داره مدة، لأن المنفعة تتلف فلا يحصل بها استيثاق، ومحل المنع فى الابتداء فلا ينافى كون المرهون دينا أو منفعة بلا انشاء، كما لو مات عن المنفعة وعليه دين أو أتلف المرهون فبدله فى ذمة الجانى رهن على الأرجح فى زوائد الروضة.
وفى موضع آخر (١) وللراهن كل انتفاع لا ينقصه أى المرهون والأفصح تخفيف القاف قال الله تعالى «إِلاَّ الَّذِينَ ٢ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» ويجوز تشديدها والانتفاع الذى لا ينقص المرهون مثل الركوب والاستخدام والسكنى.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (٣): ليس للراهن أن ينتفع بالرهن باستخدام ولا وط ء ولا سكنى ولا غير ذلك ولا يملك التصرف فيه باجارة ولا اعارة ولا غيرهما بغير رضى المرتهن، وبهذا قال الثورى وأصحاب الرأى.
وقال مالك وابن أبى ليلى والشافعى وابن المنذر: للراهن اجارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين.
وأما عن حقه فى أن يسكنه بنفسه ففيه اختلاف بينهم، فان اتفقا على اجارة الرهن واعارته جاز ذلك فى ظاهر قول الخرقى، لأنه جعل غلة الدار وخدمة العبد من الرهن ولو عطلت منافعهما لم تكن لهما غلة.
وقال ابن أبى موسى ان اذن الراهن للمرتهن فى اعارته أو اجارته صح، والأجرة رهن، وان أجره الراهن باذن المرتهن خرج من الرهن فى أحد الوجهين، ولا يخرج فى الآخر كما لو أجره المرتهن.
وقال أبو الخطاب فى المشاع يؤجره الحاكم لهما.
وذكر أبو بكر فى الخلاف أن منافع الرهن تعطل مطلقا ولا يؤجراه، وهو قول الثورى وأصحاب الرأى، وقالوا اذا أجر الراهن باذن المرتهن كان اخراجا من الرهن، لأن الرهن يقتضى حبسه عند المرتهن أو نائبه على الدوام، فمتى وجد عقد يستحق به زوال الحبس زال الرهن.
ولنا أن المقصود من الرهن هو الاستيثاق بالدين واستيفاؤه من ثمنه عند تعذر استيفائه من ذمة الراهن، وهذا لا ينافى الانتفاع به، ولا اجارته، ولا اعارته فجاز اجتماعهما، كانتفاع المرتهن به، ولأن تعطيل منفعته تضييع للمال، وقد نهى النبى صلّى الله عليه
стр. 2907
وسلم عن اضاعته، ولأنه عين تعلق بها حق الوثيقة فلم تمنع اجارتها، كالعبد اذا ضمن باذن سيده، ولا تسلم أن مقتضى الرهن الحبس، بل مقتضاه تعلق الحق به على وجه تحصل به الوثيقة، وذلك غير مناف للانتفاع به، ولو سلمنا بأن مقتضاه الحبس فلا يمنع كون المستأجر نائبا عنه فى امساكه وحبسه ومستوفيا لمنفعته لنفسه.
ثم قال (١): واذا انتفع المرتهن بالرهن باستخدام أو سكنى أو غير ذلك حسب من دينه بقدر ذلك قال أحمد:
يوضع عن الراهن بقدر ذلك، لأن المنافع ملك الراهن فاذا استوفاها فعليه قيمتها فى ذمته للراهن فيتقاص القيمة وقدرها من الدين ويتساقطان.
ثم قال (٢): ومؤنة الرهن من طعامه وكسوته ومسكنه وحافظه وغير ذلك على الراهن، لقول رسول الله ﷺ «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه، ولأنه نوع انفاق فكان على الراهن كالطعام، ولأن الرهن ملك للراهن فكان عليه مسكنه وحافظه كغير الرهن.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٣) أن سكنى الدار المرهونة ومؤاجرتها تكون من حق الراهن، ولا يجوز أن ينتفع بها المرتهن لا بسكنى ولا بمؤاجرة، لأنها منفعة ومنافع الرهن كلها لصاحبه الراهن له كما كانت قبل الرهن ولا فرق، حاشا ركوب المرهونة، وحاشا لبن الحيوان المرهون.
برهان ذلك قول الله تعالى «وَلا تَأْكُلُوا ٤ أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ»،﴾ وقول رسول الله ﷺ «أن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» وحكم ﵊ بأنه لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه وملك الشئ المرتهن باق لراهنه بيقين وباجماع لا خلاف فيه، فاذ هو كذلك فحق الرهن الذى حدث فيه للمرتهن ولم ينقل ملك الراهن عن الشئ المرهون لا يوجب حدوث حكم فى منعه ما للمرء أن ينتفع به من ماله بغير نص بذلك فله الوط ء والاستخدام والمؤاجرة والسكنى وسائر ما للمرء فى ملكه الا كون الرهن فى يد المرتهن فقط بحق القبض الذى جاء به القرآن ولا مزيد.
стр. 2908
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف (١) ليس للراهن أن يكرى داره المرهونة أو يسكنها غيره الا باذن المرتهن، فان أكراها وحصلت أجرتها كانت له.
دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم، ولأنه لا دليل على جواز ذلك، ومنفعة الرهن للراهن دون المرتهن، وذلك مثل سكنى الدار وخدمة العبد وركوب الدابة وزراعة الأرض، وكذلك نماء الرهن المنفصل عن الرهن، ولا يدخل فى الرهن مثل الثمرة والصوف والولد واللبن.
وجاء فى شرائع (٢) الاسلام: لو تصرف الراهن فى الرهن بركوب أو سكنى أو اجارة ضمن ولزمته الأجرة.
ولا يجوز التصرف فى الرهن باستخدام ولا سكنى ولا اجارة ولو باع أو وهب وقف على اجازة المرتهن.
مذهب الإباضية:
اذا سكن الشخص دارا لا بالكراء ثم ارتهنها جاز وصح، ولكن ليس له أن يستمر فى السكنى بعد الرهن، لأنه انتفاع بالعين المرهونة وهو غير جائز، ويجوز له أن يخرج متاعه الذى كان فيها قبل الارتهان ان أراد.
واذا كان له مال مخزون فى دار ثم ارتهنها فانه يجوز له ابقاء المخزون فى الدار ودخول الدار لأجل المال المخزون والتردد عليها.
والفرق بين السكنى والخزين أن الخزين لو منعه صاحب البيت من الدخول لماله قبل الرهن، لم يمنع بذلك، والساكن اذا منعه صاحب البيت له ذلك، وأيضا فان سكنى المخزون فى البيت ليس فعل الشخص، وأما سكنى الشخص فهى فعله هذا كله اذا سكن قبل الرهن بغير كراء، وأما اذا كان قد سكن قبل الرهن بالكراء، ثم ارتهن الدار التى سكن فيها، فانه يستمر على سكناه بعد الارتهان حتى تنتهى مدة الكراء (٣).
حكم الاقرار بالسكنى
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع (٤) الصنائع: أنه لو قال المقر: أسكنت فلانا بيتى ثم
стр. 2909
أخرجته وادعى الساكن أنه له، فالقول قول المقر عند أبى حنيفة، لأن المقر به ليس هو اليد المطلقة بل اليد بجهة الاعارة والسكنى، وهذا لأن اليد لهما ما عرفت الا باقراره فبقيت على الوجه الذى أقر به فيرجع فى بيان كيفية اليد اليه.
وعند أبى يوسف ومحمد القول قول الساكن مع يمينه، ووجه قولهما: أن قوله: أسكنته دارى ثم أخرجته اقرار منه باليد لهما ثم الاخذ منهما فيؤمر بالرد عليهما لقول النبى ﵊ «على اليد ما أخذت حتى ترد، هذا اذا لم تكن الدار معروفة له، فان كانت معروفة للمقر فالقول قوله بالاجماع، لانه اذا لم يكن معروفا له كان قول صاحبه هو لى منه دعوى التملك فلا تسمع منه الا ببينة».
ولو أقر أن فلانا ساكن فى هذا البيت والبيت لى، وادعى ذلك الرجل البيت فهو له، وعلى المقر البينة، لأن الاقرار بالسكنى اقرار باليد فصار هو صاحب يد فلا يثبت الملك للمدعى الا ببينة.
مذهب المالكية:
روى الحطاب (١): أن أبا القاسم قال:
لو أن رجلا قال لآخر لم أسكنت فلانا الذى يسكن فى منزلك، فقال أسكنته بالكراء، والساكن يسمع ولا ينكر ولا يغير، ثم ادعى الساكن أن المنزل له فان سكوته لا يقطع دعواه ان أقام البينة على أن المنزل له، ولا يحلف، لأنه يقول ظننت أنه يداعبه.
وجاء فى حاشية الدسوقى (٢): أنه اذا أقر شخص لآخر بأن قال له: لك حق أو قدر أو شئ من هذه الدار أو من هذه الأرض أو فيها، ثم فسر ذلك الحق أو القدر بجذع أو بباب منها فلا يقبل ذلك التفسير منه ولا بد من تفسيره بجزء من الدار أو الارض كالربع أو الثمن أو النصف ولا فرق بين من هذه الدار أو فى هذه الدار على الاحسن عند الدردير كما هو قول سحنون.
وقال ابن عبد الحكم يقبل التفسير بالجذع والباب عند التعبير بفى لأنها للظرفية ولا يقبل عند التعبير بمن، ولا بد من تفسيره بجزء، لأن من للتبعيض.
وروى الحطاب (٣) أن القرافى قال: اذا أقر الوارث بأن ما تركه ابوه ميراث بينهم
стр. 2910
على ما عهد فى الشريعة وعلى ما يحمل عليه الديانة، ثم جاء بشهود أخبروه أن أباهم أشهده أنه تصدق عليه فى صغره بهذه الدار وحازها له أو أقر بأنه ملكها عليه بوجه شرعى فانه اذا رجع عن اقراره بأن التركة كلها موروثة الا هذه الدار المشهود له بها دون الورثة واعتذر بأخبار البينة له وأنه لم يكن عالما بذلك، بل أقر بناء على العادة ومقتضى ظاهر الشريعة أنه تسمع دعواه ويقبل عذره ويقيم بينة ولا يكون اقراره السابق مكذبا بالبينة وقادحا فيها، لأن هذا عذر عادى يسمع مثله.
وروى عن سحنون أنه لو ادعى دارا بيد امرأة ابنه أنها لابنه تركها بين ورثته وسماهم ثم جاء ببينة أخرى أن أباه أشهد له فى صحته بنصفها صيره اليه فى حق له قبله من قبل ميراثه لأمه وذلك عند مخرجه الى الحج ثم رجع فسكنها حتى مات، فقال له الحاكم قد ادعيتها أولا ميراثا والآن لنفسك قال لم أعلم بهذه البينة الاخيرة قال سحنون لا يقبل منه لانه كذب بينته بدعواه الأولى.
مذهب الشافعية:
جاء نهاية المحتاج (١): أنه يشترط فى المقربه أن يكون مما تجوز به المطالبة وأن لا يكون ملكا للمقر حين يقر، لأن الاقرار ليس ازالة عن الملك، وانما هو اخبار عن كونه ملكا للمقر فلا بد من تقديم المخبر عنه على الخبر، فلو قال دارى أو ثوبى أو دارى التى اشتريتها لنفسى لزيد أو دينى الذى على زيد لعمرو ولم يرد الاقرار فهو لغو، لان الاضافة اليه تقتضى الملك له فينافى اقراره لغيره اذ هو اخبار بسابق عليه فحمل على الوعد بالهبة، ومن ثم صح مسكنى أو ملبوسى له، لأنه قد يسكن ويلبس غير ملكه فلو أراد بالاضافة فى دارى لزيد اضافة سكنى صح كما قاله البغوى فى فتاويه، وبحث الأذرعى استفساره عند الاطلاق والعمل بقوله ولو قال الدين الذى كتبته أو الذى باسمى على زيد لعمرو صح اذ لا منافاة أيضا أو قال الدين الذى لى على زيد لعمرو لم يصح الا ان قال واسمى فى الكتاب عارية.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): أنه لو أقر بدار قال استأجرتها أو بثوب وادعى أنه قصره أو خاطه بأجر يلزم المقر له أو بعبد وادعى استحقاق خدمته
стр. 2911
سنة أو أقر بسكنى دار غيره وادعى أنه سكنها باذنه لم يقبل قوله فى ذلك.
