واجبا لها من غير عذر فلا يلزمه بعد ولها عنها عوض، وأما اذا كانت مطلقة طلاقا رجعيا وخرجت من مسكنها وأقامت بغيره انما تسقط سكناها وأما النفقة فلا تسقط.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: تجب السكنى (١) لمعتدة طلاق حائل أو حامل ولو بائن ويستمر وجوبها الى انقضاء عدتها لقوله تعالى «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ» وقوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» أى بيوت أزواجهن وأضافها اليهن للسكنى اذ لو كانت اضافة ملك لم تختص بالمطلقات ولو أسقطت مؤنة المسكن عن الزوج لم تسقط كما أفتى به المصنف لوجوبها يوما بيوم واسقاط ما لم يجب لاغ، وينبغى أن يتحرى الأقرب من المسكن الذى فورقت فيه ما أمكن.
ولو مضت العدة أو بعضها ولم تطالب بالسكنى لم تصر دينا فى الذمة بخلاف النفقة لأنها معاوضة.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): ان تزوجت المرأة فى عدتها فنكاحها باطل لقوله تعالى «وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» ولأن العدة انما اعتبرت لمعرفة براءة الرحم لئلا يفضى الى اختلاط المياه واشتباه الانساب ويجب أن يفرق بينهما لأنهما أجنبيان.
وتسقط نفقة الرجعية وسكناها عن الزوج الأول لنشوزها ولم تنقطع عدتها حتى يطأ الثانى، لأن العقد باطل لا تصير به المرأة فراشا، وسواء علم بالتحريم أو جهله، فاذا دخل بها انقطعت العدة، لأنها صارت فراشا له، ثم اذا فارقها بنت على عدتها من الأول، لأن حقه أسبق، ولان عدته وجبت عن وط ء فى نكاح صحيح، واستأنفت العدة بعد ذلك من الثانى، ولا تتداخل العدة.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (٣): يجب على الزوج السكنى لزوجته فى عدة الرجعة وهى أحق من الغرماء بسكنى داره اذا أفلس فان كانت فى دارها باذنه أو كان عليها أو على أهلها غضاضة بالخروج منه الى بيته أعتدت فى بيتها والكراء عليه بخلاف البائنة فلا سكنى لها فى عدتها - على مطلقها فان كان الزوج مضربا عن مراجعتها ولا يملك الا منزلا واحدا لزمه أن يستأجر لها فان لم يجد جاز الوقوف معها ولو خشى الضرر ووجب غض البصر.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٤): ولا نفقة للبائن طلاقها الا أن تكون حاملا فتجب لها النفقة والسكنى حتى تضع لقوله تعالى «وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» ولا شبهة فى كون النفقة بسبب الحمل لكن هل هى له أو لها قولان:
стр. 2767
أشهرهما الاول للدوران وجودا وعدما كالزوجية.
ووجه الثانى: أنها لو كانت للولد لسقطت عن الأب بيساره كما لو ورث أخاه لأبيه وأبوه قاتل لا يرث ولا وارث غير الحمل ولوجبت على الجد مع فقر الأب لكن التالى فيهما باطل فالمقدم مثله.
الحضانة
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): الحضانة حق الصغير لاحتياجه الى من يمسكه وقال ابن عابدين نقلا عن النهر: وهل هى حق من تثبت لها الحضانة أو حق الولد؟ خلاف.
قيل بالأول وعلى ذلك فلا تجبر ان هى امتنعت ورجحه غير واحد.
وفى الواقعات وغيرها وعليه الفتوى وفى الخلاصة قال مشايخنا لا تجبر الأم عليها وكذلك الخالة اذا لم يكن زوج لأنها ربما تعجز عن ذلك.
وقيل بالثانى فتجبر واختاره أبو الليث وخواهر زاده والهندوانى وأيده فى الفتح بما فى الحاكم: لو اختلعت على أن تترك ولدها عند الزوج فالخلع جائز والشرط باطل لأنه حق الولد فأفاد أن قول الفقهاء جواب ظاهر الرواية ثم قال فى الفتح: فان لم يوجد غيرها أجبرت بلا خلاف.
قال ابن عابدين فى حاشيته على البحر: وفى الظهيرية قالت الأم لا حاجة لى به وقالت الجدة أنا آخذه دفع اليها، لأن الحضانة حقها، فاذا أسقطت حقها صح الاسقاط منها لكن انما يكون لها ذلك اذا كان للولد ذو رحم محرم أما اذا لم يكن أجبرت على الحضانة كيلا يضيع الولد.
ثم قال فى البحر: ومن نكحت غير محرم سقط حقها ثم تعود بالفرقة أى تعود الحضانة لزوال المانع فقولهم سقط حقها معناه منع مانع منه، وقولهم: ثم تعود بالفرقة معناه بالطلاق البائن وأما الطلاق الرجعى فلا يعود حقها به حتى تنقضى عدتها لقيام الزوجية.
وقال ابن عابدين (٢): لو اختلعت على أن تمسك الولد الى البلوغ صح فى الأنثى لا الغلام ولو تزوجت فللزوج أخذ الولد وان اتفقا على تركه لأنه حق الولد لأن بقاءه عند زوجها الأجنبى مضر بالولد ولذا سقط حقها فى الحضانة.
وفى الخانية لو خالعها على أن يكون الولد عنده سنين معلومة صح الخلع وبطل الشرط لأن كون الولد الصغير عند الأم حق الولد فلا يبطل بابطالهما.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٣): ولا تعود الحضانة لمن سقطت حضانتها بالتزويج بعد
стр. 2768
الطلاق لها أو موت زوجها أو بعد فسخ النكاح الفاسد بعد البناء على الأرجح أو بعد الاسقاط أى اذا أسقطت الحاضنة حقها منها لغير عذر بعد وجوبها لها ثم أرادت العود لها فلا تعود بناء على أنها حق للحاضن وهو المشهور.
وقيل تعود بناء على أنها حق للمحضون وعلق الدسوقى على قوله أو بعد الاسقاط أى للغير بعوض أو بغير عوض وقوله بعد وجوبها لها هذا شامل لما اذا أسقطت الأم حضانتها للأب بعد طلاقها ولاسقاطها له وهى فى عصمته لأن الحق لها وهما زوجان وشامل لما اذا أسقطت الجدة حضانتها بعد أن أسقطت بنتها حضانتها فى مقابلة خلعها، لأن اسقاط الأم حضانتها فى مقابلة خلعها لا يسقط حق الجدة، فاذا أسقطت الجدة بعد طلاق بنتها صح الاسقاط، لأنه اسقاط للشئ بعد وجوبه الا أن المعتمد أنه اذا أسقط من له الحضانة حقه فيها انتقل الحق لمن يليه فى المرتبة لا للمسقط له، وأما لو أسقطت حقها من الحضانة قبل وجوبها لها لم يسقط حقها على المعتمد كما لو خالعته على اسقاط حضانتها وقد أسقطت الجدة أو الخالة حقها قبل مخالعة ابنتها أو أختها.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (١): لا حضانة للأم اذا نكحت الأم غير أبى الطفل وان رضى زوجها ولم يدخل بها للخبر «أنت أحق
به ما لم تنكحى» واذا سقط حق الأم بذلك انتقل لأمها ما لم يرض الزوج والأب ببقائه مع الام وان نازع الأذرعى فى ذلك.
أما ناكحة أبى الطفل وان علا فحضانتها باقية أما الأب فظاهر وأما الجد فلأنه ولى تام الشفقة وقضيته أن تزوجها بأب الأم يبطل حقها وهو كذلك وتناقض فيه كلام الأذرعى وقد لا تسقط بالتزوج لكون الاستحقاق بالاجارة بأن خالع زوجته بألف وحضانة الصغير سنة فلا يؤثر تزوجها فى أثناء السنة لأن الاجارة عقد لازم ولو أسقطت الحاضنة حقها انتقلت لمن يليها فاذا رجعت عاد حقها.
وفى مغنى المحتاج (٢): ويصح عوضه أى الخلع قليلا وكثيرا دينا وعينا ومنفعة لعموم قوله تعالى «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» ولأنه عقد على منفعة البضع فجاز بما ذكر كالصداق.
ويستثنى من اطلاقه المنفعة صورتان.
احداهما الخلع على أنه برئ من سكناها ففى البحر يقع الطلاق ولا يجوز البدل لأن اخراجها من المسكن حرام فلها السكنى وعليها مهر المثل.
ثانيتهما الخلع على تعليم شئ من القرآن فقضية قولهم فى الصداق حيث قالوا بالتعذر أنه لا يصح ويشترط فى العوض شروط الثمن من كونه متمولا معلوما مقدورا على تسليمه.
стр. 2769
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١): ان امتنعت الأم من حضانتها مع استحقاقها انتقلت الى أمها فى أظهر الوجهين.
والوجه الآخر تنتقل الى الأب لأن أمهاتها فرع عليها فى الاستحقاق فاذا أسقطت حقها سقطت فروعها.
ولنا أن الأب أبعد فلا تنتقل الحضانة اليه مع وجود أقرب منه كما لا ينتقل الى الأخت وكونهن فروعا لها لا يوجب سقوط حقوقهن بسقوط حقها كما لو سقط حقها لكونها ليست من أهل الحضانة أو لتزوجها وهكذا الحكم فى الأب اذا أسقط حقه هل يسقط حق أمهاته؟ على وجهين.
فان كانت أخت من أبوين وأخت من أب فأسقطت الأخت من الأبوين حقها لم يسقط حق الأخت من الأب وجها واحدا لان استحقاقها من غير جهتها وليست فرعا عليها (٢).
ثم قال: ولا حضانة لامرأة مزوجة لأجنبى من الطفل أى اذا تزوجت الأم سقطت حضانتها وظاهر هذا أن التزويج بالأجنبى يسقط الحضانة وهو ظاهر قول الخرقى وان عرى عن الدخول.
ويحتمل أن لا يسقط الا بالدخول لأن به يشتغل عن الحضانة.
والأول أولى لقول النبى ﷺ «أنت أحق به ما لم تنكحى» ولا حضانة لرقيق ولا فاسق ولا معتوه ولا كافر على مسلم ومتى زالت الموانع منهم مثل أن عتق الرقيق وأسلم الكافر وعدل الفاسق وعقل المجنون عاد حقهم من الحضانة، لأن سببها قائم وانما امتنعت لمانع فاذا زال المانع عاد الحق بالسبب السابق الملازم كالزوجة اذا طلقت فانه يعود حقها من الحضانة كذلك هذا.
تلك هى النصوص من الكتب الفقهية فى المذاهب كلها. وفى الأبواب التى تعطى البيان والرأى - وهى تدل دلالة ظاهرة على أن الفقهاء فى المذاهب المذكورة متفقون على أن الطلاق ملك منافع البضع لا يتجزأ فلو طلق الزوج امرأته بعض التطليقة بأن قال لها أنت طالق نصف تطليقة ولو أضاف الطلاق الى جزء منها شائع أو غير شائع يعبر به عن الكل أو لا يعبر. بأن قال لها مثلا. نصفك طالق أو رأسك طالق أو نحو ذلك. وقعت عليها طلقة كاملة فى جميع ذلك عند جميع المذاهب.
ما عدا الشيعة الإمامية فأنهم يقولون:
أن ذلك باطل ولا يقع به طلاق أصلا وأساس ذلك عندهم أن تبعيض الطلاق لا يصح.
وهم متفقون كذلك على أن الطلاق يقابل بالعوض فيجوز أن يطلق الرجل أو يخالع امرأته نظير عوض. ويقع الطلاق ويلزم العوض غير أنه لم يظهر حكم ذلك عند ابن حزم الظاهرى.
وفى العتق: وهو اسقاط ملك الرقبة - بالنسبة للتجزى وعدمه: يتجزأ عند الامام
стр. 2770
أبى حنيفة لأن موجبه عنده ازالة الملك والملك يتجزأ بالاتفاق ولا يتجزأ عند الصاحبين أبى يوسف ومحمد لأن موجبه عندهما ازالة الرق والرق لا يتجزأ بالاتفاق.
ولا يقبل التجزئة عند الشافعية والزيدية وابن حزم من الظاهرية.
ويقبل التجزئة فى بعض الأحوال عند المالكية والحنابلة والإمامية والإباضية كما فى العبد المشترك يعتق أحد الشريكين أو الشركاء نصيبه منه على تفصيل فى حالات اليسار والاعسار.
وبالنسبة للاعتياض عنه اتفق الجميع - ما عدا ابن حزم على جواز الاعتياض عنه.
فلو أعتق عبده على مال أو كاتبه صح ويعتق العبد ويجب المال على تفصيل فى بعض المذاهب.
أما ابن حزم فقد صرح بأنه لا يجوز أخذ مال على العتق الا فى الكتابة خاصة لمجئ النص بها. لأن العتق عنده لا يكون الا لله .
وفى العفو عن القصاص وهو اسقاط حق القصاص والقود - اتفقت المذاهب جميعها على أنه لا يتجزأ - ويكادون يتفقون على أن عفو البعض اذا تعدد الأولياء يسقط حق القصاص وينتقل الحق الى الدية وتكون للجميع من عفا ومن لم يعف أو لمن لم يعف فقط ويسقط حق من عفا، تفصيل.
وقد ورد فى بعض المذاهب أن عفو البعض لا يعول عليه ويبقى حق القصاص الا أن يعفو الكل وهذا أيضا تسليم بعدم التجزئ وهو أمر لا مناص منه اذ لا يتصور القصاص فى البعض ولا بالنسبة للبعض.
والجمهور على جواز الصلح عن القصاص نظير عوض أكثر أو أقل من الدية.
وقال بعض قليل أن الحق ينتقل بالعفو الى الدية.
