البطيخ فانه ليس بمعدود والتفاوت فيه كثير لا ينضبط.
النوع الثانى من المعدود ما يتفاوت كثيرا كالرمان والسفرجل والقثاء والخيار فهذا حكمه حكم ما ليس بمعدود من البطيخ والبقول ففيه وجهان أحدهما: يسلم فيه عددا ويضبطه بالصغر والكبر لأنه يباع هكذا.
والثانى: لا يسلم فيه الا وزنا لأنه لا يمكن تقديره بالعدد، لأنه يختلف كثيرا ويتباين جدا. ولا يصح أن يسلم فيه بالكيل، لأنه يتجافى فى المكيال، ولا يمكن تقدير البقول بالحزم، لأنه يختلف ويمكن حزم الكبيرة والصغيرة. فلم يمكن تقديره بغير الوزن فتعين تقديره به (١).
الشرط الرابع: أن يكون مؤجلا أجلا معلوما له وقع فى الثمن كالشهر ونحوه فلا يصح السلم الحال فقد نص أحمد فى رواية المروزى أنه لا يصح السلم حتى يشترط الأجل لقول النبى ﷺ : من أسلف فى شئ فليسلف فى كيل معلوم أو وزن معلوم الى أجل معلوم فأمر بالأجل وأمره يقتضى الوجوب، ولأنه ﷺ أمر بهذه الأمور تبيينا لشروط السلم ومنعا منه بدونها وكذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن فكذلك الأجل ولأن السلم انما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فاذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، أما الاسم فلأنه يسمى سلما وسلفا لتعجل أحد العوضين وتأخر الآخر، ومعناه أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه. ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت ويفارق تنوع الأعيان، فانها لم تثبت على خلاف الاصل لمعنى يختص بالتأجيل، وما ذكروه من التنبيه غير صحيح، لأن ذلك انما يجزئ فيما اذا كان المعنى المقتضى موجودا فى الفرع بصفة التأكيد، وليس كذلك ههنا، فان البعد من الضرر ليس هو المقتضى لصحة السلم المؤجل، وانما المصحح له شئ آخر لم نذكر اجتماعهما فيه وقد بينا افتراقهما.
اذا ثبت هذا فانه ان باعه ما يصح السلم فيه حالا فى الذمة صح ومعناه معنى السلم، وانما افترقا فى اللفظ.
ثم أنه (٢) لا بد من أن يكون الاجل معلوما لقول الله ﵎: «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» (٣) وقول النبى ﷺ : «إلى أجل معلوم» ولا نعلم فى اشتراط العلم فى الجملة اختلافا.
فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصح أن يؤجله الى الحصاد والجزاز وما أشبهه، لما روى عن ابن
стр. 2977
عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال:
لا تتبايعوا الى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم. ولأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد، فلا يجوز أن يكون أجلا كقدوم زيد.
وعن أحمد رواية أخرى أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال أحمد ان كان شئ يعرف مثل العطاء - فأرجو وكذلك إن قال إلى قدوم الغزاة وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء لأن ذلك معلوم فأما نفس العطاء فهو فى نفسه مجهول يختلف ويتقدم ويتأخر ويحتمل أنه أراد نفس العطاء لكونه يتفاوت أيضا فأشبه الحصاد.
ثم لا خلاف فى أنه لو جعل الأجل الى الميسرة لم يصح. واذا جعل الأجل إلى شهر تعلق بأوله. وإن جعل الأجل اسما يتناول شيئين مثل جمادى وربيع ويوم النفر تعلق بأولهما.
وإن قال: الى ثلاثة أشهر كان إلى انقضائها، لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها، وكذلك لو قال الى شهر كان إلى أخره. وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (١)».
وأراد الهلالية وإن كان فى أثناء شهر كملنا شهرين بالهلال وشهرا بالعدد ثلاثين يوما وقيل: تكون الثلاثة كلها عددية.
وان قال محله شهر كذا أو يوم كذا صح وتعلق بأوله.
وقيل: لا يصح لأنه جعل ذلك ظرفا فيحتمل أوله وآخره.
والصحيح الأول (٢).
وكذلك لا بد من أن يكون الأجل مدة لها وقع فى الثمن كالشهر وما قاربه، لأن الاجل انما اعتبر ليتحقق الرفق الذى شرع من أجله السلم ولا يحصل ذلك بالمدة التى لا وقع لها فى الثمن، ولأن السلم انما يكون لحاجة المفاليس الذين لهم ثمار أو زروع أو تجارات ينتظرون حصولها ولا تحصل هذه فى المدة اليسيرة.
واذا جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية فذلك قسمان:
أحدهما ما يعرفه المسلمون وهو بينهم مشهور مثل كانون وشباط أو مثل عيد لا يختلف كالنيروز والمهرجان عند من يعرفهما: فظاهر كلام الخرقى وابن أبى موسى أنه لا يصح، لأنه أسلم الى غير الشهور الهلالية، فأشبه ما اذا أسلم الى الشعانين وعيد الفطير ولأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين.
стр. 2978
وقال القاضى يصح
والقسم الثانى ما لا يعرفه المسلمون كعيد الشعانين وعيد الفطير ونحوهما فهذا لا يجوز السلم اليه، لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه، لأن قولهم غير مقبول، ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم لا يعرفه المسلمون.
وان أسلم الى ما لا يختلف مثل كانون الأول ولا يعرفه المتعاقدان أو أحدهما لم يصح لأنه مجهول عنده (١).
قال ابن قدامة: فان اختلف المسلم والمسلم إليه فى حلول الأجل فالقول قول المسلم اليه لأنه منكر (٢).
ولو أن المسلم اليه أتى بالمسلم فيه لرب السلم قبل محله ينظر فيه فان كان فى قبضه قبل محله ضرر ما لكونه مما يتغير كالفواكه، أو كان قديمه دون حديثه كالحبوب لم يلزم المسلم قبوله، لأن له غرضا فى تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه فى ذلك الوقت وكذلك الحيوان، لأنه لا يأمن تلفه فيحتاج إلى الإنفاق عليه إلى ذلك الوقت وربما يحتاج إليه فى ذلك الوقت دون ما قبله، وهكذا إن كان مما يحتاج فى حفظه إلى مؤنة كالقطن ونحوه أو كان الوقت مخوفا يخشى نهب ما يقبضه فلا يلزمه الأخذ فى هذه الأحوال كلها، لأن عليه ضررا فى قبضه ولم يأت محل استحقاقه له فجرى مجرى نقص صفة فيه وإن كان مما لا ضرر فى قبضه بأن يكون لا يتغير كالحديد والرصاص والنحاس فإنه يستوى قديمه وحديثه ونحو ذلك الزيت والعسل ولا فى قبضه ضرر لخوف ولا تحمل مؤنة فعليه قبضه، لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة وتعجيل الدين المؤجل (٣).
الشرط الخامس: أن يكون المسلم فيه عام الوجود فى محله. ولا نعلم فيه خلافا، وذلك لأنه اذا كان كذلك أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه، واذا لم يكن عام الوجود لم يكن موجودا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه فلم يصح بيعه كبيع الآبق بل أولى فان السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة فلا يحتمل فيه غرر آخر لئلا يكثر الغرر فيه فلا يجوز أن يسلم فى العنب والرطب الى شباط أو أذار، ولا الى محل لا يعلم وجوده فيه كزمان أول العنب أو آخره الذى لا يوجد فيه الا نادرا فلا يؤمن انقطاعه.
ولا يجوز أن يسلم فى ثمرة بستان بعينه ولا قرية صغيرة لكونه لا يؤمن تلفه وانقطاعه. قال ابن المنذر: ابطال السلم اذا أسلم فى ثمرة بستان بعينه كالاجماع من أهل العلم لأنه اذا أسلم فى ثمرة بستان بعينه لم يؤمن انقطاعه وتلفه، فلم يصح، كما لو أسلم فى شئ قدره
стр. 2979
بمكيال معين أو صنجة معينة أو أحضر خرقة وقال أسلمت اليك فى مثل هذه.
ولا يشترط كون المسلم فيه موجودا حال السلم بل يجوز أن يسلم فى الرطب فى أوان الشتاء وفى كل يوم يكون معدوما فيه اذا كان موجودا فى المحل، لأن النبى ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين فقال:
«من أسلف فليسلف فى كيل معلوم أو وزن معلوم وأجل معلوم». ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطا لذكره ولنهاهم عن السلف سنتين، لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، ولأنه يثبت فى الذمة ويوجد فى محله غالبا، فجاز السلم فيه كالموجود.
واذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل - أما لغيبة المسلم اليه. أو عجزه عن التسليم - حتى عدم المسلم فيه، أو لم تحمل الثمار تلك السنة، فالمسلم بالخيار بين أن يصبر الى أن يوجد فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن ان كان موجودا أو بمثله ان كان مثليا والا قيمته.
وقيل: ينفسخ العقد بنفس التعذر لكون المسلم فيه من ثمرة العام، بدليل وجوب التسليم منها، فاذا هلكت انفسخ العقد، كما لو باعه قفيزا من صبرة فهلكت.
والأول الصحيح، فان العقد قد صح، وانما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى عبدا فأبق قبل القبض، ولا يصح دعوى التعيين فى هذا العام، فانهما لو تراضيا على دفع المسلم فيه من غيرها جاز وانما أجبر على دفعه من ثمرة العام لتمكنه من دفع ما هو بصفة حقه، ولذلك يجب عليه الدفع من ثمرة نفسه اذا وجدها ولم يجد غيرها، وليست متعينة وان تعذر البعض فللمشترى الخيار بين الفسخ فى الكل والرجوع بالثمن وبين أن يصبر الى حين الامكان ويطالب بحقه، فان أحب الفسخ فى المفقود دون الموجود فله ذلك، لأن الفساد طرأ بعد صحة العقد فلا يوجب الفساد فى الكل كما لو باعه صبرتين فتلفت احداهما.
وقيل: ليس له الفسخ الا فى الكل أو يصبر.
واذا أسلم نصرانى الى نصرانى فى خمر، ثم أسلم أحدهما فقال ابن المنذر:
أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسلم يأخذ دراهمه، لأن الذى أسلم ان كان هو المسلم فليس له استيفاء الخمر، فقد تعذر استيفاء المعقود عليه، وان كل هو المسلم اليه فقد تعذر عليه ايفاؤه فصار الأمر الى رأس ماله (١).
الشرط السادس: أن يقبض رأس مال السلم فى مجلس العقد، فان تفرقا قبل ذلك بطل العقد. وان قبض
стр. 2980
بعضه ثم تفرقا فكلام الخرقى يقتضى أن لا يصح، وحكى ذلك عن ابن شبرمة والثورى.
وقد روى أبو الخطاب - فى غير المقبوض - روايتين بناء على تفريق الصفقة.
وقد نص أحمد فى رواية ابن منصور على أنه اذا أسلم ثلاثمائة درهم فى أصناف شتى، مائة فى حنطة، ومائة فى شعير ومائة فى شئ آخر، فخرج فيها زيوف، رد على الأصناف الثلاثة على كل صنف بقدر ما وجد من الزيوف، فصح العقد فى الباقى بحصته من الثمن.
وان قبض الثمن فوجده رديئا فرده والثمن معين بطل العقد برده ويبتدئان عقدا آخر ان أحبا وان كان الثمن فى الذمة فله ابداله فى المجلس. ولا يبطل العقد برده، لأن العقد انما وقع على ثمن سليم فاذا دفع اليه ما ليس بسليم كان له أن يطالبه بالسليم ولا يؤثر قبض المعيب فى العقد.
وان خرجت الدراهم مستحقة والثمن معين لم يصح العقد، لأن الثمن اذا كان معينا فقد اشترى بعين مال غيره بغير اذنه، وان كان الثمن غير معين فله أن يطالبه ببدله فى المجلس (١) وذكر صاحب هداية الراغب أنه يصح أن يكون رأس المال فى السلم كل ما يباح الانتفاع به فى كل حال كبغل وحمار ودود قز ونحو ذلك أما اذا كانت اباحة الانتفاع به مقيدة بحال دون حال فانه لا يصح أن يكون رأس مال فى السلم وذلك كالكلب فانه انما يقتنى لصيد أو حراسة أو نحو ذلك (٢).
هذه الشروط الستة التى ذكرناها لا يصح السلم الا بها، وهناك شرطان آخران اختلفت الرواية فيهما.
أحدهما: معرفة صفة الثمن المعين. ولا خلاف فى اشتراط معرفة صفته اذا كان فى الذمة لأنه أحد عوضى السلم، فاذا لم يكن معينا اشترط معرفة صفته كالمسلم فيه، الا أنه اذا أطلق وفى البلد نقد معين انصرف الاطلاق اليه وقام مقام وصفه.
فأما ان كان الثمن معينا فقال القاضى وأبو الخطاب: لا بد من معرفة وصفه، واحتجا بقول أحمد: يقول أسلمت اليك كذا وكذا درهما ويصف الثمن فاعتبر ضبط صفته. لأنه عقد لا يملك اتمامه فى الحال ولا تسليم المعقود عليه. ولا يؤمن انفساخه فوجب معرفة رأس المال فيه ليرد بدله كالقرض والشركة، ولأنه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا فينفسخ العقد فى قدره فلا يدرى فى كم بقى وكم انفسخ.
стр. 2981
وظاهر كلام الخرقى أنه لا يشترط، لأنه ذكر شرائط السلم ولم يذكره (١).
