مذهب الزيدية:
قال الزيدية ان هذا الشرط باطل لأنه يقتضى نفى المهر فى عقد النكاح والمهر فى النكاح واجب بحكم الشرع ولا سبيل الى الغائه أو نفيه ثم هو اسقاط لحق الزوجة قبل وجوبه بالفعل اذ لا يجب الا بالعقد. فكان باطلا. ولكن لا أثر له على العقد فيصح العقد ويبطل الشرط ويجب مهر المثل لأنه الواجب شرعا فى مثل هذه الحالة (١).
مذهب الإمامية:
ويقول الإمامية: أنه لا يشترط لصحة عقد النكاح ذكر المهر فلو أغفل ذكر المهر فى العقد أو شرط الا مهر لها فالعقد صحيح. ولو طلق فى هذه الحالة فان كان قبل الدخول فلها المتعة وان كان بعد الدخول فلها مهر المثل - ولو تزوجها على خمر. صح العقد ولها مع الدخول مهر المثل. وقيل يبطل العقد وهذا غير خلو العقد عن ذكر المهر (٢).
مذهب الإباضية:
وقال الإباضية: اذا تزوج (٣) الرجل المرأة على ألا صداق لها أو بدون صداق أو بصداق غير جائز بطل الشرط ولزم النكاح عند الله تعالى وفى الحكم وقيل
لا يحل النكاح أن تزوجها على ألا صداق لها.
ومنها النفقة:
مذهب الحنفية:
فى الدر المختار وحاشية رد المختار عليه لابن عابدين من باب النفقة (٤) - ابراء الزوجة من نفقتها قبل الفرض بالقضاء أو بالرضا باطل لأنه لا يصير دينا بدون الفرض. وبعده يصح مما مضى ومن مدة مستقبلة .. فلو قالت لزوجها أنت برئ من نفقتى أبدا مادمت امرأتك ولم تكن النفقة مفروضة لا يصح لأن صحة الابراء تعتمد الوجوب أو قيام سبب الوجوب ولم يوجدا هنا لأن سبب وجوب النفقة فى المستقبل هو الاحتباس فى المستقبل. وهو غير موجود فى الحال. واذا أبرأته وكانت مفروضة بالأشهر صح الابراء عن الماضى وعن شهر مستقبل ولو بالايام يبرأ من نفقة يوم مستقبل ولو بالسنين يبرأ من نفقة سنة مستقبلة. وذلك كله مع البراءة من الماضى.
واستظهر ابن عابدين أن المراد بالمستقبل فى هذه العبارات ما دخل أوله لأنه انما يتنجز المفروض لها بدخوله وقبل دخول أوله حكمه حكم ما بعده من الأشهر والأيام والسنين .. وكذا لو قالت: أبرأتك
стр. 2732
عن نفقة سنة وهى مفروضة بالأشهر لم يبرأ الا من نفقة شهر واحد، لأن القاضى لما فرض النفقة كل شهر فانما فرض لمعنى يتجدد بتجدد الشهر فما لم يتجدد الشهر لم يتجدد الفرض وما لم يتجدد الفرض لا تصير نفقة الشهر الثانى واجبة أى أن النفقة تفرض لمعنى الحاجة المتجددة فاذا فرضها القاضى كل شهر كذا صارت الحاجة متجددة بتجدد كل شهر وقبل تجدده لا يتجدد الفرض فلم تجب النفقة قبله ولا يصح الابراء عما لم يجب.
واستثنوا من ذلك ما لو طلقها أو خالعها نظير الابراء من نفقة العدة. فانهم صححوا هذا الابراء وحكموا بوقوع الطلاق بائنا لأنه طلاق على مال. مع أن مدة العدة تبدأ عقيب الطلاق والخلع والنفقة تجب شيئا فشيئا. فكان مقتفى ما تقدم ألا يصح الابراء واختلفت عبارات المؤلفين فى تعليل هذا التصحيح.
فقال صاحب فتح القدير. ان الاسقاط يرد قصدا وأولا على ما تستحقه بالفعل وقت الطلاق والخلع. والباقى يثبت تبعا فى ضمن الطلاق أو الخلع. وكم من شئ يثبت ضمنا ولا يثبت قصدا.
وقال فى الذخيرة أن هذا من قبيل براءة الاستيفاء لأنها لما شرطت البراءة فى الخلع أو الطلاق كان ابراء بعوض اذ حصلت على الطلاق فيكون استيفاء لما وقع الابراء عنه لأن العوض قام مقام هذا الاستيفاء.
مذهب المالكية:
وفى الحطاب فى فقه المالكية (١):
المرأة اذا أسقطت النفقة عن زوجها فى المستقبل تسقط عنه وصرح بذلك عبد الحق فى تهذيبه ونقله عنه أبو الحسن وقبله ولم يذكر خلافه.
وقال القرافى أن ذلك لا يسقط ولها الرجوع فيه وقبله ابن الشاط.
والسر فى ذلك أن النفقة عند المالكية تعتبر دينا صحيحا للزوجة على زوجها من وقت التسليم ولو حكما ولا تسقط عنه الا بالأداء أو الابراء وليس ملحوظا فيها معنى الحاجة فيثبت لها ويصادف الابراء حقا قائما. والا فالمالكية: يرون أن اسقاط ما لم يجب غير صحيح فلو أسقطت الحاضنة التى لم تجب لها الحضانة حقها لا يصح.
مذهب الشافعية:
وفى كتاب الأم للامام الشافعى رضى الله عنه (٢) ان ترك الرجل زوجته سنة لا ينفق عليها وأبرأته من نفقة تلك السنة وسنة مستقبلة برئ من نفقة السنة الماضية لأنها قد وجبت لها ولم يبرأ من نفقة السنة المستقبلة لأنها أبرأته قبل أن تجب لها وكان لها أن تأخذه بها.
وفى موضع آخر: اذا أعسر الرجل بنفقة المرأة فأجل ثلاثا ثم خيرت فاختارت
стр. 2733
المقام معه. فمتى شاءت أجل أيضا ثم كان لها فراقه لأن اختيارها المقام معه عفو عما مضى فعفوها فيه جائز. وعفوها غير جائز عما استقبل فلا يجوز عفوها عما لم يجب لها.
اذا أسقطت النفقة المستقبلة.
مذهب الحنابلة:
وفى كشاف القناع فى فقه الحنابلة (١):
لو تزوجت المرأة رجلا معسرا أو شرط ألا ينفق عليها أو أسقطت النفقة المستقبلة ثم بدا لها الفسخ فلها ذلك لأن النفقة يتجدد وجوبها كل يوم فيتجدد لها الفسخ كذلك. ولا يصح اسقاط نفقتها فيما لا يجب لها وكما لو أسقطت النفقة قبل النكاح.
مذهب الظاهرية:
وابن حزم يتفق مع الأئمة فى أن شرط الابراء أن يكون الحق المبرأ منه موجودا وقائما عند الابراء. غاية الأمر أنه لا يصح عنده بألفاظ التمليك مثل وهبت أو أعطيت أو ملكت - ويصح بما يدل على الاسقاط وبلفظ التصدق مع أنه يدل على التمليك لورود النص به فلا يصح الابراء من الحق الذى لم يجب.
ومنها حق الزوجة فى القسم وحق
الحاضنة فى الحضانة مستقبلا
مذهب الحنفية:
يقول فقهاء الحنفية اذا رضيت احدى الزوجات بترك قسمها لصاحبتها جاز لأن
سودة بنت زمعة رضى الله عنها سألت رسول الله ﷺ أن يراجعها وتجعل نوبتها لعائشة رضى الله عنها - واذا فعلت الزوجة ذلك فليس لها أن ترجع فيما مضى من القسم ولا تملك العودة الى المطالبة به. ولها أن ترجع فيما بعد ذلك لأنها أسقطت حقا لم يجب بعد فلا يسقط بالاسقاط فاسقاطها حقها فيما ثبت من القسم وأصبح قائما صحيح ولا رجوع فيه لأن الساقط لا يعود - أما فيما لم يجب فلها الرجوع فيه لأنه لا يسقط.
ومثل القسم فى ذلك حق الحضانة فلو أسقطت الحاضنة حقها فى الحضانة وجاز هذا الاسقاط لعدم اشتماله على ابطال حق الصغير فانه لا يكون لازما فى المستقبل ولها الرجوع فيه.
قال ابن عابدين فى حاشيته رد المحتار على الدر المختار واستظهر الرحمتى أن هذا الاسقاط لا يدوم فلها الرجوع لأن حقها يثبت شيئا فشيئا فيسقط الكائن لا المستقبل. فهو كاسقاطها القسم لضرتها .. فلا يرد أن الساقط لا يعود لأن العائد غير الساقط بخلاف اسقاط حق الشفعة (٢).
مذهب المالكية:
وفى الشرح الكبير فى فقه المالكية وحاشية الدسوقى عليه (٣): للزوجة
стр. 2734
ان وهبت نوبتها لزوجها ولضرتها أن ترجع عن ذلك سواء أكانت الهبة مقيدة بوقت أو لا. وقد تقدم فى الكلام على اسقاط حق الحضانة أنه لا يصح اسقاط هذا الحق عندهم قبل أن يجب ما يثبت بالفعل. فان أسقطت الجدة حقها فيها مع وجود الأم الحاضنة بالفعل لا يصح ولا يسقط حقها بذلك ويثبت لها فى دورها.
مذهب الشافعية:
وفى تحفة المحتاج فى فقه الشافعية:
أن الزوجة اذا وهبت نوبتها فى القسم لغيرها من الزوجات جاز ولها الرجوع متى شاءت فى المستقبل.
وفى نهاية المحتاج (١): لو أسقطت الحاضنة حقها انتقلت لمن يليها فاذا رجعت عاد حقها.
مذهب الحنابلة:
وفى الاقناع فى فقه الحنابلة (٢): اذا رجعت الزوجة فى هبة نوبتها من القسم لضرتها عاد حقها فى المستقبل فقط.
وفى كشاف القناع (٣): أن من له الحضانة وأسقطها فان له أن يعود اليها متى شاء لأنه حق يتجدد بتجدد الزمان كالنفقة.
مذهب الظاهرية:
وفى المحلى لابن حزم الظاهرى (٤) اذا وهبت الزوجة ليلتها لضرتها جاز لها ذلك - فان بدا لها فرجعت فى ذلك فلها ذلك لما روى أن سودة بنت زمعة لما كبرت قالت يا رسول الله: جعلت يومى منك لعائشة - فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة. واما أن لها الرجوع فى ذلك فلأن كل يوم هو غير اليوم الذى قبله بلا شك. ولا يجوز هبة مجهول وانما هو اباحة حادثة فى ذلك اليوم اذا جاء فلها ألا تحدث تلك الاباحة وأن تتمسك بحقها الذى جعله الله لها.
مذهب الزيدية:
وفى البحر الزخار فى فقه الزيدية (٥):
اذا وهبت المرأة نوبتها من القسم للزوجة الأخرى كان هذا اسقاطا لها.
وللواهب الرجوع متى شاء.
وفى شرح الأزهار (٦): وللأم أن تترك حقها فى حضانة ولدها ان قبل غيرها فان امتنع من غيرها وخشى عليه التلف صارت الحضانة حقا للطفل فيجبر من عليه الحضانة عليها من أم أو غيرها - وتعود الحضانة لصاحب الحق اذا تركه بزوال المانع.
стр. 2735
مذهب الإباضية:
وفى شرح النيل فى فقه الإباضية (١):
اذا أسقطت احدى الزوجات عن زوجها نوبتها ان كان فيما مضى جاز وأما فى المستقبل فقيل يجوز ذلك وقيل لا يجوز.
وفى موضع آخر من باب الحضانة:
واذا أسقطت الحضانة لعذر ثم زال عادت الا أن سقطت لتزوج فلا تعود على المشهور. وذلك كالمرض والسفر فان صحت أو عادت من السفر عادت الحضانة.
ومنها حق الوارث فى الوصية
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: اذا أوصى المورث بأكثر من الثلث أو لوارث فانه يثبت للورثة فى الحالة الأولى أو لباقيهم فى الحالة الثانية الحق فى رد هذا التصرف مراعاة لحقهم فى الارث. ولكن هذا الحق لا يثبت لهم الا بعد الموت. فليس لهم الحق فى فسخ هذه الوصية وردها حال حياة المورث الذى أوصى. وكذلك لا عبرة بأجازتهم فى حياته. وما ذلك الا لأن حقهم لم يجب بعد فلا يسقط بالاسقاط بهذه الأجازة ولا تجوز حتى يجيزوها بعد الموت. قال الجصاص. ولا تعمل أجازتهم فى الحياة لأنهم لم يستحقوا شيئا بعد.
مذهب المالكية:
وفى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه فى فقه المالكية (٢): اذا أجاز الوارث وصية مورثة قبل موته فيما له رده بعده كما لو كانت الوصية لوارث أو كانت بأكثر من الثلث فتلزمه الاجازة وليس له الرجوع بعد ذلك فيما أجازه متمسكا بأنه التزام شئ قبل وجوبه وانما تلزم الاجازة حال حياة الموصى بشروط.
أولها: كون الاجازة فى مرض الموصى سواء كانت الوصية نفسها فى المرض أو فى حال الصحة.
ثانيها: أن يكون المرض مرض الموت بحيث يتصل به الموت ولا يصح منه الموصى فان أجاز فى صحة الموصى أو فى مرض صح منه صحة بينة ثم مرض ومات لم يلزم الوارث ما أجازه.
وثالثها: ألا يكون معذورا فى هذه الاجازة بكونه فى نفقة الموصى فأجاز مخافة قطع النفقة عنه أو مدينا للموصى فأجاز لأجل دينه الذى له عليه أو يخاف سلطان الموصى فأجاز مخافة سطوته.
ورابعها: ألا يكون المجيز ممن يجهل أن له الرد والاجازة ويحلف على ذلك فان حلف لم تلزمه الاجازة وله الرد وان نكل لزمته.
стр. 2736
وان أجاز الوارث الوصية فى صحة الموصى فلا تلزمه الاجازة وهذا قول مالك فى الموطأ والعتبية لأنهم أذنوا فى وقت لا منع لهم فيه. قال أبو عمرو.