وفى الشفعة اذا أراد الشفيع أن يأخذ بالشفعة فى بعض المبيع دون البعض أو أراد أن يسقط حقه فى الشفعة نظير عوض يأخذه صلحا هل يجوز ذلك أو لا يجوز؟
نص الحنفية على أن الشفيع اذا قيل له أن المشترى هو فلان فأسقط حقه فى الشفعة ثم علم أن المشترى هو فلان المذكور مع شخص آخر قالوا: لا يسقط حقه بالنسبة للمشترى الآخر ويسقط بالنسبة لمن عرفه أولا - ويأخذ بالشفعة فى نصيب هذا المشترى الآخر وهذا ظاهر فى التجزئ.
وكذلك قالوا: اذا اشترى رجلان دارا من رجل فللشفيع أن يأخذ بالشفعة نصيب أحد المشتريين ويسقط حقه فى نصيب الآخر، وكذا لو اشترى دارين من رجل له أن يأخذ بالشفعة فى أحد الدارين ولو كان الثمن لهما ثمنا واحدا.
ويرى البعض أن أخذ أحد الدارين ليس تفريقا ولا تبعيضا للصفقة لأنها مفرقة من الابتداء.
أما الاعتياض عن اسقاط حق الشفعة فلا يجوز ولا يصح عند الحنفية لأن حق الشفعة
стр. 2771
حق مجرد والحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها كما هو ظاهر من عبارة البحر.
ويرى المالكية والشافعية والحنابلة والإباضية والظاهرية أن هذا الحق لا يتجزأ.
والأصل عدم التجزئ عند الزيدية ألا أن يرضى المشترى بذلك فيجوز ولا يجوز الاعتياض عنه عندهم.
وصرح الإمامية بجواز الاعتياض عنه.
وفى الابراء وهو اسقاط للحق يقبل التجزئة بالاتفاق اذا كان الحق مما يتجزأ كالدين والصلح فيه ابراء عن بعض الحق واستيفاء للبعض الآخر وليس معاوضة.
وقال الزيدية أنه يجوز أن يكون الابراء فى مقابلة عوض آخر مال أو غيره واذا تعذر العوض - فللمبرئ الحق فى الرجوع فى الابراء على تفصيل فى ذلك.
وفى اسقاط حق الحضانة لا يقبل التجزئة بالاتفاق ويجوز أن يقابل بالعوض عند المالكية.
هذه هى آراء الفقهاء فى المذاهب المختلفة فى تجزى الاسقاط وعدم تجزئه وفى الاعتياض عنه وعدم الاعتياض فى الفروع والمسائل التى تناولتها النصوص بيناها فى اجمال واختصار.
ويظهر منها أن المذاهب كلها متفقة على أن الاسقاط يقبل التجزؤ فى بعض المسائل ولا يقبله فى بعضها وأنه يجوز الاعتياض عن الاسقاط فى بعض المسائل ولا يجوز ذلك فى بعضها.
وقد قلنا أن معنى تجزؤ الاسقاط تجزؤ المحل الذى يجرى فيه فى قبول حكمه وأثره.
فمعنى تجزؤ الطلاق أن محله وهو المرأة لا يقبل التجزؤ فى قبول حكم الطلاق وأثره اذ لا يمكن أن يكون بعض المرأة طالقا وبعضها غير طالق. وأن يكون بعضها حلالا للزوج المطلق وبعضها حراما عليه .. ومعنى تجزؤ الاعتاق عند من يقول به تجزؤ محله وهو العبد فى قبول أثره وحكمه وهو الحرية اذ يمكن أن يكون بعض العبد حرا وبعضه رقيقا عند هؤلاء الفقهاء وقلنا أنه لا يوجد ضابط ولا أساس يحدد ما يجرى فيه التجزؤ من مسائل الاسقاط وما لا يجرى فيه وأن المرجع فى ذلك الى كل محل بخصوصه وكذلك الأمر فى الاعتياض عن الاسقاط. وان كان بعض فقهاء الحنفية قد حاول أن يضع لذلك ضابطا على ما سبقت الاشارة اليه.
تم الجزء الثامن ويليه ان شاء الله تعالى الجزء التاسع مبدوءا ببحث اسكان
стр. 2772
إسكان
التعريف اللغوى (١):
اسكان مصدر فعله أسكن المزيد بالهمزة لافادة التعدية فأصل مادته سكن.
جاء فى لسان العرب: سكن الشئ يسكن سكونا اذا ذهبت حركته ومنه قوله تعالى «وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» (٢) قال ابن الاعرابى: معناه وله ما حل فى الليل والنهار، والسكنى أن يسكن الرجل موضعا بلا كروة كالعمرى.
وقال اللحيانى: والسكن: أيضا سكنى الرجل فى الدار، والسكن: أن تسكن انسانا منزلا بلا كراء، والسكن: العيال أهل البيت، وسكنى المرأة: المسكن الذى يسكنها الزوج اياه، ويقال: دارى هذه سكنى اذا أعاره مسكنا يسكنه.
وقد ذكر صاحب القاموس لهذه المادة معانى كثيرة يربط بينها الاستعمال على طريق المجاز، يقال سكن يسكن سكونا اذا أقر.
التعريف الشرعى:
لا يكاد يخرج التعريف الشرعى للاسكان عند الفقهاء عن الاستعمال اللغوى، فقد قال صاحب بدائع الصنائع: السكنى: (٣) هى الكون فى المكان على طريق الاستقرار، ولا يكون السكون على هذا الوجه الا بما يسكن به عادة من أهل ومتاع يتأثث به ويستعمله فى منزله.
وفى البجرمى للشافعية: السكنى مشتقة من السكون، وأريد به الحلول
стр. 2773
لا ضد الحركة كما فى الروضة، ومثل ذلك عند بقية المذاهب.
سكنى الزوجة
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر (١) الرائق: أنه يجب السكنى للزوجة على الزوج فى بيت خال عن أهله وأهلها، لأن السكنى من كفايتها، وقد أوجبها الله تعالى بقوله ﴿(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ)﴾ (٢) أى من طاقتكم أى مما تطيقونه سواء كان ملكا أو اجارة أو اعارة اجماعا، واذا وجبت السكنى حقا للزوجة فليس له أن يشرك معها غيرها فى المسكن اذا لم توافق عليه، لأنها تتضرر به فانها - من جهة - لا تأمن على متاعها، ثم ان ذلك من جهة أخرى يمنعها من المعاشرة مع زوجها ومن الاستمتاع، أما ان رضيت به فانه يجوز، لأنها رضيت بانتقاص حقها - ودخل فى الاهل: الولد من غيرها اذا كان كبيرا، أما ان كان صغيرا لا يفهم الجماع فله اسكانه معها، وخرج عن الأهل أمة الرجل وأم ولده، فليس للمرأة الامتناع من اسكانهما معها على المختار، لأنه يحتاج الى استخدام فلا يستغنى عنهما.
ونقل ابن عابدين عن الذخيرة أنه مشكل على المعنيين جميعا، أما على الأول فلأنها لا تأمن على متاعها، وأما على المعنى الثانى فلأنه تكره المجامعة بين يدى أمة الرجل، هذا هو قول محمد آخرا، وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف.
ونقل صاحب البحر عن الهداية أنه لو أسكنها فى بيت من الدار مفرد وله غلق كفاها، لأن المقصود حصل، ثم عقب على ذلك فقال: وقد اقتصر على الغلق فأفاد أنه يكفيها ولو كان الخلاء مشتركا بعد أن يكون له غلق يخصه، وليس لها أن تطالبه بمسكن آخر، وبه قال الامام، لأن الضرر بالخوف على المتاع وعدم التمكن من الاستمتاع قد زال.
ثم قال: ولا بد من كون المراد كون الخلاء مشتركا بينهم وبين غير الأجانب.
والذى فى شرح المختار: ولو كان فى الدار بيوت وأبت أن تسكن مع ضرتها أو مع أحد من أهله ان أخلى لها بيتا وجعل له مرافق وغلقا على حدة ليس لها أن تطلب بيتا، وكذا فى فتح القدير وهو يفيد أنه لا بد للبيت من بيت الخلاء ومن مطبخ بخلاف ما فى الهداية، وينبغى الافتاء بما فى شرح المختار.
ونقل ابن عابدين عن الذخيرة، أنه اذا كان للرجل والدة وأخت أو ولد
стр. 2774
من غيرها أو ذو رحم من الزوجة فقالت أنا لا أنزل مع أحد منهم، فان كان فى الدار بيوت فأعطاها بيتا يغلق عليه ويفتح لم يكن لها المطالبة بمنزل آخر والا فلها المطالبة بمنزل آخر لأنها تخاف على أمتعتها ولأنها تكره المجامعة ومعها فى البيت غيرهما.
وذكر الخصاف أنه ان كانت له امرأتان فأسكنهما فى بيت واحد فطلبت احداهما بيتا على حدة فلها ذلك، لأن فى اجتماعهما فى بيت واحد ضررا بهما والزوج مأمور بازالة الضرر عن المرأة، هكذا حكى عن الشيخ أبى بكر محمد ابن الفضل.
وجاء فى البحر الرائق (١): أن للزوج أن يسكن زوجته حيث أحب، ولكن على أن يكون بين جيران صالحين.
ولو قالت الزوجة للقاضى: انه يضربنى ويؤذينى فمره أن يسكننى بين قوم صالحين، فان علم القاضى ذلك زجره ومنعه عن التعدى فى حقها، والا يسأل الجيران عن صنيعه فان صدقوها منعه عن التعدى، وان لم يكن فى جوارها من يوثق به أو كانوا يميلون الى الزوج أمره باسكانها بين قوم صالحين.
ثم قال صاحب البحر وقد علم من كلامهم أن البيت الذى ليس له جيران ليس بمسكن شرعى.
ثم قال: واعلم أن المسكن لا بد من أن يكون بقدر حالهما، فليس مسكن الاغنياء كمسكن الفقراء.
ونقل صاحب البحر عن البزازية: أن الرجل لو تزوج امرأة وبنى بها فى منزل كانت فيه بأجر ومضى عليه سنة فطالب المؤجر المرأة بالأجر فقالت لزوجها: أخبرتك أن المنزل بالكراء فعليك الأجر فلا يلتفت الى مقالتها، والأجر عليها لا على الزوج، لأنها العاقدة، قال صاحب البحر: ومفهومه أنها لو سكنت بغير اجارة فى وقف أو مال يتيم أو ما كان معدا للاستغلال فالأجرة عليه.
وفى البزازية أجرت دارها من زوجها وهما يسكنان فيه لا أجر عليه، وعلق ابن عابدين على ذلك فى الحاشية بقوله أقول: هذا خلاف المفتى به كما ذكره فى اجارات الدر المختار عن الخانية.
ونقل صاحب البحر (٢) عن الذخيرة أن على الزوج مؤنة سكنى الزوجة فان لم يكن له منزل مملوك وجب عليه أن
стр. 2775
يكترى منزلا لها ويكون الكراء عليه فان كان معسرا تؤمر المرأة أن تستدين الكراء ثم ترجع على الزوج اذا أيسر، هذا اذا كان الزوج حاضرا أما ان كان الزوج غائبا فان على القاضى أن يفرض لزوجه السكنى من ماله بشرطين.
أولهما: أن يكون من عنده المال للزوج الغائب مقرا به.
والشرط الثانى: أن يكون الزوج مقرا بالزوجية، لأنه لما أقر بها فقد أقر بأن حق الأخذ لها لأن لها أن تأخذ من مال الزوج حقها من غير رضاه واقرار صاحب اليد مقبول فى حق نفسه لا سيما (١) هنا.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والاكليل للمواق (٢)، نقلا عن المدونة أن وجوب الاسكان على الزوج لزوجته كالنفقة، وأن حال السكنى قدرا وصفة ومكانا تكون باعتبار حال الزوجين.
وجاء فى حاشية الدسوقى على الشرح (٣) الكبير: أنه اذا كان للزوج زوجتان أو أكثر جاز له أن يجمعهما أو يجمعهن فى منزلين مستقلين من دار واحدة أو منازل كذلك مادام ذلك برضاهن أو برضاهما، وقد اعترض الشيخ أحمد بابا على ما ذكره المصنف بأنه لا نص فى كلامهم يوافقه بل نصوص المذهب تدل على أن له جبرهن على ذلك حيث كان كل منزل مستقلا بمنافعه والجواز بالرضا انما هو حيث لم يكن كل منزل مستقلا بأن كان للمنزلين مرحاض واحد ومطبخ واحد، أما اذا أراد اسكانهما أو اسكانهن فى منزل واحد فقد ذكر فى التوضيح أنه لا يجوز ان رضيتا، واعترضه الشيخ أحمد بابا أيضا بأن النصوص تدل على جواز سكناهما بمنزل واحد ان رضيتا ولا يقال جمعهما فى منزل واحد يستلزم وط ء احداهما بحضرة الأخرى، لأنه يمكن أن يطأها فى غيبة الأخرى.
قال البنانى: وقد بحثت كثيرا عن النصوص فلم أجد ما يشهد للمصنف غير أنه تبع ابن عبد السّلام وقد ذكر شيخنا العدوى أنها لا تجاب بعد رضاها بسكناها مع ضرتها أو مع أهله فى دار لسكناها وحدها.
وذكر الحطاب (٤): ان ابن فرحون قال: ان من حقها ألا تسكن مع ضرتها ولا مع أهل زوجها ولا مع
стр. 2776
أولاده فى دار واحدة فان أفرد لها بيتا فى الدار ورضيت فذلك جائز والا قضى عليه بمسكن يصلح لها
وفى التاج (١) والاكليل: وللزوجة الامتناع من أن تسكن مع أقاربه الا الوضيعة.
قال ابن سلمون: من تزوج امرأة وأسكنها مع أبيه وأمه وأهله فشكت الضرر لم يكن له أن يسكنها معهم، وان احتج بأن أباه أعمى نظر فى ذلك فان رأى ضررا منع.
وقال فى الشرح الكبير على الدسوقى (٢) ولها الامتناع من أن تسكن مع أقاربه كأبويه فى دار واحدة لما فيه من الضرر عليهم باطلاعهم على حالها، إلا الوضيعة فليس لها الامتناع من السكني معهم، وكذا الشريفة إن اشترطوا عليها سكناها معهم، ومحل ذلك فيهما ما لم يطلعوا على عوراتها.