وجاء فى المغنى (١): أنه اذا قال له هذه الدار هبة أو سكنى أو عارية كان اقرارا بما أبدل به كلامه ولم يكن اقرارا بالدار، لأنه رفع بآخر كلامه بعض ما دخل فى أوله فصح كما لو أقر بجملة واستثنى بعضها.
وذكر القاضى فى هذا وجها أنه لا يصح، لأنه استثناء من غير جنس وليس هذا استثناء انما هو بدل اشتمال وهو أن يبدل من الشئ بعض ما يشتمل عليه ذلك الشئ كقول الله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ ٢ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ» فانه ابدال القتال من الشهر المشتمل عليه، وقال تعالى أخبارا عن فتى موسى ﵇: أنه قال «وما انسانيه الا الشيطان (٣) أن أذكره» أى انسانى ذكره وان قال له هذه الدار ثلثها أو ربعها صح ويكون مقرا بالجزء الذى أبدله وهذا بدل البعض وليس ذلك استثناء ومنه قول الله تعالى «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ٤» ولكنه فى معنى الاستثناء فى كونه يخرج من الكلام بعض ما دخل فيه لو لاه ويفارقه فى أنه يجوز أن يخرج أكثر من النصف وأنه يجوز ابدال الشئ من غيره اذا كان مشتملا عليه. ألا ترى أن الله تعالى أبدل المستطيع للحج من الناس وهو أقل من نصفهم وأبدل القتال من الشهر الحرام وهو غيره، ومتى قال له هذه الدار سكنى أو عارية ثبت فيها حكم ذلك وله أن يسكنه اياها وأن يعود فيما أعاره
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٥): أنه لا بد فى الاقرار من كون المقر به تحت يد المقر وهى تقتضى ظاهرا كونه ملكا له، ولأن الاضافة يكفى فيها أدنى ملابسه مثل «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» فان المراد بيوت الازواج وأضيفت الى الزوجات بملابسة السكنى ولو كان ملكا لهن لما جاز اخراجهن عند الفاحشة، وليس منه ما لو قال مسكنى له فانه يقتضى الاقرار قطعا لان اضافة السكنى لا تقتضى ملكية العين لجواز أن يسكن مال غيره.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٦): أنه ان عرفت دار فى يد رجل فأقر لرجل آخر بأرضها أو بنقضها جاز لا ان لم تعرف له
стр. 2912
وقعد فيها أقل من ثلاث سنين ولو قعد فيها المقر له بعد ذلك أكثر من ثلاث سنين ويجوز استثناء اسطوانة أو سارية أو نحو ذلك أو بئر أوجب أو نحوهما والقفل والباب وما كان غير متصل، ولا يجوز استثناء ما يعود على الاقرار بالابطال كالاقرار بالدار الا سكناها أبدا فاذا أقر بذلك صح وبطل الاستثناء، ويجوز الاقرار بالبيت واستثناء هوائه أو بقعته ومن أقر بدار فى يده لرجل ثم أقر بها لرجل آخر فهى للأول وأن كانت بيد رجلين فأقر بها أحدهما لرجل وأنكر الآخر كان نصفها للرجل والنصف للمنكر وان أقر بنصفها لرجل فأنكر الآخر فللرجل ربعها من نصيب المقر وهكذا.
حكم الوصية بالسكنى
مذهب الحنفية:
جاء فى تبيين الحقائق (١): أن الوصية تصح بسكنى الدار، لأنها من الوصية بالمنافع والوصية بالمنافع جائزة، لأن المنافع يصح تمليكها فى حالة الحياة ببدل وبغير بدل فكذا بعد الممات لحاجته كما فى الأعيان ويكون محبوسا على ملك الميت فى حق المنفعة حتى يمتلكها الموصى له على ملكه كما يستوفى الموقوف عليه منافع الوقف على حكم ملك الواقف، ويجوز مؤقتا ومؤبدا كما فى العارية فانها تمليك على أصلنا بخلاف الميراث فانه خلافه فيما يتملكه المورث وذلك أن يقوم الوارث مقام المورث فيما كان له وذلك فى عين تبقى والمنفعة عرض يفنى.
وجاء فى البدائع (٢): أنه اذا جازت الوصية بالمنافع فانه يعتبر فيها خروج العين التى أوصى بمنفعتها من الثلث، وللموصى له أن ينتفع بسكنى الدار ما عاش ان كانت الوصية مطلقة عن الوقت فاذا مات الموصى له بالمنفعة انتقلت الى ملك صاحب العين لأن الوصية بالمنفعة قد بطلت بموت الموصى له، لأنها تمليك المنفعة بغير عوض كالاعارة تبطل بموت المستعير.
وان كانت العين لا تخرج من ثلث ماله جازت الوصية فى المنافع فى قدر ما تخرج العين من ثلث ماله بأن لم يكن له مال آخر سوى هذه الدار تقسم المنفعة بين الموصى له وبين الورثة أثلاثا ثلثها للموصى له وثلثاها للورثة فيسكن الموصى له ثلثها والورثة ثلثيها ما دام الموصى له حيا فاذا مات ترد المنفعة الى الورثة.
وذكر الزيلعى: أنه ليس للورثة (٣) أن يبيعوا ما فى أيديهم من ثلثى الدار، لأن حق
стр. 2913
الموصى له ثابت فى سكنى جميع الدار ظاهرا بأن ظهر للميت مال آخر وتخرج الدار من الثلث وكذا له حق المزاحمة فيما فى أيديهم اذا خرب ما فى يده والبيع يتضمن ابطال ذلك فيمنعون عنه.
وروى عن أبى يوسف ﵀ أن لهم ذلك، لأنه خالص حقهم، والظاهر الأول، ولو مات الموصى له فى حياة الموصى بطلت الوصية.
وجاء فى حاشية الشلبى: أن الفقيه أبا الليث قال فى كتاب نكت الوصايا لو كان أوصى له بغلة الدار فأراد أن يسكن هو بنفسه فان هذا الفصل لم يذكر عن أصحابنا المتقدمين، واختلف المتأخرون فيه.
ذكر عن أبى بكر الاسكافى أنه كان يقول له ذلك.
وكان أبو بكر بن سعيد يقول ليس له ذلك.
أما من قال له ذلك فلأن غيره يسكن له ولأجله، فاذا سكن بنفسه جاز أيضا.
وأما من قال ليس له ذلك فلأن فى ذلك ضررا على الميت، لأنه لو آجره وأخذ الغلة فلو ظهر على الميت دين يقضى الدين من تلك الغلة، ولو سكن هو بنفسه لا يمكن أن يقضى من السكنى.
قال شمس الأئمة فى شرح الكافى: وليس للموصى له بسكنى الدار أن يؤاجرها عندنا، لأن الموصى له يملك المنفعة بغير عوض فلا يصح تمليكها من الغير بعوض.
وجاء فى البدائع (١): أنه لو أوصى شخص بسكنى داره لانسان وبرقبتها لآخر والرقبة تخرج من الثلث فالرقبة لصاحب الرقبة ويكون أحدهما موصى له بالرقبة، والآخر بالمنفعة.
وروى عن أبى حنيفة أنه قال:
لا تجوز الوصية بسكنى دار للمساكين، لأنه لا بد من أن يكون ذلك الانسان معلوما وعند صاحبيه تجوز الوصية بذلك للمساكين، كذا ذكر الكرخى فى مختصره.
وذكر فى الأصل أن الوصية بسكنى الدار لا تجوز، وجه قولهما، أن الوصية للمساكين وصية بطريق الصدقة والصدقة اخراج المال الى الله والله واحد معلوم، ولهذا جازت الوصية بسائر الأعيان للمساكين فكذا بالمنافع.
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الحطاب (٢): أن من أوصى بمنفعة معين كما اذا أوصى بخدمة عبد أو
стр. 2914
سكنى دار فأن الحكم فى ذلك أن ينظر الى ذلك المعين الموصى بمنفعته فان حمله الثلث نفذت الوصية وان كان الثلث لا يحمل قيمة ذلك المعين الموصى بمنفعته فانه يخير الورثة بين أن يجيزوا ما أوصى به الميت أو يخلع ثلث جميع ما ترك الميت من ذلك المعين وغيره.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (١) وان أوصى له بسكنى دار سنة فأجرها دون السنة لم يكن ذلك رجوعا، لأنه قد تنقضى الاجارة قبل الموت فان مات قبل انقضاء الاجارة ففيه وجهان.
أحدهما: يسكن مدة الوصية بعد انقضاء الاجارة.
والثانى: أنه تبطل الوصية بقدر ما بقى من مدة الاجارة وتبقى فى مدة الباقى.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): أنه اذا سكن الموصى المكان الموصى به فلا يعتبر ذلك رجوعا منه فى وصيته لأن السكن لا يزيل الملك ولا الاسم ولا يمنع التسليم.
ثم قال (٣): وان أوصى ببناء بيت يسكنه المجتازون أى المارون من أهل الذمة وأهل الحرب صح، لأن بناء مساكنهم ليس بمعصية.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٤): أن الوصية بالسكنى لا تجوز على ما قال به ابن أبى ليلى وأبو سليمان وجميع أصحابنا، لأن الوصية فى حقيقتها تتعلق بمنافع تحدث فى ملك غير الموصى، لأن الدار والعبد والبستان منتقلة بموت المالك لها الى ما أوصى فيه بكل ذلك أو ملك الورثة ووصية المرء فى ملك غيره باطل لا تحل.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وهامشه (٥): اذا أوصى بمطلق الغلة كأن يقول أجرت دارى أو أجرت أرضى أو دابتى أو نحو ذلك لفلان، لأن الغلة هى الكراء للموجودة من ذلك كله، فاذا كانت الدار مؤجرة بأجرة حال الوصية استحقها الموصى له ولا يستحق ما بعد الموجود حال الوصية وأن لا تكن ثم غلة موجودة حال الوصية المطلقة بل الدار غير مؤجرة فمؤبدة أى فالوصية بهذا مؤبدة، فكأنه قال: له ما
стр. 2915
يحصل من غلة دارى أبدا، هذا قول بعضهم.
وقال البعض بل تبطل الوصية قلنا بل تصح كمطلق الخدمة والسكنى.
وجاء فى التاج (١) المذهب: لو أوصى بخدمة عبده لزيد فانه يستحقها مؤبدة الى موت الموصى له أو العبد وكذا فى السكنى.
ثم قال فى شرح الازهار (٢): اذا أوصى رجل لغيره بسكنى داره وهو لا يملك غيرها، فقد اختلف فى حكم ذلك.
فقال أبو طالب والبعض: أنه ينفذ من سكنى دار اذا أوصى بها للغير وهو لا يملك غيرها سكنى ثلثها، قيل بالمهايأة أو تقسم الدار أثلاثا، الى موت الموصى له، لأن الوصية بالسكنى تأبد.
وقال الاستاذ أبو جعفر يعتبر الثلث بالتقويم فيسكن ثلثها بالمهايأة قال البعض فى التذكرة، وكذلك قال أبو جعفر والاستاذ يسكنها كلها حتى يستغرق من أجرتها قدر ثلث قيمتها وكيفية معرفة خروج الوصية من الثلث أن تقوم الدار مسلوبة المنافع الى موت الموصى له أو خراب الدار فما زاد على قيمتها مسلوبة المنافع فهى الوصية.
واذا استغرقت الوصية جميع المدة استحقها الموصى له مثاله أن تكون قيمتها مسلوبة مائتين وغير مسلوبة ثلثمائة، فان كانت قيمتها غير مسلوبة أربعمائة استحق ثلث المدة ويتاهايا هو والورثة الى موته أو خرابها واختاره الشامى.
وقال البعض وقياس ما ذكروه فى العمرى يسكن الجميع حتى يستوفى الثلث الى أن يموت أو تنتهى أجرة سكنى ذلك الثلث قدر قيمة ثلث الدار.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٣): تصح الوصية بسكنى الدار مدة مستقبلة فلو أوصى بخدمة عبد أو ثمرة بستان أو سكنى دار أو غير ذلك من المنافع على التأييد أو مدة معينة قومت المنفعة، فان خرجت من الثلث والا كان للموصى له ما يحتمله الثلث.
وجاء فى الروضة البهية (٤): تصح الوصية بالمنفعة كسكنى الدار مدة معينة أو دائما ومنفعة العبد كذلك وشبهه وأن استوعبت قيمة العين.
стр. 2916
وجاء فى تذكرة الفقهاء (١): أنه تصح الوصية بالمنافع كخدمة عبده وغلة داره وسكناها وثمرة بستانه التى ستحدث سواء أوصى بذلك فى مدة معلومة أو بجميع الثمرة والمنفعة فى الزمان كله عند علمائنا أجمع - وهو قول عامة أهل العلم، ولو قال أوصيت لك أن تسكن هذه الدار وبأن يخدمك هذا العبد فهو اباحة عندهم لا تمليك بخلاف قوله أوصيت لك بسكناها وخدمته.
