما اذا أسقطا أو أحدهما حقه فى الرجوع فى هذه الهبة هل يسقط الحق بذلك أولا.
وجاء فى التاج المذهب فى فقه الزيدية (٦): الهبة اذا كانت بلا عوض يصح مع الكراهة الرجوع فيها بشروط ستة:
١ - أن يقع الرجوع مع بقاء الواهب والمتهب.
٢ - أن يقع فى عين لا دين.
٣ - ألا تستهلك العين.
٤ - ألا تكون قد زادت.
٥ - ألا تكون الهبة قد وقعت لله تعالى.
٦ - ألا تكون لذى رحم محرم.
ثم قال: الا الأب فله الرجوع فى هبته لطفله ما لم يحصل أحد الموانع المتقدمة.
أما لو لم يكن طفلا فلا يصح للأب أن
стр. 2717
يرجع فيما وهب له .. ولم يبين حكم اسقاط حق الرجوع.
وفى كفاية الأحكام فى فقه الشيعة الإمامية: يجوز الرجوع عن الهبة قبل قبضها وأما اذا قبضت فالمعروف فى مذهب الأصحاب أنها ان كانت للوالدين أو الولد فلا يجوز الرجوع فيها ونقل بعضهم الاجماع على ذلك ونقل المرتضى الاجماع على جواز الرجوع - ولم يذكر حكم اسقاط حق الرجوع.
وفى شرح النيل فى فقه الإباضية (١):
يصح الرجوع فى الهبة من الوالد فى الحكم وعند الله تعالى.
ومنه بعض شروط النكاح:
مذهب الحنفية:
المقرر عند الحنفية أن عقد النكاح لا يصح تعليقه على شرط ولا اضافته الى المستقبل لأنه لا بد أن يكون منجزا يفيد الانشاء فى الحال ويعقب أثره فورا.
ويظهر أن هذا قدر متفق عليه بين الأئمة الا ما جاء فى أعلام الموقعين للعلامة ابن القيم (٢): من أن الامام أحمد نص على جواز تعليق النكاح بالشرط وان هذا هو الصحيح.
أما اقتران صيغة عقد النكاح بالشرط فهو جائز.
والشرط الذى يقترن بصيغة عقد النكاح اما أن يكون شرطا يقتضيه العقد كاشتراط الزوجة على زوجها أن ينفق عليها أو أن يحسن معاشرتها.
واما أن يكون شرطا يؤكد مقتضى العقد كاشتراط الزوجة أن يكون والد زوجها أو أحد أقاربه ضامنا لمهرها أو كفيلا فى نفقتها فان هذا الشرط يؤكد مقتضى العقد وهو الحصول على المهر أو على النفقة.
واما أن يكون شرطا جاء الشرع بجوازه كاشتراط الزوجة أن تكون العصمة بيدها تطلق نفسها متى شاءت. فهذا الشرط لا يقتضيه العقد وليس مؤكدا ولا ملائما لمقتضاه ولكن ورد الشرع بجوازه اذ فهم الكثير أن قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً» (٣) أساس لتشريع هذا الحكم.
واما أن يكون شرطا جرى به العرف كاشتراط الزوجة تعجيل ثلثى مهرها فانه قد جرى العرف بذلك.
стр. 2718
واما أن يكون شرطا لا يقتضيه العقد ولا يؤكد مقتضاه ولا يلائمه ولا جاء بجوازه الشرع ولا جرى به عرف كان تشترط الزوجة على زوجها الا ينقلها من بلدها.
واما أن يكون شرطا منافيا للعقد ومناقضا له كاشتراط مدة يبقى اليها النكاح كسنة مثلا أو مدة الدراسة أو مدة البعثة أو البقاء فى البلد وكل شرط من الشروط الأربعة الأولى يعتبره الحنفية صحيحا واذا اشترط فى العقد وجب الوفاء به شرعا غير أنه اذا لم يف به الزوج لا يترتب على عدم الوفاء اعطاء صاحب الشرط حق الخيار فى فسخ العقد، لأن كل ما يترتب على عدم الوفاء هو فوات الرضى وانعدام الرضى لا يؤثر عند الحنفية ومن ثم يقولون بصحة ولزوم عقد نكاح المكره.
أما الشرط الخامس فانه شرط فاسد عند الحنفية فيلغو ولا يعتبر ولكن لا تأثير له فى العقد لأن النكاح الصحيح الدائم لا يبطل بالشروط الفاسدة عندهم.
أما الشرط الأخير المنافى للعقد فانه يبطل العقد.
واذا اشترطت الكفاءة فى الزواج أو أظهرها الزوج فى العقد وفهم اعتبارها فيه ثم تبين عدمها وفواتها كان للزوجة حق الفسخ وكذا ان اشترطت الحرية أو أظهرت ثم تبين عدمها يكون لها حق الفسخ.
وان أظهر الزوج نسبا ثم ظهر خلافه فان كان الى مماثل أو أعلى مما ذكر فلا خيار لها وان كان الى أدون وأقل مما ذكر كان لها الخيار ولو كانت الكفاءة متحققة مع الوضع الأقل، لأنها لم ترض بما هو أدون ولأنه يكون تغريرا بها فلم ينظر الى الكفاءة مع التغرير.
وأما ان أظهرت المرأة الحرية أو نسبا معينا ثم تبين خلاف ذلك فلا خيار للزوج، لأن الكفاءة فى الزوجة غير معتبرة والزوج لا يرتفع بنسب امرأته.
وان تزوجها على ألا يخرجها من بلدها أو بيتها أو على ألا ينفق عليها أو على ألا يطأها أو على ألا يتزوج عليها أو على أن يطلق امرأته التى فى عصمته أو على أن تنفق هى عليه أو نحو ذلك من الشروط التى تنافى مقتضى العقد أو تخالف المشروع - كان الشرط فاسدا ولاغيا ولا أثر له على العقد فيصح العقد ويبطل الشرط ولا يلزم من شرط عليه الشرط أن ينفذه ولا حق للمشروط له فى المطالبة بتنفيذه.
ويتصل بهذا النوع من الشروط شرط أن يطلقها بعد مدة معينة فيعتبر شرطا فاسدا ولا يؤثر فى صحة العقد.
وكان من الممكن أن يعتبر بمثابة تأقيت النكاح فيبطل العقد، ولكنهم على بطلان الشرط
стр. 2719
وصحة العقد، لأن عقد النكاح عندهم لا يبطله الا فوات شرط من شروط انعقاده ولا يفسده الا فوات شرط من شروط صحته.
وان اتصل الشرط بالصداق ورتب على مقدار للصداق فى تحققه أو فواته يبقى الحكم بالنسبة لصحة الشرط وفساده ومدى تأثيره على العقد على ما ذكرنا ولكن يكون له تأثيره بالنسبة للصداق.
