← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

عليهن كما فى الخصاف، بخلاف ما اذا كان لكل منهم حجرة لها باب يغلق فان لكل أن يسكن بأهله وحشمه وجميع من معه كما فى الخصاف أيضا. ثم قد صرح الخصاف بأنه اذا لم يكن فيها حجر لا تقسم ولا يقع فيها مهايأة بينهم. قال ابن عابدين: وظاهره أنه لو كان فيها حجر لا تكفيهم فهى كذلك أى يسكنها المستحقون فقط دون نساء الرجال ورجال النساء، ولذا قال فى الفتح بعد نقله كلام الخصاف وعن هذا تعرف أنه لو سكن بعضهم فلم يجد الآخر موضعا يكفيه لا يستوجب أجرة حصته على الساكنين بل ان أحب أن يسكن معه فى بقعة من تلك الدار بلا زوجة أو زوج والا ترك المتضيق وخرج أو جلسوا معا كل فى بقعة الى جنب الآخر. ثم قال (١): ولو كان الموقوف دارا فعمارته على من له السكنى أى على من يستحقها - ولو متعددا قال ابن عابدين ومفاده أنه لو كان بعض المستحقين غير ساكن فيها يلزمه التعمير مع الساكنين لأن تركه لحقه لا يسقط حق الوقف فيعمر معهم والا تؤجر حصته. وفى الدر تكون العمارة من ماله قال ابن عابدين فاذا رم حيطانها بالآجر أو أدخل فيها جذعا ثم مات ولا يمكن نزع ذلك فليس للورثة نزعه بل يقال لمن له السكنى بعده: أضمن لورثته قيمة البناء فان أبى أو جرت الدار وصرفت الغلة اليهم بقدر قيمة البناء ثم أعيدت السكنى الى من له السكنى وليس له أن يرضى بالهدم والقلع، وان كان مارم الأول مثل تجصيص الحيطان وتطيين السطوح وشبه ذلك لم يرجع الورثة بشئ لأن ما لا يمكن أخذ عينه فهو فى حكم الهالك بخلاف الآجر والجذع. وفى البحر عن القنية: لو بنى واحد من الموقوف عليهم بعض الدار وطين البعض وجصص البعض وبسط فيه الآجر فطلب الآخر حصته ليسكن فيها فمنعه حتى يدفع حصة ما أنفق ليس له ذلك والطين والجص صار تبعا للوقف وله نقض الآجر ان لم يضر. وفى الدر قال: وتكون العمارة من مال مستحق السكنى لا من الغلة قال ابن عابدين: لأن من له السكنى لا يملك الاستغلال بلا خلاف. ثم قال فى الدر: ولو أبى من له السكنى أو عجز لفقره عمر الحاكم أى أجرها الحاكم منه أو من غيره وعمرها بأجرتها كعمارة الواقف ولم يزد فى الاصح الا برضا من له السكنى. ولا تصح اجارة من له السكنى، بل المتولى أو القاضى ثم يردها بعد التعمير الى من له حق السكنى رعاية للحقين - حق الوقف

стр. 2872

وحق صاحب السكنى، لأنه لو لم يعمرها تفوت السكنى أصلا - ولا عمارة على من له الاستغلال، لأنه لا سكنى له، فلو سكن هل تلزمه الاجرة؟ الظاهر: لا، لعدم الفائدة الا اذ احتيج للعمارة فيأخذها المتولى ليعمر بها. قال ابن عابدين (١): قال فى البحر: من له السكنى لا يملك الاستغلال ومن له الاستغلال لا يملك السكنى، كما صرح به فى البزازية والفتح أيضا بقوله: وليس للموقوف عليهم الدار سكناها، بل الاستغلال، كما ليس للموقوف عليهم السكنى الاستغلال. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (٢): أن الواقف ان عاد لسكنى مسكنه الذى وقفه قبل عام بعد أن حيز عنه واستمر ساكنا حتى حصل المانع بطل الوقف ولا مفهوم لمسكنه ولا لسكنى اذ الانتفاع بما حبسه بغير السكنى كذلك ومفهوم قبل عام أنه لو عاد بعد عام لم يضر وان كان وقفه على محجوره وهو كذلك الا أنه جرى فيما اذا سكن ما وقفه على محجوره بعد عام حتى حصل المانع قولان مشهوران. أحدهما: لا يبطل الوقف وهو المشهور وعليه العمل. الثانى: يبطل الوقف وليس عليه العمل - هذا اذا عاد له بكراء. أما اذا عاد له بارفاق أى بدون مقابل كالعارية فانه يبطل اتفاقا. وجاء فى التاج والاكليل (٣) بهامش الحطاب: عن ابن يونس أن مالكا رضى الله عنه قال: من حبس حبسا فسكنه زمانا ثم خرج منه بعد ذلك فلا أراه الا وقد أفسد حبسه وهو ميراث. قال ابن القاسم ان حيز عنه بعد ذلك فى صحته حتى مات فهو نافذ فان رجع وسكن فيه بكراء بعد ما حيز عنه فان جاء بعد ذلك أمر بين من الحيازة فذلك، نافذ قاله مالك. قال محمد: هذا اذا حاز ذلك المحبس عليه نفسه أو وكيله ولم يكن فيهم صغير ولا من لم يولد بعد فأما من جعل ذلك بيد من يحوزه على المتصدق عليه حتى يقدم أو يكبر أو يولد أو كان بيده هو يحوزه لمن يجوز له حوزه ثم سكن ذلك قبل أن يلى الصغير نفسه وقبل أن يحوزه من ذكرنا ممن حبسه عليه فذلك يبطله فقول مالك والمعلوم من قول ابن القاسم أنه ان رجع بعمرى أو كراء أو ارفاق أو غير ذلك بعد أن حازها الموقوف عليه سنة ان الوقف نافذ.

стр. 2873

قال ابن رشد وأما الصغار فمتى سكن أو عمر ولو بعد عام بطل. وجاء فى التاج (١) والاكليل: ان مالكا قال من حبس على صغار ولده دارا أو وهبها لهم أو تصدق عليهم فان حوزه لهم حوز الا أن يكون ساكنا فيها كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها وأما الدار الكبيرة يسكن أقلها ويكرى لهم باقيها فذلك نافذ فيما سكن وفيما لم يسكن. ومن قال تصدقت بدارى على المساكين يسكنونها أو يستغلونها فانها تكون حبسا على المساكين للسكنى والاستغلال ولاتباع. مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج (٢) وهامشه: أن منافع الوقف ملك للموقوف عليه لأن ذلك مقصوده يستوفيها بنفسه وبغيره باعارة أو اجارة ان كان ناظرا والا امتنع عليه نحو الاجارة لتعلقها بالناظر أو نائبه وذلك كسائر الأملاك ومحله ان لم يشترط ما يخالف ذلك ومنه ما لو وقف داره على أن يسكنها معلم الصبيان أو الموقوف عليهم فيمتنع غير سكناه وما نقل عن النووى من أنه لما ولى دار الحديث وبها قاعة للشيخ أسكنها غيره اختيار له أو لعله لم يثبت عنده أن الواقف نص على سكنى الشيخ. ولو تعذر سكنى من شرطت له كأن دعت ضرورة الى خروجه من بلد الوقف أو كان الموقوف عليه امرأة ولم يرض زوجها بسكناها فى المحل المشروط لها فينبغى أن يكون كمنقطع الوسط فيصرف لأقرب رحم الواقف مادام العذر موجودا، ولا تجوز له أجارته لبعد الاجارة عن غرض الواقف من السكنى. ولو أن رجلا وقف بيتا على نفسه أيام حياته ثم من بعده على اخوته ثم انه شرط فى وقفه شروطا منها: أن لزوجته السكن والاسكان مدة حياتها عازبة كانت أو متزوجة فهل تستحق الزوجة المذكورة السكن والاسكان لجميع البيت دون الاخوة الموقوف عليهم أم لا؟ أجاب عنه شيخنا: بأن الزوجة تستحق السكنى والاسكان، فان اتفق استيعابها البيت المذكور فلا حق لأخوته معها فى البيت، فلا يزاحمونها فى شئ ما دامت ساكنة أو مسكنة لا بأنفسهم ولا بايجارهم لغيرهم، وان فضل شئ من البيت يزيد على ما هى منفعته به كان لهم التصرف فيه، واذا

стр. 2874

أعرضت عن المحل أو منعها من الانتفاع مانع كان الحق لهم ما دامت تاركة له. وجاء فى مغنى المحتاج (١): أنه يجوز للواقف وللناظر الذى من جهته عزل المدرس ونحوه اذا لم يكن مشروطا فى الوقف لمصلحة ولغير مصلحة، لأنه كالوكيل المأذون له فى اسكان هذه الدار لفقير، فله أن يسكنها من شاء من الفقراء، واذا أسكنها فقيرا مدة فله أن يخرجه ويسكن غيره لمصلحة ولغير مصلحة، وليس تعيينه لذلك يصيره كأنه مراد الواقف حتى يمتنع تغييره. وجاء فى الفتاوى (٢) لابن حجر: واذا شرط الواقف الانتفاع بالموقوف سكنا واسكانا وشرط فيه أيضا أن يصرف من ريعه عشرة جنيهات لقارئ مثلا فاذا اتفق المستحقون على السكنى به يلزمهم أن يدفعوا العشرة الجنيهات المشروطة للقارئ ويستقر ذلك فى ذمتهم كالدين الشرعى، واذا أراد البعض السكنى والبعض الاجارة وتنازعوا وعطلوا مصالح الوقف بمقتضى ذلك فيؤجر الناظر عليهم قهرا، ويؤدى كل ذى حق حقه بعد العمارة أو يعلقوا عليهم أجمعين، فان ما قبضه الناظر من حق المستحقين يرجع به على تركته اذا مات وهو باق عنده، وما حصل من ريع الوقف جميعه أو بعضه ينظر فيه لشرط الواقف، فان شرط لذى القراءة مثلا قدرا معلوما والباقى لغيره قدم بجميع ذلك القدر ولم يستحق من بعده الا ما فضل عنه، وان شرط له قدرا معلوما من غير أن يشرط تقديمه فكل ما قبض من الغلة يوزع على المستحقين بقدر حصصهم وان فوت الموقوف عليهم غلة الوقف سكنى أو غيرها لزمهم للقارئ أجرة المثل لما فوتوه عليه فان كان بقدر أجرته فهو ظاهر، أو أكثر صرف الباقى للمستحقين، أو أقل لم يكن له غيره. واذا أراد البعض السكنى والبعض الاجارة وتنازعوا عند الحاكم أعرض الحاكم عنهما الى أن يتفقا على شئ ولا يحكم عليهما بفعل ولا غيره بل يلزم الناظر بفعل ما فيه الأصلح من اسكان طالب السكنى. ثم قال فى موضع آخر (٣): أن السبكى وغيره قد قطعا بالصحة فيما لو وقف عليه أن يسكن مكان كذا، وهذا صادق بما اذا عين مكانا لا يسكن الا بأجرة زائدة على أجرة مثله وان لم يحتج الموقوف عليه بسكناه أو زادت أجرته على ما يحصل له من غلة الوقف، فما أوجب الاستحقاق هنا السكنى بالاجرة المذكورة مع عدم الاحتياج اليها، فكذلك تجب العمارة لاستحقاق السكنى ان أرادها، والا

стр. 2875

سقط حقه منها، فعلم أن الموقوف عليه قد يغرم وقد يحصل له رفق بالموقوف وأن هذا الشرط غير مناف للوقف حتى يلغو كشرط الخيار مثلا وانما غايته أنه قيد استحقاقه لسكناه بأن يعمر ما تهدم منه فان أراد ذلك فليعمره والا فليعرض عنه. مذهب الحنابلة: جاء فى فتاوى ابن تيمية (١): أنه لو وقفت مدرسة على الفقراء والمتفقهة الفلانية برسم سكناهم واشتغالهم فيها لم تختص السكنى والارتزاق بشخص واحد وتجوز السكنى من غير ارتزاق من المال كما يجوز الارتزاق من غير سكنى ولا يجوز قطع أحد الصنفين الا بسبب شرعى اذا كان الساكن مشتغلا سواء كان يحضر الدرس أم لا. ولو وقفت (٢) زاوية فيها عشرة فقراء مقيمون وبتلك الزاوية مطلع به امرأة عزب وهى من أوسط النساء ولم يكن شرط الواقف لها مسكنا فى تلك الزاوية ولم تكن من أقارب الواقف ولم يكن ساكن فى المطلع سوى المرأة المذكورة، وباب المطلع المذكور يغلق عليه باب الزاوية فان كان الواقف شرط أن لا يسكنه الا الرجال سواء كانوا عزابا أو متأهلين منعت لمقتضى الشرط وكذلك سكنى المرأة بين الرجال والرجال بين النساء يمنع منه لحق الله تعالى والله أعلم. وقال صاحب الاقناع (٣): لو احتاجت دار موقوفة لسكنى الحاج أو الغزاة الى مرمة أوجر منه بقدر ذلك. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى (٤): التحبيس وهو الوقف جائز فى الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء ان كانت فيها وفى الأرجاء، ثم (٥) قال: ومن حبس داره أو أرضه ولم يسبل على أحد فله أن يسبل الغلة ما دام حيا على من شاء لقول رسول الله ﷺ «وسبل الثمرة». مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٦): من وقف دارا على الفقراء أو أرضا لم يجز لأحد من الفقراء أن يسكن تلك الدار ولا أن يزرع تلك الأرض ونحوهما الا باذن المتولى. ثم قال (٧): حكى فى شرح أبى مضر عن المؤيد بالله أن من وقف أرضا - يعنى دارا - على جماعة للاستغلال لا للسكنى لم يكن له أن يقسمها ولا لهم ذلك قال