هذا هو المشهور من المذهب. وسواء كانت الوصية لوارث أو لأجنبى بأكثر من الثلث. واذا كانت الاجازة الواقعة فى صحة الموصى لا تلزم فللوارث الرد بعد موت الموصى، لأن حقهم ثبت حينئذ.
مذهب الشافعية:
وفى المهذب فى فقه الشافعية (١): اذا أوصى الموصى بما زاد على الثلث فان كان له وارث ففيه قولان.
أحدهما: أن الوصية تبطل فيما زاد على الثلث لأن النبى ﷺ نهى سعدا عن الوصية بما زاد على الثلث.
والثانى: أنها تصح وتقف على اجازة الوارث فان أجازها نفذت وان ردها بطلت لأن الوصية صادفت ملكه وانما يتعلق بها حق الوارث فى الثانى فصحت ووقفت على الاجازة. فان قلنا أنها باطلة كانت الاجازة هبة مبتدأة يعتبر فى لزومها القبض. وان قلنا أنها تصح كانت الاجازة امضاء لما أوصى به الموصى.
ولا يصح الرد والاجازة الا بعد الموت لأنه لا حق للورثة قبل الموت فلم يصح
اسقاطهم. والوصية للوارث تجوز اذا أجازها الورثة على أحد قولين.
مذهب الحنابلة:
وفى كشاف القناع فى مذهب الحنابلة (٢): اذا أجاز الورثة وصية الموصى فانما يعتبر ذلك بعد موت الموصى لأن حقهم يثبت حينئذ فيصح منهم الاجازة والرد كسائر الحقوق. فلو أجازوا قبل موت الموصى أو ردوا قبل موته أو أذنوا لمورثهم فى صحته أو فى مرضه أن يوصى بجميع ماله ولو لأجنبى أو أذنوا له بالوصية لبعض ورثته - فلهم الرد بعد موته ولا عبرة بما صدر منهم قبله لأن الحق لم يكن لهم وقته كالمرأة تسقط مهرها قبل النكاح.
وان مات الموصى له بعد موت الموصى وقبل الرد والقبول للوصية قام وارثه مقامه فى القبول والرد لأنه حق ثبت للمورث فينتقل الى الوارث بعد موته فان كان وارثه جماعة اعتبر القبول والرد من جميعهم. فمن قبل منهم فله حكمه من لزوم الوصية فى نصيبه ومن رد منهم فله حكمه من سقوط حقه من نصيبه.
مذهب الظاهرية:
وفى المحلى لابن حزم الظاهرى (٣):
لا تحل الوصية لوارث ولا بأكثر من الثلث
стр. 2737
لقول النبى ﷺ :
«لا وصية لوارث» ولنهيه ﷺ سعدا عن الوصية بأكثر من الثلث والنهى يقتضى فساد المنهى عنه فتكون الوصية باطلة فيهما سواء أجازها الورثة أم لم يجيزوها اذ لا عبرة بالاجازة فى عقد باطل بحكم الشرع.
مذهب الزيدية:
وفى شرح الأزهار فى فقه الزيدية (١):
من باب تصرفات المريض - أن الوارث له أن يجيز وصية الموصى ولو زاد على الثلث - فان أجاز بعضهم نفذ من حصته دون حصة شركائه. وانما ينفذ الزائد على الثلث بأجازة الوارث اذا كان غير مغرور. فأما لو كان مغرورا كأن يوهم طالب الاجازة الوارث أن الوصية بالثلث وهى فى الواقع بالنصف فلا تأثير لاجازته فترد الوصية الى الثلث.
وجاء فى الهامش - لما كان المرض سبب تعلق حق الورثة صحح كثير من العلماء أجازتهم للوصية قبل موت المورث. اذ الاجازة اسقاط للحق بعد سلبه.
ومنع الجمهور صحة الاجازة قبل الموت بناء على أن سبب الملك انما هو الموت. فكما لا يصح اسقاط الميراث والصلح عنه قبل الموت لا تصح الاجازة التى هى اسقاط حق قبله.
مذهب الإمامية:
وفى الروضة البهية فى فقه الشيعة الإمامية (٢): يشترط فى الوصية بالزائد عن الثلث اجازة الوارث والا بطلت.
وتكفى الاجازة حال حياة الموصى وان لم يكن الوارث مالكا الآن لتعلق حقه بالمال والا لم يمنع الموصى من التصرف فيه.
وقيل لا تعتبر الا بعد وفاته لعدم استحقاق الوارث المال حينئذ.
مذهب الإباضية:
وفى شرح النيل فى فقه الإباضية (٣):
- هل تصح اجازة الوارث وصية مورثه بأكثر من الثلث ولا رد بعد موته أو لا تصح اجازتهم لأنهم جوزوا فى حياته ما لم يملكوه؟ قولان:
الصحيح عندى الأول لأن الايصاء فعل الموصى وقد أجازوه له. وأن أجاز بعض الورثة دون بعض فالخلاف فى رجوع من أجاز كذلك .. وفى موضع آخر تكلم على اجازة الوصية لوارث على نحو ما ذكر.
ومنه خيار الرؤية قبل حصول الرؤية
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: أن خيار الرؤية يثبت للمشترى بعد رؤية ما اشتراه وفى هذه الحالة اذا أسقطه المشترى بالقول أو بالفعل
стр. 2738
بأن تصرف فى المبيع تصرفا لا يكون الا فى الملك ولا يمكن فسخه أو تصرفا يوجب حقا للغير - اذا أسقطه بعد الرؤية بشئ من ذلك يسقط .. أما قبل الرؤية فلا يثبت الخيار ومن ثم لو أسقطه فى هذه الحالة بالقول لا يسقط. ولو أسقطه بالفعل لا يسقط كذلك لأن اسقاط ما لم يجب من الحقوق غير صحيح كما تقرر ألا أن يكون الفعل الذى يصدر من المشترى قبل الرؤية يوجب حقا للغير فى الشئ المشترى كأن يبيعه بيعا مطلقا عن خيار الشرط للبائع أو يرهنه ويسلمه أو يؤجره أو يهبه ويسلمه أو يتصرف فيه تصرفا لا يقبل الفسخ كالاعتاق للجارية المشتراه. أو يحدث ما يمنع من الرد كأن يتعيب فى يده أو يهلك أو يستهلك - ففى هذه الأحوال يسقط الخيار ولو قبل الرؤية لا لأن الحق ثبت ثم سقط بالفعل المشار اليه وانما لمعنى آخر وهو تعذر الفسخ (١).
مذهب المالكية:
وفى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه فى فقه المالكية (٢): يجوز بيع الغائب ولو بلا وصف لنوعه أو جنسه لكن على شرط خيار المشترى بالرؤية للمبيع ليخف غرره لا على اللزوم.
وفى حاشية الدسوقى أن ذلك البيع لا يجوز ولو كان على الخيار ونسب هذا القول الى بعض كبراء أصحاب الامام مالك قال فى
المقدمات وهو الصحيح. فهل يدل اشتراط الخيار على القول الأول على عدم جواز اسقاطه عند من يقول بذلك؟
مذهب الشافعية:
وفى المجموع (٣) فى فقه الشافعية: بيع الغائب بشرط نفى خيار الرؤية باطل بلا خلاف؟
فهل يدل ذلك على عدم صحة اسقاطه ابتداء.
لا يصح عندهم اسقاط هذا الحق لانه لم يثبت بعد.
مذهب الحنابلة:
وفى المغنى لابن قدامه الحنبلى (٤): ان للحنابلة فى بيع الغائب روايتين أظهرهما ان الغائب الذى لم يوصف ولم تتقدم رؤيته لا يصح بيعه. والأخرى أنه يصح.
واذا قلنا بالصحة فالمشهور أنه يثبت خيار الرؤية للمشترى وأن اختار المشترى الفسخ قبل الرؤية انفسخ. وأن اختار امضاء العقد لم يلزم لان الخيار يتعلق بالرؤية. وكذلك لو تبايعا بشرط ألا يثبت الخيار للمشترى لم يصح الشرط كذلك.
ما يقبل الاسقاط
ما يقبل الاسقاط أنواع: الأول منها - الأعيان:
فقد تقدم أن الأعيان لا تقبل الاسقاط على أن ملكها لا يزول بالاسقاط ولا يبطل بالترك
стр. 2739
ولا تدخل فى ملك المسقط له بهذا الاسقاط.
وانما الابراء منها والاسقاط فيها صحيح فى حق الرد الى مالكها المبرئ وفى حق الضمان كما فى أبراء غاصب العين وفى حق الدعوى حيث لا تقبل الدعوى بها بعد الابراء اذا كان الخصم منكرا .. ومع ذلك فأن الفقهاء جميعا متفقون على صحة العتق وأنه اسقاط لملك العين على خلاف الأصل المتقدم.
الثانى: الدين.
فان الجميع متفقون على أن الدين يسقط بالاسقاط لأنه ما دام فى الذمة فهو حق مجرد والحقوق المجردة تسقط بالاسقاط وباب الابراء من الدين باب واسع فى كتب الفقه فى جميع المذاهب.
والخلاف بين الفقهاء فى أن الابراء يعتبر تمليكا أو اسقاطا أى أن الغالب فيه هو معنى التمليك أو معنى الاسقاط وقد تقدم القول فى ذلك وبيان الآراء فيه.
والثالث: المنافع.
وقد تقدم أن الطلاق اسقاط والمسقط فيه هو ملك منافع البضع. وأن الموصى له بالسكنى فى دار لو أسقط حقه فى السكنى يسقط بالاسقاط. ولو باع ورثة الموصى الدار الموصى بسكناها وسلموها للمشترى وأجاز الموصى له البيع ووافق عليه كان هذا اسقاطا منه لحق السكنى الموصى به وكذلك الموصى له بالخدمة لو أسقط حقه فى ذلك يسقط وهذه الحقوق كلها منافع. ولكن اذا كان اسقاط المنفعة يخالف المشروع ويقتضى تغييره فلا يصح كالمستعير يسقط حقه فى الانتفاع بالعارية مع بقاء الاعارة واستمرار عقدها بين المعير والمستعير لأن موجب العقد ملك الانتفاع بالعارية.
فاسقاط هذا الحق مع بقاء العقد تغيير لمقتضاه ومؤد لوجود عارية قائمة لا يصحبها ملك المنفعة. وكذلك الحال فى الاجارة لا يصح للمستأجر اسقاط حق الانتفاع بالعين المؤجرة مع بقاء عقد الاجارة لنفس السبب والتوجيه.
فالأصل فى المنافع أن تقبل الاسقاط الا لمعنى يمنع من ذلك كتغيير المشروع.
الرابع: الحقوق المجردة.
ذلك أن الحق على ضربين حق متقرر وثابت فى المحل الذى تعلق به وحق ليس بمتقرر فيه ويسمى الحق المجرد أو مجرد الحق.
وقد قالوا فى الفرق بينهما أن ما يتغير بالصلح عما كان عليه قبل الصلح فهو حق متقرر كالقصاص اذا صالح منه ولى الدم على مال سقط القصاص فقبل الصلح كانت نفس القاتل مباحة فى حق من له القصاص وبالصلح سقط القصاص وحصلت للقاتل العصمة فى نفسه ودمه فتغير الوضع بالصلح فكان حق القصاص حقا متقررا - أما اذا لم يتغير الأمر بالصلح عما كان عليه
стр. 2740
قبله بل بقى كما هو فان الحق يكون حقا مجردا أو مجرد حق كالشفعة فان الأمر فيها قبل الصلح ثبوت ملك المشترى فى العين محل الشفعة ما لم ينفذ الشفيع الأخذ بالشفعة وبعد الصلح يملك المشترى العين على نفس الوجه الذى كان عليه قبل الصلح. فلم يكن الحق هنا حقا متقررا بل حقا مجردا.
والأصل فى الحقوق المجردة أنها تقبل الاسقاط غير أنه يستثنى من ذلك الحقوق التى تعتبر من الأوصاف الذاتية كحق الولاية بالنسبة للأب والجد فانه لا يجوز اسقاطه ولا يقبل من واحد منهما التنازل عن ولايته ولا الاستقالة منها.
وكذلك الحقوق التى يعتبر اسقاطها تغييرا للمشروع كحق الارث والحقوق التى فى اسقاطها اسقاط حق الغير كحقوق الله فى الحدود والتعازير ودعوى الطلاق والخلع والعدة والسكنى فى مسكنها وكحق الصغير فى الحضانة والنسب وكذلك الحقوق التى لم تجب كحق الزوجة فى القسم مستقبلا وحق الحاضنة فى الحضانة مستقبلا - فان ذلك كله لا يسقط بالاسقاط.
وقد قالوا أن خيار الغلام والفتاة فى فسخ النكاح بالبلوغ أو العتق يسقط بالاسقاط. وحق المرأة فى حبس نفسها عن الزوج لاستيفاء ما شرط تعجيله من المهر يسقط بالاسقاط وحق المرأة فى اختيار نفسها اذا خيرها الزوج أو فوض اليها الطلاق أو جعل أمرها بيدها يسقط بالاسقاط وحق امرأة العنين فى طلب فسخ النكاح يسقط بالاسقاط وخيار الشرط يسقط بالاسقاط. وحق الدعوى يسقط بالاسقاط اذا لم تكن فى حق الله أو كانت فى حق الله وندب الستر فيه كالدعوى فى حدى السرقة والقذف. وحق الشفعة يسقط بالاسقاط وحق المرتهن فى حبس الرهن لقبض الدين وحق البائع فى حبس المبيع لقبض الثمن يسقط بالاسقاط وكل هذه الحقوق من الحقوق المجردة.
الساقط لا يعود
قال الحنفية:
ان الساقط لا يعود لأنه اذا سقط فقد تلاشى وانعدم فلا يحتمل العود.