فلو تزوج امرأة على ألف أن لم تكن له زوجة أخرى وعلى ألفين ان كانت له زوجة أو تزوجها على ألف ان لم يخرجها من بلدها أو من بيتها وعلى ألفين ان أخرجها أو تزوجها على ألف ان كانت عربية وعلى ألفين ان كانت قرشية وما أشبه ذلك - يبطل الشرط ويصح العقد.
أما أثر الشرط بالنسبة للمهر فقد وقع فيه خلاف.
فعند الامام أبى حنيفة الشرط الأول جائز فان وقع الوفاء به أو كان الأمر كما تضمنه الشرط فلها ما سمى على ذلك.
وان لم يقع الوفاء به أو فعل خلاف ما شرط لها فلها مهر مثلها لا ينقص عن الأقل ولا يزيد عن الأكثر.
وعند الصاحبين الشرطان جائزان فأيهما وافق الواقع أو فعله المشروط عليه كان لها ما سمى فيه.
مذهب المالكية:
يقول المالكية اذا اشترط الزوج سلامة الزوجة من عيوب ليست مما يرد بها من غير شرط ولم يوجد ما شرطه. فان اطلع على ذلك قبل الدخول فاما أن يرضى وعليه جميع الصداق أو يفارق ولا شئ عليه.
وان اطلع على ذلك بعد الدخول فالنكاح صحيح ويجب مهر المثل ويسقط عنه ما زاد لأجل السلامة.
واذا تزوجها يظنها على وصف معين ثم تبين أنها على غير ما كان يظن فليس له حق رد الزوجة بذلك ..
واذا تزوجته على أنه عربى فتبين أنه مولى أو على أنه من قبيلة كذا فظهر من غيرها أو ظهر غير عربى أصلا فلها الخيار فى الرد والأبقاء.
واذا تزوجته على أنه قرشى وهى قرشية فظهر أنه عربى يكون لها الخيار فى الرد للغرر.
واذا تزوجها بمهر معين على أنه اذا كانت له زوجة أخرى فمهرها ضعف ما سمى. فالنكاح فاسد للغرر الحاصل فى صلب العقد فى مبلغ الصداق مع قدرة كل من الطرفين على رفع هذا الغرر وابعاده عن العقد بمعرفة حقيقة الواقع بأخبار الزوج أو تحرى الزوجة
стр. 2720
أما اذا تزوجها بألف واشترطت أن أخرجها من بلدها أو من بيتها أو تزوج عليها فمهرها ألفان فالنكاح صحيح ولا يلزمه الوفاء بالشرط ولكن يستحب ذلك وان لم يوف به لا تلزمه الألف الثانية على المشهور عن الامام مالك رحمه الله تعالى.
وعنه ترجع بالأقل من الألف وبقية مهر المثل.
وانما صح النكاح هنا لأن الغرر فى القدر الزائد على الألف وقع فى المستقبل أى بعد عقد النكاح وتمامه والشرط مستقبل يمكن تنفيذه وتفويته بخلاف المسألة الأولى فان الغرر فيها وقع فى صلب العقد والشرط متصل بالواقع ويمكن التعرف على حقيقة الواقع.
مذهب الشافعية:
يقول الشافعية أنه اذا شرط بين المتعاقدين شرط فلا يخلو هذا الشرط من أن يكون شرطا لا يتعلق به غرض أو يتعلق به غرض ولكنه يوافق مقتضى العقد والأول كاشتراط الزوجة أن تأكل أكلا مخصوصا أو تلبس لباسا مخصوصا. والثانى كاشتراطها أن ينفق عليها أو يقسم لها. ولا تأثير للشرط فى هاتين الحالتين لا فى عقد الزواج ولا فى الصداق لانتفاء فائدته ..
أما الشرط الذى يتعلق به غرض وليس من مقتضى العقد فلا يخلو من أمرين:
الأول: أنه لا يخل بالمقصود من العقد كشرط الزوج ألا ينفق على الزوجة وشرط الزوجة ألا يتزوج. وهذا لا تأثير له على العقد لعدم الاخلال بالمقصود ولأن عقد النكاح لا يتأثر بالشرط الفاسد غير أنه فى هذه الحالة يجب للزوجة مهر مثلها لا المسمى لأنها لم ترض بالمسمى وحده ان كان الشرط من جهتها. ولأنه لم يرض ببذل المسمى الا عند سلامة ما شرطه فاذا فسد الشرط وليس له قيمة يرجع اليها وجب الرجوع الى مهر المثل.
ومن قبيل هذا الشرط الذى لا يخل بالمقصود ما اذا تزوجها على ألف ان أقام بها وعلى ألفين ان سافر بها حيث يبطل الشرط ويصح العقد ويجب لها مهر المثل.
وأما اذا كان الشرط يخل بالمقصود كشرط أن يطلقها أو أن له الخيار فى النكاح فانه يبطل العقد للاخلال بالمقصود منه وهو الدوام والاستقرار. أما اذا اشترطت فى العقد أوصافا خاصة كحرية أحد الزوجين أو نسبه بنسب خاص أو شرط جمال أو يسار أو شباب أو بكارة أو اسلام الزوجه والزوج مسلم أو اسلام الزوج. والزوجة كتابية أو السلامة من العيوب مثلا. فظهر أن الأمر ليس على مقتضى الشرط فالنكاح صحيح لأن تبدل الصفة ليس كتبدل العين فالبيع لا يفسد بتخلف الصفة ولأن النكاح لا يتأثر بالشروط الفاسدة.
стр. 2721
غير أنه اذا تبين أن الواقع خير مما شرط فى العقد كأن تزوجها على أنها ثيب فاذا هى بكر أو كتابية فظهر أنها مسلمة فلا خيار لمن اشترط له الشرط لأن ما ظهر أفضل مما شرط فلم يفت عليه شئ يؤثر فى رضاه .. واما ان ظهر أن الموصوف دون ما شرط كأن تزوجها على أنها بكر فظهرت ثيبا ففى هذه الحالة يكون لمن تخلف شرطه الخيار التغرير وخلف الشرط حتى ولو كان الطرف الآخر مثله أو فوقه.
وقد اختلفوا فى النسب المشروط اذا ظهر خلافه ولكن مع وجود الكفاءة فقال بعضهم لا يثبت الخيار لصاحب الشرط لوجود الكفاءة وانتفاء العار.
وقال بعض آخر يثبت الخيار وهو ما يقتضيه كلام المنهاج.
وقال البلقينى ان الامام ﵀ رجحه فى خلف شرط نسب الزوج ومثله خلف شرط نسب الزوجة وجرى فى الأنوار على الأول والتغرير الموجب للفسخ بخلف الشرط هو المشروط فى العقد لأن الشرط انما يؤثر فى العقد اذا ذكر فيه لا قبله.