وعلق الدسوقى فى حاشيته على ذلك فى قوله الا الوضيعة أى ذات الصداق القليل وكذا الشريفة اذا اشترط عليها سكناها معهم، أى فليس لواحدة منهما الامتناع، وقوله ما لم يطلعوا الخ أى والا كان لكل منهما الامتناع، ومثل الاطلاع المذكور ثبوت الضرر بغيره، وأما غيرهما فلا يلزمها السكنى مع أهله وان لم يثبت ضرر.
وليس للزوج أن يسكن أولاده من امرأة أخرى مع زوجته فى مسكن واحد يجمعهم الا أن ترضى بذلك، سمعه ابن القاسم، كولد صغير لأحدهما ان كان له حاضن الا أن يبنى وهو معه.
قال ابن زرب: اذا كان لأحد الزوجين ابن صغير لم يكن له حاضن أجبر من أبى منهما على البقاء معه، فان أراد اخراجه بعد ذلك لم يكن ذلك لواحد منهما لدخوله عليه.
واختصره ابن عرفة بما نصه ابن زرب من تزوج امرأة وله ولد صغير من غيرها فأراد امساكه بعد البناء وأبت ذلك ان كان له من يدفعه اليه من أهله ليحضنه له ويكفله أجبر على اخراجه والا أجبرت على بقائه، ولو بنى بها والصبى معها ثم أرادت اخراجه لم يكن لها ذلك وكذلك الزوجة ان كان لها ولد صغير مع الزوج حرف بحرف.
وقال ابن عبد السّلام أما الجمع بينهن فى دار واحدة ويكون لكل واحدة منهن بيت فذلك من حقهن فان رضين به جاز وان أبين منه أو كرهته واحدة لم يمكن منه وهكذا ينبغى ان سكنتا معا باختيارهما أن يكون القول قول من أرادت الخروج منهما وأما الجمع بينهما فى بيت واحد فلا ينبغى ذلك ولو رضيت به.
стр. 2777
قال ابن عرفة وليس عليه ابعاد الدار بينهن.
ثم ذكر فى التاج والاكليل (١): أن المتيطى قال ولا يجمع بينهن فى منزل واحد الا برضاهن.
وقال ابن رشد: ويقضى عليه أن يسكن كل واحدة بيتا ويقضى عليه أن يدور عليهن فى بيوتهن ولا يأتينه الا أن يرضين.
وقال ابن عرفة (٢) أن شقاق الزوجين ان ثبت فيه ظلم أحدهما الآخر حكم القاضى بدرء ظلم الظالم منهما وأسكنها بين قوم صالحين ان لم تكن بينهم.
قال المتيطى اذا اشتكت المرأة اضرار زوجها بها ورفعت الى الحاكم امرها وتكررت بالشكوى وعجزت عن اثبات الدعوى فان الحاكم يأمر زوجها باسكانها بين قوم صالحين ويكلفهم تفقد خبرهما واستعلام ضررهما فان كانت ساكنة معه فى مثل هؤلاء القوم لم يلزمه نقلها الى غيرهم.
وجاء فى حاشية الدسوقى (٣) على الشرح الكبير: أنه ان ثبت تعدى كل من الزوجين على صاحبه وعظهما ثم ضربهما باجتهاده فان لم يثبت فالوعظ فقط واسكنها بين قوم صالحين، وهم من تقبل شهادتهم ان لم تكن بينهم، هذا فيما اذا ادعت الضرر وتكررت شكواها وعجزت عن اثبات دعواها وفيما اذا ادعى كل منهما الضرر وتكرر منهما الشكوى وعجزا عن اثباته فمحل تسكينها بينهم انما هو عند الاشكال، وان استمر الاشكال بعد تسكينها بين قوم صالحين، أو كانت بينهم ابتداء، أو لم يمكن السكنى بينهم بعث الحاكم أو من يقوم مقامه حكمين من أهلهما، وان لم يدخل الزوج بها فقد يكونان فى بيت واحد أو جارين فيتنازعان على أن يكون أحد الحكمين من أهله والآخر من أهلها ان أمكن.
وجاء فى حاشية الدسوقى (٤): أنه تصح هبة زوجة دار سكناها لزوجها أو لبنيه ولو استمرت ساكنة فيها حتى ماتت اذا أشهدت ولو شرطت عليه أن ألا يخرجها منها وأن لا يبيعها فقال ابن رشد فى نوازل أصبغ من العتبية لا يجوز ذلك ولا يكون سكناه معها فيها حيازة له لا العكس وهو هبة الزوج لزوجته دار سكناه فلا يصح اذا استمر ساكنا فيها معها حتى مات، وهذا اذا كانت الهبة مجردة عن شائبة المعاوضة، وأما لو التزم الزوج لزوجته النصرانية ان أسلمت فالدار الساكن فيها معها تكون لها فأسلمت
стр. 2778
فهى لها ولو مات قبل الحوز، لأن ذلك معاوضة قاله ابن حبيب عن ابن الماجشون وعيسى عن ابن القاسم وابن أبى حازم فى المدونة ورجحه ابن رشد وابن الحاج.
وجاء فى حاشية (١) الدسوقى: أنه ان تزوج رجل امرأة رشيدة ذات بيت وان ملكت منفعته بكراء لازم وجيبة أو مشاهرة ونقدت جملة فلا كراء على الزوج لها لأن النكاح مبنى على المكارمة الا أن تبين ولو بعد العقد والعبرة بوقت البيان فيكون لها الكراء من ذلك الوقت لا ما تقدمه.
وبيت أمها أو أبيها كبيتها فلا يلزمه كراؤه الا اذا حصل بيان فيلزمه من وقت البيان لا ما قبله، والمراد ببيت أبيها وأمها ما يملكان ذاته أو منفعته وجيبة أو مشاهرة ونقدا جملة وكذا يقال فيما بعد.
وأما سكنى الزوج بالزوجة فى بيت أخيها أو عمها فقال اللخمى أرى أن طالت المدة فلا شئ لهما عليه وان قصرت حلفا أنهما لم يسكناه الا بأجرة وأخذاها منه.
وسكناه بها فى بيت أبويه كسكناه بها فى بيت أبوى الزوجة.
وأما سكناه بها فى بيت أخيه أو عمه فينبغى أن يكون لهما عليه الأجرة اذا قالا انما أسكناه بالأجرة طالت المدة أو قصرت بخلاف ما سبق فى أخيها وعمها، لأن العادة ضمها لهما عند الخوف عليها حفظا لعرضها، ولم تجر العادة بضمها لأخيه وعمه عند الخوف عليها.
واشتراط الزوج حين العقد سكناه ببيتها بلا كراء لا يوجب فساد العقد كما هو ظاهر اطلاقهم هنا، قاله عبد الباقى.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٢): أنه يجب للزوجة على الزوج مسكن تأمن فيه لو خرج عنها على نفسها، فلو لم تأمن أبدل لها المسكن بما تأمن على نفسها فيه ومالها وان قل للحاجة بل الضرورة اليه وكالمعتدة بل أولى يليق بها عادة لعدم ملكها ابداله اذ هو امتاع.
ولو سكن معها فى منزلها باذنها أو لامتناعها من النقلة معه أو فى منزل نحو أبيها باذنه أو منعه من النقلة لم يلزمه أجرة، اذ الاذن العارى عن ذكر عوض منزل على الاعارة والاباحة بخلافه مع السكوت، أى بخلاف ما لو سكن معها
стр. 2779
مع سكوتها ان كان المسكن لها، وسكوت أبيها ان كان المسكن له فتلزم الأجرة فيما ذكر، لكن هذا لم يتقدم فيما نقله قبيل الاستبراء، وانما تقدم أنه اذا سكن بالاذن لا أجرة عليه، ولا يشترط أن يكون هذا المنزل ملك الزوج لحصول المقصود بغيره كمعار ومستأجر ولا يثبت فى الذمة أى لا يثبت بدل المسكن وهو الأجرة اذا لم يسكنها مدة لأنه امتاع.
وجاء فى موضع آخر (١): ويجب فى المسكن امتاع لأنه لمجرد الانتفاع فأشبه الخادم المعلوم مما قدمه أنه كذلك.
وذكر ابن الصلاح أن له نقل زوجته من حضر لبادية وان خشن عيشها لأن نفقتها مقدرة أى لا تزيد ولا تنقص وأما خشونة عيش البادية فهى بسبيل الخروج عنها بالابدال.
قال: وليس له سد طاق مسكنها عليها وله اغلاق الباب عليها عند خوف لحوق ضرر له من فتحه وليس له منعها من نحو غزل وخياطة فى منزله وما ذكره آخرا يتعين حمله على غير زمن الاستمتاع الذى يريده أو على ما اذا لم يتعذر به، وفى سد الطاقات محمول على طاقات لا ريبة فى فتحها والا فله السد بل يجب عليه كما افتى به الوالد ﵀ أخذا من افتاء ابن عبد السّلام بوجوبه فى طلقات ترى الاجانب منها أى وعلم منها تعمد رؤيتهم.
وذكر صاحب المهذب (٢): أنه لا يصح أن يجمع بين امرأتين فى مسكن الا برضاهما، لأن ذلك ليس من العشرة بالمعروف، ولأنه يؤدى الى الخصومة، ولا يطأ احداهما بحضرة الأخرى، لأنه دناءة وسوء عشرة، ولا يستمتع بها الا بالمعروف، فان كانت نضو الخلق ولم تحتمل الوط ء لم يجز وطؤها لما فيه من الاضرار.
وعماد القسم الليل لقوله «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ ٣ لِباساً» قيل فى التفسير الايواء الى المساكن، ولأن النهار للمعيشة والليل للسكون، ولهذا قال الله تعالى «أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا ٤ فِيهِ» فان كانت معيشته بالليل فعماد قسمه النهار، لأن نهاره كليل غيره، والأولى أن يقسم ليلة ليلة اقتداء برسول الله ﷺ ولأن ذلك أقرب الى التسوية فى ايفاء الحقوق.
وفى نهاية المحتاج: وينفسخ النكاح بعجزه عن المسكن كما ينفسخ بعجزه عن النفقة فى الأصح، لتعذر الصبر على دوام فقده وامكان المسكن بنحو مسجد
стр. 2780
كامكان تحصيل القوت بالسؤال فلا يصح شئ من هذا (١).
وجاء فى كفاية الأخيار (٢): أنه اذا أعسر الزوج بالمسكن كان كما لو أعسر بالنفقة ان قدم لها مسكن المعسر فلا فسخ.
وفى نهاية المحتاج: وتستحق القسم مريضة ما لم يسافر بهن وتتخلف بسبب المرض فلا قسم لها، وان استحقت النفقة كما نقله البلقينى عن الماوردى وأقره، ورتقاء وقرناء ومجنونة يؤمن منها ومراهقة وحائض ونفساء ومحرمة ومول أو مظاهر منها وكل ذات عذر شرعى أو طبعى، لأن المقصود الأنس لا الوط ء وكما تستحق كل النفقة لا ناشزة أى خارجة عن طاعته بأن تخرج بغير اذنه أو تمنعه من التمتع بها أو تغلق الباب فى وجهه ولو مجنونة أو تدعى الطلاق كذبا، أو معتدة عن وط ء شبهة، وصغيرة لا تطيق الوط ء، ومغصوبة، ومحبوسة وأمة لم يتم تسليمها، ومسافرة باذنه وحدها لحاجتها كما لا نفقة لهن.
ومن امتنعت من النساء يسقط حقها ان ضلح محله لسكنى مثلها فيما يظهر، فان لم ينفرد بمسكن وأراد القسم دار عليهن فى بيوتهن توفية لحقهن، وأن انفرد بمسكن فالأفضل المضى اليهن صونا لهن وله دعاؤهن بمسكنه وعليهن الاجابة، لأن ذلك حقه، فمن امتنعت أى وقد لاق مسكنه بها فيما يظهر فهى ناشزة الا ذات خفر لم تعتد البروز فيذهب لها كما قاله الماوردى واستحسنه الأذرعى وغيره وان استغربه الرويانى والا نحو معذورة بمرض فيذهب أو يرسل مركبا ان أطاقت مع ما يقيها من نحو مطر، والاصح تحريم ذهابه الى بعض ودعاء بعض الى مسكنه لما فيه من الايحاش، ولما فى تفضيل بعضهن على بعض. من ترك العدل والثانى لا، كما له المسافرة ببعض دون بعض الا لغرض كقرب مسكن من مضى اليها أو خوف عليها لنحو شباب دون غيرها فلا يحرم لانتفاء الايحاش حينئذ، فمن امتنعت فناشزة.
قال الأذرعى لو كان الغرض ذهابه للبعيدة للخوف عليها ودعاؤه للقريبة للأمن عليها اعتبر عكس ما فى كلام المصنف.
والضابط ألا يظهر منه التفضيل والتخصيص، وقوله أو خوف عليها عطف على قرب.
ويحرم أن يقيم بمسكن واحدة سواء ملكها أو ملكه أو غيرهما ولو لم تكن هى فيه حال دعائهن فيما يظهر ويدعوهن أى الباقيات اليه بغير رضاهن فان أجبن فلها المنع، وحينئذ يصح عود
стр. 2781
قوله الا برضاهما لهذه أيضا بأن يجعلن قسما وهى قسم آخر، وان يجمع ضرتين أو زوجة وسرية فى مسكن متحد المرافق أو بعضها كخيمة فى حضر ولو ليلة أو دونها لما بينهما من التباغض الا برضاهما، لأن الحق لهما، ولهما الرجوع نعم لا يعتبر رضا السرية بل المعتبر رضا الزوجة فقط (١).
قال فى مغنى المحتاج (٢): لأن السرية لا يعتبر رضاها لأن له جمع امائه بمسكن وهى أمة، ولو اشتملت دار على حجرات مفردة المرافق جاز اسكان الضرات فيها من غير رضاهن والعلو والسفل ان تميزت المرافق مسكنان.