الشرط الثانى المختلف فيه: تعيين مكان الايفاء. قال القاضى: ليس بشرط، وحكاه ابن المنذر عن أحمد واسحاق وطائفة من أهل الحديث، لقول النبى ﷺ : «من أسلم فليسلم فى كيل معلوم أو وزن معلوم الى أجل معلوم» ولم يذكر مكان الايفاء، فدل على أنه لا يشترط.
وفى الحديث الذى فيه أن اليهودى أسلم إلى النبى ﷺ فقال النبى ﷺ : «أما من حائط بنى فلان فلا ولكن كيل مسمى الى أجل مسمى» ولم يذكر مكان الايفاء ولأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه ذكر مكان الايفاء كبيوع الاعيان.
وقال الثورى: يشترط ذكر مكان الايفاء، لأن القبض يجب بحلوله. ولا يعلم موضعه حينئذ فيجب شرطه لئلا يكون مجهولا.
وقال ابن أبى موسى: ان كانا فى برية لزم أن يذكر مكان الايفاء وان لم يكونا فى برية فذكر مكان الايفاء حسن، وان لم يذكراه كان الايفاء فى مكان العقد، لأنه متى كانا فى برية لم يمكن التسليم فى مكان العقد فاذا ترك ذكره كان مجهولا، وان لم يكونا فى برية اقتضى العقد التسليم فى مكانه فاكتفى بذلك عن ذكره، فان ذكره كان تأكيدا فكان حسنا فان شرط الايفاء فى مكان سواه صح، لأنه عقد بيع فصح شرط ذكر الايفاء فى غير مكانه كبيوع الاعيان، ولأنه شرط ذكر مكان الايفاء فصح كما لو ذكره فى مكان العقد.
وذكر ابن أبى موسى رواية أخرى تقول بأنه لا يصح، لأنه شرط خلاف ما اقتضاه العقد، لأن العقد يقتضى الايفاء فى مكانه.
وقال القاضى وأبو الخطاب: متى ذكر مكان الايفاء ففيه روايتان سواء شرطه فى مكان العقد أو فى غيره، لأن فيه غررا، لأنه ربما تعذر تسليمه فى ذلك المكان فأشبه تعيين المكيال واختاره أبو بكر وهذا لا يصح فان فى تعيين المكان غرضا ومصلحة لهما فأشبه تعيين الزمان وما ذكروه من احتمال تعذر التسليم فيه يبطل بتعيين الزمان، ثم لا يخلو اما أن يكون مقتضى العقد التسليم فى مكانه فاذا شرطه فقد شرط مقتضى العقد، أو لا يكون ذلك مقتضى العقد فيتعين ذكر مكان الايفاء نفيا للجهالة عنه وقطعا للتنازع فالغرر فى تركه لا فى ذكره، وفارق تعيين المكيال فانه لا حاجة اليه، ويفوت به علم المقدار المشترط لصحة العقد، ويفضى الى التنازع وفى مسألتنا لا يفوت به شرط ويقطع التنازع فالمعنى المانع من التقدير بمكيال بعينه مجهول هو المقتضى لشرط مكان الايفاء فكيف يصح قياسهم عليه (٢)؟
стр. 2982
مذهب الظاهرية:
ذكر ابن حزم فى المحلى أنه لا بد لصحة عقد السلم من شروط.
الاول: أن يقبض رأس مال السلم جميعه فى مجلس العقد، فلا يجوز أن يكون الثمن فى السلم الا مقبوضا، فان تفرقا قبل تمام قبض جميعه بطلت الصفقة كلها، لأن رسول الله ﷺ أمر بأن يسلف فى كيل معلوم أو وزن معلوم الى أجل معلوم، والتسليف فى اللغة التى بها خاطبنا النبى ﷺ هو أن يعطى شيئا فى شئ فمن لم يدفع ما أسلف فلم يسلف شيئا لكن وعد بأن يسلف.
فلو دفع البعض دون البعض سواء أكثره أو أقله فهى صفقة واحدة وعقد واحد، وكل عقد واحد جمع فاسدا وجائزا فهو كله فاسد، لأن العقد لا يتبعض والتراضى منهما لم يقع حين العقد الا على الجميع لا على البعض دون البعض، فلا يحل الزامهما ما لم يتراضيا جميعا عليه، فهو أكل مال بالباطل، لا عن تراض، والسلم - وان لم يكن بيعا فهو دين تدايناه الى أجل مسمى وتجارة فلا يجوز أن يكون الا عن تراض (١).
فان وجد بالثمن المقبوض عيبا، فان كان اشترط السلامة بطلت الصفقة كلها، لأن الذى أعطى غير الذى عقد عليه فصار عقد سلم لم يقبض ثمنه، فان كان لم يشترط السلامة فهو مخير بين أن يحبس ما أخذ ولا شئ له غيره أو يرد وتنتقض الصفقة كلها، لأنه ان رد المعيب صار سلما لم يستوف ثمنه فهو باطل (٢).
وذكر ابن حزم أنه يصح أن يكون رأس مال السلم عرضا، فأجاز أن يسلمه صاحبه فى الدنانير والدراهم، كما أجاز أن يكون الحيوان الذى يصح تملكه وتمليكه رأس مال فى السلم سواء جاز بيعه أو لم يجز فيجوز أن يسلم مثل هذا الحيوان فى لحم من صنفه ان كان يحل أكل لحمه، أو فى لحم من غير صنفه.
ويجوز أن يجعل البر رأس مال السلم فى دقيق البر، والعكس أما الزرع أى زرع كان فلا يصح أن يكون رأس مال فى السلم فى القمح.
الثانى من شروط صحته: أن لا يشترطا فى السلم أن يدفع المسلم فيه فى مكان بعينه فان فعلا فالصفقة كلها فاسدة - وكلما قلنا أو نقول: انه فاسد فهو مفسوخ أبدا محكوم فيه بحكم الغصب - والدليل على أن ذلك لا يجوز أنه شرط ليس فى كتاب الله تعالى وقد قال رسول الله ﷺ :
«كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط» لكن حق السلم قبل المسلم اليه، فحيث ما لقيه عند محل الأجل فله أخذه يدفع حقه اليه فان غاب أنصفه الحاكم من ماله ان وجد
стр. 2983
له، لقول الله ﵎: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (١).
فهو مأمور بأداء أمانته حيث وجبت عليه ويسألها (٢).
الثالث من الشروط أن يكون السلم الى أجل مسمى لما روى من طريق أحمد بن شعيب عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال من أسلف سلفا فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. «ففى هذا ايجاب الأجل المعلوم، وقد صح أن النبى ﷺ نهى عن بيع الغرر وعن بيع ما ليس عند الانسان فصح ما قلنا نصا (٣).
والمراد بالأجل فى السلم ما وقع عليه اسم أجل كما أمر رسول الله ﷺ . ولم يحد أجلا من أجل «وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٤). وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى (٥) لتبين للناس ما نزل اليهم (٦) فالأجل ساعة فما فوقها (٧).
فان أراد الذى عليه الدين المؤجل أن يعجله قبل أجله بما قل أو كثر لم يجبر الذى له الحق على قبوله أصلا وكذا لو أراد الذى له الحق أن يتعجل قبض دينه قبل أجله بما قل أو كثر لم يجز أن يجبر الذى عليه الحق على أدائه سواء فى كل ذلك الدنانير والدراهم والطعام كله والعروض كلها والحيوان فلو تراضيا على تعجيل الدين أو بعضه قبل حلول أجله أو على تأخيره بعد حلول أجله أو بعضه جاز ذلك كله، وهو قول أبى سليمان وأصحابنا، واستدل على ذلك بأن شرط الأجل قد صح بالقرآن والسنة فلا يجوز إبطال ما صححه الله تعالى (٨).
الرابع من الشروط: أن يصف ما يسلم فيه وصفا يمكن به أن ينضبط، لأنه ان لم يفعل ذلك كان تجارة عن غير تراض، اذ لا يدرى المسلم ما يعطيه المسلم اليه، ولا يدرى المسلم اليه ما يأخذه منه المسلم فهو أكل مال بالباطل، والتراضى لا يجوز ولا يمكن الا فى معلوم (٩).
الخامس من الشروط: أن يكون المسلم فيه معلوم المقدار، فلو أسلم فى صنفين ولم يبين مقدار كل صنف منهما فهو باطل مفسوخ، مثل أن يسلم فى قفيزين من قمح وشعير، لأنه
стр. 2984
لا يدرى كم يكون منهما قمحا وكم يكون شعيرا ولا يجوز القطع بأنهما نصفان، لأنه لا دليل على ذلك، ولو أسلم اثنان الى واحد فهو جائز والسلم بينهما على قدر حصتهما فى الثمن الذى يدفعان لأن الذى أسلما فيه انما هو بازاء الثمن بلا خلاف. فلو أسلم واحد الى اثنين صفقة واحدة فهما فيما قبضا سواء، لأنهما شريكان فيه وأخذاه معا فلا يجوز أن يتفاضلا فيه الا بأن يتبين عند العقد أن لهذا ثلثه ولهذا ثلثيه أو كما يتفقون (١).
قال ابن حزم: والسلم جائز فى الدنانير والدراهم اذا سلم فيهما عرضا، لأنهما وزن معلوم، فهو حلال بنص كلام النبى ﷺ ، ومن السلم الجائز أن يسلم الحيوان الذى يجوز تملكه وتمليكه وان لم يجز بيعه أو جاز بيعه فى لحم من صنفه ان كان يحل أكل لحمه، أو فى لحم من غير صنفه كتسليم عبد أو أمة أو كلب أو كبش أو ابل، أو غير ذلك كله فى لحم كبش أو لحم ثور أو غير ذلك، لأنه كله سلف فى وزن معلوم الى أجل معلوم ولا يجوز السلف فى الحيوان أصلا، لأنه ليس يكال ولا يوزن. وجائز أن يسلم البر فى دقيق البر، ودقيق البر فى البر متفاضلا وكيف أحبا. وكل شئ حاشا ما بينا فى كتاب الربا وهو الذهب فى الفضة أو الفضة فى الذهب فلا يحل أصلا، أو التمر والشعير والبر والملح، فلا يجل أن يسلف صنف منها لا فى صنفه ولا فى غير صنفه منها خاصة، وكلها يسلف فيما ليس منها من المكيلات والموزونات. وحاشا الزرع أى زرع كان، فلا يجوز تسليخه فى القمح أصلا. وحاشا العنب والزبيب فلا يجوز تسليف أحدهما فى الآخر كيلا ويجوز تسليف كل واحد منهما فى الآخر وزنا (٢).
السادس من الشروط: أن يكون المسلم فيه مما يوجد حين حلول أجله سواء كان ذلك لا يوجد حين عقد السلم أو يوجد وسواء كان عند المسلم اليه من المسلم فيه شئ أو لم يكن، لأن رسول الله ﷺ أمر بالسلم وبين فى الكيل وفى الوزن والى أجل فلو كان كون السلم فى الشئ لا يجوز الا فى حال وجوده أو الى من عنده ما أسلم اليه فيه لما أغفل ﷺ بيان ذلك حتى يكلنا الى غيره.
وأما السلم فيما لا يوجد حين حلول أجله فهو تكليف ما لا يطاق وهذا باطل قال الله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها ٣». فهو عقد على باطل فهو باطل (٤).
стр. 2985
السابع من الشروط: أن لا يشترط الكفيل فى السلم، فاشتراط الكفيل فى السلم يفسد به السلم، لأنه شرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو باطل (١).
مذهب الزيدية:
ذكر صاحب التاج المذهب أن عقد السلم لا يصح الا بشروط خمسة هى:
الشرط الأول: ذكر قدر المسلم فيه بالكيل والوزن، فيقول: كذا وكذا صاعا مثلا أو كذا وكذا رطلا ولا بد أيضا من ذكر جنسه فيقول: كذا وكذا برا أو شعيرا أو نحو ذلك.
ولا بد أيضا من ذكر نوعه اذا كان له نوع فيقول: كذا وكذا سمن بقر أو ضأن أو ما عز ونحو ذلك وما ليس له نوع فيكفى فيه ذكر ما عدا النوع.
ولا بد أيضا من ذكر الصفة ولكن لا يعتبر من الصفات الا ما يكون مقصودا للمنفعة وتختلف به القيمة ويكفى عند تسليمه ما يقع عليه ذلك الاسم كرطب أى اذا أسلم فى تمر مثلا فلا بد من أن تذكر صفته بأنه رطب أو يابس ونحو ذلك.
ولا بد من ذكر مدته بأنه مما قد مضى عليه أسبوع أو شهر أو عام أو نحو ذلك اذا كان لتلك المدة اعتبار فى قيمته.
فاذا كان المسلم فيه مما له طول وعرض ورقة وغلظه بينت هذه الأشياء مع ذكر الجنس فاذا كانت هذه الأشياء مقصودة بحيث يتعلق الغرض بها، وتختلف القيمة تبعا لاعتبارها أو لعدم اعتبارها - فلا بد من بيانها وذلك كالخشب والثياب والبسط. ونحو ذلك.
ويلزم فى المسلم فيه أيضا أن يذكر مقدار كيل المثلى المكيل عند العقد، ويذكر المقدار بالوزن فيما عدا المثلى المكيل ولو كان ما عداه مما لا يوزن فى العادة نحو أن يكون آجرا أو حشيشا أو أحجارا أو غير ذلك، فلا بد من ذكر مقداره بالوزن غير أنه يجوز ترك الوزن عند التسليم اذا تراضيا، فان تشاجرا وزن ولا يكفى ذكر الوزن بل لا بد من ذكر الأوصاف المقصودة كما تقدم (٢).