مذهب الحنابلة:
ويرى الحنابلة أن الشروط فى النكاح تنقسم الى ثلاثة أقسام:
الأول: شرط يعود نفعه الى الزوجة مثل اشتراط ألا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يسافر بها أو ألا يتزوج عليها .. فهذه الشروط وأمثالها يلزم الوفاء بها فان لم يفعل كان لها حق فسخ النكاح وان أسقطت حقها فى ذلك سقط.
والثانى: أن يشترط شرط ينافى مقتضى العقد أو يتضمن اسقاط حق لم يجب أو اسقاط حق يجب بالعقد قبل انعقاده سواء كان فيه نفع لها أو لم يكن. كاشتراط الا مهر لها أو الا نفقة لها عليه أو أن يرجع عليها بالصداق وكاشتراط ألا يطأها أو يعزل عنها أو يقسم لها قسما يغاير قسم صاحبتها وكاشتراط أن تنفق عليه أو أن تعطيه شيئا معينا.
فهذه الشروط كلها باطلة فى نفسها لأنها تنافى مقتضى العقد أو تتضمن اسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده فلا تكون صحيحة ولكنها لا تؤثر على العقد فيصح لأن هذه الشروط تعود الى معنى زائد فى العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به. ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد.
والثالث: شروط تؤثر فى العقد لأنها تخل بالمقصود منه كاشتراط تأقيت النكاح أو أن يطلقها فى وقت بعينه أو يعلق النكاح على شرط مثل أن يقول وليها زوجتك ان رضيت أمها أو أن يشترط لها الخيار فى النكاح أو له.
стр. 2722
فهذه الشروط باطلة فى نفسها ويبطل بها النكاح لاخلالها بالمقصود منه وهو الدوام والاستقرار.
ولا يرى الحنابلة جواز اشتراط تطليق الضرة مع أنه داخل فى القسم الأول اذ فيه نفع لها ولا ينافى مقتضى العقد ولا يتضمن ابطال حق لم يجب ولا حق يجب بالعقد قبل انعقاده - وذلك لورود النهى عنه بالذات. فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن تشترط المرأة طلاق أختها (أى الزوجة الأخرى التى ينبغى أن تكون بمثابة الأخت) وفى لفظ أن النبى ﷺ قال: لا تسأل المرأة طلاق أختها لتنكح والنهى يقتضى فساد المنهى عنه فيكون شرطا فاسدا. ولأنها شرطت عليه فسخ عقده وابطال حقه وحق امرأته فلم يصح كما لو اشترطت عليه فسخ بيعه والأمر فى شروط النكاح بالنسبة لغير الحنابلة يدور بين أن تكون شروطا صحيحة ولكن لا يجب الوفاء بها. أو شروطا فاسدة ولكن لا تأثير لها على العقد فتبطل ويصح العقد أو شروطا فاسدة تؤثر على العقد وتبطله.
أما بالنسبة للحنابلة فالشروط أقسام ثلاثة على نحو ما ذكر.
والخلاف بين الحنابلة وغيرهم هو فى القسم الأول اذ يرونه صحيحا ويجب الوفاء به ويراه غيرهم اما فاسدا وأما غير واجب الوفاء.
وقد استدل الحنابلة على وجوب الوفاء بتلك الشروط بقول النبى ﷺ : أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج - وبقوله ﷺ المسلمون على شروطهم. ولأنه قول كثير من الصحابة رضوان الله عليهم فقد روى عن عمر بن الخطاب وسعد ابن أبى وقاص ومعاوية وكثير غيرهم - ولم يعلم لهم مخالف فكان اجماعا - وقد حكم عمر بمثل هذا - ولأنه شرط لا يمنع المقصود من النكاح فكان لازما كما لو اشترطت عليه زيادة فى المهر أو نقدا غير نقد البلد.
واستدل الأئمة الثلاثة على عدم لزوم هذه الشروط بقول النبى ﷺ كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل. وهذه الشروط ليست فى كتاب الله لأن الشرع لا يقتضيها وبحديث المسلمون على شروطهم الا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا.
وهذا يحرم الحلال وهو التزوج بأخرى والسفر بالزوجة. ولأن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا مقتضاه فكانت فاسدة .. وحديث أحق ما وفيتم به من الشروط محمول على الشرط الصحيح. وليس هذا منه.
стр. 2723
وهذه الشروط أو أكثرها حين يشترطها أحد الطرفين فى عقد النكاح على الطرف الآخر تعتبر بالنسبة للمشروط عليه بمثابة اسقاط حق مقرر له بمقتضى أحكام الشريعة ونصوصها فيكون قبول الشرط واسقاط الحق على خلاف ما جاء به الشرع ومخالفة المشروع غير جائزة.
جواز الاسقاط وعدم جوازه فى شروط النكاح
وما ذكر من القواعد والأحكام الخاصة بشروط النكاح فى المذاهب المشار اليها هو الأساس فى الكلام على جواز الاسقاط وعدم جوازه فى شروط النكاح التى سيتناولها الكلام بصفة عامة فى المذاهب كلها.
أولا: اذا أسقط الزوج حقه فى نقل
زوجته من بلدها أو من دارها أو فى
السفر بها من بلد الى بلد آخر .
بأن تزوجها على ألا ينقلها من بلدها أو من بيتها أو على أن تسكن حيث أحبت أو على ألا يسافر بها فهل يجوز ذلك ويلزمه الوفاء بهذا الشرط.
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: ان هذا الشرط لاغ ولا يعمل به ولا يلزم الزوج الوفاء به، لأنه يتضمن اسقاط حق للزوج قررته له الشريعة حيث جعلت له الحق فى أن ينقل زوجته الى بيت الزوجية ويسكن بها حيث أحب فى مسكن لائق مستوف لكل ما تتطلبه الحياة الكريمة حسب المستوى المناسب، وليس من غرضه ايذاؤها فيكون اسقاط هذا الحق بالشرط على خلاف المشروع وتغييرا له فلا يجوز. وأن بنى هذا الشرط على قدر المهر كأن تزوجها على ألف أن أقام بها وعلى ألفين أن أخرجها فالحكم بالنسبة للالزام بالشرط لا يتغير أما بالنسبة للمهر.
ففى رأى الامام أبى حنيفة أن أقام بها فلها الألف وأن أخرجها فلها مهر المثل لا يزاد به عن الألفين ولا ينقص عن الألف.