وللحرة (٣) الرجوع هنا أيضا أما خيمة السفر فله جمعهما فيها لعسر أفراد كل بخيمة مع عدم دوام الاقامة، ويؤخذ منه عدم جمعهما فى محل واحد من سفينة ما لم يتعذر أفراد كل بمحل لصغرها مثلا، أما اذا تعدد المسكن وانفرد كل بجميع مرافقه نحو مطبخ وحش وسطح ورحبته وبئر ماء ولاق بها فلا امتناع لهما وان كانا من دار واحدة كعلو وسفل وان اتحدا غلقا ودهليزا فيما يظهر، اذ الغرض عدم اشتراكهما فيما يؤدى الى التخاصم ونحو الدهليز الخارج عن المسكنين لا يؤدى اتحاده اليه كاتحاد الممر من أول باب الى باب كل منهما.
والأوجه أن اتحاد الرحا فى بلد اعتيد فيه أفراد كل مسكن برحا كاتحاد بعض المرافق، لأن الاشتراك فيها يؤدى الى التخاصم كما هو ظاهر.
ويكره وط ء واحدة مع علم الأخرى، ولا تلزمها الاجابة، لأن الحياء والمروءة يأبيان ذلك، ومن ثم صوب الأذرعى التحريم، ويمكن حمله على ما اذا أدى الى رؤية عورة محرمة أو قصد به الاضرار، والأول على خلافه.
وله أن يرتب القسم على ليلة وأولها مختلف باختلاف أهل الحرف فيعتبر فى حق أهل كل حرفة عادتهم الغالبة كما قاله ابن الرفعة وآخرها الفجر خلافا للسرخسى حيث حدها بغروب الشمس وطلوعها ويوم قبلها أو بعدها، لأن المقصود حاصل بكل، لكن تقديم الليل أولى للخروج من خلاف من عينه، لأنه الذى عليه التواريخ الشرعية والأصل لمن عمله بالنهار الليل، لأن الله جعله سكنا والنهار تبع، لأنه وقت التردد، فان عمل ليلا وسكن نهارا كحارس وأتونى - بفتح أوله وضم الفوقية مع تشديدها وقد تخفف - وهو وقاد الحمام أو غيره نسبة الى الأتون، وهو أخدود الخباز والجصاص ذكره فى القاموس فعكسه كعكسه
стр. 2782
ما ذكر، فان كان يعمل تارة ليلا وتارة نهارا لم يجزه نهاره عن ليله ولا عكسه، أى والأصل فى حقه وقت السكون لتفاوت الغرض، ولو كان يعمل بعض الليل وبعض النهار، فالأوجه أن محل السكون، هو الاصل، والعمل هو التبع، وأنه لا يجزى أحدهما عن الأخر، وأنه لو كان عمله فى بيته كخياطة وكتابة فظاهر تمثيلهم بالحارس والأتونى عدم الاعتبار بهذا العمل، فيكون الليل فى حقه هو الأصل، اذ القصد الأنس وهو حاصل.
أما المسافر فعماده وقت نزوله ما لم تكن خلوته فى سيره فهو العماد كما بحثه الأذرعى.
وعماده فى المجنون وقت افاقته أى وقت كان، وليس للأول وهو من عماده الليل، ويقاس به فى جميع ما يأتى من عماده النهار، أو وقت النزول، أو السكون، أو الافاقة دخول فى نوبة على أخرى ليلا ولو لحاجة الا لضرورة كمرضها المخوف ولو ظنا، وان طالت مدته وان نظر فيه الأذرعى، أو احتمالا كما نقلاه عن الغزالى، ليعرف الحال.
ومما يدفع تنظيره قول التهذيب وغيره:
لو مرضت أو ولدت ولا متعهد لها قال الرافعى: أولها (١) متعهد كمحرم اذ لا يلزمه اسكانه فله أن يديم البيتوتة عندها ويقضى.
وقياسه ان مسكن أحداهن لو اختص بخوف ولم تأمن على نفسها الا به جاز له البيتوتة عندها مادام الخوف موجودا ويلزمه القضاء نعم ان سهل نقلها لمنزل لا خوف فيه لم يبعد تعيينه عليه وحينئذ أى حين اذ دخل لضرورة كما هو صريح السياق. ان طال مكثه قضى والا فلا
وللزوج الدخول نهارا لحاجة، لأنه يتسامح فيه ما لا يتسامح فى الليل فيدخل لوضع أو أخذ متاع ونحوه، كتسليم نفقة وتعرف خبر، لأنه ﷺ كان يطوف على نسائه جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ الى التى جاءت نوبتها فيبيت عندها، وينبغى ألا يطول مكثه على قدر الحاجة، أى يجوز له تطويل المكث، لكنه خلاف الأولى.
ثم قال (٢): والكتابية المنكوحة الاسرائيلية وغيرها كمسلمة منكوحة فى نفقة وكسوة وسكن وقسم وطلاق وغيرها، ما عدا نحو التوارث والحد بقذفها، لاشتراكهما فى الزوجية المقتضية لذلك.
ثم قال فى نهاية المحتاج (٣): واذا زوج السيد أمته غير المكاتبة كتابة صحيحة سواء كانت محرمه وغيرها استخدمها بنفسه أو نائبه، أما هو فلأنه يحل له نظر ما عدا ما بين السرة والركبة والخلوة بها، وأما نائبه
стр. 2783
الأجنبى فلأنه لا يلزم من الاستخدام نظر ولا خلوة نهارا أو آجرها ان شاء لبقاء ملكه، وهو لم ينقل للزوج الا منفعة الاستمتاع خاصة وسلمها للزوج ليلا، لأنه يملك منفعتى استخدامها والتمتع بها، وقد نقل الثانية للزوج فتبقى له الأخرى يستوفيها فى النهار دون الليل، لأنه محل الاستراحة والاستمتاع، أما المكاتبة فليس له استخدامها، لأنها مالكة لأمرها.
قال الأذرعى وغيره والقياس فى المبعضة أنه ان كان ثم مهايأة فهى فى نوبتها كالحرة، وفى نوبة سيدها كالقنة، والا فكالقنة، ومراده بالليل وقت فراغها من الخدمة عادة.
فقول الشافعى فى البويطى: أن وقت أخذها مضى ثلث الليل تقريب وان كانت محترفة، ولا نفقة ولا كسوة على الزوج حينئذ، أى حين استخدامها فى الأصح، لانتفاء التسليم والتمكين التام.
والثانى تجب، لوجود التسليم الواجب.
والثالث يجب شطرها توزيعا لها على الزمان، فلو سلمها ليلا ونهارا وجبت قطعا.
ولو أخلى السيد فى داره أو فى محل غيره بيتا وقال للزوج تخلو بها فيه لم يلزمه ذلك فى الأصح، لأن الحياء والمروءة يمنعانه من دخول ذلك، لو فعل ذلك فلا نفقة.
أما لو عين السيد بيتا بجواره مستقلا وجب على الزوج السكنى فيه، لانتفاء ما علل به من أن المروءة والحياة … الخ سيما عليه.
اذا كان الزوج اذا بعد بها سكن بالأجرة، وكان المحل الذى عينه السيد مما جرت العادة بايجاره أيضا، وطلب منه أن يسكن فيه ويدفع الأجرة لصاحبه على العادة ولعله غير مراد.
والثانى وهو ما يقابل الأصح - يلزمه لتدوم يد السيد على ملكه مع تمكن الزوج من الوصول الى حقه، وعلى هذا تلزمه النفقة، نعم لو كان زوجها ولد سيدها وكان لأبيه ولاية اسكانه لسفه أو مرودة وخيف عليه من انفراده فيشبه أن للسيد ذلك لانتفاء المعنى المعلل به فى حق ولده مع ضميمة عدم الاستقلال، ولو قال لا أسلمها للزوج الا نهارا لم يلزمه اجابته.
وبحث الأذرعى لزومها اذا كان الزوج ممن لا يأوى الى أهله ليلا كالحارس اذ نهاره كليل غيره فامتناعه عناد، فلو قال السيد أسلمها ليلا على عادة الناس الغالبة وطلب زوجها ذلك نهارا لراحته فيه فالظاهر كما قاله الجلال البلقينى. اجابة الزوج.
وجاء فى المهذب (١): أن للزوج أن يمنع الزوجة من الخروج الى المساجد وغيرها، لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: رأيت امرأة أتت النبى ﷺ وقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته، قال: حقه عليها ألا تخرج من بيتها الا باذنه، فان فعلت لعنها الله وملائكة الرحمة وملائكة الغضب حتى تتوب
стр. 2784
أو ترجع، قالت: يا رسول الله وان كان لها ظالما، قال: وان كان لها ظالما، ولأن حق الزوج واجب فلا يجوز تركه بما ليس بواجب.
ويكره منعها من عيادة أبيها اذا أثقل وحضور مواراته اذا مات، لأن منعها من ذلك يؤدى الى النفور ويغريها بالعقوق.
وجاء فى نهاية المحتاج (١) وهامشه: أنها لو خرجت لا على وجه النشوز فى غيبته عن البلد بلا اذنه لزيارة لقريب لا أجنبى أو أجنبية فيما يظهر أى حيث كان هناك ريبة أو لم يدل العرف على رضاه بذلك والا فلها الخروج وكذا عيادة لمن ذكر بشرط عدم ريبة فى ذلك بوجه كما هو ظاهر لم تسقط مؤنها بذلك الخروج لأنه لا يعد فى العرف نشوزا.
وجاء فى مغنى المحتاج (٢): أنه يحق للزوج أن يمنع زوجته من عيادة أبويها ومن شهود جنازتهما وجنازة ولدها، والأولى خلافه، أما ان منعها حقا لها كقسم ونفقة ألزمه القاضى توفيته اذا طلبته لعجزها عنه بخلاف نشوزها فان له أن يجبرها على ايفاء حقه لقدرته، فان لم يكن الزوج مكلفا أو كان محجورا عليه الزم وليه توفيته بشرطه، فان ساء (٣) خلقه واذاها بضرب أو غيره بلا سبب نهاه عن ذلك ولا يعزره، فان عاد اليه وطلبت تعزيره من القاضى عزره بما يليق به لتعديه عليها، وانما لم يعزره فى المرة الأولى وان كان القياس جوازه اذا طلبته قال السبكى ولعل ذلك لأن اساءة الخلق تكثر بين الزوجين والتعزير عليها يورث وحشة بينهما فيقتصر أولا على النهى لعل الحال يلتئم بينهما، فان عاد عزره وأسكنه بجنب ثقة يمنع الزوج من التعدى عليها.
وهل يحال بين الزوجين؟ قال الغزالى:
يحال بينهما حتى يعود الى العدل، ولا يعتمد قوله فى العدل، وانما يعتمد قولها وشهادة القرائن.
وفصل الامام فقال: ان ظن الحاكم تعديه ولم يثبت عنده لم يحل بينهما، وان تحققه أو ثبت عنده وخاف أن يضربها ضربا مبرحا لكونه جسورا حال بينهما حتى يظن أنه عدل اذ لو لم يحل بينهما واقتصر على التعزير لربما بلغ منها مبلغا لا يستدرك، وهذا ظاهر، فمن لم يذكر الحيلولة أراد الحال الأول، ومن ذكرها كالغزالى والحاوى الصغير والمصنف فى تنقيحه أراد الثانى.
والظاهر كما قال شيخنا أن الحيلولة بعد التعزير والاسكان وان كان لا يتعدى
стр. 2785
عليها، لكنه يكره صحبتها لكبر أو مرض أو نحوه ويعرض عنها فلا شئ عليه.
ويسن لها أن تستعطفه بما يحب كأن تسترضيه بترك بعض حقها كما تركت سودة نوبتها لعائشة رضى الله عنها، فكان رسول الله ﷺ يقسم لها يومها ويوم سودة، كما أنه يسن اذا كرهت صحبته لما ذكر أن يستعطفها بما تحب من زيادة نفقة ونحوها.
وان قال كل من الزوجين: ان صاحبه يتعدى عليه (١)، وأشكل الأمر بينهما تعرف القاضى الحال الواقع بينهما بثقة واحد بخبرهما، ويكون الثقة جارا لهما فان لم يتيسر أسكنهما فى جنب ثقة يتعرف حالهما ثم ينهى اليه ما يعرفه واكتفى هنا بثقة واحد تنزيلا لذلك منزلة الرواية لما فى اقامة البينة عليه من العسر.
وظاهر هذا أنه لا يشترط فى الثقة ان يكون عدل شهادة بل يكفى عدل الرواية ولهذا قال الزركشى والظاهر من كلامهم اعتبار من تسكن النفس بخبره لأنه من باب الخبر لا الشهادة واذا تبين له حالهما منع الظالم منهما من عوده لظلمه وطريقه فى الزوج ما سلف وفى الزوجة بالزجر والتأديب كغيرها فان اشتد الشقاق بعث القاضى حكما من أهله وحكما من أهلها لينظر فى أمرها بعد اختلاء حكمه به وحكمها بها ومعرفة ما عندهما فى ذلك ولا يخفى حكم عن حكم شيئا اذا اجتمعا ويصلحا بينهما أو يفرقا بطلقة ان عسر الاصلاح على ما يأتى لقول الله تعالى «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ .. الآية» (٢) «والخطاب فيها للحكام وقيل للأولياء والبعث واجب كما صححه فى زيادة الروضة وجزم به الماوردى وان صحح فى المهمات الاستحباب لنقل البحر له عن نص الشافعى.
وقال الأذرعى بل ظاهر نص الأم الوجوب وأما كونهما من أهلهما فمستحب غير مستحق اجماعا كما فى النهاية لأن القرابة لا تشترط فى الحاكم ولا فى الوكيل.
