← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

ثم اذا جازت الحوالة والكفالة فان قبض المسلم اليه رأس مال السلم من المحال عليه أو الكفيل أو من رب السلم فقد تم العقد بينهما اذا كانا فى المجلس سواء بقى الحويل والكفيل، أو افترقا بعد أن كان العاقدان فى المجلس، وان افترق العاقدان بأنفسهما قبل القبض بطل السلم وبطلت الحوالة والكفالة، وان بقى المحال عليه والكفيل فى المجلس فالعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما، لا لبقاء الحويل والكفيل وافتراقهما، لأن القبض من حقوق العقد، وقيام العقد بالعاقدين فكان المعتبر مجلسهما. وأما الرهن برأس مال السلم فان هلك الرهن فى المجلس وقيمته مثل رأس المال أو أكثر فقد تم العقد بينهما، لأنه حصل مستوفيا لرأس المال، لأن قبض الراهن قبض استيفاء، لأنه قبض مضمون وقد تقرر الضمان بالهلاك وعلى الراهن مثله من جنسه فى المالية فيتقاصان فحصل الافتراق عن قبض رأس المال فتم عقد السلم، وان كانت قيمته أقل من رأس المال تم العقد بقدره ويبطل فى الباقى، لأنه استوفى من رأس المال بقدره، وان لم يهلك الرهن حتى افترقا بطل السلم لحصول الافتراق لا عن قبض رأس المال، وعليه رد الرهن على صاحبه (١). وذكر الحصكفى أنه يجب ملاحظة علتى الربا - وهما القدر المتفق والجنس - فى رأس مال السلم والمسلم فيه فاذا شمل البدلين فى السلم احدى علتى الربا هاتين لم يصح السلم، لأن حرمة النساء تتحقق به (٢). وأما الذى يرجع الى المسلم فيه من شروط صحة العقد فأنواع أيضا. منها: أن يكون معلوم الجنس، كقولنا: حنطة أو شعير أو تمر. ومنها: أن يكون معلوم النوع كقولنا حنطة سقية أو نحسية أو تمر برنى أو فارسى، هذا اذا كان مما يختلف نوعه، فان كان مما لا يختلف فلا يشترط بيان النوع. ومنها - أن يكون معلوم الصفة كقولنا. جيد أو وسط أو ردئ (٣). وفى ذلك روى الزيلعى أن صاحبى أبى حنيفة قالا يجوز السلم فى اللحم أن بين جنسه ونوعه وسنه وموضعه وصفته وقدره كشاة خصى ثنى سمين من الجنب أو من الفخذ مائة رطل، لأنه موزون مضبوط بالوصف ولهذا يضمن بالمثل عند الاتلاف، بخلاف لحم الطيور فانه لا يقدر على وصف موضع منه ولا بمنع جواز السلم فى اللحم أن اللحم

стр. 2942

يتضمن شيئا غير مقصود وهو العظم، لأنه فى ذلك مثل التمر والمشمش والخوخ حيث يتضمن النوى وهو غير مقصود (١). وذكر أن أبا حنيفة لا يجيز السلم فيه، لأن اللحم يختلف باختلاف صفته من سمن وهزال ويختلف باختلاف فصول السنة فيما يعد سمينا فى الشتاء يعد مهزولا فى الصيف، ولأنه يتضمن عظاما غير معلومة وتجرى فيه المماكسة فالمشترى يأمره بالنزع والبائع يدسه فيه. وهذا النوع من الجهالة والمنازعة لا ترتفع ببيان الموضع ولا يذكر الوزن فصار كالسلم فى الحيوان، بخلاف النوى فى الثمار أو العظم فى الالية فانه معلوم، ولهذا لا تجرى فيه المماكسة وحتى لو كان اللحم مخلوع العظم فانه لا يجوز السلم فيه، لأن الحكم اذا علل بعلتين لا ينتفى بانتفاء احداهما (٢). ومنها أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع، لأن جهالة النوع والجنس والصفه والقدر جهاله مفضية الى المنازعة وأنها مفسدة للعقد وقد قال النبى ﷺ : من أسلم منكم فليسلم فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (٣). هذا ويصح السلم فى الفلس لأنه عددى يمكن ضبطه، وقيل لا يصح السلم فيه عند محمد، لأنه ثمن مادام يروج والمسلم فيه مبيع فلا يصح فيه السلم كالنقدين، أما اذا كسد فانه حينئذ يصير قطعة نحاس فلا يجوز السلم فيه عددا. ولكن الزيلعى احتج لما رأى من صحته بأنه يمكن ضبطه بالعدد فيصح السلم فيه مثل سائر المعدودات (٤). ويصح السلم فى اللبن والآجر ان سمى بلبن معلوم، لأن آحادهما لا تختلف اختلافا يفضى الى المنازعة بعد ذكر الآلة. ويصح فى الذرعى كالثوب ان بين الذراع والصفة والصنعة، لأنه يصير معلوما بذكر هذه الاشياء فلا يؤدى الى النزاع. وان كان الثوب حريرا يباع بالوزن فلا بد من بيان وزنه مع ذلك، لأنه يصير معلوما به (٥).

стр. 2943

ولا يصح السلم فى الحيوان لما روى أن رسول الله ﷺ نهى عن السلم فى الحيوان. ولأنه تتفاوت آحاده تفاوتا فاحشا بحيث لا يمكن ضبطه. ألا ترى أن العبدين يستويان فى الجنس والسن وتتفاوت قيمتهما لاختلاف المعانى الباطنة كالكياسة وحسن الخلق والخلق والسيرة والفصاحة والأمانة والشدة. ومثل ذلك سائر الحيوان فانه يختلف اختلافا يؤدى الى اختلاف المالية. ومن ثم فلا يجوز السلم فيه. أما ما روى من أن النبى ﷺ استقرض بكرا ورد رباعيا فالمراد به أنه ﵊ استعجل فى الصدقة ثم لم تجب الزكاة على صاحبها فردها رباعيا، أو استقرض لبيت المال، لأنه يجوز أن يثبت حق مجهول على بيت المال كما يجب له حق مجهول. وأما ما روى من أنه ﷺ اشترى بعيرا ببعيرين الى أجل فقد كان ذلك قبل نزول آية الربا، لأن الجنس بانفراده يحرم النساء أو ان ذلك كان منه ﷺ فى دار الحرب، اذ لا يجرى الربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب. وعدم صحة السلم فى الحيوان تتناول جميع أنواع الحيوانات حتى العصافير، لأن النص لم يفصل (١). وحكى الزيلعى الخلاف بين الحنفية فى أطراف الحيوان مثل الرأس والاكارع. هل يصح السلم فيها أو لا يصح؟. قيل: ان أبا حنيفة يرى أنه لا يصح السلم فيها، للتفاوت الفاحش وعدم الضابط. وأن صاحبيه يريان الصحة فيها كما يصح فى اللحم. وقيل: انهم جميعا متفقون على أنه لا يصح (٢). ولا يصح السلم فى الجلود عددا كما لا يصح فى الورق، للتفاوت الفاحش فيهما. أما ان بين فيهما ضربا معلوما وطولا معلوما وعرضا معلوما وصفة معلومة من الجودة والرداءة فحينئذ يجوز السلم فيهما لامكان ضبطهما. ويصح السلم فيهما كذلك بالوزن اذا كانا يباعان وزنا (٣). ولا يصح السلم فى الحطب حزما - ولا فى الرطبة جوزا، لأنه مجهول، لا يعرف طوله ولا غلظه، أما ان أمكن تحديد ذلك فيه بأن بين فى العقد الحبل الذى يشد به الحطب والرطبة، وبين كذلك طوله وضبط ذلك بحيث لا يؤدى الى النزاع صح السلم فيه (٤).

стр. 2944

ومن الشروط التى ترجع الى المسلم فيه أن يكون معلوم القدر بكيل أو وزن أو ذرع يؤمن عليه فقده عن أيدى الناس، فان كان لا يؤمن فالسلم فاسد بأن أعلم قدره بمكيال لا يعرف عياره بأن قال بهذا الحجر ولا يعلم كم وزنه أو بخشبة بحجر لا يعرف عياره، بأن قال: بهذا الحجر ولا يعلم كم وزنه أو بخشبة لا يعرف قدرها، بأن قال بهذه الخشبة ولا يعرف مقدارها أو بذراع يده، وذلك لأن تسليم المسلم فيه لا يجب عقيب العقد كبيع العين: وانما يجب بعد محل الأجل فيحتمل أن يهلك الاناء قبل محل الأجل وهذا الاحتمال ان لم يكن غالبا فليس بنادر أيضا. واذا هلك يصير المسلم فيه مجهول القدر. ومنها أن يكون مما يمكن أن يضبط قدره وصفته بالوصف على وجه لا يبقى بعد الوصف الا تفاوت يسير فان كان مما لا يمكن ويبقى بعد الوصف، تفاوت فاحش لا يجوز السلم فيه لأنه اذا لم يمكن ضبط قدره وصفته بالوصف يبقى مجهول القدر أو الوصف جهالة فاحشة مفضية الى المنازعة وأنها مفسدة للعقد (١). فيصح السلم فى المكيل والموزون المثمن أما غير المثمن مثل الدراهم والدنانير فلا يصح السلم فيهما لانهما أثمان وليسا بمثمن حتى لو أسلم فيهما لا يصح سلما لان السلم تعجيل الثمن وتأجيل المبيع. ولو جاز السلم فيه لانعكس الوضع وأصبح السلم تعجيل المبيع وتأجيل الثمن. فاذا كان مثل ذلك لا يقع سلما ففى حكمه ذكر الزيلعى رأيين: أحدهما أنه يكون عقدا باطلا عند عيسى بن أبان. وثانيهما أنه يكون بيعا بثمن مؤجل تحصيلا لمقصود المتعاقدين بحسب الامكان اذ العبرة فى العقود للمعانى ونسب ذلك الرأى الى الاعمش، ثم صحح قول عيسى بحجة أن المعقود عليه فى السلم هو المسلم فيه وانما يصح العقد فى محل أوجبا العقد فيه. وذلك غير ممكن ولا وجه الى تصحيحه فى محل آخر لانهما لم يوجبا العقد فيه وهذا الخلاف فيما اذا أسلم فيهما غير الاثمان. وأما اذا أسلم الاثمان فيهما كالدراهم فى الدنانير أو بالعكس فلا يجوز مثل هذا السلم بالاجماع لما عرف أن القدر بانفراده يحرم النساء (٢). ولا يصح السلم فى الجوهر ولا فى الخرز، لأن آحادها تتفاوت تفاوتا فاحشا. أما صغار اللؤلؤ التى تباع وزنا فانه يصح السلم فيها بالوزن، لانه مما يباع بالوزن فأمكن معرفة قدره به (٣).

стр. 2945

ومنها أن يكون موجودا من وقت العقد الى وقت الاجل فان لم يكن موجودا عند العقد أو عند محل الأجل أو كان موجودا فيهما لكنه انقطع من أيدى الناس فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن وأشباه ذلك لا يجوز السلم، لأن القدرة على التسليم ثابتة للحال وفى وجودها عند المحل شك، لاحتمال الهلاك، فان بقى حيا الى المحل ثبتت القدرة وان هلك قبل ذلك لا تثبت، والقدرة لم تكن ثابتة فوقع الشك فى ثبوتها، فلا تثبت مع الشك، ولو كان موجودا عند العقد ودام وجوده الى محل الاجل فحل الاجل ولم يقبضه حتى انقطع عن أيدى الناس، لا ينفسخ السلم، بل هو على حاله صحيح، لان السلم وقع صحيحا، لثبوت القدرة على التسليم، لكون المسلم فيه موجودا وقت العقد، ودام وجوده الى محل الأجل، الا أنه عجز عن التسليم للحال، لعارض الانقطاع مع عرضية حدوث القدرة ظاهرا بالوجود، فكان فى بقاء العقد فائدة، والعقد اذا انعقد صحيحا يبقى لفائدة محتملة الوجود والعدم على السواء كبيع الآبق اذا أبق قبل القبض فلأن يبقى لفائدة عود القدرة فى الثانى ظاهرا أولى لكن يثبت الخيار لرب السلم ان شاء فسخ العقد وان شاء انتظر وجوده لأن الانقطاع قبل القبض بمنزلة تغير المعقود عليه قبل القبض، وأنه يوجب الخيار. ولو أسلم فى حنطة حديثة قبل حدوثها لا يصح عندنا، لأنه أسلم فى المنقطع. وعلى هذا يخرج ما اذا أسلم فى حنطة موضع أنه ان كان مما لا يتوهم انقطاع طعامه جاز السلم فيه كما اذا اسلم فى حنطة خراسان أو العراق أو فرغانة، لأن كل واحد منها اسم لولاية فلا يتوهم انقطاع طعامها، وكذا اذا أسلم فى طعام بلدة كبيرة كسمرقند أو بخارى أو كاشان جاز، لأنه لا ينفذ طعام هذه البلاد الا على سبيل الندرة والنادر ملحق بالعدم. وقد روى أن زيد بن شعبة لما أراد أن يسلم إلى رسول الله ﷺ قال: أسلم اليك فى تمر نخلة بعينها؟ فقال: النبى ﷺ : أما فى تمر نخلة بعينها فلا (١). ومنها: أن يكون مما يتعين بالتعيين فان كان مما لا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير فانه لا يجوز السلم فيه، لأن المسلم فيه مبيع لما روينا أن النبى ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص فى السلم. سمى السلم بيعا فكان المسلم فيه مبيعا، والمبيع مما يتعين بالتعيين والدراهم والدنانير لا تتعين فى عقود المعاوضات فلم تكن مبيعة فلا يجوز السلم فيها.