стр. 2876

أبو مضر وعند يحيى يجوز ذلك كما فى وقف المشاع. وجاء فى شرح الأزهار (١). أنه اذا وقف شخص على النساء فلا يجوز أن يسكنها رجل قال البعض الا أن يكون تبعا لامرأة كخادمها أو ولدها أو زوجها فانه يجوز الا أن يعرف من قصد الواقف انفراد النساء فيها ولا يجوز لرجل أن يسكنها قط الا بأجرة وتكون الأجرة للنساء. مذهب الأمامية: جاء فى تذكرة الفقهاء (٢). لو قيد السكنى فى الوقف فقال: وقفت دارى ليسكنها الموقوف عليه لم يكن له اسكان غيره، ولو قال: وقفت دارى ليسكنها من يعلم الصبيان فى هذه القرية فللمعلم أن يسكنها، وليس له أن يسكن غيره بأجرة ولا بغير أجرة عملا بمقتضى ما شرطه الواقف، ولو قيد بالاستغلال فلا يجوز أن يسكنها الموقوف عليه، فاذا قال: وقفت دارى على أن تستغل وتصرف غلتها الى فلان تعين الاستغلال ولم يجز له أن يسكنها. ثم قال (٣): اذا وقف الانسان مسكنا جاز له أن يقعد فيه مع من وقفه عليهم وليس له أن يسكن غيره فيه. وقال ابن الجنيد فان لم يشترط لنفسه السكنى فيما تصدق به لم يكن له أن يسكن. والوجه أنه لا يجوز له السكنى مع من وقف عليهم، لأن الواقف أخرج الملك عن نفسه بالوقف فلا يجوز له الانتفاع به كغيره. ونقل الباقر أنه ان تصدق بمسكن على ذى قرابته فان شاء سكن معهم. قال فى تذكرة الفقهاء ورواية الباقر ضعيفة السند. وجاء فى العروة الوثقى (٤): اذا وقف دارا على زيد لسكناه يتخيل أنه موجود فتبين موته قبل ذلك لا يصح لأن من شروط الموقوف عليه أن يكون موجودا فلا يصح الوقف على المعدوم. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (٥): يجوز لمن حبس وقفا أن يشترط الانتفاع لنفسه

стр. 2877

فى حياته وبعد موته مثل أن يوصى بأرض للدفن ويقول أدفنونى فيها. وروى أن انسانا وقف دارا بالمدينة فكان اذا قدم المدينة مارا بها للحج نزلها. وروى أن الزبير بن العوام تصدق بدوره وقال للمردودة من بناته أى المطلقة أن تسكن غير مضارة ولا مضر بها فاذا استغنت بزوج فليس لها حق. وجعل عبد الله بن عمر نصيبه من دار أبيه عمر سكنى لذوى الحاجة من آل عبد الله. سكنى أهل الذمة مع المسلمين مذهب الحنفية: جاء فى تنوير الأبصار وشرحه (١): أن أهل الذمة اذا تكاروا دورا فيما بين المسلمين ليسكنوا فيها فى المصر جاز لعود نفعه الينا، وليروا تعاملنا فيسلموا. قال الامام الحلوانى بشرط عدم تقليل الجماعات لسكناهم، فان لزم ذلك من سكناهم أمروا بالاعتزال عنهم والسكنى بناحية ليس فيها مسلمون وهو محفوظ عن أبى يوسف كما فى البخر عن الذخيرة. وفى الأشباه: واختلف فى سكناهم بيننا فى المصر والمعتمد الجواز فى محلة خاصة. وفى حاشية الحموى: أن الجواز مقيد بما شرطه الحلوانى وقد صرح التمرتاشى فى شرح الجامع الصغير بعد ما نقل عن الشافعى أنهم يؤمرون ببيع دورهم فى أمصار المسلمين وبالخروج عنها وبالسكنى خارجها لئلا يكون لهم محلة خاصة نقلا عن النسفى والمراد بالمنع المذكور عن الأمصار أن يكون لهم فى المصر محلة خاصة يسكنونها ولهم فيها منعة عارضة كمنعة المسلمين أى جماعات يمنعونهم من وصول غيرهم اليهم، فأما سكناهم بين المسلمين لا فى محلة خاصة بل متفرقين بينهم وهم مقهورون لهم فلا يكون ممنوعا. ثم قال فى الدر المختار (٢): ويمنع أهل الذمة من استيطان مكة والمدينة لأنهما من أرض العرب قال ابن عابدين: أفاد ذلك أن الحكم غير مقصور على مكة والمدينة بل يشمل جزيرة العرب كلها كذلك كما عبر به فى الفتح وغيره وقد قال النبى ﷺ فى مرضه الذى مات فيه كما أخرجه فى الموطأ وغيره: لا يجتمع فى أرض العرب دينان.

стр. 2878

مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى (١): أن للامام أن يأذن للكافر أن يسكن فى غير جزيرة العرب بخلاف سكنى مكة والمدينة وما فى حكمهما من أرض الحجاز واليمن لأنه من جزيرة العرب المشار اليها بقوله ﵊ «لا يبقين دينان فى جزيرة العرب». وفى الحطاب قال (٢) مالك يخرج من هذه المواضع كل من كان على غير الاسلام ولا يمنعون من التردد بها مسافرين وحيث قلنا أن لهم سكنى غير ذلك وهو صحيح لكنه يشترط أن يسكن حيث يناله حكمنا ولا يسكن حيث يخشى منه أن ينكث ويؤمر بالانتقال فان أبوا قوتلوا قال بعض المحققين اذا أسلم أهل جهة وخفنا عليهم الارتداد اذا فقد الجيش فانهم يؤخذون بالانتقال قال ابن عبد السّلام وظاهر كلام خليل أن حكم العبيد حكم الأحرار فى عدم السكنى فى جزيرة العرب وهو قول عيسى خلاف قول ابن سيرين قاله فى التوضيح. مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج (٣): أنه يجوز للامام أن يأذن لأهل الذمة فى الاقامة والسكنى بدار الاسلام غير الحجاز بشرط اعطاء الجزية، فان صورة عقد الجزية هو أن يقول لهم الامام: أقركم بدار الاسلام أو يقول لهم: أذنت فى اقامتكم بها على أن تبذلوا جزية وتنقادوا لحكم الاسلام، وهذا بالنسبة للرجل الحر البالغ العاقل، فالجزية (٤) نفرض على أهل الذمة نظير سكناهم بدارنا. أما المرأة والخنثى ومن فيه رق والصبى فانهم لا يلتزمون بالجزية نظير سكناهم، وكذلك المجنون، فان تقطع جنونه قليلا كساعة من شهر ونحو يوم من سنة لزمته أو تقطع كثيرا كيوم ويوم فالأصح تلفيق الافاقة ان أمكن، فان بلغت أيام الافاقة سنة وجبت الجزية، لسكناه سنة بدارنا وهو كامل، فان لم يمكن أجرى عليه حكم الجنون فى الجميع كما هو المتجه. ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز، يعنى الاقامة به ولو بلا استيطان. وقيل له الاقامة. وأفهم كلامه أنه يجوز شراء أرض فيه لم يقم بها وهو الأوجه. لكن الصواب منعه، لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كالأوانى وآلات اللهو، واليه يشير قول الشافعى:

стр. 2879

ولا يتخذ الذمى شيئا من الحجاز دارا، وان رد بأن هذا ليس من ذاك. وانما منع من الحجاز لقوله ﷺ عند موته، أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وفى رواية أن آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ «أخرجوا اليهود من الحجاز». وفى أخرى أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، وليس المراد جميعها بل الحجاز منها، لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم باليمن مع أنه منها. وهو أى الحجاز مكة والمدينة واليمامة وقراها أى الثلاثة كالطائف وجدة وخيبر والينبع. وقيل له الاقامة فى طرقه الممتدة بين هذه البلاد لأنها التى لا تعد منها نعم التى بحرم مكة يمنعون منها قطعا. وجاء فى الأم (١): أن الامام الشافعى رحمه الله تعالى قال: ولا يبين لى أن يحرم أن يمر ذمى بالحجاز مارا لا يقيم ببلد منها أكثر من ثلاث ليال وذلك مقام مسافر، لأنه قد يحتمل أمر النبى ﷺ باجلائهم عنها أن لا يسكنوها، ويحتمل لو ثبت عنه لا يبقين دينان بأرض العرب «لا يبقين دينان مقيمان»، ولولا أن عمر ولى الخراج أهل الذمة لما ثبت عنده من أن أمر رسول الله ﷺ محتمل ما رأى عمر من أن أجل من قدم من أهل الذمة تاجرا ثلاث لا يقيم فيها بعد ذلك لرأيت أن لا يصالحوا بدخولها بكل حال. قال الشافعى رحمه الله تعالى ولا يتخذ ذمى شيئا من الحجاز دارا ولا يصالح على دخولها الا مجتازا أن صولح. قال الشافعى رحمه الله تعالى: فاذا أذن لهم أن يدخلوا الحجاز فذهب لهم بها مال أو عرض لهم بها شغل قيل لهم وكلوا بها من شئتم من المسلمين واخرجوا ولا يقيمون بها أكثر من ثلاث. وأما مكة فلا يدخل الحرم أحد منهم بحال أبدا كان لهم بها مال أو لم يكن وان غفل عن رجل منهم فدخلها فمرض أخرج مريضا أو مات أخرج ميتا ولم يدفن بها، وان مات منهم ميت بغير مكة دفن حيث يموت أو مرض فكان لا يطيق أن يحمل الا بتلف عليه أو زيادة فى مرضه ترك حتى يطيق الحمل ثم يحمل. قال وان صالح الامام أحدا من أهل الذمة على شئ يأخذه فى السنة منهم مما قلت لا يجوز الصلح عليه على أن

стр. 2880

يدفعوا اليه شيئا فيقبض ما حل عليهم فلا يرد منه شيئا، لأنه قد وفى له بما كان بينه وبينه، وان علم بعد مضى نصف السنة نبذه اليهم مكانه وأعلم أن صلحهم لا يجوز، وقال ان رضيتم صلحا يجوز جددته لكم وان لم ترضوه أخذت منكم ما وجب عليكم وهو نصف ما صالحتكم عليه فى السنة، لأنه قد تم لكم ونبذت اليكم، وان كانوا صالحوا على أن سلفوه شيئا لسنتين رد عليهم ما صالحوه عليه الا قدر ما استحق بمقامهم ونبذ اليهم، ولم أعلم أحدا أجلى أحدا من أهل الذمة من اليمن، وقد كانت بها ذمة وليست بحجاز فلا يجليهم أحد من اليمن. ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن، فأما سائر البلدان ما خلا الحجاز فلا بأس أن يصالحوا على المقام بها. فاذا وقع لذمى حق بالحجاز وكل به ولم أحب أن يدخلها بحال، ولا يدخلها لمنفعة لأهلها، ولا غير ذلك من أسباب الدخول كتجارة يعطى منها شيئا، ولا كراء يكريه مسلم ولا غيره، فان أمر باجلائه من موضع فقد يمنع من الموضع الذى أجلى منه، وهذا اذا فعل فليس فى النفس منه شئ، واذا كان هذا هكذا فلا يتبين أن يمنعوا ركوب بحر الحجاز ويمنعون المقام فى سواحله، وكذلك ان كانت فى بحر الحجاز جزائر وجبال تسكن منعوا سكناها، لأنها من أرض الحجاز، واذا دخل الحجاز منهم رجل فى هذه الحالة فان كان تقدم اليه أدب وأخرج وان لم يكن تقدم اليه لم يؤدب وأخرج وان عاد أدب. مذهب الحنابلة: جاء فى (١) المغنى: أنه لا يجوز لأحد من المشركين سكنى الحجاز، لأن رسول الله ﷺ قال «لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب». وروى أبو داود باسناده عن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها الا مسلما، قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء قال «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالث، رواه أبو داود». وجزيرة العرب ما بين الوادى الى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز. قال الاصمعى وأبو عبيدة هى من ريف العراق الى عدن طولا، ومن تهامة وما وراءها الى أطراف الشام عرضا.

