فى المدونة وغيرها قال سحنون ويكون عليه من الكراء على قدر ما يجتهد.
قال ابن عرفه فى سكنى الولد رابع الأقوال قول المدونة على الأب السكنى.
ثم قال: وتكون السكنى بالاجتهاد، قال فى التوضيح: والمشهور أن على الأب السكنى وهو مذهب المدونة، خلافا لابن وهب.
وعلى المشهور فقال سحنون تكون السكنى على حسب الاجتهاد، ونحوه لابن القاسم فى الدمياطية، وهو قريب مما فى المدونة.
وقال يحيى بن عمر أن السكنى تكون على قدر الجماجم.
وروى أنه لا شئ على المرأة ما كان الأب موسرا.
وقيل انها على الموسر من الاب والحاضنة.
وحكى ابن بشير قولا بأنه لا شئ على الأم من السكنى.
ورأى اللخمى أن الأب ان كان فى مسكن يملكه أو بكراء ولو كان ولده معه لم يزد عليه فى الكراء أن لا شئ عليه، لأنه فى مندوحة عن دفع الأجرة فى سكناه وان كان يزاد عليه فى الكراء أو عليها هى لأجل الولد فعليه الأقل مما يزاد عليه أو عليها لأجله، فان كان ما زيد عليها أقل أخذته، لأنه القدر الذى أضر بها وان كان ما يزاد عليه غرمه، لأنه مما لم يكن له بد لو كان عنده.
وفى الطرر لا سكنى للرضيع على أبيه مدة الرضاع فاذا خرج من الرضاعة كان عليه أن يسكنه، قال خليل ولا أظنهم يختلفون فى الرضيع ثم ذكر المسائل التى اختلف فيها هل هى على الرءوس أولا؟ فقال فى المذهب مسائل اختلف فيها هل هى على الرءوس أو لا منها هذه يعنى أجرة المسكن الذى فيه المحضون.
وجاء فى الشرح الصغير للدردير (١): أن للأنثى الحاضنة عدم السكنى مع من سقطت حضانتها فلا حضانة للحدة اذا سكنت مع بنتها أم الطفل اذا تزوجت الا اذا انفردت بالسكنى عنها والخلو عن زوج دخل بها.
وجاء فى التاج والاكليل (٢) نقلا عن المدونة أنه ان خرج ولى المحضون وصيا أو غيره لسكنى غير بلد حاضنته فله أخذ الولد ان كان معه فى كفاية ويقول لحاضنته اتبعى ولدك ان شئت، ولا يأخذه ان سافر لغير سكنى.
قال مالك: وليس العبد فى انتقاله بولده كالحر والأم أحق كانت أمة أو حرة لأن العبد لاقرار له ولا مسكن.
قال ابن القاسم اذا انتقل لا يأخذ ولده الا أن يكون فطيما، وقال أيضا يأخذه وان كان رضيعا اذا كان يقبل غير أمه.
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج (٣): أن المطلقة تستحق الحضانة فى الحال قبل انقضاء
стр. 2837
العدة على المذهب، ويشترط فى استحقاق المطلقة الحضانة رضا الزوج بدخول المحضون بيته ان كان له فان لم يرض لم تستحق، وهذا بخلاف الزوج الأجنبى اذا رضى بذلك فى أصل النكاح فانها لا تستحق.
وان غابت الأم أو امتنعت من الحضانة فللجدة مثلا أم الأم على الصحيح، كما لو ماتت أو جنت وضابط ذلك أن القريب اذا امتنع كانت الحضانة لمن يليه.
والثانى تكون الولاية للسلطان كما لو غاب الولى فى النكاح أو عضل.
وأجاب الأول بأن القريب أشفق وأكثر فراغا من السلطان وقضية كلامه عدم اجبار الام عند الامتناع، وهو مقيد بما اذا لم تجب النفقة عليها للولد المحضون فان وجبت كأن لم يكن له أب ولا مال أجبرت كما قاله ابن الرفعة، لأنها من جملة النفقة فهى حينئذ كالأب، هذا كله فى غير المميز - وهو من لا يستقل كطفل ومجنون بالغ، أما المميز الصادق بالذكر والانثى فان افترق أبواه من النكاح وصلحا للحضانة ولو فضل أحدهما الآخر دينا أو مالا أو محبة كان عند من اختار منهما، لأن النبى ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه رواه الترمذى وحسنه. والغلامة كالغلام فى الانتساب ولأن القصد بالكفالة الحفظ للولد والمميز أعرف بحظه فيرجع اليه.
وسن التمييز غالبا سبع سنين أو ثمان تقريبا وقد يتقدم على السبع وقد يتأخر عن الثمان والحكم مداره عليه لا على السن.
وقال ابن الرفعة ويعتبر فى تمييزه أن يكون عارفا بأسباب الاختيار والا أخر الى حصول ذلك وهو موكول الى اجتهاد القاضى، وظاهر كلامه أن الولد يتخير ولو أسقط أحدهما حقه قبل التخيير وهو كذلك وان قال الماوردى والرويانى أن الآخر كالعدم.
ولو اختار أحدهما فامتنع من كفالته كفله الآخر، فان رجع الممتنع أعيد التخيير، وان امتنعا وبعدهما مستحقان لها كجد وجدة خير بينهما والا أجبر عليها من تلزمه نفقته، لأنها من جملة الكفاية، اما اذا صلح أحدهما فقط كما نبه على ذلك بقوله: فان كان فى أحدهما أى الأبوين جنون أو كفر أو رق أو فسق أو نكحت أى الأنثى أجنبيا فالحق للآخر فقط فلا تخيير لوجود المانع به، فان عاد صلاح الآخر أنشأ التخيير.
ويخير المميز أيضا عند فقد الأب أو عدم أهليته بين أم وجد أبى أب وان علا، لأنه بمنزلة الأب لولادته وولايته والجدة أم الأم عند فقد الأم أو عدم أهليتها كالأم فيخير الولد بينها وبين الأب، وكذا أخ أو عم أو غيرهما من حاشية النسب مع أم تخير بين
стр. 2838
كل وبين الأم فى الأصح، لأن كلا منهما قائم مقام الأم.
والثانى تقدم فى الأوليين الأم وفى الأخريين الأب.
فان اختار المميز أحدهما أى الأبوين أو من ألحق بهما ثم اختار الآخر حول اليه، لأنه قد يظهر له الأمر بخلاف ما ظنه أو يتغير حال من اختاره أولا، ولأن المتبع شهوته كما قد يشتهى طعاما فى وقت وغيره فى آخر، ولأنه قد يقصد مراعاة الجانبين.
فان اختار الأب ذكر لم يمنعه زيارة أمه، ولا يكلفها الخروج لزيارته، لئلا يكون ساعيا فى العقوق وقطع الرحم، وهو أولى منها بالخروج، لأنه ليس بعورة وهل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب قال فى الكفاية الذى صرح به البندنيجى ودل عليه كلام الماوردى الأول.
ويمنع الأب أنثى اذا اختارته من زيارة أمها لتألف الصيانة وعدم البروز، والأم أولى منها بالخروج، لزيارتها لسنها وخبرتها، وأما الخنثى فالظاهر أنه كالانثى، وظاهر كلامه أنه لا فرق فى الأم بين المخدرة وغيرها وهو كذلك وان بحث الأذرعى الفرق، وظاهر كلامهم أنه لو مكنها من زيارتها لم يحرم عليه وخرج بزيارتها عيادتها فليس له المنع منها لشدة الحاجة اليها.
ولا يمنع الأم من الدخول على ولديها الذكر والأنثى أو الخنثى زائرة، لأن فى ذلك قطعا للرحم، لكن لا تطيل المكث.
وعبر الماوردى بأنه يلزم الاب أن يمكنها من الدخول ولا يولهها على ولدها.
وفى كلام بعضهم ما يفهم عدم اللزوم وبه أفتى ابن الصلاح فقال: فان بخل الأب بدخولها الى منزله أخرجه اليها وهذا هو الظاهر، لأن المقصود يحصل بذلك والزيارة على العادة مرة فى أيام أى يومين فأكثر لا فى كل يوم، نعم ان كان منزلها قريبا فلا بأس أن يدخل كل يوم كما قاله الماوردى، فان مرضا فالأم أولى بتمريضهما، لأنها أهدى اليه وأصبر عليه من الأب ونحوه، فان رضى به فى بيته فذاك ظاهر، والا ففى بيتها يكون التمريض ويعودهما ويجب الاحتراز فى الحالين من الخلوة بها وان اختارها أى الأم ذكر فعندها ليلا وعند الأب نهارا وما قاله فى الليل والنهار قال الأذرعى جرى على الغالب فلو كانت حرفة الأب ليلا كالأتونى فالأقرب ان الليل فى حقه كالنهار فى حق غيره حتى يكون عند الأب ليلا، لأنه وقت التعلم والتعليم وعند الأم نهارا، كما قالوا فى القسم بين الزوجات أو كان الذى اختار الأم أنثى أو خنثى كما بحثه شيخنا، فعندها ليلا ونهارا لاستواء الزمانين فى حقها طلبا لسترها، ولا يطلب الأب احضارها بل يزورها الأب لتألف الستر والصيانة على العادة مرة فى يومين فأكثر لا فى كل يوم، وقوله على العادة يقتضى منعه من زيارتها ليلا وبه صرح بعضهم لما فيه من التهمة
стр. 2839
والريبة، وظاهر أنها لو كانت بمسكن زوج لها لم يجز لها أن تدخله الا باذن منه فان لم يأذن أخرجتها اليه ليراها، ويتفقد حالها، ويلاحظها بقيام تأديبها وتعليمها وتحمل مؤنتها.
وكذا حكم الصغير غير المميز والمجنون الذى لا تستقل الأم بضبطه فيكونان عند الأم ليلا ونهارا ويزورهما الأب ويلاحظهما وان اختار الولد المميز أبويه أقرع بينهما قطعا للنزاع ويكون عند من خرجت قرعته منهما فان لم يختر واحدا منهما فالأم أولى لأن الحضانة لها ولم يختر غيرها وقيل يقرع بينهما وبه أجاب البغوى، لأن الحضانة لكل منهما، ولو اختار غيرهما فالأم أولى أيضا استصحابا لما كان.
ثم ما تقدم فى أبوين مقيمين فى بلد واحدة، وحينئذ لو أراد أحدهما سفر حاجة كتجارة وحج. طويلا كان السفر أم لا كان الولد المميز وغيره مع المقيم من الأبوين حتى يعود المسافر منهما، لما فى السفر من الخطر والضرر.
تنبيه: لو كان المقيم الأم وكان فى مقامه معها مفسدة أو ضياع مصلحة كما لو كان يعلمه القرآن أو الحرفة وهما ببلد لا يقوم غيره مقامه فى ذلك فالمتجه كما قاله الزركشى تمكين الأب من السفر به لا سيما ان اختاره الولد.
ولو أراد كل منهما السفر لحاجة واختلف طريقهما ومقصدهما فللرافعى فيه احتمالان.
أحدهما: يدام حق الأم.
والثانى: أن يكون مع الذى مقصده أقرب أو مدة سفره أقصر.
والمختار الأول وهو مقتضى كلام الأصحاب.
وفى موضع (١) آخر ان بلغ المحضون نظر، فان كان غلاما وبلغ رشيدا ولى أمر نفسه لاستغنائه عمن يكفله فلا يجبر على الاقامة عند أحد أبويه، والأولى أن لا يفارقهما ليبرهما.
قال الماوردى وعند الأب أولى للمجانسة.
نعم ان كان أمرد أو خيف من انفراده ففى العدة عن الأصحاب أنه يمنع من مفارقة الأبوين.
أما ان بلغ عاقلا غير رشيد فأطلق مطلقون أنه كالصبى.
وقال ابن كج ان كان لعدم اصلاح ماله فكذلك، وان كان لدينه فقيل تدام حضانته الى ارتفاع الحجر.
والمذهب أن يسكن حيث شاء.
قال الرافعى: وهذا التفصيل حسن.
وان كان أنثى فان بلغت رشيدة فالأولى أن تكون عند أحدهما حتى تتزوج ان كانا مفترقين وبينهما ان كانا مجتمعين، لأنه أبعد عن التهمة، ولها أن تسكن حيث شاءت ولو بأجرة، هذا اذا لم تكن ريبة فان كانت فللأم اسكانها معها، وكذا للولى من العصبة اسكانها معه اذا كان محرما لها، والا ففى
стр. 2840
موضع لائق بها يسكنها ويلاحظها دفعا لعار النسب كما يمنعها نكاح غير الكفء ويجبر على ذلك والأمرد مثلها فيما ذكر كما مرت الاشارة اليه.
ويصدق الولى بيمينه فى دعوى الريبة ولا يكلف بينة، لأن اسكانها فى موضع البراءة أهون من الفضيحة لو أقام بينة وان بلغت غير رشيدة ففيها التفصيل المار.
وجاء فى الفتاوى الكبرى (١): أن الأم الحاضنة اذا طلبت أجرة المسكن الذى تحضن فيه أولادها نظرنا، فان كانت فى عصمة الزوج الأب فالاسكان عليه والا فليس لها الا أجرة الحضانة فتستأجر منها مسكنا ان شاءت ولا تسقط حضانتها بعدم ملكها أو نحوه لمسكن.
ويحق للرجل أن ينتزع بنت عمه من أمها التى لا حضانة لها ويسكنها عنده لكن بشرط أن لا يخلو بها، بأن تكون عنده زوجته أو أمته أو بعض محارمه أو محارمها، سواء أبعدت بلده عن بلد الأم أم لا، وهذا ان كانت غير رشيدة أو كان هناك ريبة والا سكنت حيث شاءت.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف (٢) القناع: متى أراد أحد الأبوين النقلة الى بلد مسافة قصر فأكثر آمن هو - أى البلد والطريق ليسكنه فالأب أحق بالحضانة، سواء كان المقيم هو الأب أو المنتقل، لأن الأب فى العادة هو الذى يقوم بتأديب الصغير وحفظ نسبه، فاذا لم يكن الولد فى بلد الأب ضاع، قال فى الهدى: هذا كله ما لم يرد المنتقل بالنقلة مضارة الآخر، أى ما لم يرد الأب بالانتقال مضارة الأم وانتزاع الولد منها، فاذا أراد ذلك لم يجب اليه بل يعمل ما فيه مصلحة الولد، قال فى المبدع وهو مراد الأصحاب، قال فى الانصاف أما صورة المضارة فلا شك فيها وأنه لا يوافق على ذلك.