стр. 2946

ومنها أن يكون مؤجلا: حتى لا يجوز السلم فى الحال لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: من أسلم فليسلم فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. أوجب ﷺ مراعاة الأجل فى السلم كما أوجب مراعاة القدر فيه فيدل على كونه شرطا فيه كالقدر، ولأن السلم حالا يفضى الى المنازعة، لأن السلم بيع المفاليس، فالظاهر أن يكون المسلم اليه عاجزا عن تسليم المسلم فيه. ورب السلم يطالب بالتسليم، فيتنازعان على وجه تقع معه الحاجة الى الفسخ. وفيه الحاق الضرر برب السلم، لأنه سلم رأس المال الى المسلم اليه وصرفه فى حاجته فلا يصل الى المسلم فيه ولا الى رأس المال، فشرط الأجل حتى لا يملك المطالبة الا بعد حل الأجل. وعند ذلك يقدر على التسليم ظاهرا فلا يؤدى الى المنازعة المفضية الى الفسخ والاضرار برب السلم. ولأنه عقد لم يشرع الا رخصة لكونه بيع ما ليس عند الانسان، لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص فى السلم. فهذا الحديث يدل على أن بيع ما ليس عند الانسان لم يشرع الا رخصة وأن السلم بيع ما ليس عند الانسان أيضا على ما ذكرنا من قبل. والرخصة فى عرف الشرع اسم لما يغير عن الأمر الاصلى بعارض عذر الى تخفيف ويسر، كرخصة تناول الميتة وشرب الخمر بالاكراه والمخمصة ونحو ذلك، فالترخص فى السلم هو تغيير الحكم الاصلى، وهو حرمة بيع ما ليس عند الانسان الى الحل بعارض عذر العدم ضرورة الافلاس فحالة الوجود والقدرة لا يلحقها اسم قدرة الرخصة فيبقى الحكم فيها على العزيمة الاصلية فكانت حرمة السلم الحال على هذا التقرير مستفادة من النص كان ينبغى أن لا يجوز السلم من القادر على تسليم المسلم فيه للحال الا أنه صار مخصوصا عن النهى العام فالحق بالعاجز عن التسليم للحال على اعتبار الاصل والحاق النادر بالعدم فى أحكام الشرع (١). ومنها أن يكون مؤجلا بأجل معلوم فان كان الاجل مجهولا فالسلم فاسد سواء كانت الجهالة متفاحشة أو متقاربة لان كل ذلك يفضى الى المنازعة وأنها مفسدة للعقد لجهالة القدر وغيرها، وأما مقدار الاجل فلم يذكر فى الاصل. وذكر الكرخى أن تقدير الاجل الى العاقدين حتى لو قدرا نصف يوم جاز. وقال بعض مشايخنا: أقله ثلاثة أيام قياسا على خيار الشرط. وهذا القياس غير سديد لأن أقل مدة الخيار ليس بمقدر والثلاث أكثر المدة على أصل أبى حنيفة فلا يستقيم القياس.

стр. 2947

وروى عن محمد أنه قدر بالشهر وهو الصحيح، لان الاجل انما شرط فى السلم ترفيها وتيسيرا على المسلم اليه، ليتمكن من الاكتساب فى المدة والشهر مدة معتبرة يمكن فيها من الاكتساب فيتحقق معنى الترفيه فأما ما دونه ففى حد القلة فكان له حكم الحلول. ولو مات المسلم إليه قبل الأجل حل الدين، وكذلك كل دين مؤجل سواه إذا مات من عليه الدين. والأصل فى هذا أن موت من عليه الدين يبطل الأجل وموت من له الدين لا يبطل، لأن الأجل حق المدين لا حق صاحب الدين فتعتبر حياته وموته فى الأجل وبطلانه (١). ومنها بيان مكان ايفائه اذا كان له حمل ومؤنة عند أبى حنيفة، لأن العقد وجد مطلقا عن تعيين مكان، فلا يتعين مكان العقد للايفاء. والدليل على أن العقد مطلق عن تعيين مكان هو الحقيقة والحكم: أما الحقيقة فلأنه لم يوجد ذكر المكان فى العقد نصا، فالقول بتعيين مكان العقد شرعا من غير تعيين العاقدين تقييد المطلق فلا يجوز الا بدليل. وأما الحكم فان العاقدين لو عينا مكانا آخر جاز، ولو كان تعيين مكان العقد من مقتضيات العقد شرعا لكان تعيين مكان آخر تغييرا لمقتضى العقد وأنه يعتبر فيه حكم الشرع فينبغى أن لا يجوز، واذا لم يتعين مكان العقد للايفاء بقى مكان الايفاء مجهولا جهالة مفضية الى المنازعة، لأن فى الأشياء التى لها حمل ومؤنة تختلف باختلاف الأمكنة لما يلزم فى حملها من مكان الى مكان آخر من المؤنة فيتنازعان. ويرى أبو يوسف ومحمد أن بيان مكان ايفاء المسلم فيه ليس بشرط، لأن سبب وجوب الايفاء هو العقد. والعقد وجد فى هذا المكان فيتعين مكان العقد، لوجوب الايفاء فيه كما فى بيع العين اذا كان المسلم فيه شيئا له حمل ومؤنة فانه يتعين مكان العقد لوجوب الايفاء فيه. وأما المسلم فيه اذا لم يكن له حمل ومؤنة فعن أبى حنيفة فيه روايتان فى رواية لا يتعين مكان العقد هناك أيضا وفى رواية يتعين مكان العقد للايفاء وهو قول أبى يوسف ومحمد. ولو شرط رب السلم أن يكون التسليم فى بلد أو قرية فحيث سلم اليه فى ذلك الموضع فهو جائز، وليس لرب السلم أن يتخير مكانا، لأن المشروط هو التسليم فى مكان منه مطلقا وقد وجد، وان سلم فى غير المكان المشروط فلرب السلم أن بأبى،

стр. 2948

لقول النبى ﷺ : المسلمون عند شروطهم (١). وأما الذى يرجع الى البدلين جميعا: فهو أن لا يجمعهما أحد وصفى علة ربا الفضل وذلك اما الكيل واما الوزن واما الجنس، لأن أحد وصفى علة ربا الفضل هو علة ربا النساء، فاذا اجتمع أحد هذين الوصفين فى البدلين يتحقق ربا النساء والعقد الذى فيه ربا فاسد. وعلى هذا يخرج اسلام المكيل فى المكيل أو الموزون فى الموزون والمكيل فى الموزون والموزون فى المكيل وغير المكيل والموزون بجنسهما من الثياب والعدديات المتقاربة (٢). مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أنه يشترط لصحة عقد السلم زيادة على شروط البيع سبعة شروط: الشرط الأول: قبض المسلم اليه رأس المال وهو المسلم - ويجوز تأخيره بعد العقد ثلاثا من الأيام ولو كان ذلك التأخير بشرط، لخفة الأمر، لأن ما قارب الشئ يعطى حكمه. وقيل: يفسد السلم اذا أخر رأس المال ثلاثة أيام بشرط، لظهور قصد الدين بالدين مع الشرط، وعدم قصده مع عدم الشرط. واختاره عبد الحق، وابن الكاتب، وابن عبد البر. هذا اذا لم يكن أجل السلم كيومين، وذلك فيما اذا شرط قبضه ببلد آخر، والا فلا يجوز تأخيره هذه المدة، لأنه حينئذ يكون بيع الكالئ بالكالئ، أى ابتداء الدين بالدين فى غير محل الرخصة - لأن السلم رخصة مستثناه من ذلك ومن بيع الانسان ما ليس عنده - فيجب أن يقبض رأس المال بالمجلس أو ما يقرب منه (٣). وقال الخرشى: اذا أخر رأس مال السلم بغير شرط - وهو نقد - أكثر من ثلاثة أيام بحيث لم تبلغ المدة وقت حلول المسلم فيه فالمعتمد من الطرق فساد السلم ولو قلت الزيادة على الثلاثة أيام، لأنه ضارع (شابه) الدين بالدين. وقيل: لا يفسد السلم لأنه تأخير بغير شرط. أما أن كثرت الزيادة جدا بأن أخر الى حلول أجل السلم الذى وقع عليه العقد فانه لا يختلف فى فساده. أما ان كان رأس مال السلم حيوانا فانه يجوز تأخيره بلا شرط من غير كراهة ولو الى حلول أجل السلم

стр. 2949

أما مع شرط التأخير فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام ويفسد كالعين (١). وقال الدردير: اذا كان رأس المال طعاما أو عرضا فقيل هو كذلك يجوز تأخيره بلا شرط ان كيل الطعام وأحضر العرض مجلس العقد، لانتقال ضمانهما للمسلم اليه، فكأنه قبضهما، فتركه بعد ذلك لقبضهما لا يضر، فان لم يكل الطعام ولم يحضر العرض لم يجز، لعدم دخوله فى ضمان المسلم اليه والنقل انه يكره فقط خلافا لما يوهمه كلامه .. وقيل هو كالعين لا يجوز تأخيرهما عن الثلاثة بلا شرط مطلقا حصل كيل أو احضار أم لا .. هذا ظاهره … والنقل الكراهة (٢). واذا وجد المسلم اليه فى رأس مال السلم دراهم زيوفا فانه يجوز له ردها سواء وجد ذلك بالقرب أو البعد كما هو ظاهرها (أى المدونة)، واذا ردها فانه يجب على المسلم أن يعجل للمسلم اليه البدل بأن لا يزيد على ثلاثة أيام، فان تأخر أكثر من ذلك فانه يفسد من السلم ما يقابل الدراهم الزائفة فقط كما عند أبى عمران واستحسنه ابن محرز (٣). ويجوز للمسلم أن يزيد فى رأس المال للمسلم اليه بعد حلول الأجل ليزيده فى المسلم فيه زيادة معينة، فاذا أسلم انسان فى ثوب موصوف الى أجل معلوم فانه يجوز اذا حل الأجل أن يدفع الى المسلم اليه دراهم زيادة على رأس المال ليعطيه ثوبا أطول أو أعرض أو أصفق من ثوبه الذى أسلم فيه، سواء كان من صنفه أو من غير صنفه بشرط أن تكون تلك الزيادة معينة وأن يتعجل الجميع قبل الافتراق، لأنه ان لم تكن الزيادة معينة كانت فى الذمة فيؤدى الى السلم الحال، وان عينت ولم تقبض كان بيع معين يتأخر قبضه، وان أخر الأجل كان بيعا وسلفا ان كان على أن يعطيه من صنفه، لأن الزيادة بيع بالدراهم وتأخير ما فى الذمة سلف، وان كان على أن يعطيه من غير صنف ما عليه فهو فسخ دين فى دين. وكذلك يجوز للمسلم أن يزيد فى رأس المال للمسلم اليه قبل حلول أجل السلم ليزيده طولا فقط فى الثوب المسلم فيه بشروط. الأول منها: أن يعجل الدراهم، لأنه سلم. الثانى منها: أن يكون فى الطول لا فى العرض والصفاقة، لئلا يلزم عليه فسخ الدين فى الدين لأنه أخرجه عن الصفقة الأولى الى غيرها، بخلاف

стр. 2950

زيادة الطول فانها لا تخرجه عن الصفقة، وانما هى صفقة ثانية، لأن الأذرع المشترطة قد بقيت على حالها والذى استأنفوه صفقة أخرى. الثالث من الشروط: أن يبقى من أجل الأول مقدار أجل السلم أو يكملاه ان بقى منه أقل، لأن الثانى سلم. الرابع: أن لا يتأخر الأول عن أجله لئلا يلزم البيع والسلف. الخامس: أن لا يشترط فى أصل العقد أنه يزيده بعد مدة ليزيده طولا (١). هذا ولو أن رب الدين لقى المسلم اليه بغير بلد القضاء وطلب منه المسلم فيه فان كان الدين عينا فالقول قول من طلب القضاء منهما فيلزم رب الدين القبول اذا دفعه له من هو عليه، ويلزم من هو عليه أن يدفعه اذا طلبه ربه. وان كان الدين غير عين فانه لا يلزم المسلم اليه أن يدفعه فى غير محله ولو خف حمله كجواهر ولؤلؤ، لأن أجل السلم من حق كل منهما جميعا (٢). الشرط الثانى: أن يكون المسلم فيه دينا فى ذمة المسلم اليه، فلا يجوز بيع معين يتأخر قبضه، لأنه قد يهلك قبل قبضه فيدور الثمن بين السلفية ان هلك، وبين الثمنية ان لم يهلك (٣). الشرط الثالث: أن يكون المسلم فيه مؤجلا بأن يضربا له أجلا معلوما أقله نصف شهر، ليسلما من بيع ما ليس عند الإنسان المنهى عنه، بخلاف ما اذا ضرب الأجل فانه لما كان الغالب تحصيل المسلم فيه فى ذلك الأجل لم يكن من بيع الانسان ما ليس عنده، اذ كأنه انما بيع عند الأجل. واشترط فى الأجل أن يكون معلوما، ليعلم منه الوقت الذى يقع فيه قضاء المسلم فيه فالأجل المجهول غير مقيد بل مفسد للعقد. وانما حد أقل الأجل بخمسة عشر يوما، لأنه مظنة اختلاف الأسواق غالبا. وتحديد الأجل بخمسة عشر يوما كاف - على خلاف ما يقتضيه كلام المختصر الجليل من أن نصف الشهر غير كاف - بل أن وقوع السلم لثلاثة عشر يوما أو اثنى عشر أو أحد عشر يصح غير أنه خلاف الأولى فقط.

стр. 2951

ويصح تأجيل السلم الى الحصاد والدراس وقدوم الحاج ولو لم يعرفاه الا بشدة الحر لا بالحساب وبخروج العطاء، لأن ذلك أجل معلم لا يختلف، ويعتبر ميقات معظم الحصاد والدراس وقدوم الحاج ان لم توجد هذه الافعال فاذا وقع العقد على أن المسلم فيه يقبض ببلد غير بلد العقد، فلا يشترط نصف شهر، بل يكفى أن يكون الأجل ما بين المكانين بشروط خمسة. الأول منها: أن يشترط قبضه بمجرد الوصول. والثانى: أن يكون على مسافة يومين فأكثر. والثالث: أن يشترط فى العقد الخروج (أى من بلد العقد) فورا. والرابع: أن يعزما على السفر بمجرد الخروج للبر أو الوصول الى البحر. الخامس: أن يكون السفر ببر أو ببحر بغير ريح كالمنحدرين. فان تخلف شرط واحد من هذه الشروط وجب ضرب الاجل. واذا وقع عقد السلم مؤجلا الى ثلاثة أشهر وكان ذلك فى أثناء شهر، فان الشهر الثانى والثالث يحسبان بالأهلة سواء كانا كاملين أو ناقصين،، وأما الشهر الاول المنكسر فانه يكمل من الشهر الرابع ثلاثين يوما. واذا وقع عقد السلم مؤجلا الى شهر ربيع مثلا فانه جائز، ويحل بأول جزء من ذلك الشهر، فيحل برؤية هلاله. وقال بعضهم: يحل بأول ليلة منه .. واقتصر المواق على الثانى، وعليه فلا يجبر المسلم اليه على الدفع برؤية الهلال للمسلم حيث طلبه. وأما ان قال أقضيك سلمك فى ربيع مثلا فانه يفسد بذلك للجهل باحتمال أوله ووسطه وآخره على ما اختاره المازرى. وعند ابن زرب: لا يفسد ويحكم بالشهر كله كالحصاد والدراس، وهو قياس مالك فى اليمين. وتبع المؤلف ابن الحاجب وابن شاس .. وقال الصفاقسى: لا أعلم لهما فيه سلفا .. أما ابن رشد فقد قال: الذى عليه مالك وأصحابه أنه يصح ويقتضيه فى وسطه ومثل الشهر العام. أما اذا قال: أوفيك سلمك فى اليوم الفلانى فانه يجوز لخفة الأمر فى اليوم، ويحمل على طلوع فجره (١).