стр. 2881

وقال أبو عبيدة هى من حفر أبى موسى الى اليمن طولا، ومن رمل تيرين الى منقطع السماوة عرضا. وقال أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها، يعنى أن الممنوع من سكن الكفار المدينة وما والاها، وهى مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها، وما والاها، لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن. وأما الحرم فليس لهم دخوله بحال ولا يستوطنون به، ولهم دخول الكعبة، والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف كالحجاز لقول الله تعالى «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ ١ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا» والمراد به الحرم بدليل قوله تعالى «وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً» يريد ضررا بتأخير الجلب عن الحرم دون المسجد. مذهب الزيدية: جاء فى شرح (٢) الأزهار ومثله فى التاج المذهب: أنه لا يجوز أن يسكن أهل الذمة فى غير خططهم (٣): لقول رسول الله ﷺ «أخرجوهم من جزيرة العرب يعنى اليهود والنصارى». وروى أنه قال ﷺ «لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب». وروى عنه ﷺ أنه قال «لأخرجن اليهود من جزيرة العرب». قال الامام يحيى: والمراد بجزيرة العرب هى مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، فان هذه البلاد وان كانت لهم دون غيرهم فليس لهم أن يسكنوا غيرها من بلاد الاسلام الا باذن المسلمين، وليس لهم أن يأذنوا لهم بذلك الا لمصلحة مرجحة لتبقيتهم، اما لينتفع المسلمون بقربهم، لأجل الجزية أو لصنائع يختصون بها، أو نحو ذلك، واما لغير مصلحة فلا يجوز تقريرهم. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع (٤) الاسلام: أنه لا يجوز استئناف البيع والكنائس فى بلاد الاسلام، ولو استجدت وجب ازالتها، سواء كان البلد مما استجده المسلمون أو فتح عنوة أو صلحا على أن تكون الأرض للمسلمين، ولا بأس بما كان قبل الفتح وبما استجدوه فى أرض فتحت صلحا على أن تكون الارض لهم، واذا انهدمت كنيسة مما لهم استدامتها جاز اعادتها. وقيل لا: اذا كانت فى أرض المسلمين، وأما اذا كانت فى أرضهم فلا بأس.

стр. 2882

وأما المساكن فكل ما يستجده الذمى لا يجوز أن يعلو به على المسلمين من مجاوريه ويجوز مساواته على الأشبه ويقر ما ابتاعه من مسلم على علوه كيف كان، ولو انهدم لم يجز أن يعلو به على المسلم ويقتصر على المساواة فما دون. وأما المساجد فلا يجوز أن يدخل المسجد الحرام اجماعا ولا غيره من المساجد عندنا. ولو أذن لهم لم يصح الاذن لا استيطانا ولا اجتيازا، ولا يجوز لهم استيطان الحجاز على قول مشهور. وقيل المراد به مكة والمدينة، وفى الاجتياز به والامتياز منه تردد .. ومن أجازه جده بثلاثة أيام، ولا جزيرة العرب. وقيل المراد بها مكة والمدينة واليمن ومخاليفها، وقيل: هى من عدن الى ريف عبادان طولا، ومن تهامة وما والاها الى أطراف الشام عرضا. مذهب الإباضية: جاء فى شرح (١) النيل: الجزية تفرض على أهل الذمة نظير سكناهم بدارنا، فاذا سكنوا فانهم يمنعون من أن يتطاولوا على المسلمين فى البناء، وتجوز المساواة. وقيل: لا تجوز، وأن تملكوا دارا عالية أقروا عليها. ثم قال ويمنعون من المقام فى أرض الحجاز، وهى مكة والمدينة واليمامة، بل من جزيرة العرب. وفى السؤالات عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا برئ من مسلم مع مشرك قيل: لم يا رسول الله قال: لا تتراءى نارهما الا عن حرب. هذه تدعو الى الله، وهذه تدعو الى الشيطان، وأمر ﷺ باخراج اليهود من جزيرة العرب». قال بعضهم جزيرة العرب ما بين حفر أبى موسى وأقصى اليمن فى الطول، وأما العرض فمن جدة الى أطوار الشام. وقيل مدينة الرسول ﷺ والحجاز ومكة والطائف وهو قول مالك ابن أنس. وقيل كل ما ملكه العرب وقيل كل ما بلغه التوحيد، لأن النبى ﷺ عربى وروى عنه ﷺ من طريق ابن عباس رضى الله عنهما أنه أمرهم حين احتضر بثلاث. قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم والثالثة اما أن سكت عنها واما أن قالها فنسيتها.

стр. 2883

حكم اسكان الأعيان المؤجرة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١) أنه يشترط فى اجارة المنازل تسليم الدار للمستأجر على معنى أنه يجب التخلية والتمكين من الانتفاع برفع الموانع فى اجارة المنازل ونحوها، حتى لو انقضت المدة من غير تسليم المستأجر لا يستحق المؤجر شيئا من الأجر، لأن المستأجر لم يملك من المعقود عليه شيئا، فلا يملك هو أيضا شيئا من الأجر، لأنه معاوضة مطلقة، ولو مضى بعد العقد مدة ثم سلم فلا أجر له فيما مضى، لعدم التسليم فيه. ولو أجر المنزل فارغا وسلم المفتاح الى المستأجر فلم يفتح الباب حتى مضت المدة لزمه كل الأجر، لوجود التسليم وهو التمكين من الانتفاع برفع الموانع فى جميع المدة فحدثت المنافع فى ملك المستأجر على ملكه، فلا يسقط عنه الأجر، وان لم يسلم المفتاح اليه لكنه أذن له بفتح الباب فقال: مر وافتح الباب، فان كان يقدر على فتح الباب بالمعالجة لزمه الكراء لوجود التسليم، وان لم يقدر لا يلزمه، لأن التسليم لم يوجد. ولو أن شخصا استأجر دارا ليسكنها شهرا فسكن فى بعض الوقت ثم حدث بها مانع يمنع من الانتفاع فلا تلزمه أجرة تلك المدة، لأن المعقود عليه المنفعة فى تلك المدة، لأنها تحدث شيئا فشيئا فلا تصير منافع المدة مسلمة بتسليم محل المنفعة، لأنها معدومة والمعدوم لا يحتمل التسليم، وانما يسلمها على حسب وجودها شيئا فشيئا، فاذا اعترض مانع فقد تعذر تسليم المعقود قبل القبض فلا يجب البدل. هذا ولا بد فى اجارة الدور والمنازل والبيوت من بيان المدة، لأن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدونه، فترك بيانه يفضى الى المنازعة، وسواء قصرت المدة أو طالت من يوم أو شهر أو سنة أو أكثر من ذلك بعد أن كانت معلومة، وسواء عين اليوم أو الشهر أو السنة أو لم يعين ويتعين الزمان الذى يعقب العقد لثبوت حكمه، لأن التعيين قد يكون نصا، وقد يكون دلالة، وقد وجدها هنا دلالة التعيين من وجهين. أحدهما: أن الإنسان انما يعقد عقد الإجارة للحاجة والحاجة عقيب العقد قائمة. والثانى: ان العاقد يقصد بعقده الصحة، ولا صحة لهذا العقد الا بالعرف فى الشهر الذى يعقب العقد فيتعين. ولو أجر داره شهرا أو شهورا معلومة فإن وقع العقد فى غرة الشهر يقع على الأهلة بلا خلاف، حتى لو نقص الشهر يوما كان عليه كمال الأجرة، لأن الشهر اسم للهلال، وإن وقع بعد ما مضى بعض الشهر ففى إجارة الشهر يقع على ثلاثين يوما بالإجماع، لتعذر اعتبار الأهلة فتعتبر بالأيام، وأما فى اجارة الشهر ففيها روايتان عن أبى حنيفة: فى رواية اعتبر الشهور كلها بالايام، وفى

стр. 2884

رواية اعتبر تكميل هذا الشهر بالأيام من الشهر الأخير والباقى بالأهلة. وهكذا ذكر فى الأصل فقال: اذا استأجر سنة أولها هذا اليوم، وهذا اليوم لأربعة عشر من الشهر، فإنه يسكن بقية هذا الشهر وأحد عشر شهرا بالأهلة وأربعة عشر يوما من الشهر الأخير وهو قول أبى يوسف ومحمد. ولو قال آجرتك هذه الدار سنة كل شهر بدرهم جاز بالاجماع، لأن المدة معلومة والأجرة معلومة، ولا يملك أحدهما الفسخ قبل تمام السنة من غير عذر، ولو لم يذكر السنة فقال: آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهم جاز فى شهر واحد عند أبى حنيفة، وهو الشهر الذى يعقب العقد، كما فى بيع العين، لأن جملة الشهور مجهولة، فأما الشهر الاول فمعلوم، وهو الذى يعقب العقد. وذكر القدورى أن الصحيح من قول أبى يوسف ومحمد أنه لا يجوز أيضا، وفرقا بين الاجارة وبيع العين من حيث أن كل شهر لا نهاية له، فلا يكون المعقود عليه معلوما، بخلاف الصبرة، لأنه يمكن معرفة الجملة بالكيل. وعامة مشايخنا قالوا: تجوز هذه الاجارة على قولهما كل شهر بدرهم كما فى بيع الصبرة كل قفيز بدرهم (١). ثم قال (٢): لو أستأجر دارا شهرا بعشرة دراهم على أنه ان سكنها يوما ثم خرج فعليه عشرة دراهم فهو فاسد، لأن المعقود عليه مجهول وهو سكنى شهر أو يوم. ثم قال (٣): ولا يشترط بيان ما تستأجر له المنازل، حتى لو استأجر ولم يسم ما يعمل فيه جاز، وله أن يسكن فيه نفسه، وأن يسكن فيه معه غيره، وله أن يسكن فيه غيره بالاجارة والاعارة، وله أن يضع فيه متاعا وغيره، غير أنه لا يصح أن يجعل فيه حدادا، ولا قصارا، ولا طحانا، ولا ما يضر بالبناء ويوهنه، وانما كان كذلك، لأن الاجارة شرعت للانتفاع، والدور والمنازل والبيوت ونحوها معدة للانتفاع بها بالسكنى، ومنافع العقار المعدة للسكنى متقاربة، لأن الناس لا يتفاوتون فى السكنى فكانت معلومة من غير تسمية، وكذا المنفعة لا تتفاوت بكثرة السكان وقلتهم الا تفاوتا يسيرا، وأنه ملحق بالعدم ووضع المتاع من توابع السكنى. وذكر فى الأصل أن له أن يربط فى الدار دابته وبعيره وشاته، لأن ذلك من توابع السكنى. وقيل أن هذا الجواب على عادة أهل الكوفة.

стр. 2885

والجواب فيه يختلف باختلاف العادة، فان كان فى موضع جرت العادة بذلك فله ذلك والا فلا. وانما لم يكن له أن يقعد فيه من يضر بالبناء ويوهنه من القصار والحداد والطحان، لأن ذلك اتلاف العين، وأنه لم يدخل تحت العقد اذ الاجارة بيع المنفعة لا بيع العين ولأن مطلق العقد ينصرف الى المعتاد. ثم قال (١): ولو أن شخصا أجر داره على أن يسكنها شهرا، ثم يسلمها الى المستأجر، فالاجارة فاسدة، لأن هذا شرط لا يقتضيه العقد، ولأنه شرط لا يلائم العقد، ولا بد فى ركن عقد الاجارة من أن يكون خاليا عن شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، هذا وزيادة منفعة مشروطة فى العقد لا يقابلها عوض فى معاوضة المال يكون ربا أو فيها شبهة الربا، وكل ذلك مفسد للعقد. وقد ذكر فى الأصل أنه اذا استأجر شخص دارا معلومة بأجرة مسماة على أن لا يسكنها، فالاجارة فاسدة، ولا أجرة على المستأجر اذا لم يسكنها، وان سكنها فعليه أجر مثلها لا ينقص مما سمى. أما فساد العقد، فلأن شرطه أن لا يسكن انما هو نفى موجب العقد - وهو الانتفاع بالعقود عليه، ثم أنه شرط يخالف مقتضى العقد ولا يلائم العقد، فكان شرطا فاسدا. وأما عدم وجوب الأجر رأسا ان لم يسكن ووجوب أجر المثل أن سكن، فلأن أجر المثل فى الاجارات الفاسدة انما يجب باستيفاء المعقود عليه لا بنفس التسليم وهو التخلية كما فى النكاح الفاسد، لأن التخلية هى التمكين ولا يتحقق مع الفساد، لوجود المانع من الانتفاع به شرعا فأشبه المنع الحسى من العباد وهو الغصب، بخلاف الاجارة الصحيحة، لأنه لا مانع هناك فتحقق التسليم، فلئن لم ينتفع به المستأجر فقد أسقط حق نفسه فى المنفعة فلا يسقط حق الآجر فى الأجرة، واذا سكن فقد استوفى المعقود عليه بعقد فاسد، ومثله يوجب أجر المثل. ومن استأجر دارا لم يرها، ثم رآها فلم يرض بها فله ردها، لأن الاجارة بيع المنفعة فيثبت فيها خيار الرؤية كما فى بيع العين فان رضى بها بطل خياره كما فى بيع العين. ومن استأجر (٢) دارا يسكنها فانهدم بعض بناء الدار فالمستأجر بالخيار ان شاء مضى على الاجارة وان شاء فسخ، لأنه اذا حدث بالعين المستأجرة عيب يخل بالانتفاع بها لم يبق العقد لازما، بخلاف البيع اذا حدث بالمبيع عيب بعد القبض انه ليس للمشترى أن يرده، لأن الاجارة بيع المنفعة والمنافع تحدث شيئا فشيئا، فكان كل جزء من أجزاء