وان كان البلد المنتقل اليه قريبا أى دون مسافة القصر للسكنى فالأم أحق لأنها أتم شفقة والسفر القريب كلا سفر، وان كان السفر بعيدا لحاجة ثم يعود ولو لحج أو كان السفر قريبا لحاجة ثم يعود، أو كان السفر بعيدا للسكنى لكنه مخوف هو أو الطريق فالمقيم منهما أولى لأن فى المسافرة بالطفل أضرارا به مع الحاجة اليه.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم فى المحلى (٣): الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام أو الا نبات مع التمييز وصحة الجسم، سواء كانت أمة أو حرة تزوجت أو لم تتزوج رحل الأب عن ذلك البلد أو لم يرحل، ولم يأت نص
стр. 2841
صحيح قط بأن الأم ان تزوجت يسقط حقها فى الحضانة ولا بأن الأب ان رحل عن ذلك البلد سقط حق الأم فى الحضانة.
ثم قال (١) وأما مدة الرضاع فلا نبالى عن ذلك لقول الله تعالى «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ٢ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ .. الآية».
ثم (٣) قال: واذا بلغ الولد أو الابنة عاقلين فهما أملك بأنفسهما ويسكنان أينما أحبا، فان لم يؤمنا على معصية من شرب خمر أو تبرج أو تخليط فللأب أو غيره من العصبة أو للحاكم أو للجيران أن يمنعاهما من ذلك ويسكناهما حيث يشرفان على أمورهما.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٤): يجوز للمرضعة أن تنقل الطفل الى مقرها ترضعه هناك ان لم يشترط عليها أن ترضعه فى منزلها غالبا أى اذا لم يكن مقرها دار حرب أو دار فسق أو يخاف على الولد فيه، أو تكون فيه غريبة ليست بين أهلها، فان كان مقرها واحدا مما ذكر - مثلا فليس لها أن تنقله.
قال البعض الا أن تنقله من دار الحرب الى دار الاسلام فانه يجوز ولو كانت غريبة.
ولا خلاف فى أنه يجوز لها ذلك الانتقال فيما دون البريد.
ولا خلاف كذلك فى أنه لا يجوز لها الانتقال فى الصور التى احترز منها.
واختلفوا فيما عدا ذلك، فالمذهب أن لها نقله الى مقرها سواء وقع العقد فى بلدها أم لا وسواء كان بلدها مصرا أو سوادا.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل (٥) وشرحه أنه لا حد فى نفقة الرضيع ولا الطفل بل ذلك بنظر العدول لاختلاف أحوال الناس والأزمنة والأمكنة، وكذا فى المسكن والكسوة، وان أرادت جدة الطفل لأمه حضانته على بيع دار سكناه وانفاقه منها وأرادت جدته لأبيه حضانته على أن تنفق عليه من مالها فتبقى له داره فقيل هى أولى لبقاء ماله.
وقيل جدته من قبل الأم أولى، لأن الأم أولى.
وليس للرضيع سكنى بالقضاء على أبيه لأنه فى حجر من يرضعه.
وان سافر الولى الذى ينفق المال ستة برد فصاعدا للاستطانة لا لتجر أو نحو ذلك
стр. 2842
فله أن يأخذ الولد معه ولا حق للحاضنة الا ان سافرت وسكنت معه قيل ولو كانت الحاضنة أما (١).
اسكان القريب
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب البحر (٢) الرائق: أنه تجب على الأب النفقة والسكنى والكسوة للولد الصغير الفقير لقول الله تعالى «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ٣ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» فالأب ينفرد بتحمل نفقة الابن، ولا يشاركه فيها أحد، والولد اذا كان غنيا والأب محتاجا لم يشارك الولد أحد فى نفقة الوالد، وقيد بالصغير، لأن البالغ القادر على التكسب لا تجب نفقته على أبيه وهذا بالنسبة للذكر.
أما الأنثى فتجب نفقتها مطلقا، لأن الانوثة عجز وقيد بالفقير، لأن الصغير اذا كان له مال فنفقته فى ماله ويقيد أيضا بالحرية، لأن الولد المملوك نفقته على مالكه لا على أبيه هذا، والولد يشمل أولاده وأولاد البنات وأولاد البنين واذا كان من وجب (٤) عليه السكنى لقريبه غائبا فرض القاضى لطفل الغائب وأبويه السكنى من ماله بشرطين.
أولهما أن يكون من عنده المال مقرا به.
والثانى أن يكون مقرا بالنسب، لأنه لما أقر بهما فقد أقر بأن حق الأخذ لهم، ولأن لهم أن يأخذوا من ماله بغير قضاء ولا رضا وكان القضاء فى حقهم اعانة وفتوى من القاضى، وحكم الولد الكبير الزمن أو الأنثى مطلقا كالصغير.
وكذلك تجب على الابن (٥) النفقة لأبويه وأجداده وجداته لو فقراء.
وجميع ما وجب للزوجة يجب للأب والأم على الولد من طعام وشراب وكسوة وسكنى حتى الخادم.
ثم قال (٦): وكذلك تجب السكنى للمملوك على سيده.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى (٧): تجب بالقرابة على الولد الحر الموسر صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا صحيحا أو مريضا نفقة الوالدين الحرين ولو كافرين والولد مسلم أو بالعكس. المعسرين بنفقتهما كلا أو بعضا فيجب عليه تمام الكفاية حيث عجز عن الكسب، والا لم تجب على الولد،
стр. 2843
وأجبر على الكسب على المعتمد، كما أن الولد انما تجب نفقته على أبيه عند عجزه عن التكسب.
ولا يجب على الولد المعسر أن يتكسب بصنعة أو غيرها لينفق على أبويه ولو كان له صنعة وكذا عكسه وأثبتا أى الوالدان العدم بالفتح أى الفقر عند ادعاء الولد يسرهما بعدلين لا بشاهد وامرأتين أو أحدهما ويمين «لا بيمين» أى لا مع يمين منهما مع العدلين.
وهل الابن اذا طولب من والده بالنفقة وادعى العدم محمول على الملاء فعليه اثبات العدم أو على العدم فاثبات ملائه عليهما؟ قولان: محلهما اذا كان الولد منفردا ليس له أخ، أو له أخ وادعى العدم أيضا، وأما لو كان له أخ موسر فعلى من ادعى العدم اثباته ببينة باتفاق القولين.
ويجب على الولد الموسر نفقة خادمهما أى خادم الوالدين وظاهره وان كانا غير محتاجين اليه لقدرتهما على الخدمة بأنفسهما حرا كان الخادم أو رقيقا لهما، بخلاف خادم الولد فلا يلزم الأب نفقته ولو احتاج له ونفقة خادم زوجة الأب المتأهلة لذلك وظاهره ولو تعدد.
وعلق الدسوقى فى حاشيته على قوله المتأهلة لذلك أى التى هى أهل للاخدام والا فلا، ولو تعدد الخادم الذى لزوجة الأب وهذا الظاهر مسلم.
وقال خليل: ويجب على الولد الموسر اعفاف الأب بزوجة واحدة لا أكثر ان أعفته الواحدة.
قال الدسوقى: فان لم تعفه الواحدة زيد عليها من يحصل به العفاف - ولا تتعدد النفقة على الولد لزوجتى الأب ان كانت احداهما أمه على ظاهرها، وأولى ان كانتا أجنبيتين، والقول للأب فيمن ينفق عليها الابن حيث لم تكن احداهما أمه، والا تعينت الأم ولو غنية، وعلق الدسوقى على قوله وأولى ان كانتا أجنبيتين، وانما قيد بقوله ان كانت احداهما أمه، لأجل قوله على ظاهرها، وأما لو كانتا أجنبيتين فانها لا تتعدد على ظاهرها وعلى غير ظاهرها، وقوله ولا تتعدد ان كانت احداهما أمه وأولى ان كانتا أجنبيتين، مقيد بما اذا كان العفاف يحصل بواحدة، والا تعددت النفقة على الولد، وتجب النفقة فى هذا المقام على الأم ولو غنية، لأن النفقة هنا للزوجية لا للقرابة.
وما فى الشيخ أحمد من أنه ينفق على أمه ان كانت فقيرة اما ان كانت غنية فهى كالأجنبية فغير معول عليه.
ثم قال: ولا تجب على الولد نفقة زوج أمه الفقير، ولا نفقة جد وجدة مطلقا، ولا نفقة ولد ابن ذكر أو أنثى على جده.
ولا يسقطها عن الولد تزويجها أى الأم بفقير أو كان غنيا فافتقر وكذا البنت تتزوج بفقير لم تسقط عن الأب، وكذا من التزم نفقة أجنبية فتزوجت بفقير لم تسقط عن
стр. 2844
الملتزم بخلاف تزوجها بغنى فتسقط الا أن تقوم قرينة على الاطلاق.
ووزعت نفقة الأبوين على الأولاد الموسرين، وهل على الرءوس الذكر كالأنثى ولو تفاوتوا فى اليسار؟ أو على الارث الذكر كأنثيين؟ أو على اليسار حيث اختلفوا؟ فيه أقوال، أرجحها الأخير.
وتجب نفقة الولد على أبيه الحر الموسر بما فضل عن قوته وقوت زوجته أو زوجاته، وهذا مجمل فصله بقوله الذكر الحر الفقير العاجز عن الكسب حتى يبلغ عاقلا قادرا على الكسب فتسقط عن الأب ولا تعود بعد أن طرأ جنون أو عجز كعمى أو زمانة، وكذا تجب نفقة الأنثى الحرة على أبيها حتى يدخل بها زوجها البالغ، واستظهر القول بأنه ان دخل لم يشترط بلوغه ولو غير مطيقة أو يدعى للدخول وهى مطيقة فتجب على الزوج ولو لم يطأ، فالمراد بالدخول مجرد الخلوة.
وتسقط نفقة الولد وكذا نفقة الوالدين عن المنفق الموسر بمضى الزمن، فاذا مضى زمن وهو يأكل عند غير من وجبت عليه مثلا فليس له الرجوع على من وجبت عليه لأنها لسد الخلة وقد حصلت فليست كنفقة الزوجة لأنها فى مقابلة الاستمتاع وقد استثنى من مسألة السقوط مسألتين لا تسقط فيهما النفقة.
احداهما: أن تجب لقضية معناه أنها تجمدت فى الماضى فرفع مستحقها لحاكم لا يرى السقوط بمضى الزمن فحكم بلزومها وليس معناه أنه فرضها وقدرها للزمن المستقبل لأن حكم الحاكم لا يدخل المستقبلات نص عليه القرافى اذ لا يجوز للحاكم أن يفرض شيئا واحدا على الدوام قبل وقته لأنه يختلف باختلاف الأوقات المسألة الثانية قوله أو ينفق على الولد خاصة شخص غير متبرع على الصغير فيرجع على أبيه لأن وجود الأب موسرا كالمال لا ان أنفق متبرع أو كان الأب معسرا فلا يرجع كما تقدم عند قوله وعلى الصغير ان كان له مال ولا ان أنفق شخص على والدين لا حد فلا رجوع له على ولدهما الا لقضية كما تقدم، فالاستثناء الأول عام، والثانى خاص بالولد واستمرت نفقة الأنثى على أبيها بمعنى عادت عليه ان دخل بها الزوج زمنة واستمرت بها الزمانة، ثم طلق أو مات وهى زمنة فقيرة ولو بالغا لا ان تزوجها صحيحة عادت للاب بطلاق أو موت بالغة ثيبا صحيحة قادرة على الكسب فلا تعود على الأب، بخلاف ما لو رجعت صغيرة ثيبا فتعود وهل الى البلوغ أو الى دخول زوج بها؟ قولان، ولو عادت بكرا فالى دخول زوج أو دخل الزوج بها زمنة فصحت وعادت الزمانة عند الزوج ثم تأيمت زمنة ثيبا بالغة فلا تعود على أبيها وأولى لو تزوجت صحيحة فزمنت عند زوجها فتأيمت.
والحاصل أن النفقة لا تعود على الأب الا اذا عادت لأبيها صغيرة أو بكرا أو بالغا زمنة، وقد كان الزوج دخل بها كذلك، واستمرت على ذلك حتى تأيمت زمنة فقيرة.
стр. 2845
وقيل أن مفاد النقل أنها ان رجعت زمنة عادت على أبيها مطلقا وعلى المكاتبة نفقة أولادها الارقاء ان دخلوا معها بشرط أو كانت حاملا بهم وقت الكتابة أو حدثوا بعدها لا على أبيهم ولا سيدهم ان لم يكن الأب معها فى الكتابة بأن كان حرا أو رقيقا أو فى كتابة أخرى، فان كان معها فنفقتها ونفقة أولادها عليه، وليس عجزه أى المكاتب الشامل للأب وللمكاتبة عنها أى عن النفقة على نفسه أو ولده عجزا عن الكتابة، لأن النفقة شرطها اليسار فى الحال وأما الكتابة فمنوطة بالرقبة الى أجلها فلا تلازم بينهما.
مذهب الشافعية:
ذكر صاحب نهاية (١) المحتاج: أن الفرع الحر أو المبعض ذكرا كان أو أنثى تلزمه نفقة الوالد المعصوم الحر وأن علا وقنه المحتاج له وزوجته ان وجب اعفافه ولو أنثى غير وارثة اجماعا ويدخل فى النفقة معه نحو دواء وأجرة طبيب، لقوله تعالى «وَصاحِبْهُما ٢ فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» وللخبر الصحيح «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه، ويلزم (٣) الأصل الحر أو المبعض ذكرا أو أنثى نفقة الولد المعصوم الحر وان سفل ولو أنثى كذلك لقول الله تعالى «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ» الآية ومعنى، وعلى الوارث مثل ذلك الذى أخذ منه أبو حنيفة رضى الله عنه وجوب نفقة المحارم عدم المضارة كما قيده ابن عباس رضى الله عنهما وهو أعلم بالقرآن من غيره. وقوله «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» فاذا لزمه أجرة الرضاع فكفايته ألزم، ومن ثم أجمعوا على ذلك فى طفل لا مال له، وألحق به بالغ عاجز كذلك، لخبر هند «خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف وان اختلف دينهما، بشرط عصمة المنفق عليه، لا نحو مرتد وحربى كما جرى عليه جمع اذ لا حرمة لهما لأنه مأمور بقتلهما وذلك لعموم الأدلة وكالعتق ورد الشهادة بخلاف الارث فانه مبنى على المناصرة وهى مفقودة حينئذ، وانما تجب بشرط يسار المنفق، لأنها مواساة، ونفقة الزوج معاوضة ويقبل قوله بيمينه فى اعساره حيث لم يكذبه ظاهر حاله، والا طولب ببينة تشهد له بفاضل عن قوته وقوت عياله من زوجته وخادمها وأم ولده كما ألحقهما بها الأذرعى بحثا، وعن سائر مؤنهم.