стр. 2952

الشرط الرابع: أن يكون المسلم فيه مقدورا على تحصيله غالبا عند ما يحل أجله حتى لا يكون تارة سلفا وتارة ثمنا ولا يعنى هذا أنه يشترط وجوده من حين انعقاد السلم الى حلول أجل المسلم فيه، بل الشرط هو أن يكون وجوده محققا عند حلول الاجل، فاذا انقطع المسلم فيه فى اثناء الأجل ووجد عند حلوله صح. أما ان كان وجوده، عند حلول الأجل غير محقق مثل نسل حيوان قليل معين فان كان كثيرا جاز السلم، لان الكثرة صيرتها مثل غير المعين فكان المسلم فيه فى الذمة .. مثل ذلك حكم ثمر الحائط ان عين وكان صغيرا (١). ولا يجوز السلم فى الشئ الذى لا يوجد جملة لعدم القدرة على تحصيله كالكبريت الأحمر وكذا لا يجوز فى الشئ الذى يندر وجوده مثل كبار اللؤلؤ (٢). الشرط الخامس: أن يكون المسلم فيه مضبوطا بعادة أهل بلد العقد من كيل فيما يكال كالحنطة، أو وزن فيما يوزن كاللحم ونحوه، أو عدد فيما يعد كالرمان والتفاح فى بعض البلاد، فان وقع عقد السلم على ما يعد فى العادة كالرمان فانه لا بد من أن يقاس بخيط ويوضع عند أمين .. وكذلك اذا كان الرمان ونحوه غير معدود فى عادة أهل بلده بأن كان موزونا مثلا فانه لا بد فيه من أن يقاس بخيط، لأن الاغراض تختلف فيه على حسب الصغر والكبر. وكذا ان كان المسلم فيه مثل القضب - وهو بفتح القاف وسكون الضاد العشب اليابس - والبقول وما أشبه ذلك فانه لا بد من ضبطه أيضا، ويكون ضبطه بالاجمال بأن يقاس بحبل، ويقال: أسلمتك فيما يسع هذا ويجعل تحت يد أمين، أو يكون ضبطه بالحرز وهى القبض والحزم ولا يجوز فى شئ من ذلك اشتراط فدادين معروفة بصفة طول أو عرض، وجودة أو رداءة، لأنه يختلف ولا يحاط بصفة. ويصح أن يضبط المسلم فيه بالتحرى ولو لم تجربه عادة أهل بلد العقد .. فاذا أسلم فى لحم مثلا وضبطه بالوزن المعروف صح. وكذلك يصح اذا اشترط فيه تحريا معروفا بأن كان له قدر قد عرفوه. ومن ثم فان السلم يفسد اذا كان المسلم فيه مضبوطا بمجهول من كيل أو وزن أو عدد، كملء وعاء، ووزن حجر، وذرع بعصا

стр. 2953

عشرا بدينار. فان نسب المجهول للمعلوم ألغى المجهول واعتبر المعلوم، بأن قال: أسلمك فى ملء هذا الوعاء كذا كذا مرة وهو أردب، أو فى اردب وهو ملء هذا الوعاء كذا كذا مرة فانه يعتبر الاردب سواء زاد على ملء الوعاء أو نقص، ويلغى الوعاء ويكون السلم صحيحا. فاذا أسلم فى ويبات معلومات وشرط لكل ويبة حفنة ففيه قولان: أحدهما: ما قال به أبو عمران وهو الجواز، وعليه ظاهر الموازية. والثانى: وهو ما نقله عياض عن الأكثر وسحنون .. أنه لا يجوز (١). الشرط السادس: أن تبين أوصاف المسلم فيه التى تختلف بها القيمة عند المتبايعين اختلافا يتغابن الناس فى مثله عادة - فيجب على المتبايعين أن يبينا ذلك، كالنوع فى كل مسلم فيه وكذا الجودة والرداءة والتوسط. ويبين اللون اذا كان المسلم فيه حيوانا ولو طيرا - كشديد السواد أو أحمر مثلا. ويبين اللون كذلك اذا كان المسلم فيه ثوبا - فيذكر ان كان أبيض أو أسود أو غير ذلك - وكونه من قطن أو كتان - ويبين طوله وقصره، وغلظه ورقته - وغير ذلك من الأوصاف التى تختلف بها الاغراض والاثمان. واذا كان المسلم فيه عسلا وجب فيه تبيين لونه من كونه أحمر أو أبيض - بالاضافة الى تبيين نوعه من كونه مصريا أو غيره - والى تبيين الجودة والرداءة وبينهما، وخاثرا أو رقيقا أو صافيا .. ويبين فيه زيادة على ذلك مرعى نحله ان كان قرطا أو غيره. ويزيد فى الثمر على الاوصاف السابقة ذكر نوعه كصبحانى أو برنى أو غيره وذكر الجودة والرداءة وبينهما. وكذلك فى الحوت - وهو ما يعم السمك - فيذكر نوعه وجيد وردئ وبينهما، ويزيد أيضا فيهما الناحية المأخوذين منها - ككون الثمر مدنيا أو الواحيا أو بريسيا - وككون الحوت من بحر عذب، أو ملح، أو من بركة الفيوم أو نحو ذلك .. وكذلك يزيد فيهما القدر ككونه كبيرا أو صغيرا أو وسطا. واذا كان المسلم فيه برا اشترط أن تبين فيه الأوصاف المتقدمة من نوع، وجودة أو رداءة - ولون ويزيد على ذلك بيان جدته أو قدمه، وملئه أو ضامره ان اختلف الثمن بهما حيث يراد الضامر للزراعة لا للأكل لقلة ريعه، وعكسه الممتلئ فان لم يختلف الثمن بهما فلا يحتاج الى بيانه. ولو قال: أسلمت اليك فى قمح طيب ولم يزد (جيد) فمذهب المدونة - على ما ذكره الخرشى - الفساد، لأن الجيد أخص من الطيب.

стр. 2954

واذا كان المسلم فيه حيوانا ناطقا أو غير ناطق فانه يشترط فيه زيادة على بيان النوع والجودة أو الرداءة وبينهما بيان سنه فيقول: جذع أو مراهق أو بالغ - أو يقول: سنه سنتان مثلا، وبيان ذكورته وأنوثته وسمنه وهزاله. واذا كان المسلم فيه لحما فانه يشترط فيه - زيادة على بيان النوع، والجودة أو الرداءة واللون والذكورة والانوثة والسمن والهزال - أن يبين ما اذا كان خصيا أو لا، وما اذا كان راعيا أو معلوفا (١). واذا كان المسلم فيه رقيقا فانه يشترط - مع الأوصاف السابقة فى الحيوان - بيان القد من طول أو قصر أو ربعة، وبيان الثيوبة والبكارة اذا كان أنثى ويذكر اللون الخاص من عرضيات الأسود كالذهبى والأحمر، وشدة البياض فى الرومى ويذكر فى الجارية ما اذا كانت دعجاء. وهو شدة سواد العين مع اتساعها وما اذا كان وجهها متكلثما - وهو كثرة لحم الخدين والوجه مع الزهاوة. واذا كان المسلم فيه زيتا فانه لا بد من أن يذكر زيادة على ما مر من بيان النوع والجودة أو الرداءة - الحب الذى عصر منه من زيتون ونحوه، والمعصر به من معصرة أو ماء لاختلاف الثمن بذلك. فان كان يجتمع فى بلد واحد زيت بلدين فلا بد من ذكر البلد التى يؤخذ منها ذلك. وعلى كل فانه اذا شرط الجودة أو الرداءة فى الشئ المسلم فيه مما يحتاج الى ذكره فانه يقضى بالغالب من ذلك الذى شرطه فان لم يوجد غالب مما شرطه بل تساوت أصناف الجيد أو الردئ فى التسمية والاطلاق فانه يقضى بالوسط من ذلك الذى شرطه - ولا يقضى بالوسط ابتداء - بل يلجأ اليه اذا عدم الغالب (٢). ولا يصح السلم فيما لا يمكن أن يوصف عادة وصفا كاشفا عن حقيقته مثل تراب المعادن والصواغين، لأن الصفة مجهولة ومثل ذلك فى عدم صحة السلم فيه التيلة المخلوطة بالطين، والحناء المخلوطة بالرمل كذلك. ولا يصح السلم فى الأرض والدار لأن وصفهما مما تختلف الأغراض به فيستلزم تعيينهما، لأنه من جملة ما تختلف الأغراض به تعيين البقعة، وذلك يؤدى الى السلم فى معين. وشرط السلم أن يكون المسلم فيه فى الذمة، ولا يجوز السلم فى الجزاف لأن جوازه مقيد برؤيته وهو مع الرؤية معين فيصير معينا يتأخر قبضه (٣).

стр. 2955

الشرط السابع: أن لا يكون رأس المال والمسلم فيه طعامين ولا نقدين، لأدائه الى ربا الفضل أو النساء، فلا تسلم فضة فى ذهب ولا عكسه ولا فضة أو ذهب فى مثله - وحكم الفلوس هنا حكم العين، لأنه صرف - ولا نخلة مثمرة فى طعام. ولا يسلم شئ من غير الطعام فى أجود منه - ولا أكثر منه من جنسه كثوب فى ثوب أو أجود منه أو ثوب فى ثوبين مثله، لئلا يؤدى الى سلف جر منفعة، فالجودة هنا بمنزلة الكثرة. ولا يسلم ثوبان فى ثوب مثله أو أردأ، لئلا يؤدى الى التهمة على أنه ضمان بجعل. أما اذا كانت المنفعة مختلفة فانه يصح وذلك كأن يسلم الحمار الفاره - وهو جيد السير - فى الحمارين فأكثر غير الفارهين وبالعكس، لأن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد كالجنسين، ومثل الحمار الفاره الفرس السابق، فانه يجوز أن يسلمه فى فرسين غير سابقين، لاختلاف المنافع، اذ المعتبر فى الخيل هو السبق لا الهملجة وهو سرعة المشى - لأن سرعة مشيه وحسن سيره لا تصيره مخالفا لأبناء جنسه حتى يجوز أن يسلم الواحد فى اثنين أو ثلاثة مما ليس له تلك السرعة الا أن يكون مع الهملجة عظيم الخلقة جافى الاعضاء مما يراد منه الحمل فيجتمع فيه الهملجة والبرذنة فيجوز حينئذ أن يسلم الواحد فى أكثر من خلافه. ومثلهما البعير كثير الحمل، فيصح أن يسلم الجمل كثير الحمل فى جملين مما ليس كذلك. وعلى ذلك اذا كان المتماثلان من جنس البقر وكانت المنفعة تختلف تبعا للقوة فانه يصح أن يسلم البقرة القوية فى الاثنين غير القويتين (١). ويصح أن يسلم الشاة كثيرة اللبن من المعز فى شاتين مما ليس كذلك هذا ويجوز أن يسلم صغيرين من الحيوان فى كبير من جنسه لاختلاف المنفعة. وكذلك يجوز أن يسلم كبيرا فى صغيرين من جنسه اتفاقا فى هاتين الصورتين للسلامة من سلف بزيادة، ومن ضمان بجعل. وأيضا يجوز أن يسلم حيوانا صغيرا فى كبير من جنسه وكذلك عكسه على الأصح عند ابن الحاجب .. قال فى توضيحه وهو ظاهر المدونة، وعليه حملها ابن لبابة، وأبو محمد وغيرهما، واختاره الباجى. وقال آخرون: لا يجوز سلم حيوان صغير فى كبير من جنسه ولا عكسه، وتأولوا نص المدونة على ذلك.

стр. 2956

وشرط جواز الجميع - المتفق عليه والمختلف فيه - أن لا يؤدى الى المزابنة - بأن يطول الأجل المضروب الى أن يصير فيه الصغير كبيرا، أو يلد فيه الكبير صغيرا، وذلك لأنه فى الأول يؤدى الى ضمان بجعل فكأنه قال: اضمن لى هذا لاجل كذا، فان مات ففى ذمتك، وان سلم عاد الى، وكانت منفعته لك بضمانك وهو باطل ولأنه فى الثانى يؤدى الى الجهالة فكأنه قال: خذ هذا على صغير يخرج منه، ولا يدرى أيخرج منه أم لا. ويجوز أن يسلم جذعا طويلا غليظا من الخشب فى جذع ليس كذلك، أو فى جذوع - ولا بد من الوصفين (الطول والغلظ) واكتفى ابن الحاجب بواحد منهما. ويجوز أن يسلم سيفا قاطعا فى سيفين أو أكثر دونه فى القطع، والجودة على مذهبهما ولا بد من التعدد من أحد الجانبين حيث اتحد الجنس، واختلفت المنفعة كما هو مذهبهما أيضا، فلا يجوز أن يسلم سيفا قاطعا فى سيف دونه. وكما يجوز سلم بعض الجنس الواحد فى بعضه الآخر حيث اختلفت المنفعة على ما سبق ذكره يجوز سلم الجنس فى جنس آخر ولو تقاربت منافعهما لتباين الأغراض كرقيق ثياب القطن، ورقيق ثياب الكتان فيجوز سلم أحدهما فى الآخر - ويجوز سلم غليظ ثياب الكتان فى رقيق ثياب الكتان. ويختلف الطير بالتعليم لا بالبيض، ولا بالذكورة والانوثة كالآدمى .. فيجوز أن يسلم الطير المعلم تعليما شرعيا كالباز والصقر للصيد فى عدد من جنسه بلا تعليم، وأما من غير جنسه فيجوز سلم واحد بلا تعليم فى أكثر منه بلا تعليم كما نقله الشيخ عبد الرحمن (١). وذكر الدسوقى فى حاشيته أنه يجوز فى السلم الواقع على الخيار أن يكون رأس ماله منفعة ذات معينة غير مضمونة كسكنى دار أو خدمة عبد أو ركوب دابة معينة ان شرع فى قبضها حين العقد أو قبل مجاوزة أكثر من ثلاثة أيام ولو تأخر استيفاؤها عن قبض المسلم فيه بناء على أن قبض الأوائل هو فى الحقيقة قبض للأواخر (٢). قال الخرشى: وهذا بخلاف أخذ المنافع عن الدين فانه لا يجوز، لأنه فسخ دين فى دين، أما فى السلم فهو ابتداء دين بدين وفسخ الدين فى الدين أضيق من ابتداء الدين بالدين (٣).