مذهب الإباضية:
اختلف علماء الإباضية فى الايصاء بالمنافع كسكنى دور وغير ذلك.
فقيل يجوز مطلقا، لأن المنفعة كنفس المال وهى ولو لم توجد لكن تعلقت الوصية لوجودها.
قال الشيخ محمد بن يوسف صاحب شرح النيل: وجواز الوصية بالمنفعة هو الصحيح عندى، وأحاديث العمرى والرقبى نص فيه.
وقيل لا يجوز مطلقا، لأن المنفعة معدومة والمعدوم غير مملوك، فاذا أوصى بها فقد أوصى بما لم يملك وكأنه أوصى بمال الغير.
وقيل أن أجل جاز وان لم يؤجل لم يجز، فمن أوصى بسكنى داره عشر سنين أو أقل أو أكثر أو بغير ذلك بتأجيل فمات الموصى فلا يحكم للموصى له بذلك سواء أجل أو لم يؤجل ولزم الوارث كله عند الله.
وأجاز بعضهم أن الحكم بذلك كله أيضا كما جاز له عند الله، وقيد الجواز ولزوم الوارث بما اذا وسعه الثلث، لأنه ان لم يسعه الثلث لم يلزم الوارث كله عند الله، ولم يجزه ذلك البعض كله بل يلزمه بعضه فيما بينه وبين الله ويجيز ذلك البعض بعضه فقط، ويأخذ الموصى له المنفعة من السكنى وغيرها فى السنين التالية لموته أن عين الموصى أنها بعد موته باتصال أو لم يعين أنها بعده باتصال ولا بانفصال ولم يبين أنها بعده كما يشاء باتصال أو انفصال وان عين فعلى ما عين، وكذا كل مدة أقل من السنة.
وان ترك السكنى فى عشر السنين أو فى بعضها أو أخذ من الموصى له محل الخدمة والسكنى ومثلهما سائر المنافع أو منعا لا بالوارث فى المدة أو فى بعضها لم يكن له بعد الاعوام العشرة شئ، أما لو منعه الوارث أو أخذه لزمه أن يجدد له ما فات.
وقيل ان لم يعين الموصى السنين التالية لموته بل أطلق فله عدده فيما بعدها كما اذا خيره بين التعقيب والتأخير أو أوصى له على التأخير، ولا خلاف أن عين التالية فى أنه لا شئ له بعدها.
стр. 2917
وان أوصى بالسكنى وغيرها من المنافع من غير تأجيل ففيه خلاف: فمنعه بعض وجوزه بعض، كما يجيزه اذا أجل بالنظر الى الثلث أى باعتباره والنزول فيه بالمحاصة وينزل فى المال بالثلث مع الوصايا الأخرى ان كانت، وان لم تكن نزل بالثلث فى الثلث، لأنه ان طالت المدة فرغ الثلث، وكذا ان أجل وأحاط ما أوصى به من سكنى وغيرها بماله فانه لا يجاوز الثلث وينزل فى الثلث بالثلث مع الوصايا وان لم تكن الوصايا نزل فى الثلث بالثلث.
ومن أوصى (١) لآخر بسكنى داره طول حياته فان أجاز ذلك الورثة أعطى لذوى السكن سكناها، فاذا مات رجع اليهم، وان لم يجز الورثة ضرب لذى السكن قدر ما استحق من الثلث، فان كانت الدار تساوى منابه وهو مائتان وخمسون سلمت اليه يسكنها بأجر معروف كل شهر الى أن يتم منابه ثم ترد الى الورثة، وان مات قبل أن يستفرغه رد الفضل على أصحاب الوصايا الى أن يستوفوا، فان فضل شئ بعد ذلك سلم الى الورثة فهذا ان كانت قيمة الدار أكثر مما أصاب منابه كان سكنه بالحصة يحاصصه فى ذلك الورثة، فان كانت قيمتها خمسمائة كان سكنها شهرا بمعروف الى أن يستوفى ما أصاب منابه من الثلث.
ومن قال أوصيت بسكنى دارى سنة سكن ثلثها بمشاهرة أو مياومة.
وقيل يسكن ثلثها سنة.
ومن أوصى بغلة (٢) عبده أو داره سنة فله ثلث غلة ذلك سنته، وان قال بغلة عبده وسكنى داره فليس له أن يؤاجرهما، لأن الأجرة لا يوجد فيها حق للموصى له به، وليس له اخراج العبد من مصره الا ان كان أهل الموصى له فى غيره، واختير أن يخرج من خدمته وسكنى الدار معنى الخلاف فى أن يؤاجره ويخدمه غيره أو يؤاجر سكناها ويسكنها غيره فان أوصى له أن يستخدمه أو يسكنها لم يكن له الا ذلك وبين قوله سكناها وأن يسكنها فرق.
وقيل له أن يؤاجرها اذا أوصى له بسكناها والأجرة له.
حكم اسكان العين المغصوبة
مذهب الحنفية:
جاء فى حاشية الشلبى (٣): أن صدر الاسلام البزدوى قال فى شرح الكافى:
ليس على الغاصب فى سكنى الدار أجر وهو مذهب علمائنا.
стр. 2918
وقال صاحب الدر المختار (١): اذا كان المغصوب دارا وسكنها الغاصب فنقصت بسكناه ضمن الغاصب النقصان.
ثم قال ان منافع المغصوب - سواء استوفاها الغاصب أو عطلها - غير مضمونة الا فى ثلاث فيجب فيها أجر المثل على اختيار المتأخرين، وهى أن يكون المغصوب وقفا للسكنى أو للاستغلال أو مال يتيم الا أن تكون أمه قد سكنت مع زوجها فى داره بلا أجر فليس لهما ذلك ولا أجر عليهما كذا فى الاشباه.
قلت ويستثنى أيضا سكنى شريك اليتيم بأن كانت بينه وبين بالغ فسكنها البالغ مدة فقد نقل عن القنية: أنه لا شئ عليه، وكذا الأجنبى بلا عقد أى اذا سكنها أجنبى عنه غير أمه وغير شريكه.
وقيل دار اليتيم كالوقف فى ضمان منافعها وهو قول المتأخرين وهو المعتمد.
(قلت) ويمكن حمل كلا الفرعين على قول المتقدمين بعدم أجرته.
وأما على القول المعتمد أنها كالوقف فتجب الأجرة على الشريك والزوج لكون سكنى المرأة واجبة عليه وهو غاصب لدار اليتيم فتلزمه الأجرة وبه أفتى ابن نجيم.
ونقل البيرى عن المحيط ان لم يكن لها زوج لها السكنى بحكم الحاجة وان كان فلا، كما اذا كان لها مال.
وفى الصيرفية تفصيل نصه: لو سكنت امرأة مع زوجها ببيت ابنها الصغير فان كان بحال لا يقدر على المنع، بأن كان ابن سبع سنين أو ستا فعليها أجر المثل، لأنها غير محتاجة حيث كان لها زوج، وان كان الولد بحال يقدر على المنع فلا أجر عليها.
قال ابن عابدين وما فى الصيرفية مخالف لما فى البيرى عن المحيط حيث فرض المسألة فيما اذا سكنت بغير أمر الزوج، وقدر مدى قدرة الابن على المنع بأن كان ابن عشر فأكثر، فان ظاهره انها سكنت وحدها، وأنه لو كان ابن ثمان أو تسع يلزمها الأجر، وكذلك اذا كان الوقف معدا للاستغلال ففيه ضمان المنفعة الا اذا سكن بتأويل ملك كبيت سكنه أحد الشركاء فى الملك ولو ليتيم أو سكنها بتأويل عقد، كبيت الرهن اذا سكنه المرتهن، ثم بان للغير معدا للاجارة فلا شئ عليه، وبقى لو آجر الغاصب أحدهما فعلى المستأجر المسمى لا أجر المثل ولا يلزم الغاصب الاجر، بل يرد ما قبضه للمالك.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والاكليل (٢): أن ابن القاسم قال: من سكن دارا غاصبا للسكنى مثل ما لو سكن السدة أى مدخل الدار فانهدمت الدار من غير فعله فلا
стр. 2919
يضمن الا قيمة السكنى الا أن تنهدم من فعله، وأما لو غصبه رقبة الدار ضمن ما انهدم وكراء ما سكن.
وروى عن ابن يونس أنه اذا اكترى رجل دارا أو أرضا فاغتصبها منه رجل آخر فسكن أو زرع فان الكراء على المكترى الا أن يكون سلطانا، قال ابن يونس وهذا صواب، لأن منع السلطان كمنع ما هو من أمر الله كهدم الدار وقحط الارض.
وقال ابن القاسم: اذا نزل سلطان على مكتر فأخرجه وسكن الدار فان المصيبة على صاحب الدار ويسقط عن المكترى ما سكنه السلطان.
وجاء فى الشرح الكبير (١): أن من غصب منفعة لذات من دابة أو دار أو غيرهما وكان يقصد بغصبه لتلك الذات أن ينتفع بها فقط كالركوب والسكنى مدة ثم يردها لربها وهو المسمى بالتعدى فتلفت الذات بسماوى فلا يضمن الذات وانما يضمن قيمة المنفعة أى ما استولى عليه منها، لأنها التى تعدى عليها.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٢): أنه لو دخل شخص دار غيره وأخرجه منها فهو غاصب ولو لم يقصد استيلاء، لأن وجوده مغن عن قصده، وسواء فى ذلك أكان بأهله على هيئة من يقصد السكنى أم لا، فما فى الروضة تصوير لا قيد، وكذا لو أخرجه عنها ومنعه من التصرف فيها.
وفى شرح الحاوى: اذا ساكن الداخل الساكن بالحق لا فرق بين أن يكون مع الداخل أهل مساوون لأهل الساكن أم لا، حتى لو دخل غاصب ومع الساكن من أهله عشرة لزمه النصف ولو كان الساكن بالحق اثنين كان ضامنا للثلث وان كان معه عشرة من أهله وعلى الغاصب الرد فورا عند التمكن وإن عظمت المؤنة فى رده ولو لم يكن متمولا كحبة بر أو كلب يقتنى، وسواء أكان مثليا أم متقوما ببلد الغصب أم منتقلا عنه ولو بنفسه أو فعل أجنبى لخبر «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير (٣)، أنه اذا غصبت الدور يجب على غاصبها ضمانها، هذا ظاهر مذهب أحمد، وهو المنصوص عن أصحابه، لأنه يمكن الاستيلاء عليها على وجه يحول بينها وبين مالكها، مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها، فاشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع.
стр. 2920
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١) أن من غصب دارا ففرض عليه أن يرده وأن يرد كل ما اغتل منه.
ثم قال (٢): ومن غصب دارا فتهدمت كلف رد بنائها كما كان ولا بد لقول الله ﵎ «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ٣».
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٤) أنه اذا صارت العين المغصوبة الى يد رجل لم يعلم أنها غصب فغرم فيها غرامة وطلبها مالكها فقبضها بعد التثبيت بأنه يستحقها كان لهذا المغرور الذى صارت الى يده أن يغرم الغار، الا أن المغرور لا يغرم الغار ما كان قد اعتاض منه نحو أن يشترى دارا مغصوبة وهو جاهل لغصبها فيسكنها فيطلبها المالك ويطلب أجرها فانه يلزمه تسليمها وتسليم أجرتها، ولا يرجع بالاجرة على البائع، لأنه قد استوفى بدلها وهو السكن، وأما اذا لم يسكن فان الأجرة تلزمه لمالكها ويرجع بها على من غره.
ثم قال (٥): واذا أمر رجل رجلا آخر أن يسكن دارا لغيره فسكنها مختارا فانه ينظر فى الآمر فان كان الآمر أقوى من المأمور بحيث أن سكون المأمور كان بقوته وجب أن يضمن آمر الضعيف اذا كان الآمر قويا فقط، والمأمور ضعيف، وللمظلوم مطالبة من شاء منهما، لكن القرار فى الضمان على المأمور، بمعنى أنه اذا طولب بالضمان لم يرجع على الآمر، وان طولب الآمر رجع عليه لأنه المستهلك، فان كانا مستويين فى القوة والضعف أو المأمور أقوى فلا ضمان على الآمر، وهذا قول البعض، وهو أحد قولى المؤيد بالله، أعنى وجوب الضمان على آمر الضعيف اذا كان قويا، لأن الساكن كالالة قال البعض وهو الذى يأتى على قول ابنى الهادى فى قولهما أن الباغى يضمن
وقال البعض وبعض الناصرية وهو أحد قولى المؤيد بالله لا يضمن الآمر، لأن الآمر بالمحظور لا يصح.