وفرقوا بين السقوط وزوال المانع وقالوا ان الأصل أن المقتضى للحكم ان كان موجودا والحكم معدوم فهو من باب قيام المانع. وان كان المقتضى معدوما فهو من باب السقوط ولذلك قالوا أن الفوائت فى الصلاة يجب الترتيب فى قضائها والترتيب بينها وبين صلاة الوقت الا أن تكثر بأن تزيد على ست فوائت فيسقط الترتيب حينئذ. ولا يعود بعودها الى القلة - فاذا كثرت وقضى منها حتى عادت الى القلة ست فأقل لا يعود الترتيب، لأن ما سقط لا يعود ثانية
стр. 2741
بخلاف ما اذا سقط الترتيب بالنسيان بأن نسى أن عليه فوائت وكان عليه خمس منها وصلى الصلاة الحاضرة ثم تذكر فان الترتيب يعود بالتذكر لأن النسيان كان مانعا من الترتيب وليس مسقطا. فهو من باب زوال المانع.
ولو دبغ الجلد بالتشميس أو بالترتيب أو الالقاء فى الريح فزالت نجاسته ثم أصابه ماء لا تعود النجاسة فى الأصح.
وكذلك اذا فرك الثوب من المنى أو جفت الأرض التى تنجست بالشمس أو الهواء فطهرت بهذا الجفاف ثم أصابها الماء فان النجاسة لا تعود فى ذلك كله على الأصح لأنها سقطت بعوامل التطهير المذكورة والساقط لا يعود.
واذا فرضت النفقة للزوجة ثم نشرت فانها تمنع من المطالبة بالنفقة المفروضة فاذا عادت الى الطاعة عادت لها النفقة لأن كل ذلك من باب زوال المانع وهو النشوز لا من باب عود الساقط. وهذا بالنسبة النفقة المستقبلة.
أما دين النفقة قبل النشوز أو فى مدته فانه يسقط بالاسقاط ولا يعود.
والفقهاء جميعا على هذا الأساس وقد سبق بيان أرائهم فى اسقاط الحضانة واسقاط القسم واسقاط النفقة وقولهم أن هذه الحقوق تعود بالنسبة للمستقبل لأنه لم ينصب عليه الاسقاط لأنه لم يجب بعد. أما الماضى فلا يعود الحق فيه لأنه سقط بالاسقاط بعد أن تقرر بالفعل والساقط لا يعود.
وسنعرض فيما يلى بعضا من النصوص الفقهية التى تتناول فروعا ومسائل وأحكاما خاصة بتجزى الاسقاط وعدم تجزئه. وبالاعتياض عنه أى أخذ العوض عنه وعدم أخذه فى المذاهب المختلفة لتظهر أراء هذه المذاهب فى تجزى الاسقاط والاعتياض عنه ويتضح الحكم فيها فى الأمرين مقتصرين فيما سنعرضه على بعض الأبواب التى تبدو فيها الفروع والمسائل والأحكام واضحة فى هذا وذاك وهى مع هذا كافية لبيان الرأى واقامة الحكم على أساس. فقد ذكرنا أن التجزؤ والاعتياض يختلف باختلاف المسائل فى كل مذهب ولا يمكن لأحد أن يتتبع أو يحصى المسائل والفروع.
فى الطلاق
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (١) ركن الطلاق هو اللفظ الذى جعل دلالة على معنى الطلاق لغة وهو التخلية أو شرعا وهو ازالة حل المحلية.
стр. 2742
ويستوى فى الركن ذكر التطليقة وبعضها حتى لو قال لها أنت طالق بعض تطليقة أو ربع تطليقة أو ثلث تطليقة أو نصف تطليقة أو جزءا من ألف جزء من تطليقة يقع تطليقة كاملة وهذا على قول عامة العلماء.
وقال ربيعة الرأى: لا يقع عليها شئ لأن نصف تطليقة لا يكون تطليقة حقيقة بل هو بعض تطليقة وبعض الشئ ليس عين ذلك الشئ ان لم يكن له غيره.
ولنا أن الطلاق لا يتبعض وذكر البعض فيما لا يتبعض ذكر لكله كالعفو عن بعض القصاص أنه يكون عفوا عن الكل.
ولو قال أنت طالق طلقة واحدة ونصف أو واحدة وثلث طلقت اثنتين لأن البعض من تطليقة تطليقة كاملة فصار كأنه قال أنت طالق اثنتين بخلاف ما اذا قال أنت طالق واحدة ونصفها أو ثلثها أنه لا يقع الا واحدة لأن هناك أضاف النصف الى الواحدة الواقعة والواقع لا يتصور وقوعه ثانيا وهنا ذكر نصفا منكرا غير مضاف الى واقع فيكون ايقاع تطليقة أخرى.
ولو قال أنت طالق سدس تطليقه أو ثلث تطليقة أو ثلثى تطليقة فهو ثلاث لما ذكرنا أن كل جزء من التطليقة تطليقة كاملة هذا اذا كانت مدخولا بها.
فان كانت غير مدخول بها فلا تقع الا واحدة لأنها بانت بالأولى.
وفى فتح القدير (١): اذا تشاق الزوجان وخافا أن لا يقيما حدود الله فلا بأس بأن تفتدى نفسها منه بمال يخلعها به لقوله تعالى «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» فاذا فعلا ذلك وقع بالخلع تطليقة بائنة ولزمها المال لقوله ﷺ : الخلع تطليقة بائنة ولأنه يحتمل الطلاق حتى صار من الكنايات والواقع بالكناية بائن الا أن ذكر المال أغنى عن النية هنا ولأنها لا تسلم المال الا لتسلم لها نفسها وذلك بالبينونة (٢).
ثم قال: ان طلق الزوج زوجته على مال فقبلت وقع الطلاق ولزمها المال وصورته أن يقول أنت طالق على ألف أو بألف لأن الزوج يستبد بالطلاق تنجيزا وتعليقا وقد علقه بقبولها والمرأة تملك التزام المال لولايتها على نفسها وملك النكاح مما يجوز الاعتياض عنه وان لم يكن مالا كالقصاص وكان الطلاق بائنا لأنه معاوضة المال بالنفس وقد ملك الزوج أحد البدلين فتملك هى الآخر.
стр. 2743
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (١): وأدب المجزئ للطلاق بتشريك أو غيره وهو يقتضى تحريمه وهو كذلك كمطلق جزء تشبيه فى اللزوم والأدب هذا اذا كان الجزء شائعا كبعضك أو ربعك طالق بل وان كان معينا كيد ورجل.
ثم قال (٢): والخلع طلاق بعوض هذا هو الأصل فيه وقد يكون بلا عوض اذا كان بلفظ الخلع وجاز بعوض من غيرها أى الزوجة ولو أجنبيا منها أن تأهل الدافع زوجة أو غيرها لالتزام العوض بأن كان رشيدا لا من صغيرة أو سفيهة ذات ولى أو مهملة ولا من شخص ذى رق ولو بشائبة بغير اذن الولى أو السيد ورد المال فى المسائل الثلاثة لعدم جواز البذل وصحته لكون باذله ليس أهلا للتبرع.
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج (٣): لو قالت طلقنى نصف طلقة بألف أو طلق بعضى كيدى بألف ففعل وقعت طلقة تكميلا للبعض بمهر المثل لفساد صيغة المعاوضة
ويقع أيضا طلقة بمهر المثل اذا ابتدأها بقوله أنت طالق نصف طلقة أو نصفك مثلا طالق بألف فقبلت أو قالت طلقنى بألف فطلق يدها مثلا لفساد الصيغة فى الأولى وعدم امكان التقسيط فى الثانية وان طلق فيها نصفها وجب نصف المسمى لامكان التقسيط كما لو قالت طلقنى ثلاثا بألف فطلقها واحدة ونصفا.
ولو طلبت عشرا بألف وهو لا يملك عليها الا طلقة استحقه بواحدة أو ببعضها تكمل الثلاث وان كان لا يملك عليها الا ثنتين استحق بواحدة عشرة وبالثنتين الجميع أو الثلاث استحق بواحدة عشرة وبثنتين خمسة وبثلاثة جميعه وبواحدة ونصف عشر ونصف عشر وان وقع بذلك طلقتان لأن العبرة بما أوقع لا بما وقع.
فان قيل قد مر أنه لو طلقها نصف طلقة وهو لا يملك غيرها أنه يستحق الجميع فقد اعتبرتم ما وقع أجيب بأنه هناك أفادها البينونة الكبرى.
ولو قالت له وهو يملك عليها الثلاث طلقنى ثلاثا بألف فطلق واحدة بألف وثنتين مجانا لم تقع الواحدة لعدم التوافق ووقعت الثنتان مجانا وان طلق واحدة بثلث الألف وثنتين مجانا وقعت الأولى فقط بثلث لموافقته ما اقتضاه طلبها من التوزيع دون ما عداها لبينونتها.
وان طلقها ثنتين مجانا وواحدة بثلث الألف وقع الثلاث ان كان مدخولا بها والا فالثنتان دون الثالثة للبينونة.
стр. 2744
ولو طلبت طلقة بألف فطلق طلقة بمائة وقع بمائة لأنه قادر على الطلاق بغير عوض فكذا على بعضه.
وفى نهاية المحتاج (١): لو قال ان أعطيتنى عبدا ولم يصفه بصفة طلقت بعبد على أى صفة كان ولو مدبرا لوجود الاسم ولا يملكه لأن ما هنا للمعاوضة وهى لا يملك بها مجهول فوجب مهر المثل.
ولو طلبت طلقة بألف فطلق بألف أو لم يذكر الألف طلقت بالألف أو بمائة وقع بمائة لقدرته على الطلاق مجانا فبعوض وان قل أولى.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢) قال: جزء الطلقة كهى: لأن الطلاق لا يتبعض فذكر بعضه ذكر لجميعه فاذا قال أنت طالق نصف طلقة أو نصفى طلقة أو جزءا منها وان قل أو نصف طلقتين طلقت طلقة أو ثلثها ونحوه طلقت طلقة.
ثم قال: الخلع (٣) وهو فراق بعوض يأخذه الزوج من امرأته أو غيرها بألفاظ مخصوصة ويصح الخلع من كل زوج يصح طلاقه وان يتوكل فيه مسلما كان أو ذميا بالغا أو مميزا يعقله رشيدا
أو سفيها حرا أو عبدا، لأن كل واحد منهم زوج يصح طلاقه فصح خلعه، ولأنه اذا ملك الطلاق بغير عوض فبالعوض أولى، وظاهره أنه لا يصح من غير الزوج أو وكيله.
وقال فى الاختيارات والتحقيق أنه يصح ممن يصح طلاقه بالملك أو الوكالة أو الولاية كالحاكم فى الشقاق … ويقبض الزوج عوضه ان كان مكلفا رشيدا.
ثم قال فى المغنى (٤): اذا خالع زوجته أو بارأها بعوض فانهما يتراجعان بما بينهما من الحقوق فان كان قبل الدخول فلها نصف المهر وان كانت قبضته كله ردت نصفه وان كانت مفوضة فلها المتعة.
واذا قالت بعنى عبدك هذا وطلقنى بألف ففعل صح وكان بيعا وخلعا بعوض واحد لأنهما عقدان يصح أفراد كل واحد منهما بعوض فصح جمعهما.
وان قالت له احدى زوجتيه طلقنى وضرتى بألف فطلقهما وقع الطلاق بائنا واستحق الألف على باذلته وحدها، لالتزامها له بالعقد، وان طلق الزوج احداهما لم يستحق شيئا، لأنها انما بذلت العوض فى طلاقهما، ولم يوجد.
стр. 2745
وان قالت له طلقنى بألف على أن تطلق ضرتى، أو قالت طلقنى بألف على أن لا تطلق ضرتى ففعل، فالخلع صحيح والشرط والبذل لازمان، لأنها بذلت عوضا فى طلاقها وطلاق ضرتها أو عدمه فصح، كما لو قالت طلقنى وضرتى بالألف، فان لم يف لها بشرطها استحق على السائلة الأقل من الألف ومن صداقها المسمى، لأنه لم يطلق الا بعوض، فاذا لم يسلم له رجع الى ما رضى، لكونه عوضا وهو المسمى ان كان أقل من الألف وان كان أكثر فله الألف فقط، لأنه رضى بكونه عوضا عنها وعن شئ آخر فاذا جعل كله عوضا عنها كان أحظ له.
واذا قال لامرأته أنت طالق بألف ان شئت لم تطلق حتى تشاء فاذا شاءت وقع الطلاق بائنا ويستحق الألف سواء سألته الطلاق فقالت طلقنى بألف فأجابها أو قال ذلك لها ابتداء لأنه علق طلاقها على شرط فلم يوجد قبل وجوده.
وان قالت طلقنى بألف الى شهر أو أعطته ألفا على أن يطلقها الى شهر فقال:
اذا جاء رأس الشهر فأنت طالق صح ذلك واستحق العوض ووقع الطلاق عند رأس الشهر بائنا، لأنه بعوض، وان طلقها قبل مجئ الشهر طلقت ولا شئ له.
لنا أنها جعلت له عوضا صحيحا على طلاقها فاذا طلقها استحقه.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): الخلع وهو الافتداء اذا كرهت المرأة زوجها فخافت ألا توفيه حقه أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها فلها أن تفتدى منه ويطلقها ان رضى هو والا لم يجبر هو ولا أجبرت هى انما يجوز بتراضيهما.
ثم قال: من خالع (٢) امرأته خلعا صحيحا لم يسقط بذلك عنه نفقتها وكسوتها واسكانها فى العدة الا أن تكون ثلاثة مجموعة أو مفرقة ولا يجوز الخلع على أن تبريه من نفقة حملها او من رضاع ولدها وكل ذلك باطل لأنه غير معلوم القدر.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (٣): من شروط الطلاق الرجعى أن يقع الطلاق على غير عوض مال أو ما فى حكمه كالمنفعة التى يصح عقد الاجارة عليها بأن يكون لمثلها أجرة وكان ذلك العوض مظهرا لا مضمرا، فلو طلقها بذلك كان الطلاق بائنا ان جمع الشروط التى فى الخلع وان كان العوض غير مال أو ما فى حكمه
стр. 2746
نحو ان تدخلى الدار وليس لمثله أجرة فرجعى (١).