стр. 2957

ويجوز أن يكون رأس مال السلم جزافا، غير أنه يعتبر فيه شروط بيعه (١). أما اذا كان رأس مال السلم من المنافع المضمونة كما اذا قال رب السلم للمسلم اليه: أحملك الى مكة مثلا فى أردب قمح فى ذمتك تدفعه لى فى وقت كذا. فاذا لم يشرع فى هذه المنفعة لم يصح أن تكون رأس مال السلم لأنه كالئ بكالئ. واذا شرع فيها جاز أن تكون رأس مال السلم لأن قبض الأوائل مثل قبض الاواخر كما فى الاجارة (٢). هذا واذا أسلم مصنوعا فى مصنوع آخر، وهما عن جنس واحد فانه ينظر للمنفعة فان تقاربت لم يجز السلم كما لو أسلم قدر نحاس فى قدر نحاس أو أسلم ثيابا رقيقة فى ثياب رقيقة، لأنه من باب سلم الشئ فى مثله أما اذا كانت المنفعة متباعدة فان الاسلام حينئذ يكون جائزا كما لو أسلم ابريق نحاس فى منارة من نحاس أو ثيابا رقيقة فى ثياب غليظة (٣). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه يشترط لصحة عقد السلم بالاضافة الى ما يشترط فى البيع أمور سبعة أخرى اختص بها وهى على ما يأتى: الأول: تسليم رأس المال - وهو الثمن - فى المجلس الذى وقع العقد به: قبل التفرق منه أو لزومه اذ لو تأخر لكان فى معنى بيع الدين بالدين ان كان رأس المال فى الذمة، ولأن فى السلم غررا فلا يضم اليه غرر تأخير رأس المال. والثانى: حلول رأس المال كالصرف ولا يغنى عنه شرط تسليمه فى المجلس. فلو تفرقا قبل قبض رأس المال أو الزماه بطل العقد، أو قبل تسليم بعضه بطل فيما لم يقبض وفيما يقابله من المسلم فيه، وصح فى الباقى بقسطه. ولو اختلفا فقال المسلم: أقبضتك بعد التفرق، وقال المسلم اليه: بل قبله ولا بينة صدق مدعى الصحة. فان أقاما بينتين قدمت بينة المسلم اليه، لأنها مع موافقتها للظاهر ناقلة، والأخرى مستصحبة. ولا يكفى قبض المسم فيه الحال فى المجلس عن قبض رأس المال، لأن تسليم المسلم فيه فى المجلس تبرع، وأحكام البيع لا تبنى على التبرعات.

стр. 2958

ولو قال: أسلمت اليك المائة التى فى ذمتك مثلا فى كذا لا يصح السلم. فلو أطلق رأس المال عن تعيينه فى العقد، كأسلمت اليك دينارا فى ذمتى فى كذا ثم عين وسلم فى المجلس قبل التخاير جاز، لأن المجلس حريم العقد فله حكمه. ولو أحال المسلم برأس المال المسلم اليه على ثالث له عليه دين - أو عكسه - فالحوالة باطلة بكل تقدير حتى لو قبضه المحتال - وهو المسلم اليه فى الصورة الأولى - فى المجلس ويعلم منه حكم ما لو لم يقبض فى المجلس بالأولى، فلا يجوز - أى لا يحل ولا يصح ومن باب أولى ما اذا لم يقبض فى المجلس - - اذ المحال عليه يؤديه عن جهة نفسه لا عن جهة المسلم، ومن ثم لو قبضه المحيل من المحال عليه أو من المحتال بعد قبضه باذنه له وسلمه فى المجلس صح، بخلاف ما لو أمره المسلم بالتسليم للمسلم اليه، لان الانسان فى ازالة ملكه لا يصير وكيلا لغيره لكن المسلم اليه حينئذ وكيل للمسلم فى القبض فيأخذه منه ثم يرده كما تقرر، ولا يصح قبضه من نفسه خلافا للقفال. ولو قبضه المسلم اليه وأودعه المسلم وهما بالمجلس جائز، ولو رده اليه قرضا أو عن دين جاز (١) أيضا. واذا كان رأس المال مثليا فان رؤيته تكفى - فى الأظهر - عن معرفة قدره سواء كان سلم حالا أو مؤجلا كما هو الحال فى الثمن، ولا أثر لاحتمال الجهل بالرجوع به لو تلف، كما لا أثر له فى البيع لأن صاحب اليد مصدق فى قدره لكونه غارما. أما لو علماه قبل أن يتفرقا فقد ذكر فيه الصحة على الجزم، اذ علة القول بالبطلان هنا غير راجعة لخلل فى العقد للعلم به تخمينا برؤيته، بل فيما بعده وهو الجهل به عند الرجوع لو تلف. وبالعلم به قبل التفرق زال ذلك المحظور (٢). أما اذا كان رأس المال متقوما وقد انضبطت صفاته بالرؤية، فان صاحب نهاية المحتاج: يرى فيه كفاية الرؤية جزما. وقيل فيه على الخلاف الا أن الأظهر كفاية الرؤية، لأن الضرر فيه أقل منه فى المثلى. ومقابل الأظهر أنه لا يكفى، بل لا بد من معرفة قدره بالكيل فى المكيل أو الوزن فى الموزون (٣). ويجوز أن يكون رأس المال فى السلم من الأثمان ويجوز أن يكون عرضا. وعلى كل فأنه يجوز أن يكون رأس المال هذا فى الذمة ثم يعينه فى المجلس ويسلمه ويجوز أن يكون معينا. فان كان رأس المال من الأثمان وكان فى الذمة حمل على نقد البلد. وأن كان فى البلد نقود متعددة حمل رأس المال على النقد الغالب، منها. أما اذا لم يكن فى البلد نقد غالب فانه يجب أن يبين نقد معلوم فى العقد.

стр. 2959

وأن كان رأس المال عرضا وكان فى الذمة وجب أن تبين الصفات التى تختلف بها الأثمان، لأنه عوض فى الذمة غير معلوم بالعرف فوجب بيان صفاته كالمسلم فيه. أما أن كان معينا ففيه قولان. أحدهما: يجب أن تذكر صفاته ومقداره، لأنه لا يؤمن أن ينفسخ السلم بانقطاع المسلم فيه فاذا لم يعرف مقداره وصفته لم يعرف ما يرده. والثانى لا يجب أن يذكر شئ من ذلك لأنه عوض فى عقد لا يقتضى رد المثل فوجب أن تغنى المشاهدة عن ذكر صفاته ومقداره كالمهر والثمن فى البيع. وعليه فان كان رأس المال عرضا غير أنه لا يضبط بالصفة كالجواهر وغيرها. فعلى القول الأول لا يصح أن يجعل ذلك رأس مال فى السلم، لأنه يجب ذكر صفاته وذكر صفاته أمر غير ممكن. وعلى القول الثانى يصح أن يجعل ذلك رأس مال لأنه معلوم بالمشاهدة (١). وكما يجوز أن يكون رأس المال فى السلم من الأثمان وأن يكون عرضا، فانه كذلك يجوز أن يكون منفعة معلومة ذكر صاحب نهاية المحتاج من الشافعية أن الرويانى صرح بأنه يجوز أن يكون رأس مال المسلم منفعة معلومة - كما يجوز جعلها ثمنا وأجرة وصداقا - فيصح أن يقول رب السلم: أسلمت اليك منفعة هذا، أو منفعة نفسى سنة، أو خدمتى شهرا أو تعليمى سورة كذا فى كذا من الوقت (٢). ثم بين صاحب نهاية المحتاج كيفية قبضها فقال: وتقبض بقبض العين الحاضرة ومضى زمن يمكن فيه الوصول للغائبة وتخليتها فى المجلس، لأن القبض فيه بذلك، اذ القبض الحقيقى لما تعذر اكتفى بهذا لأنه الممكن فى قبض المنفعة (٣). ولا يجوز أن يكون رأس المال دينا فى ذمة المسلم اليه، فلو قال: أسلمت اليك المائة التى فى ذمتك مثلا فى كذا لم يصح السلم (٤). والثالث: أن يكون المسلم فيه دينا، فلو قال: أسلمت اليك هذا الثوب، أو دينارا فى ذمتى فى هذا العبد فقبل فليس بسلم قطعا، لانتفاء الدينية ولو أسلم اليه ما ذكر فى سكنى هذه سنة لم يصح، بخلافه فى منفعة نفسه أو قنه أو دابته كما قال الاسنوى والبلقينى وغيرهما. ووجهه أن منفعة العقار لا تثبت فى الذمة بخلاف غيره. ولو قال: اشتريت منك ثوبا صفته كذا بهذه الدراهم، أو بدنانير فى ذمتى فقال بعتك انعقد بيعا اعتبارا باللفظ وهو الأصح هنا كما صححه فى الروضة. وقيل: انعقد سلما نظرا للمعنى واللفظ لا يعارضه، لأن كل سلم بيع، كما أن كل صرف بيع، واطلاق البيع على السلم اطلاق

стр. 2960

له على ما يتناوله، وقد صحح هذا جمع متأخرون، وأطالوا فى الانتصار له. وعلى الأول لا بد من تعيين رأس المال فى المجلس اذا كان فى الذمة ليخرج عن بيع الدين بالدين، ويثبت فيه خيار الشرط ويجوز الاعتياض عنه. وعلى الثانى ينعكس الحكم. أما اذا ذكر لفظ اسم السلم بعده فى هذه الصورة فليس ثمت خلاف لأنه يكون سلما بالاتفاق لمساواة اللفظ المعنى حينئذ (١). وذكر صاحب نهاية المحتاج أن السلم فى الحيوان يقع صحيحا، لثبوته فى الذمة قرضا فى خبر مسلم أن النبى ﷺ اقترض بكرا، الى آخر الحديث. وقيس على القرض السلم، وعلى البكر غير البكر من بقية الحيوان. وروى أبو داود أن النبى ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن يأخذ بعيرا ببعيرين الى أجل وهذا سلم وليس قرضا لما فيه من الأجل والفضل اذ أن القرض لا يقبلهما. وروى أن الحاكم صحح النهى عن السلف فى الحيوان. ورده صاحب نهاية المحتاج فقرر أنه مردود بعدم ثبوته (٢). الرابع: أن يذكر موضع تسليم المسلم فيه اذا كان محل العقد لا يصلح للتسليم سواء كان السلم حالا أو مؤجلا، وسواء كان لحمل المسلم فيه مؤنة أم لا. وكذا يشترط ذكر موضع التسليم اذا كان محل العقد صالحا للتسليم وكان السلم مؤجلا، وهما بمحل يصلح له ولكن لحمل المسلم فيه مؤنة، أما اذا كان محل العقد صالحا للتسليم والسلم حال أو مؤجل ولا مؤنة لحمل ذلك اليه فلا يشترط ما ذكر. ويتعين محل العقد للتسليم للعرف فيه، فان عينا غيره تعين، بخلاف المبيع المعين - حيث يبطل العقد بتعيين غير محل العقد للقبض - لأن السلم لما قبل التأجيل قبل شرطا يقتضى تأخير التسليم ولو خرج المعين للتسليم عن الصلاحية - سواء كان ذلك بخراب أو خوف أو غيرهما - تعين أقرب محل صالح ولو أبعد منه ولا أجرة له فيما يظهر، لاقتضاء العقد له، فهو من تتمة التسليم الواجب، ولا يثبت للمسلم خيار، ولا يجاب المسلم اليه لو طلب الفسخ ورد رأس المال ولو لخلاص ضامن وفك رهن خلافا للبلقينى ومن تبعه. والمراد بمحل العقد - هنا - محلته، لا خصوص محله، ولهذا: لو قال تسلمه لى فى بلد كذا وهى غير كبيرة كفى احضاره فى أولها وان بعد عن منزله، أو قال: تسلمه لى فى أى محل شئت منه صح ما لم تتسع. ومتى اشترط التعيين فتركه لم يصح العقد. وقال ابن الرفعة: ان محل قولهم: السلم الحال يتعين فيه موضع العقد للتسليم مطلقا حيث كان صالحا له، والا كأن أسلم فى كثير من الشعير وهما سائران فى

стр. 2961

البحر، فالظاهر اشتراط التعيين كما هو ظاهر كلام الأئمة وان توقف فيه بعضهم اذ هو ظاهر، وجزم به غيره: لأن من شرط الصحة القدرة على التسليم وهو حال وقد عجز عنه فى الحال وحينئذ فلا فرق بين الحال والمؤجل اذا لم يكن الموضع صالحا فى اشتراط التعيين ويدل عليه كلام الماوردى أيضا (١). الخامس: أن يكون المسلم فيه مقدورا على تسليمه بلا كبير مشقة عند وجوب التسليم، وذلك بالعقد ان كان حالا، وبالحلول ان كان مؤجلا، لأن المعجوز عن تسليمه يمتنع بيعه فيمتنع السلم فيه، فان أسلم فى منقطع عند العقد أو الحلول كرطب فى زمن الشتاء لم يصح، وكذا لو ظن حصوله عند الوجوب لكن بمشقة عظيمة كقدر كثير من الباكورة (٢). وذكر الخطيب أنه لو أسلم مسلم كافرا فى عبد مسلم لم يصح كذلك الا أن يكون العبد المسلم فى يد الكافر، ويكون السلم حالا فانه حينئذ يصح (٣). وروى صاحب نهاية المحتاج: أن المسلم فيه ان كان يوجد ببلد آخر ولو بعيدا صح السلم فيه ان اعتيد نقله الى محل التسليم للبيع، للقدرة عليه حينئذ، وان لم يعتد نقله للبيع ونحوه - بأن كان نقله لذلك نادرا، أو لم ينقل أصلا، أو نقل لنحو هدية - فلا يصح السلم فيه لانتفاء القدرة عليه. ولو أسلم فيما يعم وجوده فانقطع جميعه أو بعضه لجائحة أفسدته - وان وجد ببلد آخر وكان يفسد بنقله أو لا يوجد الا عند من لا يبيعه أصلا أو يبيعه بأكثر من ثمن مثله، أو كان ذلك البلد على مسافة القصر من بلد التسليم فى وقت حلوله وكذا بعده وان كان التأخير لمطله لم ينفسح فى الأظهر، لأن المسلم فيه يتعلق بالذمة فأشبه افلاس المشترى بالثمن. وقيل ينفسخ كما لو تلف المبيع قبل القبض .. ولو وجده يباع بثمن غال ولم يزد على ثمن مثله وجب تحصيله. وفى معنى انقطاعه ما لو غاب المسلم اليه وتعذر الوصول الى الوفاء مع وجود المسلم فيه فيتخير المسلم - ولو مع قول المسلم اليه خذ رأس مالك - بين فسخه فى جميعه دون بعضه المنقطع فقط، وبين الصبر حتى يوجد فيطالبه به دفعا للضرر. وخياره على التراخى، فلو أجاز ثم عن له الفسخ مكن منه، ولو أسقط حقه من الفسخ لم يسقط. ولو علم قبل وقت حلوله انقطاعه فلا خيار قبله، ولا ينفسخ بنفسه حينئذ فى الأصح فيهما، لأنه لم يدخل وقت وجوب التسليم.