وفى رأى الصاحبين الشرطان جائزان حتى كان لها الألف ان أقام بها والألفان أن أخرجها (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: أن هذا الشرط لاغ ولا يلزم الزوج بالوفاء به وأن كان يستحب له ذلك. وأن بنى على قدر المهر وردد فى شرطين على قدرين كأن يتزوجها بألف وتشترط عليه أن أخرجها من بلدها أو من بيت أبيها فمهرها ألفان يصح العقد ولا يلزمه الوفاء بالشرط فأن لم يف به وأخرجها من بلدها أو من بيت أبيها لا تلزمه الألف الثانية على المشهور عندهم.
وقيل ترجع بالأقل من الألف وبقية صداق مثلها (٢).
стр. 2724
مذهب الشافعية:
وقال الشافعية: أن هذا الشرط لا أثر له على العقد لأنه لا يخل بالمقصود منه ولكن لا يجب على الزوج الوفاء به. فالنكاح صحيح. ويجب مهر المثل سواء وردت عبارة الشرط بأثره ولم تربط بالصداق كتزوجتك على ألف على ألا تخرجنى من بلدى أو من بيتى أو ربطت بالصداق ورددت بين شرطين كتزوجتك على ألف ان أقمت بى وعلى ألفين ان سافرت (١).
مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة: ان هذا الشرط صحيح ولازم ويجب على الزوج الوفاء به فان لم يوف كان للزوجة الخيار فى فسخ النكاح لأنها رضيت بالنكاح على الشرط ولم ترض بدونه فيثبت لها الخيار ولا يسقط حقها فيه الا بما يدل على رضاها فأن أسقطت حقها فى الفسخ سقط (٢).
مذهب الظاهرية:
وذهب ابن حزم الظاهرى: الى أن النكاح لا يصح على شرط أصلا الا شرط الصداق وشرط الامساك بالمعروف أو التسريح بالاحسان. أما شرط هبة أو بيع أو ألا ينقلها عن بلدها
أو غير ذلك. فأن شرط فى نفس العقد فهو عقد مفسوخ وأن شرط بعد العقد فهو صحيح والشروط كلها باطلة.
وذكر ابن حزم فى صدد الاستدلال للحنابلة القائلين بصحة الشرط ولزوم الوفاء به، ان البعض روى أنه شهد عند عمر بن الخطاب رضى الله عنه رجلا أتاه فأخبره أنه تزوج امرأة وشرط لها دارها فقال عمر لها شرطها. فقال رجل عنده: هلكت الرجال أذن اذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها الا طلقته فقال عمر المسلمون على شروطهم عندها مقاطع حقوقهم وفى لفظ مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما اشترطت (٣).
مذهب الزيدية:
وجاء فى البحر الزخار فى فقه الزيدية (٤): يلغو كل شرط فى عقدة النكاح على خلاف موجبه فلو تزوج الرجل امرأة على شرط ألا يخرجها من دارها أو بلدها لغا الشرط لقوله ﵊ ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست فى كتاب الله.
مذهب الإمامية:
اختلفت الشيعة الإمامية فى ذلك فقال بعضهم اذا شرط مثل هذا الشرط فى عقد النكاح يصح العقد ولا يلزم الشرط ولا يجب على الزوج الوفاء به.
стр. 2725
وقال آخرون أن الشرط يلزم. وذكروا أن القول بلزوم الشرط هو الأقرب للرواية (١).
مذهب الإباضية:
وذهب الإباضية الى أن هذا الشرط جائز وأن الزوجة على شرطها ما لم تبرئه (٢) منه وقولهم أن الزوجة على شرطها يدل على وجوب الوفاء بالشرط على الزوج.
ثانيا: اذا أسقط الزوج حقه فى
المعاشرة الجنسية مع زوجته أو أسقطت
هى حقها فى ذلك
أو أسقط حقه فى الزواج بغيرها بأن تزوجها على الا يطأها أو على ألا يتزوج عليها.
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: أن الشرطين باطلان والعقد صحيح ولا يسقط حق الزوج بهذا الاشتراط لأنها تحرم حلالا هو استمتاع الرجل بزوجته واباحة التزوج بأكثر من واحدة الى أربع وما يؤدى الى تغيير المشروع باطل فلا يجوز ولا يلزم الوفاء به وكذلك اذا كان اشتراط عدم الوط ء من قبل الزوجة (٣).
مذهب المالكية والشافعية:
وقال المالكية والشافعية: أن الشرط الأول يبطل عقد النكاح لأنه يخل بالمقصود
منه ويخالف موجبه الذى حدده الشارع وبينه أما الشرط الثانى وهو ألا يتزوج عليها فانه شرط باطل لأنه يؤدى الى تحريم المباح فلا يجوز ولا يسقط حق الزوج فى التزوج ولا تأثير له على العقد لأنه لا يخل بالمقصود منه فيصح العقد ويبطل الشرط (٤).
مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة أن الشرط الأول باطل والعقد صحيح لأنه يؤدى الى اسقاط ما لم يجب ويخل بمقصود العقد.
أما الشرط الثانى وهو ألا يتزوج عليها فهو صحيح ولازم ويجب على الزوج الوفاء به لأن فيه نفعا للزوجة وقد جرى به العرف فيكون لازما ولا أثر له على العقد وأن لم يوف به فللزوجة حق فسخ النكاح واذا أسقطت حقها فى ذلك سقط (٥).
مذهب الظاهرية:
ورأى ابن حزم فى هذين الشرطين كرأيه فى الشرط السابق أن شرطا فى العقد فهو مفسوخ وأن شرطا بعده فهو عقد صحيح والشرطان باطلان لأن عقد النكاح عند الظاهرية لا يصح على شرط من الشروط الا على شرط المهر وشرط الامساك بالمعروف أو التسريح باحسان (٦).
стр. 2726
مذهب الزيدية:
أما الزيدية: فقد فرقوا فى حكم شرط ألا يطأها بين أن يكون من جانب الزوج فيصح العقد ويلغو الشرط لأن هذا حقه وله أن يسقط حقه. أو يكون من جانب الزوجة فيبطل العقد (١).
وجاء فى كتاب شرح الازهار المنتزع من (٢) الغيث المدرار فى فقه الزيدية - اذا شرط فى العقد ألا يطأ الزوج زوجته كان هذا شرطا مخالفا لموجب العقد فيفسد العقد.
أما شرط ألا يتزوج عليها فيرى الزيدية فيه أنه شرط باطل ولا أثر له على العقد فيبطل الشرط ويصح العقد (٣).
مذهب الإمامية:
وذهب الإمامية: بالنسبة للشرط الاول ألا يطأها الى أنه يبطل العقد لأنه يمنع المقصود منه وهو الاعفاف والتناسل.
أما بالنسبة للشرط الثانى ألا يتزوج عليها فقد قالوا: أن المشهور فى المذهب صحة العقد وفساد الشرط.