ثم قال: الطلاق لا يتبعض لكن يتمم كسره ولو تمليكا أو توكيلا والمعنى أنه لا يتجزأ كالرق والشفعة فاذا قال لامرأته أنت طالق نصف طلقة أو عشر طلقة أو جزءا من ألف جزء من طلقة او ملكتك أو وكلتك على نصف طلقة أو نحو ذلك وقعت عليها طلقة تامة.
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف (٢): اذا قال لها رأسك او جبهتك طالق لم يقع به طلاق وقال جميع الفقهاء أنه يقع به الطلاق دليلنا أن الطلاق حكم شرعى والألفاظ التى يقع بها الطلاق تحتاج الى دلالة شرعية ولا دلالة فى الشرع على أن هذه الألفاظ يقع بها الفرقة والأصل بقاء العقد الى ان يقوم الدليل.
واذا قال يدك أو رجلك أو شعرك أو أذنك طالق لا يقع به شئ من الطلاق دليلنا قول الله «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ»
وهذا ما طلقها وانما طلق شعرها ويدها ورجلها.
واذا قال لها أنت طالق نصف تطليقة لم يقع شئ أصلا وبه قال داود وقال جميع الفقهاء انه يقع طلقة (٣).
ثم قال: اذا قالت له طلقنى ثلاثا بألف فان طلقها ثلاثا فعليها ألف وان طلقها واحدة أو اثنتين فعليها بالحصة من الألف بلا خلاف بينهم، وان قالت طلقنى ثلاثا على ألف فالحكم فيه مثل ذلك.
وعندنا المسألتان لا تصحان على أصلنا لأن طلاق الثلاث لا يصح، ولا يصح أن يوقع أكثر من واحدة، فان أوقع واحدة أو تلفظ بالثلاث ووقعت واحدة استحق ثلث الألف.
دليلنا اجماع الفرقة على أن طلاق الثلاث باطل وانما قلنا يستحق ثلث الألف اذا وقعت واحدة لأنها بذلت الألف على الثلاث فيكون حصة كل واحدة ثلث الألف.
وجاء فى الروضة البهية: لو اتى بالطلاق مع العوض فقال أنت طالق على كذا مع سبق سؤالها له أو مع قبولها بعده كذلك أغنى عن لفظ الخلع وأفاد
стр. 2747
فائدته ولم يفتقر الى ما يفتقر اليه الخلع من كراهتها له خاصة لأنه طلاق بعوض لا خلع (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): والفداء بأنواعه وهو بذل المراة العوض على طلاقها طلاق عند الأكثر فمن فادى امرأته ثلاث مرات بأن فاداها وراجع وفاداها وراجع وفاداها، أو طلق مرة وفادى مرتين، أو طلق مرتين وفادى مرة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
وقال بعض من العلماء أنه غير طلاق وهو شاذ.
وعن جابر بن زيد رضى الله عنه أنه ليس بطلاق ولو فاداها عشرا.
قيل: ان جابرا مات وهو لا يرى الخلع طلاقا والمأخوذ به الأول.
العتق
مذهب الحنفية:
جاء فى الهداية (٣): اذا اعتق المولى بعض عبده عتق ذلك القدر ويسعى فى بقية قيمته لمولاه عند أبى حنيفة ﵀.
وقالا يعتق كله.
وأصله أن الاعتاق يتجزأ عند أبى حنيفة فيقتصر على ما أعتق.
وعندهما لا يتجزأ، لأن الاعتاق اثبات العتق، وهو قوة حكمية واثباتها بازالة ضدها وهو الرق الذى هو ضعف حكمى، وهما لا يتجزءان، فصار كالطلاق والعفو عن القصاص والاستيلاد.
ولأبى حنيفة ﵀ أن الاعتاق اثبات العتق بازالة الملك أو هو ازالة الملك، لأن الملك حقه والرق حق الشرع أو حق العامة، وحكم التصرف ما يدخل تحت ولاية التصرف وهو ازالة حقه لا حق غيره.
والأصل أن التصرف يقتصر على موضع الاضافة والتعدى الى ما وراءه ضرورة عدم التجزئ والملك متجزئ كما فى البيع والهبة فيبقى على الأصل، وتجب السعاية لاحتباس مالية البعض عند العبد والمستسعى بمنزلة المكاتب عنده، لأن الاضافة الى البعض توجب ثبوت الملكية فى كله، وبقاء الملك فى بعضه يمنعه، فعملنا بالدليلين بانزاله مكاتبا اذ هو مالك يدا لا رقبة والسعاية كبدل الكتابة فله أن يستسعيه وله خيار أن يعتقه، لأن المكاتب قابل للاعتاق، غير أنه اذا عجز لا يرد الى الرق لأنه اسقاط لا الى أحد فلا يقبل الفسخ.
стр. 2748
وقال فى فتح القدير (١): ومن أعتق عبده على مال فقبل العبد عتق وذلك مثل أن يقول: أنت حر على ألف درهم أو بألف درهم وانما يعتق بقبوله لأنه معاوضة المال بغير المال اذ العبد لا يملك نفسه ومن قضية المعاوضة ثبوت الحكم بقبول العوض للحال كما فى البيع فاذا قبل صار حرا وما شرط دين عليه حتى تصح الكفالة به بخلاف بدل الكتابة لأنه ثبت مع المنافى وهو قيام الرق على ما عرف.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٢): وعتق بالحكم جميعه أى العبد ان أعتق سيده الحر المكلف المسلم الرشيد جزءا من رقيقه القن أو المدبر أو المعتق لأجل أو أم ولد أو المكاتب والباقى له أى لسيده المعتق موسرا أو معسرا فيعتبر فيمن يعتق عليه بالسراية ما يعتبر فيمن يعتق عليه بالمثلة فاذا أعتق الذمى بعض عبده الذمى لم يكمل عليه وكذا المدين والزوجة والمريض فى زائد الثلث.
ثم قال (٣): وندب مكاتبة أهل التبرع بكل ماله أو ببعضه كالزوجة والمريض، وندب لسيده حط جزء من أجزائها عنه، وندب أن يكون آخرا من نجومها ليحصل به الاستعانة على العتق.
وعلق الدسوقى على قوله ليحصل به - أى يحط الجزء الأخير - الاستعانة على العتق أى، لأن به يخرج حرا بخلاف ما قبله من النجوم، فانه قد يعجز بعد حطه فيرق.
وأشار خليل بقوله وندب .. لقوله تعالى «وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ» فقد أمر المولى الموالى أن يبذلوا لهم شيئا من أموالهم.
قال مالك سمعت من بعض أهل العلم أن ذلك ان يكاتب الرجل غلامه ثم يحط عنه من آخر كتابته شيئا يسمى والأمر للندب عند مالك وجماعة، لأن ذلك فى معنى صدقة التطوع والاعانة على العتق وكل منهما لا يجب والوجوب عند بعضهم.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٤): تصح اضافة العتق الى جزء معين كيدك أو شائع كنصفك فيعتق كله الذى له من موسر ومعسر والأوجه ضبطه.
وان قال أعتقتك على ألف وأنت حر على ألف فقبل فى الحال كما فى الروضة.
كأصلها أو قال له العبد.
стр. 2749
أعتقنى على ألف فأجابه عتق فى الحال ولزمه الألف كالخلع بل أولى لتشوف الشارع للعتق وهو من جانب المالك معاوضة فيها ثبوت تعليق ومن جانب المستدعى معاوضة نازعة الى جعالة.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١): من أعتق جزءا من رقيقه غير شعر وسن وظفر وريق ونحوه معينا كرأسه وأصبعه أو مشاعا كنصفه وعشر عشره ونحوه عتق كله.
وان أعتق أحد شريكين شركا له فى عبد أو أمة بأن أعتق حصته أو بعضها أو أعتق العبد المشترك كله أو أعتق الأمة المشتركة كلها وهو أى الشريك الذى باشر العتق موسر بقيمة باقيه يوم أى حين عتقه على ما ذكر فى زكاة فطر عتق العبد كله أو الأمة كلها وعليه أى الشريك المباشر للعتق قيمة باقيه لشريكه، لما روى ابن عمر أن النبى ﷺ قال:
من أعتق شركا له فى عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه العبد قيمة عدل فأعطى شركاءه حصتهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق عليه ما عتق متفق عليه وتعتبر القيمة وقت عتقه فان لم يؤد الشريك المعتق القيمة حتى أفلس كانت القيمة فى ذمته ويعتق على موسر ببعضه أى ببعض قيمة باقى العبد
أو الأمة أى بقدره أى بقدر ما هو موسر به وباقيه رقيق وولاؤه له وسواء كان العبد والشركاء مسلمين أو كافرين أو بعضهم فان أعتقه الشريك بعد ذلك أى بعد عتق شريكه لنصيبه وسراية العتق الى نصيبه ولو قبل أخذ الشريك القيمة لم ينفذ عتقه له، لأنه قد صار حرا بعتق الأول له، لأن عتقه حصل باللفظ لا بدفع القيمة وصار جميعه حرا واستقرت القيمة على المعتق الأول فلا يعتق بعد ذلك بعتق غيره أو تصرف الشريك فى نصيبه من العبد المشترك بعد عتق شريكه الموسر لم ينفذ تصرفه لأنه تصرف فى حر.
ثم قال (٢) اذا أدى المكاتب العوض وعتق فبان العوض معيبا فله أرشه أو عوضه ان رده ولم يبطل عتقه.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٣): لا يحل للمرء أن يعتق عبده أو أمته الا الله لا لغيره، ولا يجوز أخذ مال على العتق الا فى الكتابة خاصة لمجئ النص بها.
ثم قال (٤): ومن أعتق عضوا أى عضو كان من أمته أو من عبده أو أعتق عشرهما أو جزءا مسمى كذلك عتق العبد كله والأمة كلها، وكذلك لو أعتق ظفرا أو شعرا أو غير ذلك، لما رويناه عن نافع عن ابن عمر قال: رسول الله ﷺ :
стр. 2750
من أعتق شيئا من مملوكه فعليه عتقه كله ان كان له مال يبلغ ثمنه. فان لم يكن له مال عتق منه نصيبه.
ومن ملك عبدا أو أمة بينه وبين غيره فأعتق نصيبه كله أو بعضه أو أعتقه كله عتق جميعه حين يلفظ بذلك، فان كان له مال يفى بقيمة حصة من يشركه حين لفظ بعتق ما أعتق منه أداها الى من يشركه فان لم يكن له مال يفى بذلك كلف العبد أو الأمة أن يسعى فى قيمة حصة من لم يعتق على حسب طاقته لا شئ للشريك غير ذلك ولا له أن يعتق.
ثم قال (١): ومن أعتق بعض عبده فقد عتق كله بلا استسعاء ولو أوصى بعتق بعض عبده أعتق ما أوصى به وأعتق باقيه واستعسى فى قيمة ما زاد على ما أوصى بعتقه.
ومن أعتق (٢) عبدا وله مال فماله له الا أن ينتزعه السيد قبل عتقه اياه فيكون حينئذ للسيد كما روينا أن عائشة أم المؤمنين قالت لامرأة سألتها وقد أعتقت عبدها اذا أعتقتيه ولم تشترطى ماله فماله له.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر (٣) الزخار: ويصح الاعتاق بعوض مشروط أو معقود كالطلاق فلو قال:
أنت حر على كذا عتق بالقبول فى المجلس قبل الاعواض، اذ هو عقد كالبيع وعتق
صدر من أهله وصادف محله، ولا يبطل بتعذر العوض اذ هو اتلاف بخلاف البيع، ولو قال: أنت حر وأد ألفا عتق وان لم يؤده اذ لم يعلقه به.
ثم قال فى التاج المذهب (٤): ويصح الاعتاق بعوض معقود سواء كان مالا أم عرضا لكنه لا يصح فى هذه الصورة عن صبى ونحوه.
ثم قال (٥): ان من أعتق بعض عبده أو عضوا من أعضائه المتصلة به ولو مجهولا كأحد أصابعه سواء كان مما تحله الحياة أو مما لا تحله الحياة وجب أن يعتق جميعه لا ما كان مجاورا له كالدم والريق والبول والدمع والعرق فانه لا يقع العتق بايقاعه عليه على نحو ما مر فى الطلاق.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٦): من أعتق شقصا من عبده سرى العتق فيه كله اذا كان المعتق صحيحا جائز التصرف، وان كان له فيه شريك قوم عليه ان كان موسرا وبطل عتقه ان كان معسرا، وان قصد القربة عتقت حصته وسعى العبد فى حصة الشريك ولم يجب على المعتق فكه، فان عجز العبد أو امتنع من السعى كان له من نفسه ما أعتق وللشريك ما بقى، وكان كسبه بينه وبين الشريك ونفقته وفطرته عليهما.
стр. 2751
وفى الخلاف (١): اذا أعتق شركا له من عبد لم يخل من أحد أمرين اما أن يكون موسرا أو معسرا، فان كان معسرا لم يخل من أحد أمرين، اما أن يقصد به مضارة شريكه أولا يقصد، بل يقصد به وجه الله، فان قصد مضارة شريكه كان العتق باطلا، وان قصد به وجه الله مضى العتق فى نصيبه، وكان شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه الآخر، أو يستسعى العبد فى قيمته، وان كان موسرا ألزم قيمته، فاذا أدى انعتق عليه ولشريكه أن يعتق نصيبه ولا يأخذ القيمة فان فعل كان عتقه ماضيا دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم.
وروى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: من أعتق شركا له فى عبد فعليه خلاصه ان كان له مال وان لم يكن له مال قوم العبد قيمة عدل واستسعى العبد فى قيمته غير مشقوق عليه وهذا نص.
وروى نافع عن ابن عمر أن النبى ﷺ قال: من أعتق شركا له من عبد وكان له مال يبلغ ثمنه فهو عتيق.
وروى ابن عمر أن النبى ﷺ قال اذا كان العبد بين رجلين فأعتق أحدهما نصيبه وكان له مال فقد عتق كله وهذان الخبران يدلان على أنه اذا أعتق نصيبه وكان له مال فانه ينعتق فى الحال.