وأما اذا كان الساكن مكرها ضمن الآمر بلا أشكال.
وأما الساكن فيضمن أيضا عند المؤيد بالله.
وقال البعض وله أن يرجع على الآمر، لأن ذلك غرم لحقه بسببه.
стр. 2921
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (١): أن من سكن دار غيره غلطا أو لبس ثوبه خطأ فانهم ضامنون وان لم يكونوا غاصبين، فلو منعه سكنى داره ولم يثبت المانع يده عليها أو منعه من امساك دابته المرسلة كذلك فليس بغاصب لهما فلا يضمن العين لو تلفت ولا الأجرة زمن المنع لعدم اثبات اليد الذى هو جزء مفهوم الغصب، ويشكل بأنه لا يلزم من عدم الغصب عدم الضمان لعدم انحصار السبب فيه، بل ينبغى أن يختص ذلك بما لا يكون المانع سببا فى تلف العين بذلك بأن اتفق تلفها مع كون السكنى غير معتبرة فى حفظها، ولو سكن معه قهرا فى داره فهو غاصب للنصف عينا وقيمة لاستغلاله له بخلاف النصف الذى بيد المالك، هذا اذا شاركه فى سكنى البيت على الاشاعة من غير اختصاص بموضع معين.
ولو انعكس الغرض بأن ضعف الساكن الداخل على المالك عن مقاومته ولكن لم يمنعه المالك مع قدرته ضمن الساكن أجرة ما سكن لاستيفائه منفعته بغير اذن مالكه.
وقيل ولا يضمن الساكن العين لعدم تحقق الاستقلال باليد على العين الذى لا يتحقق الغصب بدونه، ووجهه ظهور استيلائه على العين التى انتفع بسكناها وقدرة المالك على دفعه لا ترفع الغصب مع تحقق العدوان، نعم لو كان المالك القوى نائبا فلا شبهة فى الضمان، لتحقق الاستيلاء
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): أن الغاصب يغرم قيمة ما استغل من المغصوب أو مثل ما استغل اذا أمكن المثل كثمار وألبان وسكنى دور فى الاخرة لا فى الحكم عند المغاربة فان شاء النجاة منه فى الاخرة تخلص منه فى الدنيا بلا حكم عليه ويغرم ذلك فى الحكم عند المشارقة كما يغرمه فى الاخرة ان لم يغرمه فى الدنيا وهو الصحيح.
حكم بيع السكنى لمن يريد الحج:
مذهب الحنفية:
جاء فى الدر المختار: (٣) أن الحج واجب على كل حر مكلف ذى زاد وراحلة فضلا عما لا بد منه ويعتبر مما لا بد منه المسكن ومرمته ولو كان كبيرا يمكنه الاستغناء ببعضه والحج بالفاضل فانه لا يلزمه بيع الزائد، ويستوى فى ذلك المسكن الذى يسكنه هو أو الذى يسكنه من يجب عليه اسكانه بخلاف الفاضل عنه، والافضل بيع الزائد، وعلم بذلك عدم لزوم بيع الكل والاكتفاء بسكنى الاجارة بالاولى، وكذا لو كان
стр. 2922
عنده ما لو اشترى به مسكنا لا يبقى بعده ما يكفى للحج فانه لا يلزمه.
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الحطاب (١): أنه لو كانت لشخص دار يسكنها وخادم يحتاج اليه لا فضل فيهما عن كفايته واذا باعهما وجد مسكنا وخادما يكتريهما، ويفضل له من المال ما يحج به.
قال صاحب الطراز فعليه فى ظاهر المذهب أن يحج على القول بالفور، لانه يجد السبيل الى الحج فوجب عليه كما لو كان بيده مال تتعلق به حاجته على الدوام أو كان حاكما وعنده كتب لا يستغنى عنها فيجب عليه بيع ذلك ليحج به.
ولو كان يجد ببعض ثمن الدار أو الخادم دارا أو خادما دونهما لوجب عليه أن يحج من باب أولى، أما لو كان ثمن الدار أو الخادم قدر كفاية الحج ولا يجد ما يكترى به لاهله دارا ولا خادما كان الحكم فى ذلك على ما تقدم فى النفقة.
جاء فى الحطاب (٢): قال فى أحكام ابن سهل فى القضاء فى مسائل الغائب، رجل غاب منذ عشرين عاما وأثبت أبوه أنه فقير عديم وأن له دارا ودعا أن تباع وينفق عليه من ثمنها، فأفتى ابن عات لا سبيل الى بيع هذه الدار بسبب الاب الطالب للنفقة وهو مما لا اختلاف فيه وكان ابن مالك وابن القطان قد ماتا وأفتى غيره بأن يحلف الأب ماله مال معلوم وأنه لفقير عديم وتباع الدار وينفق من ثمنها على الاب وزوجته، فيجرى (٣) ذلك على الخلاف فى فورية الحج وتراخيه.
قال فى الطراز فان قلنا الحج على الفور لم ينظر لذلك كما لا ينظر لنفقة الأهل.
وان قلنا على التراخى لم يجب ذلك عليه، لانه لما عجز عن الحقين كان حق الادمى فى ماله أولى من حق الحج.
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج (٤): نقلا عن الاستذكار وغيره أن الأصح اشتراط كون الزاد والراحلة والمؤنة وغير ذلك فاضلا أيضا عن مسكنه اللائق المستغرق لحاجته فاضلا عن عبد يليق به، ويحتاج لخدمته لمنصب أو عجز كما فى الكفارة، وعلى هذا لو كان معه نقد يريد صرفه اليهما مكن منه.
والرأى الثانى لا يشترط ذلك بل يباعان قياسا على الدين، ومحل الخلاف اذا كانت الدار مستغرقة لحاجته، وكانت سكنى مثله والعبد يليق به، فاذا أمكن بيع بعض الدار ولو كانت غير نفيسة ووفى ثمنه بمؤنة الحج أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله ولو أبدلهما لو فى التفاوت
стр. 2923
بمؤنة الحج فانه يلزمه ذلك جزما ولو كانا مألوفين، بخلافه فى الكفارة، فانه لا يلزمه بيعهما فى هذه الحالة، لان لها بدلا والامة كالعبد ولو كانت للتمتع.
قال الاسنوى وكلامهم يشمل المرأة المكفية باسكان الزوج وأخدامه وهو متجه، لأن الزوجية قد تنقطع فتحتاج اليهما، وكذا المسكن للمتفقهة الساكنين ببيوت المدارس والصوفية بالربط ونحوهما.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١) أنه لو كان لشخص عقار يحتاج اليه لسكناه أو سكنى عياله أو يحتاج الى أجرته لنفقة نفسه أو عياله أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها فلم يكفهم أو سائمة يحتاجون اليها لم يلزمه الحج، وان كان له من ذلك شئ فاضل عن حاجته لزمه بيعه فى الحج، فان كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل قدر ما يحج به لزمه.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار (٢): أن ما يشترط فى الاستطاعة الزاد وهو أن يملك الحاج كفاية من المال تسده للحج فاضلة عما استثنى له وللعول.
والذى استثنى له كسوته وخادمه ومنزله مهما لم يستغن عنه واستثنى لعوله كفايتهم كسوة ونفقة وخادما ومنزلا وأثاثه مدة يمكن رجوعه فى قدرها بعد أن قضى حجه.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٣): ان الزاد والراحلة وهما يعتبران فيما يفتقر الى قطع المسافة ولا يباع ثياب مهنته ولا خادمه ولا دار سكناه والمراد بالزاد قدر الكفاية من القوت والمشروب ذهابا وعودا وبالراحلة راحلة مثله.
وجاء فى الروضة البهية (٤): ويستثنى له من جملة ماله داره وثيابه وخادمه ودابته وكتب علمه اللائقة بحاله كما وكيفا عينا وقيمة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٥): أنه لا يبيع شخص مسكنه ليحج به، لانه من مؤنة العيال اللهم الا أن يكون مسكنا عظيما يبيعه ويشترى بباقى ثمنه مسكنا ضيقا أو متوسطا وعلى التشديد يبيع المسكن ويكترى لهم مسكنا الى رجوعه أى الى الفراغ من الحج أو الى الموصول الى العيال،
стр. 2924
أما منزل سكناه فلم يوجد من يقول بأنه يبيعه الا أن كثر ثمنه جدا ويمكنه شراء منزل يكفيه ويبقى له من ثمنه بقية تكفى الى رجوعه.
وقيل يبيع الاصل ولو كله ويترك من ثمنه مؤنة العيال الى رجوعه ان كان ما يتركه بلا بيع لا تكفيهم غلته أو يأمرهم أن يبيعوا منه بعده ما احتاجوا اليه.
وقيل اذا كان ماله يكفى عياله ذهابا ورجوعا وزادا وراحلة ولكنه اذا رجع لم يرجع الى شئ بل يسأل الناس لم يجب عليه الحج والصحيح أنه يجب عليه لوجود تمكنه من الحج ولا يعتبر المال مانعا بعد وصوله الى أهله فان الله أولى بذلك.
حكم بيع السكنى فى الكفارة
مذهب الحنفية:
جاء فى حاشية ابن عابدين (١): لا يعتبر أن من عليه الكفارة قادرا على العتق بمسكنه، فلا يتعين عليه بيعه وشراء رقبة بل يجزئه الصوم، لان المسكن كلباسه ولباس أهله وتقييدهم بالمسكن يفيد أنه لو كان له بيت غير مسكنه لزمه بيعه.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٢) أنه لا يجوز العدول الى الصيام الا لمن عجز عن العتق وقت الاداء للكفارة، بخلاف القادر على العتق، بأن كان عنده رقبة أو ثمنها أو ما يساوى ثمنها من شئ غير محتاج اليه.
ولا يعتبر قادرا أن كانت قدرته على العتق بملك شئ محتاج اليه من عبد أو غيره لمثل مرض ومنصب ومسكن لا فضل فيه وكتب فقه وحديث محتاج لها.
وعلق الدسوقى على قوله لا فضل فيه بقوله: أى لا زيادة فيه على ما يسكنه، ولا شك فى أن المسكن المذكور محتاج له السكنى فيه.
مذهب الشافعية:
جاء فى حاشية البجرمى (٣): أن من ملك رقيقا أو ملك ثمنه فاضلا عن كفاية ممونه من نفسه وغيره نفقة وكسوة وسكنى ونحوها وجب عليه أن يصرفه الى الكفارة اذ لا يلحقه بصرف ذلك الى الكفارة ضرر شديد، وانما يفوته نوع رفاهية.
قال الرافعى وسكتوا عن تقدير مدة ذلك، ويجوز أن يقدر بالعمر الغالب، وأن يقدر بسنة.
وصوب فى الروضة منهما الثانى.
وقضية ذلك أنه لا نقل فيها مع أن منقول الجمهور الاول.
стр. 2925
وجزم البغوى فى فتاويه بالثانى، على قياس ما صنع فى الزكاة.
أما من لا يملك ذلك كمن ملك رقيقا وهو محتاج الى خدمته، لمرض، أو كبر، أو ضخامة مانعة من خدمة نفسه، أو منصب يأبى أن يخدم نفسه، فهو فى حقه كالمعدوم.
ولا يلزمه بيع ضيعة أى عقار ورأس مال لتجارة وماشية لا يفضل دخلها من غلة الضيعة وربح مال التجارة وفوائد الماشية من نتاج وغيره من تلك أى كفاية ممونة لتحصيل رقيق يعتقه لحاجة اليها، بل يعدل الى الصوم، فان فضل دخلها عن تلك لزمه بيعها. ولا بيع مسكن ورقيق نفيسين ألفهما لعسر مفارقة المألوف ونفاستهما، بأن يجد بثمن المسكن مسكنا يكفيه ورقيقا يعتقه وبثمن الرقيق رقيقا يخدمه ورقيقا يعتقه، فان لم يألفهما وجب بيعهما لتحصيل عبد يعتقه، ولا يلزمه شراء بغبن، كأن وجد رقيقا لا يبيعه مالكه الا بأكثر من ثمن مثله، ولا يعدل الى الصوم بل عليه الصبر الى أن يجده بثمن المثل.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١): أن من له دار لا غنى له عن سكناها أو دابة يحتاج الى ركوبها أو خادم يحتاج الى خدمته أجزأه الصيام فى الكفارة.