стр. 2962

وقيل ينفسخ لتحقق العجز فى الحال (١). السادس: التقدير فيه بما ينفى عنه الغرر، وذلك بأن يكون المسلم فيه معلوم القدر كيلا فيما يكال أو وزنا فيما يوزن، أو عدا فيما يعد - كاللبن والحيوان - أو ذرعا فيما يذرع - للخبر الذى رواه الصحيحان «من أسلف فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم» مع قياس ما ليس فيه بما فيه. على ما جاء فى نهاية المحتاج. ويصح السلم فى المكيل وزنا وعكسه حيث كان الكيل يعد ضابطا فيه كجوز، وما جرمه كجرمه أو أقل، أما ما لا يعد ضابطا فيه لعظم خطره كفتات المسك والعنبر فيتعين وزنه لان يسيره مالية كثيرة. وما علم وزنه بالاستفاضة كالنقد يكفى فيه العد عند العقد، لا عند الاستيفاء بل لا بد من وزنه حينئذ لتحقق الايفاء. ولو أسلم فى مائة ثوب، أو صاع حنطه مثلا على أن وزنها كذا لم يصح، لعزة الوجود، بخلاف الخشب فان زائده ينحت كما نقلاه عن الشيخ أبى حامد وأقراه. ويشترط الوزن فى كل ما لا يضبطه الكيل مثل البطيخ والباذنجان والسفرجل والرمان، لتجافيه فى المكيال ولا يكفى فيها عد، لكثرة تفاوتها، كما لا يصح فيها عد مع وزن لكل واحدة لعزة وجوده، ومن ثم امتنع فى نحو بطيخة أو سفرجلة، أو بيضة واحدة لاحتياجه الى ذكر حجمها مع وزنها، وذلك يعز وجوده، أما لو أراد الوزن التقريبى فالأوجه الصحة حينئذ فى الصورتين لانتفاء عزة الوجود اذ ذاك. وكذا يقال فيما لو جمع فى ثوب بين ذرعه ووزنه (٢). أما لو أسلم فى عدد من البطيخ مثلا كمائة بالوزن فى الجميع دون كل واحدة. فروى عن السبكى أنه حكى فيه الجواز اتفاقا .. وقال فيه صاحب نهاية المحتاج: أنه ممنوع ويجوز السلم فى نحو المشمش كيلا ووزنا وان اختلف نواه كبرا وصغرا (٣). ويجمع فى اللبن - بكسره الباء وهو الطوب الذى لم يحرق - بين العد والوزن استحبابا، فيقول مثلا عشر لبنات زنة كل واحدة منها كذا، لأنها تضرب بالاختبار، فلا تقضى الى عزة الوجود، ووزنه تقريب، والواجب فيه العد، ويشترط أن يذكر طول كل وعرضه وثخانته، وأنه من طين كذا - ولا بد أن لا يعجن بنجس. ولو عين مكيالا أو ميزانا أو ذراعا أو صنجة فسد السلم حالا كان أو مؤجلا أن لم يكن ما عين معتادا ككوز لا يعرف قدر ما يسع، لما فيه من الغرر، لأنه قد يتلف قبل قبض ما فى الذمة فيؤدى الى التنازع، بخلاف بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة - فانه يصح لعدم

стр. 2963

الغرر .. وكذا لو شرط الذرع بذراع يده ولم يكن معلوم القدر فلا يصح، لأنه قد يموت قبل القبض. أما أن كان الكيل الذى عينه معتادا بأن عرف قدر ما يسع فلا يفسد السلم فى الأصح ويلغو تعيينه، لعدم الغرر فيه .. ولو شرط عدم ابداله بطل العقد. ولو أسلم فى قدر معين من ثمر قرية فان كانت القرية صغيرة لم يصح، لأنه قد ينقطع بجائحة ونحوها فلا يحصل منه شئ، وذلك غرر، لا حاجة اليه - وظاهر كلامهم عدم الفرق بين السلم المؤجل والحال وهو كذلك - وأن كانت القرية عظيمة صح السلم فى الاصح - اذ لا ينقطع ثمرها غالبا، فالمدار على كثرة ثمرها بحيث يؤمن انقطاعه عادة، وقلته بحيث لا يؤمن كذلك - لا على كبرها وصغرها، فالتعبير به جرى على الغالب. أما السلم فى كله فغير صحيح. ولو أتى بالأجود من غير تلك القرية أجبر على قبوله فيما يظهر (١). السابع أن تعرف الأوصاف التى تتعلق بالمسلم فيه للمتعاقدين مع عدلين، وهى الأوصاف التى ينضبط المسلم فيه بها، ويختلف بها الغرض اختلافا ظاهرا وليس الأصل عدمها لتقريبه من المعاينة، ولأن القيمة تختلف بسببها، اذ لا يخرج عن الجهل به الا بذلك، بخلاف ما يتسامح عادة باهماله كالكحل والسمن - محركتين - وما الأصل عدمه ككتابة القن، وزيادة قوته على العمل ولو شرط كونه سارقا أو زانيا مثلا صح، بخلاف كونه مغنيا أو عوادا مثلا. والفرق أن هذه مع خطرها تستدعى طبعا قابلا، وصناعة دقيقة، فيعز وجودها مع الصفات المعتبرة، بخلاف الأول. ويشترط ذكر الأوصاف فى العقد مقترنة به ليتميز المعقود عليه، فلا يكفى ذكرها قبله ولا بعده ولو فى مجلس العقد. نعم لو توافقا قبل العقد، وقالا: أردنا فى حالة العقد ما كنا اتفقنا عليه صح، على ما قاله الا سنوى وهو نظير من له بنات، وقال لآخر: زوجتك بنتى ونويا معينة لكن ظاهر كلامهم يخالفه (أى يدل على عدم صحة النكاح). ولا بد من أن تكون معرفة تلك الأوصاف على وجه لا يؤدى الى عزة الوجود، لأن السلم غرر فلا يصح فيما لا يوثق بتسليمه. فيجوز السلم فى المقصور من الثياب، لأنه يمكن أن ينضبط. فان كانت الثياب ملبوسة لم يصح السلم فيها حتى ولو لم تغسل لأن مثلها لا يمكن أن ينضبط. أما الجديد من الثياب مطلقا سواء غسل أو لم يغسل فانه يصح السلم فيه ولو كان قميصا وسراويل، ما دام يمكن أن يحيط بها الوصف. فان لم يمكن احاطة الوصف بها لم يجز. ويجوز أن يسلم فى الكتان لكن بعد أن يدق بأن ينفض من الساس، فيذكر بلده ولونه، وطوله أو قصره، ونعومته،

стр. 2964

أو خشونته، ودقته أو غلظه وعتقه أو حداثته أن اختلف الغرض بذلك. أما أن كان الكتان لم يدق بعد فلا يجوز أن يسلم فيه (١). ويجوز السلم فى قصب السكر وزنا أى فى قشره الأسفل على شريطة أن يقطع أعلاه الذى لا حلاوة فيه كما قاله الامام الشافعى رضى الله تعالى عنه. وأضاف المزنى الى ذلك: أن يقطع مجامع عروقه من أسفل، وصححه صاحب نهاية المحتاج ويطرح ما عليه من قشور (٢). ويصح السلم فى البقول مثل الكرات والثوم والبصل والفجل والسلق والنعناع والهندبا وزنا، فيذكر جنسها ونوعها ولونها وكبرها أو صغرها وبلدها ولا يصح السلم فى السلجم - وهو اللفت - والجزر الا بعد قطع الورق، لأن ورقها غير مقصود (٣). ويصح السلم فى الاشعار والأصواف والأوبار، فيذكر نوع أصله وذكورته أو أنوثته، لأن صوف الاناث أنعم. ويذكر كذلك خشونته وبلده ولونه ووقته، وطوله أو قصره. ووزنه، ولا يقبل الا منقى من بعر ونحوه كشوك. ويجوز أن يشترط غسله. أما القز فلا يصح السلم فيه وفيه دوده سواء كان الدود حيا أو ميتا، لأنه يمنع معرفة وزن القز - فان كان بعد خروج الدود منه، فانه يصح السلم فيه حينئذ ويصح فى أنواع العطر كزعفران، لأنها مما يمكن أن تنضبط فيذكر وصفها من لون ونحوه، ووزنها ونوعها (٤). ويصح السلم فى الاسطال المربعة مثلا والمدورة كما صرح به سليم فى التقريب. وقال الأذرعى: أنه الصواب، واقتضاه كلام الشيخ أبى حامد ولو لم تصب فى قالب، لعدم اختلافها، بخلاف ضيقة الرءوس. ومحل جواز السلم عند اتحاد معدنها، فان خالطه غيره لم يصح على الاطلاق (٥). وذكر صاحب نهاية المحتاج أنه لا يصح السلم فى النحل - بالحاء المهملة - وأن جوزنا بيعه كما بحثه الأذرعى لأنه لا يمكن حصره بعدد ولا كيل ولا وزن (٦). وذكر أبو الضياء أن الظاهر صحة السلم فى النخل - بالخاء المعجمة - لا مكان ضبطه بالطول ونحوه فيذكر مدة نباتها من نحو سنة مثلا. ولا يصح السلم فى التمر المكنوز فى القواصر وهو المعروف بالعجوة، لتعذر استقصاء صفاته المشترطة حينئذ، ولأنه لا يبقى على صفة واحدة غالبا كما نقله

стр. 2965

الماوردى عن الاصحاب وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى (١). وأما الأرز فى قشرته العليا فللشافعية فيه رأيان أحدهما أنه لا يجوز السلم فيه على ما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى اذ لا يعرف حينئذ لونه وصغر حبه أو كبرها لاختلاف قشره خفة ورزانة. وثانيهما: أنه يصح السلم فيه على ما جاء فى فتاوى المصنف كالبحر (٢). وقال صاحب نهاية المحتاج: وبحث بعضهم صحة السلم فى النخالة وجرى عليه ابن الصباغ. وهو ظاهر أن انضبطت بالكيل ولم يكثر تفاوتها فيه بالانكباس وضده (٣). ولا يصح السلم فى العقار لأنه ان عين مكانه فالمعين لا يثبت فى الذمة وان لم يعين مكانه فانه حينئذ يصبح مجهولا. ولا يجوز السلم فى المطبوخ والمشوى وكل ما أثرت فيه النار تأثيرا غير منضبط كالخبز، لاختلاف الغرض باختلاف تأثير النار فيه، ولهذا لو انضبطت ناره أو لطفت صح السلم فيه على المعتمد، ويفارق الربا بضيقه، وذلك كسكر وفانيد - وهو السكر الخام القائم فى أعساله - خلافا لمن زعم تقومه. وكدبس ما لم يخالطه ماء. وكلبأ وصابون لانضباط ناره وقصد أجزائه مع انضباطها وكجعل ونورة وزجاج وماء ورد كما جزم به الماوردى وغيره. ولا يضر تأثير الشمس أو النار فى تمييز سمن أو عسل لعدم اختلافه. ويصح السلم فى الشمع وحكى صاحب نهاية المحتاج: أن الأذرعى قال: والظاهر جوازه فى المسموط، لأن النار لا تعمل فيه عملا له تأثير (٤). هذا وذكر صاحب نهاية المحتاج فى رؤوس الحيوان رأيين للشافعية: الأول: وقال أنه الأظهر - منع السلم فى رؤوس الحيوان، لاشتمالها على أبعاض مختلفة من المناظر والمشافر وغيرهما ويتعذر ضبطها. والثانى: جواز السلم فيها بشرط أن تكون منقاة من الشعر والصوف، وموزونة قياسا على اللحم بعظمه أما اذا لم تنق من الشعر ونحوه فلا يصح السلم فيها جزما. وكذا لا يصح السلم فى الاكارع ولو كانت نيئة منقاة لما فيها من الأبعاض المختلفة (٥). ولا يصح السلم فى مختلفة أجزاؤه كبرمة من نحو حجر معمولة - أى محفورة بالآلة - فان كانت مصبوبة فى قالب صح السلم فيها (٦). ثم قال صاحب نهاية المحتاج: والأسلم أن السلم يجوز فى الأوانى المتخذه من الفخار ثم قال ولعله محمول على غير المعمولة (٧). هذا واذا كان السلم مؤجلا يزاد على ما تقدم شرط ثامن وهو - على ما ذكره