غير أن مذهبنا ما قلناه أنه اذا أدى ما عليه انعتق ويؤيد ذلك ما رواه سالم عن أبيه عن النبى ﷺ أنه قال:
اذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه فان كان موسرا قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم يعتق وهذا نص.
والوجه فى الخبرين أن قوله عتيق وعتق كله معناه سينعتق لأن العرب تعبر عن الشئ بما يؤول اليه قال الله تعالى «إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً» وانما أراد ما يرجع اليه.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح (٢) النيل: ومن أعتق جزءا من عبد سعى بما فوق الثلث كمن أعتقه كله كما قال ابن محبوب.
ثم قال (٣): ومن قتل رجلا بالتعدية فقال أحد الأولياء أعطنى ألف دينار فأعتقك فأعطاه الألف فأعتقه فقام الولى الآخر وعلم أنه لا يدرك القتل فانما يدرك منابه عند الجانى وقيل عند الذى أخذ المال.
القصاص
مذهب الحنفية:
جاء (٤) فى البدائع: ان عفا ولى القاتل عن المقتول سقط القصاص لأن استيفاءه لتحقق معنى الحياة وهذا المعنى يحصل بدون
стр. 2752
الاستيفاء بالعفو لأنه اذا عفا فالظاهر أنه لا يطلب الثأر بعد العفو فلا يقصد قتل القاتل فلا يقصد القاتل قتله فيحصل معنى الحياة بدون الاستيفاء فيسقط القصاص، وقد خفف الله على هذه الأمة فشرع العفو بلا بدل أصلا، والصلح ببدل سواء عفا عن الكل أو عن البعض، لأن القصاص لا يتجزأ، وذكر البعض فيما لا يتبعض ذكر الكل كالطلاق وتسليم الشفعة وغيرهما، واذا سقط القصاص بالعفو لا ينقلب مالا لأن حق الولى فى القصاص عينا.
وهذا اذا كان الولى واحدا فأما اذا كان اثنين أو أكثر فعفا أحدهما سقط القصاص عن القاتل، لأنه سقط نصيب العافى بالعفو فيسقط نصيب الآخر ضرورة أن القصاص لا يتجزأ، اذ القصاص قصاص واحد فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض وينقلب نصيب الآخر مالا باجماع الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم، فانه روى عن عمر وعبد الله ابن مسعود وابن عباس رضى الله تعالى عنهم أنهم أوجبوا فى عفو بعض الأولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الدية وذلك بمحضر من الصحابة رضى الله تعالى عنهم ولم ينقل أنه أنكر أحد عليهم فيكون اجماعا.
وقال فى الفتاوى (١) الهندية: ان صالح أحد الشركاء من نصيبه فى القصاص على
عوض أو عفا سقط حق الباقين عن القصاص وكان لهم نصيبهم من الدية ولا يجب للعافى شئ من المال واذا كان القصاص بين رجلين فعفا أحدهما فللآخر نصف الدية فى مال القاتل فى ثلاث سنين ولو عفا أحد الوليين وعلم الآخر أن القتل حرام عليه فقتل فعليه القصاص وله نصف الدية فى مال القاتل وان لم يعلم بالحرمة فعليه الدية فى ماله علم بالعفو أو لم يعلم.
رجل قتل رجلين ووليهما واحد فعفا الولى عن القصاص فى أحدهما ليس له أن يقتله الآخر.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٢): اذا عفا البعض أى عفا بعض مستحق الدم مع تساوى درجتهم بعد ثبوت الدم ببينة أو اقرار أو قسامة سقط القود، واذا سقط القود فلمن بقى ممن لم يعف وله التكلم أو هو مع غيره نصيبه من الدية أى دية عمد، وكذا اذا عفا جميع من له التكلم مترتبا فلمن بقى ممن لا تكلم له نصيبه من دية عمد كولدين وزوج أو زوجة، لأنه مال ثبت بعفو الأول، بخلاف ما لو عفوا فى فور واحد فلا شئ لمن لا تكلم له كما اذا كان من له التكلم واحدا وعفا.
قال الدسوقى: ان من عفا سقط حقه من الدم ومن الدية وما بقى منها يكون لمن بقى ممن له التكلم ولغيره من بقية الورثة كالزوج
стр. 2753
أو الزوجة والأخوة للأم قال فى المدونة وان عفا أحد ابنين سقط حظه من الدية وبقيتها لمن بقى تدخل فيه الزوجة وغيرها.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية (١) المحتاج: موجب العمد المضمون فى نفس أو غيرها القود بعينه وهو بفتح الواو القصاص، والدية فى النفس وأرش غيرها بدل عنه وما أعترض به من أن قضيته كلام الامام الشافعى والأصحاب وصرح به الماوردى فى قود النفس أنها بدل ما جنى عليه والا لزم المرأة بقتلها الرجل دية امرأة وليس كذلك رد بأن الخلاف فى ذلك لفظى لاتفاقهم على أن الواجب هو دية المقتول فلم يبق لذلك الخلاف كبير فائدة.
ويمكن توجيه الأول بأن القود لما وجب عينا كان كحياة نفس القتيل فكان أخذ الدية فى الحقيقة بدلا عنه لا عنها ولا يلزم عليه لما تقرر أنه كحياة القتيل عند سقوطه بنحو موت أو عفو عنه عليها وفى قول موجبه أحدهما مبهما وهو مراده بقول أصله لا بعينه الظاهر فى أن الواجب هو القدر المشترك فى ضمن أى معين منهما ويدل له خبر الصحيحين «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما أن يودى واما أن يقاد، وقد يتعين القود ولا دية كما فى قتل مرتد مرتدا آخر وفيما لو استوفى ما يقابل الدية ولم يبق الا حز الرقبة» وقد تتعين الدية كما لو قتل
الوالد ولده أو المسلم ذميا وقد لا يجب الا التعزير والكفارة كما فى قتل السيد قنه.
وعلى القولين للولى يعنى المستحق عفو عن القود فى نفس أو طرف على الدية أو نصفها مثلا بغير رضا الجانى لأنه مستوفى منه كالمحال عليه والمضمون عنه ولأحد المستحقين العفو بغير رضا الباقين لعدم تجزى القود ولذا لو عفا عن بعض أعضاء الجانى سقط عن كله كما أن تطليق بعض المرأة تطليق لكلها.
ومنه يؤخذ أن كل ما وقع الطلاق بربطه من غير الأعضاء يقع العفو بربطه به وما لا فلا.
وقياس قولهم لو قال له الجانى خذ الدية عوضا عن اليمين فأخذها ولو ساكتا سقط القود وجعل الأخذ عفوا كما يأتى نظيره هنا.
وعلى الأول الأظهر لو أطلق العفو عن القود ولم يتعرض للدية ولا اختارها بعده فورا فالمذهب لا دية لأن القتل لم يوجبها والعفو اسقاط ثابت لا اثبات معدوم.
وأما قوله تعالى «فَاتِّباعٌ» أى للمال فمحمول على العفو عليها فان اختارها بعده على الفور وجبت تنزيلا لاختيارها عقبه منزلته عليها بقرينة المبادرة اليها والأوجه ضبط الفورية هنا بما مر فى البيع.
стр. 2754
ولو عفا بعض المستحقين وأطلق سقطت حصته ووجب حصة الباقين من الدية وان لم يختاروها لأن السقوط حصل قهرا كقتل الأصل فرعه ولو تعذر ثبوت المال كقتل أحد قنيه الآخر فعفا عن القود أو عن حقه أو موجب جنايته ولو بعد العتق لم يثبت له عليه مال جزما وفى قول أو وجه من طريق تجب لها لأنها بدله والأول يمنع البدلية فى هذه الصورة وعلى الأول أيضا ولو عفا عن الدية لغا لأنه عفو عما ليس مستحقا فهو فيها لغو كالمعدوم وله العفو عن القود بعده وان تراخى عليها، لأن حقه لم يتغير بالعفو اذ اللاغى عدم، ولو اختار القود ثم الدية وجبت مطلقا، ولو عفا على غير جنس الدية ثبت ذلك الغير على القولين ولو أكثر من الدية وان قبل الجانى ذلك وسقط القود والا فلا يثبت، لأنه اعتياض واعتبر رضاهما ولا يسقط القود فى الأصح، وليس كالصلح على عوض فاسد، لأن الجانى فيه قبل والتزم والثانى يسقط لرضاه بالصلح عنه وليس لمحجور فلس ومثله المريض فى الزائد على الثلث ووارث المديون عفو عن مال ان أوجبتا أحدهما، لأنه ممنوع من تفويت المال لحق الغرماء والا بأن أوجبنا القود عينا وهو الأظهر، فان عفا عنه على الدية ثبتت كغيره، وان أطلق العفو فكما سبق من أنه لا دية وان عفا على أن لا مال فالمذهب أنه لا يجب شئ اذ القتل لم يوجب مالا والمفلس لا يكلف الاكتساب.
ثم قال (١): ولو قطعه المستحق ثم عفا عن النفس مجانا مثلا اذ العفو بعوض كذلك ولو وجب لرجل قصاص عليها أى المرأة فنكحها عليه جاز كل من النكاح والصداق لأنه عوض مقصود اذ كل ما جاز الصلح عليه صح جعله صداقا وسقط القود لملكها قود نفسها فان فارقها قبل وط ء رجع بنصف الأرش لتلك الجناية لأنه بدل ما وقع العقد به وفى قول بنصف مهر مثل لأنه بدل البضع.
مذهب الحنابلة:
جاء فى الاقناع (٢): الواجب بقتل العمد أحد شيئين القود أو الدية لقوله تعالى «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ.﴾. الآية فيخير الولى بينهما فان شاء اقتص وان شاء أخذ الدية ولو لم يرض الجانى وان عفا مجانا فهو أفضل ثم لا عقوبة على جان لأنه انما عليه حق واحد وقد سقط».
وان اختار القود أو عفا عن الدية فقط فله أخذها ولو سخط الجانى، وله الصلح على أكثر منها.
ومتى اختار الدية تعينت وسقط القود ولا يملك طلب القود بعد اختيار الدية لأنه اذا سقط لا يعود فان قتله بعد ذلك قتل به.
وان عفا مطلقا أو على غير مال أو على القود مطلقا بأن قال عفوت عن القود ولم يقيده بشئ ولو كان العفو عن يده فله الدية.
стр. 2755
وان قال مستحق القود لمن له عليه قود عفوت عن جنايتك أو عفوت عنك برئ من الدية كالقود نصا.
ويصح عفو المفلس والمحجور عليه لسفه عن القصاص وان أراد المفلس القصاص لم يكن لغرمائه اجباره على تركه ليأخذ الدية لأنها غير متعينة له وان أحب المفلس العفو عنه الى مال فله ذلك كغير المفلس ولا يعفو مجانا لأن المال واجب وليس له اسقاطه اذا قلنا أن الواجب أحد شيئين وان قلنا الواجب القود عينا صح عفوه عنه مجانا لأنه لم يجب الا القود وقد أسقطه هذا معنى كلامه فى الكافى والشرح.
وفى المنتهى وغيره يصح عفوه مجانا لأن الدية لم تتعين وكذا أى كالمفلس فيما تقدم من استيفاء القصاص والعفو على مال أو مجانا السفيه ووارث المفلس والمكاتب وكذا المريض فيما زاد على الثلث والمذهب صحة العفو من هؤلاء مجانا لأن الدية لم تتعين كما تقدم فى المفلس.
قال فى كشاف القناع (١): يصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه فيصح الصلح عن القصاص مع الاقرار والانكار بديات لأن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذى وجب له القصاص على هدية بن حشرم سبع ديات فأبى أن يقبلها ولأن المال غير متعين فلا يقع العوض فى مقابلته ويصح الصلح عن القصاص أيضا
بدية وبأقل منها وبكل ما ثبت مهرا وهو أقل متمول حالا كان أو مؤجلا لأنه يصح اسقاطه مجانا فعلى ذلك أولى.
مذهب الظاهرية:
قال (٢) ابن حزم فيمن له العفو عن الدم ومن لا عفو له، اختلف الناس فى هذا فقالت طائفة: العفو جائز لكل أحد ممن يرث وللزوج والزوجة وغيرهما، فان عفا أحد ممن ذكرنا فقد حرم القصاص ووجبت الدية لمن لم يعف.
وقال آخرون العفو للرجال خاصة دون النساء.
وقالت طائفة: من أراد القصاص فذلك له ولا يلتفت الى من أراد الدية أو العفو ما لم يتفقوا على ذلك.
قال أبو محمد: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر فيما احتجت به كل طائفة لقولها لنعلم الحق من ذلك فنظرنا فيما قالت به الطائفة القائلة بأن عفو كل ذى سهم جائز فوجدناهم يقولون بقول الله تعالى «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» فلما كان العفو أقرب للتقوى وجب أن من دعا الى من هو أقرب للتقوى كان قوله أولى، وذكر فى ذلك ما روى عن أنس بن مالك أنه قال: ما رأيت رسول الله صلّى الله
стр. 2756
عليه وسلم رفع اليه شئ فيه قصاص الا أمر بالعفو.
قال ابن حزم أما الأقوال الأخرى فباطلة وفاسدة.
ثم استدل ابن حزم على جواز العفو:
بقول الله تعالى «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» وبقول رسول الله ﷺ من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا.
ثم قال (١): ثم نظرنا اذا عفا أحد الأهل ولم يعف غيره منهم بعد صحة الاتفاق من اجماع الأمة على أنهم كلهم ان اتفقوا على القود نفذ وان اتفقوا على العفو نفذ وقيام البرهان على أنهم ان اتفقوا على الدية أو المفاداة نفذ ذلك فوجدنا القود والدية قد ورد التخيير فيهما ورودا واحدا ليس أحدهما مقدما على الآخر فلم يجز أن يغلب عفو العافى على ارادة من أراد القصاص ولا ارادة من أراد القصاص على عفو العافى الا بنص أو اجماع ولا نص ولا اجماع فى تغليب العافى فنظرنا فى ذلك فوجدنا الله تعالى يقول «وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» فوجب بهذه الآية أن لا يجوز عفو العافى عمن لم يعف ووجدنا القاتل قد حل دمه بنفس القتل.