ولا يصح السلم فيما يعظم تفاوته كالحيوان وكذا الجواهر واللآلئ والفصوص، لأن ضبط هذه الأشياء لا يمكن ولعدم امكان ضبطها يصير
стр. 2986
المسلم فيه مجهولا وجهالته تمنع من صحة السلم. ومثل ذلك فى عدم صحة السلم فيها الجلود، لاختلافها وكثرة التفاوت فيها. ولا يصح السلم فى شئ لا ينقل كالدور والعقار كما أنه لا يصح السلم فى المنفعة مثل تعليم القرآن (١) أما الذهب والفضة فلا يصح أن يسلم فيهما ولو كان بالوزن، لأنهما أثمان لكل شئ (٢).
الشرط الثانى: أما الشرط الثانى فهو معرفة امكانه عند الحلول أى يعرف أن المسلم اليه يتمكن من المسلم فيه عند حلول الأجل، ويكفى عند العقد أن يعلم أحدهما، أو يظن من جهة العادة أن الشئ المسلم فيه يمكن تحصيله عند حصول الأجل المضروب .. أما اذا لم يعرف ذلك عند العقد، كأن أسلم آخر الشتاء فى رطل عنب، والأجل ثلاثة أيام لم يصح السلم.
ولا يصح السلم فى عين فى ملك المسلم اليه ولو كانت غائبة عن المجلس لأنه يكون حينئذ بيعا لا سلما. فلو عين من المقادير أو من المسلم فيه ما يقدر تعذره عادة عند التسليم كنسج محلة أو مكيالها أو ميزانها بطل العقد اذا ظن عند العقد تعذر ذلك عند التسليم، فلا يصح أن يعين ذراع رجل معين ولا ميزانه ولا مكياله ولا نسجه اذا لم يكن فى الناحية مثله، ولا ثمر شجرة معينة ولا فاكهة بستان معين ولا حنطة مزرعة معينة لجواز تعذر ذلك. اما اذا كان لمكيال المحلة أو لميزانها عيار موجود فى الناحية فانه يصح حينئذ أن يعين مكيال تلك المحلة أو ميزانها. وكذا لو كانت المحلة بلدة كبيرة بحيث لا يجوز جلاء أهلها عنها فى العادة كصنعاء اليمن وزبيد ونحوها فيصح.
واذا شرط فى المسلم فيه أن يكون من أجود ما يوجد أو من أردأ ما يوجد فانه لا يصح، لأن ذلك مجهول، اذ ما من شئ الا ويقال: غيره خير منه أو دونه. فان قيد ذلك بأجود ما يوجد فى البلد الفلانى صح اذا كان البلد صغيرا يمكن ضبط أجود ما يوجد فيه (٣).
الشرط الثالث من شروط صحة السلم:
هو أنه يلزم قبض الثمن فى مجلس العقد قبل التفرق، ولا يكفى التخلية، بل لا بد من القبض تحقيقا. فلو كان على
стр. 2987
المسلم اليه دين لم يصح أن يجعل رأس مال للسلم الا بعد أن يقبضه منه من له الدين، ثم يعطيه أو يوكل المسلم اليه بقبضه له من نفسه قبل أن يتفرقا. ولا بد من النقل لأن اليد لا تكون قبضا. وكذا لو كان عنده وديعة - ولو مضمونة - لم يصح جعلها رأس مال للسلم ولو كانت حاضرة الا أن يقبضها المالك، ثم يقبضها المسلم اليه قبل التفرق. ولا بد فى قبضها من النقل لأن اليد لا تكون قبضا.
وتصح الاحالة بالثمن اذا سلم فى المجلس بأن يحيل المسلم المسلم اليه على غريمه لا أن يحيل المسلم اليه غريما على المسلم بقبض رأس المال، اذ هو تصرف قبل القبض.
ولا بد أيضا من أن يكون الثمن معلوما حال العقد جملة أو تفصيلا. والمراد بالجملة الجزاف. ولو لم يفصل من بعد. نحو أن يسلم عشرين درهما فى قفيز من البر وقفيز من الشعير فانه يصح ولو لم يبين ثمن كل واحد منهما.
فلو عدم أحدهما قسم الثمن على قدر القيمة وما عدم رد حصته من الثمن وما وجد صح السلم فيه بحصته من الثمن (١).
جاء فى التاج المذهب لأحكام المذهب أنه يصح السلم بكل مال، فيجوز أن يكون رأس المال نقدا، ويجوز أن يكون غير نقد ويجوز أن يكون غير النقد مثليا أو قيميا، وأن يكون حيوانا أو غير حيوان، وأن يكون منقولا أو غير منقول كالثمن فى البيع.
أما المنفعة فانها لا تصح أن تكون رأس مال السلم بخلافها فى البيع اذ يصح أن تكون ثمنا (٢).
الشرط الرابع من شروط صحة السلم:
هو الأجل المعلوم، فلا يصح معجلا لأنه يكون بيعا بلفظ السلم وهو لا يجوز (٣).
فان اختلف المتعاقدان فى الأجل فالمذهب أن القول للمسلم اليه، اذ هو الظاهر (٤).
ولو طلب رب السلم من المسلم اليه أن يعجل له المسلم فيه على أن يحط عنه كذا ففعل من غير شرط فى العقد صح اجماعا - على ما ذكره صاحب البحر الزخار - اذ لا مانع، اما اذا كان مع الشرط فانه لا يصح اذ يقتضى بيع الأجل فيكون كالزيادة فى الحق، لأجل الزيادة فى الأجل وهو باطل.
стр. 2988
ونقل عن الهادى وأبى طالب أنهما ممن قالوا بذلك.
وعن العباس والمؤيد بالله والإمام يحيى أنه يصح مع الشرط إذ الحط يلحق العقد وإذا جاز منفردا جاز مشروطا.
وقال صاحب البحر: أنه الأقرب، إذ الشرط لا يقتضى الربا ولا يشبهه. ثم قال: فأما الزيادة فى الحق ليزيد فى الأجل فمحرمة إجماعا، لأنه ربا الجاهلية (١).
ولا يصح مؤجلا بأجل مجهول .. وكذا لو قال: الى أجل كذا ان وجد فيه (أى المسلم فيه) والا فالى أجل كذا.
فان ذلك السلم لا يصح لعدم العلم فى أى وقت سيكون التسليم. وما علق من الآجال كلها بوقت غير معلوم، كالصيف والخريف والشتاء والسراب، ومجئ القافلة ونحو ذلك كان السلم به باطلا ويفسد البيع الذى شرط فيه.
هذا وأقل زمن للأجل ثلاثة أيام، فلا يصح أن يكون الأجل أقل من ثلاثة اما أكثر الأجل فلا حد له.
ومن أسلم فى شئ كان أجله الى رأس ما هو فيه من اسبوع أو شهر أو سنة وجب أن يكون لآخره أى اذا أجله الى رأس الشهر الذى قد دخل بعضه فانه يجب أن يكون لآخره .. وكذا فى الأسبوع والسنة حيث كان الباقى من ذلك ثلاثة أيام فصاعدا ولو أسلم الى رأس الشهر المستقبل فلرؤية هلاله - وهى الليلة الأولى التى يرى فيها هلال ذلك الشهر. ولكن لا يتضيق الطلب الا بعد طلوع الشمس فى أول يوم منه.
واذا أسلم الى رأس السنة كان حلول الأجل فى الليلة التى يرى فيها هلال أول شهر من السنة كما فى الشهر سواء بسواء.
واذا جعل الأجل الى يوم كذا ولم يعين ساعة منه كان اليوم كله وقتا لايفاء السلم وله مهلة الى آخر ذلك اليوم المطلق. وكذلك الليلة المطلقة بخلاف ما لو قال إلى شهر كذا أو إلى سنة كذا لم يدخل الشهر والسنة فى الأجل فيكون حلول الأجل عند أولهما كما تقدم وكان القياس أن يكونا مثل اليوم ولكن جرى العرف بخلاف ذلك.
ويصح التعجيل للمسلم فيه قبل حلول أجله وهو أن يكون مساويا لما يلزم له قدرا وصفة وأن لا يخشى عليه من ظالم وأن لا يكون له غرض بتأخيره الى أجله ويصح التعجيل بشرط حط البعض (٢).
الشرط الخامس تعيين المكان الذى فيه يسلم المسلم فيه سواء كان لحمله مؤنة أم لا فاذا عين التسليم الى السوق
стр. 2989
وجب ايصاله اليه، وان عين الى البلد فالمتبع العرف. فلو تراضيا عند التسليم على تسليمه فى بلد غير البلد الذى شرط تسليمه فيه مع أجرة من يحمله الى البلد الذى شرط تسليمه فيه جاز أخذ الأجرة ولو أخذها المسلم اليه لنفسه وهذا هو الصحيح (١).
ويشترط أيضا فى صحة السلم تجويز الربح وتجويز الخسران، على معنى أن المسلم اليه لا بد من أن يكون مجوز الربح والخسران - أو قاطعا بالربح - وأن المسلم لا بد من أن يكون مجوزا لهما أو قاطعا بالخسران فلو قطعا معا بعدم اختلاف القيمة صح - وكذا لو قطعا بالربح للمسلم اليه جاز ذلك وصح، لأنه يجوز بيع الشئ بأكثر من سعر يومه معجلا، وعندهم. أنه لا بد من أن يكون رأس المال مما يمكن أن يكون ثمنا للمسلم فيه فى بعض أحوال الأجل فان كان رخيصا رخصا لا يبلغه فى بعض أوقاته لم يصح (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه يشترط لصحة عقد السلم ستة شرائط هى:
الأول والثانى منها: ذكر الجنس والوصف، والضابط أن كل ما يختلف لأجله الثمن فذكره لازم، ولا يطلب فى الوصف الغاية، بل يقتصر على ما يتناوله الاسم .. ويجوز أن يشترط الجيد أو الردئ. أما لو شرط الأجود فانه لا يصح لتعذره، وكذا لو شرط الأردأ. ولو قيل فى هذا بالجواز كان حسنا لامكان التخلص.
ولا بد أن تكون العبارة الدالة على الوصف معلومة بين المتعاقدين ظاهرة فى اللغة حتى يمكن استعلامها عند اختلافهما (٣).
فيجوز السلم فى كل حيوان يجوز بيعه اذا سميت شيئا معلوما واذا وصفت أسنانها، لاجماع الفرقة، ولما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص من أن النبى ﷺ أمره - فى سبيل تجهيز الجيش - أن يبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة (٤).
وروى صاحب وسائل الشيعه عن أبى عبد الله ﵇ أنه لا بأس بالسلم فى المتاع اذا وصف الطول والعرض. وأنه لا بأس بالسلم فى الفاكهة (٥).
وذكر فى باب جواز أسلاف العروض المختلفة بعضها فى بعض على كراهية،
стр. 2990
أنه لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال، وما يكال فيما يوزن (١). ولا بأس بأن يسلم فى الطعام بكيل معلوم الى أجل معلوم (٢).
وأما السلم فى نحو الجوز والبيض فانه لا يصح الا اذا كان وزنا، لأن ذلك يختلف بالصغر والكبر ويختلف ثمنه بذلك فلا يمكن أن يضبط بالصفة (٣).
وأما السلم فى البطيخ فقد حكى صاحب كتاب الخلاف أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز السلم فيه (٤).
وان كان الشئ مما لا ينضبط بالوصف لم يصح السلم فيه كاللحم نيئة ومشوية، والخبز (٥).
فقد ذكر صاحب الفروع أن أبا عبد الله ﵇ قال لمن سأله عن السلف فى اللحم: لا تقربنه فانه يعطيك مرة السمين ومرة التاوى ومرة المهزول. اشتره معاينة يدا بيد (٦).
أما الجلود ففى حكمها تردد.
قيل لا يجوز.
وقيل: يجوز مع المشاهدة - وهو خروج عن السلم ولا يجوز السلم فى الجواهر واللآلئ ونحو ذلك لتعذر ضبطها وتفاوت الأثمان مع اختلاف أوصافها. ويجوز فى جنسين مختلفين صفقة واحدة (٧).
ونهى أبو عبد الله ﵇ عن السلف فى روايا الماء فقال: لا تقربها لأنه يعطيك مرة ناقصة ومرة كاملة.
ولكن اشتره معاينة فهو أسلم لك وله (٨).
الشرط الثالث قبض رأس المال قبل التفرق، فلو افترقا قبل قبضه بطل، ولو قبض بعض الثمن صح السلم فى المقبوض وبطل فى الباقى.
ولو شرط أن يكون الثمن من دين عليه ففيه قولان.
قيل: يبطل السلم لأنه بيع دين بمثله: وقيل: يكره وهو الأشبه (٩).
وذكر صاحب شرائع الاسلام أنه يصح أن يكون رأس المال فى السلم ثمنا وعوضا غير أن الصحة ليست
стр. 2991
على الاطلاق فيجوز أن يجعل رأس المال عوضا اذا كان المسلم فيه عوضا على أن يكونا مختلفين. ويجوز أن يجعله ثمنا اذا كان المسلم فيه عوضا أما اذا كان المسلم فيه من الأثمان فلا يصح أن يكون رأس المال من الأثمان كذلك حتى لو اختلفا (١).