стр. 2886

المنافع معقودا مبتدأ، فاذا حدث العيب بالمستأجر كان هذا عيبا حدث بعد العقد قبل القبض، وهذا يوجب الخيار فى بيع العين. واذا ثبت الخيار للمستأجر فان لم يفسخ ومضى على ذلك الى تمام المدة فعليه كمال الأجرة، لأنه رضى بالمعقود عليه مع العيب فيلزمه جميع البدل. وان زال العيب قبل أن يفسخ بأن بنى المؤاجر ما سقط من الدار بطل خيار المستأجر لأن الموجب للخيار قد زال والعقد قائم فيزول الخيار. هذا اذا كان العيب مما يضر بالانتفاع بالمستأجر فان كان لا يضر الانتفاع به بقى العقد لازما ولا خيار للمستأجر، كما اذا سقط من الدار المستأجرة حائط لا ينتفع به فى سكناها، لأن العقد ورد على المنفعة لا على العين، اذ الاجارة بيع المنفعة لا بيع العين، ولا نقصان فى المنفعة بل فى العين والعين غير معقود عليها فى باب الاجارة وتغير عين المعقود عليه لا يوجب الخيار، بخلاف ما اذا كان العيب الحادث مما يضر بالانتفاع، لأنه اذا كان يضر بالانتفاع فالنقصان يرجع الى المعقود عليه فأوجب الخيار، فله أن يفسخ. ثم انما يلى الفسخ اذا كان المؤاجر حاضرا فان كان غائبا فحدث بالمستأجر ما يوجب حق الفسخ، فليس للمستأجر أن يفسخ، لأن فسخ العقد لا يجوز الا بحضور العاقدين أو من يقوم مقامهما. وقال هشام: ولو انهدمت الدار كلها فقد اختلفت اشارة الروايات فيه: ذكر فى بعضها ما يدل على أن العقد ينفسخ. فقد ذكر محمد فى اجارة الأصل اذا سقطت الدار كلها فله أن يخرج، سواء كان صاحب الدار شاهدا أو غائبا فهذا دليل الانفساخ، حيث جوز للمستأجر الخروج من الدار مع غيبة المؤاجر، ولو لم تنفسخ توقف جواز الفسخ على حضوره. والوجه فيه أن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت بالسقوط اذ المطلوب منها الانتفاع بالسكنى، وقد بطل ذلك فقد هلك المعقود عليه فيفسخ العقد. وذكر فى بعضها ما يدل على أن العقد لا ينفسخ لكن يثبت حق الفسخ. فانه ذكر فى كتاب الصلح: اذا صالح على سكنى دار فانهدمت لم ينفسخ الصلح. وروى هشام عن محمد فيمن استأجر بيتا وقبضه ثم انهدم فبناه الآجر فقال المستأجر بعد ما بناه: لا حاجة لى فيه قال محمد ليس للمستأجر ذلك، وكذلك لو قال المستأجر آخذه وأبى الآجر فليس للآجر ذلك. ووجه ذلك أن الدار بعد الانهدام بقيت منتفعا بها منفعة السكنى فى الجملة بأن يضرب

стр. 2887

فيها خيمة فلم يفت المعقود عليه رأسا فلا ينفسخ العقد، على أنه ان فات كله لكن فات على وجه يتصور عوده وهذا يكفى لبقاء العقد، والأصل فيه أن العقد المنعقد بيقين يبقى لتوهم الفائدة لأن الثابت بيقين لا يزول بالشك. وذكر القدورى أن الصحيح أن العقد ينفسخ، لأن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت وضرب الخيمة فى الدار ليس بمنفعة مطلوبة من الدار عادة فلا يعتبر بقاؤه لبقاء العقد وقال فيما ذكره محمد فى البيت اذا بناه المؤاجر أنه لما بناه تبين أن العقد لم ينفسخ حقيقة، وان حكم بفسخه ظاهرا فيجبر على التسليم والقبض وليس يمتنع الحكم بانفساخ عقد فى الظاهر مع التوقف فى الحقيقة. ثم قال صاحب (١) البدائع: وان سلم المؤاجر الدار الا بيتا منها ثم منعه رب الدار أو غيره بعد ذلك من البيت فلا أجر على المستأجر فى البيت، لأنه استوفى بعض المعقود عليه دون بعض فلا يكون عليه حصة ما لم يستوف، وللمستأجر أن يمتنع من قبول الدار بغير البيت وأن يفسخ الاجارة اذا حدث ذلك بعد قبضه، لأن الصفقة تفرقت فى المعقود عليه وهو المنافع، وتفرق الصفقة يوجب الخيار. ولو استأجر دارا أشهرا مسماة فلم تسلم اليه الدار حتى مضى بعض المدة، ثم أراد أن يتسلم الدار فيما بقى من المدة فله ذلك. ولو أن المستأجر طلبها من المؤاجر فمنعه اياها ثم أراد أن يسلمها فذلك له، وليس للمستأجر أن يمتنع، لأن الخيار انما يثبت بحدوث تفرق الصفقة بعد حصولها مجتمعة، والصفقة هاهنا حينما وقعت وقعت متفرقة، لأن المنافع تحدث شيئا فشيئا، فكان كل جزء من المنافع كالمعقود عليه عقدا مبتدأ فكان أول جزء من المنفعة مملوكا بعقد، وكان الجزء الثانى مملوكا بعقد آخر. وما ملك بعقدين فتعذر التسليم فى أحدهما لا يؤثر فى الاخر، فان استأجر دارين فسقطت احداهما، أو منعه مانع من احداهما، أو حدث فى احداهما عيب فله أن يتركهما جميعا، لأن العقد وقع عليهما صفقة واحدة، وقد تفرقت عليه فيثبت له الخيار. مذهب المالكية: جاء فى التاج والاكليل بهامش (٢) الحطاب: نقلا عن المدونة أنه اذا اكترى شخص دارا للسكنى سنة من غير غاصب فلم ينقده الكراء حتى استحقت الدار فى نصف السنة فكراء ما مضى للأول، وللمستحق فسخ ما بقى أو الرضا به فيكون له كراء بقية السنة فان أجاز الكراء فليس للمكترى أن يفسخ الكراء فرارا من عهدته اذ لا ضرر عليه فانه يسكن

стр. 2888

فان عطبت الدار أدى بحساب ما سكن، ولو انتقد الأول كراء السنة كلها يدفع الى المستحق كراء باقى المدة ان كان مأمونا ولم يخف من دين أحاط به ونحوه لا يرد فى باقى الكراء على المكترى. قال أبو محمد وغيره فان كان المستحق غير مأمون قيل للمكترى: ان شئت أن تدفع الى المستحق كراء بقية السنة وتسكن، فان أبى قيل للمستحق: ان شئت تجيز الكراء على أنك لا تأخذ الا كراء ما سكن كلما سكن شيئا أخذت بحسابه، والا فلك أن تفسخ كراء بقية المدة. قال ابن يونس لعله يريد فى دار يخاف عليها الهدم، وأما ان كانت صحيحة البناء فله أن ينتقد، ولا حجة للمكترى من خوف الدين، لأنه أحق بالدار من جميع الغرماء. ثم قال: (١) وسئل الحطاب عن جماعة ورثوا دارا كبيرة بعضها عامر وبعضها خراب وبعض الورثة حاضر وبعضهم غائب فاستولى الحاضر على الدار، وسكن العامر وعمر الخراب وسكنه، هل للغائبين الرجوع عليه بالأجرة فى هذه المدة؟ وهل لهم نقض ما عمره من الخراب لكونه بغير أذنهم؟ فأجاب بقوله: ان كان الوارث الحاضر الذى سكن لم يعلم بالغائب فلا رجوع عليه فيما سكن، وله الرجوع عليه بحصته فيما أكراه أو اغتله هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك قاله فى أول كتاب الصدقات من البيان وهو الذى مشى عليه خليل بعد هذا. وأما ان علم الوارث به فانه يرجع عليه بأجرة ما سكن وبحصته من الغلة، وما عمره مما ليس بضرورى فان أراد أحد منهم القسمة قسمت الدار، فان وقع ما بناه فى حصته كان له وعليه من الكراء بقدر ما انتفع من نصيب أصحابه قبل القسمة، وان وقع فى نصيب غيره خير من وقع فى حصته بين أن يعطيه قيمته منقوضا أو يسلم اليه نقضه وعلى البانى من الكراء بقدر ما انتفع من نصيب أصحابه قبل القسمة، وان أرادوا شركته ولم يرد واحد منهم القسمة فلهم ذلك بعد أن يدفعوا حصصهم من قيمة ما عمله قيل: قائما، وقيل: منقوضا، هذا محصل كلام ابن رشد. والقول بأنه يأخذ قيمته منقوضا هو الظاهر لقول ابن يونس. وذكر الدردير (٢): أنه لا يجبر مؤجر لدار للسكنى على أن يصلح للمكترى منه اذا حصل فى الدار خلل مطلقا، سواء كان يمكن معه الانتفاع أم يضر بالمكترى أم لا باتفاق فى الكثير المضر وعلى مذهب ابن القاسم فى اليسير، فالخلاف انما هو فى اليسير ولو مضرا.

стр. 2889

واذا لم يجبر المكرى على الاصلاح، فاذا لم يصلح خير الساكن بين الفسخ والابقاء فى حدوث خلل مضر، ولو مع نقص منافع كتتابع المطر من السقف للخلل الحادث به، وكهدم ساتر أو بيت من بيوتها، فان بقى فالكراء كله لازم له أما اذا كان لا يضر فلا خيار، ويلزمه السكنى الا أنه اذا كان لا ينقص من الكراء شيئا فظاهر كسقوط بعض شرفات البيت ونحوه مما لا يعتنى به عادة، وان كان ينقص من الكراء حط عنه بقدره وان قل، كسقوط تجصيصها أو ذهاب بلاطها أو هدم بيت من بيوتها وكان لا يضر وسقوط شرفاتها مع تنقيصه من الكراء، فاذا أصلح المكترى بلا اذن كان متبرعا لا شئ له فى الأقسام الثلاثة، فان انقضت المدة خير رب الدار بين دفع قيمته منقوضا أو أمره بنقضه كالغاصب، بخلاف ما لو أذن فله قيمته قائما اذا لم يقل ربها عمر وما صرفته فعلى فيلزمه جميع ما صرفه وقولنا وخير الساكن فى مضر اذا لم يصلح المؤجر كما قدمنا، فان أصلح له قبل خروجه لم يكن له خيار بل يجبر على السكنى بقية المدة، وهو معنى قوله رضى الله تعالى عنه بخلاف ساكن أصلح له بقية المدة قبل خروجه، ومفهوم قوله قبل خروجه أنه لو أصلح له بعد أن خرج فلا يلزمه العود لها حتى تنقضى المدة. ثم قال (١): واذا شرط مرمة على المكترى أى اصلاح ما تحتاج اليه الدار مثلا من كراء وجب أو شرط تطيين للدار مثلا على المكترى من كراء موجب على المكترى، أما فى مقابلة سكنى مضت، أو باشتراط تعجيل الأجرة أو لجريان العرف بتعجيل جاز أما اذا شرط ذلك الآن على أن تحسبه مما سيحسب عليك، فلا يجوز لفسخ ما فى الذمة فى مؤخر، أو كان التطيين أو المرمة من عند المكترى، بأن شرط عليه ربها بأن ترمها أو تطينها من عندك بحيث لا تحسب من الأجرة، فلا يجوز وفسخ العقد للجهالة اذ الترميم فى الحقيقة من الأجرة ولا يعلم قدر ما يصرف فيه، وأما اذا لم يقع شرط فى العقد وكان الساكن يرم من عنده تبرعا فذلك جائز .. وجاء فى الحطاب: أنه لو اكترى شخص بيتا وشرط أن لا يسكن معه أحد فتزوج أو ابتاع رقيقا فان لم يكن فى سكناهم ضرر على رب البيت لم يكن له أن يمنعه، وان كان فى سكناهم ضرر فله منعه، وقد تكون غرفة ضعيفة الخشب ونحوه فينظر فى ذلك. وقال فى الوثائق المجموعة أنه ان اكترى غرفة فشرط عليه ربها أن لا يسكن معه غيره فيها لضعف خشب الغرفة وما أشبهه فله شرطه، فان كان اذا شرط أن لا يسكن معه غيره لا يوفى له بذلك اذا لم يكن فيه ضرر فمن باب أولى أن لا يوفى له اذا أراد أن يسكن من هو مثله فتأمله. ومن اكترى دارا فله أن يسكنها أو يسكنها أو يؤجرها من مؤجرها أو أجنبى مثل الآجر أو أقل أو أكثر.