مذهب الإباضية:
أما الإباضية: فقد قالوا: أن الشرط الأول باطل عند الله وفى الحكم وأن عقد النكاح صحيح أما الشرط الثانى فقد قالوا فيه أن كل شرط فى النكاح لا يحرم
حلالا ولا يحل حراما فهو جائز.
والزوجة على شرطها ما لم تبرئه منه (٤).
والخلاف بالنسبة لهذا الشرط أساسه أنه يحرم حلالا عند من يراه باطلا وليس كذلك عند من يراه صحيحا.
ثالثا: اذا تزوجها على أن يطلق زوجته
التى فى عصمته يتضمن هذا الشرط اسقاط حق الزوج فى امساك زوجته التى على عصمته.
مذهب الحنفية:
قد ذهب الحنفية: الى أن هذا الحق لا يسقط باشتراط هذا الشرط لأن الحق ثابت بحكم الشرع واسقاطه معناه تغيير المشروع ولا يستطيع أحد أن يغير حكم الله فيكون الشرط المقتضى لهذا التغيير باطلا ولا تأثير له على العقد لأن عقد النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة (٥).
مذهب المالكية:
وكذلك يرى المالكية فى هذا الشرط اذ يقولون أنه شرط باطل ولا يلزم الوفاء به لأنه يؤدى الى تحريم الحلال فلا يصح ويصح العقد (٦).
مذهب الشافعية:
أما الشافعية فقد وافقوا المالكية فى قول لهم وقرروا فى قول آخر أن العقد يبطل (٧).
стр. 2727
مذهب الحنابلة:
وقد سبق أن الحنابلة لا يقولون بجواز هذا الشرط لورود النهى عنه بخصوصه على نحو ما تقدم ومن ثم قرروا بطلان الشرط وصحة العقد (١).
مذهب الظاهرية:
ويرى ابن حزم الظاهرى فى هذا الشرط ما رآه فى الشروط الاخرى وهو أنه أن ورد فى العقد كان مفسوخا وأن ورد بعده كان صحيحا وكان الشرط باطلا (٢).
ومنه الارث:
يطلق الأرث فى لسان الفقهاء على الأمر المعنوى وهو الوراثة وحلول الوارث محل المورث وخلافته عنه فى المال والحقوق والتبعات .. كما يطلق على المال أو الحق الموروث، والوراثة نوع من الولاية لما فيها من ولاية الوارث على المورث بخلافته عنه فى ماله ملكا ويدا وتصرفا .. ولذلك تنقطع الوراثة حيث تنقطع الولاية باختلاف الدين. والوراثة جبرية بالنسبة للمورث فان الشارع لم يترك حق التوريث الى رغبته وأرادته بل أناط الوراثة بأسباب وقيدها بشرائط متى تحققت ولم يوجد مانع من الوراثة ثبتت لمستحقيها على مقتضى القواعد والأحكام التى حددها الشارع
تحديدا جبرا على المورث بحيث لا يملك حرمان وارث ولا ابطال حق من يرى ابطال حقه ولا انتقاص شئ منه.
وليس للوارث ابطال أهليته للأرث ولا نفى هذا الوصف عن نفسه متى تحققت فيه الأسباب والشروط وانتفت عنه الموانع. فلو قال: أبطلت كونى وارثا أو تنازلت عن ذلك أو لست وارثا. فلا عبرة بقوله هذا ولا أثر له لأنه اسقاط لوصف ذاتى عمن يقوم به وتغيير للمشروع.
أما حق التملك الذى يثبت للوارث عند موت المورث مستندا الى أول الموت فأنه حق مجرد وليس هو حقيقة الملك الذى يثبت له فى أعيان التركة والحقوق التى تشتمل عليها .. وهو يملك أن يسقط هذا الحق المجرد أى حق التملك بأجازة تصرف مورثه فى التركة حال المرض اذ أن أجازة هذا التصرف تتضمن ابطال حق المجيز فى تملك ما وقع عليه التصرف .. ولكنه لا يملك هذا الاسقاط بالاجازة ألا بعد موت المورث ولا يملكه حال المرض لأنه لم يكن ثابتا فى ذلك الحين.
وحق التملك هذا يثبت للوارث بدون أرادته بمعنى أنه لا يتوقف على قبوله ولا يرتد برده ولكنه يسقط بالاسقاط بأجازة تصرف المورث حين المرض كما ذكر.
ومن ذلك أجازة الورثة وصية مورثهم التى تتوقف على اجازتهم كما فى الوصية بأكثر من الثلث والوصية للوارث فى رأى بعض
стр. 2728
الفقهاء - فأنهم بأجازتهم قد أبطلوا حقهم فى تملك العين.
ولا يملك الوارث ابطال شئ مما يثبت له بالوراثة حقا كان أو ملكا - حال حياة المورث لأن شيئا من ذلك لم يثبت له بعد. ولا يصح أسقاط شئ من الحقوق قبل ثبوته بالفعل.
أما ملك الوارث لما فضل من التركة بعد حاجة المورث من التجهيز والدفن وسداد الديون وتنفيذ الوصايا - فأنه يثبت للوارث جبرا عليه وتدخل أموال الميت والحقوق القابلة للانتقال فى ملك الوارث من غير توقف على قبوله ولا يرتد برده. وهذا الملك لا يسقط بالاسقاط مطلقا بالنسبة للاعيان. ويسقط بالاسقاط بالأبراء بالنسبة للديون التى للمورث على الغير.
جاء فى الأشباه والنظائر لابن نجيم (١): لو قال الوارث تركت حقى لم يبطل حقه اذ الملك لا يبطل بالترك.
وجاء فى تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين (٢): اذا أشهد أحد الورثة بأنه ترك حقه من الأرث وأسقطه فهذا الحق لا يسقط بالاسقاط وله المطالبة بحقه من الأرث اذ هو جبرى لا يسقط بالاسقاط.
وفى الفتاوى الخيرية: حق الارث لا يقبل الاسقاط (٣).
وفى تكملة رد المحتار (٤). يبطل اقرار انسان بعدد من السهام لوارث أزيد من الفريضة الشرعية لكونه محالا شرعا.
أى مخالف للمشروع ومغير له فيكون باطلا .. ومثل ذلك فى الفتاوى الخيرية (٥) من كتاب الاقرار.
وفى كتاب الأم للشافعى رحمه الله تعالى (٦): من ورث شيئا لم يكن له دفع الميراث وذلك أن حكما من الله أنه نقل ملك الموتى الى ورثتهم من الأحياء.
أما الوصية والهبة والصدقة وجميع وجوه الملك غير الميراث فالمملك فيها بالخيار ان شاء قبلها وان شاء ردها.