وذكر صاحب الخلاف فى الفقه أنه لا يجوز أن يكون رأس المال فى السلم جزافا وان كان مما يباع كذلك مثل الجواهر واللؤلؤ فانه يغنى المشاهدة عن وصفه (٢).
الشرط الرابع: تقدير السلم بالكيل والوزن العامين، ولو عولا على صنجة مجهولة أو مكيال مجهول لم يصح ولو كان معينا. ويجوز الاسلاف فى الثوب أذرعا .. وكذا كل مذروع.
وأما الأسلاف فى المعدود فقيل يجوز الأسلاف فيه عددا.
وقيل: لا يجوز وهو الأوجه.
ولا يجوز الاسلاف فى القصب أطنانا ولا فى الحب حزما ولا فى المجزوز جزا ولا فى الماء قربا.
وكذا لا بد من أن يكون رأس المال مقدرا بالكيل العام أو الوزن ولا يجوز الاقتصار على المشاهدة، ولا يكفى دفعه مجهولا كقبضة من دراهم أو قبضة من طعام (٣).
الشرط الخامس: تعيين الأجل، فلو ذكر أجلا مجهولا - كأن يقول: متى أردت - أو أجلا يحتمل الزيادة والنقصان كقدوم الحاج كان باطلا. ولو اشتراه حالا ففيه قولان أحدهما أنه يبطل.
وقيل يصح وهو المروى لكن يشترط أن يكون عام الوجود فى وقت العقد (٤).
واذا مات المدين بدين السلم فان الديون المؤجلة تحل، أما اذا مات الدائن فان الديون لا تحل، وقيل:
يحل استنادا إلى رواية مرسلة وبالقياس على موت المدين وهو باطل (٥).
الشرط السادس: أن يكون وجود المسلم فيه غالبا وقت حلوله، سواء كان موجودا عند العقد أو معدوما (٦).
فيجوز السلم فى المعدوم اذا كان مأمون الانقطاع فى الوقت الذى يحدد لتسليمه فيه، لاجماع الفرقة على ذلك، ولما روى عبد الله بن عباس قال:
стр. 2992
قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون فى التمر السنة والسنتين والثلاث فقال النبى ﷺ : من سلف فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، وأقرهم على ما كانوا عليه من السلف فى التمر سنتين ونحن نعلم أن التمر ينقطع فى خلال هذه المدة (١).
ولا بد من أن يكون الأجل معلوما للمتعاقدين فاذا قال: الى جمادى حمل على أقربهما وكذا اذا قال الى ربيع وكذا الى الخميس أو الجمعة. ويحمل الشهر عند الاطلاق على مدة بين هلالين أو ثلاثين يوما. ولو قال: الى شهر كذا حل بأول جزء من أول ليلة الهلال نظرا الى العرف .. ولو قال الى شهرين وكان فى أول الشهر عد شهرين أهلة، وان أوقع العقد فى أثناء الشهر أتم من الثلث بقدر الفائت من شهر العقد، وقيل: يتمه ثلاثين يوما وهو أشبه ..
ولو قال الى يوم الخميس حل بأول جزء منه (٢).
وزيد شرط سابع وهو أن يعين موضع تسليم المسلم فيه اذا كان السلم مؤجلا، لاختلاف الأغراض باختلافه الموجب لاختلاف الثمن والرغبة، ولجهالة موضع الاستحقاق لابتنائه على موضع الحلول المجهول (٣).
وذكر صاحب الروضة البهية أن هذا هو ما اختاره صاحب اللمعة الدمشقية فى الدروس. ثم قال مخالفا ذلك: ولو شرط موضع التسليم لزم، لوجوب الوفاء بالشرط السائغ وان لم يشترط ذلك اقتضى الاطلاق التسليم فى موضع العقد كنظائره من المبيع المؤجل.
ثم ذكر رأيا ثالثا يقول: انه يشترط تعيين موضع التسليم ان كان فى حمل المسلم فيه مؤنة، ولا يشترط تعيينه اذا لم يكن فى حمله مؤنة.
وقال آخرون يشترط التعيين ان كانا فى موضع قصدهما مفارقته، ولا يشترط ان لم يكن قصدهما ذلك (٤).
وجاء فى شرائع الاسلام أنه لا يشترط ذكر موضع التسليم على الأشبه وان كان فى حمله مؤنة (٥).
مذهب الإباضية:
ويشترط الإباضية (٦) لصحة عقد السلم ما يشترط فى صحة عقد البيع من بلوغ، وعقل، وعدم تحجير، ومن
стр. 2993
رضى، وأضافوا شروطا أخرى تخص السلم، الأول منها: أن يكون السلم بنقد مسلم فى المجلس الى البائع، أو بنقد حاضر فى المجلس وسواء كان فى حال العقد بيد المسلم أو بيد المسلم اليه ذكره صاحب التاج.
وقال صاحب شرح كتاب النيل أن الأصل كونها بيد المسلم - فاذا تم العقد قبضها المسلم اليه كسائر البيوع - وان كانت بيد المسلم اليه جاز - اما اذا لم توجد النقود فى مجلس العقد فانه حينئذ يكون من بيع الدين بالدين، فيكون باطلا (١).
وذكر صاحب الايضاح أنه لا بد من أن يكون الثمن معلوما، لأن السلم عقد مخصوص مستثنى من جملة ما نهى عنه رسول الله ﷺ من بيع ما ليس معك. والمخصوص لا يكون الا معلوم الثمن والمثمن جميعا (٢).
وفى الأثر قال أبو الحسن ﵀ فاذا أسلف دراهم عددا فذلك لا يجوز، وان أسلف دراهم ولم يزنها بين يده وقال وزنها كذا وكذا فصدقه فذلك عندهم ضعيف ولا ينقض، وان أسلفه مثقالا حاضرا بكذا وكذا من الطعام فذلك جائز (٣).
وان أسلم له دراهم أو دنانير فخرج فيها رداءة أو زيوف .. فالسلم فاسد، لأن الصفقة وقعت على غير ما اتفقا عليه، لأن اتفاقهم على ما يجوز - ولأن التأخير أيضا فى السلم لا يجوز لقوله ﷺ : «ونقد حاضر».
وقال بعض الفقهاء: يبدل هذه الدراهم أو الدنانير اذا لم يكن الأجل قد حل، فان حل الأجل أخذ من المسلم فيه. ما صح له، ولا يدركه النقصان.
وعند بعض العلماء: أنه لا يفسد من ذلك الا ما قابل الدراهم الرديئة.
ثم قال صاحب الايضاح: «والذى يوجبه النظر عندى أن السلم فى هذا فاسد الا أن سمى لكل درهم كذا وكذا من الحب فانه يفسد من ذلك ما فيه الرداءة دون غيره. أما ان أسلفه عشرة دراهم فى ثوبين كل ثوب من صنف غير صنف الآخر ولم يجعل لكل ثوب رأس مال معروفا فذلك فاسد، لأن ثمن كل ثوب مجهول فى هذا، وكذلك كل شيئين مختلفين على هذا الحال مثل
стр. 2994
أن أسلم له فى تمر وبر، ولم يسم رأس مال كل صنف من ذلك (١).
هذا وفى الأثر أنه ان سلف ثلاثين درهما بتمر وبر وذرة. ولم يبين ما لكل نوع فذلك فاسد. وان قال عشرة دراهم منها ببر، وعشرة دراهم منها بتمر وعشرة دراهم منها بذرة فذلك جائز ولو لم يميزها اذا سمى لكل عشرة من ذلك النوع فان كان فيها درهم ردئ وكان السلف لكل درهم شئ معروف فسد من كل نوع درهم وان لم يكن لكل درهم شئ معروف فسد السلف كله وأما ان أسلف عشرة دراهم فى ثوبين من نوع واحد فذلك جائز لأنه قد علم أن رأس مال كل واحد منهما مثل صاحبه (٢).
ثانيها: أن يكون السلم بوزن فى كل ما يوزن من نحو حب وصوف، وأن يكون بعيار فيما يكال كحب أيضا، فانه يكال ويوزن، وكل ما يكال يوزن، ولا يصح أن يأخذ بالكيل ما باع اليه بالوزن لئلا يأخذ أكثر من حقه.
وقيل يجوز ان رضى البائع، ويجوز أن يأخذ بالوزن ما باع اليه بالكيل (٣).
ثالثها: أن يكون المسلم فيه مؤجلا فيذكر فى العقد موعد تسليمه وعلل السدويكشى اشتراط الأجل بحصول مصلحتين احداهما للبائع - وهى دفع قليل ليأخذ أكثر منه وثانيتهما للمشترى وهى الانتفاع بالثمن فى أجله (٤).
وحكى صاحب الايضاح فى اشتراط الأجل فى عقد السلم قولين:
أحدهما أنهم قد اتفقوا على أنه لا يكون السلم بغير أجل لقوله ﵊ الى أجل معلوم. وان كان بغير أجل فهو من بيع ما ليس معك. فهو لا يجوز.
وثانيهما أن بعض الفقهاء جوز السلم بغير أجل وهو الذى يسمونه بيع النقد (٥).
وأقل ما يجزى فى هذا من الأجل ثلاثة أيام، لأنه أقل الجمع غير أن عموم قوله ﵊: الى أجل معلوم - يقع على القليل والكثير، وأكثر الأجل فى هذا الى ما يأتيهم فى غالب الظن أنه يعيش ذلك الشئ.
وان جعلوا الأجل الى الشهر الفلانى أو الى السنة الفلانية أو اليوم الفلانى فهو جائز، وان جعلوا الأجل الى أشهر الحرم أو أشهر الحج أو أيام العيد أو
стр. 2995
أيام التشريق المستقبل فذلك جائز، وان لم يسم المستقبل فلا يجوز، لأنها تتكرر فى كل سنة فلا يجوز حتى يسمى المستقبل، وكذلك الى يوم الجمعة أو يوم السبت أو غيرهما من الأيام على هذا الحال. وان جعلوا الأجل الى شهر شعبان ورمضان فذلك جائز، وان جعلوا الى شهر رجب ورمضان فلا يجوز، لأنها مفترقة وغير متوالية فكأنهم جعلوا فى ذلك أجلين.
وان جعلوا أشهر العجمية أو السنة العجمية أو عيد النصارى أجلا لهما فلا يجوز ذلك، لأنه غير معروف عند عامة الناس، ومنهم من يقول جائز وكذلك أن جعلوا الأجل بينهما الى الشتاء أو الى الصيف أو الربيع أو الى الخريف على هذا الاختلاف وذلك أن هذه الفصول مختلف فيها. وكذلك أيضا أن جعلوا الأجل الى الحصاد بينهما أو الى الجذاذ فلا يجوز لأنه مجهول يقع فيه الاختلاف أكثر من الخلاف الذى يكون من قبل الزيادة والنقصان فى الشهور، لأن هذا يسير واليسير معفو عنه فى الشرع (١).
رابعها وذكر صاحب شرح النيل أن من شروط صحة عقد السلم أن يحدد فى العقد المكان الذى يجلب اليه ما فيه السلم (٢).
وحكى صاحب الايضاح: فى ذلك اختلاف الفقهاء، اذ قال: وأما المكان المشروط فى السلم فقد اختلف العلماء فيه.
فقال بعضهم: ان لم يشترط مكانا يقبض فيه فسد السلم، فهؤلاء عندهم المكان شرط فى صحة السلم كالزمان وهو الأجل.
وقال آخرون: ليس المكان شرطا فى صحة السلم. وظاهر الحديث يدل على مذهب هؤلاء فيما يوجبه النظر ولا يدرك عليه أن يأخذ منه الا فى المكان الذى أسلم له فيه.
وفى الأثر وأما فى حفظ أبى صفرة فى رجل أسلم الى رجل طعاما بكيل معلوم - وأجل معلوم وضرب معلوم ولم يشترط المكان الذى يوفيه فيه قال بفسد السلم لأن الأصل وقع على غير مكان معلوم فقلت له: فلم لم تجعله فى المكان الذى أسلمه اليه فيه؟ قال: ان كان أسلمه اليه فى سفينة فى البحر أو فى جزيرة ينبغى له أن يوفيه فيها، فاذا لم يشترط مكانا فسد. ولهذا المعنى اشترط بعض أن يكون القبض من بلد المستلف ان لم يشترط مكان القبض (٣).
стр. 2996
فحاصل ما ذكر أنه اذا لم يشترط فى العقد مكان التسليم فهناك ثلاثة أقوال.
يبطل العقد
ويصح ويكون التسليم فى مكان الدفع.
ويصح ويكون التسليم فى بلد المستلف (١).
خامسها: أن يكون المسلم فيه نوعا من المثمنات التى يصح السلم اليها من الحبوب وغيرها مما يوزن أو يكال لا مما لا يكال ولا يوزن، فانه لا يصح السلم فيه على المشهور (٢).
وقال صاحب الايضاح يشترط: أن يكون مما لا ينقطع من أيدى الناس، لظاهر الحديث المتقدم مثل الشعير والبر والتمر والزبيب وما أشبه ذلك من الحبوب والزيت والسمن والعسل وما أشبه ذلك مما يكال ويوزن والصوف والقطن والكتان والحرير بوزن معلوم. ويبينون الجنس فى الزيتون والقطانى والتمر فى قول بعضهم، لأن هذه الأشياء تكون أجناسا .. وأما الشعير والقمح والزيت فله الأوسط من ذلك لأنه جنس واحد. ومن ثم فلا يجوز أن يكون من الأشياء التى تزول من أيدى الناس مثل العنب والتين الطرى، لأنه غرر، ولا يؤمن أن يكون موجودا.