وجملته أن الكفارة انما تجب فيما يفضل عن حاجته الاصلية والسكنى من الحوائج الاصلية، وكذلك الدابة التى يحتاج الى ركوبها، لكونه لا يطيق المشى فيما يحتاج اليه أو لم تجر عادته به، كذلك الخادم الذى يحتاج الى خدمته، لكونه ممن لا يخدم نفسه، لمرض أو كبر أو لم تجر عادته به، وهذه الثلاثة من الحوائج الاصلية لا تمنع التكفير بالصيام.
اذا ثبت هذا فانه ان كان فى شئ من ذلك فضل عن حاجته مثل من له دار كبيرة تساوى أكثر من دار مثله ودابة فوق دابة مثله وخادم فوق خادم مثله يمكن أن يحصل به قدر ما يحتاج اليه وتفضل فضلة يكفر بها، فانه يباع منه الفاضل عن كفايته، أو يباع الجميع ويبتاع له قدر ما يحتاج اليه، ويكفر بالباقى، وان تعذر بيعه، أو أمكن البيع ولم يمكن شراء ما يحتاج اليه ترك ذلك، وكان الانتقال الى الصيام، لانه تعذر الجمع بين القيام بحاجته والتكفير بالمال، فأشبه ما لو لم يكن فيه فضل، فان كان من له عقار يحتاج الى أجرته لمؤنته وحوائجه الاصلية كان له أن يكفر بالصيام، لان ذلك مستغرق لحاجته الاصلية فأشبه العدم.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وهامشه (٢):
أن العبرة فى الكفارة بالوجود كما ذكره الله تعالى فى كتابه الكريم من العتق والكسوة
стр. 2926
والاطعام فمن وجدها لزمه اخراجها على كل حال، سواء كان يحتاجها أم لا، ولا يستثنى له شئ سوى المنزل وأثاثه.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع (١) الاسلام: أن العجز عن الكفارة يتحقق اما بعدم الرقبة أو عدم ثمنها واما بعدم التمكن من شرائها وان وجد الثمن.
وقيل حد العجز عن الاطعام أن لا يكون معه ما يفضل عن قوته وقوت عياله ليوم وليلة فلو وجد الرقبة، وكان مضطرا الى خدمتها أو ثمنها لنفقته وكسوته لم يجب العتق، ولا يباع المسكن ولا ثياب الجسد.
ويباع ما يفضل عن قدر الحاجة من المسكن، ولا يباع الخادم على المرتفع عن مباشرة الخدمة، ويباع على من جرت عادته بخدمة نفسه الا مع المرض المحوج الى الخدمة، ولو كان الخادم غاليا بحيث يتمكن من الاستبدال منه ببعض ثمنه قيل يلزم بيعه لامكان الغنى عنه، وكذا قيل فى المسكن اذا كان غاليا وأمكن تحصيل البدل ببعض الثمن.
والاشبه أنه لا يباع تمسكا بعموم النهى عن بيع المسكن.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح (٢) النيل؟ أن من وجد رقبة أو قدر على شرائها ويبقى له قليل لا يجزئه صوم ولا اطعام ولو لم يصل حد الغنى، وانه ان لم يجد الغنى رقبة يشتريها يجزيه الصوم، ولكن يتأخر حتى لا يبقى الا مقدار الصوم، وان لم يجد الرقبة الا بأكثر من قيمتها أو بماله كله فليشتر، ورخص له أن يصوم وأن لم يجدها الا فى مسير شهر أو أكثر سار اليه ولا يجزيه الصوم، وفى الزام الشراء ولو بماله كله نظر، والاولى أن يقول يلزمه الشراء ان كان يبقى له قليل ولا يبيع مسكنه لأجل الرقبة ولا أصوله الا ما استغنى عنه.
حكم الصلح على السكنى
مذهب الحنفية:
جاء فى تبيين (٣) الحقائق أنه يجوز الصلح عن دعوى المنفعة - ويكون بمعنى الاجارة ان وقع عنه - بمال أو بمنافع، وانما يجوز الصلح عن المنافع على المنافع اذا كان المنفعتان مختلفى الجنس بأن يصالح عن السكنى على خدمة العبد، أو زراعة
стр. 2927
الأرض، أو لبس الثياب، أما اذا اتحد جنسهما كما اذا صالح عن السكنى على السكنى فلا يجوز.
وجاء فى البدائع (١): أنه اذا كان الصلح على سكنى بيت فهلك البيت بنفسه بأن انهدم أو باستهلاك بأن هدمه غيره فلا يبطل الصلح ولكن لصاحب السكنى وهو المدعى الخيار ان شاء بنى صاحب البيت بيتا آخر يسكنه الى المدة المضروبة وان شاء نقض الصلح.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح (٢) الكبير: أنه اذا كان المصالح به منافع فلا بد من أن يكون المدعى به معينا حاضرا ككتاب مثلا تدعيه على زيد وهو بيده فيصالحك بسكنى دار وخدمة عبد.
فلو كان المدعى به دينا فى الذمة كدراهم فلا يجوز الصلح عليها بمنافع كسكنى الدار، لأنه فسخ دين فى دين.
وأما أن كان المصالح به ذاتا فلا بد من أن يكون المدعى به معلوما والا كان بيع مجهول.
واذا كان الصلح على منافع فلا بد من أن تكون المنافع معينة كسكنى هذه الدار سنة.
مذهب الشافعية:
جاء فى (٣) المهذب: ان صالح من دار على نصفها ففيه وجهان.
أحدهما: لا يصح، لأنه ابتاع ماله بماله.
والثانى يصح، لأنه لما عقد بلفظ الصلح صار كأنه وهب النصف وأخذ النصف، وان صالحه من الدار على سكناها سنة ففيه وجهان.
أحدهما: لا يصح لأنه ابتاع داره بمنفعتها.
والثانى: يصح، لأنه لما عقد بلفظ الصلح صار كما لو أخذ الدار وأعاره سكناها سنة.
ثم قال (٤): أن كان لأحدهما علو وللآخر سفل والسقف بينهما فانهدم حيطان السفل لم يكن لصاحب السفل أن يجبر صاحب العلو على البناء قولا واحدا، لأن حيطان السفل لصاحب السفل فلا يجبر صاحب العلو على بنائه وهل لصاحب
стр. 2928
العلو اجبار صاحب السفل على البناء فيه قولان: فان قلنا يجبر الزمه الحاكم، فان لم يفعل وله مال باع الحاكم عليه ماله وأنفق عليه، وان لم يكن له مال اقترض عليه، فاذا بنى الحائط كان الحائط ملكا لصاحب السفل، لأنه بنى له وتكون النفقة فى ذمته، ويعيد صاحب العلو غرفته عليه، وتكون النفقة على الغرفة وحيطانها من ملك صاحب العلو دون صاحب السفل، لأنها ملكه لا حق لصاحب السفل فيه.
مذهب الحنابلة:
جاء فى (١) الاقناع: أنه ان كان الصلح ببعض بيت أقر له به، أو على أن يسكنه سنة أو يبنى له فوقه غرفة لم يصح، وان أسكنه كان تبرعا منه متى شاء أخرجه منها، وان أعطاه بعض داره بناء على هذا فمتى شاء انتزعه منه، وان فعل ذلك على سبيل المصالحة معتقدا ان ذلك وجب عليه بالصلح رجع عليه بأجرة ما سكن وأجرة ما كان فى يده من الدار وان بنى فوق البيت غرفة أجبر على نقضها وأداء أجرة السكنى مدة مقامه فى يده.
مذهب الظاهرية:
جاء فى (٢) المحلى أنه لو كان الصلح على سكنى دار فانهدمت الدار أو استحقت بطل الصلح وعاد على حقه.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج (٣) المذهب: أن المصالحة اما أن تكون بمنفعة من خدمة عبد أو سكنى دار كأن يقول صالحتك عن كذا بسكنى هذه الدار أو بخدمة هذا العبد أو نحو ذلك فكالاجارة حكمه حكمها يصححه ما يصححها ويفسده ما يفدسدها الا أنه يغتفر لفظ الاجارة.
وتصح بلفظ الصلح، فاذا قال.
صالحتك عن ثوبك الذى عندى أو دراهمك التى فى ذمتى أو خدمة عبدك الذى تستحق أجرته بسكنى دارى سنة فهى هنا بمعنى الاجارة فى الثلاثة الاطراف حيث يكون المصالح عنه عينا أو دينا أو منفعة والمصالح به منفعة.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه يصح الصلح على كل من العين،
стр. 2929
والمنفعة بمثله وجنسه ومخالفه، فلو صالح منكر الدار على سكن المدعى سنة فيها صح للاصل ويكون هنا مفيدا فائدة العارية، ولو أقر بها ثم صالحه على سكنى المقر صح أيضا ولا رجوع فى الصورتين لما تقدم من أنه عقد لازم وليس فرعا على غيره (١).
إسلاف
تعريف الاسلاف فى اللغة:
اسلاف مصدر فعله أسلف:
يقال: سلف بالفتح يسلف بالضم سلوفا وسلفا تقدم وسبق، وأسلف فلان فلانا مالا أقرضه اياه وأسلف فلان الى فلان فى الشئ، أعطاه اياه فى بيع السلم. ويقال سلف فلان الشئ قدمه وسلف فلان فلانا مالا، أقرضه اياه وسلف فلان الى فلان فى الشئ، أسلف (٢).
والسلف محركة السلم اسم من الاسلاف والسلف القرض الذى لا منفعة فيه للمقرض وعلى المقترض رده كما أخذه (٣).
والسلف بفتحتين نوع من البيوع يعجل فيه الثمن، وتضبط السلعة بالوصف الى أجل معلوم (٤).
التعريف عند الفقهاء:
واستعمال الفقهاء للاسلاف لا يخرج عن بعض تلك الاستعمالات اللغوية، فهم يستعملونه بمعنى القرض، وهذا ينظر فى بابه، ويستعملونه بمعنى السلم على ما جاء به قول الرسول ﷺ : «من أسلف فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم».
وللسلف بمعنى السلم تعريفات عند الفقهاء يختلف بعضها عن بعض تبعا لاتجاه كل منهم فى تفهمه وما يراه فيه من شروط لصحته الى آخر ذلك.
التعريف عند الحنفية:
عرفه ابن عابدين من الحنفية بأنه بيع آجل - وهو المسلم فيه - بعاجل - وهو رأس (٥) المال -
وقال الزيلعى (٦): هو أخذ عاجل بآجل، وسمى هذا العقد به لكونه
стр. 2930
معجلا على وقته فان أوان البيع بعد وجود المعقود عليه فى ملك العاقد.
وذكر الشلبى فى حاشيته أن صاحب التحفة قال فى السلم: هو عقد يثبت الملك فى الثمن عاجلا وفى المثمن - آجلا ويسمى سلما واسلاما وسلفا واسلافا لما فيه من تسليم رأس المال فى الحال - مع شرائط ورد الشرع بها (١).
التعريف عند المالكية:
قال الخرشى من المالكية: وهو - يعنى السلم - والسلف واحد فى أن كلا منهما اثبات مال فى الذمة مبذول عوضه فى الحال (٢).
وقال الدردير: هو بيع يتقدم فيه رأس المال ويتأخر المثمن (٣) لأجل.
وذكر الحطاب أن ابن عرفة حده بقوله: السلم عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين (٤).
التعريف عند الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج السلم ويقال له السلف - بيع شئ موصوف فى الذمة بلفظ (٥) السلم.
أما صاحب فتح العزيز فروى أنهم ذكروا فى تفسير السلم عبارات متقاربة منها: أنه عقد على موصوف فى الذمة ببدل يعطى عاجلا.
ومنها أنه اسلاف عوض حاصر فى عوض موصوف فى الذمه.
ومنها أنه تسليم عاجل فى عوض لا يجب تعجيله (٦).
التعريف عند الحنابلة:
قال المقدسى من الحنابلة: هو عقد على موصوف فى الذمة مؤجل بثمن مقبوض فى المجلس (٧). وعرفه ابن قدامة بقوله: هو أن يسلم عوضا حاضرا فى عوض موصوف فى الذمة الى أجل (٨).
стр. 2931
التعريف عند الظاهرية:
أما ابن حزم الظاهرى فيعرف السلم بقوله: هو أن يعطى شيئا فى شئ (١).
التعريف عند الزيدية:
جاء فى التاج المذهب - السلم بفتحتين هو السلف وزنا ومعنى. وهو فى الاصطلاح عقد على موصوف فى الذمة ببدل معجل مع شروط (٢).
وجاء فى الروض النضير أن السلم هو السلف وهو تعجيل أحد البدلين وتأجيل الاخر مع شروط مخصوصة (٣).