وفى تتمة الروض النضير فى فقه الزيدية الميراث هو كل مال أو حق خرج من مستحق الى مستحق آخر من غير اختيار كل منهما ولهذا يسمى الملك القهرى.
وفى شرح النيل فى فقه الإباضية (٧):
الميراث يدخل الملك بلا قبول بل ولو أبى القبول.
وهذا قدر متفق عليه بين الفقهاء ولا خلاف فيه لأحد ﴿(آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ﴾
стр. 2729
﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١).
الحقوق التى لم تجب
ذكرنا فيما سبق أن الحق قبل وجوبه لا يقبل الاسقاط وان اسقاطه ليس اسقاطا حقيقة وانما هو امتناع عن الحق فى المستقبل فهو مجرد وعد فلا يلزم. وليس من هذا الباب التطليق والعتق المضافان الى الملك عند الحنفية.
فان الاسقاط منهما لم يحصل الا عند ثبوت الملك بالفعل غاية الأمر أن الصيغة وجدت قبل ثبوت الحق. ومنع التعليق سببيتها للاسقاط حتى يحصل الملك فتثبت السببية بناء عليه ويحصل الاسقاط لوجود سببه حينئذ. ويبنى على هذا الأصل مسائل:
منها: بعض شروط النكاح:
ومن الحقوق التى لا تقبل الاسقاط لأنها لم تجب بعد بعض الشروط التى تشترط فى عقد النكاح كما اذا اشترط الزوج على زوجته أن لا يعطيها مهرا فتزوجها على ألا مهر لها .. فان هذا اسقاط لحق المرأة فى المهر ولكنه لا يصح لأن حقها فى المهر لم يثبت بعد اذ المهر انما يجب بالعقد ويتأكد بالدخول والموت والخلوة والشرط وقع قبل تمام العقد أى قبل وجوب المهر فلم
يصادف محلا. فوقع غير صحيح ..
ولكن ما أثر هذا الشرط على العقد
مذهب الحنفية:
يقول الحنفية: ان هذا شرط لا يقتضيه العقد ولا يؤكد مقتضاه ولم يجر به عرف ولم يجئ بجوازه الشرع بل ان الشرع قد جاء بايجاب المهر فهو شرط مخالف لمقتضى حكم الشرع فيكون فاسدا وهو أيضا اسقاط لحق يجب بالعقد قبل تمام العقد.
والمقرر عندهم أن عقد النكاح لا يؤثر فيه الشرط الفاسد. فيبطل الشرط ويصح العقد. ويجب عندهم فى هذه الحالة مهر المثل. اذ بهذا الشرط أصبح النكاح بدون تسمية مهر فيلجأ الى مهر المثل لما روى أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن امرأة مات عنها زوجها ولم يكن قد فرض لها شيئا فجعل يرده شهرا ثم قال: أقول فيه برأيى فان يك صوابا فمن الله ورسوله. وان يك خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله بريئان.
أرى لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط.
فقام رجلان وقالا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى فى امرأة يقال لها بروع بنت واشق بمثل قضيتك هذه. فسر ابن مسعود رضى الله عنه لموافقة قضائه قضاء رسول الله ﷺ . فهذا الحديث صريح فى أن المهر اذا لم يذكر فى
стр. 2730
العقد وجب مهر المثل .. ويستوى فى عدم ذكره فى العقد أن تترك التسمية أو تفسد أو ينفى المهر كما فى حالتنا (١).
مذهب المالكية:
أما المالكية فان المقرر عندهم أن الزواج بالنسبة للمهر يعتبر عقد معاوضة لا بد فيه من المهر ومن بيانه فى العقد كالبيع بالنسبة للثمن لما كان عقد معاوضة كان مفتقرا الى ذكر الثمن وبيانه فى العقد. ولو نفى الثمن فى البيع يفسد العقد وكذلك النكاح لو نفى المهر يفسد العقد .. وحينئذ يكون العقد فى هذه الحالة فاسدا ويستوى فى ذلك أن يتراضيا على اسقاط المهر ونفيه وأن يكون بالاشتراط فى العقد (٢).
مذهب الشافعية:
والشافعية يقولون: ان هذا شرط يتعلق به الغرض اذ فيه نفع للزوج ولكنه لا يخل بالمقصود من عقد النكاح فيكون شرطا فاسدا ولكن لا تأثير له على العقد فيصح العقد ويبطل الشرط.
ويجب مهر المثل فى هذه الحالة. لأن العقد خلا عن ذكر مهر. والمهر واجب بحكم الشرع وليس هناك ما يرجع اليه فى تحديد المهر الا مهر المثل الذى اعتبره الشارع فى مثل هذه الأحوال (٣).
مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة أن هذا الشرط باطل لأنه يتضمن اسقاط حق يجب بعقد النكاح وهو حق الزوجة فى المهر وهو لا يثبت ولا يتقرر الا بالعقد وهو قد شرط فى العقد أى قبل تمامه. وابطال ما لم يجب باطل. ولكنه لا يخل بمقصود العقد ولا ينافى مقتضاه فلا يكون له تأثير على العقد فيصح العقد ويبطل الشرط. ويجب مهر المثل لأن العقد خلا عن تسمية مهر. والمهر واجب بحكم الشرع وليس هناك ما يرجع اليه فى تقدير المهر الواجب وتحديده سوى مهر المثل الذى اعتمد عليه الشارع كثيرا فى التحديد (٤).
مذهب الظاهرية:
وقال ابن حزم أن أى شرط فى النكاح غير المهر والامساك بالمعروف أو التسريح باحسان غير جائز وان شرط فى العقد يكون العقد مفسوخا وان شرط بعد العقد يكون العقد صحيحا ويبطل الشرط - وهذا شرط غير متعلق بالمهر لأن المقصود لابن حزم من الشرط المتعلق بالصداق الذى يصح عنده هو الشرط المتعلق بذكر المهر وبيانه وتحديده وهذا نفى له. وقد شرط فى صلب العقد. فهو عقد مفسوخ أبدا عند ابن حزم الظاهرى (٥).
стр. 2731
مذهب الزيدية:
قال الزيدية ان هذا الشرط باطل لأنه يقتضى نفى المهر فى عقد النكاح والمهر فى النكاح واجب بحكم الشرع ولا سبيل الى الغائه أو نفيه ثم هو اسقاط لحق الزوجة قبل وجوبه بالفعل اذ لا يجب الا بالعقد. فكان باطلا. ولكن لا أثر له على العقد فيصح العقد ويبطل الشرط ويجب مهر المثل لأنه الواجب شرعا فى مثل هذه الحالة (١).