وقيل بجواز ذلك ويجعلون أجل السلم الى وقته.
وكذلك لا يجوز السلم فى السمك الطرى ولا لحم الصيد، لأن هذا غير مقدور عليه ولا يؤمن أن يوجد.
واتفقوا أيضا على امتناعه فيما لا يثبت فى الذمة مثل الدور والعقار وما أشبه ذلك ومثل القثاء والخيار وما يشبهه، لأنه مختلف عند العدد مستتر غائب فى الكون أيضا.
واختلفوا فيما سوى هذا من العروض والحيوان.
وأصل اختلافهم هو هل هذه الأشياء تضبط فى الذمة بصفة معلومة أم لا تضبط. فمن كانت عنده لا تضبط أبطلها. وذلك مثل أن أسلمه فى اللحم فانه ذكر فى الأثر عن الربيع وابن عبد العزيز أنهما قالا: لا خير فيه لأنه غير معروف.
وقال ابن عباد: لا بأس به. وذلك على قول ابن عباد اذا كان اللحم من جنس من الدواب معلوم يسمى له من ضأن أو معز أو غير ذلك وزنا معلوما الى أجل معلوم ولا عظام فيه، وكذلك السمك اذا كان شيئا معلوما ولا عظام فيه، وكذلك الثياب أيضا على قول من جوزها اذا كانت على صفة وذرع وجنس معلوم وكم يكون له من الأرجوان ..
стр. 2997
وكذلك أيضا الخشب يسمون فيها الطول والعرض والجنس من الشجر، وكذلك الحجارة يبينون فيه العرض والطول والغلظ، وكذلك أن أسلم له القصاع فانه يبين وزنها وكم يسع عودها .. هذا كله على قول من جوز السلم فى هذا كله. وكذلك أيضا الحيوان يبينون أسنانها وجنسها وطولها ويكلون (يقدرون) من الرسغين الى الأوراك الى العظم الذى خلف الأذن، ويبينون لون الضأن وليس عليهم ذلك فى المعز، والدليل على أن الحيوان تثبت فى الذمة .. حديث أبى رافع. (مولى رسول الله ﷺ قال: استلف رسول الله ﷺ من رجل بكرا فلما جاءته ابل الصدقة أمرنى أن نقضى الرجل بكره فقلت يا رسول الله لم أجد فى الابل الا جملا رباعيا خيارا فقال له النبى ﷺ : اقضه اياه فان خير الناس أحسنهم قضاءا.
وكذلك أيضا الرقيق على هذا المعنى يبينون جنسه ولونه وطوله وليس عليه فى العرض شئ ويكيلون من العظم الذى خلف الأذن الى الكعب. والنظر يوجب عندى أن السلم لا يجوز فى الحيوان لأنها وان كانت تضبط فى صفات الخلق فانها غير مضبوطة فى صفات النفس (١).
سادسها: جاء فى شرح النيل أنه يشترط لصحة عقد السلم أن يكون العقد بحضرة شاهدين أمينين أو ممن لا يتفق على بطلان شهادتهم.
ثم قال صاحب شرح النيل والحق عندى فى صحة السلم بلا شهود وانما الامر به فى الحديث بخصوصه «لما روى عن النبى ﷺ من أنه باع من أعرابى بعيرا فجحده الثمن بمشورة بعض المنافقين فلم يجد النبى ﷺ بينة عليه فجاء بخزيمة بن ثابت الأنصارى فقال: أنا أشهد لك عليه يا رسول الله فقال من أين علمت ذلك فقال لأنك صادق ولأنا نصدقك فى خبر السماء فسمى ذا الشهادتين فلو كان النبى ﷺ أشهد عليه لم يفزع الى طلب من لم يعلم ذلك الحق ولو كان أيضا الاشهاد واجبا لم يتركه النبى ﷺ والاشهاد على الدين ليس بواجب عند جمهور العلماء من اصحابنا غير أنهم أوجبوه فى السلم، لأن السلم مخصوص والمخصوص لا يصح الا بجميع شروطه والله أعلم. وفى قوله تعالى (٢) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ﴾
стр. 2998
﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ».
عموما تحذير من ضياع المال بالانكار حيث لا شهادة (١).
وقال صاحب الايضاح: وأما الشهود المشروطة فى السلم فالأصل فيها قول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» الى قوله «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» (٢) والأمر على الوجوب الا أن يأتى دليل ينقله الى خلاف الوجوب.
وفى رواية بعض الفقهاء عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: أمر الله بالكتاب والاشهاد لكى لا يدخل فى ذلك جحود ولا نسيان فمن لم يفعل ذلك فقد عصا، فهذا يدل من ابن عباس أن الاشهاد على الدين واجب. وفى الأثر:
وان باع بغير شهود - يعنى الدين - فلا يجوز.
وكذلك ان أشهد من لا تجوز شهادته، مثل الأطفال والعبيد والمجانين.
وتجوز فيه شهادة غير الأمناء من أهل التوحيد، وشهادة الأب لابنه.
ثم قال: والاشهاد على الدين ليس بواجب عند جمهور العلماء من أصحابنا غير أنهم أوجبوه فى السلم، لأن السلم مخصوص، والمخصوص لا يصح الا بجميع شروطه (٣).
وذكر صاحب شرح النيل أنه يشترط فى رأس مال السلم مخالفته لجنس المسلم فيه، فلا يصح أن يكون الثمن فيه والمثمن من جنس واحد.
وروى عن التاج أن الربيع كره ثوبا بثوب وأن أبا عبد الله حرمه.
ثم قال: وأما الطعام بغيره، وغيره بغيره باختلاف الجنس فلا بأس (٤).
أما الشيخ عامر النفوسى فقد روى الاختلاف فى جواز السلم بغير الدنانير والدراهم، فقد قال بعض الأئمة أنه لا يجوز السلم الا بالدنانير والدراهم، وفى الأثر ومن جامع أبى الحسن. وسأل
стр. 2999
عن السلف أهو من التجارة؟ قيل له:
نعم هو من التجارة، وهو بالدراهم وبالدنانير.
والدليل على هذا ما روى عن طريق أبن عباس أن النبى ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين فقال ﵊ من أسلم فليسلم فى كيل معلوم وضرب معلوم الى أجل معلوم وفى خبر آخر: ونقد حاضر الى أجل معلوم.
وقال بعض الأئمة ان السلم يجوز بغير الدنانير والدراهم ولعلهم ذهبوا الى ظاهر قول النبى ﷺ : من أسلم فليسلم فى كيل معلوم وضرب معلوم الى أجل معلوم حيث لم يذكر فيه الذى يسلمه ما هو (١).
وقال صاحب شرح النيل: وكذا يجوز أن يكون السمك اليابس والطرى ثمنا بالحضور فى السلم (٢). واذا كان لرجل على آخر دراهم فأسلمها اليه فى مكيل أو موزون فلا خير فيه، لأنه أسلم دينا فى شئ الى أجل وجاءت فيه الكراهة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ويحتمل أن يريد ابن عباس أنه مكروه ليس على الاطلاق وانما اذا كان معه دراهم أخرى حاضرة (٣).
واذا كان رأس مال السلم ذهبا أو فضة بلا وزن كقطعة ذهب أو فضة أو حلى منهما، أو دنانير أو دراهم مسكوكة ولم توزن وقد احتاجت الى وزن لأنها قد تزيد وتنقص، وكالسكة التى تجرى بالعدد كأدوار قسطنطينية وفرنسا والأندلس وسكة الجزائر الحادثة. اذا كان رأس مال السلم شيئا من ذلك فالصحيح عند صاحب شرح النيل أنه يجوز السلم بذلك كله بلا وزن، لأن المعاملة بها تكون بين الناس بعددها بدون اعتبار وزنها، لأن الشئ الحاضر المرئى يجوز البيع به وبيعه.
ولكن بعض الائمة لا يجيز سلمها بالعدد على حال لأن التعارف فيها - فى البيوع اذا وقعت عليها - الاجماع فيها على الوزن الا ما خص من المواضع المعروفة لا على العموم (٤).
حكم التوكيل فى السلم
مذهب الحنفية:
ذكر ابن نجيم من الحنفية أن التوكيل فى السلم يجوز من جانب رب السلم بدفع رأس المال أو بقبول السلم كما فى الجوهرة، ولا يجوز التوكيل من جانب المسلم اليه بأخذ رأس المال، لأن الوكيل اذا قبض رأس المال بقى المسلم فيه فى ذمته وهو مبيع ورأس المال ثمنه ولا
стр. 3000
يجوز أن يبيع الانسان ماله بشرط أن يكون ثمنه لغيره كما فى بيع العين واذا بطل التوكيل كان الوكيل عاقدا لنفسه فيجب المسلم فيه فى ذمته ورأس المال مملوك له واذا سلمه الى الآمر على وجه التمليك منه كان قرضا. نعم يجوز توكيل المسلم اليه بدفع المسلم فيه (١).
فاذا وكل الرجل الرجل ان يسلم له عشرة دراهم فى كر حنطة فأسلمها الوكيل بشروط السلم ودفع الدراهم من عنده فهو جائز، لأن السلم عقد تمليك الآمر بمباشرته بنفسه فيجوز منه توكيل غيره به كبيع العين لأن الوكيل يقوم مقام الموكل فى تحصيل مقصوده وهذا عقد يملك المأمور مباشرته لنفسه فيصح منه مباشرته لغيره بأمره كالبيع، لأن العاقد باشر العقد بأهليته وولايته الأصلية سواء باشر لنفسه أو لغيره.
والأصل فيه قوله تعالى: «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ» (٢).
ومن دفع الى آخر دراهم ليشترى بها شيئا فان المدفوع اليه يكون وكيلا من جهة الدافع، وروى عن النبى ﷺ أنه دفع الى حكيم بن حزام أو الى عروة البارقى رضى الله عنهما دينارا ليشترى له به أضحية فدل أن التوكيل جائز فى البيع فكذلك فى السلم، لأن السلم نوع بيع على ما عرف - وكذلك تعامل الناس من لدن رسول الله ﷺ الى يومنا هذا على التوكيل فى البيع والسلم جميعا (٣).
وبناء على ما تقدم فان الوكيل فى السلم كالعاقد لنفسه فى حقوق العقد حتى تتوجه عليه المطالبة بتسليم رأس المال دون الموكل وكذلك حق قبض المسلم فيه عند حلول الأجل يكون للوكيل دون الموكل، لأن حقوق العقد فى البيع والشراء تتعلق بالوكيل عندنا وسبب تعلق حقوق العقد بالمرء هو مباشرته العقد وثبوت الحكم باعتبار السبب ولو كان الوكيل معبرا عن الموكل لم يستغن عن ذكر الموكل عند العقد ..
ومن ثم يثبت أن الوكيل عاقد حكما مباشر للعقد.
واذا تقرر أن الوكيل كالعاقد لنفسه كان هو المطالب بتسليم رأس المال، فاذا نقده من عنده رجع بمثله على الآمر، لأنه نقد مال نفسه فى عقد حصل مقصود ذلك العقد للآمر فأمره اياه بالعقد يكون أمرا بأداء رأس المال من عنده على أن يرجع عليه بمثله. وكذلك الوكيل هو الذى يقبض المسلم فيه اذا حل الأجل عملا بمبدأ الغنم بالغرم، فاذا كان هو المطالب بتسليم رأس المال كان حق قبض المسلم فيه
стр. 3001
اليه أيضا فاذا قبض كان له حبسه حتى يستوفى الدراهم من الموكل. خلافا لزفر الذى يرى أن الوكيل ليس له الحق فى أن يحبس المسلم فيه، لأن الموكل صار قابضا بقبض الوكيل بدليل أن هلاك المسلم فيه فى يد الوكيل كهلاكه فى يد الموكل فكأنه قبض حقيقة ثم دفعه الى الوكيل اذ المقبوض أمانة فى يد الوكيل أما الثمن فهو دين له على موكله وليس للأمين أن يحبس الأمانة بدينه على صاحبها (١).
وان كان الوكيل هو الذى دفع رأس المال من مال الموكل وأخذ من أجل المسلم فيه كفيلا أو رهنا فهو جائز، لأن موجب الرهن انما يكون بثبوت حق الاستيفاء والوكيل يملك حق الاستيفاء حقيقة فيملك أخذ الرهن به، والكفالة تكون للتوثيق ولما كان الوكيل هو المطالب بالمسلم فيه فكان له أن يتوثق بأخذ الكفيل به لأنه ملك المطالبة فملك التوثق بالمطالبة.
فان حل السلم فأخره الوكيل مدة معلومة فقد ذكر السرخسى قولين للأحناف فى ذلك.
أحدهما - وهو قول أبى حنيفة ومحمد - يجوز له ذلك ويضمن طعام السلم (أى المسلم فيه) للموكل ..
وثانيهما - وهو قول أبى يوسف - لا يصح تأخيره، وكذلك ان أبرأ المسلم اليه عن طعام السلم (أى المسلم فيه) وهذا لأن طعام السلم أصل يقبل الابراء قبل القبض.
وأصل هذا فيما اذا عقد لنفسه، ثم أبرأه عن طعام السلم صح ابراؤه فى ظاهر الرواية.
وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه لا يصح ما لم يقبل المسلم اليه، فاذا قبل كان فسخا لعقد السلم، لأن المسلم فيه مبيع وتمليك المبيع من البائع قبل القبض لا يجوز ما لم يقبل فاذا قبل انفسخ العقد كالمشترى اذا وهب المبيع من البائع قبل القبض (٢).