وخص القوت، لأنه أهم، لا عن دينه كما صرح به الأصحاب فى باب الفلس، وذلك لخبر مسلم «ابدأ بنفسك فتصدق عليها» فان فضل شئ فلأهلك فان فضل عن أهلك شى فلذى قرابتك.
ويباع فيها ما يباع فى الدين من عقار وغيره كمسكن وخادم ومركوب ان احتاجهما لتقدمها على وفائه فيباع فيها ما يباع فيه بالأولى، فسقط ما قيل كيف يباع مسكنه لاكتراء مسكن لأصله، ويبقى هو بلا مسكن مع خبر ابدأ بنفسك، على أن الخبر انما يأتى فيما اذا لم يبق معه بعد بيع مسكنه الا
стр. 2846
ما يكفى أجرة مسكنه، أو مسكن والده، وحينئذ المقدم مسكنه، فذكر الخبر تأكيدا للاشكال وهم وكيفية بيع العقار لها كما سيأتى فى نفقة العبد، وصححه المصنف، وصوبه الأذرعى، والحق غير العقار به فى ذلك مما يشق بيعه شيئا فشيئا أنه يستدان لها الى اجتماع ما يسهل بيعه فيباع، فان تعذر بيع الجزء ولم يوجد من يشترى الا الكل أما ما لا يباع فيه فلا يباع فيها بل يترك له ولممونه.
ويلزم كسوبا كسبها أى المؤن ولو لحليلة الأصل كالأدم والسكنى والاخدام حيث وجب فى الأصح (أى يلزم الفرع القادر على الكسب ان يكسب نفقة الأصل بأنواعها ولو لزوجة هذا الأصل) ان حل ولاق به وان لم تجر به عادته، لأن القدرة بالكسب كهى بالمال فى تحريم الزكاة، وانما لم يلزمه لوفاء دين لم يعص به، لأنه على التراخى وهذه فورية.
ثم قال: وتجب لفقير غير مكتسب ان كان زمنا أو أعمى أو مريضا أو صغيرا أو مجنونا، لعجزه عن كفاية نفسه، ومن ثم لو أطاق صغير الكسب أو تعلمه ولاق به جاز للولى أن يحمله عليه وينفق منه عليه فان امتنع أو هرب لزم الولى انفاقه والا بأن قدر على الكسب ولم يفعله ولم يكن كما ذكر فأقوال.
أحسنها تجب للأهل والفرع ولا يكلفان الكسب لحرمتهما.
وثانيهما لا تجب لأنه غنى.
والثالث تجب، لأصل ولا يكلف كسبا لا رع بل يكلف الكسب، قلت الثالث أظهر والله أعلم، لتأكد حرمة الأصل، ولأن تكليفه الكسب مع كبر سنه ليس من المعاشرة بالمعروف المأمور بها، ومحل ذلك حيث لم يشتغل بمال ولده ومصالحه والا وجبت نفقته جزما.
وهى أى نفقة القريب الكفاية لخبر «خذى من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف» فيجب اعطاؤه كسوة وسكنى تليق بحاله وقوتا وأدما يليق بسنه كمؤنة الرضاع حولين وتعتبر رغبته وزهادته بحيث يتمكن معه من التردد على العادة ويدفع عنه ألم الجوع لاتمام الشبع كما قاله الغزالى، أى المبالغة فيه، وأما اشباعه فواجب كما صرح به ابن يونس وغيره.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١): المراد بالأقارب من يرثه بفرض أو تعصيب فيدخل فيهم العتيق تجب عليه نفقة والديه وان علوا لقول الله تعالى «وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ٢» ومن الاحسان الانفاق عليهما عند حاجتهما ولقول الله «وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا ٣ مَعْرُوفاً» ومن المعروف القيام بكفايتهما رواه أبو داود والترمذى وحسنه.
стр. 2847
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة فى مال الولد.
ويجب عليه أيضا نفقة ولده وان سفل لقول الله ﵎ «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ١ بِالْمَعْرُوفِ» ولأن الانسان يجب عليه أن ينفق على نفسه وزوجته، فكذا على بعضه وأصله أو بعضها أى لو وحد والده أو ولده بعض النفقة وعجزوا عن اتمامها وجب عليه اكمالها، لما سبق حتى ذوى الأرحام منهم أى من والديه وان علوا وولده وان سفلوا ولو حجبه معسر كجد موسر مع أب معسر وكابن معسر وابن ابن موسر فتجب النفقة على الموسر فى المثالين، ولا أثر لكونه محجوبا، لأن بينهما قرابة قوية توجب العتق ورد الشهادة فأشبه القريب.
وتجب النفقة لمن ذكر بالمعروف أى بحسب ما يليق بهم من حلال لا من حرام اذا كانوا أى الاصول والفروع فقراء، فان كانوا أغنياء لم يجب عليه نفقتهم.
وله أى المنفق ما ينفق عليهم فاضلا عن نفسه وامرأته ورقيقه يومه وليلته وعن كسوتهم وسكناهم من ماله وأجرة ملكه ونحوه كتجارته أو من كسبه لقول رسول الله ﷺ : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ولأنها مواساة فلا تجب على المحتاج كالبر.
ولا يجب الانفاق على من ذكر من أصل البضاعة التى يتجر بها ولا من ثمن الملك وآلة العمل، لحصول الضرر بذلك لفوات ما يتحصل منه قوته وقوت زوجته ونحوها.
ويجبر قادر على التكسب من عمودى النسب، ولا تجب نفقته اذن، لأن كسبه الذى يستغنى به كالمال.
ويلزمه أيضا نفقة كل من يرثه بفرض أو تعصيب ممن سواه أى سوى عمودى النسب سواء ورثه الآخر كأخيه أو لا كعمته وبنت أخيه ونحوه كبنت عمه، لقول الله تعالى «وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» أوجب النفقة على الأب، ثم عطف الوارث عليه، وذلك يقتضى الاشتراك فى الوجوب.
فأما ذوو الأرحام وهم من ليس بذى فرض ولا عصبة من غير عمودى النسب فلا نفقة لهم ولا عليهم، لعدم النص فيهم، ولأن قرابتهم ضعيفة، وانما يأخذون ماله فهم كسائر المسلمين فى أن المال يصرف إليهم إذا لم يكن للميت وارث بدليل تقديم الرد عليهم.
واختار الشيخ تقى الدين الوجوب، لأنه من صلة الرحم وهو عام ويتلخص لوجوب الانفاق على القريب ثلاثة شروط.
أحدها: أن يكون المنفق عليهم فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن
стр. 2848
انفاق غيرهم والكسوة والسكن كالنفقة وشرطه الحرية فمتى كان أحدهما رقيقا فلا نفقة فان كانوا. أى المنفق عليهم موسرين بمال أو كسب يكفيهم فلا نفقة لهم لفقد شرطه فان لم يكفهم ذلك وجب اكمالها.
الثانى: أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم منه فاضل عن نفقة نفسه وزوجته وقنه. اما من ماله أو اما من كسبه فمن لا يفضل عنه شئ لا يجب عليه شئ لأنها وجبت مواساة وليس من أهلها اذن.
الثالث: أن يكون المنفق وارثا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب ان كان من غير عمودى النسب، اما عمود النسب فتجب ولو من ذوى الارحام أو حجبه معسر.
قال فى الاختيارات: وعلى المولود الموسر أن ينفق على أبيه المعسر وزوجة أبيه، وعلى اخوته الصغار، وان كان للفقير ولو حملا وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر ارثهم عنه لأن الله تعالى رتب النفقة على الارث فيجب أن يرتب المقدار عليه فأم وجد لأب على الأم الثلث والباقى على الجد، لأنهما يرثان كذلك وجدة وأخ لغير أم أى شقيق أو لأب على الجدة السدس والباقى على الأخ كارثهما له وأم وبنت النفقة بينهما أرباعا كما يرثانه فرضا وردا وابن وبنت النفقة بينهما أثلاثا لما سبق فان كان أحدهم. أى الوراث موسرا لزمه بقدر ارثه من غير زيادة، لأن الموسر منهما انما يجب عليه مع يسار الآخر ذلك القدر فلا يتحمل عن غيره اذا لم يجد الغير ما يجب عليه ما لم يكن من عمودى النسب فتجب النفقة كلها على الموسر لقوة القرابة بدليل عدم اشتراط الارث.
وعلى هذا المعنى السابق حساب النفقات يعنى أن ترتيب النفقات على ترتيب الميراث فكما أن للجدة السدس من الميراث كذلك عليها السدس من النفقة.
ولو اجتمع بنت وأخت لغير أم أو بنت وأخ أو ثلاث أخوات متفرقات فالنفقة بينهم على قدر الميراث (١) فى ذلك سواء كان ردا أو كان عولا أولا.
ولو اجتمع أم أم وأم أب فهما سواء فى النفقة، لاستوائهما فى الميراث الا أن يكون له أى المنفق عليه أب فينفرد بالنفقة بالمعروف وأم أم وأبو أم الكل على أم الأم لأنها وارثة بخلاف أبى الأم.
ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما، أما الابن فلعسرته، وأما الأخ، فلعدم ميراثه.
ومن له أم فقيرة وجدة موسرة فالنفقة على الجدة الموسرة وان كانت محجوبة لقوة القرابة.
стр. 2849
وكذا أب فقير وجد موسر النفقة على الجد.
وأبوان وجد والأب معسر على الأم الموسرة ثلث النفقة، لأنها ترث الثلث والباقى على الجد، لأنه يرثه كذلك لولا الأب، وان كان معهم زوجة فكذلك، لأنه لا مدخل لها فى وجوب النفقة بل نفقتها تابعة لنفقته.
وأبوان وأخوان وجد والأب معسر فلا شئ على الأخوين، لأنهما محجوبان، وليسا من عمودى النسب، ويكون على الأم الثلث من النفقة قياس القاعدة السابقة السدس فقط كالارث، لحجب الأخوين لها عن الثلث، وان كانا محجوبين بالأب، والباقى على الجد، كما لو لم يكن أخوان، وان لم يكن فى المسألة جد، فالنفقة كلها على الأم وحدها دون الأب، لعسرته ودون الأخوة لحجبهم.
وتجب نفقة من لا حرفة له ولو كان صحيحا مكلفا ولو كان من غير الوالدين، لقول النبى ﵊ لهند «خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف» ولم يستثن منهم بالغا ولا صحيحا، ولأنه فقير يستحق النفقة على قريبه أشبه الزمن، فان كان له حرفة لم تجب نفقته، قال فى المبدع بغير خلاف، لأن الحرفة تعينه، ونفقة القريب لا تجب الا مع الفقر، ولا بد أن تكون الحرفة يحصل بها غناه، والا وجب الاكمال.
ويلزمه. أى المنفق خدمة قريب وجبت نفقته فيخدمه بنفسه أو غيره لحاجة الى الخدمة كزوجة، لأنه من تمام الكفاية.
ويبدأ من لم يفضل عنه ما يكفى جميع من تجب نفقتهم بالانفاق على نفسه لحديث «ابدأ بنفسك» فان فضل عنه نفقة واحد فأكثر بدأ بامرأته، لأنها واجبة على سبيل المعاوضة فقدمت على المواساة ولذلك وجبت مع اليسار والاعسار، ثم بالأقرب فالأقرب لحديث طارق المحاربى «ابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك أى الأدنى فالأدنى، ولأن النفقة صلة وبر ومن قرب أولى بالبر ممن بعد، ثم يبدأ بالعصبة مع الاستواء فى الدرجة كأخوين لأم أحدهما ابن عم ثم التساوى، لعدم المرجح.
وان فضل عنه ما يكفى واحدا لزمه بذله لمن وجبت نفقته لحديث: اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، فان كان له أبوان قدم الأب على الأم لفضيلته وانفراده بالولاية، واستحقاق الاخذ من ماله، فان كان معهما أى الأبوين ابن قدمه عليهما لوجوب نفقته بالنص.
نقل أبو طالب الابن أحق بالنفقة منها وهى أحق بالبر.
وقال القاضى فيما اذا اجتمع الأبوان والابن ان كان الابن صغيرا أو مجنونا
стр. 2850
قدم، لأن نفقته وجبت بالنص مع أنه عاجز، وان كان الابن كبيرا والأب زمنا فهو أى الأب أحق، لأن حرمته آكد وحاجته أشد.
وفى المستوعب يقدم الأحوج ممن تقدم فى هذه المسائل لشدة حاجته.
وان كان أب وجد أو ابن وابن ابن قدم الأب والابن لأنه أقرب.
ويقدم جد على أخ لأن له مزية الولادة والابوة، وأب على ابن ابن، لقربه، ولأنه لا يسقط ارثه بحال.
ويقدم أبو أب على أبى أم لامتيازه بالعصوبة، والجد أبو الأم مع أبى أبى أب يستويان، لأن أب الأم امتاز بالقرب وأبا أبى الأب امتاز بالعصوبة فتساويا لذلك وظاهر كلامهم قال فى الفروع وظاهر كلام أصحابنا يأخذ من وجبت له النفقة بغير اذنه أى اذن من وجبت عليه ان امتنع من الانفاق لزوجة.
نقل ابناه والجماعة: يأخذ من مال والده بلا اذنه بالمعروف اذا احتاج ولا يتصدق ولا تجب نفقة لقريب مع اختلاف دين أى اذا كان دين القريبين مختلف فلا نفقة لأحدهما على الآخر لأنه لا توارث بينهما ولا ولاية أشبه ما لو كان أحدهما رقيقا الا بالولاء لثبوت ارثه من عتيقه مع اختلاف الدين أو بالحاق القافة فتجب النفقة مع اختلاف الدين ذكره فى الوجيز والرعاية.
وقال فى الانصاف ولا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين هذا هو المذهب مطلقا وقطع به كثير منهم ومن ترك الانفاق الواجب مدة لم يلزمه عوضه أطلقه الأكثر وجزم به فى الفصول، لأن نفقة القريب وجبت لدفع الحاجة واحياء النفس وقد حصل ذلك فى الماضى بدونها وذكر جماعة الا ان فرضها حاكم لأنها تأكدت بفرضه كنفقة الزوجة أو استدان باذنه.
قال فى المحرر وأما نفقة أقاربه فلا تلزمه لما مضى وان فرضت الا أن (١) يستدين عليه باذن الحاكم لكن لو غاب زوج فاستدانت لها ولأولادها الصغار رجعت بما استدانته نقله أحمد بن هاشم.