قال أبو محمد فالداعى الى أخذ القود داع الى ما قد صح بيقين وذلك له والعافى مريد تحريم دم قد صح تحليله بيقين فليس له ذلك الا بنص أو اجماع ومريد أخذ الدية دون من معه مريد اباحة أخذ مال والأموال محرمة والنص قد جاء باباحة دم القاتل ولم يأت نص باباحة الدية الا بأخذ الأهل لها، وهذا لفظ يقتضى اجماعهم على أخذها فالدية ما لم يجمع الأهل على أخذها لا يحل أخذها اذا لم يبحها نص ولا اجماع فبطل بيقين وصح أن من دعا الى القود فهو له.
قال أبو محمد والذى نقول به أن من أراد القود من الأهل سواء كان ولدا أو ابن عم أو ابنة عم أو أخت أو غير ذلك فالقود واجب ولا يلتفت الى عفو من عفا ممن هو أقرب أو أبعد. فان اتفق الورثة كلهم على العفو فلهم الدية حينئذ ويحرم الدم فان أراد أحد الورثة العفو عن الدية فله ذلك فى حصته خاصة اذ هو مال من ماله.
ثم قال (٢): يجوز الصلح فى قتل نفس عوضا من القود بأقل من الدية أو بأكثر وبغير ما يجب فى الدية.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (٣): من الأمور المسقطة للقود العفو عن المقتص منه فلو
стр. 2757
صدر العفو من أحد الشركاء فانه يسقط بالعفو عنه القصاص وتلزمه الدية للعافى وغيره من ورثة القتيل، ولا تسقط الدية بالعفو عن القود ما لم يصرح بالعفو بها بأن يقول عفوت عن القود والدية أو يعفو عن دم المقتول.
وللعفو ثلاث صور: الأولى: أن يقول عفوت عن دم المقتول أو عفوت عن قتله أو عن موجبه أو عن الجناية فانه يسقط ذلك القود والدية معا.
الثانية: أن يقول عفوت عن القود أو عن القصاص أو عن دم القاتل أو عن الدم ولا يبينه فان ذلك يسقط به عندنا القود دون الهبة.
الثالثة: أن يقول عفوت عنك ولم يبين ما هو المعفو عنه لم يسقط به شئ لا قود ولا دية ما لم يتصادقا على أنه قصد أحدهما أو كلاهما أو جرى عرف بهما أو بأحدهما عمل به وان لم يتفق أحدهما لم يسقط به شئ وله تحليفه ما قصد أحدهما أو كلاهما فان نكل سقط ما نكل عنه.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة (١) البهية: الواجب فى قتل العمد القصاص لا أحد الأمرين من الدية والقصاص كما زعمه بعض العامة لقوله تعالى «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» وقوله «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ» الآية
وصحيحة الحلبى وعبد الله بن سنان عن الصادق قال: من قتل مؤمنا متعمدا قيد به الا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية فان رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية الى آخره نعم لو اصطلحا على الدية جاز للخبر ولأن القصاص حق فيجوز الصلح على اسقاطه بمال ويجوز الزيادة عنها أى عن الدية والنقيصة مع التراضى أى تراضى الجانى والولى لأن الصلح اليهما فلا يتقدر الا برضاهما.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): ومن قتل وترك أخاه وأخته فعفت أخته فليس عفوها بشئ وان عفا عنه الأخ فان الأخت تترك ما ينوبها من الدية.
ثم قال (٣): واذا عفى عن القاتل أو صولح فان الامام يؤدبه أو يعزره وقال قومنا يضربه مائة ويغربه عاما.
الشفعة
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى الهندية (٤): اذا أراد الشفيع أن يأخذ بعض المشترى دون بعض فان لم يكن ممتازا عن البعض بأن اشترى دارا واحدة فأراد الشفيع أن يأخذ بعضها بالشفعة دون البعض وأن يأخذ الجانب
стр. 2758
الذى يلى الدار دون الباقى ليس له ذلك بلا خلاف بين أصحابنا، ولكن يأخذ الكل أو يدع، لأنه لو أخذ البعض دون البعض تفرقت الصفقة على المشترى، سواء اشترى واحد من واحد أو واحد من اثنين أو أكثر حتى لو أراد الشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين ليس له ذلك سواء كان المشترى قبض أو لم يقبض فى ظاهر الرواية عن أصحابنا وهو الصحيح.
ولو اشترى رجلان من رجل دارا فللشفيع أن يأخذ نصيب أحد المشتريين فى قولهم جميعا سواء كان قبل القبض أو بعده فى ظاهر الرواية لأن الصفقة حصلت متفرقة من الابتداء فلا يكون أخذ البعض تفريقا وسواء سمى لكل واحد نصف ثمن على حدة أو سمى الجملة ثمنا واحدا وسواء كان المشترى عاقدا لنفسه أو لغيره فى الفصلين.
وان كان المشترى بعضه ممتازا عن البعض بأن اشترى دارين صفقة واحدة فأراد الشفيع أن يأخذ احداهما دون الأخرى فان كان شفيعا لهما جميعا فليس له ذلك ولكن يأخذهما جميعا أو يدعهما وهذا قول أصحابنا الثلاثة سواء كانت الداران متلاصقتين أو متفرقتين فى مصر واحد أو فى مصرين.
وان كان الشفيع شفيعا لاحداهما دون الأخرى ووقع البيع صفقة واحدة فهل له أن يأخذ الكل بالشفعة.
روى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه ليس له أن يأخذ الا الشئ الذى يجاوره بالحصة.
وكذا روى عن محمد رحمه الله تعالى فى الدارين المتلاصقتين اذا كان الشفيع جارا لاحداهما أنه ليس له الشفعة الا فيما يليه.
وروى الحسن عن أبى حنيفة أن للشفيع أن يأخذ الكل بالشفعة.
قال الكرخى رواية الحسن تدل على أن قول أبى حنيفة كان مثل قول محمد ثم رجع عن ذلك فجعل كالدار الواحدة.
ثم قال فى البحر (١) الرائق: تبطل الشفعة اذا صالح المشترى الشفيع على عوض وعلى الشفيع رد العوض، لأن حق الشفيع ليس بمقرر فى المحل وانما هو مجرد حق التملك فلا يجوز أخذ العوض عنه ولا يتعلق اسقاطه بالجائز من الشرط فيما اذا قال الشفيع: أسقطت شفعتى فيما اشتريت على أن تسقط حصتك فيما اشتريت أو على ألا تطلب الثمن منى لكونه ملائما حتى لو تراضيا سقط حق كل واحد منهما ومع هذا لا يتعلق اسقاط الشفعة بهذا الشرط بل يسقط بمجرد قوله أسقطت تحقق الشرط أو لم يتحقق فأولى ألا يتعلق بالشرط الفاسد وهو شرط الاعتياض عن حق ليس بمال بل هو رشوة محضة فيصح الاسقاط ويبطل الشرط.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٢): الشفعة لم
стр. 2759
تبعض أى ليس لأحد أخذ البعض دون البعض بل أما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع أى اذا امتنع المشترى من ذلك فان رضى فله التبعيض فقوله لم تبعض أى لم يجبر المشترى على التبعيض واذا اتحدت الصفقة لم تبعض أما ان تعددت فله التبعيض واذا وقع الشراء لجماعة فى صفقة واحدة وتميز لكل ما يخصه تعدد البائع أو اتحد فليس للشفيع الأخذ فى البعض دون البعض بل أخذ الجميع أو ترك الجميع الا من يرضى من يريد الأخذ منه وهذا مذهب ابن القاسم فى المدونة.
ثم قال (١): ويأخذ الشفيع الشقص بمثل الثمن أو بقيمة الشقص ان دفع فى كخلع بأن دفعته الزوجة لزوجها فى نظير خلعه لها أو دفعه الزوج لزوجته فى نكاح أو دفعه العبد لسيده فى عتقه وفى صلح جناية عمد على نفس أو أطراف لأن الواجب القود بخلاف الخطأ فان الشفعة فيه بالدية من ابل أو ذهب أو فضة تنجم كالتنجيم على العاقلة.
مذهب الشافعية:
جاء فى كفاية الأخيار (٢) اذا تزوج امرأة على شقص أخذه الشفيع بمهر المثل.
مكان بين اثنين نكح واحد منهما امرأة وأصدقها نصيبه من ذلك المكان وهو مما
يثبت فيه الشفعة فلشريكه أن يأخذ ذلك الممهور بالشفعة.
وكذا لو كان ذلك المكان ملك امرأة وملك شخص آخر فقالت للزوج خالعنى على نصيبى من ذلك المكان أو طلقنى عليه ففعل بانت منه واستحق الزوج ذلك الشقص وللشفيع أخذه من الزوج كما أن له أخذه من المرأة فى صورة الاصداق ويأخذه بمهر المثل لا بقيمة الشقص فالبضع هو ثمن الشقص والله أعلم.
وان كان الشفعاء جماعة استحقوها على قدر الاملاك اذا كان ما يجب فيه الشفعة ملكا لجماعة وهم متفاوتون فى قدر الملك وباع أحدهم حصته فهل يأخذون على عدد رءوسهم أم على قدر أملاكهم فيه خلاف.
والأصح أخذ كل واحد منهم على قدر حصته ووجهه أن الأخذ حق يستحق بالملك فقسط على قدره كالأجرة والثمرة فان كل واحد من الملاك يأخذ على قدر ملكه من الأجرة والثمرة.
وقيل يأخذون على عدد رءوسهم نظرا الى أصل الملك ألا ترى أن الواحد اذا انفرد أخذ الكل والله أعلم.
ثبت لشخص الشفعة فى شئ فقال:
أسقطت حقى من الصفقة وأخذت الباقى سقط حقه كله من الشفعة لأن الشفعة خصلة واحدة لا يمكن تبعضها فأشبه ما اذا سقط بعض القصاص فانه يسقط كله والله اعلم.
стр. 2760
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١): للشريك المستحق للشفعة أن يأخذ جميع الشقص المبيع لئلا يتضرر المشترى بتبعيض الصفقة فى حقه بأخذ بعض المبيع مع أن الشفعة تثبت على خلاف الأصل دفعا لضرر الشركة فاذا أخذ البعض لم يندفع الضرر فان طلب أخذ البعض مع بقاء الكل - أى لم يتلف من المبيع شئ سقطت شفعته لأن حق الأخذ اذا سقط بالترك فى البعض سقط فى الكل كعفوه عن بعض قود يستحقه.
وان تعدد الشفعاء فبينهم على قدر ملكهم كمسائل الرد فدار بين ثلاثة لواحد نصف ولآخر ثلث ولآخر سدس باع صاحب الثلث نصيبه فأصل المسألة من ستة الثلث بينهما أى بين صاحب النصف والسدس على أربعة لصاحب النصف ثلاثة، ولرب السدس واحد ولا يرجح أقرب الشفعاء على أبعدهم ولا ذو قرابة من الشفعاء على أجنبى لأن القرب ليس هو سبب الشفعة وان ترك أحدهم شفعته سقطت ولم يكن للباقين أن يأخذوا الا الكل أو يتركوا كما لو كان بعضهم غائبا.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢): الشفعة واجبة فى كل جزء بيع مشاعا غير مقسوم بين اثنين
فصاعدا من أى شئ كان مما ينقسم ومما لا ينقسم من أرض أو شجرة واحدة فأكثر أو عبد أو ثوب أو أمة أو من أى شئ بيع لا يحل لمن له ذلك الجزء أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه أو شركائه فيه.
برهان ذلك ما روينا عن جابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فى كل ما لم يقسم فاذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
ثم قال (٣): من باع شقصا أو سلعة معه صفقة واحدة فجاء الشفيع يطلب فليس له الا أن يأخذ الكل أو يترك الكل وهذا قول عثمان البتى وسوار.
قال على: ليس للشفيع بعد البيع الا ما كان له اذا أذنه البائع قبل البيع والنص والاجماع المتيقن قد بينا بأنه لا يخرج عن ملك البائع الا ما رضى باخراجه عن ملكه قال تعالى «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» والبائع لم يرض ببيع الشقص وحده دون تلك السلعة فلا يجوز اجباره على بيع ما لا يرضى بيعه بغير نص، ولو عرض عليه قبل البيع لم يكن للشريك الا أخذ الكل أو الترك باجماعهم معنا، وكذلك لو حضر عند البيع، ولم يجعل له رسول الله ﷺ بعد البيع من غيره الا ما كان حقه لو أخذه اذا عرض عليه قبل البيع فقط وليس له فى العرض قبل البيع تبعيض ما لا يريد البائع تبعيضه فانما له الآن ما كان له حينئذ
стр. 2761
ولا مزيد وأيضا فلا يجوز أن يلزم المشترى بغض صفقة لم يرض قط تبعيضها ولا أن يفسخ على البائع بيعا وقع صحيحا الا بنص وارد ولا نص فى شئ من ذلك فهو كله باطل، فان رضى المشترى بتسليم الشقص وحده فقد قيل ليس للشفيع غيره لأنه كرضى البائع بذلك حين الايذان.
والأولى عندنا أن الشريك أحق بجميع الصفقة ان أراد ذلك لأنها صفقة واحدة وعقد واحد اما تصح فتصح كلها واما تفسد فتفسد كلها ولا يمكن تبعيض عقد واحد بتصحيح بعضه وافساد بعضه الا بنص وارد فى ذلك.
ثم قال ابن حزم: ومن كان له شركاء فباع من أحدهم كان للشركاء مشاركته فيه وهو باق على حصته مما اشترى كأحدهم لأنه شريك وهم شركاء فهو داخل معهم فى قول رسول الله ﷺ «فشريكه أحق».
وقد قال قائل: لا حصة للمشترى وهذا خلاف النص كما ذكرنا وروينا من طريق ليث ابن أبى سليم عن الشعبى أنه قال اذا باع من أحد شركائه فلا شفعة للآخرين منهم وكذلك أيضا عن الحسن وعثمان البتى.
قال على وهذا خلاف النص أيضا.