стр. 2890

قال الشيخ سليمان فى شرح الارشاد قال فى العمدة ثم أن محل استيفاء المنفعة لا يتعين وان عين بل للمستأجر أن يستوفى المنفعة بنفسه وبغيره وله أن يؤجر مؤجره وغيره بمثل الاجارة وبالأقل والأكثر، قال فى شرحه: معناه اذا استأجر الرجل دارا ليسكنها أو دابة ليركبها ونحو ذلك لم يتعين عليه أن يسكنها أو يركبها هو بنفسه ولو عين نفسه للسكنى أو للركوب، بل له أن يسكنها أو يكريها لمن شاء ممن هو فى رفقه فى السكنى وفى خفته فى الركوب وحذقه فى المسير، وذلك لأنه قد ملك المنفعة بالعقد، فله أن يملكها لمن شاء كسائر أملاكه، ولهذا يكون له اجارة ما استأجره ممن شاء بما شاء (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج (٢) أنه لا يجب بيان ما يستأجره له فى الدار لقرب التفاوت من السكنى ووضع المتاع، ومن ثم حمل العقد على المعهود فى مثلها من سكانها، ولم يشترط عدد من يسكن اكتفاء بما اعتيد فى مثلها ثم اذا توفرت الشروط فى المنفعة تارة تقدر المنفعة بزمان فقط وضابطه كل ما لا ينضبط بالعمل، وحينئذ يشترط علمه كرضاع هذا شهرا وتطيين أو تجصيص أو اكتحال أو مداواة هذا يوما وكدار وأرض وثوب وآنية. ويقول فى دار تؤجر للسكنى: لتسكنها فلو قال: على أن تسكنها أو لتسكنها وحدك لم تصح كما فى البحر فى الاولى سنة بمائة أولها من فراغ العقد لوجوب اتصالها بالعقد، فلو لم يعلم كأجرتكها كل شهر بدينار لم تصح. وأقل مدة تؤجر للسكنى يوم فأكثر قاله الماوردى مرة وتبعه الرويانى، ومرة أقلها ثلاثة أيام. والاوجه كما أفاده الاذرعى جواز بعض يوم معلوم، فقد يتعلق به غرض مسافر ونحوه. ثم قال (٣): للمكترى استيفاء المنفعة بنفسه وبغيره الامين، لأنها ملكه، فلو شرط عليه استيفاءها بنفسه فسد العقد، كما لو شرط على مشتر أن لا يبيع فيركب ويسكن ويلبس مثله فى الضرر اللاحق بالعين ودونه بالاولى، لأن ذلك استيفاء للمنفعة المستحقة من غير زيادة، ولا يسكن حدادا ولا قصارا حيث لم يكن هو كذلك لزيادة الضرر. قال جمع: الا اذا قال لتسكن من شئت كازرع ما شئت. ونظر فيه الاذرعى بأن مثل ذلك يقصد به التوسعة دون الاذن فى الاضرار. ولو قال أسكنى دارك شهرا فأسكنه لم يستحق عليه أجرة بالاجماع كما فى البحر.

стр. 2891

والاوجه كما بحثه الاذرعى وجوبها فى قن ومحجوز سفه، لأنهما غير أهل للتبرع ومثلهما غير المكلف بالأولى. وقيل له أجرة مثله لاستهلاكه منفعته. وقيل ان كان معروفا بذلك العمل بالاجرة فله أجرة مثله، والا فلا، وقد يستحسن ترجيحه لوضوح مدركه اذ هو العرف وهو يقوم مقام اللفظ كثيرا. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (١): انه اذا كان عرف الدار السكنى واكتراها فله السكنى، أما اذا لم يكن للدار عرف واكتراها للسكنى فله السكنى، وله وضع متاعه فيها ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به. قال فى المبدع: ويستحق ماء البئر تبعا للدار فى الاصح، وللمستأجر أن يأذن لأصحابه وأضيافه فى الدخول بها والمبيت فيها، لأنه العادة. وقال أحمد اذا كان يجئ له زوار، فان كانوا كثيرين كان عليه أن يخبره، أما اذا كان يجيئه فى الفرد فليس عليه أن يخبره. وليس للساكن أن يعمل فيها حدادة ولا قصارة، لأنه ليس العرف، وأيضا لأن مثل ذلك يضر بجيطانها، ولا يصح أن يجعلها مخزنا للطعام، لأنه يضر بها، والعرف لا يقتضيه، ولا يجوز له أن يسكنها دابة. قلت ان لم تكن قرينة كالدار الواسعة التى فيها اصطبل معد للدواب عملا بالعرف. ولا يدع المستأجر فيها رمادا ولا ترابا ولا زبالة ونحوها مما يضر بها لحديث «لا ضرر ولا ضرار». وللمستأجر اسكان ضيف زائر، لأنه ملك السكنى فله استيفاؤها بنفسه وبمن يقوم مقامه. ثم قال (٢): ويجوز اجارة دار بسكنى دار أخرى وبخدمة عبد وبتزويج امرأة لقصة شعيب ﵊، لأنه جعل النكاح عوض الأجرة، ولأن كل ما جاز أن يكون ثمنا فى البيع جاز أن يكون عوضا فى الاجارة فكما جاز أن يكون العوض عينا جاز أن يكون منفعة سواء كان الجنس واحدا كالأول، أو مختلفا كالثانى. ثم قال صاحب كشاف (٣) القناع: أن تصرف المؤجر فى العين المؤجرة ويد المستأجر عليها بأن يسكن المؤجر الدار أو آجرها لغيره بعد تسليمها للمستأجر لم تنفسخ الاجارة

стр. 2892

بذلك، وعلى المستأجر جميع الأجرة، لأن يده لم تزل عن العين، وللمستأجر على المالك أجرة المثل لما سكنه أو تصرف فيه، لأنه تصرف فيما ملكه المستأجر عليه بغير اذنه، فأشبه تصرفه فى المبيع بعد قبض المشترى له، وقبض العين هنا قام مقام قبض المنافع. وأن تصرف المالك قبل تسليم العين المؤجرة أو امتنع من التسليم حتى انقضت المدة انفسخت الاجارة بذلك، قال فى المغنى والشرح وجها واحدا، لأن العاقد قد أتلف المعقود عليه قبل تسليمه فأشبه تلف الطعام قبل قبضه، وان سلم المؤجر العين المؤجرة الى المستأجر فى أثناء المدة انفسخت الاجارة وتجب أجرة الباقى بالحصة أى بالقسط من المسمى. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (١): أنه لا بد فى اجارة السكنى من ذكر المدة، لأن الاجارة بخلاف ذلك مجهولة فهى أكل مال بالباطل. ثم قال (٢): ولا يجوز استئجار دار ليوم غير معين، ولا لشهر غير معين، ولا لعام غير معين، لأن الكراء لم يصح على شئ لم يعرف فيه المستأجر حقه فهو أكل مال بالباطل وعقد فاسد. واذا (٣) استأجر شخص دارا على أن يسكنها بنفسه، ثم أجرها بأكثر مما استأجرها به، أو بأقل، أو بمثله، فانه لا يجوز غير ما وقعت عليه الاجارة، أما اذا لم تكن المعاقدة على أن يسكنها بنفسه، ثم أجرها فانه يكون حلالا جائزا، لأنه لم يأت نهى عن النبى ﷺ عن ذلك، وهى مؤاجرة، وقد أمر ﵊ بالمؤاجرة. ويجوز تأجير سكنى دار بسكنى دار أو سكنى دار بخدمة عبد، أو بخياطة، كل ذلك جائز، لأنه لم يأت نص بالنهى عن ذلك. مذهب الزيدية: جاء فى (٤) التاج المذهب: أنه اذا استأجر شخص من آخر دارا بشرط الخيار فاما أن تجعل مدة الخيار من مدة الاجارة أو من غيرها أو يطلق. فان كانت مدة الخيار من مدة الاجارة كأن يستأجر الدار شهرا ويجعل الخيار ثلاثا من أوله صحت الاجارة، واما أن يكون الخيار لهما أو لأحدهما. فان كان لهما فان سكن المؤجر انفسخ العقد، وان سكن المستأجر مضى العقد من جهته وعليه الأجرة ان تم العقد فالمسماة،

стр. 2893

وان لم يتم فأجرة المثل، وان تمكن المستأجر ولم يسكن لزمته الأجرة ان تم العقد، والا فلا، وان لم يسكن ولا تمكن فلا أجرة عليه تم العقد أم فسخ. وان كان الخيار لأحدهما فان كان للمؤجر فقط فان سكن انفسخ العقد، وان لم يسكن لم ينفسخ، ويكون الكلام فى سكون المستأجر وعدمه وتمكنه من السكون وعدمه ما مر من حيث الخيار لهما، الا أنه لا معنى لقولنا مضى العقد من جهته، لأنه ماض من أول الأمر. وان كان الخيار للمستأجر فقط فان سكن نفذ العقد، وان تمكن لزمته الاجرة بكل حال سكن أم لا، وان لم يسكن ولا تمكن فلا أجرة تمت الاجارة أم لا. وان جعل مدة الخيار من غير مدة الاجارة لم تصح الاجارة، لأنها لا تصح على وقت مستقبل، وليس له أن يسكن فى مدة الخيار ولا بعدها أيضا الا باذن، فان سكن بغير اذن أو به لزمته أجرة المثل، لعدم صحة عقد الاجارة. وجاء فى التاج (١) المذهب: أنه اذا كانت الدار المؤجرة مختلفة المنافع نحو أن يستأجر دارا تصلح للسكنى فيها وتصلح للحدادة فلا بد من تعيين المنفعة التى استؤجرت لها، لأن تعيين المنفعة شرط من شروط الاجارة. وجاء فى البحر الزخار (٢): ان من اكترى دارا لم يكن لأيهما الفسخ بعد العقد، الا لعذر وفرت الأجرة أم لا، وعلى المكترى تسليم المفتاح والتخلية حتى لكنيف ليتمكن من الانتفاع، وعلى المكترى تفريغه فى مدته للرد، اذ هو الذى شغله ولا يلزم تفسير السكنى وعد الساكن لتعذر الضبط. وليس له الحدادة والقصارة فيما اكتراه للسكنى، ولا شحن السرقين فيها لافساده. فان اكترى ليسكن وحده لم يكن له أن يتزوج اليها. وقال صاحب (٣) شرح الأزهار: ان احتاج مالك العين المؤجرة اليها ليسكنها فانه لا يصح أن يترتب عليه فسخ الاجارة. مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح (٤) الكرامة: انه ان استأجر الدار للسكنى وجب مشاهدة الدار أو وصفها بما يرفع الجهالة وضبط مدة المنفعة والأجرة، ولو سكن المالك بعض المدة تخير المستأجر فى الفسخ فى الجميع أو فى قدر ما سكنه فيسترد

стр. 2894

نصيبه من المسمى وفى امضاء الجميع فيلزمه المسمى، وله أجرة المثل على المالك فيما سكن، فان فسخ وجب التقسيط فيسترد نصيب ما سكنه المالك وقد قضت هذه العبارة باطلاقها أنه لا فرق فى ثبوت الخيار للمستأجر بين كون سكنى المالك قبل القبض أو بعده وبه صرح فى موضعين من التذكرة. أحدهما: قوله لو استأجر الدار سنة فسكنها شهرا ثم تركها وسكنها المالك بقية السنة أن المستأجر يتخير بين الفسخ فى باقى المدة والامضاء والزام المالك بأجرة المثل. الثانى أنه لا فرق فى ثبوت الخيار للمستأجر بين كون سكنى المالك قبل القبض أو بعده. وله أن يسكن المساوى، أو الأقل ضررا، الا مع التخصيص، يريد أنه لو استأجر الدار للسكنى من دون تعيين الساكن ملك منافع سكناها، فله أن يسكن بنفسه، ومن شاء معه من عياله ومن يتبعه وغيرهم ممن يساويه فى الضرر أو ينحط عنه فيه. ولا يمنع من دخول زائر وضيف ونحوهما، لأنه لا يجب تعيين الساكنين ولا ذكر عددهم وصنفهم من رجال ونساء وصبيان. ولا يجب ذكر السكنى وصفتها قال فى التذكرة: يجوز اطلاق العقد كأن يستأجر الدار ولا يذكر أنها للسكنى، لأنها لا تؤجر الا للسكنى فيستغنى عن ذكرها كاطلاق الثمن فى بلد معروف النقد. قال: ولا تقدر منفعتها الا بالسكنى، لأنها غير منضبطة كذا وجدنا، والظاهر أنه أثبت السكنى بعد الزمان سهوا ونحو ذلك كله ما فى التحرير وجامع المقاصد، وأما مع التنصيص على التخصيص كأن يقول له: لتسكن أنت بنفسك لا غيرك فانه يصح الشرط قطعا، وليس له اسكان غيره أصلا ما عدا الضيف والزائر على الظاهر، وأما اذا قال له لتسكنها أنت بنفسك فظاهر العبارة كما هو صريح جامع المقاصد أن الحكم كذلك. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): أن من استأجر دارا من رجل فله أن يستنفع بما فيها من البيوت والغرف والسقوف والآبار والاهراء والأوتاد والخشب والمستراح، وغير ذلك من الآنية التى جعلت لذلك. وان استأجر الدار أو نحوها لمعنى معلوم فلا يفعل فيها غير ذلك من سكنى العيال والبهائم، وما أشبه ذلك، وان أكراها للسكنى سكنها بعياله وحيوانه، ويدخل فيها أضيافه، الا أن يشترط سكنى شئ معلوم فلا يسكن فيها غيره. واذا دفع له صاحب الدار مفتاحا فأمرها الى المتكارى وليس لصاحب الدار فيها حكم من استنفاع.