قلت وكذا لو كان أولادها مجانين أو وجبت نفقتهم لعجزهم عن التكسب.
ولو امتنع زوج أو قريب من نفقة واجبة بأن تطلب منه النفقة فيمتنع فقام بها غيره رجع عليه منفق عليه بنية الرجوع، لأنه قام عنه بواجب كقضاء دينه، ويلزمه نفقة زوجة من تلزمه مؤنته، لأنه لا يتمكن من الاعفاف الا به.
ويجب أيضا على من وجبت عليه النفقة لقريبه اعفاف من وجبت له نفقة من
стр. 2851
أب وان علا ومن ابن وان نزل وغيرهم، كأخ وعم اذا احتاج الى النكاح لزوجة حرة أو سرية تعفه أو يدفع المنفق اليه ما لا يتزوج به حرة أو يشترى به أمة، لأن ذلك مما تدعو حاجته اليه ويستضر بفقده فلزم على من تلزمه نفقته ولا يشبه ذلك الحلوى فانه لا يستضر بتركها.
والتخيير فيما ذكر للملزوم بذلك، لأنه المخاطب به فكانت الخيرة اليه فيه فيقدم تعيينه على تعيين المعفوف، وليس له أن يزوجه قبيحة ولا أن يملكه اياها. أى أمة قبيحة لعدم حصول الاعفاف بها، ولا يزوجه ولا يملكه كبيرة لا استمتاع بها لعدم حصول المقصود بها، ولا أن يزوجه أمة، لما فيه من الضرر عليه ولاسترقاق أولاده.
ولا يملك القريب استرجاع ما دفع اليه من جارية ولا عوض ما زوجه به اذا أيسر، لأنه واجب عليه كالنفقة لا يرجع بها بعد ويقدم تعيين قريب اذا استوى المهر على تعيين زوج لما سبق ويصدق المنفق عليه اذا ادعى أنه تائق بلا يمين، لأنه الظاهر بمقتضى الجبلة.
وان ماتت التى أعفه بها من زوجة أو أمة أعفه ثانيا، لأنه لا صنع له فى ذلك الا ان يطلق لغير عذر أو أعتق السرية مجانا بأن لم يجعل عتقها صداقها فلا يلزمه اعفافه ثانيا، لأنه الذى فوت على نفسه.
وان اجتمع جدان ولم يملك ولد ولدهما الا اعفاف أحدهما قدم الأقرب كالنفقة الا أن يكون أحدهما من جهة الاب فيقدم وان بعد على الذى من جهة الأم لامتيازه بالعصوبة ولم يظهر لى تحقيق الفرق بين النفقة والاعفاف.
ويلزمه اعفاف أمه كأبيه اذا طلبت ذلك وخطبها كفؤ.
قال القاضى ولو سلم فالأب آكد لأنه لا يتصور لأن الاعفاف لها بالتزويج ونفقتها على الزوج قال فى الفروع ويتوجه تلزمه نفقته ان تعذر تزويج بدونها وهو ظاهر القول الاول.
والواجب فى نفقة القريب قدر الكفاية من الخبز والأدم والكسوة والمسكن بقدر العادة، لأن الحاجة انما تندفع بذلك كما ذكرنا فى الزوجة ويجب على المعتق نفقة عتيقه لأنه يرثه فدخل فى عموم قوله تعالى «وَعَلَى ١ الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» ولقوله ﵊ «أمك وأباك وأختك وأخاك أدناك ادناك ومولاك الذى يلى ذاك حقا واجبا ورحما موصولا» رواه أبو داود.
فان مات مولاه فالنفقة على الوارث من عصباته على ما ذكر من أن النفقة تتبع الارث ويجب عليه أى المولى نفقة أولاد معتقه اذا كان أبوهم عبدا، لأن ولاءهم
стр. 2852
حينئذ لمولى أبيهم فهو الوارث لهم فنفقتهم عليه فان أعتقه أبوهم أى أعتقه سيده فانجر الولاء الى معتقه، صار ولاؤهم لمعتق أبيهم ونفقتهم عند عدم أبيهم عليه، لأنه مولاهم الوارث لهم وليس على العتيق نفقة معتقه، لأنه لا يرثه وان كان كل واحد منهما مولى الآخر، فعلى كل واحد منهما نفقة الآخر من حيث كونه عتيقا لا من حيث كونه معتقا كما يرثه كذلك.
وليس على العبد نفقة ولده حرة كانت الزوجة أو أمة، لأن أولاد الحرة أحرار، ولا يلزمه نفقة قريبه الحر وأولاد الأمة عبيد لسيدها فنفقتهم عليه، ولا نفقة أقاربه الاحرار، لأنه لا يملك وان ملك فهو ضعيف لا يحتمل المواساة كالزكاة.
ونفقة أولاد المكاتب الاحرار ونفقة أقاربه لا تجب عليه لأنه ملك ضعيف لا يحتمل المواساة وحاجته الى فك رقبته أشد.
وتجب عليه نفقة ولده من أمته لأنه تابع له وكسبه له وان كانت زوجته أى المكاتب حرة فنفقة أولادها عليها اذا كانت موسرة وانفردت لأنها الوارثة لهم دونه فان كان لهم أقارب أحرار كجد وأخ مع أم انفق كل واحد منهم بحسب ميراثه.
والمكاتب كالمعدوم بالنسبة الى النفقة والارث والحجب، فان أراد المكاتب التبرع بالنفقة على ولده من أمة لغير سيده أو من مكاتبة لغير سيده أو من حرة فليس له ذلك، لأنه محجور عليه لحق سيده فلا يتبرع بغير اذنه وان كان ولد المكاتب من أمة لسيده جاز للمكاتب التبرع بنفقته لأن نفقته على سيده فلم يتبرع لأجنبى ولا يتبرع بنفقة ولده من مكاتبة لسيده لأن نفقة ولدها عليها فتبرعه بنفقته تبرع لغير سيده وهو ممنوع منه لحقه.
ثم قال فى موضع آخر (١): يلزم السيد نفقة رقيقه قدر كفايتهم بالمعروف ولو مع اختلاف الدين ولو كان رقيقه آبقا أو نشزت الأمة أو عمى أو زمن أو مرض أو انقطع كسبه وتكون النفقة من غالب قوت البلد وأدم مثله ويلزمه كسوتهم من غالب الكسوة لامثال العبيد فى ذلك البلد الذى هو به ويلزمه غطاء ووطاء ومسكن وما عون لرقيقه لحديث أبى هريرة مرفوعا للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم فى المحلى (٢): فرض على كل أحد من الرجال والنساء الكبار والصغار أن يبدأ بما لا بد له منه ولا غنى عنه به من نفقة وكسوة على حسب حاله وماله ثم بعد ذلك يجبر كل أحد على النفقة على من لا مال له ولا عمل
стр. 2853
بيده مما يقوم منه على نفسه من أبويه وأجداده وجداته وان علوا، وعلى البنين والبنات وبنيهم وأن سفلوا والاخوة والأخوات والزوجات كل هؤلاء يسوى بينهم فى ايجاب النفقة عليهم، ولا يقدم منهم أحد على أحد سواء قل ما بيده بعد موته أو كثر لكن يتواسون فيه، فإن فضل عن هؤلاء بعد كسوتهم ونفقتهم شئ أجبر على النفقة على ذوى رحمه المحرمة وموروثيه ان كان من ذكرنا لا شئ لهم ولا عمل بأيديهم تقوم مؤنتهم منه.
ثم قال (١): ابن حزم: كل من عدا الزوجة لا نفقة لهم ولا كسوة ولا اسكان الا أن لا يكون لهم من المال أو الصنعة ما يقومون منه على أنفسهم ولا معنى لمراعاة الزمانة فى ذلك اذ لم يأت به قرآن ولا سنة، فان قاموا ببعض ذلك وعجزوا عن البعض وجب أن يقوموا بما عجزوا عنه فقط.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أنه (٢) يجب على كل موسر نفقة كل معسر بشرطين.
أحدهما: أن يكون على ملته وهذا الشرط فى غير الأبوين وأما هما فلا يعتبر فيهما.
الشرط الثانى: أن يكون الموسر يرثه أى يرث المعسر - بالنسب فيجب عليه من النفقة على قدر ارثه اذا لم يسقطه وارث آخر قال ﵇ وقولنا بالنسب احترازا من أن يرثه بالولى أو نحو ذلك فان النفقة لا تلزم المعتق.
وقال البعض لا يجب الا على الولد للابوين وعلى الوالد للولد.
وقال البعض تجب للاباء وان علوا وللابناء وان سفلوا فقط.
وقال البعض تجب للاباء وسائر الارحام المحارم ان كانوا اناثا وان كانوا ذكورا وجبت لمن زمن أو ضعف لا للصحيح.
فان تعدد الوارث فحسب الارث أى لزم كل واحد منهم من النفقة بقدر حصته من الارث.
مثال ذلك: معسر له ثلاث أخوات متفرقات فعلى التى لأب وأم ثلاثة أخماس وعلى التى لأب خمس وعلى التى لأم خمس.
مثال آخر أم وأخ لأم موسران وجد معسر فالكل على الأم لان الاخ لام ساقط لا ميراث له مع الجد.
مثال آخر: امرأة معسرة لها بنت معسرة وأم موسرة وأخ لأب موسر كان على الأم ثلثها وعلى الأخ لاب ثلثاها وذلك على قدر ارثهما بعد تقدير عدم البنت
стр. 2854
لانها صارت كالمعدومة لاعسارها ويقاس على ذلك غيره من المسائل.
وقال فى المنتخب: بل يلزم الموسر بقدر حصته من الارث وحصة المعسر تكون على الله تعالى، وقوله غالبا احتراز من صورة واحدة، وذلك نحو معسر له بنت وابن موسران فان النفقة ليست على حسب الارث فيها، بل تكون نصفين:
على الابن نصف وعليها نصف.
وعند البعض أنها عليهما أثلاثا حسب الارث.
ويجب للمعسر على الموسر من الانفاق الاطعام والادام والدواء ذكره البعض، وكسوته وسكناه واخدامه للعجز عن خدمة نفسه لصغر أو كبر أو مرض.
قال البعض فان أطاق لم يخدمه، ولو كان عادته أنه لا يخدم نفسه.
واذا عجل شيئا من نفقة القريب فضاع عليه لزم المنفق أن يعوض ما ضاع وانما فرق بين نفقة القريب ونفقة الزوجة فى هذا الحكم لأن نفقة الزوجة كالدين فلا يعوض سواء ضاعت بتفريط أم بغيره ونفقة القريب من باب الصلة والمواساة فتبدل ولو أتلفها هو أو فرط فيها.
وقال المنصور بالله لا يعوض ما ضاع ان كان بتفريط ولو مطل الموسر المعسر ما وجب عليه حتى مضت مدته فانه يسقط عنه الواجب الماضى زمانه بالمطل وكان الموسر عاصيا، قال فى اللمع: سواء كان ولدا أم غيره، وعن الاستاذ: ولو حكم بها حاكم.
والحيلة فى منع سقوط نفقة الماضى أن يأمره الحاكم أن يستقرض للغائب مقدار قوته كل يوم ثم ينفقه على نفسه.
وحد الموسر الذى تلزمه نفقة المعسر هو من يملك من المال الكفاية له وللاخص به من الغلة الى الغلة ان كانت له غلة أو الى وقت الدخل ان كان له دخل من يوم أو شهر أو اسبوع وينفق من الزائد على ما يكفيه ولو لم يكف القريب الى الغلة فان لم يكن له مال يكفيه الى الغلة أو الدخل لم يلزمه شئ سواء كان كسوبا أم لا.
وقال المنصور بالله ان حد اليسار أن يكون معه ما يكفيه وأهل بيته الى ادراك الغلة أو نفاق السلعة ان كان تاجرا أو تمام المصنوع ان كان ذا مهنة بعد أن يكون له مال اذا بيع أو قوم بلغ مائتى درهم قفلة (١) وان كان لا يملك الا دون النصاب لزمته المواساة على الامكان دون التعيين، قال مولانا ﵇ وهو موافق لتحديدنا الا فى زيادة ملك النصاب.
стр. 2855
وعن زيد بن على والوافى وأبى يحيى أن الموسر هو الغنى غنى شرعيا وقال البعض انه ينفق الفضلة على قوت اليوم.
وحد المعسر الذى تجب نفقته هو من لا يملك قوت عشر ليالى غير ما استثنى له من الكسوة والمنزل والأثاث والخادم وآلة الحرب من فرس أو غيره، فاذا لم يملك قوت العشر لزم قريبه أن ينفقه.
وقال المؤيد بالله أن المعسر من لا يملك ما يتقوت به وفسر بالغداء والعشاء.
وقال زيد بن على والوافى انه من لا يملك النصاب.
واذا ادعى الاعسار ليأخذ النفقة من الموسر وأنكر الموسر اعساره وجبت البينة عليه. أى على مدعى الاعسار.
أما نفقة الارقاء فاعلم أنه يجب على السيد شبع رقه من أى طعام كان من ذرة أو شعير أو غير ذلك، وانما تجب نفقة العبد الخادم لسيده حيث كان يطيقها، فلو امتنع من الخدمة سقط وجوب انفاقه، وأما لو كان عاجزا عن الخدمة لزمن أو مرض أو عمى لم يجب الشبع بل التقدير المستحسن كنفقة سائر الاقارب، ويجب له من الكسوة ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد من أى لباس كان، من صوف أو قطن، فيكون السيد مخيرا بين القيام بمؤنته أو تخلية القادر يتكسب لنفسه، فان تمرد السيد أجبره الحاكم على أحدهما، فأما لو لم يكن ثم حاكم، أو كان لا يستطيع اجباره فللعبد أن يدفع الضرر عن نفسه بالانضواء الى حيث يمكنه المراجعة بالانصاف، فان أنصف والا تكسب بقدر ما يستطيع من الخدمة فينفق نفسه ويدفع الفضلة الى سيده فان نقص كسبه عن الانفاق وفاه السيد وان لا يكن العبد قادرا على التكسب ولم ينفقه سيده كلف ازالة ملكه بعتق أو بيع أو نحوهما، فان تمرد السيد عن ذلك فالحاكم يبيعه عليه.
قال البعض وليس له أن يعتقه لأنه تفويت منافع من دون استحقاق وللحاكم أن يستدين له عنه أو ينفقه من بيت المال دينا أو مواساة على ما يراه.
ولا يلزم السيد اذا اضطر العبد أو الأمة الى النكاح أن يعفه بالانكاح.
ويجب سد رمق من خشى عليه التلف من بنى آدم وهو محترم الدم كالمسلم والذمى لا الحربى فلا يجب اذ ليس بمحترم الدم.