وقال ابن حزم (١): ومن باع شقصا وله شركاء لأحدهم مائة سهم ولآخر عشرون ولآخر عشر العشر أو أقل أو أكثر فكلهم سواء فى الأخذ بالشفعة ويقتسمون ما أخذوا
بالسواء ولا معنى لتفاضل حصصهم وهو قول ابراهيم النخعى والشعبى والحسن البصرى وابن شبرمة وسفيان الثورى.
ثم قال ولا شفعة الا بتمام البيع بالتفريق أو التخيير لأنها ليس بيعا قبل ذلك وهو قول كل من يقول بتفريق الأبدان.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (٢): لو ملك الشفعة الغير بعوض - ولو جهل كون ذلك يبطل شفعته سواء كان ذلك العوض من المشترى أم من غيره فانها تبطل ولا يلزم ذلك العوض لأنها حق وبيع الحقوق لا يصح ويكون العوض فى يد الشافع مع علمه بعدم استحقاقه كالغصب.
ثم قال: اذا طلب الشافع بعض المبيع نحو أن يقول الشافع للمشترى أنا مطالب لك الشفعة فى ثلث ما اشتريته بجوارى وذلك بقدر حصته من السبب وبترك ثلثيه لأخويه فانها تبطل شفعته فى كل المبيع.
وقال فى البحر الزخار (٣): اذا عفا عن الشفعة فى بعض المبيع فوجوه.
تسقط الشفعة فى الكل كالقصاص.
لا يسقط شئ اذ لا تتبعض.
يسقط ذلك القدر ويستحقها فى الباقى وهو الأصح اذا رضى المشترى بتفريق الصفقة اذ المانع الاضرار به فى التفريق ولا خيار له بعد اسقاطها اذ هى فورية.
стр. 2762
مذهب الإمامية
جاء فى الخلاف (١): اذا تزوج امرأة وأمهرها شقصا لا يستحق الشفعة عليها - دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم ولأن اثبات الشفعة فى مثل هذا يحتاج الى دلالة.
ثم قال: اذا اشترى شقصا بمائة الى سنة كان للشفيع المطالبة بالشفعة وهو مخير بين أن يأخذه فى الحال ويعطى ثمنه حالا وبين أن يصبر الى سنة ويطالب بالثمن الواجب عندها دليلنا أن الشفعة قد وجبت بنفس الشراء والذمم لا تتساوى فوجب عليه الثمن حالا أو يصبر الى وقت الحلول فيطالبه بالشفعة مع الثمن.
واذا وجب له الشفعة فصالحه المشترى على تركها بعوض صح وبطلت الشفعة دليلنا قوله ﷺ «الصلح جائز بين المسلمين وهذا عام وتخصيصه يحتاج الى دليل».
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): ويأخذ الشفيع كل المشفوع فيه أو يتركه وذلك أنه لو أخذ بعضا وترك بعضا كان شريكا والشركة ضرر.
ثم قال (٣): وان تركها أى الشفعة شفيع حتى باع ما به يشفع أو وهبه أو أصدقه أو أعطاه أجرة أو ارشا او غير ذلك من وجوه خروج الملك بعد علمه بالشراء فاتته على المختار لأن ذلك ترك لها ولفقد ماله
الشفعة وهى ما به الشفعة ولأن المقصود بالشفعة ازالة الضرر من جهة الشركة وهو ليس بشريك.
الابراء
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٤): اذا صالح الدائن المدين على أقل من حقه قدرا ووصفا بأن صالح من الألف الجياد على خمسمائة نبهرجة يجوز ويحمل على استيفاء بعض عين الحق أصلا والابراء عن الباقى أصلا ووصفا لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ما أمكن ولو حمل على المعاوضة يؤدى الى الربا لأنه يصير بائعا ألفا بخمسمائة وهو ربا، فيحمل على استيفاء بعض الحق والابراء عن الباقى.
ثم قال (٥): واذا كان الدين سوى الدراهم والدنانير فان كان مكيلا بأن كان كرحنطة مثلا فصالح على أقل من حقه قدرا ووصفا جاز ويكون حطا لا معاوضة وان صالح على أقل من حقه وصفا لا قدرا جاز أيضا ويكون استيفاء لعين حقه أصلا وابراء له عن الصفة.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٦): وجاز الصلح على أخذ بعضه أى المدعى به هبة للبعض المتروك وابراء منه وعلق الدسوقى على ذلك بأنه ليس المراد بالهبة حقيقتها حتى يحتاج
стр. 2763
فيها للقبول من المدعى عليه قبل موت الواهب الذى هو المدعى بل المراد بها الابراء وحينئذ فلا يشترط قبول ولا تجدد حيازة على المعتمد فلذا أبرأت زيدا مما عليه صح وان لم يقبل خلافا لما فى الخرشى من أن الابراء يحتاج لقبول وان لم يحتج لحيازة والهبة تحتاج لهما جميعا.
ثم قال وجاز الصلح عن دين بما يباع به ذلك الدين أى بما تصح به المعاوضة كدعواه عرضا أو حيوانا أو طعاما فيصالحه بدنانير أو دراهم أو بهما أو بعرض أو بطعام مخالف للمصالح عنه نقدا.
مذهب الشافعية:
جاء فى كفاية الأخيار (١): يصح الصلح مع الاقرار فى الأموال وما أفضى اليها وهو نوعان ابراء ومعاوضة فالابراء اقتصاره من حقه على بعضه ولا يجوز فعله على شرط والمعاوضة عدوله عن حقه الى غيره ويجرى عليه حكم البيع والصلح تارة يقع مع الانكار وتارة مع الاقرار فالصلح مع الانكار باطل ومع الاقرار صحيح وهو كما ذكره الشيخ نوعان.
ابراء ومعاوضة وصورة الابراء بلفظ الصلح ويسمى صلح الحطيطة بأن يقول صالحتك على الألف الذى لى عليك على خمسمائة فهو ابراء عن بعض الدين بلفظ الصلح وفيه وجهان الأصح الصحة وفى اشتراط القبول وجهان كالوجهين فيما لو قال
من عليه دين وهبته لك والأصح الاشتراط لأن اللفظ بوضعه يقتضيه.
ولو صالح من ألف على خمسمائة معينة جرى الوجهان.
ورأى أمام الحرمين الفساد هنا أظهر ويشترط قبض الخمسمائة فى المجلس، هذا وهم، فان الأصح أنه لا يشترط القبض فى المجلس كما فى المنهاج وغيره ولا يشترط تعيينها فى نفس الصلح على الأصح ولو صالح من ألف حال على ألف مؤجل أو عكسه فباطل لأن الأجل لا يلحق ولا يسقط ولا يصح تعليق هذا الصلح على شرط لأنه ابراء وتعليق الابراء لا يصح.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): صلح الاقرار نوعان أحدهما الصلح على جنس الحق المقر به مثل أن يقر رشيد له بدين فيضع - أى يسقط - عنه بعضه ويأخذ الباقى أو يقر رشيد لآخر بعين فيهب المقر له أى للمقر بعضها ويأخذ الباقى فيصح الصلح ان كان ما صدر من ابراء أو هبة بغير لفظ الصلح لأن الأول: أى وضع بعض الدين ابراء.
والثانى أى هبة بعض الدين هبة يعتبر له شروط الهبة من كونه جائز التصرف والعلم بالموهوب ونحوه ولا يمنع الانسان من اسقاط بعض حقه أو هبته كما لا يمنع من استيفائه،
стр. 2764
لأنه ﷺ كلم غرماء جابر، ليضعوا عنه وقضية كعب مع ابن أبى حدرد شاهدة بذلك، فان كان بلفظ الصلح لم يصح، لأنه صالح عن بعض ماله ببعض فهو هضم للحق.
وبالجملة فقد منع الخرقى وابن أبى موسى الصلح على الاقرار وأباه الأكثرون.
فعلى الأول ان وفاه من جنس حقه فهو وفاء ومن غير جنسه معاوضة وان أبرأه من بعضه فهو ابراء وان وهبه بعض العين فهو هبة ولا يسمى صلحا فالخلاف اذن فى التسمية قاله فى المغنى والشرح الكبير وأما المعنى فمتفق عليه.
وان صالح رشيد من دين مؤجل ببعضه حالا لم يصح الصلح، لأنه ببذله القدر الذى يحطه عوضا عن تعجيل ما فى ذمته أشبه ما لو أعطاه عشرة حالة بعشرين مؤجلة الا فى دين كتابة فاذا عجل المكاتب البعض وأبرأه السيد من الباقى صح، لأن الربا لا يجرى بين المكاتب وسيده فى دين الكتابة.
وان وضع أى أسقط رب الدين بعض الدين الحال وأجل باقيه بأن كان له عليه مائة حالة أبرأه منها بخمسين مؤجلة صح الاسقاط، لأنه أسقطه عن طيب نفسه وليس فى مقابلة تأجيل فوجب أن يصح كما لو أسقطه كله دون التأجيل، لأن الحال لا يتأجل، ولأنه وعد فلا يلزم الوفاء به.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): اذا صح الاقرار بالصلح فان كان فى المال فلا يجوز الا بأحد وجهين لا ثالث لهما اما أن يعطيه بعض ماله عليه ويبرئه الذى له الحق من باقيه باختياره ولو شاء أن يأخذ ما أبرأه منه لفعل فهذا حسن جائز بلا خلاف وهو فعل خير، ولا يجوز فى الصلح الذى يكون فيه ابراء من البعض شرط تأجيل أصلا لأنه شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل لكنه يكون حالا فى الذمة ينظره به ما شاء بلا شرط لأنه فعل خير.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (٢): أما الابراء عن الدين فهو اسقاط للدين والدم والحق وليس بتمليك فلا يعتبر فيه القبول وسائر ما يعتبر فى التمليك أو الحقوق والشفعة وخيار الرؤية والعيب والشرط.
وأما الابراء من العين المضمونة نحو أن يبرئ الغاصب من العين المغصوبة وهى باقية فهو اسقاط لضمان تلك العين فتصير أمانة فان أبرأه مرة أخرى صارت اباحة الا أن يجرى عرف أنه يريد التأكيد.
قال فى شرح الحفيظ «الا العين المرهونة فلا تصير أمانة لبقاء سبب الضمان وهو عقد الرهن سواء كان الابراء من العين أو من الضمان واذا كانت العين أمانة فى يد الغير
стр. 2765
كان ابراء المالك منها اباحة للأمانة فيجوز لذلك الغير استهلاكها وللمالك الرجوع قبل الاستهلاك حسا لا حكما ويرجع المباح له بالغرامة».
ثم قال ويصح تقييد الابراء بعوض مشروط ومعقود كأبرأتك ان وهبت لى كذا أو أبرأتك على هبة كذا أو على أن تمكنى من كذا فان حصل ذلك العوض صح الابراء ولا رجوع للمبرئ فان لم يحصل صح الابراء بالقبول ويرجع فورا لتعذره أى له الرجوع عن الابراء عند تعذر العوض.
واذا وقع على عوض مضمر أو غرض ثم تعذر كان للمبرئ الرجوع فورا، لأنه لم يبق له الا حق ضعيف فيبطل بالتراخى.
ولو كان ذلك العوض الذى شرط غرضا لا مالا نحو أبرأتك على أن تطلق فلانة فقبل ولم يطلق فللمبرئ أن يرجع عن الابراء لعدم حصول ذلك الغرض وحيث قلنا يصح الابراء بعوض مشروط فلا يصح الا بحصوله فيقع بالقبول أو ما فى حكمه فان تعذر العوض فله الرجوع ولا يجبر ملتزمه ولا له المطالبة بقيمته وهذا حيث لا يملك العوض بنفس العقد فان ملك العوض بنفس العقد نحو أبرأتك على هبة كذا فقبل أجبر عليه ان أمكن وان تعذر نحو أن تتلف العين أو يموت بطل الابراء وقد خالف الابراء الطلاق والعتاق فانهما لا يبطلان بتعذر العوض فى العقد لقوة نفوذهما بدليل أنهما لا يبطلان بالرد بخلاف الابراء ويرجع الى قيمة العوض للتعذر فى الطلاق والى قيمة العبد فى العتق.
السكنى
مذهب الحنفية:
جاء فى ابن عابدين (١): لو خالعت المرأة زوجها على نفقة العدة وسكناها فلا يسقطان الا اذا نص عليها فتسقط النفقة لا السكنى، لأن السكنى حق الشرع، ولأن سكناها فى غير بيت الطلاق معصية الا اذا أبرأته عن مؤنة السكنى فيصح بأن كانت ساكنة فى بيت نفسها أو تعطى الأجرة من مالها فيصح التزامها ذلك كما فى الفتح.
قال ابن عابدين لكن مقتضى هذا أنه لا بد من التصريح بمؤنة السكنى مع أنه ذكره فى الفتح لو اختلعت على أن لا سكنى لها فان مؤنة السكنى تسقط عن الزوج ويلزمها أن تكترى بيت الزوج ولا يحل لها أن تخرج منه.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٢): وسقطت أى السكنى بمعنى الأجرة ان أقامت بغيره أى بغير مسكنها الذى لزمها السكنى فيه لغير عذر فليس لها طلب أجرة ما خرجت منه ولو اكراه زوجها للغير.
وعلق الدسوقى على قوله وسقطت السكنى أى سواء كانت معتدة من وفاة أو من طلاق.
وإنما سقطت، لأنها لما تركت ما كان
стр. 2766
واجبا لها من غير عذر فلا يلزمه بعد ولها عنها عوض، وأما اذا كانت مطلقة طلاقا رجعيا وخرجت من مسكنها وأقامت بغيره انما تسقط سكناها وأما النفقة فلا تسقط.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: تجب السكنى (١) لمعتدة طلاق حائل أو حامل ولو بائن ويستمر وجوبها الى انقضاء عدتها لقوله تعالى «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ» وقوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» أى بيوت أزواجهن وأضافها اليهن للسكنى اذ لو كانت اضافة ملك لم تختص بالمطلقات ولو أسقطت مؤنة المسكن عن الزوج لم تسقط كما أفتى به المصنف لوجوبها يوما بيوم واسقاط ما لم يجب لاغ، وينبغى أن يتحرى الأقرب من المسكن الذى فورقت فيه ما أمكن.