стр. 2895

ويمنع صاحب الدار أن يدخل على الساكن فيها جميع ما يضره مثل نزوع الباب وما أشبه ذلك. ولا يجوز للساكن أيضا أن يدخل فى تلك الدار ما يضرها وكل ما جعل من المضرة لتلك الدار، فان الساكن يدرك نزوعها، ويدرك صاحب الدار نزوعها، ولا يدرك من مضرة الدار على الساكن الا ما أحدث الساكن فيها بنفسه، فانه يدرك عليه نزوعها. وان عمر بعضا من تلك الدار ولم يعمر بعضا حتى تمت المدة فعليه الكراء كله الا ان منعه مانع من ذلك مثل الغاصب أو صاحب الدار أو انهدم ذلك ولم يصل الى الاستنفاع به، وان عمر الدار فى أول المدة أو فى آخرها فعليه الكراء كله، وان منع المفتاح له فليس عليه فى الكراء شئ. وذكر فى الكتاب عن شريح قاضى عمر ابن الخطاب رضى الله عنه أنه احتكم اليه رجلان قد كرى أحدهما دارا للآخر مدة معلومة ولم يدفع له المفتاح حتى تمت المدة فطلبه الى الكراء، فقضى بينهما أن لا يكون عليه الكراء. ومنهم من يقول ولو أعطى له المفتاح اذا لم يسكنها حتى تمت المدة فليس عليه شئ، وكذلك ان لم يسكنها الا فى آخر المدة فليس عليه الا قدر ما سكن. وجائز أن يكرى داره أو دار من ولى أمره من يتيم أو مجنون أو غائب اذا رأى أن ذلك أصلح لهم، ويكرى لهم أيضا ما يسكنون فيه بأنفسهم وأموالهم على هذا الحال، وكذلك كل ما فى يده من الدور والبيوت التى لم تكن فى ملك أحد مثل حوانيت المسجد وغيرها، فجائز له أن يكريها. وان انهدم شئ من حيطان الدور والبيوت فأراد الساكن أن يسكن كذلك أو أراد أن يبنيه فله ذلك، ولا يجوز لصاحب الدار أن يمنعه من اصلاح ما انهدم منها، أو يرد الشقاق أو ما يصلح سكناها. فان اكترت المرأة دارا لتسكنها مدة معلومة فتزوجت رجلا فى تلك المدة فجائز لها أن تسكن مع زوجها، والكراء عليها، وكذا الرجل على هذا الحال، وكل ما دخل عليه الساكن من المضرة التى تكون فى الدار فأراد أن يخرج منها قبل المدة فلا يرد من الكراء شيئا، وان لم يعلم بالمضرة وخرج منها فليقاسمه فى الكراء. وان كرى دارا ليسكنها فسكن فيها مع عياله فغاب الساكن فخلف فيها عياله فلا يجوز لصاحب الدار أن يخرجهم دون المدة، ولا يدرك عليهم الكراء، وان مات المتكارى فى غيبته قبل المدة ولم يعلم ورثته بموته ولا صاحب الدار فكل ما سكنوا قبل موت وارثهم فليؤدوا

стр. 2896

حسابه على الكراء الأول، وما سكنوا بعد موته فليؤدوا كراءه على رؤوسهم بنظر أهل العدل. وان أكرى رجل بيته أو داره لرجلين ليسكنا فيه وليعملا فيه صنايعهما الى مدة معلومة بأجرة معلومة فجائز، وتكون الأجرة بينهما على رءوسهما، اتفقت صنائعهما أو اختلفت، سواء فى ذلك الحر والعبد والبالغ والطفل عملا فيها أو لم يعملا اذا سكنا فى المدة، وان مات أحدهما قبل أن يدخلها أو منع من دخولها بمعنى من المعانى فليس عليه فى الكراء شئ، وان سكنها صاحبه حتى تمت المدة فعليه الكراء بنظر أهل العدل. ومنهم من يقول يعطى نصف الكراء الأول ويعطى النظر فيما ناب صاحبه، وهذا اذا سكن الدار أو البيت فليس عليه الا نصف الكراء. وان لم يمت صاحبه ولم يمنع من دخولها الا بعد ما سكن بعض المدة فعليه بقدر ما سكن. وان اكتراها له ليضع فيها طعامه فلا يسكن ولا يدخل فيها حيوانه ولا غير الطعام وان اكتراها ليحرز فيها ماله فله أن يضع فيها ما شاء مما لا يضر بالبيت. حكم السكنى فى الأعيان الموهوبة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١): أنه لو منح شخص لآخر دارا بأن قال هذه الدار لك منحة فهو عارية، لأن المنحة فى الأصل عبارة عن هبة المنفعة أو ما له حكم المنفعة، وقد أضيف الى ما يمكن الانتفاع به من غير استهلاكه من السكنى، فكان هذا تمليك المنفعة من غير عوض، فان كان الايجاب فى هبة الدار مقرونا بقرينة فالقرينة لا تخلو اما أن تكون وقتا، واما أن تكون شرطا، واما أن تكون منفعة. فان كانت القرينة وقتا بأن قال: أعمرتك هذه الدار، أو صرح فقال: جعلت هذه الدار لك عمرى، أو قال: جعلتها لك عمرك، أو قال: هى لك عمرك أو حياتك فاذا مت أنت فهى رد على، أو قال: جعلتها لك عمرى أو حياتى فاذا مت أنا فهى رد على ورثتى، فهذا كله هبة، وهى للمعمر له فى حياته ولورثته بعد وفاته، والتوقيت باطل. والأصل فيه ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها، فان من أعمر شيئا فانه لمن أعمره.

стр. 2897

وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فانها للذى يعطاها، لا يرجع الى الذى أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : من أعمر عمرى حياته فهى له ولعقبه يرثها من يرثه بعده، فدلت هذه النصوص على جواز الهبة وبطلان التوقيت. وان كانت القرينة شرطا نظر الى الشرط المقرون، فان كان مما يمنع وقوع التصرف تمليكا للحال يمنع صحة الهبة، والا فيبطل الشرط، وتصح الهبة. وعلى هذا يخرج ما اذا قال: أرقبتك هذه الدار أو صرح فقال: جعلت هذه الدار لك رقبى، أو قال: هذه الدار لك رقبى ودفعها اليه فهى عارية فى يده له أن يأخذها منه متى شاء، وهذا قولى أبى حييفة ومحمد. وقال أبو يوسف هذه هبة، وقوله رقبى باطل، واحتج أبو يوسف بما روى أن رسول الله ﷺ أجاز العمرى والرقبى، ولأن قوله دارى لك تمليك العين لا تمليك المنفعة، ولما قال رقبى فقد علقه بالشرط، وأنه لا يحتمل التعليق فبطل الشرط وبقى العقد صحيحا، ولهذا لو قال: دارى لك عمرى أنه تصح الهبة، ويبطل شرط المعمر، كذا هذا. واحتج أبو حنيفة ومحمد بما روى الشعبى عن شريح أن رسول الله ﷺ أجاز العمرى وأبطل الرقبى ومثلهما لا يكذب، ولأن قوله دارى لك رقبى تعليق التمليك بالخطر، لأن معنى الرقبى أن يقول: ان مت أنا قبلك فهى لك، وان مت أنت قبلى فهى لى، فلا تصح هبة وتصح عارية، لأنه دفع اليه وأطلق له الانتفاع به، وهذا معنى العارية، وهذا بخلاف العمرى، لأن هناك وقع تمليكا للحال فهو بقوله عمرى وقت التمليك، وأنه لا يحتمل التوقيت فبطل، وبقى العقد على الصحة. ولا اختلاف بينهم فى الحقيقة ان كان الرقبى والارقاب يستعملان فى اللغة فى هبة الرقبة، وينبغى أن ينوى فان عنى به هبة الرقبة يجوز بلا خلاف، وان عنى به مراقبة الموت لا يجوز بلا خلاف. ولو قال لرجلين دارى لأطولكما حياة فهو باطل، لأنه لا يدرى أيهما أطول حياة فكان هذا تعليق التمليك بالخطر فبطل، ولو قال دارى لك حبيس فهذا عارية عند أبى حنيفة ومحمد. وعند أبى يوسف هو هبة وقوله حبيس باطل بمنزلة الرقبى.

стр. 2898

ثم قال (١): أما ان كانت القرينة منفعة بأن قال: دارى لك سكنى، أو عمرى سكنى، أو صدقة سكنى، أو هبة سكنى، أو سكنى هبة، أو هى لك عمرى عارية ودفعها اليه فهذا كله عارية، لأنه لما ذكر السكنى فى قوله دارى لك سكنى أو عمرى سكنى أو صدقة سكنى دل على أنه أراد تمليك المنافع، لأن قوله هذا لك ظاهره وان كان لتمليك العين لكنه يحتمل تمليك المنفعة، لأن الاضافة الى المستعير والمستأجر منفعة عرفا وشرعا وقوله «سكنى» موضوع للمنفعة لا تستعمل الا لها فكان محكما فجعل تفسيرا للمحتمل وبيانا أنه أراد به تمليك المنفعة وتمليك المنفعة بغير عوض هو تفسير العارية، وكذا قوله سكنى بعد ذكر الهبة يكون تفسيرا للهبة، لأن قوله هبة يحتمل العين، ويحتمل هبة المنافع، فاذا قال سكنى فقد عين هبة المنافع فكان بيانا لمراد المتكلم، أنه أراد هبة المنافع، وهو تفسير العارية. ولو قال هى لك عمرى تسكنها أو صدقة تسكنها ودفعها اليه فهو هبة، لأنه فسر الهبة بالسكنى، لأنه لم يجعله نعتا فيكون بيانا للمحتمل بل وهب الدار منه ثم شاوره فيما يعمل بملكه والمشورة فى ملك الغير باطلة فتعلقت الهبة بالعين وقوله تسكنها بمنزلة قوله لتسكنها، كما اذا قال وهبتها لك لتؤاجرها. ولو قال هى لك تسكنها كانت هبة أيضا، لأن الاضافة بحرف اللام الى من هو أهل الملك للتمليك وقوله تسكنها مشورة على ما بينا. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى (٢): أنه لا تصح هبة ولى لمحجوره دار سكناه اذا استمر ساكنا بها حتى مات الا أن يسكن الواهب أقلها ويكرى لمحجوره الأكثر منها فتصح الهبة فى جميعها فتكون كلها للمحجور، وان سكن النصف منها وأكرى للمحجور النصف الآخر بطل النصف الذى سكنه فقط، وصح النصف الذى أكراه له. ثم الراجح الذى يفيده النقل أن العبرة باخلاء النصف الذى لم يسكنه من شواغل الواهب وان لم يكره للمحجور، وان سكن الأكثر وأكرى له الأقل بطل الجميع، وموضوع تفصيله فى المحجور ولو بلغ رشيدا ولم يجز بعد رشده. وأما لو وهب دار سكناه لولده الرشيد فما حازه الولد ولو قل صح، وما لم يحزه الولد بل سكنه الأب فلا يصح. قال البنانى وفيه نظر فان الذى فى ابن عرفة عن بعض شيوخ عبد الحق

стр. 2899

أنه ان سكن الأب الأقل صح جميعها ولو كان الولد كبيرا، وان سكن الأكثر بطل الجميع ان كان الولد صغيرا وبطل ما سكنه فقط ان كان الولد كبيرا. والحاصل أنه ان سكن جميعها بطل الجميع سواء كان الولد كبيرا أو صغيرا، وان أخلاها كلها من شواغله، أو سكن أقلها صح جميعها، سواء كان الولد كبيرا أو صغيرا، وان سكن الأكثر بطل الجميع ان كان الولد صغيرا، وبطل ما سكنه فقط ان كان كبيرا، فهذا القسم هو محل افتراق الكبير من الصغير. مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج والمهذب (١): العمرى هو أن يقول أعمرتك هذه الدار أو جعلتها لك عمرك وفيها ثلاث مسائل. احداها أن يقول: أعمرتك هذه الدار حياتك ولعقبك بعدك، فهذه عطية صحيحة تصح بالايجاب والقبول ويملك فيها بالقبض. والدليل عليه ما روى جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فانها للذى أعطيها لا ترجع الى الذى أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. والثانية أن يقول: أعمرتك هذه الدار حياتك ولم يشرط شيئا ففيه قولان. قال فى القديم: هو باطل، لأنه تمليك عين قدر بمدة فأشبه ما اذا قال أعمرتك سنة أو أعمرتك حياة زيد. وقال فى الجديد هو عطية صحيحة، ويكون للمعمر فى حياته ولورثته بعده، وهو الصحيح، لما روى جابر رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : من أعمر عمرى حياته فهى له ولعقبه من بعده يرثها من يرثه من بعده ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك وتنتقل الى الورثة فلم يكن ما جعله له فى حياته منافيا لحكم الأملاك. والثالثة أن يقول: أعمرتك حياتك فان مت عادت الى، ان كنت حيا، والى ورثتى ان كنت ميتا فهى كالمسألة الثانية فتكون على قولين. أحدهما تبطل. والثانى تصح، لأنه شرط أن تعود اليه بعد ما زال ملكه أو الى وارثه، وشرطه بعد زوال الملك لا يؤثر فى حق المعمر فيصير وجوده كعدمه.