قال البعض يجب سد رمق محترم الدم اللقيط وغيره ولو بنية الرجوع عليه.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: تجب النفقة على الابوين فصاعدا، وهم آباء الأب وأمهاته وان علوا، وآباء الأم وأمهاتها وان علوا والأولاد فنازلا، ذكورا كانوا أم اناثا، لابن المنفق أم لبنته.
стр. 2856
ويستحب النفقة على باقى الاقارب من الاخوة والأخوات وأولادهم والأعمام والأخوال ذكورا واناثا وأولادهم، ويتأكد الاستحباب فى الوارث منهم فى أصح القولين.
وقيل تجب النفقة على الوارث لقول الله تعالى «وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» بعد قوله تعالى «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»،﴾ واذا وجب على الوارث والعلة هى الارث ثبت من الطرفين لتساويهما فيه، ولا فرق فى المنفق بين الذكر والانثى ولا بين الصغير والكبير عملا بالعموم.
وانما يجب الانفاق على الفقير العاجز عن التكسب، فلو كان مالكا مؤنة سنة أو قادرا على تحصيلها بالكسب تدريجا لم يجب الانفاق عليه، ولا يشترط عدالته ولا اسلامه، بل يجب وان كان فاسقا أو كافرا، للعموم، ويجب تقييد الكافر بكونه محقون الدم، فلو كان حربيا لم تجب، لجواز اتلافه فترك الانفاق لا يزيد عنه، وأما الحرية فهى شرط، لأن المملوك نفقته على مولاه نعم لو امتنع منها، أو كان معسرا أمكن وجوبه على القريب عملا بالعموم.
وقيل لا يجب بل يلزم ببيعه أو الانفاق عليه وهو حسن.
ويشترط فى المنفق أن يفضل عن قوته وقوت زوجته ليومه الحاضر وليلته، ليصرف الى من ذكر، فان لم يفضل شئ فلا شئ عليه، لأنها مواساة، وهو ليس من أهلها.
والواجب منها قدر الكفاية للمنفق عليه من الاطعام والكسوة والمسكن بحسب زمانه ومكانه (١).
وجاء فى شرائع (٢) الاسلام: تجب النفقة وهى قدر الكفاية من الاطعام والكسوة والمسكن وما يحتاج اليه من زيادة الكسوة على ما يملكه الانسان من رقيق وبهيمة
أما العبد والأمة فمولاهما بالخيار فى الانفاق عليهما من خاصته أو من كسبهما ولا تقدير لنفقتهما بل الواجب قدر الكفاية.
مذهب الإباضية:
ذكر صاحب شرح النيل (٣): لا تجب النفقة لمحتاج ملك سلاحا وبيتا يسكنه فقط ولا سيما أن ملك غير ذلك أيضا بل يبيع مسكنه وسلاحه ويأكل ويكترى مسكنا مثلا ان لم يكن أبا أو أما وان كان أبا أو أما لم يدرك عليه بيع مسكنه أو سلاحه بل يترك له ذلك وأدرك النفقة أيضا، ولو كان المنزل رفيعا جدا أو واسعا لمزية الأبوين وقيل يبيعان ذلك ويشتريان ما يكفيهما بلا مضايقة، ويأكلان ما يبقى، واذا احتاجا أنفقهما (أى أنفق عليهما) وان لم يكن لهما مسكن أدركاه (أى استحقاه) على
стр. 2857
الولد لكن ان افترقا بنحو طلاق أدرك كل واحد مسكنا، والا فلهما عليه مسكن واحد.
وانما يدركان فى ذلك كله بيتا يكفى لجميع ما يحتاج اليه بلا مضرة لا دارا.
والجد والجدة كالأب والأم ولا تدركها محتاجة ملكت بيتا تسكنه على وليها، ولا سيما ان ملكت غيره أيضا، بل تؤمر ببيع البيت فتأكل منه، وتكترى آخر مثلا، فاذا انقضى ثمنه واحتاجت أدركت عليه النفقة والسكنى فيسكنها حيث شاء بلا مضرة تلحقها فى دينها، أو دنياها يسكنها وحدها أو مع عياله أو غيرهم فى ملكه أو فى ملك غيره بعارية أو غيرها، وان احتاجت لها ولمسكن من أول الأمر أيضا أدركتهما على وليها.
وانما أدركت المسكن لأن المرأة مأمورة بالستر والتحرز عن ملاقاة الرجال والبروز حيث يخشى عليها وهو عارية فلا ينافى من أن لا تدرك النفقة ان كان لها بيت.
ثم قال (١) ولزمت السكنى لأنثى بأن يسكنها فى مسكن وحدها ان لم يطلبها وليها أن تسكن معه أو مع غيره ولم تخف منه اذا سكنت معه أو من غيره اذا سكنت مع غيره أن يزنى بها أو ينظر اليها، كما لا يحل أو يقتلها أو يضربها أو يفعل مثل ذلك، وكذا الكلام فى بيت الشعر أو نحوه ان كانوا بدوا. لا لذكر، لأنه غير مأمور بالاستتار الا ستر العورة من السرة للركبة مع أنه لا يخاف من المبيت وحده فى المسجد، أو بيت غير مسكون، أو حيث أمكن، وان تعذر ذلك لخوف عليه أو هرم أو مرض أو نحوه فعلى وليه عندى اسكانه.
وألزم الشيخ أحمد بن محمد بن بكر ﵏ فى الجامع السكنى لهؤلاء اذ قال: وليس عليه من سكنى الولى شئ الا أن كان امرأة أو كان شيخا هرما أو مريضا ضعيفا أو طفلا صغيرا أو لا يستطيع أن يحتال لنفسه ولا يستغنى عنها على حال، فعليه أن يسكنه فى بيت يكنه من الحر والبرد، وفى الأثر لا يدرك الولى السكنى، لأنهم قالوا: يأكل فى الغفير ويرقد فى المسجد (ومعنى الغفير الفخار) الا ان كان شيخا كبيرا أو امرأة فانهما يدركان بيتا لسكناهما.
ثم قال ويجوز (٢) لأب سكنى دار ولده أو بيته أو نحوهما.
الحلف على السكنى
مذهب الحنفية:
قال صاحب بدائع (٣) الصنائع: اذا حلف شخص لا يسكن هذه الدار فاما أن يكون ساكنا فيها واما أن لا يكون ساكنا فيها، فان لم يكن فيها ساكنا فالسكنى فيها أن يسكنها بنفسه وينقل اليها من متاعه ما يتأثث
стр. 2858
به ويستعمله فى منزله فاذا فعل ذلك فهو ساكن وحانث فى يمينه، لأن السكنى هى الكون فى المكان على طريق الاستقرار فان من جلس فى المسجد وبات فيه لا يسمى ساكن المسجد، وان كان فى الدار ساكنا فحلف لا يسكنها فانه لا يبر حتى ينتقل عنها بنفسه وأهله وولده الذين معه ومتاعه ومن كان يأويها لخدمته والقيام بأمره فى منزله، فان لم يفعل ذلك ولم يأخذ فى النقلة من ساعته وهى ممكنة حنث وههنا ثلاثة فصول.
أحدها: اذا حلف لا يسكن فانتقل بأهله ومتاعه فى الحال لم يحنث فى قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر يحنث.
والثانى: اذا انتقل بنفسه ولم ينتقل بأهله ومتاعه، قال أصحابنا،: يحنث لأن سكنى الدار انما يكون بما يسكن به فى العادة، لما ذكرنا من أن السكنى اسم للكون على وجه الاستقرار ولا يكون الكون على هذا الوجه الا بما يسكن به عادة فاذا حلف لا يسكنها وهو فيها فالبر فى ازالة ما كان به ساكنا، فاذا لم يفعل حنث وهذا لأنه بقوله لا أسكن هذه الدار فقد منع نفسه عن سكنى الدار وكره سكناها لمعنى يرجع الى الدار والانسان كما يصون نفسه عما يكره يصون أهله عنه عادة وكانت يمينه واقعة على السكنى وعلى ما يسكن به عادة فاذا خرج بنفسه وترك أهله ومتاعه فيه لم يوجد شرط البر فيحنث ولأن من حلف لا يسكن هذه الدار فخرج بنفسه وترك أهله ومتاعه فيها يسمى فى العرف والعادة ساكن الدار ألا ترى أنه اذا قيل له وهو فى السوق أين تسكن؟ يقول فى موضع كذا وان لم يكن هو فيه.
والثالث: اذا انتقل بنفسه وأهله وماله ومتاعه وترك من أثاثه شيئا يسيرا قال أبو حنيفة يحنث، لأن شرط البر ازالة ما به صار ساكنا فاذا بقى منه شئ لم يوجد شرط البر بكماله فيحنث.
وقال أبو يوسف اذا كان المتاع المتروك لا يشغل بيتا ولا بعض الدار لا يحنث، لأن اليسير من الاثاث لا يعتد به، لأنه لا يسكن بمثله فصار كالوتد، ولست أجد فى هذا حدا وانما هو على الاستحسان، وعلى ما يعرفه الناس.
وقيل معنى قول أبى حنيفة اذا ترك شيئا يسيرا يعنى ما لا يعتد به ويسكن بمثله فاذا خلف فيها وتدا أو مكنسة لا يحنث، فان منع من الخروج والتحول بنفسه ومتاعه وأوقعوه وقهروه لا يحنث وان أقام على ذلك أياما، لأنه ما يسكنها بل أسكن فيها فلا يحنث، ولأن البقاء على السكنى يجرى مجرى الابتداء.
ومن حلف لا يسكن هذه الدار وهو خارج الدار فحمل اليها مكرها لم يحنث وكذا البقاء اذا كان باكراه.
وقال محمد اذا خرج من ساعته وخلف متاعه كله فى المسكن فمكث فى طلب المنزل أياما ثلاثا فلم يجد ما يستأجره وكان يمكنه أن يخرج من المنزل ويضع متاعه خارج
стр. 2859
الدار لا يحنث، لأن هذا من عمل النقلة اذ النقلة محمولة على العادة والمعتاد هو الانتقال من منزل الى منزل، ولأنه ما دام فى طلب المنزل فهو متشاغل بالانتقال كما لو خرج يطلب من يحمل رحله.
وقال محمد: ان كان الساكن موسرا وله متاع كثير وهو يقدر على أنه يستأجر من ينقل متاعه فى يوم فلم يفعل وجعل ينقل بنفسه الأول فالأول فمكث فى ذلك سنة قال:
ان كان النقلان لا يفتر أنه لا يحنث لأن الحنث يقع بالاستقرار بالدار والمتشاغل بالانتقال غير مستقر، ولأنه لا يلزمه الانتقال على أسرع الوجوه ألا يرى أنه بالانتقال المعتاد لا يحنث وان كان غيره أسرع منه، فان تحول ببدنه وقال ذلك أردت فان كان حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها لا يدين فى القضاء، لأنه خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله ، لأنه نوى ما يحتمله كلامه.
وان كان حلف وهو غير ساكن وقال:
نويت الانتقال ببدنى دين، لأنه نوى ما يحتمله وفيه تشديد على نفسه وأما المساكنة فاذا كان رجل ساكنا مع رجل فى دار فحلف أحدهما أن لا يساكن صاحبه فان أخذ فى النقلة وهى ممكنة والا حنث والنقلة كما مر.
والمساكنة هى أن يجمعهما منزل واحد، فاذا لم ينتقل فى الحال فالبقاء على المساكنة مساكنة فيحنث، فان وهب الحالف متاعه للمحلوف عليه أو أودعه أو أعاره، ثم خرج فى طلب منزل فلم يجد منزلا أياما ولم يأت الدار التى فيها صاحبه.
قال محمد: ان كان وهب له المتاع وقبضه منه وخرج من ساعته وليس من رأيه العود اليه فليس بمساكن له فلا يحنث وكذلك ان أودعه المتاع ثم خرج لا يريد العود الى ذلك المنزل وكذلك العارية، لأنه اذا وهبه وأقبضه وخرج فليس بمساكن اياه بنفسه ولا بماله واذا أودعه فليس بساكن به فلا يحنث وكذلك ان أودعه المتاع ثم خرج وانما هو فى يد المودع، وكذلك اذا أعاره فلا يحنث ولو كان فى الدار زوجة فراودها على الخروج فأبت وامتنعت وحرص على خروجها واجتهد فلم تنقل فانه لا يحنث اذا كانت هذه حالها، لأنه لو بقى هو فى الدار مكرها لم يحنث لعدم اختياره السكنى به فكذا اذا بقى ما يسكن به بغير اختياره.
واذا حلف لا يساكن فلانا فساكنه فى عرصة دار أو بيت أو غرفة حنث لأن المساكنة هى القرب والاختلاط فاذا ساكنه فى موضع يصلح للسكنى فقد وجد الفعل المحلوف عليه فيحنث فان ساكنه فى دار، هذا فى حجرة وهذا فى حجرة أو هذا فى منزل وهذا فى منزل حنث الا أن يكون دارا كبيرة، قال أبو يوسف:
مثل دار الرقيق ونحوها ودار الوليد بالكوفة
стр. 2860
فانه لا يحنث وكذا كل دار عظيمة فيها مقاصير ومنازل، لأن المساكنة هى الاختلاط والقرب، فاذا كانا فى حجرتين فى دار صغيرة فقد وجد القرب فهو كبيتين من دار، وان كانا فى حجرتين من دار عظيمة فلا يوجد القرب فهو كدارين فى محلة.
وقال هشام عن محمد: اذا حلف لا يساكن فلانا ولم يسم دارا فسكن هذا فى حجرة وهذا فى حجرة لم يحنث الا أن يساكنه فى حجرة واحدة قال هشام قلت: فان حلف لا يساكنه فى هذه الدار فسكن هذا فى حجرة وهذا فى حجرة قال يحنث.
ولمحمد أن الحجرتين المختلقتين كالدارين بدليل أن السارق من احداهما اذا نقل المسروق الى الأخرى قطع وليس كذلك اذا حلف لا يساكنه فى دار لأنه حلف على أن لا يجمعهما دار واحدة وقد جمعتهما وان كانا فى حجرها.
ولأبى يوسف أن المساكنة هى الاختلاط والقرب فاذا كانا فى حجرتين فى دار صغيرة فقد وجد القرب فهو كبيتين من دار وان كانا فى حجرتين من دار عظيمة فلا يوجد القرب فهو كدارين فى محلة، فان سكن هذا فى بيت من دار وهذا فى بيت وقد حلف لا يساكنه ولم يسم دارا حنث فى قولهم لأن بيوت الدار الواحدة كالبيت الواحد ألا ترى أن السارق لو نقل المسروق من أحد البيتين الى الآخر لم يقطع.