ولو مضت العدة أو بعضها ولم تطالب بالسكنى لم تصر دينا فى الذمة بخلاف النفقة لأنها معاوضة.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): ان تزوجت المرأة فى عدتها فنكاحها باطل لقوله تعالى «وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» ولأن العدة انما اعتبرت لمعرفة براءة الرحم لئلا يفضى الى اختلاط المياه واشتباه الانساب ويجب أن يفرق بينهما لأنهما أجنبيان.
وتسقط نفقة الرجعية وسكناها عن الزوج الأول لنشوزها ولم تنقطع عدتها حتى يطأ الثانى، لأن العقد باطل لا تصير به المرأة فراشا، وسواء علم بالتحريم أو جهله، فاذا دخل بها انقطعت العدة، لأنها صارت فراشا له، ثم اذا فارقها بنت على عدتها من الأول، لأن حقه أسبق، ولان عدته وجبت عن وط ء فى نكاح صحيح، واستأنفت العدة بعد ذلك من الثانى، ولا تتداخل العدة.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (٣): يجب على الزوج السكنى لزوجته فى عدة الرجعة وهى أحق من الغرماء بسكنى داره اذا أفلس فان كانت فى دارها باذنه أو كان عليها أو على أهلها غضاضة بالخروج منه الى بيته أعتدت فى بيتها والكراء عليه بخلاف البائنة فلا سكنى لها فى عدتها - على مطلقها فان كان الزوج مضربا عن مراجعتها ولا يملك الا منزلا واحدا لزمه أن يستأجر لها فان لم يجد جاز الوقوف معها ولو خشى الضرر ووجب غض البصر.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٤): ولا نفقة للبائن طلاقها الا أن تكون حاملا فتجب لها النفقة والسكنى حتى تضع لقوله تعالى «وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» ولا شبهة فى كون النفقة بسبب الحمل لكن هل هى له أو لها قولان:
стр. 2767
أشهرهما الاول للدوران وجودا وعدما كالزوجية.
ووجه الثانى: أنها لو كانت للولد لسقطت عن الأب بيساره كما لو ورث أخاه لأبيه وأبوه قاتل لا يرث ولا وارث غير الحمل ولوجبت على الجد مع فقر الأب لكن التالى فيهما باطل فالمقدم مثله.
الحضانة
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): الحضانة حق الصغير لاحتياجه الى من يمسكه وقال ابن عابدين نقلا عن النهر: وهل هى حق من تثبت لها الحضانة أو حق الولد؟ خلاف.
قيل بالأول وعلى ذلك فلا تجبر ان هى امتنعت ورجحه غير واحد.
وفى الواقعات وغيرها وعليه الفتوى وفى الخلاصة قال مشايخنا لا تجبر الأم عليها وكذلك الخالة اذا لم يكن زوج لأنها ربما تعجز عن ذلك.
وقيل بالثانى فتجبر واختاره أبو الليث وخواهر زاده والهندوانى وأيده فى الفتح بما فى الحاكم: لو اختلعت على أن تترك ولدها عند الزوج فالخلع جائز والشرط باطل لأنه حق الولد فأفاد أن قول الفقهاء جواب ظاهر الرواية ثم قال فى الفتح: فان لم يوجد غيرها أجبرت بلا خلاف.
قال ابن عابدين فى حاشيته على البحر: وفى الظهيرية قالت الأم لا حاجة لى به وقالت الجدة أنا آخذه دفع اليها، لأن الحضانة حقها، فاذا أسقطت حقها صح الاسقاط منها لكن انما يكون لها ذلك اذا كان للولد ذو رحم محرم أما اذا لم يكن أجبرت على الحضانة كيلا يضيع الولد.
ثم قال فى البحر: ومن نكحت غير محرم سقط حقها ثم تعود بالفرقة أى تعود الحضانة لزوال المانع فقولهم سقط حقها معناه منع مانع منه، وقولهم: ثم تعود بالفرقة معناه بالطلاق البائن وأما الطلاق الرجعى فلا يعود حقها به حتى تنقضى عدتها لقيام الزوجية.
وقال ابن عابدين (٢): لو اختلعت على أن تمسك الولد الى البلوغ صح فى الأنثى لا الغلام ولو تزوجت فللزوج أخذ الولد وان اتفقا على تركه لأنه حق الولد لأن بقاءه عند زوجها الأجنبى مضر بالولد ولذا سقط حقها فى الحضانة.
وفى الخانية لو خالعها على أن يكون الولد عنده سنين معلومة صح الخلع وبطل الشرط لأن كون الولد الصغير عند الأم حق الولد فلا يبطل بابطالهما.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٣): ولا تعود الحضانة لمن سقطت حضانتها بالتزويج بعد
стр. 2768
الطلاق لها أو موت زوجها أو بعد فسخ النكاح الفاسد بعد البناء على الأرجح أو بعد الاسقاط أى اذا أسقطت الحاضنة حقها منها لغير عذر بعد وجوبها لها ثم أرادت العود لها فلا تعود بناء على أنها حق للحاضن وهو المشهور.
وقيل تعود بناء على أنها حق للمحضون وعلق الدسوقى على قوله أو بعد الاسقاط أى للغير بعوض أو بغير عوض وقوله بعد وجوبها لها هذا شامل لما اذا أسقطت الأم حضانتها للأب بعد طلاقها ولاسقاطها له وهى فى عصمته لأن الحق لها وهما زوجان وشامل لما اذا أسقطت الجدة حضانتها بعد أن أسقطت بنتها حضانتها فى مقابلة خلعها، لأن اسقاط الأم حضانتها فى مقابلة خلعها لا يسقط حق الجدة، فاذا أسقطت الجدة بعد طلاق بنتها صح الاسقاط، لأنه اسقاط للشئ بعد وجوبه الا أن المعتمد أنه اذا أسقط من له الحضانة حقه فيها انتقل الحق لمن يليه فى المرتبة لا للمسقط له، وأما لو أسقطت حقها من الحضانة قبل وجوبها لها لم يسقط حقها على المعتمد كما لو خالعته على اسقاط حضانتها وقد أسقطت الجدة أو الخالة حقها قبل مخالعة ابنتها أو أختها.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (١): لا حضانة للأم اذا نكحت الأم غير أبى الطفل وان رضى زوجها ولم يدخل بها للخبر «أنت أحق
به ما لم تنكحى» واذا سقط حق الأم بذلك انتقل لأمها ما لم يرض الزوج والأب ببقائه مع الام وان نازع الأذرعى فى ذلك.
أما ناكحة أبى الطفل وان علا فحضانتها باقية أما الأب فظاهر وأما الجد فلأنه ولى تام الشفقة وقضيته أن تزوجها بأب الأم يبطل حقها وهو كذلك وتناقض فيه كلام الأذرعى وقد لا تسقط بالتزوج لكون الاستحقاق بالاجارة بأن خالع زوجته بألف وحضانة الصغير سنة فلا يؤثر تزوجها فى أثناء السنة لأن الاجارة عقد لازم ولو أسقطت الحاضنة حقها انتقلت لمن يليها فاذا رجعت عاد حقها.
وفى مغنى المحتاج (٢): ويصح عوضه أى الخلع قليلا وكثيرا دينا وعينا ومنفعة لعموم قوله تعالى «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» ولأنه عقد على منفعة البضع فجاز بما ذكر كالصداق.
ويستثنى من اطلاقه المنفعة صورتان.
احداهما الخلع على أنه برئ من سكناها ففى البحر يقع الطلاق ولا يجوز البدل لأن اخراجها من المسكن حرام فلها السكنى وعليها مهر المثل.
ثانيتهما الخلع على تعليم شئ من القرآن فقضية قولهم فى الصداق حيث قالوا بالتعذر أنه لا يصح ويشترط فى العوض شروط الثمن من كونه متمولا معلوما مقدورا على تسليمه.
стр. 2769
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١): ان امتنعت الأم من حضانتها مع استحقاقها انتقلت الى أمها فى أظهر الوجهين.
والوجه الآخر تنتقل الى الأب لأن أمهاتها فرع عليها فى الاستحقاق فاذا أسقطت حقها سقطت فروعها.
ولنا أن الأب أبعد فلا تنتقل الحضانة اليه مع وجود أقرب منه كما لا ينتقل الى الأخت وكونهن فروعا لها لا يوجب سقوط حقوقهن بسقوط حقها كما لو سقط حقها لكونها ليست من أهل الحضانة أو لتزوجها وهكذا الحكم فى الأب اذا أسقط حقه هل يسقط حق أمهاته؟ على وجهين.
فان كانت أخت من أبوين وأخت من أب فأسقطت الأخت من الأبوين حقها لم يسقط حق الأخت من الأب وجها واحدا لان استحقاقها من غير جهتها وليست فرعا عليها (٢).
ثم قال: ولا حضانة لامرأة مزوجة لأجنبى من الطفل أى اذا تزوجت الأم سقطت حضانتها وظاهر هذا أن التزويج بالأجنبى يسقط الحضانة وهو ظاهر قول الخرقى وان عرى عن الدخول.
ويحتمل أن لا يسقط الا بالدخول لأن به يشتغل عن الحضانة.
والأول أولى لقول النبى ﷺ «أنت أحق به ما لم تنكحى» ولا حضانة لرقيق ولا فاسق ولا معتوه ولا كافر على مسلم ومتى زالت الموانع منهم مثل أن عتق الرقيق وأسلم الكافر وعدل الفاسق وعقل المجنون عاد حقهم من الحضانة، لأن سببها قائم وانما امتنعت لمانع فاذا زال المانع عاد الحق بالسبب السابق الملازم كالزوجة اذا طلقت فانه يعود حقها من الحضانة كذلك هذا.
تلك هى النصوص من الكتب الفقهية فى المذاهب كلها. وفى الأبواب التى تعطى البيان والرأى - وهى تدل دلالة ظاهرة على أن الفقهاء فى المذاهب المذكورة متفقون على أن الطلاق ملك منافع البضع لا يتجزأ فلو طلق الزوج امرأته بعض التطليقة بأن قال لها أنت طالق نصف تطليقة ولو أضاف الطلاق الى جزء منها شائع أو غير شائع يعبر به عن الكل أو لا يعبر. بأن قال لها مثلا. نصفك طالق أو رأسك طالق أو نحو ذلك. وقعت عليها طلقة كاملة فى جميع ذلك عند جميع المذاهب.
ما عدا الشيعة الإمامية فأنهم يقولون:
أن ذلك باطل ولا يقع به طلاق أصلا وأساس ذلك عندهم أن تبعيض الطلاق لا يصح.
وهم متفقون كذلك على أن الطلاق يقابل بالعوض فيجوز أن يطلق الرجل أو يخالع امرأته نظير عوض. ويقع الطلاق ويلزم العوض غير أنه لم يظهر حكم ذلك عند ابن حزم الظاهرى.
وفى العتق: وهو اسقاط ملك الرقبة - بالنسبة للتجزى وعدمه: يتجزأ عند الامام
стр. 2770
أبى حنيفة لأن موجبه عنده ازالة الملك والملك يتجزأ بالاتفاق ولا يتجزأ عند الصاحبين أبى يوسف ومحمد لأن موجبه عندهما ازالة الرق والرق لا يتجزأ بالاتفاق.
ولا يقبل التجزئة عند الشافعية والزيدية وابن حزم من الظاهرية.
ويقبل التجزئة فى بعض الأحوال عند المالكية والحنابلة والإمامية والإباضية كما فى العبد المشترك يعتق أحد الشريكين أو الشركاء نصيبه منه على تفصيل فى حالات اليسار والاعسار.
وبالنسبة للاعتياض عنه اتفق الجميع - ما عدا ابن حزم على جواز الاعتياض عنه.
فلو أعتق عبده على مال أو كاتبه صح ويعتق العبد ويجب المال على تفصيل فى بعض المذاهب.
أما ابن حزم فقد صرح بأنه لا يجوز أخذ مال على العتق الا فى الكتابة خاصة لمجئ النص بها. لأن العتق عنده لا يكون الا لله .
وفى العفو عن القصاص وهو اسقاط حق القصاص والقود - اتفقت المذاهب جميعها على أنه لا يتجزأ - ويكادون يتفقون على أن عفو البعض اذا تعدد الأولياء يسقط حق القصاص وينتقل الحق الى الدية وتكون للجميع من عفا ومن لم يعف أو لمن لم يعف فقط ويسقط حق من عفا، تفصيل.
وقد ورد فى بعض المذاهب أن عفو البعض لا يعول عليه ويبقى حق القصاص الا أن يعفو الكل وهذا أيضا تسليم بعدم التجزئ وهو أمر لا مناص منه اذ لا يتصور القصاص فى البعض ولا بالنسبة للبعض.
والجمهور على جواز الصلح عن القصاص نظير عوض أكثر أو أقل من الدية.
وقال بعض قليل أن الحق ينتقل بالعفو الى الدية.
وفى الشفعة اذا أراد الشفيع أن يأخذ بالشفعة فى بعض المبيع دون البعض أو أراد أن يسقط حقه فى الشفعة نظير عوض يأخذه صلحا هل يجوز ذلك أو لا يجوز؟
نص الحنفية على أن الشفيع اذا قيل له أن المشترى هو فلان فأسقط حقه فى الشفعة ثم علم أن المشترى هو فلان المذكور مع شخص آخر قالوا: لا يسقط حقه بالنسبة للمشترى الآخر ويسقط بالنسبة لمن عرفه أولا - ويأخذ بالشفعة فى نصيب هذا المشترى الآخر وهذا ظاهر فى التجزئ.
وكذلك قالوا: اذا اشترى رجلان دارا من رجل فللشفيع أن يأخذ بالشفعة نصيب أحد المشتريين ويسقط حقه فى نصيب الآخر، وكذا لو اشترى دارين من رجل له أن يأخذ بالشفعة فى أحد الدارين ولو كان الثمن لهما ثمنا واحدا.
ويرى البعض أن أخذ أحد الدارين ليس تفريقا ولا تبعيضا للصفقة لأنها مفرقة من الابتداء.
أما الاعتياض عن اسقاط حق الشفعة فلا يجوز ولا يصح عند الحنفية لأن حق الشفعة