стр. 2900

وأما الرقبى: فهو أن يقول أرقبتك هذه الدار أو دارى لك رقبى، معناه وهبت لك، وكل واحد منا يرقب صاحبه، فان مت قبلى عادت، وان مت قبلك فهى لك فتكون كالمسألة الثالثة من العمرى وقد بينا أن الثالثة كالثانية، فتكون على قولين. وقال المزنى الرقبى أن يجعلها لآخرهما موتا. وهذا خطأ لما روى عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال من أعمر عمرى أو أرقب رقبى فهى للمعمر يرثها من يرثه. ولو قال: أرقبتك هذه الدار وهى لك رقبى فهى كالعمرى، لقول النبى ﷺ العمرى جائزة والرقبى جائزة لأهلها رواه أبو داود وغيره، وقال الترمذى حديث حسن، نعم لو قال: جعلتها لك عمرى أو حياتى لم تصح فى الأصح. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (١): أن العمرى والرقبى جائزتان اذ هما نوعان من الهبة، وذلك بأن يقول الرجل أعمرتك دارى هذه أو هى لك عمرى، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا، سميت عمرى، لتقييدها بالعمر، وعلى هذا اذا قال دارى لك عمرى، أو هى لك عمرك فهى له ولورثته من بعده. والرقبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هى لك حياتك على أنك ان مت قبلى عادت الى، وان مت قبلك فهى لك ولعقبك، فكأنه يقول: لآخرنا موتا، وبذلك سميت رقبى، لأن كل واحد فيهما يرقب موت صاحبه، وكلاهما جائزة فى قول أكثر أهل العلم. وان قال سكناها لك عمرك كان له أخذها فى أى وقت أحب، لأن السكنى ليست كالعمرى والرقبى، اما اذا قال: سكنى هذه الدار لك عمرك أو أسكنها عمرك أو نحو ذلك فليس ذلك بعقد لازم، لأنه فى التحقيق هبة المنافع، والمنافع انما تستوفى بمضى الزمان شيئا فشيئا، فلا تلزم الا فى قدر ما قبضه منها واستوفاه بالسكنى. وللمسكن الرجوع متى شاء، وأيهما مات بطلت الاباحة وبهذا قال أكثر العلماء وجماعة أهل الفتوى، وروى معنى ذلك عن حفصة. وقال عطاء وقتادة: هى كالعمرى تكون له ولعقبه، لأنها فى معنى العمرى فيثبت فيها مثل حكمها. وحكى عن الشعبى أنه اذا قال: هى لك اسكن حتى تموت فهى له حياته وموته، وان قال دارى هذه اسكنها حتى تموت فانها ترجع الى صاحبها، لأنه اذا قال

стр. 2901

هى لك فقد جعل له رقبتها فتكون عمرى، فاذا قال اسكن دارى هذه فانما جعل له نفعها دون رقبتها فتكون عارية. ولنا أن هذه اباحة المنافع فلم يقع لازما كالعارية، وفارق العمرى فانها هبة للرقبة. فأما اذا قال هذه لك اسكنها حتى تموت فانه يحتمل لك سكناها حتى تموت، وتفسيرها بذلك دليل على أنه أراد السكنى فأشبه ما لو قال هذه لك سكناها، واذا احتمل أن يريد به الرقبة، واحتمل أن يريد السكنى، فلا نزيل ملكه بالاحتمال. مذهب الظاهرية: يرى (١) صاحب المحلى من الظاهرية أنه يجوز اباحة السكنى فى الدار كما يجوز منح دابة يبيح ركوبها، وعلى ذلك فما حازه الممنوح من كل ذلك فهو له لا طلب للمانح فيها. وللمانح أن يسترد عين ما منح متى شاء سواء عين مدة أو لم يعين أشهد أو لم يشهد، لأنه لا يحل مال أحد بغير طيب نفس منه الا بنص ولا نص فى هذا. وحكم ما وقع بلفظ الاسكان والاخدام والازراع كحكم المنحة والاسكان انما يكون فى البيوت وفى الدور. واذا كانت المنحة (٢) بلفظ العمرى والرقبى كانت هبة صحيحة تامة يملكها المعمر والمرقب كسائر ماله يبيعها ان شاء وتورث عنه، ولا ترجع الى المعمر ولا الى ورثته، سواء اشترط أن ترجع اليه أو لم يشترط، وشرطه لذلك ليس بشئ. والعمرى هى أن يقول هذه الدار وهذه الأرض عمرى لك أو قد أعمرتك أياها أو هى لك عمرك أو قال: حياتك أو قال رقبى لك أو قد أرقبتكها، كل ذلك سواء، فقد روينا من طريق الحجاج بن المنهال قال: حدثنا هشيم حدثنا المغيرة ابن مقسم قال: سألت ابراهيم النخعى عمن أسكن آخر دارا حياته فمات المسكن والساكن قال: ترجع الى ورثة المسكن فقلت: أليس يقال: من ملك شيئا حياته فهو لورثته من بعده، فقال ابراهيم انما ذلك فى العمرى، وأما السكنى فانها ترجع الى صاحبها. وقال على روينا عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: لا ترقبوا ولا تعمروا

стр. 2902

فمن أرقب شيئا أو أعمر شيئا فهو لورثته. وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : العمرى لمن أعمرها والرقبى لمن أرقبها والعائد فى هبته كالعائد فى قيئه. فهذه آثار متواترة فلم يسع أحد الخروج عنها، وليس هذا الحكم الا فى الاعمار والأرقاب كما جاء النص. أما الاسكان فيخرجه متى شاء، لأنها عدة فيما لم يجزه من السكنى بعد. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (١): أن السكنى فى باب العمرى والرقبى تقع على وجهين. أحدهما: أن توقع بشرط البناء على الساكن وهذه اجارة فاسدة لأحد أمرين. انطواؤها على جهالة المدة. الثانى: انطواؤها على بناء مجهول، فاذا دفع الرجل عرصة وقال: ابنها واسكنها بالبناء أو اسكنها بشرط بنائها كانت اجارة فاسدة. والوجه الثانى أن تدفع دون شرط البناء وهذه عارية نحو أن يقول: أسكنتك هذه الدار أو أسكنها فانها تكون عارية، وسواء كانت مطلقة أو مؤقتة والسكنى حيث هى اجارة أو اعارة يجب أن تتبعها أحكامها فيتبع فى السكنى بشرط البناء أحكام الاجارة الفاسدة، ومن دون اشتراطه أحكام العارية. أما حكم الأول فالبانى للعرصة لا يخلو اما أن يكون بناها بنقضها الأول، أو بنقض منه فان بناها بنقضها الأول فله أجرة المثل، واذا سكن فعليه أجرة المثل فيسقط المثل بمثله، ويتراجعا فى الزائد، وان بناها بنقض منه، فان سكن العرصة فعليه أجرة المثل، واذا طلب صاحب العرصة منه نقض البناء أو منعه من السكنى، فان تراضيا هو ومالك العرصة بأخذ البناء عوضا عن الأجرة جاز، والا لزمته من أحد النقدين، ويكون البانى فى البناء بالخيار ان شاء طلب قيمته قائما، وليس له حق البقاء وتركه لرب العرصة، وهذا حيث كانت السكنى مطلقة أو مؤقتة قبل انقضاء الوقت، فان كانت مؤقتة وقد انقضى الوقت فلا شئ بل يرفعها ولا خيار، وكذلك لو شرط عليه وان شاء رفعه وأخذ أرش النقصان وقيمة ما تلف من الآلة بسبب النقض - وهو ما بين القيمتين قائما ليس له حق البقاء ومنقوضا، وان لم يمنعه رب العرصة فله رفع بنائه وعليه

стр. 2903

الأجرة لما قد سكن ولا خيار له ولا أرش عليه فى العرصة. وأما اذا مات البانى فقال فى البيان يحكم على ورثته برفع البناء ولا خيار لهم فجعل هذا كالعارية المؤقتة، وقد انقضى وقتها بموت البانى، هذا اذا لم يشرط البناء بالسكنى، أما اذا كان قد شرط فهو اجارة فاسدة لا عارية فلا تبطل بموت البانى. وأما حكم الثانية وهى التى بمعنى العارية فحكمها أن لرب العرصة أن يرجع عنها متى شاء، فان كان المستعير قد بنى باذن أو بغير اذن كان الحكم ما تقدم فى العارية، فحيث تكون مطلقة أو مؤقتة ورجع قبل انقضاء الوقت وقد بناها المستعير فان كانت الآلة من المعير رجع بما غرم مما يعتاد مثله فى ذلك البلد، وان كانت الآلة من المستعير خير كما مر. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام (١): أن السكنى والعمرى والرقبى بمعنى واحد، اذ هى عقد يفتقر الى الايجاب والقبول والقبض وفائدتها التسليط على استيفاء المنفعة مع بقاء الملك على مالكه، ويختلف عليها الأسماء بحسب الاضافة فاذا اقترنت بالعمر قيل عمرى، وبالاسكان قيل سكنى، وبالمدة قيل رقبى أما من الارتقاب أو من رقبة الملك. والعبارة عن العقد أن يقول: أسكنتك، أو أعمرتك، أو أرقبتك، أو ما جرى مجرى ذلك، هذه الدار، أو هذه الأرض، أو هذا المسكن عمرك وعمرى، أو مدة معينة فيلزم بالقبض. وقيل: يلزم أن قصد به القربة. والأول أشهر. ولو قال: لك سكنى هذه الدار ما بقيت أو حييت جاز وترجع الى المسكن بعد موت الساكن على الأشبه. أما لو قال: فاذا مت رجعت الى فانها ترجع قطعا. ولو قال: أعمرتك هذه الدار لك ولعقبك كان عمرى، ولم تنتقل الى المعمر، وكان كما لو لم يذكر العقب على الأشبه. واذا عين للسكن مدة لزمت بالقبض، ولا يجوز الرجوع فيها الا بعد انقضائها، وكذا لو جعلها عمر المالك لم ترجع وان مات المعمر، وينتقل ما كان له الى ورثته حتى يموت المالك، ولو قرنها بعمر المعمر ثم مات لم تكن لوارثه ورجعت الى المالك. ولو أطلق المدة ولم يعينها كان له الرجوع متى شاء.

стр. 2904

وكل ما يصح وقفه يصح اعماره من دار ومملوك وأثاث، ولا تبطل بالبيع بل يجب أن يوفى المعمر ما شرط له. واطلاق السكنى يقتضى أن يسكن بنفسه وأهله وأولاده، ولا يجوز أن يسكن غيرهم الا أن يشترط ذلك، ولا يجوز أن يؤجر السكن، كما لا يجوز أن يسكن غيره، وغير من جرت عادته به الا باذن المسكن. وقيل (١) يجوز ان مطلقا. والأول أشهر. وحيث تجوز الاجارة فالأجرة للساكن. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢): اذا قال شخص لآخر: أعمرتك هذه الدار حياتك، أو هى لك عمرى، أو هى لك رقبى، أى فى حياة رقبتك، أو سكنى اذا كان مما يسكن كالدار فأكثر أصحابنا وأكثر قومنا على أن من عمر شيئا فهو له مدة حياته، وله بيعها ولوارثه من بعده، لما روى عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما من عمر شيئا فهو له ولورثته من بعده. ثم قال (٣): والوصية بالمنافع قد اختلف فيها علماء الإباضية. وجاء فى الأثر أنه ان أوصى رجل بسكنى دار أو بيت أو جميع ما يسكن فيه سمى الأجل أو لم يسم فذلك لا يجوز ثم قال (٤): من قال: أوصيت لفلان بسكنى هذه الدار حتى أموت، أو قال له: اسكنها حتى أموت سكنها ذلك الموهوب له حتى يموت الواهب فترجع الى ورثة الواهب، وكذا ان قال له: اسكنها حتى تموت بلا ذكر أوصيت لك فاذا مات الموهوب له رجعت للواهب أو لوارث الواهب، لأن المؤمنين على شروطهم. وقيل هى لوارثه أى لوارث الموهوب له من بعده، لدخولها ملك الوارث بمجرد موت الموهوب له، ولا يجد الواهب نزعها قبل موت الموهوب له. وان قال: أوصيت لك أن تسكن من اليوم حتى تموت فاذا مات رجعت الى الموصى أو وارثه. وان قال هى لك الى ما قبل موتك بشهر أو يوم أو أقل أو أكثر لم تكن لوارث الموهوب له بعد موته اجماعا.