وقال أبو يوسف: فان ساكنه فى حانوت فى السوق يعملان فيه عملا أو يبيعان فيه تجارة فانه لا يحنث.
ثم قال (١): وانما اليمين على المنازل التى هى المأوى وفيها الأهل والعيال فأما حوانيت البيع والعمل فليس يقع اليمين عليها الا أنه ينوى أو يكون بينهما قبل اليمين بدل يدل عليها فتكون اليمين على ما تقدم من كلامهما ومعانيهما، لأن السكنى عبارة عن المكان الذى يأوى اليه الناس فى العادة، ألا ترى أنه لا يقال: فلان يسكن السوق، وان كان يتجر فيها، فان جعل السوق مأواه قيل أنه يسكن السوق، فان كان هناك دلالة تدل على أنه أراد باليمين ترك المساكنة فى السوق حملت اليمين على ذلك وان لم يكن هناك دلالة فقال نويت المساكنة فى السوق أيضا فقد شدد على نفسه.
قالوا: اذا حلف لا يساكن فلانا بالكوفة ولا نية له فمكن أحدهما فى دار والاخر فى دار أخرى فى قبيلة واحدة أو محلة واحدة أو درب فانه لا يحنث حتى تجمعهما السكنى فى دار لأن المساكنة هى المقاربة والمخالطة ولا يوجد ذلك اذا كانا فى دارين وذكر الكوفة لتخصيص اليمين بها حتى لا يحنث بمساكنته فى غيرها.
فان قال: نويت أن لا أسكن الكوفة والمحلوف عليه بالكوفة صدق لأنه شدد على نفسه.
стр. 2861
وكذلك اذا حلف لا يساكنه فى الدار فاليمين على المساكنة فى دار واحدة.
ولو أن ملاحا حلف لا يساكن فلانا فى سفينة واحدة ومع كل واحد منهما أهله ومتاعه واتخذها منزله فانه يحنث.
وكذلك أهل البادية اذا جمعتهم خيمة، وان تفرقت الخيام لم يحنث وان تقاربت، لأن السكنى محمولة على العادة، وعادة الملاحين السكنى فى السفن، وعادة أهل البادية السكنى فى الاخبية فتحمل يمينهم على عاداتهم.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج (١) والاكليل للمواق: جاء فى المدونة أن مالكا قال: من حلف لا يسكن بيتا فسكن بيت شعر وهو باد أو حضرى ولا نية له حنث لأن الله تعالى قال «وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً ٢ إِلى حِينٍ» قال ابن المواز الا أن يكون ليمينه معنى يستدل به عليه مثل أن يسمع بقوم انهدم عليهم المسكن فحلف عند ذلك فلا يحنث بسكنى بيت الشعر.
وجاء فى الشرح (٣) الكبير: وحنث الحالف بدخوله الحمام فى حلفه على ترك دخول البيت أو حلفه لا أدخل على فلان بيتا فدخل عليه بالحمام أو الخان الا لنية أو عرف وعرف مصر أنهم لا يطلقون على الحمام اسم البيت. أو حلف لا أدخل عليه بيته فدخل عليه فى دار جاره لأن للجار على جاره من الحقوق ما ليس لغيره فأشبهت داره داره أو لأن الجار لا يستغنى عن جاره غالبا فكأنه المحلوف عليه غالبا عرفا والظاهر فى هذا عدم الحنث.
ثم قال ولا يحنث الحالف فى حبس أكره عليه فى حلفه لا أدخل عليه بيتا أو لا يجتمع معه فى بيت فحبس عنده كرها فى حق لأن الاكراه بحق كالطوع.
وروى فى التاج (٤) والاكليل بهامش الحطاب عن المدونة قال مالك من حلف أن لا يسكن هذه الدار وهو فيها خرج منها فورا وان كان فى جوف الليل، فان أخر الى الصباح حنث الا أن ينوى ذلك فليجتهد اذا أصبح فى مسكن وينتقل فان تعالى عليه فى الكراء أو وجد منزلا لا يوافقه فلينتقل اليه حتى يجد سواه، فان لم يفعل حنث وقال أشهب يخرج ساعة حلف ولكن لا يحنث فى اقامة أقل من يوم وليلة وكان القابسى ربما استحسن قول أشهب وأفتى به مع أنه كان
стр. 2862
يقول لا أعلم أحدا غير أشهب وأصبغ وسع عليه تأخير ذلك.
ثم قال: ان ما فى المدونة يأتى على اعتبار اللفظ قال ووجه القول الاخر انه راعى مقصد الحالف دون الاعتبار بمقتضى لفظه لأن من حلف أن لا يساكن رجلا فمعنى يمينه لينتقل عنه فى أعجل ما يقدر فاذا لم يفرط فى ارتياد منزل والانتقال اليه لم يحنث.
هذا بخلاف ما اذا حلف لأنتقلن وأنظر قول خليل أنه يحنث بالبقاء فى حلفه لاسكنت لا فى حلفه لأنتقلن كذلك وهناك أيضا بينهما فرق آخر فى وجه.
قال اللخمى: ان حلف لاسكنت فخرج ثم رجع فسكن حنث وان حلف لينتقلن فانتقل ثم رجع لم يحنث لأن الأول حلف أن لا يوجد منه سكنى فمتى وجد ذلك منه حنث والآخر حلف لينتقلن فاذا فعل ذلك مرة بر.
ثم قال اللخمى أن حلف أن لا يسكن الدار فاختزن فيها حنث عند ابن القاسم ولم يحنث عند أشهب.
قال ابن بشير لعل ابن القاسم يوافق أنه لا يحنث لأن الخزن اذا انفرد لا يعد سكنى وانما يعد ابن القاسم بقاء المتاع سكنى اذا كان تابعا لسكنى الأهل واذا انفرد لم يعده سكنى وانتقل فى لا أساكنه عما كانا.
قال ابن بشير ومما ينظر فيه الى المقاصد والى السبب المحرك على اليمين أن يحلف أن لا يساكن انسانا فانه ينتقل عن مساكنته حتى تنتقل حالته عن الحالة الأولى التى كان عليها فان كان معه أولا فى بلد وظهر أنه قصد الانتقال عنه وجب عليه ذلك وان كان معه فى قرية فكذلك أيضا وان كان فى حارة انتقل عنها أو ضربا جدارا ولو جريدا بهذه الدار.
قال ابن بشير ان كان فى دار وجب الانتقال عنها وهل يكفى فى هذا أن يضربا بينهما حائطا حتى يصيرا دارين؟ شك مالك وخاف الحنث ورأى ابن القاسم أنه لا يحنث.
وعبارة المدونة أن حلف أن لا يساكنه فى دار سماها أم لا فقسمت وضرب بين النصيبين بحائط وجعل لكل نصيب مدخل على حدة فسكن هذا فى نصيب وهذا فى نصيب فكرهه مالك وقال لا يعجبنى ذلك قال ابن القاسم لا أرى يه بأسا ولا حنث عليه.
قال ابن عرفه قوله سماها أم لا خلاف قول ابن رشد لو عين الدار لم يبر بالجدار اتفاقا.
ثم قال (١): من المدونة قال مالك ان حلف أن لا يساكنه فزاره فليست الزيارة سكنى وينظر الى ما كانت عليه يمينه فان كان بما يدخل بين العيال أو الصبيان فهو أخف وان أراد التنحى فهو أشد - قال التونسى
стр. 2863
يريد بقوله أشد حنثه بزيارته وبقوله أخف عدمه.
واذا حلف لا أساكنه وهما فى دار لم يحنث اذا ساكنه فى بلد قاله البساطى، وهذا اذا لم تكن له نية ولا بساط والا عمل على ذلك.
قال ابن عرفة وسماع ابن القاسم لا يحنث فى لا أساكنه بسفره معه وينوى قال ابن القاسم: ان لم تكن له نية لا شئ عليه، ومثله لمحمد عن أشهب.
قال ابن رشد الا أن ينوى التنحى عنه.
وقال ابن عبد السّلام: قال ابن المواز من آذاه جاره فحلف لا ساكنتك أو قال:
جاورتك فى هذه الدار فلا بأس أن يساكنه فى غيرها ولا يحنث اذا لم تكن له نية أما ان كره مجاورته أبدا فانه يحنث قال وكذلك ان قال لا ساكنتك بمصر فساكنه بغيرها مثل ذلك سواء.
ثم (١) قال ابن عبد السّلام وفى كتاب محمد فيمن سكن منزلا لامرأته فمنت عليه فحلف بالطلاق لينتقلن ولم يؤجل فأقام ثلاثة أيام يطلب منزلا فلم يجده فأرجو أن لا شئ عليه قيل ان أقام شهرا قال ان توانى فى الطلب خفت أن يحنث قال ابن عبد السّلام وليس هذا خلافا لما. تقدم عند الواضحة لما فى هذا من بساط المنة لأنه اذا توانى شهرا قويت منتها عليه ولا يحنث بثلاثة أيام يطلب فيها منزلا لأن هذا المقدار لا يحصل به منة البتة.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية (٢) المحتاج: اذا حلف لا يسكن هذه الدار أو لا يقيم فيها وهو فيها عند الحلف فليخرج منها حالا بنية التحول فى كل من مسألة الاقامة والسكنى فيما يظهر من كلامهم ان أراد عدم الحنث، ومحل ذلك كما قاله الاذرعى حيث كان متوطنا فيه قبل حلفه، فلو دخله لنحو تفرج فحلف لا يسكنه لم يحتج لنية التحول قطعا فى الحال، ويتحول ببدنه فقط وان ترك أمتعته، لأنه المحلوف عليه، ولا يكلف العدو ولا الخروج من أقرب البابين، نعم لو عدل لباب السطح مع تمكنه من غيره حنث كما قاله الماوردى، لأنه بصعوده فى حكم المقيم، ولا نظر لتساوى المسافتين، ولا لأقربية، طريق السطح على ما أطلقه لأنه بمشيه الى الباب آخذ فى سبب الخروج، وبالعدول عنه الى الصعود غير آخذ فى ذلك عرفا، أما خروجه بغير نية التحول فيحنث معه، لأنه مع ذلك يسمى ساكنا أو مقيما عرفا، فان مكث بلا عذر ولو لحظة حنث وان بعث متاعه وأهله، لأن المحلوف عليه سكناه وهو موجود اذ السكنى تطلق على الدوام كالابتداء، فان كان لعذر كان أغلق
стр. 2864
عليه الباب لم يحنث، وجعل الماوردى من ذلك ضيق وقت الصلاة وقد علم انه لو اشتغل بالخروج لفاتته فان طرأ العجز بعد الحلف فكالمكره وان نوى التحول لكنه اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع واخراج أهل وليس ثوب يعتاد لبسه فى الخروج لم يحنث، لأنه لا يعد ساكنا وان طال مقامه بسبب ذلك، وكذا لو طرأ عليه عقب حلفه نحو مرض منعه من خروجه ولم يجد من يخرجه أو خاف على نفسه أو ماله لو خرج فمكث ولو ليلة أو أكثر فلا حنث، ويتجه ضبط المرض هنا بما يشق معه الخروج مشقة لا تحتمل غالبا، نعم لو أمكنه استئجار من يحمله بأجرة مثله ووجدها فترك ذلك حنث، وقليل المال ككثيره كما اقتضاه اطلاقهم، ولو خرج ثم عاد اليها لنحو عيادة أو زيارة لم يحنث ما دام يطلق عليه زائرا وعائدا عرفا والا حنث، وقيد عدم الحنث بمقامه بجمع متاع ونحوه بما اذا لم تمكنه الاستنابة والا حنث وبه صرح الماوردى والشاشى.
والأوجه أن وجود من لا يرضى بأجرة المثل أو يرضى ولا يقدر عليها بأن لم يكن معه ما يبقى له كالعدم فلا يحنث لعذره.
ولو حلف لا يساكنه فى هذه الدار فخرج أحدهما بنية التحول فى الحال لم يحنث لانتفاء المساكنة اذ المفاعلة لا تتحقق الا من اثنين ومن المكث هنا لعذر اشتغاله بأسباب الخروج، وكذا لو بنى بينهما جدار من طين أو غيره ولكل جانب مدخل فى الاصح، لاشتغاله برفع المساكنة وتبع فى ذلك المحرر.
لكن المنقول فى الشرح والروضة عن تصحيح الجمهور الحنث، وهو المعتمد، لحصول المساكنة الى تمام البناء من غير ضرورة.
ومحل الخلاف اذا كان البناء بفعل الحالف أو أمره وحده أو مع الاخر والا حنث قطعا.
وارخاء الستر بينهما وهما من أهل البادية مانع من المساكنة على ما قاله المتولى وليس منها تجاورهما ببيتين من خان وان صغر واتحد مرقاه ولو لم يكن لكل باب ولا من دار كبيرة ان كان لكل باب وغلق وكذا لو انفرد أحدهما بحجرة انفردت بجميع مرافقها وان اتحدت الدار والممر.
ولو أطلق المساكنة فان نوى معينا حملت يمينه عليه والا حنث بالمساكنة فى أى محل كان ولو حلف لا يساكنه وأطلق وكانا فى موضعين بحيث لا يعدهما العرف متساكنين لم يحنث أو حلف لا يساكن زيدا وعمرا بر بخروج أحدهما، أو زيدا ولا عمرا لم يبر بخروج أحدهما.
وجاء فى المهذب (١): وان حلف لا يدخل دار زيد هذه فباعها ثم دخلها حنث، لأن اليمين على عين مضافة الى مالك فلم يسقط
стр. 2865
الحنث فيه بزوال الملك وان حلف لا يدخل دار زيد فدخل دار الزيد وعمرو لم يحنث، لأن اليمين معقودة على دار جميعها لزيد.
وان حلف لا يدخل دار زيد فدخل دارا يسكنها زيد باعارة أو اجارة أو غصب، فان أراد مسكنه حنث لأنه يحتمل ما نوى، وان لم يكن له نية لم يحنث.
وقال أبو ثور يحنث، لأن الدار تضاف الى الساكن، والدليل عليه قول الله تعالى:
«لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» فأضاف أزواجهن اليهن بالسكنى، وهذا خطأ، لأن حقيقة الاضافة تقتضى ملك العين، ولهذا لو قال:
هذه دار زيد جعل ذلك اقرارا له بملكها.