التعريف عند الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: السلف بيع مضمون فى الذمة، مضبوط بمال معلوم مقبوض فى المجلس الى أجل معلوم، بصيغة خاصة (٤).
التعريف عند الإباضية:
جاء فى حاشية الايضاح للنفوسى فى فقه الإباضية: السلم هو بالفتح السلف وزنا ومعنى وهو بيع موصوف فى الذمة الى أجل معلوم (٥).
وفى شرح النيل: هو شراء بنقد موزون حاضر لنوع من المثمنات معلوم بعيار وأجل ومكان معلومات واشهاد (٦).
حكم الأسلاف
مذهب الحنفية:
قال الزيلعى من الحنفية: السلم وهو بمعنى السلف مشروع بالكتاب والسنة واجماع الأمة قال ابن عباس رضى الله عنهما: أشهد أن الله أحل السلم المؤجل وأنزل فيه أطول آية، وتلا قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٧).
وقد روى أن النبى ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الانسان، ورخص فى السلم ..
والقياس يأبى جوازه، لأن المسلم فيه مبيع وهو معدوم وبيع موجود غير مملوك أو مملوك غير مقدور التسليم لا يجوز، فبيع
стр. 2932
المعدوم أولى أن لا يجوز ولكن تركناه بما ذكرنا (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل للحطاب:
وأما حكمه فقال المشذ الى فى حاشيته فى أول السلم: صرح فى المدونة بأنه رخصة مستثنى من بيع ما ليس عندك، وقال ابن عبد السّلام والاجماع على جوازه (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: السلم ويقال له السلف الأصل فيه قبل الاجماع آية الدين، فسرها ابن عباس بالسلم، وخبر الصحيحين من أسلم فى شيئ فليسلم فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم.
ولأن فيه رفقا، فان أرباب الضياع قد يحتاجون لما ينفقونه على مصالحها فيستسلفون على القلة، وأرباب النقود ينتفعون بالرخص، فجوز لذلك وان كان فيه غرر كالاجارة على المنافع المعدومة (٣)».
مذهب الحنابلة:
حكى ابن قدامة من الحنابلة:
والسلم جائز بالكتاب والسنة والاجماع: أما الكتاب فقول الله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» وروى سعيد باسناده عن ابن عباس انه قال: أشهد أن السلف المضمون الى أجل مسمى قد أحله الله فى كتابه وأذن فيه ثم قرأ هذه الاية: ولأن هذا اللفظ يصلح للسلم ويشمله بعمومه.
وأما السنة فروى ابن عباس عن رسول الله صلي الله عليه وسلّم أنه قدم المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنتين والثلاث فقال «من أسلف فى شئ فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه.
وروى البخارى عن محمد بن أبى المجالد قال أرسلنى أبو بردة وعبد الله ابن شداد الى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبى أوفى فسألتهما عن السلف فقالا كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ فكان يأتينا أنباط الشام فنسلفهم فى الحنطة والشعير والزبيب، فقلت أكان لهم زرع أم لم يكن لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وأما الاجماع فقال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، ولأن
стр. 2933
المثمن فى البيع أحد عوضى العقد فجاز أن يثبت فى الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة اليه، لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون الى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل وقد تعوزهم النفقة فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص (١).
مذهب الظاهرية:
السلم لا يجوز إلا إلى أجل مسمى ولا بد - بخلاف البيع فانه يجوز فى كل متملك لم يأت النص بالنهى عن بيعه.
ولا يجوز السلم فى حيوان ولا مذروع ولا معدود، ولا فى شئ غير ما ذكرنا.
والبيع لا يجوز فيما ليس عندك - والسلم يجوز فيما ليس عندك، والبيع لا يجوز البتة الا فى شئ بعينه ولا يجوز السلم فى شئ بعينه أصلا.
وذلك لما روى من أن رسول الله ﷺ قال: من أسلف فلا يسلف الا فى كيل معلوم ووزن معلوم «فهذا منع السلف وتحريمه البتة الا فى مكيل أو موزون».
فطائفة كرهت السلم جملة كما روينا عن محمد بن المثنى عن ابن مسعود أنه كان يكره السلم كله.
ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: نهى عن العينة.
وقال أبو محمد: العينة هى السلم نفسه أو بيع سلعة الى أجل مسمى، ولا خلاف فى هذا فبقى السلم (٢).
مذهب الزيدية:
ذكر صاحب التاج المذهب: أن السلم باب من أبواب البيع ولكنه مخالف للقياس، اذ هو بيع معدوم (٣).
وحكى صاحب الروض النضير اجماع المسلمين على جواز السلم الا ما روى عن ابن المسيب من النهى عنه لحديث «لا تبع ما ليس عندك».
وأجيب بأنه يحتمل أن يكون معناه: لا تبع ما ليس عندك أى ما ليس ملكك، وأن يكون المعنى: ما يكون غائبا عنك مما ليس بسلم. وتكون أدلة جواز السلم خاصة وهى صريحة فى معناها والسلم نوع من أنواع البيع الا أنه لما خالف
стр. 2934
البيع فى أحكامه وشرائطه خالفه فى الاسم (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى وسائل الشيعة لا بأس فى السلم بشروطه (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن العلماء اتفقوا على أن السلم مشروع بخصوصه من سنة النبى ﷺ فنعلم بعد ذلك بأنه داخل فى عموم قول الله : «وَأَحَلَّ اللهُ ٣ الْبَيْعَ» الا ما روى عن ابن المسبب من أنه غير مشروع أو غير جائز أصلا.
فان صح ذلك عنه فانه لم تصله الاحاديث الصحيحة الواردة فيه (٤).
صيغة عقد السلم
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب بدائع الصنائع أن السلم يكون بلفظ السلم والسلف والبيع بأن يقول رب السلم: أسلمت اليك فى كذا أو أسلفت، لأن السلم والسلف مستعملان بمعنى واحد. يقال:
سلفت وأسلفت وأسلمت بمعنى واحد، فاذا قال المسلم اليه: قبلت فقد تم الركن. وكذا اذا قال المسلم اليه:
بعت منك كذا وذكر شرائط السلم فقال رب السلم قبلت وهذا قول علمائنا الثلاثة، لأن السلم بيع فينعقد بلفظ البيع.
والدليل على أنه بيع ما روى أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الانسان، ورخص فى السلم. نهى ﵊ عن بيع ما ليس عند الانسان عاما ورخص السلم بالرخصة فيه فدل أن السلم بيع ما ليس عند الانسان ليستقيم تخصيصه عن عموم النهى بالترخيص فيه.
وقال زفر: لا ينعقد الا بلفظ السلم.
لأن القياس أن لا ينعقد أصلا، لأنه بيع ما ليس عند الانسان وأنه منهى عنه الا أن الشرع ورد بجوازه بلفظ السلم بقوله ورخص فى السلم (٥).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن السلم ينعقد بلفظ السلف وكذلك بلفظ السلم.
فقد ذكر الحطاب أن ابن العطار قال فى وثائقه: جائز أن يقول: سلم وأسلم. وأن محمد بن محمد الباجى قال فى وثائقه: جائز
стр. 2935
أن يقول سلم وأسلف، ويكره أن يقول:
أسلم.
وذكر الحطاب أيضا أنه قال فى المتيطية بعد أن ذكر فى صفة الوثيقة انك تقول أسلم فلان بن فلان الفلانى الى فلان - قولنا فى أول هذا النص أسلم فلان بن فلان الى فلان هو الصواب. وان قلت سلف وكلاهما حسن.
وان شئت ابتدأت العقد بدفع فلان الى فلان كذا وكذا سلما (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب: وينعقد بلفظ السلف والسلم، وفى لفظ البيع وجهان.
من أصحابنا من قال: لا ينعقد السلم بلفظ البيع، فاذا عقد بلفظ البيع كان بيعا ولا يشترط فيه قبض العوض فى المجلس، لأن السلم غير البيع فلا ينعقد بلفظه.
ومنهم من قال: ينعقد، لأنه نوع بيع يقتضى القبض فى المجلس فانعقد بلفظ البيع كالصرف (٢).
ويرى الشيخ ابراهيم الباجورى أن المعتمد هو أن السلم لا ينعقد سلما الا اذا كان بلفظ السلم أو السلف.
ونقل عن الماوردى أنه قال: ليس لنا عقد يتوقف على لفظ مخصوص الا ثلاثة، وذكر فى مقدمتها السلم (٣).
مذهب الحنابلة:
وينعقد عند الحنابلة بلفظ السلف ولفظ السلم ولفظ البيع وبكل لفظ ينعقد به البيع.
قال صاحب هداية الراغب ويصح السلم بلفظه كأسلمتك هذا الدينار فى كذا من القمح ويصح بلفظ سلف كأسلفتك كذا فى كذا، لأنهما حقيقة فيه، اذ هما اسم لبيع عجل ثمنه وأجل مثمنه، ويصح بلفظ بيع وكل ما ينعقد به البيع، لأن السلم نوع منه (٤).
مذهب الظاهرية:
أما ابن حزم الظاهرى فيرى أن السلم ليس بيعا، لأن التسمية فى الديانات ليست الا لله على لسان رسوله ﷺ وانما سماه رسول الله ﷺ السلف أو التسليف أو السلم (٥).
مذهب الزيدية:
ووصفه صاحب التاج المذهب فى قوله.
وهو باب من أبواب البيع ولكنه مخالف للقياس، اذ هو بيع معدوم، ويسمى سلفا لتقدم تسليم رأس المال فى المجلس، ويسمى
стр. 2936
سلما لتأخر قبض المسلم فيه عن المجلس.
وهو ينعقد بلفظ السلم والسلف كأسلفتك، وبألفاظ البيع العامة لا الخاصة بباب من أبوابه (١)، فلا ينعقد السلم بلفظ الصرف مثلا (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: وينعقد السلم بقول المسلم - وهو المشترى - أسلمت اليك أو أسلفتك أو سلفتك - بالتضعيف - كذا فى كذا الى كذا، ويقبل المخاطب وهو المسلم اليه بقوله: قبلت وشبهه. ولو جعل الايجاب منه جاز بلفظ البيع والتمليك واستلمت منك واستلفت وتسلفت (٣).
مذهب الإباضية:
ذكر صاحب شرح النيل أن المتعاقدين فى السلم يتلفظان بلفظ يكون به عقد السلم مثل أن يقول المسلم: أسلمت لك هذه الدنانير فى كذا، فيقول الاخر: قبلت على ذلك أو يبتدئ هو ويقول للمسلم: بعت لك كذا بكذا، ويذكر ان الشروط التى بها يصح عقد السلم على ما يرد فى بابه، وحكى خلاف الأئمة فيما اذا لم يتلفظا بذلك ولكنه رجح المنع، لأن السلم مضيق فيه.
واذا وزن المسلم الدراهم ثم دفعها الى المسلم اليه وشرط شروط السلم عليه فسكت وقبضها، ثم احتج المسلم اليه بعد الاجل بأنه لم يقبله، فان كانت الدراهم بيد المسلم عند الاشتراط ثم قبضها المسلم اليه تم السلم، وان شرطها بعد ما صارت الدراهم بيد المسلم اليه فعليه يمين أنه ما قبضها منه على قبوله.
هذا وقد روى صاحب شرح النيل عن التاج أن السلم ينعقد بلفظ السلم والسلف، لأن الشرع ورد بهما (٤).
شروط صحة عقد السلم
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن شرائط الركن فى الأصل نوعان نوع يرجع الى نفس العقد.
ونوع يرجع الى البدل.
أما الذى يرجع الى نفس العقد فواحد وهو أن يكون العقد باتا عاريا عن شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما، لأن جواز البيع مع شرط الخيار فى الاصل ثبت معدولا به عن القياس، لانه شرط يخالف مقتضى العقد بثبوت الحكم للحال وشرط الخيار يمنع انعقاد العقد فى حق الحكم، ومثل هذا الشرط مفسد للعقد فى الاصل الا أنا عرفنا جوازه بالنص. والنص ورد فى بيع العين فبقى ما وراءه على أصل القياس خصوصا
стр. 2937
اذا لم يكن فى معناه والسلم ليس فى معنى بيع العين فيما شرع له الخيار، لأنه شرع لدفع الغبن والسلم مبناه على الغبن ووكس الثمن، لأنه بيع المفاليس فلم يكن فى معنى مورد النص فورود النص هناك لا يكون ورودا ههنا دلالة فبقى الحكم فيه للقياس، ولأن قبض رأس المال من شرائط الصحة على ما نذكره ولا صحة للقبض الا فى الملك وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك فيمنع المستحق صحة القبض بخلاف المستحق انه لا يبطل السلم حتى لو استحق رأس المال وقد افترقا عن القبض وأجاز المستحق فالسلم صحيح، لأنه لما أجاز تبين أن العقد وقع صحيحا من حين وجوده، وكذا القبض اذ الاجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة وبخلاف خيار الرؤية والعيب، لأنه لا يمنع ثبوت الملك فلا يمنع صحة القبض.