وجاء فى الفتاوى الكبرى أنه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها بغير اذن للضرورة كخوف هدم وعدو وحريق وغرق وللحاجة (٣) للتكسب
стр. 2786
بالنفقة اذا لم يكفها الزوج، وللحاجة الشرعية كالاستفتاء ونحوه، الا أن يفتيها الزوج أو يسأل لها، لا لعيادة مريض وان كان أباها، ولا لموته وشهود جنازته، قاله الحموى فى شرح التنبيه، واستدل له بأن امرأة استأذنت رسول الله ﷺ فى عيادة أبيها وكان زوجها غائبا فقال رسول الله ﷺ :
اتقى الله ، وأطيعى زوجك، فلم تخرج، وجاء جبريل فأخبر النبى ﷺ أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها.
وجاء فى الفتاوى (١) الكبرى: أن المرأة المزوجة اذا لم يسكنها الزوج فى بيته بل كانت ساكنة هى وهو فى بيتها أو فى بيت أبيها أو فى بيت أحدهما فان للأصحاب فى ذلك عبارتين.
احداهما: يلزمها أن تلازم بيت الزوج.
والثانية يلزمها أن تلازم بيت سكنها.
وبهذه الثانية يتبين أن من عبر ببيت الزوج أو منزله انما يريد ماله عليه ولاية الاسكان لكونه مالكه أو مستأجره أو مستعيره أو نحو ذلك.
ومما يصرح بذلك قولهم لو كان المنزل لغير الزوج، فأزعجت منه لم يكن ذلك نشوزا فتأمل قولهم لغير الزوج.
واشتراطهم فى عدم سقوط نفقتها بالخروج منه أن تزعج منه، بأن يخرجها منه مالكه، بدليل تعبير آخرين بأن من الأعذار ازعاج المالك، فعلم أنه لا يشترط كونه ملك الزوج وأنها اذا خرجت من سكنها المملوك لغير الزوج فاذا كان ذلك لاخراج مالكه لها منه لم تسقط نفقتها والا سقطت ووقع فى قوت الأذرعى ان من الأعذار أن يكون لغيره فتخرج منه ومراده بدليل عبارة الباقين خروجها منه لاخراج مالكه ونحوه وأما خروجها منه لغير ذلك ونحوه فنشوز بدليل قول الأذرعى نفسه بعد تلك الصورة وصور أخر وغير ذلك مما يعد الخروج به عذرا فبان بهذا أن قوله أو يكون لغيره فتخرج منه محمول على ما اذا عذرت بالخروج منه وبحث فيه أنها لو جرت على مقتضى العرف المعتاد فى حقها وحق أمثالها بالخروج فى حوائجها لتعود عن قرب أو لحمام ونحوه فليس بنشوز للعرف فى رضا أمثاله به.
وفيما بحثه نظر ظاهر.
أما أولا فلأنه منابذ لاطلاقهم سقوط النفقة بالخروج بلا اذنه بأنها فى قبضته وبأن له عليها حق الحبس فى مقابلة وجوب النفقة.
وأما ثانيا فلأن العرف هنا غير مطرد، لأن رضا الزوج بخروج زوجته وعدمه يرجع الى ما عنده من الأنفة والغيرة، ولا
стр. 2787
شك فى أن ذلك يختلف فى الناس اختلافا كثيرا، فكم من يرضى بالخروج ولو مع الريبة، وكم من لا يرضى به وأن تحقق عدم الريبة سواء أكانت المرأة قبل نكاحه تعتاده أم لا.
فالوجه خلاف ما بحثه الأذرعى، وأنه لا يجوز لها الخروج من بيته الذى رضى بسكناها فيه سواء أكان ملكه أم غير ملكه الا بأذنه سواء اعتادت الخروج أم لا.
نعم جوزوا لها الخروج لأعذار كخوف من نحو انهدام أو فسقة وكخراب المحلة حول بيتها حتى صار منفردا وكازعاج مالك المنزل كما مر وكالخروج لاستفتاء لم يكفها الزوج مؤنته وغير ذلك مما فى معناه كما مر.
ثم قال (١): ويجوز للزوج أن يمنع ولد الزوجة من الدخول اليها ان كانت ساكنة بمحل يستحق منفعته، دون ما اذا كانت ساكنة بملكها ان تبرعت له بالسكنى فيه، وسواء فى الحالة الأولى كان الزوج غائبا أم حاضرا، فان أدخلته بغير رضاه أثمت ولا تكون ناشزة كما هو ظاهر، نعم ان كان اخراجه لغير المميز يضره لزمه رفع الأمر للقاضى، فان تعدى وأخرجه فكسره أو قتله جان آخر أثم الزوج، والضمان على الجانى أو مالكه المقصر.
لأنه المباشر.
وجاء فى نهاية المحتاج (٢): أنه لو خالع الرجل زوجه على أنه برئ من سكناها امتنع كما فى البحر لحرمة اخراجها من المسكن فلها السكنى وعليها فيهما مهر المثل وتحمل الدراهم فى الخلع المنجز على نقد البلد وفى المعلق على دراهم الاسلام الخالصة لا على غالب نقد البلد ولا على الناقصة أو الزائدة وان غلب التعامل بها.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٣): للزوج منع زوجته من الخروج من منزله الى مالها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما أو غير ذلك.
ويحرم عليها الخروج بلا أذنه، فان فعلت فلا نفقة لها اذن، هذا اذا قام بحوائجها، والا فلا بد لها.
قال الشيخ فيمن حبسته امرأته بحقها ان خاف خروجها بلا اذنه أسكنها حيث
стр. 2788
لا يمكنها الخروج، فان لم يكن له من يحفظها غير نفسه حبست معه ليحفظها. يعنى اذا كان الحبس مسكن مثلها ولم يفض الى اختلاطها بالرجال.
فان عجز عن حفظها بالحبس أو خيف حدوث شر بسبب حبسها معه اسكنت فى رباط ونحوه دفعا للمفسدة.
وفيه أيضا (١): لا تملك الزوجة المسكن وأوعية الطعام والماعون والمشط ونحو ذلك، لأنه امتاع، قاله فى الرعاية.
وجاء فى موضع آخر (٢): لا يجوز الجمع بين زوجتيه فأكثر فى مسكن واحد أى بيت واحد بغير رضاهما، لأن على كل واحدة منهما ضررا لما بينهن من الغيرة، واجتماعهن يثير الخصومة، لأن كل واحدة منهما تسمع حسه اذا أتى الأخرى، أو ترى ذلك، فان رضيتا ذلك أو رضيتا بنومه بينهما فى لحاف واحد جاز، لأن الحق لهما لا يعدوهما فلهما المسامحة بتركه، وان أسكنهما فى دار واحدة كل واحدة منهما فى بيت جاز اذا كان بيت كل واحدة منهما مسكن مثلها، لأنه لا جمع فى ذلك، وكذلك الجمع بين الزوجة والسرية فى بيت واحد فلا يجوز الا برضا الزوجة.
وقال فى الاقناع (٣): ان كانت زوجاته جميعا فى رحلة فلا قسم الا فى الفراش فلا يحل أن يخص فراش واحدة بالبيتوتة فيه دون فراش الأخرى، ويحرم دخوله فى ليلتها الى غيرها الا لضرورة، مثل أن تكون منزولا بها، أو توصى اليه، أو ما لا بد منه، فان لم يلبث عندها لم يقض شيئا، وان لبث أو جامع لزمه ان يقضى لها مثل ذلك من حق الأخرى، ولو قيل أو باشر أو نحوه لم يقض والعدل القضاء، وكذا يحرم دخوله نهارا الى غيرها الا لحاجة ويجوز أن يقضى ليلة صيف عن ليلة شتاء وأول الليل عن آخره وعكسه.
قال: والأولى لكل واحدة من نسائه مسكن يأتيها فيه لفعله ﷺ ، ولأنه أصون لهن وأستر، حتى لا يخرجن من بيوتهن، فان اتخذ الزوج لنفسه مسكنا غير مساكن زوجاته يدعو اليه كل واحدة فى ليلتها ويومها ويخليه من ضرتها جاز له ذلك، لأن له نقل زوجته حيث شاء بمسكن يليق بها، وله دعاء البعض الى مسكنه ويأتى البعض، لأن له أن يسكن كل واحدة منهن حيث شاء، وان امتنعت من دعاها عن اجابته وكان ما دعاها
стр. 2789
اليه مسكن مثلها سقط حقها من القسم لنشوزها، وان أقام عند واحدة من زوجاته ودعا الباقيات الى بيتها لم يجب عليهن الاجابة، لما بينهن من الغيرة والاجتماع يزيدها.
وان حبس الزوج فاستدعى كل واحدة من زوجاته فى الحبس فى ليلتها فعليهن طاعته ان كان الحبس مسكن مثلهن ولا مفسدة كما لو لم يكن محبوسا، والا أى وان لم يكن الحبس مسكن مثلهن لم يلزمهن طاعته، كما لو دعاهن الى غير الحبس الى ما ليس مسكنا لمثلهن، فان أطعنه فى الاتيان الى الحبس سواء كان مسكن مثلهن أو لا لم يكن له أن يترك العدل بينهن لأنه جور ولاستدعاء بعضهن دون البعض لما فيه من ترك التسوية بلا عذر كما فى غير الحبس.
وفيه أيضا (١) أن أعسر الزوج بالسكنى خيرت المرأة على التراخى بين الفسخ من غير انتظار. أى تأجيل ثلاثا، خلافا لابن البناء وبين المقام معه على النكاح، وهذا قول عمر وعلى وأبى هريرة لقوله تعالى «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ ٢ بِإِحْسانٍ» وليس الامساك مع ترك الانفاق والسكنى امساكا بمعروف فتعين التسريح. وان اختارت المقام فلها تمكينه وتكون النفقة أى نفقة الفقير والكسوة والمسكن دينا فى ذمته ما لم تمنع نفسها لأن ذلك واجب على الزوج فاذا رضيت بتأخير حقها فهو فى ذمته كما لو رضيت بتأخير مهرها، ولها المقام على النكاح ومنعه من نفسها فلا يلزمها تمكينه ولا الاقامة فى منزله، وعليه أن لا يحبسها بل يدعها تكتسب ولو كانت موسرة، لأنه لم يسلم اليها عوض الاستمتاع.
وجاء فى موضع (٣) آخر: ان ادعى كل من الزوجين ظلم صاحبه أسكنهما الحاكم الى جانب ثقة يشرف عليهما ويكشف حالهما كما يكشف عن عدالة وافلاس من خبرة باطنة ويلزمهما الانصاف، لأن ذلك طريق الى الانصاف فتعين بالحكم كالحق ويكون الاسكان المذكور قبل بعث الحكمين لأنه أسهل منه.
وفيه أيضا (٤): وان شرطت المرأة على زوجها أن يسكن بها حيث شاءت أو حيث شاء أبوها أو حيث شاء غيره من قريب أو أجنبى بطل الشرط، لأنه ينافى مقتضى العقد ويتضمن اسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده فلم يصح كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع وصح العقد لأن هذه الشروط تعود الى معنى زائد فى العقد
стр. 2790
لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطله كما لو شرط فيه صداقا محرما ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق.
وجاء فى موضع (١) آخر: لو شرط لها أن لا يخرجها من منزل أبويها فمات الأب أو الأم بطل الشرط لأن المنزل صار لأحدهما بعد أن كان لهما فاستحال اخراجها من منزل أبويها فبطل الشرط.
ولو تعذر سكنى المنزل التى اشترطت سكناه بخراب وغيره سكن بها الزوج حيث أراد وسقط حقها من الفسخ لأن الشرط عارض وقد زال فرجعنا الى الأصل والسكنى محض حقه.
وقال الشيخ فيمن شرط لها أن يسكنها بمنزل أبيه فسكنت ثم طلبت سكنى منفردة وهو عاجز فلا يلزمه ما عجز عنه بل لو كان قادرا فليس لها فى أحد القولين فى مذهب أحمد غير ما شرط لها، قال فى الفروع: كذا قال، ومراده صحة الشرط فى الجملة بمعنى ثبوت الخيار لها بعدمه، لا أنه يلزمها، لأنه شرط لحقها لمصلحتها لا حقه لمصلحته حتى يلزمه فى حقها، ولهذا لو سلمت نفسها من شرطت دارها فيها أو فى داره لزم أى لزمه تسليمها ولهذا قال فى المنتهى ومن شرطت سكناها مع أبيه ثم أرادتها منفردة فلها ذلك.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢) أنه يجب على الزوج مذ يعقد النكاح اسكان زوجته صغيرة كانت أو كبيرة ذات أب أو يتيمة غنية أو فقيرة دعى إلى البناء أو لم يدع، نشزت أو لم تنشز حرة كانت أو أمة بوأت معه بيتا أو لم تبوأ.
هذا والذى يلزم الزوج اسكان (٣) زوجته على قدر طاقته لقول الله تعالى «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٤)».
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج (٥) المذهب: ان السكنى التى تجب للزوجة تكون على قدر حال الزوج والزوجة وما جرى به العرف فى البلد فى اليسار والاعسار لقول الله تعالى: «عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ ٦ قَدَرُهُ»﴾.
стр. 2791
وجاء فى شرح الأزهار (١): اختلف بعض أئمة الزيدية فيما اذا أعسر الزوج بالسكنى هل يفسخ النكاح أم لا أصحهما عدم الفسخ.
وجاء فى البحر الزخار (٢):
يكره الجمع بين ضرتين فى مسكن ويجوز كون الدار واحدة حيث لكل منهما ما يكفيه منفردا وله فى القسمة أن يأتيهن أو يأتينه.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٣): الواجب على الزوج القيام بما تحتاج اليه المرأة التى تجب نفقتها من الاسكان وجنس المسكن يتبع عادة أمثالها فى بلد السكنى لا فى بيت اهلها.
ولها المنع من مشاركة غير الزوج فى المسكن بأن تنفرد ببيت صالح لها ولو فى دار لا بدار لما فى مشاركة غيره من الضرر.
واعلم أن المعتبر من المسكن الامتاع اتفاقا.