وان حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا أو بيتا فى الحمام لم يحنث، لأن المسجد وبيت الحمام لا يدخلان فى اطلاق اسم البيت، ولأن البيت اسم لما جعل للايواء والسكنى والمسجد وبيت الحمام لم يجعل لذلك فان دخل بيتا من شعر أو أدم نظرت، فان كان الحالف ممن يسكن بيوت الشعر والأدم حنث وان كان ممن لا يسكنها ففيه وجهان.
أحدهما وهو قول أبى العباس بن سريج أنه لا يحنث لأن اليمين تحمل على العرف وبيت الشعر والأدم غير متعارف للقروى فلم يحنث به.
والثانى وهو قول أبى اسحاق وغيره أنه يحنث لأنه بيت جعل للايواء والسكنى فأشبه بيوت المدر وقولهم أنه غير متعارف فى حق أهل القرى يبطل بالبيت من المدر فانه غير متعارف فى حق أهل البادية ثم يحنث به.
وفى هامش الفتاوى (١): لو أن رجلا متزوجا بامرأتين قال: متى سكنت بزوجتى فاطمة فى بلد من البلاد ولم تكن زوجتى أم الخير معها كانت أم الخير طالقا، ثم سكن بالزوجتين فى بلدة أخرى انحل اليمين بسكناه بزوجتيه فى بلدة واحدة، لأنها تعلقت بسكنى واحدة اذ ليس فيها ما يقتضى التكرار فصار كما لو قيدها بواحدة لأن لهذه اليمين جهة بر وهى سكناه بزوجته فاطمة فى بلدها ومعها زوجته الاخرى أم الخير وجهة حنث وهى سكناه بزوجته فاطمة فى بلد دون أم الخير.
ولو أن رجلا حلف بالطلاق أنه ما يسكن بالدار الفلانية التى بها والده، ثم أنه أقام بها نحو شهرين ناويا بذلك زيارة والده فأنه يقع عليه الطلاق باقامته المذكورة ان كان حال حلفه ساكنا بالدار المذكورة، لأن استدامة السكنى سكنى فلا تؤثر فيها النية المذكورة وكذا ان لم يكن ساكنا بها حال حلفه عملا بالعرف فلا تؤثر أيضا نيته الزيارة مع وجود سكناه حقيقة.
стр. 2866
ولو أن شخصا تشاجر مع غيره فقال على الطلاق الثلاث ما أنا ساكن فى بلدك هذه ان لم تكن السنة كانت الاخرى فانه لا يحنث بسكناه فى البلد السنة الأولى.
مذهب الحنابلة:
جاء فى الاقناع (١) أنه ان حلف شخص لا يسكن دارا هو ساكنها أو لا يساكن فلانا وهو مساكنه ولم يخرج فى الحال بنفسه وأهله ومتاعه المقصود مع امكانه حنث الا أن يقيم لنقل متاعه أو يخشى على نفسه الخروج فيقيم الى أن يمكنه الخروج بحسب العادة، فلو كان ذا متاع كثير فنقله قليلا قليلا على العادة بحيث لا يترك النقل المعتاد لم يحنث وان أقام أياما أو خرج طالبا النقلة فتعذرت عليه لكونه لا يجد مسكنا يتحول اليه لتعذر الكراء أو غيره لم يحنث - والزيارة ليست سكنى اتفاقا.
وان حلف لا يساكنه فانتقل أحدهما لم يحنث، وان بنيا بينهما حاجزا وهما على حالهما فى المساكنة حنث لأنهما بتشاغلهما ببناء الحاجز قد تساكنا قبل وجوده بينهما، وان كان فى الدار حجرتان كل حجرة تختص ببابها ومرافقها فسكن كل واحد حجرة لم يحنث، وان كانا فى حجرة دار واحدة حالة اليمين فخرج أحدهما منها وقسماها حجرتين وفتحا لكل واحد منهما بابا وبينهما حاجز ثم سكن كل واحد منهما حجرة لم يحنث، وان سكنا فى دار واحدة كل واحد فى بيت ذى باب وغلق رجع الى نيته بيمينه، أو الى سببها وما دلت عليه قرائن أحواله فى المحلوف على المساكنة فيه فان عدم ذلك حنث.
وان حلف لا ساكنت فلانا فى هذه الدار وهما غير متساكنين فبنيا بينهما حائطا وفتح كل واحد منهما بابا لنفسه وسكناها لم يحنث، وليخرجن من هذه البلدة فخرج وحده بر وليخرجن أو ليدخلن من هذه الدار فخرج دون أهله لم يبر كحلفه لا يسكنها.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم (٢) الظاهرى فى المحلى:
من حلف أن لا يساكن من كان ساكنا معه من امرأته أو قريبه أو أجنبى فليفارق حاله التى هو فيها الى غيرها ولا يحنث، فان أقام مدة يمكنه فيها أن لا يساكنه فلم يفارقه حنث، فان رحل مدة قلت أو كثرت ثم رجع لم يحنث.
стр. 2867
وتفسير ذلك أن كانا فى بيت واحد أن يرحل أحدهما الى بيت آخر من تلك الدار أو غيرها وان كانا فى دار واحدة رحل أحدهما الى أخرى متصلة بها أو متباعدة أو اقتسما الدار، وان كانا فى مدينة واحدة أو قرية واحدة خرج أحدهما عن دور القرية أو دور المدينة لم يحنث، وان رحل أحدهما بجسمه وترك أهله وماله وولده لم يحنث الا أن يكون له نية تطابق قوله فله ما نوى، وكل ما ذكرنا مساكنة وغير مساكنة فان فارق تلك الحال فقد فارق مساكنته وقد بر ولا يقدر أحد على أكثر لان الناس مساكن بعضهم لبعض فى ساحة الأرض.
ومن حلف أن لا يجمعه مع فلان سقف فدخل بينا فوجده فيه ولم يكن عرف اذ دخل أنه فيه لم يحنث لكن ليخرج من وقته فان لم يفعل حنث.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (١) وهامشه: أنه لو حلف أن لا يسكن دارا لم يحنث بمجرد الدخول ما لم يدخلها بنية السكنى هو أو أهله بأمره، فان كان ساكنا فيها وحلف من سكناها لم يبر حتى يخرج عند الامكان أهله وماله.
قال البعض العبرة بالاهل وبالمال.
وقال أبو جعفر من أصحابنا أنه اذا ترك ما يصلح للمساكنة حنث لا ان ترك ما لا يصلح لها.
ومن حلف من دخول الدار كانت يمينه متناولة لتواريه فى حائطها فيحنث بتواريه فى حائطها ولو دخلها تسلقا الى سطحها ذكره صاحب الوافى وذكره أيضا فى شرح الابانة للناصر.
قال البعض ان ما ذكره صاحب الوافى فيه نظر لانه لا يسمى داخلا اذا أقام على سطحها ان كانت طلوعه اليه من الحائط، فان حلف لا أساكن زيدا فى هذه الدار فميزها بحائط وبابين الا أن ينوى لا جمعتهما فانه يحنث.
قال الهادى ومن حلف لا يساكن أهله فى هذه الدار فدخلها ليلا أو نهارا أو أكل فيها أو شرب وجامع وعمل غير ذلك مما يعمل الزائر لم يحنث، وان نام فيها بالليل أو بالنهار حنث وهذا مختلف بقرب الزائر وبعده فان جاء من بعد فهو لا يسمى ساكنا وان نام ليلة أو ليلتين فيتبع العرف.
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف (٢) وشرائع الاسلام أنه اذا كان الشخص فى دار فحلف لا
стр. 2868
سكنت هذه الدار فأقام عقيب يمينه مدة يمكنه الخروج منها فلم ينتقل حنث، لأن اليمين اذا علقت بالفعل تعلقت بأقل ما يقع عليه الاسم من ذلك كرجل حلف لا دخلت الدار حنث بأقل ما يقع عليه اسم الدخول وهو اذا عبر العتبة ولو حلف لأدخلن الدار بر بأقل ما يقع عليه اسم الدخول وان لم يدخل الى جوف الدار.
واذا كان فى دار فحلف لا سكنت هذه الدار ثم خرج عقيب اليمين بلا فصل بر فى يمينه ولم يحنث، وبه قال جميع الفقهاء، لأن الاصل براءة الذمة ولا دليل على شغلها بشئ من هذه اليمين، وأيضا اذا لم يتشاغل عقيب يمينه بغير الخروج منها لا يقال انه ساكن فيها، وكذلك لو كان فى دار مغصوبة فلما عرف ذلك لم يتشاغل عقيب يمينه بغير الخروج لم يأثم لانه تارك، واذا كان فيها فحلف لا سكنت هذه الدار ثم أقام عقيب يمينه لا للسكنى، لكن لنقل الرحل والمال والولد لم يحنث، لأن الاصل براءة الذمة وشغلها يحتاج الى دليل وأيضا فالاعتبار بالسكنى الى العادة ومن كان يجمع رحله وماله وأهله للانتقال لا يقال انه ساكن فى الدار فمن قال انه ساكن بذلك فقد ترك العرف.
ثم قال (١): واذا كان فيها فحلف لا سكنت هذه الدار وانتقل بنفسه بر فى يمينه وان لم ينقل العيال والمال. لأنه أضاف السكنى الى نفسه فاذا خرج منها خرج من أن يكون ساكنا فيها.
ومن ادعى أن عياله أو ماله يكون سكنى فعليه الدلالة والاصل براءة الذمة وأيضا قول الله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ٢ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ» فقد أخبر أن من ترك المتاع وخرج منها يقال غير مسكونة.
وفى شرائع الاسلام (٣): أنه لو قال لا سكنت هذه الدار وهو ساكن بها أو لا أسكنت زيدا وزيد ساكن فيها حنث باستدامة السكنى أو الاسكان وبر بخروجه عقيب اليمين ولا يحنث بالعود لا للسكنى بل لنقل رحله.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل (٤) وشرحه: من حلف لا يسكن الى فلان ولا يساكنه حنث باعتبار اللفظ بأقل ما يقع عليه اسم المساكنة فاذا وقف عنده أو قعد ولو قليلا حنث ولو وقف معه فى طريق.
стр. 2869
وأما العرف والعادة فالسكنى عندهم تكون بنحو وط ء الزوجة أو الاكل عندها أو النوم.
فلو حلف لا يساكن زوجته ثم وطئها أو نام أو نعس عندها أو أكل حنث ولا يحنث ان لم ينعس، وكذا ان كان فى سفر أو طريق أو فى غير بيت لا يحنث ولو جامع أو أكل أو شرب أو نام الا فى بيت أو خيمة أو قبة من جلد أو عود أو غيرهما وقيل حيثما جامعها فى السفر أو واكلها حنث وقيل لا حنث على حالف عن المساكنة الا باجتماع أكل أو شرب مع الجماع والنوم ان كان المحلوف عنه زوجة أو زوجا والا لم يشترط الجماع وخص من عموم النوم الاضطجاع حال كونه بنعاس معها أو مع غيرها ممن حلف عن مساكنته فى بيت وان نام معها أو مع غيرها فى غير بيت ونحوه لم يحنث.
وقال أبو الحوارى النوم بنعاس معها فى كبيت أنه يحنث به لا فى غير نحو البيت، ووجهه أن الجماع والمواكلة انما يجعل المسكن لهما ولنحوهما فهما مساكنة حيث وقعا ولو فى صحراء بلا ساتر فسبب الخلاف اعتبار اللفظ مع مدلوله واعتبار العرف والعادة واعتبار داعى المساكنة والسكنى فى نحو بيت وقد قال الله «وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ١» أى ليسكن اليها بالجماع والمؤانسة فسمى ذلك سكونا فباعتبار اللفظ أو اعتبار داعى المساكنة يحنث ولو جامع فى غير بيت ونحوه.
وقيل لا يحنث حتى يساكنها السكن المعتاد فى عرفه أو أن يجعله منزله.
وجاء فى التاج (٢) أنه ان حلفت امرأة لا تسكن دار أبيها أو ابنها ثم تحولت عنه فكانت تزور وتقعد معه أياما أو تبيت فان نوت لا تتخذها منزلا فلا تحنث.
ومن حلف لا يسكن هذه الدار فانهدمت ولم يبق فيها سكنى ثم بناها وجعل فيها خيمة ثم سكنها فلا يحنث لأنها غير المحلوف عليها وان زال سقفها لا جدرها واعاده عليها ثم سكنها حنث.
وان حلف لا يسكن دار فلان فانهدمت الا موضعا فسكنه حنث واليمين على المقام.
ومن حلف لا يساكن فلانا فكانا فى سفينة لم يحنث، لأن ذلك سفر الا أن كانا زوجين وجامعها فيه.
ومن حلف عن مساكنة ولده وهو فى منزل كبير فيه بيوت وغرف ومنزل صغير وكبير وسكن هو والعيال لا يستأذن واحد على الآخر فهذا سكن واحد، وان وصل الى من حلف عنه لا يساكنه زائرا أو استضافه فنام عنده أو قال أو
стр. 2870
بات أو جامع أو أكل أو شرب ثم رجع لم يحنث على هذا القول الاخير الذى هو أنه لا حنت حتى يساكنها المعتاد ولو لبث معه شهرا أو أكثر حتى ينوى مساكنة والزائر غير الساكن وكذا الضيف (١).
ومن حلف لا يسكن منزلا فمرض فيه مريض فأتاه أول الليل ونام حتى أصبح لم يحنث وقيل ان أكل أو جامع ونام فقد سكن وكذا ان حلف لا يسكن قرية فدخلها لامر، ومن حلف لا ينتقل من منزل معين فلا يحنث حتى ينقل أهله وعياله كلهم ومتاعه ويبيت فى غيره وهو أى الانتقال بالأهل والمتاع والمبيت فى الغير.
حكم سكنى الدور الموقوفة
مذهب الحنفية:
جاء فى الدر المختار (٢) نقلا عن الاسعاف: أن من وقف دوره للاستغلال فليس له أن يسكنها أحدا بلا أجر.
ثم قال صاحب الدر: ولو سكنه المشترى أو المرتهن ثم بان أنه وقف أو لصغير لزمه أجر المثل قال ابن عابدين وبه أفتى الرملى وغيره وجزم به فى الفتح.
وعلى هذا فما ذكره فى القنية من أنه لو سكن الدار سنين يدعى الملك ثم استحقت للوقف لا تلزمه أجرة ما مضى - ضعيف كما جزم به فى البحر.
ثم قال ابن عابدين ولو كان الموقوف دارا شرط الواقف سكناها لأولاده ونسله قال فى الاسعاف: تكون سكناها لهم ما بقى منهم أحد فلو لم يبق الا واحد وأراد أن يؤجرها أو أراد أن يؤجر ما فضل عنه منها فليس له ذلك وانما له السكنى فقط.