مذهب الإمامية:
ويقول الإمامية: أنه لا يشترط لصحة عقد النكاح ذكر المهر فلو أغفل ذكر المهر فى العقد أو شرط الا مهر لها فالعقد صحيح. ولو طلق فى هذه الحالة فان كان قبل الدخول فلها المتعة وان كان بعد الدخول فلها مهر المثل - ولو تزوجها على خمر. صح العقد ولها مع الدخول مهر المثل. وقيل يبطل العقد وهذا غير خلو العقد عن ذكر المهر (٢).
مذهب الإباضية:
وقال الإباضية: اذا تزوج (٣) الرجل المرأة على ألا صداق لها أو بدون صداق أو بصداق غير جائز بطل الشرط ولزم النكاح عند الله تعالى وفى الحكم وقيل
لا يحل النكاح أن تزوجها على ألا صداق لها.
ومنها النفقة:
مذهب الحنفية:
فى الدر المختار وحاشية رد المختار عليه لابن عابدين من باب النفقة (٤) - ابراء الزوجة من نفقتها قبل الفرض بالقضاء أو بالرضا باطل لأنه لا يصير دينا بدون الفرض. وبعده يصح مما مضى ومن مدة مستقبلة .. فلو قالت لزوجها أنت برئ من نفقتى أبدا مادمت امرأتك ولم تكن النفقة مفروضة لا يصح لأن صحة الابراء تعتمد الوجوب أو قيام سبب الوجوب ولم يوجدا هنا لأن سبب وجوب النفقة فى المستقبل هو الاحتباس فى المستقبل. وهو غير موجود فى الحال. واذا أبرأته وكانت مفروضة بالأشهر صح الابراء عن الماضى وعن شهر مستقبل ولو بالايام يبرأ من نفقة يوم مستقبل ولو بالسنين يبرأ من نفقة سنة مستقبلة. وذلك كله مع البراءة من الماضى.
واستظهر ابن عابدين أن المراد بالمستقبل فى هذه العبارات ما دخل أوله لأنه انما يتنجز المفروض لها بدخوله وقبل دخول أوله حكمه حكم ما بعده من الأشهر والأيام والسنين .. وكذا لو قالت: أبرأتك
стр. 2732
عن نفقة سنة وهى مفروضة بالأشهر لم يبرأ الا من نفقة شهر واحد، لأن القاضى لما فرض النفقة كل شهر فانما فرض لمعنى يتجدد بتجدد الشهر فما لم يتجدد الشهر لم يتجدد الفرض وما لم يتجدد الفرض لا تصير نفقة الشهر الثانى واجبة أى أن النفقة تفرض لمعنى الحاجة المتجددة فاذا فرضها القاضى كل شهر كذا صارت الحاجة متجددة بتجدد كل شهر وقبل تجدده لا يتجدد الفرض فلم تجب النفقة قبله ولا يصح الابراء عما لم يجب.
واستثنوا من ذلك ما لو طلقها أو خالعها نظير الابراء من نفقة العدة. فانهم صححوا هذا الابراء وحكموا بوقوع الطلاق بائنا لأنه طلاق على مال. مع أن مدة العدة تبدأ عقيب الطلاق والخلع والنفقة تجب شيئا فشيئا. فكان مقتفى ما تقدم ألا يصح الابراء واختلفت عبارات المؤلفين فى تعليل هذا التصحيح.
فقال صاحب فتح القدير. ان الاسقاط يرد قصدا وأولا على ما تستحقه بالفعل وقت الطلاق والخلع. والباقى يثبت تبعا فى ضمن الطلاق أو الخلع. وكم من شئ يثبت ضمنا ولا يثبت قصدا.
وقال فى الذخيرة أن هذا من قبيل براءة الاستيفاء لأنها لما شرطت البراءة فى الخلع أو الطلاق كان ابراء بعوض اذ حصلت على الطلاق فيكون استيفاء لما وقع الابراء عنه لأن العوض قام مقام هذا الاستيفاء.
مذهب المالكية:
وفى الحطاب فى فقه المالكية (١):
المرأة اذا أسقطت النفقة عن زوجها فى المستقبل تسقط عنه وصرح بذلك عبد الحق فى تهذيبه ونقله عنه أبو الحسن وقبله ولم يذكر خلافه.
وقال القرافى أن ذلك لا يسقط ولها الرجوع فيه وقبله ابن الشاط.
والسر فى ذلك أن النفقة عند المالكية تعتبر دينا صحيحا للزوجة على زوجها من وقت التسليم ولو حكما ولا تسقط عنه الا بالأداء أو الابراء وليس ملحوظا فيها معنى الحاجة فيثبت لها ويصادف الابراء حقا قائما. والا فالمالكية: يرون أن اسقاط ما لم يجب غير صحيح فلو أسقطت الحاضنة التى لم تجب لها الحضانة حقها لا يصح.
مذهب الشافعية:
وفى كتاب الأم للامام الشافعى رضى الله عنه (٢) ان ترك الرجل زوجته سنة لا ينفق عليها وأبرأته من نفقة تلك السنة وسنة مستقبلة برئ من نفقة السنة الماضية لأنها قد وجبت لها ولم يبرأ من نفقة السنة المستقبلة لأنها أبرأته قبل أن تجب لها وكان لها أن تأخذه بها.
وفى موضع آخر: اذا أعسر الرجل بنفقة المرأة فأجل ثلاثا ثم خيرت فاختارت
стр. 2733
المقام معه. فمتى شاءت أجل أيضا ثم كان لها فراقه لأن اختيارها المقام معه عفو عما مضى فعفوها فيه جائز. وعفوها غير جائز عما استقبل فلا يجوز عفوها عما لم يجب لها.
اذا أسقطت النفقة المستقبلة.
مذهب الحنابلة:
وفى كشاف القناع فى فقه الحنابلة (١):
لو تزوجت المرأة رجلا معسرا أو شرط ألا ينفق عليها أو أسقطت النفقة المستقبلة ثم بدا لها الفسخ فلها ذلك لأن النفقة يتجدد وجوبها كل يوم فيتجدد لها الفسخ كذلك. ولا يصح اسقاط نفقتها فيما لا يجب لها وكما لو أسقطت النفقة قبل النكاح.
مذهب الظاهرية:
وابن حزم يتفق مع الأئمة فى أن شرط الابراء أن يكون الحق المبرأ منه موجودا وقائما عند الابراء. غاية الأمر أنه لا يصح عنده بألفاظ التمليك مثل وهبت أو أعطيت أو ملكت - ويصح بما يدل على الاسقاط وبلفظ التصدق مع أنه يدل على التمليك لورود النص به فلا يصح الابراء من الحق الذى لم يجب.