مذهب الإباضية:
جاء (٤) فى كتاب شرح النيل: أنه يلزم الزوج سكنى زوجته وتكون السكنى كما يليق صيفا أو شتاء كسكون داخل البيت فى الشتاء وخارجه أو فوقه فى الصيف أو يبدل لها مسكنا لشتاء أو صيف وأن لاق موضع واحد شتاء وصيفا فذاك، لأن لها ما يكنها من حر وبرد، وان تشاحا فليس له أن يبدل بيتا غير الذى هو فيه حتى ينهدم، وتكون السكنى بلا اضرار به أو بها على عادة البلد.
وجاء فى موضع آخر (٥): وتكون سكنى الزوجة فى بيت أمين تكون عنده فى بيته أو بيت سكناها ويكون معها ثالث ولو طفلا أو طفلة مميزين، لئلا يكون الشيطان ثالثهما وذلك ان خافت شره كضرب.
وعلى الزوج أن يؤنسها بنفسه ان طلبت ذلك ويعذر به عن حضور الجماعة ان خافت والا حضرها ورجع أو يؤنسها بغيره ممن يخاف منه.
ولزم الزوج أن يسكن زوجته بيتا غير مظلم ولا موحش لا ساكن بجوانبه بأن يكون حوله بيوت خربة أو لا بيوت حوله أو قريبا من العدو وليس له جار يؤذيها باجتماع الناس عنده حيث يرونها ان خرجت أو يسمعون صوتها اذا
стр. 2792
غفلت فرفعته أو اذا رفعته كما يجوز لها أو بأصواتهم أو بصوت عمله كعمل الحداد والنجار، وذلك كصانع يجتمع عنده أو معصرة للزيتون أو العنب مثلا أو قرب سوق غير مفصول عنها بشارع وان قرب من سوق لكن ليس بابها من حيث يظهر للسوق ولا تحتاج دخول السوق اذا أرادت دخول بيتها فذلك بيت مجز لها، وان فصله ثلاثة بيوت أو مقدارها فذلك بيت لا تجد غيره، وكذا يشترط فى ذلك المسكن ألا يكون فى طريق غير مستتر وان لا يكون ظاهرا للفسقة أو العدو أو السارق أو للسباع.
ثم قال: ويجب على الزوج اذا تعددت زوجاته أن يعدل بينهن فى المسكن فلو كانت له بيوت متفاوتة فليسكن ساكنة الأعلى فى الأدنى الذى سكنته الاخرى بالمدة فان العدل واجب.
وفى موضع آخر (١): واذا أسكنهما فى بيت واحد فلا يجامعهن فيه ولو فى ظلمة أو كانتا عمياوين أو كانت احداهما عمياء، أو كانتا نائمتين أو احداهما، أو كانت احداهما أو كلتاهما سكرى، لا مكان حدوث ضوء بفتح الباب أو بغيره ولئلا تسمع أو تستمع لصوت الجماع فانه لا يجوز ولو لنفسه أو نفسها بفتح الفاء، فلو كانت الأخرى عمياء صماء لم يمنع الجماع بحضرتها، وكذا غيرها من اناث وذكور، وكذا لا يجامع واحدة والأخرى تراها أو يراهما من يميز أمر الجماع ولو ثيابهما.
ثم قال (٢): ولا يسكنهن فى بيت واحد ما وجد سبيلا وان اضطر رقد مع كل فى نوبتها.
وسكنى الزوجة (٣) تكون على قدر سكنى الشتاء والصيف، وليس لها حد محدود الا ما يستغنى به فى السكنى ويكن به من الحر والبرد سواء جمع ذلك البيت أو استغنت بسكناه فى الصيف والشتاء أو يبدل لها مسكنا فى الصيف والشتاء على قدر البيوت وما يصلح لسكناها فى الزمان كله فيما لم تبلغ اليها مضرة فى الحر والبرد.
وان وقعت المشاحة بين امرأة وزوجها فليس لها أن يبدل لها بيتا غير البيت الذى هى فيه ولزوم المسكن يكون على الزوج ويكون على قدر عسره ويسره قال الله تعالى: «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٤)» وذلك أيضا على قدر سيرة أهل بلده كما فى الديوان.
كما قال: ولزم الزوج على عادة بلده ثم ان كان من أهل البيوت بيوت البناء فلها بيت البناء أو بيوت الشعر ونحوه وان كان من أهل الخصوص فلها الخص،
стр. 2793
أو من أهل الأخبية فلها الخباء، فان ردها لضيق بعد وسع فى سكناها لم يجده أى الضيق أو الرد ان أبته حتى ينهدم المسكن أو يزول، لأنه قد مكنها منه بالاسكان فيه، فهو كطعام أو لباس قبضته منه فى أنه لا يملك تبديله وجوز أن يجده بالنظر، نظر المسلمين أو الحاكم أو غيره حين لا ضير عليها فى التبديل للمسكن، لأن المسكن لم يدخل ملكها، وانما لها التمتع منه فله تمتيعها بما شاء مما لا ضير عليها فيه.
ثم قال: ولا من المساكن ما يمكن فيه مرقدها بمد رجل، والمراد رجليها فكأنه قال بمد رجليها، وصلاتها أى وتمكن فيه صلاتها قائمة بركوع وسجود للطول والعرض ولكونه أرضه مما تجوز فيه الصلاة ولا مانع من الصلاة فيه وان لم تكن أرضه كذلك أو منع من الصلاة فيه جوار كنيف وهيأ لها مصلى أو ما تجعل سترا يكفى أو منعها غير ذلك وهيأ لها ما تكتفى به جاز ان لم يلحقها ضرر بذلك ولها الكنيف بحسب العادة وأن يكون المسكن مما يمكن أن تضع فيه ما تحتاج اليه من آنية غسل وشرب وآنية طعام وطبخ وعمل وما أشبه ذلك مما لا بد منه مثل ما تغسل فيه ثوبها ان كانت تغسله فيه ولا تجد بيتا لخزن مالها الا أن شاء ولا تخرج من بيتها الا باذنه ان أتاها هو أو ولده أو عبده أو أهلها أو غيرهم بما تستحقه من جهة الدين والدنيا فلو منعها شيئا مما تستحقه أو لم يطق عليه لضيق ماله أو حدث بها مالا يحتمل التأخير لحضوره وقد غاب عن البيت ولم يوجد من تستعمله فى ذلك كما تشتهى الحامل شيئا ولو أخرته لخافت سقطا أو ضرا أولم يعلمها دينها ولم يأتها بمن يعلمها ولم تجد من تستعمله فى السؤال لجاز لها الخروج فى ذلك ولو أبى، ولكن اذا خرجت لا تعامل الرجل ما وجدت امرأة فى ذلك كله الا ان لم تجد من تكتفى به فى السؤال لها من النساء، أو كان زوجها يقبل أن يسأل لها، لكن لا تطمئن اليه لسوء حفظه أو عدم ورعه فلتسأل هى.
ويحجر عليها زوجها عند الحاكم أو الامام أو جماعة المسلمين لا تخرج، فان حجروا عليها لكونه يأتيها بما تستحقه فلا تخرج، وتؤدب ان كسرت الحجر وتضرب تسع عشرة ضربة أو أقل، ولها أن تخرج من البيت فى الدار كلها اذا كان البيت أو الخص فى الدار ولا تخرج من الدار.
ثم قال: وللزوج أن يغلق على زوجته باب مسكنها فى وقته أى وقت الغلق كالليل، والقائلة، وحالة الخوف، ونحو ذلك ولو لم يكن معها فيه، وحالة الجماع.
وان كانت فى الخص أى كانت من أهل الأخصاص فأرادت فتح أبوابه كلها أو أرادت فتح ما لم يرد فتحه، أو أرادت أن تفتح أكثر مما أراد هو فتحه نظر المسلمون فى ذلك، فان رأوا أن يجعلوا لها بابا واحدا أو اثنين فليفعلوا بجهد أرائهم، وان رأوا أكثر من اثنين جاز، ولا تجد رقودا خارجه صيفا أو غيره لا صحنا أو سقفا ولا غيرهما،
стр. 2794
واقتصر على الصيف، لأنه الداعى الى خارج البيت، الا لضرر كهوام وحر شديد لا يطاق فلها الرقود خارجا بنظر من المسلمين فى ذلك الذى تحتج به هل هو عذر، وان كان للبيت سطح أعلى يلى السماء تصعد اليه من داخل البيت فلها الرقود فيه ان كان لا ضرر يلحقها ولا يصدق عليها أنها خرجت من البيت أو رقدت خارجه حينئذ ولا سيما سطح لم يكشف للسماء.
ثم قال: ولا تسكن فى طرف المنزل، أو حيث خافت مضرة من الناس، كقتل وضرب وسرقة وغصب لها أو لما لها ونظر وصوت رحى أو حداد أو مجمع ناس أو من السباع أو الدواب أو حريق أو هدم أو سيل، وله منع من يحدثها، وله أن يؤنسها ولو من خارج البيت أو يدخل اليها، وان اشتكت بالوحشة أمره المسلمون أن يؤنسها أو يجعل من يؤنسها من الناس ممن لا تخاف منه المضرة كطفل أو طفلة أو امرأة ورجل لا أرب له بالنساء أو قريب لها محرم منها، وانما يبنى لها خصا بنظر المسلمين عند أمين يحفظها اذا تبين له الضرر من أحدهما للآخر أخبر به المسلمين، فان لم يجدوا الأمين فالأمينة وجاز بيت كراء أو عارية لا مضرة فيه كجذام وبرص أو غير ذلك (١).
ولها الخروج (٢) من بيت أو مسكن ظهر به مخوف كهدم أو حرق أو مؤذ كحية أو عقرب لم تطق قتلها أو لم يكن فيه ضوء، ولا يدرك أن يسكن معها فى بيتها غيرها كضرة وأبيه وأمه وولدها أو ولده، وغير ذلك، فان رضيت جاز، وان كان له أب أو أم كبير ومريض لا يطيق السكنى وحده نظر المسلمون فى ذلك، فان لم تكن عليها مضرة سكن معها.
وان تشاجر (٣) أى اختلف مع امرأته على أولادها وقالت: لا أسكن معهم ولا أعمل لهم طعاما أو غيره. ولا أخدمهم ولا آكل معهم قبل قولها، ولا يلزمها ذلك المذكور من السكنى معهم والعمل لهم والاكل معهم وغير ذلك ولا سيما أولاده من غيرها، وان أبت أن تؤاكل أبويه أو نساءه أو ولده من غيرها أو عبده فلها ذلك أيضا، وان أرادته أى أرادت ذلك فأبى هو نظر فيه أى نظر فيه الحاكم أو الجماعة أو الامام.
وجاء فى موضع (٤) آخر فى شرح النيل:
وان تزوج رجل له ولد - امرأة لها ولد - لم يجد احدهما اخراج ولد الآخر عنه ان علم ذلك، وكذا الأم أو الجدة اذا سكنت مع احدهما لا يجد الآخر اخراجه وأما الأب فتجد منع مساكنته وقيل ينظر هل فى مساكنته ضرر والمذهب منع مساكنة الأب والأم ان شاءت.
ثم قال: وليس له أن يسكنها مع أبويه
стр. 2795
الا برضاها ولو كان معهما حال البناء، وكذا غيرهما كالأخت والعمة لما على الزوجة من ضرر اطلاعهم على أمرها وقيل الوضيعة لا تمنع من مساكنة أبويه الا لمضرة.
ثم قال (١): ولزم انفاق جاحدة للزوجية وسكناها وغير ذلك من الحقوق على مدعيها زوجة لأنها ولو جحدت وتعاصت لا يبطل ذلك حقوقها لأنه قد عطلها بادعائه الزوجية ولا يحل لها ماله ان صدقت فى جحودها الا أن لم يخل سبيلها.
وان أدعى (٢) اثنان أو ثلاثة فصاعدا امرأة كل يدعى أنها زوجته فاختصما أو اختصموا ولم تكذبهم ولم تصدقهم أنفقها كل منهم نفقة واحدة بينهم ينفقها الاثنان أنصافا والثلاثة أثلاثا وهكذا. وكذا السكنى وغير ذلك من الحقوق حتى يأتى كل ببيان مبطل لبيان خصمه بأن تقاومت بيناتهم ولم يتبين تقديم عقد أحدهما أو اتحد وقته فيأخذهما أو يأخذهم الحاكم أو نحوه.
حكم اسكان المعتدة وما يتعلق بذلك
فى مذهب الحنفية:
جاء فى البدائع (٣): العدة اما أن تكون بسبب طلاق أو عن فرقة بغير طلاق واما أن تكون عن وفاة، وفى كل اما أن تكون معتدة من نكاح صحيح أو نكاح فاسد وما هو فى معنى النكاح الفاسد.
فان كانت المرأة معتدة من نكاح صحيح عن طلاق وكانت حرة فان كان الطلاق رجعيا فلها النفقة والسكنى بلا خلاف، لأن ملك النكاح قائم، فكان الحال بعد الطلاق كالحال قبله، وان كان الطلاق ثلاثا أو بائنا فلها السكنى ان كانت حاملا بالاجماع، وان كانت حائلا فعلى ما ذكر ابن أبى ليلى: لا سكنى لها، لما روى عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: طلقنى زوجى ثلاثا فلم يجعل لى النبى ﷺ نفقة ولا سكنى.
أما أصحابنا فيرون أن لها السكنى لقول الله تعالى: «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٤)» وأما حديث فاطمة بنت قيس فانه روى أنها لما روت ذلك قال عمر ابن الخطاب رضى الله عنه: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ونأخذ بقول امرأة لا ندرى لعلها نسيت، وكان قد روى عن عمر أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لها النفقة والسكنى، وسواء كانت المعتدة عن طلاق كبيرة كانت أو صغيرة مسلمة كانت أو كتابية.