ولو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق بابدانهما ورأس المال قائم فى يد المسلم اليه ينقلب العقد جائزا عندنا خلافا لزفر.
وان كان هالكا أو مستهلكا لا ينقلب الى الجواز بالاجماع، لأن رأس المال يصير دينا على المسلم اليه، والسلم لا ينعقد برأس مال دين، فلا ينعقد عليه أيضا.
واما الشروط التى ترجع الى البدل فأنواع ثلاثة، نوع يرجع الى رأس المال خاصة، ونوع يرجع الى المسلم فيه خاصة، ونوع يرجع اليهما جميعا.
أما الذى يرجع الى رأس المال فأنواع.
منها بيان جنسه: كقولنا دراهم أو دنانير أو حنطة أو تمر.
ومنها بيان صفته: كقولنا جيد أو وسط أو ردئ، لأن جهالة الجنس والنوع والصفة مفضية الى المنازعة وأنها مانعة صحة البيع.
ومنها بيان قدره اذا كان مما يتعلق العقد بقدره من المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة ولا يكتفى بالاشارة اليه وهذا قول أبى حنيفة وسفيان الثورى.
وقال أبو يوسف ومحمد: ليس بشرط، والتعيين بالاشارة كاف.
ولو كان رأس المال مما لا يتعلق العقد بقدره من الذرعيات والعدديات المتفاوتة لم يشترط اعلام قدره ويكتفى بالاشارة بالاجماع.
فاذا قال أسلمت اليك هذه الدراهم أو هذه الدنانير ولا يعرف وزنها أو هذه الصبرة ولا يعرف كيلها، فانه لا يجوز عند أبى حنيفة وعندهما يجوز.
ولو قال: أسلمت اليك هذا الثوب ولم يعرف ذرعه أو هذا القطيع من الغنم ولم يعرف عدده جاز بالاجماع.
وجه قولهما: أن الحاجة الى تعيين رأس المال، وأنه حصل بالاشارة اليه فلا حاجة الى اعلام قدره ولهذا لم يشترط اعلام قدر الثمن فى بيع العين ولا فى السلم اذا كان رأس المال مما يتعلق العقد بقدره.
ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى: أن جهالة رأس المال تؤدى الى جهالة قدر
стр. 2938
المسلم فيه وأنها مفسدة للعقد فيلزم اعلام قدره صيانة للعقد عن الفساد ما أمكن كما اذا أسلم فى المكيل بمكيال بعينه ودلالة أنها تؤدى الى ما قلنا أن الدراهم على ما عليه العادة لا تخلو عن قليل زيف وقد يرد الاستحقاق على بعضها فاذا رد الزائف ولم يستبدل فى مجلس الرد ولم يتجوز المستحق ينفسخ السلم فى المسلم فيه بقدر المردود والمستحق ويبقى فى الباقى وذلك غير معلوم فيصير المسلم فيه مجهول القدر، ولهذا لم يصح السلم فى المكيلات بقفيز بعينه، لأنه يحتمل هلاك القفيز فيصير المسلم فيه مجهول القدر فلم يصح كذا هذا، بخلاف بيع العين فان الزيف والاستحقاق هناك لا يؤثر فى العقد، لأن قبض الثمن غير مستحق وبخلاف الثياب والعدديات المتفاوتة، لأن القدر فيها ملحق بالصفة، ألا ترى أنه لو قال: أسلمت اليك هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فوجده المسلم اليه أحد عشر سلمت الزيادة له فثبت أن الزيادة فيها تجرى مجرى الصفة واعلام صفة رأس المال ليس بشرط لصحة السلم اذا كان معينا مشارا اليه.
وعلى هذا الخلاف اذا كان رأس المال جنسا واحدا مما يتعلق العقد على قدره فأسلمه فى جنسين مختلفين كالحنطة والشعير أو نوعين مختلفين من جنس واحد كالهروى والمروى ولم يبين حصة كل واحد منهما فالسلم فاسد عند أبى حنيفة، وعندهما جائز.
ولو كان جنسا واحدا مما لا يتعلق العقد على قدره كالثوب والعددى المتفاوت فأسلمه فى شيئين مختلفين ولم يبين حصة كل واحد منهما من ثمن رأس المال فالثمن جائز بالاجماع.
ولو كان رأس المال من جنسين مختلفين أو نوعين مختلفين فأسلمهما فى جنس واحد فهو على الاختلاف.
ووجه البناء على هذا الأصل أن اعلام القدر لما كان شرطا عنده فاذا كان رأس المال واحدا وقوبل بشيئين مختلفين كان انقسامه عليهما من حيث القيمة لا من حيث الاجزاء، وحصة كل واحد منهما من رأس المال لا تعرف الا بالحزر والظن فيبقى قدر حصة كل واحد منهما من رأس المال مجهولا، وجهالة قدر رأس المال مفسدة للسلم عند ابى حنيفة.
وعندهما أعلام قدره ليس بشرط، فجهالته لا تكون ضارة.
ولو أسلم عشرة دراهم فى ثوبين جنسهما واحد، ونوعهما واحد، وصفتهما واحدة، وطولهما واحد، ولم يبين حصة كل واحد منهما من العشرة فالسلم جائز بالاجماع، أما عندهما فظاهر، لأن أعلام قدر رأس المال ليس بشرط، وأما
стр. 2939
عنده، فلأن حصة كل واحد منهما من رأس المال تعرف من غير حزر وظن، فكان قدر رأس المال معلوما، وصار كما اذا أسلم عشرة دراهم فى قفيزى حنطة ولم يبين حصة كل قفيز من رأس المال أنه يجوز لما قلنا كذا هذا.
ولو قبض الثوبين بعد محل الاجل ليس له أن يبيع احدهما مرابحة على خمسة دراهم عند أبى حنيفة.
وعند أبى يوسف ومحمد له ذلك وله أن يبيعهما جميعا مرابحة على عشرة بالاجماع.
وكذا لو كان بين حصة كل ثوب خمسة دراهم له أن يبيع أحدهما على خمسة مرابحة بلا خلاف.
ومنها أن يكون رأس المال مقبوضا فى مجلس السلم، لأن المسلم فيه دين والافتراق لا عن قبض رأس المال يكون افتراقا عن دين بدين وانه منهى عنه، لما روى أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ - أى النسيئة بالنسيئة - ولأن مأخذ هذا العقد دليل على هذا الشرط، فانه يسمى سلما وسلفا لغة وشرعا.
تقول العرب: أسلمت وأسلفت بمعنى واحد، وفى الحديث من أسلم فليسلم فى كيل معلوم وروى: من سلف فليسلف فى كيل معلوم. والسلم ينبئ عن التسليم.
والسلف ينبئ عن التقدم فيقتضى لزوم تسليم رأس المال (١).
وذكر السرخسى من أئمة الحنفية أن رأس مال السلم يصح أن يكون دراهم أو دنانير ويصح أن يكون عروضا فاذا كان دراهم أو دنانير كان التعجيل فيه شرطا قياسا واستحسانا، لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان فى العقود فيكون هذا بيع الدين بالدين وذلك لا يجوز لنهى رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ.
أما اذا كان رأس المال عروضا فالقياس أنه لا يكون التعجيل شرطا، لأن العروض سلعة تتعين فى العقود بخلاف الدراهم فلو لم يشترط التعجيل لم يؤد الى بيع الدين بالدين. ولكن فى الاستحسان يكون التعجيل شرطا، لأن السلم أخذ عاجل بآجل والمسلم فيه آجل فوجب أن يكون رأس المال عاجلا (٢).
ويقدم قبضه على قبض المسلم فيه. وسواء قبض فى أول المجلس أو فى آخره فهو جائز، لأن ساعات المجلس لها حكم ساعة واحدة وكذا لو لم يقبض حتى قاما يمشيان فقبض قبل أن يفترقا بأبدانهما جاز، لأن ما قيل الافتراق بأبدانهما له حكم المجلس.
стр. 2940
وعلى هذا يخرج الابراء عن رأس مال السلم أنه لا يجوز بدون قبول رب السلم، لأن قبض رأس المال شرط صحة السلم، فلو جاز الابراء من غير قبوله وفيه اسقاط هذا الشرط أصلا لكان الابراء فسخا معنى، وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخ العقد فلا يصح الابراء وبقى عقد السلم على حاله، واذا قبل جاز الابراء، لأن الفسخ حينئذ يكون بتراضيهما وأنه جائز، واذا جاز الابراء - وأنه فى معنى الفسخ - انفسخ العقد ضرورة بخلاف الابراء عن المسلم فيه فهو جائز من غير قبول المسلم اليه، لأنه ليس فى الابراء عنه اسقاط شرط، لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط فيصح من غير قبول.
وعلى هذا يخرج الاستبدال برأس مال السلم فى مجلس العقد أنه لا يجوز، وهو أن يأخذ برأس مال السلم شيئا من غير جنسه، لأن قبض رأس المال لما كان شرطا فبالاستبدال يفوت قبضه حقيقة، وانما يقبض بدله، وبدل الشئ غيره، فان أعطى رب السلم من جنس رأس المال أجود أو أردأ ورضى المسلم اليه بالأردأ جاز، لأنه قبض جنس حقه، وانما اختلف الوصف، فان كان أجود فقد قضى حقه وأحسن فى القضاء وان كان أردأ فقد قضى حقه أيضا لكن على وجه النقصان فلا يكون أخذ الاجود والاردأ استبدالا، الا أنه لا بجبر على أخذ الأردأ، لأن فيه فوات حقه عن صفة الجودة فلا بد من رضاه، أما اذا كان أعطاه أجود من حقه فقال زفر: لا يجبر، لأن رب السلم فى اعطاء الزيادة على حقه متبرع، والمتبرع عليه لا يجبر على قبول التبرع لما فيه من الزام المنة، فلا يلزمه من غير التزامه.
وقال علماؤنا الثلاثة رحمهم الله تعالى:
يجبر عليه، لأن اعطاء الاجود مكان الجيد فى قضاء الديون لا يعد فضلا وزيادة فى العادات بل يعد من باب الاحسان فى القضاء ولواحق الايفاء، فاذا أعطاه الأجود فقد قضى حق صاحب الحق. وأجمل فى القضاء فيجبر على الأخذ.
وتجوز الحوالة برأس مال السلم على رجل حاضر والكفالة به لوجود ركن هذه العقود مع شرائطه فيجوز كما فى سائر العقود، فلو امتنع الجواز فانما يمتنع لمكان الخلل فى شرط عقد السلم وهو القبض، وهذه العقود لا تخل بهذا الشرط، بل تحققه لكونها وسائل استيفاء الحق فكانت مؤكدة له. هذا مذهب أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى.
وقال زفر: لا يجوز، لأن هذه العقود شرعت لتوثيق حق يحتمل التأخر عن المجلس فلا يحصل ما شرع له العقد فلا يصح.
وهذا غير سديد، لأن معنى التوثيق يحصل فى الحقين جميعا، فجاز العقد فيهما جميعا.
стр. 2941
ثم اذا جازت الحوالة والكفالة فان قبض المسلم اليه رأس مال السلم من المحال عليه أو الكفيل أو من رب السلم فقد تم العقد بينهما اذا كانا فى المجلس سواء بقى الحويل والكفيل، أو افترقا بعد أن كان العاقدان فى المجلس، وان افترق العاقدان بأنفسهما قبل القبض بطل السلم وبطلت الحوالة والكفالة، وان بقى المحال عليه والكفيل فى المجلس فالعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما، لا لبقاء الحويل والكفيل وافتراقهما، لأن القبض من حقوق العقد، وقيام العقد بالعاقدين فكان المعتبر مجلسهما.
وأما الرهن برأس مال السلم فان هلك الرهن فى المجلس وقيمته مثل رأس المال أو أكثر فقد تم العقد بينهما، لأنه حصل مستوفيا لرأس المال، لأن قبض الراهن قبض استيفاء، لأنه قبض مضمون وقد تقرر الضمان بالهلاك وعلى الراهن مثله من جنسه فى المالية فيتقاصان فحصل الافتراق عن قبض رأس المال فتم عقد السلم، وان كانت قيمته أقل من رأس المال تم العقد بقدره ويبطل فى الباقى، لأنه استوفى من رأس المال بقدره، وان لم يهلك الرهن حتى افترقا بطل السلم لحصول الافتراق لا عن قبض رأس المال، وعليه رد الرهن على صاحبه (١).