стр. 2966

صاحب نهاية المحتاج. أن يذكر وقت حلول الأجل اذا كان السلم مؤجلا، فيجب أن يذكر العاقد أجلا معلوما والأجل المعلوم ما يعرفه الناس، كشهور العرب أو الفرس أو الروم، لأنها معلومة مضبوطة، ويصح التأقيت بالنيروز وهو نزول الشمس برج الميزان - كما يصح التأقيت بعيد الكفار، مثل فصح النصارى وفطير اليهود أن عرفة المسلمون ولو كانا عدلين منهم أو عرفه المتعاقدان. أما اذا اختص الكفار بمعرفته فلا يصح لعدم اعتماد قولهم، الا اذا كانوا عددا كثيرا يمنع تواطؤهم على الكذب، لحصول العلم بقولهم. وأن أطلق الشهر حمل على الهلالى - وهو ما بين الهلالين - اذ هو عرف الشرع هذا أن وقع العقد أول الشهر فإن انكسر شهر بأن وقع العقد فى أثنائه، وكان التأجيل بشهور حسب الباقى بعد الأول المنكسر بالأهلة وتمم الأول ثلاثين مما بعدها ولا يكفى الشهر المنكسر لئلا يتأخر ابتداء الأجل عن العقد. نعم لو عقدا فى يوم أو ليلة آخر الشهر اكتفى بالأشهر بعده بالأهلة تامة كانت أو ناقصة ولا يتمم الأول مما بعدها، لأنها مضت عربية كوامل (١). هذا وذكر الخطيب أنه أن أطلقت السنة فانها تحمل على السنة الهلالية، دون غيرها لأنها عرف الشرع قال تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢). ولو قالا: الى يوم كذا، أو إلى شهر كذا، أو إلى سنة كذا حل بأول جزء منه. أما أن قالا فى يوم كذا، أو فى شهر كذا أو فى سنة كذا فقد ذكر الشيخ الخظيب أن الأصح عدم صحته (٣). ولو قالا: الى أول شهر كذا، أو الى آخره صح وحمل على الجزء الأول من ذلك لتحقق الاسم به. وحكى الخطيب عن ابن الرفعة أنه لو قال - بعد عيد الفطر -: الى العيد حمل على عيد الأضحى، لأنه العيد الذى يلى العقد (٤). وذكر الرملى أن الأصح صحة تأجيله بالعيد وجمادى وربيع والفطر، ويحمل على الاول من ذلك لتحقق الاسم به، فيحل بأول جزء منه. ومقابل ذلك أنه لا يصح تأجيله بذلك بل يفسد لتردده بين الأول والثانى (٥). واذا كان الأجل غير معلوم فانه لا يصح مثل قوله: الى الحصاد أو الى الميسرة، أو الى قدوم الحاج، وكذا الى أول أو آخر رمضان، لوقوعه على نصفه الأول أو الآخر كله على ما نقلاه عن الاصحاب. لكن قالا: قال الامام والبغوى: ينبغى أن يصح، ويحمل على الجزء الأول من كل نصف كما فى النفر. قال فى الشرح الصغير: وهو الأقوى .. وقال السبكى: أنه الصحيح. ونقله الاذرعى عمن ذكر وغيره عن نص الأم .. وقال إنه الأصح نقلا ودليلا:

стр. 2967

وقال الزركشى أنه المذهب وما عزاه الشيخان للأصحاب تبعا فيه الامام. وقد سوى الشيخ أبو حامد بين الى رمضان، والى غرته، والى هلاله والى أوله (١). واذا اتفق المتبايعان على صحة البيع ثم اختلفا فى أصل الأجل بأن أثبت المشترى الأجل ونفاه البائع، أو اختلفا فى قدره كشهر أو شهرين ولا بينة لأحدهما يعول عليها، فإن كانت لهما بينة لا يعول عليها بأن أقام كل بينة وتعارضتا لإطلاقهما عن التاريخ أو إطلاق أحدهما فقط أو لكونهما أرخا بتارخين مختلفين فأنهما يتحالفان فى هذه الصورة لخبر مسلم اليمين على المدعى عليه وكل منهما مدع ومدعى عليه، فيحلف كل منهما على نفى قول صاحبه واثبات قوله (٢). قال الامام الشافعى رحمه الله تعالى: واذا حل حق السلم فدعاه الذى عليه الحق الى أن يأخذ حقه فامتنع الذى له الحق فعلى الوالى أن يجبره على أخذ حقه، ليبرأ ذو الدين من دينه، ويؤدى اليه ما عليه غير منتقص له بالاداء شيئا، ولا مدخل عليه ضررا الا أن يشاء رب الحق أن يبرئه من حقه بغير شئ يأخذه منه فيبرأ بأبرائه اياه فان دعا المسلم اليه رب السلم إلى أخذ حقه قبل محله وكان حقه ذهبا أو فضة أو نحاسا أو تبرا أو عرضا غير مأكول ولا مشروب ولا ذى روح يحتاج إلى العلف والنفقة جبر على أخذ حقه منه إلا أن يبرئه، لأنه قد جاءه بحقه وزيادة تعجيله قبل محله. ثم قال: ولست انظر فى هذا إلى تغير قيمته، فإن كان يكون فى وقته أكثر قيمة أو أقل. قلت للذى له الحق إن شئت حبسته وقد يكون فى وقت أجله أكثر قيمة منه حين يدفعه أو أقل، قد أخبرنا أن أنس بن مالك كاتب غلاما له على نجوم الى أجل فأراد المكاتب أن يعجلها ليعتق فامتنع أنس من قبولها وقال لا آخذها الا عند محلها فأتى المكاتب عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فذكر ذلك له فقال عمر: أن أنسا يريد الميراث. فكان فى الحديث فأمره عمر بأخذها منه وأعتقه قال الشافعى: وهو يشبه القياس (٣). وجاء فى نهاية المحتاج أنه اذا كان الزمان زمان نهب وأحضر المسلم اليه المسلم فيه قبل محله فان رب السلم لا يلزمه القبول كما يلزمه اذا كان ذلك فى زمن الأمن (٤). فان مات الرجل وله على الناس ديون إلى أجل فهى - على ما قال الشافعى فى الأم - الى أجلها لا تحل بموته. أما أن كانت الديون على الميت الى أجل فانها تحل بموته، وذلك لأنه لما كان غرماء الميت أحق بماله فى حياته، كانوا كذلك أحق بماله بعد وفاته من ورثته فلو تركنا ديونهم إلى حلولها كما ندعها فى الحياة كنا منعنا الميت من أن تبرأ ذمته ومنعنا

стр. 2968

الوارث أن يأخذ الفضل عن دين غريم أبيه (١). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى أن السلم لا يصح الا بشروط ستة زيادة على ما شرط فى البيع. أحدها أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التى يختلف الثمن باختلافها ظاهرا، فيصح فى الحبوب والثمار والدقيق والثياب والابريسم والقطن والكتان والصوف والشعر والكاغد والحديد والرصاص والصغر والنحاس والأدوية والطيب والخلول والأدهان والشحوم والالبان والزئبق والشب والكبريت والكحل وكل مكيل أو موزون أو مزروع وقد جاء الحديث فى الثمار، وحديث ابن أبى أوفى فى الحنطة والشعير والزبيب والزيت. وأجمع أهل العلم على أن السلم فى الطعام جائز. قاله ابن المنذر وأجمعوا على جواز السلم فى الثياب. ويصح السلم فى الخبز واللبأ وما أمكن ضبطه مما مسته النار، لقول النبى ﷺ : من أسلم فليسلم فى كيل معلوم الى آخر الحديث فظاهر هذا أن السلم يباح فى كل مكيل وموزون ومعدود، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان عمل النار فى الخبز واللبأ معلوم فى العادة، يمكن ضبطه بالجفاف والرطوبة فصح السلم فيه كالمجفف فى الشمس (٢). ويصح السلم فى النشاب والنبل لأنه مما يصح بيعه ويمكن ضبطه بالصفات التى لا يتفاوت الثمن معها فى الغالب، فصح السلم فيه كالخشب والقصب، ولأن ما فيه من غيره متميز يمكن ضبطه والاحاطة به ولا يتفاوت كثيرا فلا مبرر لمنع السلم فيه كالثياب المنسوجة من جنسين. وحكى ابن قدامه عن القاضى أنه قال: لا يصح السلم فيهما، لأنه يجمع أخلاطا من خشب وعقب وريش ونصل فجرى مجرى أخلاط الصيادلة ولأن فيه ريشا نجسا لأن ريشه من جوارح الطير (٣). ويصح السلم فى اللحم لقول النبى ﷺ «من أسلم فليسلم فى كيل معلوم … الى آخر الحديث (٤). ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة كالجوهر من اللؤلؤ والياقوت والفيروزج والزبرجد والعقيق والبلور لأن أثمانها تختلف اختلافا متباينا بالصغر والكبر وحسن التدوير (٥). ولا يصح السلم فيما يجمع أخلاطا مقصوده غير متميزة كالغالية والند والمعاجين التى يتداوى بها للجهل بها. ولا يصح فى الحوامل من الحيوان، لأن الولد مجهول غير متحقق.

стр. 2969

ولا يصح السلم فى الأوانى المختلفة الرءوس والأوساط لأن الصفة لا تأتى عليه. وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيه اذا ضبط بارتفاع حائطه ودور أعلاه وأسفله، لأن التفاوت فى ذلك يسير. ولا يصح السلم فى القسى المشتملة على الخشب والقرن والعضب والتوز اذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك وتمييز ما فيه منها. وذكر صاحب المغنى أن هناك قولا بجواز السلم فيها، ولكن الأولى عدم جواز ذلك (١). وذكر ابن قدامه أن القاضى قسم الذى يجمع أخلاطا أربعة أضرب بالنسبة لصحة السلم فيه وعدم صحته. الضرب الأول: مختلط مقصود متميز كالثياب المنسوجة فيصح السلم فيها لأن ضبطها ممكن. الضرب الثانى: ما خلطه لمصلحته وليس بمقصود فى نفسه مثل الأنفحة فى الجبن والملح فى العجين فيصح السلم فيه، لأنه يسير لمصلحته. والضرب الثالث: أخلاط مقصودة غير متميزة كالغالية والند والمعاجين فلا يصح السلم فيها لأن الصفة لا تأتى عليها. والضرب الرابع: ما خلطه غير مقصود ولا مصلحة فيه كاللبن المشوب بالماء فلا يصح السلم فيه (٢) ثم قال فأما اللحم المطبوخ والشواء فقال القاضى لا يصح السلم فيه لأن ذلك يتفاوت كثيرا وعادات الناس فيه مختلفة فلم يمكن ضبطه. وقال بعض أصحابنا يصح السلم فيه لما سبق ذكره فى الخبز واللبأ (٣). واختلفت الرواية فى السلم فى الحيوان فروى أن الثورى وأصحاب الرأى قالوا: بأنه لا يصح السلم فيه معتمدين على ما روى فى ذلك عن عمر وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن جبيرة. فقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أن من الربا أبوابا لا تخفى، وأن منها السلم فى السن هذا الى أن الحيوان يختلف اختلافا متباينا، فلا يمكن ضبطه. وأن استقصى صفاته التى يختلف بها الثمن مثل أزج الحاجبين أكحل العينين، أهدب الاشفار، ألمى الشفه، بديع الصفة تعذر تسليمه لندرة وجوده على هذه الصفة. وظاهر المذهب أنه يصح السلم فيه على ما نص عليه فى رواية الأثرم، لأن أبا رافع قال: استسلف النبى ﷺ من رجل بكرا، ولأن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: أمرنى رسول الله ﷺ أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة الى مجئ الصدقة (٤).

стр. 2970

وكذلك اختلفت الرواية فى غير الحيوان مما لا يكال أو يوزن أو يوقف عليه بحد معلوم لا يختلف كالزرع، فأما الرمان والبيض فلا أرى أن السلم يصح فيه. وذكر صاحب المغنى أن اسماعيل ابن سعيد وابن منصور نقلا جواز السلم فى الفواكه والسفرجل والرمان والموز والخضروات ونحوها، لأن كثيرا من ذلك مما يتقارب وينضبط بالصغر والكبر ثم ان ما لا يتقارب من ذلك كالبقول ونحوها ينضبط بالوزن فيصح السلم فيه كالمزروع (١). وحكى ابن المنذر عن اسحاق أنه لا خير فى السلم فى الرمان والسفرجل والبطيخ والقتاء والخيار، لأنه لا يكال ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير فعلى هذه الرواية لا يصح السلم فى كل معدود مختلف كالذى سميناه وكالبقول، لأنه يختلف ولا يمكن تقدير البقل بالحزم، لأن الحزم يمكن فى الصغير والكبير فلم يصح السلم فيه كالجواهر (٢). وفى الرؤوس والأطراف والجلود مثل ما ذكر من الخلاف فى صحة السلم وعدم صحته فى الحيوان على ما ذكر ابن قدامه (٣). الشرط الثانى: أن يضبطه بصفاته التى يختلف الثمن بها ظاهرا فان المسلم فيه عوض فى الذمة فلا بد من كونه معلوما بالوصف كالثمن. ولأن العلم شرط فى المبيع. وطريق العلم أما الرؤية وأما الوصف. والرؤية ممتنعة ههنا فيتعين الوصف. والأوصاف على ضربين متفق على اشتراطها ومختلف فيها. فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف: الجنس والنوع والجوده والرداءة، فهذه لا بد منها فى كل مسلم فيه، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فى اشتراطها. والضرب الثانى ما يختلف الثمن باختلافه مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه، ونذكرها عند ذكره لأنه يبقى من الأوصاف من اللون والبلد ونحوهما ما يختلف الثمن والغرض لاجله فوجب ذكره كالنوع. ولا يجب استقصاء كل الصفات لأن ذلك يتعذر وقد ينتهى الحال فيها الى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه. اذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التى يختلف الثمن بها ظاهرا. ولو استقصى الصفات حتى انتهى الى حال يندر وجود المسلم فيه بتلك الأوصاف بطل السلم، لأن من شرط السلم أن يكون المسلم فيه عام الوجود عند المحل واستقصاء الصفات يمنع منه. ولو شرط الأجود لم يصح أيضا، لأنه لا يقدر على الأجود، وأن