стр. 2796
وجاء فى (١) فى الفتاوى الهندية: أنه لو طلق رجل امرأته ثلاثا بعد الدخول فتزوجت من زوج آخر قبل انقضاء العدة ودخل بها الثانى ثم فرق القاضى بينهما كان لها السكنى على الزوج الأول فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
أما ان كانت (٢) المعتدة أمة فلا سكنى للمعتدة من طلاق اذا لم يبوئها المولى بيتا لأنه اذا لم يبوئها المولى بيتا فحق الحبس لم يثبت للزوج، فان كان المولى قد بوأها بيتا فلها السكنى، لثبوت حق الحبس للزوج، وكذلك المدبرة وأم الولد اذا طلقتا وبوأهما المولى بيتا أو لم يبوئهما، لأن كل واحدة منهما أمة، وكذا المكاتبة والمستسعاة على أصل أبى حنيفة (أى أن المدبرة وأم الولد كالأمة تجب لهما السكنى أن بوأهما المولى ولا تجب أن لم يبؤهما - وكذا المكاتبة والمستسعاة عند أبى حنيفة) وان أعتقت أم الولد أو مات عنها مولاها فلا سكنى لها لأنها غير محبوسة فلا تجب لها السكنى كالمعتدة من نكاح فاسد.
وما مر انما هو فى المعتدة عن طلاق من نكاح صحيح، فان كانت معتدة من نكاح فاسد فلا سكنى لها، لأن حال العدة معتبرة بحال النكاح، ولا سكنى لها فى النكاح الفاسد فكذا لا سكنى لها فى العدة منه.
وجاء فى الفتاوى الهندية (٣): أنه لو تزوج رجل من أمة ولم يبوئها بيتا حتى طلقها طلاقا رجعيا كان لمولاها أن يأمر الزوج ليتخذ لها بيتا وينفق عليها، وان كان الطلاق بائنا ليس للمولى أن يخلى بينها وبين زوجها، وليس له أن يطلب النفقة، ولو طلقها الزوج طلاقا رجعيا ثم أعتقها المولى كان لها أن تطلب من الزوج حتى يبوئها بيتا وينفق عليها، لأنها ملكت أمر نفسها، وان كان الطلاق بائنا فالزوج لا يخلو بها فى بيت واحد وهى لا تأخذه بالسكنى.
ونقل صاحب البحر الرائق عن الذخيرة (٤) أنه متى وجبت السكنى فان على الزوج مؤنة سكنى المعتدة فان لم يكن له منزل مملوك يكترى منزلا لها ويكون الكراء عليه، فان كان معسرا تؤمر المرأة أن تستدين الكراء ثم ترجع على الزوج اذا أيسر.
وان (٥) كانت المرأة معتدة عن فرقة بغير طلاق من نكاح صحيح فان كانت الفرقة من قبل الزوج فلها السكنى كيفما كانت
стр. 2797
الفرقة. وان كانت الفرقة من قبل الزوجة، فان كانت بسبب ليس بمعصية كالأمة اذا أعتقت فاختارت نفسها وامرأة العنين اذا اختارت الفرقة فانه فى ذلك لها السكنى، وان كانت الفرقة من قبل الزوجة بسبب هو معصية كالمسلمة قبلت ابن زوجها بشهوة قالوا: لا نفقة لها ولها السكنى، لأن السكنى فيها حق الله تعالى وهى مسلمة مخاطبة بحقوق الله تعالى، أما اذا كانت المرأة معتدة عن وفاة فلا سكنى لها فى مال الزوج سواء كانت حائلا أو حاملا، لأن الزوج اذا مات انتقل ملك أمواله الى الورثة فلا يجوز أن تجب السكنى فى مال الورثة سواء كانت حرة أو أمة وسواء كانت كبيرة أو صغيرة مسلمة أو كتابية لأن الحرة المسلمة الكبيرة لما لم تستحق السكنى فى عدة الوفاة فهؤلاء أولى وكذا المعتدة من نكاح فاسد فى الوفاة لا سكنى لها لأنها لا تستحق بالنكاح الصحيح فى هذه العدة فبالنكاح الفاسد أولى.
وجاء فى البدائع (١): أنه اذا وجبت لها السكنى فانه لا يصح الخلع على السكنى والابراء عنه لأن السكنى تجب حقا لله تعالى لقوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» (٢)، «فلا يملك العبد اسقاطه».
وذكر صاحب البحر الرائق (٣): ان سكناها فى غير بيت الطلاق معصية الا أن أبرأته من مؤنة السكنى بأن كانت ساكنة فى بيت نفسها أو تعطى الأجرة من مالها فيصبح التزامها ذلك.
ونقل ابن عابدين (٤) عن فتح القدير أنها لو اختلعت على أن لا سكنى لها فان مؤنة السكنى تسقط عن الزوج ويلزمها أن تكترى بيت الزوج ولا يحل لها أن تخرج منه.
حكم خروج المعتدة من بيت سكناها
أو الانتقال منه
ذكر صاحب بدائع (٥) الصنائع:
أن المعتدة لا تخلو اما أن تكون معتدة من نكاح صحيح، واما أن تكون معتدة من نكاح فاسد، ولا يخلو اما أن تكون حرة أو أمة بالغة أو صغيرة، عاقلة أو مجنونة مسلمة أو كتابية مطلقة أو متوفى عنها زوجها، والحال حال الاختيار أو حال الاضطرار.
فان كانت معتدة من نكاح صحيح وهى حرة مطلقة بالغة عاقلة مسلمة والحال حال
стр. 2798
الاختيار فانها لا تخرج ليلا ولا نهارا سواء كان الطلاق ثلاثا أو بائنا أو رجعيا، أما فى الطلاق الرجعى فلقوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» وقوله تعالى «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ» والأمر بالاسكان نهى عن الاخراج.
وأما المتوفى عنها زوجها فلا تخرج ليلا ولا بأس بأن تخرج نهارا فى حوائجها، لأنها تحتاج الى الخروج نهارا لاكتساب ما تنفقه لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى، ولا تخرج بالليل لعدم الحاجة الى الخروج بالليل بخلاف المطلقة فان نفقتها على الزوج فلا تحتاج الى الخروج حتى لو اختلعت بنفقة عدتها فقال بعض مشايخنا يباح لها الخروج بالنهار للاكتساب لأنها بمعنى المتوفى عنها زوجها.
وبعضهم قالوا: لا يباح لها الخروج لأنها هى التى أبطلت النفقة باختيارها، والنفقة حق لها فتعذر على ابطاله، فأما لزوم البيت فحق عليها فلا تملك ابطاله.
واذا خرجت بالنهار فى حوائجها لا تبيت بعيدا عن منزلها التى تعتد فيه، والأصل فيه ما روى أن فريعة أخت أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه لما قتل زوجها أتت النبى ﷺ فأستأذنته فى الانتقال الى بنى خدرة فقال لها: امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله فأفادنا الحديث حكمين، اباحة الخروج بالنهار وحرمة الانتقال.
وروى عن محمد أنه قال: لا بأس أن تنام بعيدا عن بيتها أقل من نصف الليل، لأن البيتوتة فى العرف عبارة عن السكنى فى البيت أكثر الليل فما دونه لا يسمى بيتوتة، ومنزلها الذى تؤمر بالسكون فيه للاعتداد:
هو الموضع الذى كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها وقبل موته سواء كان الزوج ساكنا فيه أو لم يكن، لأن الله تعالى أضاف البيت اليها بقوله «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ»،﴾ والبيت المضاف اليها هو الذى تسكنه، ولهذا قال أصحابنا: أنها اذا زارت أهلها فطلقها زوجها كان عليها أن تعود الى منزلها الذى كانت تسكن فيه فتعتد ثمة لأن ذلك هو الموضع الذى يضاف اليها وان كانت هى فى غيره، هذا كله فى حالة الاختيار.
أما فى حالة الضرورة فان اضطرت الى الخروج من بيتها بأن خافت سقوط منزلها أو خافت على متاعها، أو كان المنزل بأجرة ولا تجد ما تؤديه فى أجرته فى عدة الوفاة، فلا بأس عند ذلك أن تنتقل وان كانت تقدر على الأجرة لم تنتقل وان كان المنزل ملكا لزوجها وقد مات عنها فلها أن تسكن فى نصيبها ان كان نصيبها من ذلك ما تكتفى به فى السكنى وتستتر عن سائر الورثة ممن ليس بمحرم لها وان كان نصيبها لا يكفيها أو خافت على متاعها منهم فلا بأس أن تنتقل.
وانما كان كذلك لأن السكنى وجبت بطريق العبادة حقا لله تعالى عليها، والعبادات تسقط
стр. 2799
بالأعذار، وقد روى أن عائشة رضى الله عنها نقلت أختها أم كلثوم بنت أبى بكر رضى الله عنه لما قتل طلحة رضى الله تعالى عنه ونقل على رضى الله عنه أم كلثوم رضى الله عنها لما قتل عمر رضى الله عنه، لأنها كانت فى دار الاجارة فدل ذلك على جواز الانتقال للعذر واذا كانت تقدر على أجرة البيت فى عدة الوفاة فلا عذر فلا تسقط عنها العبادة، واذا انتقلت لعذر يكون سكناها فى البيت الذى انتقلت اليه كما لو كانت فى المنزل الذى انتقلت منه فى حرمة الخروج عنه، لأن الانتقال من البيت الأول اليه كان لعذر فصار المنزل الذى انتقلت اليه كأنه منزلها من الأصل فلزمها المقام فيه حتى تنقضى العدة.
وكذا ليس للمعتدة من طلاق ثلاث أو بائن أن تخرج من منزلها الذى تعتد فيه الى سفر اذا كانت معتدة من نكاح صحيح ولا يجوز للزوج أن يسافر بها أيضا لقول الله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ».
وكذا المعتدة من طلاق رجعى ليس لها أن تخرج الى سفر، سواء كان سفر حج فريضة أو غير ذلك لا مع زوجها ولا مع محرم حتى تنقضى عدتها أو يراجعها لعموم قوله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ.﴾.
الآية ولأن المقام فى منزلها واجب لا يمكن تداركه بعد انقضاء العدة وسفر الحج واجب يمكن تداركه بعد انقضاء العدة، لأن جميع العمر وقته.
وليس لزوجها أن يسافر بها عند أصحابنا الثلاثة لقوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» فقد نهى الأزواج عن الاخراج والنساء عن الخروج وقال زفر له ذلك.
واذا خرج (١) الزوج مع زوجته مسافرا فطلقها فى بعض الطريق، أو مات عنها، فان كان بينها وبين مصرها الذى خرجت منه أقل من ثلاثة أيام وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام فصاعدا رجعت الى مصرها، لأنها لو مضت لاحتاجت الى انشاء سفر وهى معتدة، ولو رجعت ما احتاجت الى ذلك فكان الرجوع أولى، كما اذا طلقت فى المصر وهى خارج بيتها فانها تعود الى بيتها، كذا هنا، وان كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام فصاعدا وبينها وبين مقصدها أقل من ثلاثة أيام، فانها تمضى، لأنه ليس فى المضى انشاء سفر، وفى الرجوع انشاء سفر، والمعتدة ممنوعة عن السفر، وسواء كان الطلاق فى موضع لا يصلح للاقامة كالمفازة ونحوها، أو فى موضع يصلح لها كالمصر ونحوها، وان كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام فصاعدا، فان كان الطلاق فى المفازة أو فى موضع لا يصلح للاقامة بأن خافت على نفسها أو متاعها فهى
стр. 2800
بالخيار ان شاءت مضت وان شاءت رجعت، لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر سواء كان معها محرم أو لم يكن واذا عادت أو مضت فبلغت أدنى المواضع فهى بالخيار ان شاءت مضت وان شاءت رجعت الى التى تصلح للاقامة فى مضيها أو رجوعها أقامت فيه واعتدت ان لم تجد محرما بلا خلاف.
وان كان الطلاق فى المصر أو فى موضع يصلح للاقامة اختلف فيه، فقال أبو حنيفة: تقيم فيه حتى تنقضى عدتها.
وقال أبو يوسف ومحمد ان كان معها محرم مضت على سفرها، هذا اذا كانت معتدة من نكاح صحيح.
أما المعتدة من نكاح فاسد فلها أن تخرج، لأن أحكام العدة مرتبة على احكام النكاح، والنكاح الفاسد لا يفيد المنع من الخروج، فكذا العدة الا اذا منعها الزوج لتحصين مائه فله ذلك.
وأما الأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة على أصل أبى حنيفة فيخرجن فى ذلك كله من الطلاق والوفاة.
أما الأمة فلأن حال العدة مبنية على حال النكاح، ولا يلزمها المقام فى منزل زوجها فى حال النكاح، فكذا فى حال العدة، لأن خدمتها حق المولى، فلو منعناها من الخروج لأبطلنا حق المولى فى الخدمة من غير رضاه، وهذا لا يجوز الا اذا بوأها مولاها منزلا فحينئذ لا تخرج ما دامت على ذلك، لأنه رضى بسقوط حق نفسه وان أراد المولى أن يخرجها فله ذلك، لأن الخدمة للمولى، وانما كان أعارها للزوج وللمعير أن يسترد عاريته.
وروى ابن سماعة عن محمد فى الأمة اذا طلقها زوجها وكان المولى مستغنيا عن خدمتها فلها أن تخرج وان لم يأمرها لأنه قال اذا جاز لها أن تخرج باذنه جاز لها أن تخرج بكل وجه ألا ترى أن حرمة الخروج لحق الله تعالى، فلو لزمها لم يسقط باذنه، وكذا المدبرة لما ذكرنا وكذا أم الولد اذا طلقها زوجها أو مات عنها، لأنها أمة المولى، وكذا اذا عتقت أو مات عنها سيدها لها أن تخرج، لأن عدتها عدة وط ء فكانت كالمنكوحة نكاحا فاسدا.
وأما المكاتبة فلأن سعايتها حق المولى اذ بها يصل المولى الى حقه فلو منعناها الخروج لتعذرت عليها السعاية والمعتق بعضها بمنزلة المكاتبة عند أبى حنيفة وعندهما حرة.