وذكر الحصكفى أنه يجب ملاحظة علتى الربا - وهما القدر المتفق والجنس - فى رأس مال السلم والمسلم فيه فاذا شمل البدلين فى السلم احدى علتى الربا هاتين لم يصح السلم، لأن حرمة النساء تتحقق به (٢).
وأما الذى يرجع الى المسلم فيه من شروط صحة العقد فأنواع أيضا.
منها: أن يكون معلوم الجنس، كقولنا: حنطة أو شعير أو تمر.
ومنها: أن يكون معلوم النوع كقولنا حنطة سقية أو نحسية أو تمر برنى أو فارسى، هذا اذا كان مما يختلف نوعه، فان كان مما لا يختلف فلا يشترط بيان النوع.
ومنها - أن يكون معلوم الصفة كقولنا.
جيد أو وسط أو ردئ (٣).
وفى ذلك روى الزيلعى أن صاحبى أبى حنيفة قالا يجوز السلم فى اللحم أن بين جنسه ونوعه وسنه وموضعه وصفته وقدره كشاة خصى ثنى سمين من الجنب أو من الفخذ مائة رطل، لأنه موزون مضبوط بالوصف ولهذا يضمن بالمثل عند الاتلاف، بخلاف لحم الطيور فانه لا يقدر على وصف موضع منه ولا بمنع جواز السلم فى اللحم أن اللحم
стр. 2942
يتضمن شيئا غير مقصود وهو العظم، لأنه فى ذلك مثل التمر والمشمش والخوخ حيث يتضمن النوى وهو غير مقصود (١).
وذكر أن أبا حنيفة لا يجيز السلم فيه، لأن اللحم يختلف باختلاف صفته من سمن وهزال ويختلف باختلاف فصول السنة فيما يعد سمينا فى الشتاء يعد مهزولا فى الصيف، ولأنه يتضمن عظاما غير معلومة وتجرى فيه المماكسة فالمشترى يأمره بالنزع والبائع يدسه فيه.
وهذا النوع من الجهالة والمنازعة لا ترتفع ببيان الموضع ولا يذكر الوزن فصار كالسلم فى الحيوان، بخلاف النوى فى الثمار أو العظم فى الالية فانه معلوم، ولهذا لا تجرى فيه المماكسة وحتى لو كان اللحم مخلوع العظم فانه لا يجوز السلم فيه، لأن الحكم اذا علل بعلتين لا ينتفى بانتفاء احداهما (٢).
ومنها أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع، لأن جهالة النوع والجنس والصفه والقدر جهاله مفضية الى المنازعة وأنها مفسدة للعقد وقد قال النبى ﷺ : من أسلم منكم فليسلم فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (٣).
هذا ويصح السلم فى الفلس لأنه عددى يمكن ضبطه، وقيل لا يصح السلم فيه عند محمد، لأنه ثمن مادام يروج والمسلم فيه مبيع فلا يصح فيه السلم كالنقدين، أما اذا كسد فانه حينئذ يصير قطعة نحاس فلا يجوز السلم فيه عددا.
ولكن الزيلعى احتج لما رأى من صحته بأنه يمكن ضبطه بالعدد فيصح السلم فيه مثل سائر المعدودات (٤).
ويصح السلم فى اللبن والآجر ان سمى بلبن معلوم، لأن آحادهما لا تختلف اختلافا يفضى الى المنازعة بعد ذكر الآلة.
ويصح فى الذرعى كالثوب ان بين الذراع والصفة والصنعة، لأنه يصير معلوما بذكر هذه الاشياء فلا يؤدى الى النزاع.
وان كان الثوب حريرا يباع بالوزن فلا بد من بيان وزنه مع ذلك، لأنه يصير معلوما به (٥).
стр. 2943
ولا يصح السلم فى الحيوان لما روى أن رسول الله ﷺ نهى عن السلم فى الحيوان. ولأنه تتفاوت آحاده تفاوتا فاحشا بحيث لا يمكن ضبطه. ألا ترى أن العبدين يستويان فى الجنس والسن وتتفاوت قيمتهما لاختلاف المعانى الباطنة كالكياسة وحسن الخلق والخلق والسيرة والفصاحة والأمانة والشدة. ومثل ذلك سائر الحيوان فانه يختلف اختلافا يؤدى الى اختلاف المالية. ومن ثم فلا يجوز السلم فيه.
أما ما روى من أن النبى ﷺ استقرض بكرا ورد رباعيا فالمراد به أنه ﵊ استعجل فى الصدقة ثم لم تجب الزكاة على صاحبها فردها رباعيا، أو استقرض لبيت المال، لأنه يجوز أن يثبت حق مجهول على بيت المال كما يجب له حق مجهول.
وأما ما روى من أنه ﷺ اشترى بعيرا ببعيرين الى أجل فقد كان ذلك قبل نزول آية الربا، لأن الجنس بانفراده يحرم النساء أو ان ذلك كان منه ﷺ فى دار الحرب، اذ لا يجرى الربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب. وعدم صحة السلم فى الحيوان تتناول جميع أنواع الحيوانات حتى العصافير، لأن النص لم يفصل (١).
وحكى الزيلعى الخلاف بين الحنفية فى أطراف الحيوان مثل الرأس والاكارع.
هل يصح السلم فيها أو لا يصح؟.
قيل: ان أبا حنيفة يرى أنه لا يصح السلم فيها، للتفاوت الفاحش وعدم الضابط.
وأن صاحبيه يريان الصحة فيها كما يصح فى اللحم.
وقيل: انهم جميعا متفقون على أنه لا يصح (٢).
ولا يصح السلم فى الجلود عددا كما لا يصح فى الورق، للتفاوت الفاحش فيهما.
أما ان بين فيهما ضربا معلوما وطولا معلوما وعرضا معلوما وصفة معلومة من الجودة والرداءة فحينئذ يجوز السلم فيهما لامكان ضبطهما. ويصح السلم فيهما كذلك بالوزن اذا كانا يباعان وزنا (٣).
ولا يصح السلم فى الحطب حزما - ولا فى الرطبة جوزا، لأنه مجهول، لا يعرف طوله ولا غلظه، أما ان أمكن تحديد ذلك فيه بأن بين فى العقد الحبل الذى يشد به الحطب والرطبة، وبين كذلك طوله وضبط ذلك بحيث لا يؤدى الى النزاع صح السلم فيه (٤).
стр. 2944
ومن الشروط التى ترجع الى المسلم فيه أن يكون معلوم القدر بكيل أو وزن أو ذرع يؤمن عليه فقده عن أيدى الناس، فان كان لا يؤمن فالسلم فاسد بأن أعلم قدره بمكيال لا يعرف عياره بأن قال بهذا الحجر ولا يعلم كم وزنه أو بخشبة بحجر لا يعرف عياره، بأن قال:
بهذا الحجر ولا يعلم كم وزنه أو بخشبة لا يعرف قدرها، بأن قال بهذه الخشبة ولا يعرف مقدارها أو بذراع يده، وذلك لأن تسليم المسلم فيه لا يجب عقيب العقد كبيع العين: وانما يجب بعد محل الأجل فيحتمل أن يهلك الاناء قبل محل الأجل وهذا الاحتمال ان لم يكن غالبا فليس بنادر أيضا. واذا هلك يصير المسلم فيه مجهول القدر.
ومنها أن يكون مما يمكن أن يضبط قدره وصفته بالوصف على وجه لا يبقى بعد الوصف الا تفاوت يسير فان كان مما لا يمكن ويبقى بعد الوصف، تفاوت فاحش لا يجوز السلم فيه لأنه اذا لم يمكن ضبط قدره وصفته بالوصف يبقى مجهول القدر أو الوصف جهالة فاحشة مفضية الى المنازعة وأنها مفسدة للعقد (١).
فيصح السلم فى المكيل والموزون المثمن أما غير المثمن مثل الدراهم والدنانير فلا يصح السلم فيهما لانهما أثمان وليسا بمثمن حتى لو أسلم فيهما لا يصح سلما لان السلم تعجيل الثمن وتأجيل المبيع. ولو جاز السلم فيه لانعكس الوضع وأصبح السلم تعجيل المبيع وتأجيل الثمن. فاذا كان مثل ذلك لا يقع سلما ففى حكمه ذكر الزيلعى رأيين:
أحدهما أنه يكون عقدا باطلا عند عيسى بن أبان.
وثانيهما أنه يكون بيعا بثمن مؤجل تحصيلا لمقصود المتعاقدين بحسب الامكان اذ العبرة فى العقود للمعانى ونسب ذلك الرأى الى الاعمش، ثم صحح قول عيسى بحجة أن المعقود عليه فى السلم هو المسلم فيه وانما يصح العقد فى محل أوجبا العقد فيه. وذلك غير ممكن ولا وجه الى تصحيحه فى محل آخر لانهما لم يوجبا العقد فيه وهذا الخلاف فيما اذا أسلم فيهما غير الاثمان.
وأما اذا أسلم الاثمان فيهما كالدراهم فى الدنانير أو بالعكس فلا يجوز مثل هذا السلم بالاجماع لما عرف أن القدر بانفراده يحرم النساء (٢).
ولا يصح السلم فى الجوهر ولا فى الخرز، لأن آحادها تتفاوت تفاوتا فاحشا. أما صغار اللؤلؤ التى تباع وزنا فانه يصح السلم فيها بالوزن، لانه مما يباع بالوزن فأمكن معرفة قدره به (٣).
стр. 2945
ومنها أن يكون موجودا من وقت العقد الى وقت الاجل فان لم يكن موجودا عند العقد أو عند محل الأجل أو كان موجودا فيهما لكنه انقطع من أيدى الناس فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن وأشباه ذلك لا يجوز السلم، لأن القدرة على التسليم ثابتة للحال وفى وجودها عند المحل شك، لاحتمال الهلاك، فان بقى حيا الى المحل ثبتت القدرة وان هلك قبل ذلك لا تثبت، والقدرة لم تكن ثابتة فوقع الشك فى ثبوتها، فلا تثبت مع الشك، ولو كان موجودا عند العقد ودام وجوده الى محل الاجل فحل الاجل ولم يقبضه حتى انقطع عن أيدى الناس، لا ينفسخ السلم، بل هو على حاله صحيح، لان السلم وقع صحيحا، لثبوت القدرة على التسليم، لكون المسلم فيه موجودا وقت العقد، ودام وجوده الى محل الأجل، الا أنه عجز عن التسليم للحال، لعارض الانقطاع مع عرضية حدوث القدرة ظاهرا بالوجود، فكان فى بقاء العقد فائدة، والعقد اذا انعقد صحيحا يبقى لفائدة محتملة الوجود والعدم على السواء كبيع الآبق اذا أبق قبل القبض فلأن يبقى لفائدة عود القدرة فى الثانى ظاهرا أولى لكن يثبت الخيار لرب السلم ان شاء فسخ العقد وان شاء انتظر وجوده لأن الانقطاع قبل القبض بمنزلة تغير المعقود عليه قبل القبض، وأنه يوجب الخيار.
ولو أسلم فى حنطة حديثة قبل حدوثها لا يصح عندنا، لأنه أسلم فى المنقطع.
وعلى هذا يخرج ما اذا أسلم فى حنطة موضع أنه ان كان مما لا يتوهم انقطاع طعامه جاز السلم فيه كما اذا اسلم فى حنطة خراسان أو العراق أو فرغانة، لأن كل واحد منها اسم لولاية فلا يتوهم انقطاع طعامها، وكذا اذا أسلم فى طعام بلدة كبيرة كسمرقند أو بخارى أو كاشان جاز، لأنه لا ينفذ طعام هذه البلاد الا على سبيل الندرة والنادر ملحق بالعدم. وقد روى أن زيد بن شعبة لما أراد أن يسلم إلى رسول الله ﷺ قال: أسلم اليك فى تمر نخلة بعينها؟ فقال: النبى ﷺ : أما فى تمر نخلة بعينها فلا (١).
ومنها: أن يكون مما يتعين بالتعيين فان كان مما لا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير فانه لا يجوز السلم فيه، لأن المسلم فيه مبيع لما روينا أن النبى ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص فى السلم. سمى السلم بيعا فكان المسلم فيه مبيعا، والمبيع مما يتعين بالتعيين والدراهم والدنانير لا تتعين فى عقود المعاوضات فلم تكن مبيعة فلا يجوز السلم فيها.