ولو كثرت أولاد الواقف وضاقت الدار عليهم فليس لهم أن يؤجروها وانما تقسط سكناها على عددهم. ومن مات منهم بطل ما كان له من سكناها ويكون لمن بقى منهم.
ولو كانوا (٣) ذكورا واناثا وأراد كل من الرجال والنساء أن يسكنوا معهم نساءهم وأزواجهن معهن جاز لهم ذلك ان كانت الدار ذات مقاصير وحجر يغلق على كل واحدة باب. وان كانت دارا واحدة لا يمكن أن تقسط بينهم لا يسكنها الا من جعل لهم الواقف السكنى دون غيرهم من نساء الرجال ورجال النساء، لأن الواقف قصد صيانتهم وسترهم، فلو سكن زوج امرأة معها ولها فى هذه الدار أخوات مثلا كان فيه بذلة لهن بدخول الرجل
стр. 2871
عليهن كما فى الخصاف، بخلاف ما اذا كان لكل منهم حجرة لها باب يغلق فان لكل أن يسكن بأهله وحشمه وجميع من معه كما فى الخصاف أيضا.
ثم قد صرح الخصاف بأنه اذا لم يكن فيها حجر لا تقسم ولا يقع فيها مهايأة بينهم.
قال ابن عابدين: وظاهره أنه لو كان فيها حجر لا تكفيهم فهى كذلك أى يسكنها المستحقون فقط دون نساء الرجال ورجال النساء، ولذا قال فى الفتح بعد نقله كلام الخصاف وعن هذا تعرف أنه لو سكن بعضهم فلم يجد الآخر موضعا يكفيه لا يستوجب أجرة حصته على الساكنين بل ان أحب أن يسكن معه فى بقعة من تلك الدار بلا زوجة أو زوج والا ترك المتضيق وخرج أو جلسوا معا كل فى بقعة الى جنب الآخر.
ثم قال (١): ولو كان الموقوف دارا فعمارته على من له السكنى أى على من يستحقها - ولو متعددا قال ابن عابدين ومفاده أنه لو كان بعض المستحقين غير ساكن فيها يلزمه التعمير مع الساكنين لأن تركه لحقه لا يسقط حق الوقف فيعمر معهم والا تؤجر حصته.
وفى الدر تكون العمارة من ماله قال ابن عابدين فاذا رم حيطانها بالآجر أو أدخل فيها جذعا ثم مات ولا يمكن نزع ذلك فليس للورثة نزعه بل يقال لمن له السكنى بعده: أضمن لورثته قيمة البناء فان أبى أو جرت الدار وصرفت الغلة اليهم بقدر قيمة البناء ثم أعيدت السكنى الى من له السكنى وليس له أن يرضى بالهدم والقلع، وان كان مارم الأول مثل تجصيص الحيطان وتطيين السطوح وشبه ذلك لم يرجع الورثة بشئ لأن ما لا يمكن أخذ عينه فهو فى حكم الهالك بخلاف الآجر والجذع.
وفى البحر عن القنية: لو بنى واحد من الموقوف عليهم بعض الدار وطين البعض وجصص البعض وبسط فيه الآجر فطلب الآخر حصته ليسكن فيها فمنعه حتى يدفع حصة ما أنفق ليس له ذلك والطين والجص صار تبعا للوقف وله نقض الآجر ان لم يضر.
وفى الدر قال: وتكون العمارة من مال مستحق السكنى لا من الغلة قال ابن عابدين: لأن من له السكنى لا يملك الاستغلال بلا خلاف.
ثم قال فى الدر: ولو أبى من له السكنى أو عجز لفقره عمر الحاكم أى أجرها الحاكم منه أو من غيره وعمرها بأجرتها كعمارة الواقف ولم يزد فى الاصح الا برضا من له السكنى.
ولا تصح اجارة من له السكنى، بل المتولى أو القاضى ثم يردها بعد التعمير الى من له حق السكنى رعاية للحقين - حق الوقف
стр. 2872
وحق صاحب السكنى، لأنه لو لم يعمرها تفوت السكنى أصلا - ولا عمارة على من له الاستغلال، لأنه لا سكنى له، فلو سكن هل تلزمه الاجرة؟ الظاهر:
لا، لعدم الفائدة الا اذ احتيج للعمارة فيأخذها المتولى ليعمر بها.
قال ابن عابدين (١): قال فى البحر:
من له السكنى لا يملك الاستغلال ومن له الاستغلال لا يملك السكنى، كما صرح به فى البزازية والفتح أيضا بقوله: وليس للموقوف عليهم الدار سكناها، بل الاستغلال، كما ليس للموقوف عليهم السكنى الاستغلال.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (٢): أن الواقف ان عاد لسكنى مسكنه الذى وقفه قبل عام بعد أن حيز عنه واستمر ساكنا حتى حصل المانع بطل الوقف ولا مفهوم لمسكنه ولا لسكنى اذ الانتفاع بما حبسه بغير السكنى كذلك ومفهوم قبل عام أنه لو عاد بعد عام لم يضر وان كان وقفه على محجوره وهو كذلك الا أنه جرى فيما اذا سكن ما وقفه على محجوره بعد عام حتى حصل المانع قولان مشهوران.
أحدهما: لا يبطل الوقف وهو المشهور وعليه العمل.
الثانى: يبطل الوقف وليس عليه العمل - هذا اذا عاد له بكراء.
أما اذا عاد له بارفاق أى بدون مقابل كالعارية فانه يبطل اتفاقا.
وجاء فى التاج والاكليل (٣) بهامش الحطاب: عن ابن يونس أن مالكا رضى الله عنه قال: من حبس حبسا فسكنه زمانا ثم خرج منه بعد ذلك فلا أراه الا وقد أفسد حبسه وهو ميراث.
قال ابن القاسم ان حيز عنه بعد ذلك فى صحته حتى مات فهو نافذ فان رجع وسكن فيه بكراء بعد ما حيز عنه فان جاء بعد ذلك أمر بين من الحيازة فذلك، نافذ قاله مالك.
قال محمد: هذا اذا حاز ذلك المحبس عليه نفسه أو وكيله ولم يكن فيهم صغير ولا من لم يولد بعد فأما من جعل ذلك بيد من يحوزه على المتصدق عليه حتى يقدم أو يكبر أو يولد أو كان بيده هو يحوزه لمن يجوز له حوزه ثم سكن ذلك قبل أن يلى الصغير نفسه وقبل أن يحوزه من ذكرنا ممن حبسه عليه فذلك يبطله فقول مالك والمعلوم من قول ابن القاسم أنه ان رجع بعمرى أو كراء أو ارفاق أو غير ذلك بعد أن حازها الموقوف عليه سنة ان الوقف نافذ.
стр. 2873
قال ابن رشد وأما الصغار فمتى سكن أو عمر ولو بعد عام بطل.
وجاء فى التاج (١) والاكليل: ان مالكا قال من حبس على صغار ولده دارا أو وهبها لهم أو تصدق عليهم فان حوزه لهم حوز الا أن يكون ساكنا فيها كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها وأما الدار الكبيرة يسكن أقلها ويكرى لهم باقيها فذلك نافذ فيما سكن وفيما لم يسكن.
ومن قال تصدقت بدارى على المساكين يسكنونها أو يستغلونها فانها تكون حبسا على المساكين للسكنى والاستغلال ولاتباع.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٢) وهامشه:
أن منافع الوقف ملك للموقوف عليه لأن ذلك مقصوده يستوفيها بنفسه وبغيره باعارة أو اجارة ان كان ناظرا والا امتنع عليه نحو الاجارة لتعلقها بالناظر أو نائبه وذلك كسائر الأملاك ومحله ان لم يشترط ما يخالف ذلك ومنه ما لو وقف داره على أن يسكنها معلم الصبيان أو الموقوف عليهم فيمتنع غير سكناه وما نقل عن النووى من أنه لما ولى دار الحديث وبها قاعة للشيخ أسكنها غيره اختيار له أو لعله لم يثبت عنده أن الواقف نص على سكنى الشيخ.
ولو تعذر سكنى من شرطت له كأن دعت ضرورة الى خروجه من بلد الوقف أو كان الموقوف عليه امرأة ولم يرض زوجها بسكناها فى المحل المشروط لها فينبغى أن يكون كمنقطع الوسط فيصرف لأقرب رحم الواقف مادام العذر موجودا، ولا تجوز له أجارته لبعد الاجارة عن غرض الواقف من السكنى.
ولو أن رجلا وقف بيتا على نفسه أيام حياته ثم من بعده على اخوته ثم انه شرط فى وقفه شروطا منها: أن لزوجته السكن والاسكان مدة حياتها عازبة كانت أو متزوجة فهل تستحق الزوجة المذكورة السكن والاسكان لجميع البيت دون الاخوة الموقوف عليهم أم لا؟ أجاب عنه شيخنا: بأن الزوجة تستحق السكنى والاسكان، فان اتفق استيعابها البيت المذكور فلا حق لأخوته معها فى البيت، فلا يزاحمونها فى شئ ما دامت ساكنة أو مسكنة لا بأنفسهم ولا بايجارهم لغيرهم، وان فضل شئ من البيت يزيد على ما هى منفعته به كان لهم التصرف فيه، واذا
стр. 2874
أعرضت عن المحل أو منعها من الانتفاع مانع كان الحق لهم ما دامت تاركة له.
وجاء فى مغنى المحتاج (١): أنه يجوز للواقف وللناظر الذى من جهته عزل المدرس ونحوه اذا لم يكن مشروطا فى الوقف لمصلحة ولغير مصلحة، لأنه كالوكيل المأذون له فى اسكان هذه الدار لفقير، فله أن يسكنها من شاء من الفقراء، واذا أسكنها فقيرا مدة فله أن يخرجه ويسكن غيره لمصلحة ولغير مصلحة، وليس تعيينه لذلك يصيره كأنه مراد الواقف حتى يمتنع تغييره.
وجاء فى الفتاوى (٢) لابن حجر: واذا شرط الواقف الانتفاع بالموقوف سكنا واسكانا وشرط فيه أيضا أن يصرف من ريعه عشرة جنيهات لقارئ مثلا فاذا اتفق المستحقون على السكنى به يلزمهم أن يدفعوا العشرة الجنيهات المشروطة للقارئ ويستقر ذلك فى ذمتهم كالدين الشرعى، واذا أراد البعض السكنى والبعض الاجارة وتنازعوا وعطلوا مصالح الوقف بمقتضى ذلك فيؤجر الناظر عليهم قهرا، ويؤدى كل ذى حق حقه بعد العمارة أو يعلقوا عليهم أجمعين، فان ما قبضه الناظر من حق المستحقين يرجع به على تركته اذا مات وهو باق عنده، وما حصل من ريع الوقف جميعه أو بعضه ينظر فيه لشرط الواقف، فان شرط لذى القراءة مثلا قدرا معلوما والباقى لغيره قدم بجميع ذلك القدر ولم يستحق من بعده الا ما فضل عنه، وان شرط له قدرا معلوما من غير أن يشرط تقديمه فكل ما قبض من الغلة يوزع على المستحقين بقدر حصصهم وان فوت الموقوف عليهم غلة الوقف سكنى أو غيرها لزمهم للقارئ أجرة المثل لما فوتوه عليه فان كان بقدر أجرته فهو ظاهر، أو أكثر صرف الباقى للمستحقين، أو أقل لم يكن له غيره.
واذا أراد البعض السكنى والبعض الاجارة وتنازعوا عند الحاكم أعرض الحاكم عنهما الى أن يتفقا على شئ ولا يحكم عليهما بفعل ولا غيره بل يلزم الناظر بفعل ما فيه الأصلح من اسكان طالب السكنى.
ثم قال فى موضع آخر (٣): أن السبكى وغيره قد قطعا بالصحة فيما لو وقف عليه أن يسكن مكان كذا، وهذا صادق بما اذا عين مكانا لا يسكن الا بأجرة زائدة على أجرة مثله وان لم يحتج الموقوف عليه بسكناه أو زادت أجرته على ما يحصل له من غلة الوقف، فما أوجب الاستحقاق هنا السكنى بالاجرة المذكورة مع عدم الاحتياج اليها، فكذلك تجب العمارة لاستحقاق السكنى ان أرادها، والا
стр. 2875
سقط حقه منها، فعلم أن الموقوف عليه قد يغرم وقد يحصل له رفق بالموقوف وأن هذا الشرط غير مناف للوقف حتى يلغو كشرط الخيار مثلا وانما غايته أنه قيد استحقاقه لسكناه بأن يعمر ما تهدم منه فان أراد ذلك فليعمره والا فليعرض عنه.
مذهب الحنابلة:
جاء فى فتاوى ابن تيمية (١): أنه لو وقفت مدرسة على الفقراء والمتفقهة الفلانية برسم سكناهم واشتغالهم فيها لم تختص السكنى والارتزاق بشخص واحد وتجوز السكنى من غير ارتزاق من المال كما يجوز الارتزاق من غير سكنى ولا يجوز قطع أحد الصنفين الا بسبب شرعى اذا كان الساكن مشتغلا سواء كان يحضر الدرس أم لا.
ولو وقفت (٢) زاوية فيها عشرة فقراء مقيمون وبتلك الزاوية مطلع به امرأة عزب وهى من أوسط النساء ولم يكن شرط الواقف لها مسكنا فى تلك الزاوية ولم تكن من أقارب الواقف ولم يكن ساكن فى المطلع سوى المرأة المذكورة، وباب المطلع المذكور يغلق عليه باب الزاوية فان كان الواقف شرط أن لا يسكنه الا الرجال سواء كانوا عزابا أو متأهلين منعت لمقتضى الشرط وكذلك سكنى المرأة بين الرجال والرجال بين النساء يمنع منه لحق الله تعالى والله أعلم.
وقال صاحب الاقناع (٣): لو احتاجت دار موقوفة لسكنى الحاج أو الغزاة الى مرمة أوجر منه بقدر ذلك.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى (٤): التحبيس وهو الوقف جائز فى الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء ان كانت فيها وفى الأرجاء، ثم (٥) قال:
ومن حبس داره أو أرضه ولم يسبل على أحد فله أن يسبل الغلة ما دام حيا على من شاء لقول رسول الله ﷺ «وسبل الثمرة».
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٦): من وقف دارا على الفقراء أو أرضا لم يجز لأحد من الفقراء أن يسكن تلك الدار ولا أن يزرع تلك الأرض ونحوهما الا باذن المتولى.
ثم قال (٧): حكى فى شرح أبى مضر عن المؤيد بالله أن من وقف أرضا - يعنى دارا - على جماعة للاستغلال لا للسكنى لم يكن له أن يقسمها ولا لهم ذلك قال