стр. 2971

قدر عليه كان نادرا. وأن شرط الأردأ احتمل أن لا يصح لذلك واحتمل أن يصح لأنه يقدر على تسليم ما هو خير منه فانه لا يسلم شيئا الا كان خيرا مما شرطه فلا يعجز اذا عن تسليم ما يجب قبوله بخلاف التى قبلها. ولو أسلم فى ثوب على صفة خرقة أحضرها لم يجز، لجواز أن تهلك الخرقة. وهذا غرر ولا حاجة منه فمنع الصحة كما لو شرط مكيالا بعينه أو صنجة بعينها والجنس والجودة أو ما يقوم مقامهما شرطان فى كل مسلم فيه فلا حاجة الى تكرير ذكرهما فى كل مسلم فيه، ويذكر ما سواهما، فيصف التمر بأربعة أوصاف. النوع كبرنى أو معقلى. والبلد أن كان يختلف فيقول بغدادى أو بصرى - فان البغدادى أحلى وأقل بقاء لعذوبة الماء والبصرى بخلاف ذلك - والقدر فيقول كبار أو صغار وحديث أو عتيق فان أطلق العتيق فأى عتيق أعطى جاز ما لم يكن مسوسا ولا حشفا ولا متغيرا وان قال عتيق عام أو عامين فهو على ما قال. فأما اللون فان كان النوع الواحد مختلفا كالطبرز يكون أحمر ويكون أسود ذكره، والا فلا. والرطب كالتمر فى هذه الاوصاف الا الحديث والعتيق، ولا يأخذ من الرطب الا ما أرطب كله، ولا يأخذ منه مشدخا ولا قديما قارب أن يتمر وهكذا ما جرى مجراه من العنب والفواكه. ويصف البر بأربعة أوصاف. النوع فيقول سبيلة أو سلمونى. والبلد فيقول حورانى أو بلقاوى أو سمالى. وصغار الحب أو كباره وحديث أو عتيق. وأن كان النوع الواحد يختلف لونه ذكره، ولا يسلم فيه الا مصفى وكذلك الحكم فى الشعير والقطنيات وسائر الحبوب. ويصف العسل بثلاثة أوصاف. البلد فيجى أو نحوه ويجزئ ذلك عن النوع. والزمان ربيعى أو خريفى أو صيفى واللون أبيض أو أحمر وليس له الا مصفى من الشمع. ولا بد فى الحيوان كله من ذكر النوع والسن والذكورية والأنوثية ويذكر اللون أن كان النوع الواحد يختلف. فأما الابل فيضبطها بأربعة أوصاف. فيقول من نتاج بنى فلان. والسن فيقال: بنت مخاض أو بنت لبون واللون فيقال: بيضاء أو حمراء أو ورقاء وذكر أو أنثى. فان كان النتاج يختلف فيه بين مهرية وأرحبية فهل يحتاج الى ضبط ذلك؟ يحتمل وجهين. وما زاد على هذه الأوصاف لا يفتقر الى ذكره وأن ذكر بعضه كان تأكيدا ولزمه.

стр. 2972

وأوصاف الخيل كأوصاف الابل. وأما البغال والحمير فلا نتاج لها فيجعل مكان ذلك نسبتها الى بلدها. وأما البقر والغنم فان عرف لها نتاج فهى كالابل والا فهى كالحمر. ولا بد من ذكر النوع فى هذه الحيوانات فيقول فى الابل: بختية أو عرابية، وفى الخيل: عربية أو هجين أو برذون وفى الغنم: ضأن أو معز والا الحمر والبغال فلا نوع فيهما. ويذكر فى اللحم: السن والذكورية والانوثية والسمن والهزال وراعيا أو معلوفا، ونوع الحيوان وموضع اللحم منه. ويزيد فى الذكر: فحلا أو خصيا، وان كان من صيد لم يحتج الى ذكر العلف والخصاء، ويذكر الآلة التى يصاد بها من جارحة أو أحبولة، وفى الجارحة يذكر صيد كلب أو فهد أو صقر، فان الاحبولة يؤخذ الصيد منها سليما، وصيد الكلب خير من صيد الفهد، لكون الكلب أطيب الحيوان نكهة قيل لكونه مفتوح الفم فى أكثر الأوقات. والصحيح أن هذا ليس بشرط، لأن التفاوت فيه يسير ولا يكاد الثمن يتباين باختلافه، ولا يعرفه الا القليل من الناس. ويلزم قبول اللحم بعظامه، لأنه هكذا يقطع فهو كالنوى فى التمر. وان كان السلم فى لحم طير لم يحتج الا ذكر الذكورية والانوثية الا أن يختلف بذلك كلحم الدجاج. ولا الى ذكر موضع اللحم الا أن يكون كثيرا يأخذ منه بعضه ولا يلزمه قبول الرأس والساقين لأنه لا لحم عليها. وفى السمك يذكر النوع فيقول بردى أو غيره والكبر والصغر والسمن والهزال، والطرى والملح ولا يقبل الرأس والذنب وله ما بينهما وان كان كثيرا يأخذ بعضه ذكر موضع اللحم منه. ويضبط السمن بالنوع من ضأن أو معز أو بقر. واللون كأبيض أو أصفر. وقال القاضى: ويذكر المرعى، ولا يحتاج الى ذكر حديث أو عتيق، لأن اطلاقه يقتضى الحديث. ولا يصح السلم فى عتيقة لأنه عيب ولا ينتهى الى حد يضبط به. ويصف الزبد بأوصاف السمن، ويزيد زبد يومه أو أمسه، ولا يلزمه قبول متغير فى السمن أو الزبد، ولا رقيق الا أن تكون رقته للحر. ويصف اللبن بالنوع والمرعى ولا يحتاج الى اللون ولا حلبة يومه، لأن اطلاقه يقتضى ذلك ولا يلزمه قبول متغير. ويصف الجبن بالنوع والمرعى ورطب أو يابس. وتضبط الثياب بستة أوصاف منها النوع ككتان أو قطن والبلد، والطول والعرض والصفاقة والرقة والغلظ والدقة، والنعومة والخشونة. ولا يذكر الوزن،

стр. 2973

فان ذكره لم يصح، لتعذر الجمع بين صفاته المشترطة، وكونه على وزن معلوم فيكون فيه تغرير لتعذر اتفاقه. وان ذكر خاما أو مقصورا فله ما شرط وان لم يذكره جاز وله خام لأنه الأصل وان ذكر مغسولا أو لبيسا لم يجز لأن اللبس يختلف ولا ينضبط، فان أسلم فى مصبوغ وكان مما يصبغ غزله جاز لأن ذلك من جملة صفات الثوب، وان كان مما يصبغ بعد نسجه لم يجز، لأن صبغ الثوب يمنع الوقوف على نعومته وخشونته ولأن الصبغ غير معلوم. وان أسلم فى ثوب مختلف الغزول كقطن وابريسم أو قطن وكتان. أو صوف وكانت الغزول مضبوطة بأن يقول: السدى ابريسم واللحمة كتان أو نحوه جاز ولهذا جاز السلم فى الخز وهو من غزلين مختلفين. وان أسلم فى ثوب موشى وكان الوشى من تمام نسجه جاز وان كان زيادة لم يجز، لأنه لا يمكن ضبطه ويصف غزل القطن والكتان بالبلد واللون والغلظ والدقة والنعومة والخشونة، ويصف القطن بذلك ويجعل مكان الغلظ والدقة الطول والقصر وان شرط فى القطن منزوع الحب جاز وان أطلق كان له بحبه كالتمر بنواه ويصف الابريسم بالبلد واللون والغلظ والدقة. ويصف الصويف بالبلد واللون والطول والقصر والزمان خريفى أو ربيعى، لأن صوف الخريف أنظف. قال القاضى: ويصفه بالذكورية والانوثية، لأن صوف الاناث أنعم، ويحتمل أن لا يحتاج الى هذه الصفة، لأن التفاوت فى هذا يسير وعليه تسليمه نقيا من الشوك والبعر وان لم يشترطه وان شرطه جاز وكان تأكيدا. والشعر والوبر كالصوف. ويضبط الكاغد بالطول والعرض والدقة والغلظ واستواء الصنعة وما يختلف به الثمن ويضبط النحاس والرصاص والحديد بالنوع. فيقول فى الرصاص قلعى أو أسرب والنعومة والخشونة واللون ان كان يختلف، ويزيد فى الحديد ذكرا أو أنثى فان الذكر أحد وأمضى. وان أسلم فى الأوانى التى يمكن ضبط قدرها وطولها وسمكها ودورها كالاسطال القائمة الحيطان والطسوت جاز ويضبطها بذلك كله وان أسلم فى قصاع وأقداح من الخشب جاز ويذكر نوع خشبها من جوز أو توت وقدرها فى الصغر والكبر والعمق والضيق والثخانة والرقة وأى عمل؟ وان أسلم فى سيف ضبطه بنوع حديده وطوله وعرضه ورقته وغلظه وبلده وقديم الطبع أو محدث ماض أو غيره ويصف قبضته وجفنه. والخشب على أضرب منه ما يراد للبناء فيذكر نوعه ويبسه ورطوبته وطوله ودوره أو سمكه وعرضه ويلزمه أن يدفع اليه من طرفه الى طرفه بذلك العرض والدور فان كان

стр. 2974

أحد طرفيه أغلظ مما وصف فقد زاده خيرا وان كان أدق لم يلزمه قبوله وان ذكر الوزن أو سمحا جاز وان لم يذكره جاز وله سمح خال من العقد، لأن ذلك عيب وان كان للقسى ذكر هذه الأوصاف وزاد سهليا أو جبليا أو خوطا أو فلقة، فان الجبلى أقوى من السهلى والخوط أقوى من الفلقة ويذكر فيما للوقود الغلظة واليبس والرطوبة والوزن ويذكر فيما للنصب: النوع والغلظ وسائر ما يحتاج الى معرفته ويخرجه من الجهالة. وان أسلم فى النشاب والنبل ضبطه بنوع جنسه وطوله وقصره ودقته وغلظه ولونه وفصله وريشه. والحجارة منها ما هو للأرحية فيضبطها بالدور والثخانة والبلد والنوع ان كان يختلف. ومنها ما هو للبناء فيذكر النوع واللون والقدر والوزن. ويذكر فى حجارة الانية اللون والنوع والقدر واللين والوزن. ويصف البلور بأوصافه، ويصف الآجر واللبن بموضع التربة واللون والدور والثخانة. وان أسلم فى الجص والنورة ذكر اللون والوزن ولا يقبل ما أصابه الماء فجف ولا ما قدم قدما يؤثر فيه ويضبط التراب بمثل ذلك ويقبل الطين الذى قد جف ان كان لا يتأثر بذلك. ويضبط العنبر بلونه والبلد وان شرط قطعة أو قطعتين جاز وان لم يشترط فله أن يعطيه صغارا أو كبارا. وقد قيل ان العنبر نبات يخلقه الله تعالى فى جنبات البحر، ويضبط العود الهندى ببلده وما يعرف به ويضبط المصطكا واللبان والغراء العربى وصمغ الشجر والمسك وسائر ما يجوز السلم فيه بما يختلف به (١). الشرط الثالث: معرفة قدر المسلم فيه بالكيل - ان كان مكيلا - وبالوزن ان كان موزونا - وبالعدد ان كان معدودا وبالذرع ان كان مذروعا لقول النبى ﷺ : «من أسلف فى شئ فليسلف فى كيل معلوم أو وزن معلوم الى أجل معلوم». ولأنه عوض غير مشاهد يثبت فى الذمة فاشترط معرفة قدره كالثمن ولا نعلم فى اعتبار معرفة مقدار السلم فيه خلافا. ويجب أن يقدره بمكيال أو أرطال معلومة عند العامة فان قدره باناء معلوم أو صنجة معينة غير معلومة لم يصح، لأنه يهلك فيتعذر معرفة قدر المسلم فيه، وهذا غرر لا يحتاج اليه العقد. وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم فى الطعام لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره ولا فى ثوب بذرع فلان، لأن المعيار لو تلف أو مات فلان بطل السلم وان عين مكيال

стр. 2975

رجل أو ميزانه وكانا معروفين عند العامة جاز ولم يختص بهما وان لم يعرفا لم يجز. وان أسلم فيما يكال وزنا أو أسلم فيما يوزن كيلا ففيه روايتان. أحداهما لا يصح السلم كما نقل عنه الأثرم فقد قال: سئل أحمد عن السلم فى التمر وزنا فقال: لا الا كيلا قلت: ان الناس ههنا لا يعرفون الكيل. قال وان كانوا لا يعرفون الكيل فعلى هذه الرواية لا يجوز فى المكيل الا كيلا ولا فى الموزون الا وزنا ذكره القاضى وابن أبى موسى، لأنه مبيع يشترط معرفة قدره فلم يجز بغير ما هو مقدر به فى الأصل كبيع الربويات بعضها ببعض ولأنه مقدر بغير ما هو مقدر به فى الاصل فلم يجز كما لو أسلم فى المذروع وزنا. وثانية الروايتين يجوز السلم، فقد نقل المروزى عن أحمد أن السلم يجوز فى اللبن اذا كان كيلا أو وزنا وهذا يدل على أن السلم يباع فى المكيل وزنا وفى الموزون كيلا، لأن اللبن لا يخلو من أن يكون مكيلا أو موزونا وقد أجاز السلم فيه بكل منهما. وهذا أصح ان شاء الله تعالى لأن الغرض معرفة قدره وخروجه من الجهالة وامكان تسليمه من غير تنازع، فبأى قدر قدره جاز ويفارق بيع الربويات، فان التماثل فيها بالكيل فى المكيل والوزن فى الموزون شرط ولا نعلم هذا الشرط اذا قدرها بغير مقدارها الأصلى. اذا ثبت هذا فان الحبوب كلها مكيلة وكذلك التمر والزبيب والفستق والبندق والملح قال القاضى: وكذلك الادهان، وقال فى اللبن والسمن والزبد يجوز السلم فيها كيلا ووزنا ولا يسلم فى اللبأ الا وزنا لأنه يجمد عقيب حلبه، فلا يتحقق الكيل فيه. فان كان المسلم فيه مما لا يمكن وزنه بالميزان لثقله كالارحية والحجارة الكبار يوزن بالسفينة فتترك السفينة فى الماء ثم يترك ذلك فيها فينظر الى أى موضع تغوص فيعلمه، ثم يرفع ويترك مكانه رمل أو حجارة صغار الى أن يبلغ الماء موضعه الذى كان بلغه ثم يوزن بميزان فما بلغ فهو زنة ذلك الشئ الذى أريد معرفة وزنه. ولا بد من تقدير المذروع بالذرع بغير خلاف نعلمه قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز فى الثياب بذرع معلوم. وما عدا المكيل والموزون والحيوان والمذروع فعلى ضربين. معدود وغير معدود، فالمعدود نوعان. أحدهما لا يتباين كثيرا كالجوز والبيض ونحوهما فيسلم فيه عددا، لأن التفاوت يسير ويذهب ذلك باشتراط الكبر أو الصغر أو الوسط فيذهب التفاوت وان بقى شئ يسير عفى عنه كسائر التفاوت فى المكيل والموزون المعفو عنه ويفارق