وأما الصغيرة (١) فلها أن تخرج من منزلها اذا كانت الفرقة لا رجعة فيها سواء اذن الزوج لها أو لم يأذن لأن وجوب السكنى فى البيت على المعتدة لحق
стр. 2801
الله تعالى وحق الزوج، وحق الله لا يجب على الصبى وحق الزوج فى حفظه الولد ولا ولد منها، وان كانت الفرقة رجعية فلا يجوز لها الخروج بغير اذن الزوج، لأنها زوجته، وله أن يأذن لها بالخروج.
وكذا المجنونة لها أن تخرج من منزلها لأنها غير مخاطبة كالصغيرة الا أن لزوجها أن يمنعها من الخروج، لتحصين مائة بخلاف الصغير فان الزوج لا يملك منعها، لأن المنع فى حق المجنونة لصيانة الماء لاحتمال الحبل، والصغيرة لا تحبل.
وأما الكتابية فلها أن تخرج، لأن السكنى فى العدة حق الله تعالى من وجه فتكون عبادة من هذا الوجه والكفار لا يخاطبون بشرائع هى عبادات الا اذا منعها الزوج من الخروج لتحصين مائه.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى (١): أن للمعتدة المطلقة سواء كانت بائنا أو رجعيا السكنى وجوبا على الزوج فان مات استمرت فى البائن، وكذا فى الرجعى، ومثلها المحبوسة فان لها السكنى فى حياته، والمحبوسة هى الممنوعة من النكاح بسببه بغير طلاق كالمزنى بها غير عالمة ومعتقة ومن فسخ نكاحها لفساد أو قرابة أو صهر أو رضاع أو لعان، واعترض على التقييد بقوله فى حياته بأن ظاهر المدونة أن السكنى لا تقيد بذلك، بل لو اطلع على موجب الفسخ ولو بعد الموت لوجب لها السكنى فكان عليه حذفه.
وذكر صاحب التاج (٢) والاكليل: ان ابن عرفة قال: يلزم المعتدة مقامها فى مسكنها حين وقوع سبب عدتها من طلاق أو وفاة، والتهمة على نقلها منه لطلاقها بغيره يوجب ردها اليه.
ومن اكترى منزلا نقل اليه زوجته فلما سكنه طلقها لزمه ردها لمسكنها الأول.
قال المتيطى: كل معتدة أو مستبرأة من فسخ أو لعان أو طلاق أى نوع كان يجب لها جميع الصداق فان لها على الزوج السكنى الى انقضاء العدة، مسلمة كانت أو كتابية، حرة أو أمة اذا كانت الأمة تبيت عند الزوج، فان كانت تبيت عند أهلها فتعتد عندهم ولا سكنى على الزوج، فان ارتابت المعتدة انتظرت سنة، فان زعمت أن الريبة متمادية بها نظر النساء اليها.
وللمتوفى عنها ان دخل بها قال المتيطى كل معتدة من وفاة مدخول بها فلها
стр. 2802
السكنى فى دار الزوج، وهى أحق بسكناها من ورثته وغرمائه، فان بيعت استثنى سكناها الى انقضاء عدتها، هذا قول ابن القاسم ومالك وعليه العمل، فان ارتابت لزم السكنى الى تمام خمسة أعوام من يوم وفاة الميت، ولا حجة للمبتاع لأنه قد علم أنه أقصى أمد الحمل.
قال مالك: وهى أحق بالمقام حتى تنقضى الريبة وأحب الينا أن يكون للمبتاع الخيار فى فسخ البيع أو امضائه ولا يرجع بشئ، لأنه دخل على العدة المعتادة.
قال أبو عمران: ان كان المسكن لزوجها، لم يجز لورثته أن يخرجوها منه حتى تنقضى عدتها، وكذلك ان كان مستأجرا وكان زوجها قد أدى أجرته فان كان ذلك كانت أحق بسكناه من سائر ورثته، وان لم يكن المسكن له ولم يؤد أجرته كان لأربابه اخراجها منه، ويستحب لهم أن لا يفعلوا ذلك فان أخرجوها جاز لها أن تسكن غيره حتى تتم عدتها فيه ولم يكن على الورثة استئجار مسكن غيره لها، وسواء كان للميت مال أو لم يكن وعليها أن تستأجر لنفسها من مالها.
وقال عبد الحق قول المدونة: ان كان نقد الكراء فهى أحق بالمسكن، والا فلا سكنى لها معناه أنه أكرى (أى استأجر) كل شهر بكذا، وأما ان كان اكراها (أى استأجرها) سنة معينة فهى أحق بالسكنى وان لم يكن نقد.
وفى المدونة: أنه لا سكنى لمعتدة غير مدخول بها الا أن يكون أسكنها مسكنا له ولو بكراء نقد عوضه.
ومن دخل بصغيرة لا يجامع مثلها فلا عدة عليها ولا سكنى لها فى طلاق وعليها عدة الوفاة ولها السكنى ان كان ضمها اليه وان لم يكن نقلها اعتدت عند أهلها.
قال ابن القاسم فان أراد أبوها الحج أو السفر فليس له أن يخرجها.
قال ابن عبد الرحمن ان أخذ الصغيرة ليكفلها فقط فلا سكنى لها.
وجاء فى المدونة أن المعتدة تبيت من دارها حيث كانت تبيت.
قال أبو عمران كل ما يقطع فيه أن سرقت منه مما هو محجور عليها لا تبيت فيه وما لا تقطع فيه تبيت فيه قال ابن عرفه هذا تعريف بمساو أو أخفى منه.
وقال اسماعيل تبيت فى جميع ما كانت تسكنه فى حياة زوجها.
هذا وقد نقل ابن عرفه أن التهمة على نقلها توجب ردها وان نقلها لمنزل اكتراه ثم طلقها لزمه ردها قال أبو اسحاق انظر لو
стр. 2803
كان مقامها فيه حق آدمى كظئر استؤجرت بشرط مكثها بدار أبوى الصبى فمات زوجها فالذى أعرفه فى هذا فسخ اجارتها وترجع الى بيتها بخلاف حق الله فى الاحرام والاعتكاف.
وجاء فى المدونة أن كل من أمرت بالرجوع وان كانت لا تصل حتى تنقضى عدتها لم ترجع وروى عن المدونة أنه ان مات أو طلق فى سيرهما الى الحج رجعت فيما قرب كثلاثة أيام الا أن أحرمت أو بعدت كالمدينة من مصر.
قال ابن عبد الرحمن وهذا فى حج الفرض وترجع فى حج التطوع والرباط ولو بعدت.
قال اللخمى واذا كان الحكم أن ترجع لم ترجع الا مع ولى أو جماعة ناس لا بأس بحالهم والا أقامت فى موضعها وان لم تكن فى موضع مستعتب تمادت مع الرفقة.
وجاء فى المدونة الكبرى أن ابن القاسم قال ان مات فى خروجه بها لغزو أو غيره أو الى الجهاد أو الى الرباط لاقامة الأشهر لا للانتقال رجعت ولو وصلا لتمام عدتها، قال محمد وهذا أحب الى.
قال وروى أيضا عن مالك: أن من خرج الى المصيصة بعياله ليقيم بها الأشهر أو السنة اعتدت امرأته بها.
قال اللخمى رأى مالك مرة أن لطول الاقامة تأثيرا وهو أحسن وقال فى المدونة أن نقلها على رفض سكنى موضعه فمات فى مسيرهما وهى أقرب الى الموضع الأول أو الثانى فلها المشى الى أيتهما شاءت أو المقام بموضع موته أو تعدل الى حيث شاءت فتتم هنالك عدتها، لأنه مات ولا قرار لها وهى كمعتدة أخرجها أهل الدار.
قال أبو عمران: واما أن طلقها فى سفره فلزمها الرجوع الى وطنها فعليه كراء رجوعها لأنها انما رجعت من أجله وحبست له فذلك بمنزلة ما يجب لها من المسكن عليه.
واذا طلقها فى الموضع الذى انتقل اليه بها قال المتيطى: اذا شرط ألا يرحلها الا باذنها فأذنت له فرحلها، ثم ابتدأ طلاقها، أو طلقت هى نفسها بشرطها لم يلزمه مؤنة ردها، الا أن كان شرط ذلك.
قال بعض الموثقين ولا أعلم أحدا يقول ان عليه مؤنة ارتجاعها الا ما حكاه ابن العطار.
وروى عن المدونة الكبرى أن الامام مالكا رحمه الله تعالى قال: اذا طلقت المعتكفة أو مات زوجها فلتمض على اعتكافها، فاذا تمت رجعت الى بيت زوجها فتتم فيه باقى العدة.
стр. 2804
ونص المدونة: ان مات أو طلق فى سيرهما الى الحج رجعت الا أن أحرمت وفى الموطأ كان عمر يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج قال الباجى قال مالك فان أحرمن نفذن وبئس ما صنعن.
ثم «قال (١): والمتوفى عنها اذا لم يكن لها السكنى فى مال الميت فلا تخرج الا أن يخرجها رب الدار ويطلب من الكراء ما لا يشبه.
قال فى المدونة فى الكلام على المتوفى عنها:
ان كانت الدار بكراء ولم ينقد الزوج الكراء وهو موسر فلا سكنى لها فى ماله وتؤدى الكراء من مالها ولا تخرج الا أن يخرجها رب الدار ويطلب من الكراء ما لا يشبه.
واحتج بعض القرويين على تأويله المتقدم بقوله الا أن يطلب منها رب الدار ما لا يشبه فان ذلك يدل على أن الكراء لم يكن سنة بعينها لأنه لو أكرى سنة بعينها كان الكراء لزم بما تعاقداه وليس لرب الدار أن يطلب غيره.
وحملها الأولون على أن مدة الكراء قد انقضت واذا كان الكراء وجيبة ولم ينقد وقلنا لا سكنى لها فتسكن فى حصتها وتسلم الكراء.
وروى عن المدونة أن مالكا (٢) رضى الله عنه قال: تعتد الأمة المتوفى عنها زوجها حيث كانت تبيت ولأهلها نقلها معهم.
وفى الموازية أن بوئت مع زوجها بيتا لم يجز لأهلها نقلها حتى تنقضى عدتها قال أبو عمران هذا معنى المدونة وقبله ابن عات قال ابن عرفه فيه نظر لقولها ان انتجع سيدها لبلد آخر فله أن يخرجها معه.
وقال اللخمى ان كانت الأمة غير مبوأة انتقلت مع سيدها حيث انتقل وحكمها بعد العدة كما كان قبلها وكان الحكم قبل العدة أن يتبعها زوجها.
قال وعدة البدويات أهل العمود والخصوص والشعر فى البيوت اللائى يكن فيها قبل الطلاق والوفاة، فان انثوى أهلها انثوت معهم، لأنها لو كلفت أن تبقى فى بيتها، وتنثوى مع أهل زوجها كان عليها مشقة وضرورة باللحاق بأهلها عند انقضاء العدة وان انثوى أهل زوجها خاصة لم تنثو معهم.
وقال أبو عمر يستحب ألا تغرب لها الشمس الا فى بيتها ولا يجوز لها أن تبيت الا فى منزلها، فان خرجت فى ليلة من عدتها فباتت فى غير منزلها أثمت فى فعلها ولا يجوز لها أن تفعل ذلك فى باقى
стр. 2805
عدتها، ولها أن تبنى على ما مضى منها ولا تستأنف العدة ولا يحل لها الانتقال من دارها حتى تنقضى عدتها الا أن تخاف عورة منزلها أو شبه ذلك مما لا يمكنها المقام معه فتنتقل حينئذ ثم تقيم حيث انتقلت حتى تنقضى عدتها.
وجاء فى المدونة أنه لا يجوز لها أن تنتقل الا لضرر لاقرار معه كخوف سقوط المسكن أو لصوص بقرية لا مسلمين فيها وان كانت بمدينة لم تنتقل لضرر جوار ولترفع ذلك الى الامام.
وجاء فى المدونة أن حكمها فيما انتقلت اليه كما انتقلت عنه وان انتقلت لغير عذر ردها الامام.
ثم قال: (١) ان اللازم للمعتدة هو المبيت فى مسكنها وأما عدا ذلك فلها الخروج فى حوائجها فى طرفى النهار وأخرى فى وسط النهار، وسواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة.
قال فى كتاب الطلاق: السنة على ما جاءت به المدونة أنه لا يصح أن تبيت معتدة من وفاة أو طلاق سواء كان بائنا أو غير بائن الا فى بيتها ولها التصرف نهارا والخروج سهرا قرب الفجر وترجع ما بينها وبين العشاء الآخرة.
وقال ابن عرفة وسمع ابن القاسم أنه يصح للمتوفى عنها أن تخرج للعرس ولا تبيت الا فى بيتها بما لا تتهيأ به الحاد.
قال ابن رشد هذا ان لم يكن فيها من اللهو الا ما أجيز فى العرس.
قال فى المسائل الملقوطة قال عيسى فى كتاب ابن مزين اذا أنهى الى الامام أن المعتدة تبيت فى غير بيتها أرسل اليها وأعلمها بما جاء فى ذلك وأمرها بالكف فان أبت أدبها على ذلك وأجبرها عليه.
قال ابن عرفة ولا تنتقل من مسكنها الا لضرر لا تقدر معه كخوف سقوط أو لصوص بقرية لا مسلمون بها، وان كانت بمدينة لا تنتقل لضرر جوار ولترفع ذلك الى الامام.
قال ابن عرفة قلت ضابطه ان قدرت على رفع ضررها بوجه ما لم تنتقل.
وحملها ابن عات على الفرق بين القرية والمدينة لأن بها من ترفع اليه أمرها بخلاف القرية غالبا.
قال اللخمى: ان وقع بينها وبين من ساكنها شر فان كان منها أخرجت عنه، وفى مثله جاء حديث فاطمة بنت قيس، وان كان من غيرها أخرج عنها فان أشكل لأمر أقرع بينهم قلت انما يقع الاخراج لشر بعد الاياس من رفعه بزجر من هو منه.