ومنها حق الزوجة فى القسم وحق
الحاضنة فى الحضانة مستقبلا
مذهب الحنفية:
يقول فقهاء الحنفية اذا رضيت احدى الزوجات بترك قسمها لصاحبتها جاز لأن
سودة بنت زمعة رضى الله عنها سألت رسول الله ﷺ أن يراجعها وتجعل نوبتها لعائشة رضى الله عنها - واذا فعلت الزوجة ذلك فليس لها أن ترجع فيما مضى من القسم ولا تملك العودة الى المطالبة به. ولها أن ترجع فيما بعد ذلك لأنها أسقطت حقا لم يجب بعد فلا يسقط بالاسقاط فاسقاطها حقها فيما ثبت من القسم وأصبح قائما صحيح ولا رجوع فيه لأن الساقط لا يعود - أما فيما لم يجب فلها الرجوع فيه لأنه لا يسقط.
ومثل القسم فى ذلك حق الحضانة فلو أسقطت الحاضنة حقها فى الحضانة وجاز هذا الاسقاط لعدم اشتماله على ابطال حق الصغير فانه لا يكون لازما فى المستقبل ولها الرجوع فيه.
قال ابن عابدين فى حاشيته رد المحتار على الدر المختار واستظهر الرحمتى أن هذا الاسقاط لا يدوم فلها الرجوع لأن حقها يثبت شيئا فشيئا فيسقط الكائن لا المستقبل. فهو كاسقاطها القسم لضرتها .. فلا يرد أن الساقط لا يعود لأن العائد غير الساقط بخلاف اسقاط حق الشفعة (٢).
مذهب المالكية:
وفى الشرح الكبير فى فقه المالكية وحاشية الدسوقى عليه (٣): للزوجة
стр. 2734
ان وهبت نوبتها لزوجها ولضرتها أن ترجع عن ذلك سواء أكانت الهبة مقيدة بوقت أو لا. وقد تقدم فى الكلام على اسقاط حق الحضانة أنه لا يصح اسقاط هذا الحق عندهم قبل أن يجب ما يثبت بالفعل. فان أسقطت الجدة حقها فيها مع وجود الأم الحاضنة بالفعل لا يصح ولا يسقط حقها بذلك ويثبت لها فى دورها.
مذهب الشافعية:
وفى تحفة المحتاج فى فقه الشافعية:
أن الزوجة اذا وهبت نوبتها فى القسم لغيرها من الزوجات جاز ولها الرجوع متى شاءت فى المستقبل.
وفى نهاية المحتاج (١): لو أسقطت الحاضنة حقها انتقلت لمن يليها فاذا رجعت عاد حقها.
مذهب الحنابلة:
وفى الاقناع فى فقه الحنابلة (٢): اذا رجعت الزوجة فى هبة نوبتها من القسم لضرتها عاد حقها فى المستقبل فقط.
وفى كشاف القناع (٣): أن من له الحضانة وأسقطها فان له أن يعود اليها متى شاء لأنه حق يتجدد بتجدد الزمان كالنفقة.
مذهب الظاهرية:
وفى المحلى لابن حزم الظاهرى (٤) اذا وهبت الزوجة ليلتها لضرتها جاز لها ذلك - فان بدا لها فرجعت فى ذلك فلها ذلك لما روى أن سودة بنت زمعة لما كبرت قالت يا رسول الله: جعلت يومى منك لعائشة - فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة. واما أن لها الرجوع فى ذلك فلأن كل يوم هو غير اليوم الذى قبله بلا شك. ولا يجوز هبة مجهول وانما هو اباحة حادثة فى ذلك اليوم اذا جاء فلها ألا تحدث تلك الاباحة وأن تتمسك بحقها الذى جعله الله لها.
مذهب الزيدية:
وفى البحر الزخار فى فقه الزيدية (٥):
اذا وهبت المرأة نوبتها من القسم للزوجة الأخرى كان هذا اسقاطا لها.
وللواهب الرجوع متى شاء.
وفى شرح الأزهار (٦): وللأم أن تترك حقها فى حضانة ولدها ان قبل غيرها فان امتنع من غيرها وخشى عليه التلف صارت الحضانة حقا للطفل فيجبر من عليه الحضانة عليها من أم أو غيرها - وتعود الحضانة لصاحب الحق اذا تركه بزوال المانع.
стр. 2735
مذهب الإباضية:
وفى شرح النيل فى فقه الإباضية (١):
اذا أسقطت احدى الزوجات عن زوجها نوبتها ان كان فيما مضى جاز وأما فى المستقبل فقيل يجوز ذلك وقيل لا يجوز.
وفى موضع آخر من باب الحضانة:
واذا أسقطت الحضانة لعذر ثم زال عادت الا أن سقطت لتزوج فلا تعود على المشهور. وذلك كالمرض والسفر فان صحت أو عادت من السفر عادت الحضانة.
ومنها حق الوارث فى الوصية
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: اذا أوصى المورث بأكثر من الثلث أو لوارث فانه يثبت للورثة فى الحالة الأولى أو لباقيهم فى الحالة الثانية الحق فى رد هذا التصرف مراعاة لحقهم فى الارث. ولكن هذا الحق لا يثبت لهم الا بعد الموت. فليس لهم الحق فى فسخ هذه الوصية وردها حال حياة المورث الذى أوصى. وكذلك لا عبرة بأجازتهم فى حياته. وما ذلك الا لأن حقهم لم يجب بعد فلا يسقط بالاسقاط بهذه الأجازة ولا تجوز حتى يجيزوها بعد الموت. قال الجصاص. ولا تعمل أجازتهم فى الحياة لأنهم لم يستحقوا شيئا بعد.
مذهب المالكية:
وفى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه فى فقه المالكية (٢): اذا أجاز الوارث وصية مورثة قبل موته فيما له رده بعده كما لو كانت الوصية لوارث أو كانت بأكثر من الثلث فتلزمه الاجازة وليس له الرجوع بعد ذلك فيما أجازه متمسكا بأنه التزام شئ قبل وجوبه وانما تلزم الاجازة حال حياة الموصى بشروط.
أولها: كون الاجازة فى مرض الموصى سواء كانت الوصية نفسها فى المرض أو فى حال الصحة.
ثانيها: أن يكون المرض مرض الموت بحيث يتصل به الموت ولا يصح منه الموصى فان أجاز فى صحة الموصى أو فى مرض صح منه صحة بينة ثم مرض ومات لم يلزم الوارث ما أجازه.
وثالثها: ألا يكون معذورا فى هذه الاجازة بكونه فى نفقة الموصى فأجاز مخافة قطع النفقة عنه أو مدينا للموصى فأجاز لأجل دينه الذى له عليه أو يخاف سلطان الموصى فأجاز مخافة سطوته.
ورابعها: ألا يكون المجيز ممن يجهل أن له الرد والاجازة ويحلف على ذلك فان حلف لم تلزمه الاجازة وله الرد وان نكل لزمته.