стр. 2905

وان قال له اسكن هذه الدار حتى أموت ومات ذلك الذى هو مأذون له أى من أذن له فى السكنى حتى يموت المالك قبل موت صاحبها لم يجد وارثه سكنها حتى يموت صاحبها، وكأنه قال: لا يصيب وارثه أن يقول ان لى سكناها الى موت صاحبها، فاذا مات رددتها لوارثه. حكم سكنى العين المرهونة مذهب الحنفية: جاء فى الدر المختار (١): لا يحل الانتفاع بالمرهون مطلقا باستخدام ولا سكنى الا باذن. وقيل لا يحل للمرتهن، لأنه ربا. وقيل ان شرطه كان ربا، والا لم يكن. ثم قال (٢): فى الجواهر لو أن رجلا رهن دارا وأباح السكنى للمرتهن فوقع بسكناه خلل وخرب البعض فلا يسقط شئ من الدين، لأنه لما أباح له السكنى أخذ حكم العارية، حتى لو أراد منعه كان له ذلك. وجاء فى حاشية ابن عابدين (٣): أنه لو سكن المرتهن فى دار الرهن لم تلزمه الأجرة مطلقا، سواء أذن الراهن أم لم يأذن، وسواء كانت معدة للاستغلال أو لم تكن معدة، قال بذلك فى الخيرية وجاء فى البدائع (٤): أنه ليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون، فان كان المرهون دارا فليس له أن يسكنها، لأن عقد الرهن يفيد ملك الحبس لا ملك الانتفاع، فان انتفع به فهلك فى حال الاستعمال يضمن كل قيمته لأنه صار غاصبا. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى (٥): أنه اذا أذن المرتهن للراهن فى اسكان لدار مرهونة أو اجارة لذات مرهونة بطل الرهن ولو لم يسكن أو يؤاجر ويصير بلا رهن، ولا يختص به المرتهن عند المانع. وأما عن كيفية توصل الراهن الى استيفاء المنافع حيث كان الاذن فى الاجارة والاسكان مبطلا مع أن المنافع للراهن فان المرتهن يتولاه باذن الراهن. مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج (٦): أنه لا يصح رهن منفعة جزما، كأن يرهن سكنى

стр. 2906

داره مدة، لأن المنفعة تتلف فلا يحصل بها استيثاق، ومحل المنع فى الابتداء فلا ينافى كون المرهون دينا أو منفعة بلا انشاء، كما لو مات عن المنفعة وعليه دين أو أتلف المرهون فبدله فى ذمة الجانى رهن على الأرجح فى زوائد الروضة. وفى موضع آخر (١) وللراهن كل انتفاع لا ينقصه أى المرهون والأفصح تخفيف القاف قال الله تعالى «إِلاَّ الَّذِينَ ٢ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» ويجوز تشديدها والانتفاع الذى لا ينقص المرهون مثل الركوب والاستخدام والسكنى. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (٣): ليس للراهن أن ينتفع بالرهن باستخدام ولا وط ء ولا سكنى ولا غير ذلك ولا يملك التصرف فيه باجارة ولا اعارة ولا غيرهما بغير رضى المرتهن، وبهذا قال الثورى وأصحاب الرأى. وقال مالك وابن أبى ليلى والشافعى وابن المنذر: للراهن اجارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين. وأما عن حقه فى أن يسكنه بنفسه ففيه اختلاف بينهم، فان اتفقا على اجارة الرهن واعارته جاز ذلك فى ظاهر قول الخرقى، لأنه جعل غلة الدار وخدمة العبد من الرهن ولو عطلت منافعهما لم تكن لهما غلة. وقال ابن أبى موسى ان اذن الراهن للمرتهن فى اعارته أو اجارته صح، والأجرة رهن، وان أجره الراهن باذن المرتهن خرج من الرهن فى أحد الوجهين، ولا يخرج فى الآخر كما لو أجره المرتهن. وقال أبو الخطاب فى المشاع يؤجره الحاكم لهما. وذكر أبو بكر فى الخلاف أن منافع الرهن تعطل مطلقا ولا يؤجراه، وهو قول الثورى وأصحاب الرأى، وقالوا اذا أجر الراهن باذن المرتهن كان اخراجا من الرهن، لأن الرهن يقتضى حبسه عند المرتهن أو نائبه على الدوام، فمتى وجد عقد يستحق به زوال الحبس زال الرهن. ولنا أن المقصود من الرهن هو الاستيثاق بالدين واستيفاؤه من ثمنه عند تعذر استيفائه من ذمة الراهن، وهذا لا ينافى الانتفاع به، ولا اجارته، ولا اعارته فجاز اجتماعهما، كانتفاع المرتهن به، ولأن تعطيل منفعته تضييع للمال، وقد نهى النبى صلّى الله عليه

стр. 2907

وسلم عن اضاعته، ولأنه عين تعلق بها حق الوثيقة فلم تمنع اجارتها، كالعبد اذا ضمن باذن سيده، ولا تسلم أن مقتضى الرهن الحبس، بل مقتضاه تعلق الحق به على وجه تحصل به الوثيقة، وذلك غير مناف للانتفاع به، ولو سلمنا بأن مقتضاه الحبس فلا يمنع كون المستأجر نائبا عنه فى امساكه وحبسه ومستوفيا لمنفعته لنفسه. ثم قال (١): واذا انتفع المرتهن بالرهن باستخدام أو سكنى أو غير ذلك حسب من دينه بقدر ذلك قال أحمد: يوضع عن الراهن بقدر ذلك، لأن المنافع ملك الراهن فاذا استوفاها فعليه قيمتها فى ذمته للراهن فيتقاص القيمة وقدرها من الدين ويتساقطان. ثم قال (٢): ومؤنة الرهن من طعامه وكسوته ومسكنه وحافظه وغير ذلك على الراهن، لقول رسول الله ﷺ «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه، ولأنه نوع انفاق فكان على الراهن كالطعام، ولأن الرهن ملك للراهن فكان عليه مسكنه وحافظه كغير الرهن. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (٣) أن سكنى الدار المرهونة ومؤاجرتها تكون من حق الراهن، ولا يجوز أن ينتفع بها المرتهن لا بسكنى ولا بمؤاجرة، لأنها منفعة ومنافع الرهن كلها لصاحبه الراهن له كما كانت قبل الرهن ولا فرق، حاشا ركوب المرهونة، وحاشا لبن الحيوان المرهون. برهان ذلك قول الله تعالى «وَلا تَأْكُلُوا ٤ أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ»،﴾ وقول رسول الله ﷺ «أن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» وحكم ﵊ بأنه لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه وملك الشئ المرتهن باق لراهنه بيقين وباجماع لا خلاف فيه، فاذ هو كذلك فحق الرهن الذى حدث فيه للمرتهن ولم ينقل ملك الراهن عن الشئ المرهون لا يوجب حدوث حكم فى منعه ما للمرء أن ينتفع به من ماله بغير نص بذلك فله الوط ء والاستخدام والمؤاجرة والسكنى وسائر ما للمرء فى ملكه الا كون الرهن فى يد المرتهن فقط بحق القبض الذى جاء به القرآن ولا مزيد.

стр. 2908

مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف (١) ليس للراهن أن يكرى داره المرهونة أو يسكنها غيره الا باذن المرتهن، فان أكراها وحصلت أجرتها كانت له. دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم، ولأنه لا دليل على جواز ذلك، ومنفعة الرهن للراهن دون المرتهن، وذلك مثل سكنى الدار وخدمة العبد وركوب الدابة وزراعة الأرض، وكذلك نماء الرهن المنفصل عن الرهن، ولا يدخل فى الرهن مثل الثمرة والصوف والولد واللبن. وجاء فى شرائع (٢) الاسلام: لو تصرف الراهن فى الرهن بركوب أو سكنى أو اجارة ضمن ولزمته الأجرة. ولا يجوز التصرف فى الرهن باستخدام ولا سكنى ولا اجارة ولو باع أو وهب وقف على اجازة المرتهن. مذهب الإباضية: اذا سكن الشخص دارا لا بالكراء ثم ارتهنها جاز وصح، ولكن ليس له أن يستمر فى السكنى بعد الرهن، لأنه انتفاع بالعين المرهونة وهو غير جائز، ويجوز له أن يخرج متاعه الذى كان فيها قبل الارتهان ان أراد. واذا كان له مال مخزون فى دار ثم ارتهنها فانه يجوز له ابقاء المخزون فى الدار ودخول الدار لأجل المال المخزون والتردد عليها. والفرق بين السكنى والخزين أن الخزين لو منعه صاحب البيت من الدخول لماله قبل الرهن، لم يمنع بذلك، والساكن اذا منعه صاحب البيت له ذلك، وأيضا فان سكنى المخزون فى البيت ليس فعل الشخص، وأما سكنى الشخص فهى فعله هذا كله اذا سكن قبل الرهن بغير كراء، وأما اذا كان قد سكن قبل الرهن بالكراء، ثم ارتهن الدار التى سكن فيها، فانه يستمر على سكناه بعد الارتهان حتى تنتهى مدة الكراء (٣). حكم الاقرار بالسكنى مذهب الحنفية: جاء فى بدائع (٤) الصنائع: أنه لو قال المقر: أسكنت فلانا بيتى ثم

стр. 2909

أخرجته وادعى الساكن أنه له، فالقول قول المقر عند أبى حنيفة، لأن المقر به ليس هو اليد المطلقة بل اليد بجهة الاعارة والسكنى، وهذا لأن اليد لهما ما عرفت الا باقراره فبقيت على الوجه الذى أقر به فيرجع فى بيان كيفية اليد اليه. وعند أبى يوسف ومحمد القول قول الساكن مع يمينه، ووجه قولهما: أن قوله: أسكنته دارى ثم أخرجته اقرار منه باليد لهما ثم الاخذ منهما فيؤمر بالرد عليهما لقول النبى ﵊ «على اليد ما أخذت حتى ترد، هذا اذا لم تكن الدار معروفة له، فان كانت معروفة للمقر فالقول قوله بالاجماع، لانه اذا لم يكن معروفا له كان قول صاحبه هو لى منه دعوى التملك فلا تسمع منه الا ببينة». ولو أقر أن فلانا ساكن فى هذا البيت والبيت لى، وادعى ذلك الرجل البيت فهو له، وعلى المقر البينة، لأن الاقرار بالسكنى اقرار باليد فصار هو صاحب يد فلا يثبت الملك للمدعى الا ببينة. مذهب المالكية: روى الحطاب (١): أن أبا القاسم قال: لو أن رجلا قال لآخر لم أسكنت فلانا الذى يسكن فى منزلك، فقال أسكنته بالكراء، والساكن يسمع ولا ينكر ولا يغير، ثم ادعى الساكن أن المنزل له فان سكوته لا يقطع دعواه ان أقام البينة على أن المنزل له، ولا يحلف، لأنه يقول ظننت أنه يداعبه. وجاء فى حاشية الدسوقى (٢): أنه اذا أقر شخص لآخر بأن قال له: لك حق أو قدر أو شئ من هذه الدار أو من هذه الأرض أو فيها، ثم فسر ذلك الحق أو القدر بجذع أو بباب منها فلا يقبل ذلك التفسير منه ولا بد من تفسيره بجزء من الدار أو الارض كالربع أو الثمن أو النصف ولا فرق بين من هذه الدار أو فى هذه الدار على الاحسن عند الدردير كما هو قول سحنون. وقال ابن عبد الحكم يقبل التفسير بالجذع والباب عند التعبير بفى لأنها للظرفية ولا يقبل عند التعبير بمن، ولا بد من تفسيره بجزء، لأن من للتبعيض. وروى الحطاب (٣) أن القرافى قال: اذا أقر الوارث بأن ما تركه ابوه ميراث بينهم

стр. 2910

على ما عهد فى الشريعة وعلى ما يحمل عليه الديانة، ثم جاء بشهود أخبروه أن أباهم أشهده أنه تصدق عليه فى صغره بهذه الدار وحازها له أو أقر بأنه ملكها عليه بوجه شرعى فانه اذا رجع عن اقراره بأن التركة كلها موروثة الا هذه الدار المشهود له بها دون الورثة واعتذر بأخبار البينة له وأنه لم يكن عالما بذلك، بل أقر بناء على العادة ومقتضى ظاهر الشريعة أنه تسمع دعواه ويقبل عذره ويقيم بينة ولا يكون اقراره السابق مكذبا بالبينة وقادحا فيها، لأن هذا عذر عادى يسمع مثله. وروى عن سحنون أنه لو ادعى دارا بيد امرأة ابنه أنها لابنه تركها بين ورثته وسماهم ثم جاء ببينة أخرى أن أباه أشهد له فى صحته بنصفها صيره اليه فى حق له قبله من قبل ميراثه لأمه وذلك عند مخرجه الى الحج ثم رجع فسكنها حتى مات، فقال له الحاكم قد ادعيتها أولا ميراثا والآن لنفسك قال لم أعلم بهذه البينة الاخيرة قال سحنون لا يقبل منه لانه كذب بينته بدعواه الأولى. مذهب الشافعية: جاء نهاية المحتاج (١): أنه يشترط فى المقربه أن يكون مما تجوز به المطالبة وأن لا يكون ملكا للمقر حين يقر، لأن الاقرار ليس ازالة عن الملك، وانما هو اخبار عن كونه ملكا للمقر فلا بد من تقديم المخبر عنه على الخبر، فلو قال دارى أو ثوبى أو دارى التى اشتريتها لنفسى لزيد أو دينى الذى على زيد لعمرو ولم يرد الاقرار فهو لغو، لان الاضافة اليه تقتضى الملك له فينافى اقراره لغيره اذ هو اخبار بسابق عليه فحمل على الوعد بالهبة، ومن ثم صح مسكنى أو ملبوسى له، لأنه قد يسكن ويلبس غير ملكه فلو أراد بالاضافة فى دارى لزيد اضافة سكنى صح كما قاله البغوى فى فتاويه، وبحث الأذرعى استفساره عند الاطلاق والعمل بقوله ولو قال الدين الذى كتبته أو الذى باسمى على زيد لعمرو صح اذ لا منافاة أيضا أو قال الدين الذى لى على زيد لعمرو لم يصح الا ان قال واسمى فى الكتاب عارية. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (٢): أنه لو أقر بدار قال استأجرتها أو بثوب وادعى أنه قصره أو خاطه بأجر يلزم المقر له أو بعبد وادعى استحقاق خدمته
следующие страницы →