стр. 2976

البطيخ فانه ليس بمعدود والتفاوت فيه كثير لا ينضبط. النوع الثانى من المعدود ما يتفاوت كثيرا كالرمان والسفرجل والقثاء والخيار فهذا حكمه حكم ما ليس بمعدود من البطيخ والبقول ففيه وجهان أحدهما: يسلم فيه عددا ويضبطه بالصغر والكبر لأنه يباع هكذا. والثانى: لا يسلم فيه الا وزنا لأنه لا يمكن تقديره بالعدد، لأنه يختلف كثيرا ويتباين جدا. ولا يصح أن يسلم فيه بالكيل، لأنه يتجافى فى المكيال، ولا يمكن تقدير البقول بالحزم، لأنه يختلف ويمكن حزم الكبيرة والصغيرة. فلم يمكن تقديره بغير الوزن فتعين تقديره به (١). الشرط الرابع: أن يكون مؤجلا أجلا معلوما له وقع فى الثمن كالشهر ونحوه فلا يصح السلم الحال فقد نص أحمد فى رواية المروزى أنه لا يصح السلم حتى يشترط الأجل لقول النبى ﷺ : من أسلف فى شئ فليسلف فى كيل معلوم أو وزن معلوم الى أجل معلوم فأمر بالأجل وأمره يقتضى الوجوب، ولأنه ﷺ أمر بهذه الأمور تبيينا لشروط السلم ومنعا منه بدونها وكذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن فكذلك الأجل ولأن السلم انما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فاذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، أما الاسم فلأنه يسمى سلما وسلفا لتعجل أحد العوضين وتأخر الآخر، ومعناه أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه. ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت ويفارق تنوع الأعيان، فانها لم تثبت على خلاف الاصل لمعنى يختص بالتأجيل، وما ذكروه من التنبيه غير صحيح، لأن ذلك انما يجزئ فيما اذا كان المعنى المقتضى موجودا فى الفرع بصفة التأكيد، وليس كذلك ههنا، فان البعد من الضرر ليس هو المقتضى لصحة السلم المؤجل، وانما المصحح له شئ آخر لم نذكر اجتماعهما فيه وقد بينا افتراقهما. اذا ثبت هذا فانه ان باعه ما يصح السلم فيه حالا فى الذمة صح ومعناه معنى السلم، وانما افترقا فى اللفظ. ثم أنه (٢) لا بد من أن يكون الاجل معلوما لقول الله ﵎: «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» (٣) وقول النبى ﷺ : «إلى أجل معلوم» ولا نعلم فى اشتراط العلم فى الجملة اختلافا. فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصح أن يؤجله الى الحصاد والجزاز وما أشبهه، لما روى عن ابن

стр. 2977

عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: لا تتبايعوا الى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم. ولأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد، فلا يجوز أن يكون أجلا كقدوم زيد. وعن أحمد رواية أخرى أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أحمد ان كان شئ يعرف مثل العطاء - فأرجو وكذلك إن قال إلى قدوم الغزاة وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء لأن ذلك معلوم فأما نفس العطاء فهو فى نفسه مجهول يختلف ويتقدم ويتأخر ويحتمل أنه أراد نفس العطاء لكونه يتفاوت أيضا فأشبه الحصاد. ثم لا خلاف فى أنه لو جعل الأجل الى الميسرة لم يصح. واذا جعل الأجل إلى شهر تعلق بأوله. وإن جعل الأجل اسما يتناول شيئين مثل جمادى وربيع ويوم النفر تعلق بأولهما. وإن قال: الى ثلاثة أشهر كان إلى انقضائها، لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها، وكذلك لو قال الى شهر كان إلى أخره. وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (١)». وأراد الهلالية وإن كان فى أثناء شهر كملنا شهرين بالهلال وشهرا بالعدد ثلاثين يوما وقيل: تكون الثلاثة كلها عددية. وان قال محله شهر كذا أو يوم كذا صح وتعلق بأوله. وقيل: لا يصح لأنه جعل ذلك ظرفا فيحتمل أوله وآخره. والصحيح الأول (٢). وكذلك لا بد من أن يكون الأجل مدة لها وقع فى الثمن كالشهر وما قاربه، لأن الاجل انما اعتبر ليتحقق الرفق الذى شرع من أجله السلم ولا يحصل ذلك بالمدة التى لا وقع لها فى الثمن، ولأن السلم انما يكون لحاجة المفاليس الذين لهم ثمار أو زروع أو تجارات ينتظرون حصولها ولا تحصل هذه فى المدة اليسيرة. واذا جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية فذلك قسمان: أحدهما ما يعرفه المسلمون وهو بينهم مشهور مثل كانون وشباط أو مثل عيد لا يختلف كالنيروز والمهرجان عند من يعرفهما: فظاهر كلام الخرقى وابن أبى موسى أنه لا يصح، لأنه أسلم الى غير الشهور الهلالية، فأشبه ما اذا أسلم الى الشعانين وعيد الفطير ولأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين.

стр. 2978

وقال القاضى يصح والقسم الثانى ما لا يعرفه المسلمون كعيد الشعانين وعيد الفطير ونحوهما فهذا لا يجوز السلم اليه، لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه، لأن قولهم غير مقبول، ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم لا يعرفه المسلمون. وان أسلم الى ما لا يختلف مثل كانون الأول ولا يعرفه المتعاقدان أو أحدهما لم يصح لأنه مجهول عنده (١). قال ابن قدامة: فان اختلف المسلم والمسلم إليه فى حلول الأجل فالقول قول المسلم اليه لأنه منكر (٢). ولو أن المسلم اليه أتى بالمسلم فيه لرب السلم قبل محله ينظر فيه فان كان فى قبضه قبل محله ضرر ما لكونه مما يتغير كالفواكه، أو كان قديمه دون حديثه كالحبوب لم يلزم المسلم قبوله، لأن له غرضا فى تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه فى ذلك الوقت وكذلك الحيوان، لأنه لا يأمن تلفه فيحتاج إلى الإنفاق عليه إلى ذلك الوقت وربما يحتاج إليه فى ذلك الوقت دون ما قبله، وهكذا إن كان مما يحتاج فى حفظه إلى مؤنة كالقطن ونحوه أو كان الوقت مخوفا يخشى نهب ما يقبضه فلا يلزمه الأخذ فى هذه الأحوال كلها، لأن عليه ضررا فى قبضه ولم يأت محل استحقاقه له فجرى مجرى نقص صفة فيه وإن كان مما لا ضرر فى قبضه بأن يكون لا يتغير كالحديد والرصاص والنحاس فإنه يستوى قديمه وحديثه ونحو ذلك الزيت والعسل ولا فى قبضه ضرر لخوف ولا تحمل مؤنة فعليه قبضه، لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة وتعجيل الدين المؤجل (٣). الشرط الخامس: أن يكون المسلم فيه عام الوجود فى محله. ولا نعلم فيه خلافا، وذلك لأنه اذا كان كذلك أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه، واذا لم يكن عام الوجود لم يكن موجودا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه فلم يصح بيعه كبيع الآبق بل أولى فان السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة فلا يحتمل فيه غرر آخر لئلا يكثر الغرر فيه فلا يجوز أن يسلم فى العنب والرطب الى شباط أو أذار، ولا الى محل لا يعلم وجوده فيه كزمان أول العنب أو آخره الذى لا يوجد فيه الا نادرا فلا يؤمن انقطاعه. ولا يجوز أن يسلم فى ثمرة بستان بعينه ولا قرية صغيرة لكونه لا يؤمن تلفه وانقطاعه. قال ابن المنذر: ابطال السلم اذا أسلم فى ثمرة بستان بعينه كالاجماع من أهل العلم لأنه اذا أسلم فى ثمرة بستان بعينه لم يؤمن انقطاعه وتلفه، فلم يصح، كما لو أسلم فى شئ قدره

стр. 2979

بمكيال معين أو صنجة معينة أو أحضر خرقة وقال أسلمت اليك فى مثل هذه. ولا يشترط كون المسلم فيه موجودا حال السلم بل يجوز أن يسلم فى الرطب فى أوان الشتاء وفى كل يوم يكون معدوما فيه اذا كان موجودا فى المحل، لأن النبى ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلف فليسلف فى كيل معلوم أو وزن معلوم وأجل معلوم». ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطا لذكره ولنهاهم عن السلف سنتين، لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، ولأنه يثبت فى الذمة ويوجد فى محله غالبا، فجاز السلم فيه كالموجود. واذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل - أما لغيبة المسلم اليه. أو عجزه عن التسليم - حتى عدم المسلم فيه، أو لم تحمل الثمار تلك السنة، فالمسلم بالخيار بين أن يصبر الى أن يوجد فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن ان كان موجودا أو بمثله ان كان مثليا والا قيمته. وقيل: ينفسخ العقد بنفس التعذر لكون المسلم فيه من ثمرة العام، بدليل وجوب التسليم منها، فاذا هلكت انفسخ العقد، كما لو باعه قفيزا من صبرة فهلكت. والأول الصحيح، فان العقد قد صح، وانما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى عبدا فأبق قبل القبض، ولا يصح دعوى التعيين فى هذا العام، فانهما لو تراضيا على دفع المسلم فيه من غيرها جاز وانما أجبر على دفعه من ثمرة العام لتمكنه من دفع ما هو بصفة حقه، ولذلك يجب عليه الدفع من ثمرة نفسه اذا وجدها ولم يجد غيرها، وليست متعينة وان تعذر البعض فللمشترى الخيار بين الفسخ فى الكل والرجوع بالثمن وبين أن يصبر الى حين الامكان ويطالب بحقه، فان أحب الفسخ فى المفقود دون الموجود فله ذلك، لأن الفساد طرأ بعد صحة العقد فلا يوجب الفساد فى الكل كما لو باعه صبرتين فتلفت احداهما. وقيل: ليس له الفسخ الا فى الكل أو يصبر. واذا أسلم نصرانى الى نصرانى فى خمر، ثم أسلم أحدهما فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسلم يأخذ دراهمه، لأن الذى أسلم ان كان هو المسلم فليس له استيفاء الخمر، فقد تعذر استيفاء المعقود عليه، وان كل هو المسلم اليه فقد تعذر عليه ايفاؤه فصار الأمر الى رأس ماله (١). الشرط السادس: أن يقبض رأس مال السلم فى مجلس العقد، فان تفرقا قبل ذلك بطل العقد. وان قبض

стр. 2980

بعضه ثم تفرقا فكلام الخرقى يقتضى أن لا يصح، وحكى ذلك عن ابن شبرمة والثورى. وقد روى أبو الخطاب - فى غير المقبوض - روايتين بناء على تفريق الصفقة. وقد نص أحمد فى رواية ابن منصور على أنه اذا أسلم ثلاثمائة درهم فى أصناف شتى، مائة فى حنطة، ومائة فى شعير ومائة فى شئ آخر، فخرج فيها زيوف، رد على الأصناف الثلاثة على كل صنف بقدر ما وجد من الزيوف، فصح العقد فى الباقى بحصته من الثمن. وان قبض الثمن فوجده رديئا فرده والثمن معين بطل العقد برده ويبتدئان عقدا آخر ان أحبا وان كان الثمن فى الذمة فله ابداله فى المجلس. ولا يبطل العقد برده، لأن العقد انما وقع على ثمن سليم فاذا دفع اليه ما ليس بسليم كان له أن يطالبه بالسليم ولا يؤثر قبض المعيب فى العقد. وان خرجت الدراهم مستحقة والثمن معين لم يصح العقد، لأن الثمن اذا كان معينا فقد اشترى بعين مال غيره بغير اذنه، وان كان الثمن غير معين فله أن يطالبه ببدله فى المجلس (١) وذكر صاحب هداية الراغب أنه يصح أن يكون رأس المال فى السلم كل ما يباح الانتفاع به فى كل حال كبغل وحمار ودود قز ونحو ذلك أما اذا كانت اباحة الانتفاع به مقيدة بحال دون حال فانه لا يصح أن يكون رأس مال فى السلم وذلك كالكلب فانه انما يقتنى لصيد أو حراسة أو نحو ذلك (٢). هذه الشروط الستة التى ذكرناها لا يصح السلم الا بها، وهناك شرطان آخران اختلفت الرواية فيهما. أحدهما: معرفة صفة الثمن المعين. ولا خلاف فى اشتراط معرفة صفته اذا كان فى الذمة لأنه أحد عوضى السلم، فاذا لم يكن معينا اشترط معرفة صفته كالمسلم فيه، الا أنه اذا أطلق وفى البلد نقد معين انصرف الاطلاق اليه وقام مقام وصفه. فأما ان كان الثمن معينا فقال القاضى وأبو الخطاب: لا بد من معرفة وصفه، واحتجا بقول أحمد: يقول أسلمت اليك كذا وكذا درهما ويصف الثمن فاعتبر ضبط صفته. لأنه عقد لا يملك اتمامه فى الحال ولا تسليم المعقود عليه. ولا يؤمن انفساخه فوجب معرفة رأس المال فيه ليرد بدله كالقرض والشركة، ولأنه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا فينفسخ العقد فى قدره فلا يدرى فى كم بقى وكم انفسخ.
следующие страницы →