وذكر السرخسى أن أبا حنيفة ومحمد قالا: أنه يصح ابراء الوكيل عن المسلم فيه ويضمن مثله للموكل.
وأن أبا يوسف قال لا يصح ابراء الوكيل.
وكذلك روى هذا الخلاف فى المتاركة اذا تارك الوكيل السلم مع المسلم اليه (٣).
ويجوز أن يقبل الوكيل أدون من شرط المسلم فيه، لأنه ابراء عن صفة الجودة ولو أبرأه عن أصله جاز وضمن للموكل مثل المسلم فيه عندهما فكذلك اذا رضى بدون حقه.
стр. 3002
ويصح أن يقوم الوكيل بالتأجيل والمتاركة بالثمن فى حق المسلم اليه، لأن المسلم فيه دين والثابت به حق القبض مادام فى الذمة وهو حق الوكيل (١).
ونقل ابن عابدين فى حواشى البحر عن البزازية ان أقالة الوكيل بالسلم جائزة عند أبى حنيفة ومحمد. أى أن فيها خلافا. واذا قام الوكيل بعقد السلم - ثم أمر الموكل بأداء رأس المال وذهب الوكيل بطل السلم، لأن وجوب قبض رأس المال قبل الافتراق من حقوق العقد فيتعلق بالعاقد وهو الوكيل أما الموكل فى هذه الحالة فهو كأجنبى آخر فلا معتبر ببقائه فى المجلس بعد ذهاب العاقد ولا بذهابه هو اذا بقى المتعاقدان فى المجلس (٢).
واذا وكله فى أن يسلم له عشرة دراهم فى كر حنطة فأسلمها فى قفيز حنطة فهو جائز على الوكيل دون الموكل لأنه وكيل بالشراء - اذ المسلم فيه مبيع ورب السلم مشتر - والوكيل بالشراء لا يملك الشراء فى حق الموكل بالغبن الفاحش لما فيه من التهمة أنه باشر التصرف لنفسه ثم لما علم بالغبن أراد أن يلزمه الموكل فاذا نفذ العقد عليه ضمن للموكل كل دراهمه، لأنه قضى بدراهمه دين نفسه.
أما أن أسلمها فى حنطة يكون نقصانها عن رأس المال مما يتغابن الناس فى مثله جاز على الموكل، لأن العذر هنا لا يستطاع الامتناع عنه الا بحرج فكان عفوا فى تصرفه لغيره شراء كان أو بيعا (٣).
واذا دفع اليه عشرة دراهم وأمره أن يسلمها فى ثوب لم تصح الوكالة حتى يتبين الجنس، لأن الثياب أجناس مختلفة ومع جهالة الجنس لا يقدر الوكيل على تحصيل مقصود الموكل فيبطل التوكيل.
وذكر السرخسى أنه روى عن أبى يوسف قوله: ينظر الوكيل الى لباس الموكل، فاذا اشترى الوكيل من جنس لباس الموكل جاز، ويلزم الموكل، لأن الظاهر أن الانسان انما يأمر غيره بشراء الثوب ليلبسه فيعتبر بثيابه، فان سمى الموكل ثوبا يهوديا أو غيره جاز، لأن الجنس صار معلوما، وانما بقيت الجهالة فى الصفة ولا تأثير لجهالة الصفة فى العقود المبينة على التوسع والوكالة بهذه الصفة - فان خالفه الوكيل فأسلم فى غيره أو الى غير الأجل الذى سماه كان عاقدا لنفسه، وللموكل أن يضمنه دراهمه فان ضمنه اياها جاز السلم وان ضمنها المسلم اليه بطل السلم لانتقاض قبضه فى رأس المال بعد الانتقاض من الاصل (٤).
стр. 3003
أما اذا وكله فى أن يسلم له عشرة دراهم فى طعام فالمستحسن عندنا أن ذلك جائز على أن الطعام يعنى الدقيق والحنطة، لأن الطعام اذا أطلق عند ذكر البيع والشراء يراد به الحنطة ودقيقها، وسوق الطعام هو الموضع الذى يباع فيه الحنطة ودقيقها. هذا فى حين يقع مثل هذا التوكيل فى القياس باطلا، لأن اسم الطعام حقيقة لكل مطعوم والمطعومات أجناس مختلفة وجهالة الجنس تمنع صحة الوكالة (١).
واذا وكله بأن يسلم اليه عشرة دراهم من الدين الذى له عليه فى حنطة فأسلمها له فهو عاقد لنفسه حتى يقبض الطعام فيرده الى الآمر مكان دينه قال أبو حنيفة:
فحينئذ يسلم للآمر اذا تراضيا عليه.
وقال محمد وأبو يوسف رحمهما الله:
هو جائز على الآمر (٢).
واذا وكل الرجل رجلين فى أن يسلما له عشرة دراهم فى طعام فأسلمها أحدهما لم يجز، لأن عقد السلم يحتاج فيه الى الرأى والتدبير كبيع العين وهو انما رضى برأى المثنى ورأى الواحد لا يكون كرأى المثنى. فان أسلماها ثم تارك أحدهما مع المسلم اليه السلم لم يجز عندهم جميعا (٣).
واذا عقد الوكيل السلم ثم اقتضى الموكل المسلم فيه فانه لا يجوز فى القياس، لأن القبض من حكم العقد والموكل فيه كسائر الأجانب ألا ترى أن الايفاء لم يجب على المسلم اليه بطلب الموكل فكذلك لا يبرأ المسلم اليه بتسليمه اليه. ولكن هذا الاقتضاء من الموكل جائز على وجه الاستحسان، لأن بقبض الوكيل يتعين ملك الموكل فكان الموكل فى هذا القبض عاملا لنفسه فى تعيين ملكه فهو يكفى الوكيل مؤنة القبض والتسليم اليه ولا يلحق به ضرر فى تصرفه (٤).
وان تارك المسلم اليه مع الموكل جاز، لأن الموكل قائم مقام العاقد فى ملك المعقود عليه فتصح منه المتاركة وان لم يتاركه فأراد قبض الطعام منه فللمسلم اليه أن يمتنع من دفعه اليه، لأن المطالبة بالتسليم تتوجه بالعقد والموكل من العقد أجنبى فمطالبته لا تلزم المسلم اليه الدفع له (٥).
وان وكله بثوب يبيعه بدراهم فأسلمه فى طعام الى أجل فهو عاقد لنفسه، لأنه خالف ما أمره به نصا. أما ان أمره ببيعه ولم يسم له الثمن فأسلمه فى طعام جاز على الآمر على ما يرى الامام أبو حنيفة ولكن صاحبيه لا يريان جوازه (٦).
стр. 3004
واذا وكله بالسلم فأدخل الوكيل فى العقد شرطا أفسده لم يضمنه الوكيل لأنه لم يخالف وانما يضمن الوكيل بالخلاف لا بالافساد، وهذا لأنا لو ضمناه بافساد العقد تحرز الناس عن قبول الوكالة وليس للوكيل بالسلم أن يوكل غيره به، لأن هذا عقد يحتاج فيه الى الرأى والتدبير والموكل رضى برأيه دون رأى غيره الا أن يكون الآمر قال:
ما صنعت فيه من شئ فهو جائز فيجوز حينئذ، لأنه أجاز صنيعه عاما، والتوكيل داخل فى ضمن صنيعه فيدخل فى عموم أجازته.
هذا ويصح ان يوكل المسلم ذميا فى أن يعقد له السلم غير أنه توكيل مكروه، لأن الذمى لا يتحرز عن الربا وعن مباشرة العقد الفاسد، أما لجهله بذلك، أو لاعتقاده، أو قصده أن يؤكل المسلم الحرام فلهذا يكره له أن يأتمنه على ذلك ويجوز له ان فعله، لأن عقد السلم من المعاملات وهم فى ذلك يستوون بالمسلمين. وان وكل المسلم الذمى فى أن يسلم له فى خمر ففعل ذلك مع ذمى جاز على الآمر فى قول أبى حنيفة، لأن الذى ولى الصفقة هو الوكيل، والخمر مال متقوم فى حقه يملك أن يشتريها لنفسه فيملك أن يشتريها لغيره، وهذا لأن الممتنع هنا بسبب الاسلام هو العقد على الخمر لا الملك فالمسلم من أهل أن يملك الخمر، الا ترى أنه اذا تخمر عصير المسلم يبقى مملوكا له، واذا مات قريبه عن خمر يملكها بالارث - ولو أنا اعتبرنا جانب العقد فالعاقد من أهله وهو فى حقوق العقد كالعاقد لنفسه، وان اعتبرنا جانب الملك فالمسلم من أهل ملك الخمر فيصح التوكيل.
أما أبو يوسف ومحمد فانهما يعتبر انه مشتريا لنفسه، لأن المسلم الآمر لا يملك هذا العقد لنفسه بنفسه فلا يصح توكيل غيره فيه كما لو وكل المسلم مجوسيا فى أن يزوجه مجوسية، وهذا لأنه لو نفذ عقده على الآمر ملك المسلم الخمر بالعقد ولا يجوز أن يملك المسلم الخمر بعقد التجارة (١).
واذا وكل رجلان رجلا فى أن يسلم لهما فى طعام واحد ولكن من غير خلط جاز التوكيل، لأنه حصل مقصود كل واحد منهما بكماله فلا فرق بين أن يفعل ذلك فى عقدة أو عقدتين واذا خلط الدراهم ثم أسلمها فى الطعام كان مخالفا ضامنا، لأن دراهم كل واحد منهما فى يده أمانة فيصير بالخلط ضامنا متملكا كما هو أصل أبى حنيفة، ثم أضاف عقد السلم الى دراهم نفسه فكان الطعام له بخلاف الاول فلم يوجد هناك خلط موجب للضمان، وانما حصل الاختلاط فى المسلم فيه حكما لاتحاد العقد حكما وبمثله لا يصير الأمين ضامنا.
стр. 3005
وان أسلم دراهم كل واحد منهما على حدة الى رجل واحد ثم اقتضى شيئا فادعى كل واحد منهما أى الآمرين أنه من حقه فالقول قول المسلم اليه، لأنه هو المالك لما يوفى من الطعام فرجع فى بيان ما يتملك اليه، فان كان هو غائبا فالقول قول الوكيل، لأنه أحد المتعاقدين، ولأن كل واحد منهما انما يتملك بعقد باشره الوكيل فعند الاشتباه يرجع فى البيان اليه، فاذا قدم المسلم اليه وكذب الوكيل فالقول قول المسلم اليه، لأنه هو الأصل فى هذا البيان.
وان أسلم الوكيل الى نفسه فهو باطل لأن الواحد فى عقد التجارة لا يصلح أن يكون مباشرا للعقد من الجانبين لما فيه من تضاد الأحكام فانه يكون مملكا متملكا مسلما متسلما مخاصما متخاصما وذلك لا يجوز، هذا الى أنه متهم فى حق نفسه.
وكذلك اذا أسلم الوكيل الى شريك له مفاوض لأنهما بعقد المفاوضة صارا كشخص واحد فى عقود التجارة فكل واحد منهما مطالب بما يجب على صاحبه فهو وما لو كان أسلم الى نفسه سواء فان أسلم الى شريك له عنان جاز اذا لم يكن من تجارتهما، لأن كل واحد منهما من صاحبه كسائر الأجانب فيما ليس من تجارتهما.
أما اذا أسلم الوكيل الى عبده لم يجز، لأن كسب العبد لمولاه، فهو متهم فى ذلك وكذلك اذا أسلم الى مكاتبه، لأن له حق الملك فى كسب المكاتب.
أما لو أسلم الوكيل الى ابنه أو الى أحد أبويه أو زوجته فان أبا حنيفة يرى أنه لا يجوز، لأن مطلق الوكالة تتقيد بالتهمة وكل واحد منهما متهم فى حق صاحبه.
ويرى أبو يوسف ومحمد أنه يجوز، لأنه ليس لواحد منهما فى مال صاحبه ملك ولا حق فى ملك فكان بمنزلة ما لو أسلم الى أخيه فانه يجوز. (١)
واذا وكل الوكيل بالسلم رجلا يقبض المسلم فيه ممن عليه فقبضه برئ المسلم اليه منه لأن الوكيل فى حق القبض كالعاقد لنفسه حتى يختص بالمطالبة به، ولو كان عاقدا لنفسه كان قبض وكيله فى براءة المسلم اليه كقبضه بنفسه.
فان كان الوكيل الثانى عبدا للوكيل الأول أو ابنه فى عياله أو أجيرا له فهو جائز على الآمر حتى لو هلك فى يده هلك من مال الآمر.
وان كان الوكيل الثانى أجنبيا فالوكيل الأول ضامن للطعام أن ضاع فى يد وكيله، لأن قبض وكيله كقبضه بنفسه ولو قبضه بنفسه ثم دفعه الى أجنبى كان ضامنا فكذلك هنا. فاذا أسلم الوكيل
стр. 3006
الدراهم الى امرأة جاز، وكذلك لو كان الموكل أو الوكيل امرأة فانه يجوز لأن هذا من باب المعاملات فيستوى فيه الرجال والنساء (١).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن الوكالة فى السلم جائزة ابتداء، فيصح أن يوكل رجل رجلا فى أن يسلم له وفى أن يقبض المسلم فيه. الا أن هناك أحكاما يفرعها أئمة المذهب على صحة الوكالة فيه، نشير هنا الى بعضها ونترك التفصيل فى ذلك الى موطنه فى بحث وكالة.
فلو وكل رجلا على أن يسلم له فى شئ فانه يجوز للموكل أن يقبض ما أسلم فيه الوكيل له جبرا على المسلم اليه ويبرأ المسلم اليه بدفعه الى الموكل ان ثبت ببينة أن السلم للموكل ولو بشاهد ويمين - فان لم يثبت لم يلزم المسلم اليه أن يدفع المسلم فيه للموكل ولو أقر الوكيل بأن السلم له، لاحتمال كذبه لأمر اقتضى ذلك.
وان تصرف الوكيل فى مال الموكل ببيع أو غيره، وادعى الاذن فى ذلك فان خالفه الموكل فى الاذن له فى ذلك فان القول للموكل بلا يمين عليه، لأن الأصل عدم الأذن (٢).
واذا أمر الموكل وكيله بأن يسلم له فى عرض أو طعام عينه له فأسلم الوكيل فى غيره، فلا يجوز للموكل أن يرضى بذلك السلم أن دفع له رأس المال ليسلمه فيما عينه له فخالف وأسلمه فى غيره، لأن الوكيل لما تعدى ضمن الثمن فى ذمته فصار دينا عليه، فان رضى الموكل فقد فسخ الدين فسخ دين فى دين ويزاد (فى التعليل) فى الطعام (أى اذا كان المسلم فيه طعاما) بيعه قبل قبضه، لأنه بتعدى الوكيل صار الطعام له وقد باعه للموكل قبل قبضه بالدين الذى صار فى ذمته. (وبيع الطعام قبل قبضه غير جائز) أما اذا كان الموكل قد علم بتعدى الوكيل بعد قبضه من المسلم اليه فانه حينئذ يجوز له أن يرضى بأخذ المسلم فيه لعدم الدين بالدين، وعدم بيع الطعام قبل قبضه. وكذا اذا علم بعد حلول الأجل فانه يجوز للموكل أن يرضى فى غير الطعام اذا كان يقبضه بلا تأخير لعدم الدين بالدين. وأما فى الطعام فلا يجوز لبيعه قبل قبضه أيضا وكذا فى غير الطعام اذا كان قبضه يتأخر، ومفهوم ان دفع له الثمن أنه ان لم يدفعه له وأمره أن يسلم له فى شئ معين فخالف وأسلم فى غيره، فيجوز له الرضا بما فعل
стр. 3007
ويدفع له الثمن لأنه لم يجب للموكل على الوكيل شئ فيفسخه فى شئ لا يتعجله الآن. ويجوز له أن لا يرضى (١).
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أنه لا يجوز للمسلم اليه أن يوكل رب السلم فى اشتراء مثل حقه وقبضه لنفسه فقد ذكر الشيرازى فى المهذب أنه ان دفع المسلم اليه الى رب ألسلم دراهم مثلا وقال له: اشتر لى بها مثل الذى لك على واقبضه لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه.
فان قال له: اشتر لى واقبضه لى، ثم اقبضه لنفسك ففعل صح الشراء والقبض للمسلم اليه، ولا يصح قبضه لنفسه، لأنه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره فى قبض حق نفسه (٢).
مذهب الحنابلة:
والتوكيل فى السلم جائز عند الحنابلة فلو كان لرجل سلم وعليه سلم من جنسه ثم قال الرجل لغريمه اقبض السلم لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه، اذ هو حالة سلم ولا يصح أيضا أن يقبض للآمر لأن الآمر لم يجعل القابض وكيلا عنه فى القبض.
وان قال الرجل اقبض السلم لى ثم اقبضه لنفسك وفعل صح القبض لكل منهما، لأنه استنابه فى قبضه له، فاذا قبضه لموكله جاز أن يقبضه لنفسه، كما لو كان له وديعة عند من له عليه دين وأذنه فى قبضها عن دينه ومن ثم فيصح قبض وكيل من نفسه لنفسه نصا الا ما كان من غير جنس ماله أى دينه فلا يصح قبضه من نفسه لنفسه لأنها معاوضة لم يأذن له فيها، ويصح عكسه أى عكس قبض الوكيل من نفسه لنفسه (٣).
مذهب الظاهرية:
ذكر ابن حزم فى المحلى أن الوكالة فى البيع والشراء جائزة لما رواه مسلم عن أبى سعيد الخدرى فى حديث التمر أن رسول الله ﷺ قال: «بيعوا ثمرها واشتروا لنا من هذا» (٤) ولا يحل للوكيل أن يتعدى ما أمره به موكله فان فعل لم ينفذ فعله، فان فات ضمن لقوله تعالى: «وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥» فوجب من هذا أن من أمره موكله بأن يبتاع له شيئا بثمن مسمى أو يبيعه له بثمن مسمى فباعه أو ابتاعه بأكثر أو بأقل ولو بفلس فما زاد لم يلزم الموكل ولم يكن البيع له أصلا ولم ينفذ البيع،
стр. 3008
لأنه لم يؤمر بذلك. فلو وكله على أن يبيع له أو يبتاع له فان ابتاع له بما يساوى أو باع بذلك لزم والا فهو مردود، ولا يحتج فى اجازة ذلك بحديث عروة البارقى وحكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ أمر كل واحد منهما بأن يبتاع له شاة بدينار فابتاع شاتين فباع أحدهما بدينار وأتى به الى النبى ﷺ وبالشاة «اذ هما خبران منقطعان لا يصحان» (١).
مذهب الزيدية:
يرى الزيدية: أن التوكيل فى قبض رأس مال السلم جائز حتى ولو كان الوكيل هو المسلم اليه فيصح أن يوكله فى قبضه له من نفسه قبل أن يتفرقا ولا بد من النقل لأن اليد لا تكون قبضا (٢).
مذهب الإمامية:
يرى الإمامية أنه يصح التوكيل فى ايفاء المسلم فيه، فيجوز للمسلم اليه فى طعام أن يوكل آخر فيبعثه بدراهم ليشترى طعاما يوفى به رب السلم غير أن صاحب الخلاف يرى أن التوكيل لا يصح أن يكون موجها الى رب السلم بل الى آخر يذهب معه رب السلم حتى يشتريه الوكيل فيقبض الذى له، ولا يتولى هو شراءه (٣).
مذهب الإباضية:
يجوز التوكيل فى السلم عند الإباضية، حتى ولو كان الوكيل هو رب السلم، فلو أن رب السلم طالب المسلم اليه بالمسلم فيه فوجهه اليه ثم قال له: كله أنت لنفسك فانه لا يفسد عليه ان فعل، وان كان الأحسن أن يأمر من يكيله له (٤).
وذكر صاحب شرح النيل: أنه ان قال المتسلف للمسلم: كل لنفسك من مالى واقض لنفسك جاز عند بعض وقيل:
لا بد من أن يقضيه المتسلف بعد ذلك (٥).
ويصح أن يوكل المسلم اليه انسانا فى تسلم رأس مال السلم، فقد ذكر صاحب شرح النيل أنه ان أحضر المسلم رأس المال فقال المسلم اليه سلمه لفلان وكيلى أو مأمورى أو خليفتى، أو قال سلمه لفلان وقد علم المسلم أن فلانا مأموره أو وكيله أو خليفته أو لم يعلم فسلم اليه ثم تحقق أنه مأموره أو خليفته أو وكيله من حين الأمر بالتسليم اليه صح (٦).
стр. 3009
حكم الاقالة فى السلم
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب البحر الرائق من أئمة الحنفية أن الاقالة تصح فى السلم قبل قبض المسلم فيه سواء كان رأس المال عينا أو كان دينا وسواء كان قائما فى يد المسلم اليه أو كان هالكا، لأن المسلم فيه - وان كان دينا فى الحقيقة. له حكم العين حتى انه لا يجوز أن يستبدل به قبل قبضه. ومن ثم فأن شرط صحة الاقالة - وهو قيام المبيع - متحقق فى السلم (١). وعلى ذلك فانه يصح للمسلم وللمسلم اليه أن يتفقا على رفع السلم وفسخه بأن يقول أحدهما للآخر أقلنى أو فاسختك أو تركت أو تاركتك أو نحو ذلك فيجيبه الآخر الى طلبه بقوله مثلا:
أقلتك أو ما أشبه ذلك من الأقوال والأفعال التى تفيد القبول (٢).
وكما تصح الاقالة فى السلم فانها تصح كذلك فى بعض السلم، فلو أقاله عن نصف المسلم فيه أو ربعه مثلا جاز ويبقى العقد فى الباقى.
أما الاقالة فى مجرد الوصف - بأن يكون المسلم فيه كله جيدا مثلا فيتفقان على أن يكون رديئا فى مقابل أن يرد المسلم اليه درهما مثلا الى رب السلم - فان هذا النوع من الاقالة لا يجوز عندهما.
أما عند أبى يوسف فقد روى أنه يجيز ذلك لكن ليس على أنه اقالة بل عن طريق الحط عن رأس المال (٣).
ولا يجوز لرب السلم أن يشترى شيئا من المسلم اليه برأس المال بعد الاقالة فى عقد السلم الصحيح قبل أن يقبض رب السلم رأس المال من المسلم اليه قبضا كائنا بحكم الاقالة لقوله ﷺ : لا تأخذ الا سلمك أو رأس مالك.
أى لا تأخذ الا سلمك فى حال قيام العقد أو رأس مالك فى حال انفساخه. فالاستبدال ممنوع ولأن رأس المال أخذ شبها بالمبيع، لأن الاقالة بيع فى حق غيرهما، ولا يمكن جعل المسلم فيه مبيعا لسقوطه فتعين أن يجعل رأس المال مبيعا وان كان دينا فى الذمة لأن كونه دينا لا ينافى أن يكون مبيعا كالمسلم فيه قبل القبض فصار رأس المال بعد الاقالة بمنزلة المسلم فيه قبل الاقالة فيأخذ حكمه من حرمة الاستبدال بغيره ولأن الاقالة لما صارت بيعا جديدا من وجه كان حكم رأس المال فيها كحكمه فى البيع الأول وهو السلم تنزيلا للخلف منزلة الأصل فيحرم استبداله بعد الاقالة كما كان يحرم قبلها. الا أنه لا يجب قبضه فى مجلس الاقالة بعدها
стр. 3010
كما كان يجب قبلها، لأن الاقالة ليست بيعا من كل وجه، ولهذا جاز ابراؤه عنه وان كان لا يجوز قبلها.
وذكر الزيلعى أن زفر أجاز بيع رأس مال السلم بعد الاقالة، وهو القياس، لأنه لما بطل السلم بقى رأس المال دينا فى ذمته فيصح الاستبدال به كسائر الديون (١).
ولو أسلم أمة فى كربر وقبضها المسلم اليه ثم عادا فاتفقا على الاقالة فى السلم فماتت الأمة قبل أن يقبضها رب السلم بحكم الاقالة بقى عقد الاقالة أما لو ماتت الأمة ثم تقايلا صح عقد الاقالة لبقاء المعقود عليه لأن الجارية رأس مال السلم وهو فى حكم الثمن فى العقد والمبيع هو المسلم فيه، وانما تعتمد صحة الاقالة على قيام المبيع لا الثمن، فهلاك الأمة - رأس المال - لا يغير حال الاقالة من البقاء فى الأول والصحة فى الثانية. وعلى المسلم اليه قيمة الجارية على حسب ما كان يوم القبض فى المسئلتين، لأنه اذا انفسخ العقد فى المسلم فيه انفسخ فى الجارية تبعا فوجب عليه أن يردها ولكنه فى هذه الحالة عاجز عن ذلك ومن ثم وجب عليه أن يرد قيمتها (٢). ولو تقايلا السلم ثم تقايلا الاقالة لم يصح ذلك، لأن الاقالة فى السلم لا تقبل الاقالة بخلافها فى البيع مثلا حيث تصح وانما لا تصح فى السلم لأن المسلم فيه دين سقط.
والساقط لا يعود (٣).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن الاقالة فى عمومها - بيع من البيوع يحلها ما يحل البيوع، ويحرمها ما يحرم البيوع (٤)، ومن ثم يرى المالكية ان الاقالة فى السلم جائزة على العموم، غير أن هناك أحكاما خاصة ببعض الأحوال تترتب على الاقالة. فلو أن رجلا أسلم الى رجل ثيابا فى طعام الى أجل فأقاله رب السلم من نصف الطعام الذى له على المسلم اليه قبل محل أو بعد محل الأجل على أن يرد عليه نصف الثياب التى دفعها اليه بعينها، جاز ذلك، لأن الثياب لا تشبه الدراهم اذ الدراهم ينتفع بها والثياب لا منفعة فيها اذا ردت بأعيانها والدراهم لا تعرف بأعيانها لأنه لو سلف دراهم فى طعام الى أجل فأقاله من نصف ذلك الطعام قبل أن يفترقا على أن يرد اليه نصف دراهمه لم يكن بذلك بأس فكذلك الثياب (٥).
ولا بأس بالاقالة اذا وقعت بين متعاقدين على سلم ثوب فى حيوان الى أجل فلما حل الأجل أو قبل أن يحل أخذ رب السلم الثوب من المسلم اليه بعينه وزاده ثوبا من صنفه أو من غير صنفه
стр. 3011
على أن أقاله من الحيوان الذى أسلم اليه فيه (١).
وذكر سحنون أن مالكا قال فيمن أسلم دابة أو غلاما فى طعام فلم يتغير الغلام ولا الدابة فى يديه بنماء ولا نقصان فحل الأجل فأراد أن يقيله: لا بأس أن يقيله ويأخذ دابته أو غلامه ويقيله من سلمه فان أقاله قبل محل أجله فلا بأس فى ذلك أيضا. فالتغير الذى يتأثر به الحكم هو تغير البدن، أما تغير السوق فلا يؤثر فى صحة الاقالة. فقد ذكر سحنون أن مالكا لم ير بأسا فى أن يقيله من سلمه ويأخذ دابته بعد شهرين أو ثلاثة، فلو كان حكم الاقالة يتغير تبعا لتغير الأسواق لمنع مالك مثل ذلك، لأن فى شهرين أو ثلاثة ما تحول فيه أسواق الدواب (٢).
أما اذا تغير الغلام أو الدابة فى يدى المسلم اليه بأن دخلها نقصان أو نماء فان الاقالة فى هذه الحالة لا تصح على ما رواه سحنون فى المدونة من أن مالكا لا يعجبه الاقالة فى السلم اذا دخل المسلم العبد نقصان بين من عور أو عيب من العيوب، ولا يرى فى مثل تلك الاقالة خيرا. وأن ابن القاسم يرى النماء بمنزلة الدابة العجفاء تسمن أو الصغير يكبر، أو البيضاء العينين يذهب بياضهما والصماء يذهب صممها ان ذلك لا ينبغى فيه الاقالة، لأنه زيادة أما لو كان المسلم جارية مهزولة فسمنت فانه لا يرى به بأسا (٣).
واذا تقايلا السلم وكانت دراهم رب السلم فى يد المسلم اليه، فان له أن يعطيه نفس دراهمه وله أن يعطيه غيرها اذا كانت مثل دراهمه حتى ولو لم يفارقه.
فان كانت الدراهم قائمة بعينها عنده وأقاله على أن يدفع اليه دراهمه بعينها لم يلزمه الشرط وجاز له أن يدفع اليه غيرها بخلاف ما اذا كان طعاما فان لرب السلم أن يأخذه ان كان قائما بعينه اشترط أم لم يشترط، لأن الدراهم لا يشترى بأعيانها والطعام وما يوزن وما يكال مما يؤكل ويشرب أو لا يؤكل ولا يشرب قد يشترى بعينه (٤).
هذا والاقالة على القيمة لا تجوز، فلو أن رجلا أسلم الى رجل ثوبا فى طعام الى أجل فهلك الثوب ثم استقاله فأقاله لم تجز الاقالة لأن الثوب قد ضاع، ولا تكون الاقالة على القيمة ولا على ثوب يشتريه وانما الاقالة عليه بعينه.
ولو أسلم ثوبا فى طعام ثم تقايلا جازت الاقالة اذا رد الثوب بحضرة الاقالة ولم يؤخر دفع ذلك الثوب فان كان الثوب حين تقايلا قائما عند
стр. 3012
صاحبه بعينه يعلمان ذلك فلما تقايلا بعث ليؤتى بالثوب فأصاب الثوب وقد تلف فلا اقالة بينهما، ويكونان على سلمهما، لأنه لا يصلح أن يقيله الا بنقد فلما لم ينتقد بطلت الاقالة - وانما كانت الاقالة على ثوبه بعينه فتلف فلما تلف بطلت الاقالة (١).
ولا يصح أن يزيده شيئا ليرضى باقالته - فلو أسلم الى رجل ثوبا فى طعام الى أجل فلقيه فاستقاله فأبى فزاده دراهم على أن يقيله لم يصلح هذا.
ولا يجوز استبدال رأس المال بعد الاقالة فى السلم - فلو أسلم فى طعام الى أجل، ثم تقايلا فأخذ منه بالدراهم عرضا من العروض بعد ما تقايلا لم يجز ذلك حتى يأخذ رأس ماله، لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى لأنه اذا أقاله فلم يأخذ رأس ماله حتى أخذ سلعة من السلع فكأنه انما باعه سلعة الذى كان له عليه بهذا العرض وانما الاقالة لغو فيما بينهما (٢).
ولا يجوز للمقيل أن يؤخر حق المستقبل ساعة، بل ولا يجوز أن يتفرقا حتى يقبض صاحب الحق ماله لدى صاحبه الذى أقاله، فلو أن رجلا أسلم فى حنطة أو عروض فاستقاله المسلم اليه فأقاله فانه لا يجوز له أن يؤخره ولا يجوز أن يتفرقا حتى يقبض (٣).
ولا يجوز الاقالة فى السلم على أن يحضر فى رأس المال حميلا (أى ضامنا) أو رهنا أو يحيل رب السلم به على ما أفتى به الامام مالك فى المدونة، لأن هذا يصير دينا فى دين وبيع الطعام قبل أن يستوفى (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى الأم أن الامام الشافعى رحمه الله تعالى أجاز الاقالة فى السلم فمن سلف ذهبا فى طعام موصوف ثم حل السلف كان له طعام فى ذمة بائعه، فان شاء أخذه به كله حتى يوفيه اياه، وان شاء تركه، وان شاء أقاله منه كله، واذا كان له أن يقيله من كله اذا اجتمعا على الاقالة كان له اذا اجتمعا أن يقيله من بعضه فيكون ما أقاله منه كما لم يتبايعا فيه، وما لم يقله منه، يكن كما كان لازما له بصفته فان شاء أخذه وان شاء تركه.
ثم قال معللا لجواز الاقالة مع أنه لا يصح لمن أسلف فى طعام أن يبيعه - واذا أقاله منه أو من بعضه فالاقالة ليست ببيع انما هى نقض بيع تراضيا بنقض العقدة الأولى التى وجبت لكل واحد منهما على صاحبه .. فقد أخبرنا
стр. 3013
سعيد بن سالم عن ابن جريج أن عطاء كان لا يرى بأسا فى أن يقبل رأس ماله منه أو ينظره أو يأخذ بعض السلعة وينظره بما بقى (١).
واذا أقال رب السلم المسلم اليه من المسلم فيه أو بعضه فله عليه من رأس المال بقدر ما أقاله على ما روى الربيع عن الشافعى قال: أخبرنا سعيد ابن سالم القداح عن ابن جريج أنه قال لعطاء أسلفت دينارا فى عشرة أفراق فحلت أفأقبض منه ان شئت خمسة أفراق وأكتب نصف الدينار عليه دينا؟ فقال: نعم قال الشافعى لأنه اذا أقاله منه فله عليه رأس مال ما أقاله منه، وسواء انتقده أو تركه، لأنه لو كان عليه مال حال جاز أن يأخذه وأن ينظره به متى شاء (٢).
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب المنتهى أنه تصح اقالة فى سلم لأنها فسخ، وتصح اقالة فى بعضه لأنها مندوب اليها وكل مندوب اليه صح فى شئ صح فى بعضه كالابراء.
والاقالة تصح فى السلم وفى بعضه بدون قبض رأس مال السلم فى مجلس الاقالة ان وجد أو بدون قبض عوض رأس مال السلم ان تعذر رأس المال لتلفه، لأن الاقالة فسخ فاذا حصلت بقى الثمن بيد البائع أو فى ذمته، فلم يشترط قبضه فى المجلس كالقرض. واذا تمت الاقالة فى السلم وفسخ عقده فانه يجب على المسلم اليه رد ما أخذ من رأس مال السلم أن بقى لرجوعه لمشتر.
وان لم يكن ما أخذ من رأس مال المسلم باقيا فعليه رد مثله ان كان مثليا، ثم قيمته ان كان متقوما، أو تعذر المثل، لأن ما تعذر رده رجع يبدله (٣).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم: ولا تجوز الاقالة فى السلم لأن الاقالة تعتبر بيعا صحيحا ولا يصح أن يبيع الانسان ما لم يقبض فقد صح أن النبى ﷺ فهى عن بيع ما لم يقبض وعن بيع المجهول لأنه غرر (٤).
مذهب الزيدية:
روى صاحب الروض النضير من الزيدية: أن الاقالة تصح فى السلم سواء كان فيه جميعه أو فى بعضه (٥).
لعموم قول رسول الله ﷺ : من أقال نادما أقاله الله نفسه
стр. 3014
يوم القيامة. فان شرط فيها خلاف الثمن الأول لم تصح الاقالة اذ لم يسقطا حقهما من الثمن والمسلم فيه الا بشرط العوض وشرط خلافه باطل. فاذا بطل الشرط بطل المشروط.
وقيل: بل تصح الاقالة ويلغو الشرط ..
وهو الأقرب للمذهب (١).
وذكر صاحب التاج المذهب أنه متى بطل السلم بالفسخ بسبب الاقالة أو غيرها لم يأخذ رب السلم من المسلم اليه الا رأس مال السلم ان كان باقيا فى يده أو عوضه ان كان تالفا، ففى المثلى مثله ان وجد أو قيمته يوم القبض ان عدم المثلى أو كان قيميا سواء تلف رأس المال - ولو حكما أو خرج عن ملك المسلم اليه بأى وجه. هذا بالنسبة لرأس المال أما فوائده فلا يصح أن ترد اذا كان الفسخ بالتراضى، وان كان بالحكم ردت الفوائد الأصلية دون الفرعية وان كان الفسخ لبطلان رأس المال ردت الفرعية والأصلية سواء كان الفسخ بالحكم أم بالتراضى اذ هو نقض للعقد من أصله. ولا يصح أن يبتاع رب السلم برأس المال شيئا قبل القبض اذا بطل السلم بالفسخ (٢).
مذهب الإمامية:
ذكر صاحب الخلاف أن الاقالة تصح فى بعض السلم كما تصح فى جميعه، لما روى عن النبى ﷺ أنه قال: من أقال نادما فى بيعه أقاله الله نفسه يوم القيامة (٣).
وذكر أنه اذا أقاله بأكثر من الثمن أو بأقل منه أو بجنس غير جنسه كانت الاقالة فاسدة وكان المبيع على ملك المشترى كما كان، وأنه اذا أقاله جاز أن يأخذ مثل الذى أعطاه من غير جنسه مثل أن يكون أعطاه دنانير فيأخذ منه دراهم، أو أن يكون أعطاه عرضا فيأخذ دراهم وما أشبه ذلك، لقول الله تعالى:
«وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ» (٤) وقول النبى ﷺ : اذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ولم يفرق فهو على عمومه (٥).
مذهب الإباضية:
ذكر صاحب شرح النيل منسوبا الى الشيخ أن السلم لا تجوز الاقالة فيه حتى يقبض، لأن الاقالة بيع ومن ثم فصحة الاقالة فى السلم تؤدى الى بيع ما لم يقبض سواء كان طعاما أو غيره ويؤدى الى بيع الطعام قبل أن يستوفى أن كان طعاما، وقد نهى النبى صلّى الله
стр. 3015
عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض ولذلك جازت الاقالة فيه بعد القبض. وان وقعت الاقالة ممن السلم عليه لغير من السلم له مثل أن يقول: ان على لزيد عشرة أمداد سلما قيمة درهمين فخذ منى يا بكر درهمين وأعط زيدا عشرة أمداد فان ذلك يجوز عند بعض الأئمة ويمنعه البعض الآخر.
أما من يقول بأن الاقالة ليست بيعا، بل هى فسخ فانه يجيز الاقالة بين المسلم والمسلم اليه ولو قبل قبض المسلم فيه (١).
وينفسخ السلم كالدين بأخذه قبل أجله ولو برضاهما. وكذا ينفسخ بأخذ البعض من الدين أو البعض من السلم قبل الأجل وسواء أخذه قبل الأجل عمدا أو غلطا فى حلوله أو لأن أحدا أوهمهما (٢).
كما ينفسخ اذا أخذ رب السلم رأس ماله أو بعضه ولو بجهل، كأن ظن أن السلم منتقض أو سأل أحدا فأفتى له بنقضه أو تحاكم فحكم عليه بنقضه أو قال له قائل: ان سلمك منتقض فأخذ رأس ماله والسلم فى الحقيقة ليس منتقضا لكنه جهل بما يوصل اليه بالعلم أو بما لا يوصل اليه به. وانتقاض السلم هنا يتم باعطاء المستلف وقبض المسلف فلا يرد المسلف رأس ماله الى المستلف بعد ما رده وكذا أن اتفقا على نقض السلم فنقضاه (٣).
وذكر صاحب النيل أن السلم اذا فسخ بموجب فسخه - ولو بأخذ رأس المال أو بالاتفاق على أن يقبضه - فلا يصح لرب السلم أن يتعرض برأس ماله ان لم يقبضه - عروضا من مسلم اليه، لئلا يكون ذلك ذريعة الى ما لا يجوز لأنه ان باع بأكثر من رأس ماله أخذ زيادة على حقه فكأنه أعطاه دراهم مثلا بزيادة والعروض ذريعة، وان باع بالمساوى ولا نقص لم يجز أيضا طردا للباب وسدا للذريعة.
ولكن شارح النيل أباح لرب السلم هذا التعرض، لأسباب.
أولها: أن ما أخذه ليس من جنس رأس ماله فلا تضر زيادته بالتقويم على رأس ماله لأن التقويم أمر آخر. ومن باب أولى أن لا تضر زيادة ما أخذ اذا باعه بعد ما أخذه.
ثانيهما: أنه قد تقرر أن من له دنانير أو دراهم له أن يأخذ ممن هى عليه ما اتفقا عليه الا الربا فان الصحيح فيه لزوم رد ما أعطى وقد قيل فيه أيضا بجواز المقاصمة والتقاضى بنوع آخر. ودعوى أن المنع مخصوص برأس مال السلف لخروجه عن الأصل