على أن أقاله من الحيوان الذى أسلم اليه فيه (١).
وذكر سحنون أن مالكا قال فيمن أسلم دابة أو غلاما فى طعام فلم يتغير الغلام ولا الدابة فى يديه بنماء ولا نقصان فحل الأجل فأراد أن يقيله: لا بأس أن يقيله ويأخذ دابته أو غلامه ويقيله من سلمه فان أقاله قبل محل أجله فلا بأس فى ذلك أيضا. فالتغير الذى يتأثر به الحكم هو تغير البدن، أما تغير السوق فلا يؤثر فى صحة الاقالة. فقد ذكر سحنون أن مالكا لم ير بأسا فى أن يقيله من سلمه ويأخذ دابته بعد شهرين أو ثلاثة، فلو كان حكم الاقالة يتغير تبعا لتغير الأسواق لمنع مالك مثل ذلك، لأن فى شهرين أو ثلاثة ما تحول فيه أسواق الدواب (٢).
أما اذا تغير الغلام أو الدابة فى يدى المسلم اليه بأن دخلها نقصان أو نماء فان الاقالة فى هذه الحالة لا تصح على ما رواه سحنون فى المدونة من أن مالكا لا يعجبه الاقالة فى السلم اذا دخل المسلم العبد نقصان بين من عور أو عيب من العيوب، ولا يرى فى مثل تلك الاقالة خيرا. وأن ابن القاسم يرى النماء بمنزلة الدابة العجفاء تسمن أو الصغير يكبر، أو البيضاء العينين يذهب بياضهما والصماء يذهب صممها ان ذلك لا ينبغى فيه الاقالة، لأنه زيادة أما لو كان المسلم جارية مهزولة فسمنت فانه لا يرى به بأسا (٣).
واذا تقايلا السلم وكانت دراهم رب السلم فى يد المسلم اليه، فان له أن يعطيه نفس دراهمه وله أن يعطيه غيرها اذا كانت مثل دراهمه حتى ولو لم يفارقه.
فان كانت الدراهم قائمة بعينها عنده وأقاله على أن يدفع اليه دراهمه بعينها لم يلزمه الشرط وجاز له أن يدفع اليه غيرها بخلاف ما اذا كان طعاما فان لرب السلم أن يأخذه ان كان قائما بعينه اشترط أم لم يشترط، لأن الدراهم لا يشترى بأعيانها والطعام وما يوزن وما يكال مما يؤكل ويشرب أو لا يؤكل ولا يشرب قد يشترى بعينه (٤).
هذا والاقالة على القيمة لا تجوز، فلو أن رجلا أسلم الى رجل ثوبا فى طعام الى أجل فهلك الثوب ثم استقاله فأقاله لم تجز الاقالة لأن الثوب قد ضاع، ولا تكون الاقالة على القيمة ولا على ثوب يشتريه وانما الاقالة عليه بعينه.
ولو أسلم ثوبا فى طعام ثم تقايلا جازت الاقالة اذا رد الثوب بحضرة الاقالة ولم يؤخر دفع ذلك الثوب فان كان الثوب حين تقايلا قائما عند
стр. 3012
صاحبه بعينه يعلمان ذلك فلما تقايلا بعث ليؤتى بالثوب فأصاب الثوب وقد تلف فلا اقالة بينهما، ويكونان على سلمهما، لأنه لا يصلح أن يقيله الا بنقد فلما لم ينتقد بطلت الاقالة - وانما كانت الاقالة على ثوبه بعينه فتلف فلما تلف بطلت الاقالة (١).
ولا يصح أن يزيده شيئا ليرضى باقالته - فلو أسلم الى رجل ثوبا فى طعام الى أجل فلقيه فاستقاله فأبى فزاده دراهم على أن يقيله لم يصلح هذا.
ولا يجوز استبدال رأس المال بعد الاقالة فى السلم - فلو أسلم فى طعام الى أجل، ثم تقايلا فأخذ منه بالدراهم عرضا من العروض بعد ما تقايلا لم يجز ذلك حتى يأخذ رأس ماله، لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى لأنه اذا أقاله فلم يأخذ رأس ماله حتى أخذ سلعة من السلع فكأنه انما باعه سلعة الذى كان له عليه بهذا العرض وانما الاقالة لغو فيما بينهما (٢).
ولا يجوز للمقيل أن يؤخر حق المستقبل ساعة، بل ولا يجوز أن يتفرقا حتى يقبض صاحب الحق ماله لدى صاحبه الذى أقاله، فلو أن رجلا أسلم فى حنطة أو عروض فاستقاله المسلم اليه فأقاله فانه لا يجوز له أن يؤخره ولا يجوز أن يتفرقا حتى يقبض (٣).
ولا يجوز الاقالة فى السلم على أن يحضر فى رأس المال حميلا (أى ضامنا) أو رهنا أو يحيل رب السلم به على ما أفتى به الامام مالك فى المدونة، لأن هذا يصير دينا فى دين وبيع الطعام قبل أن يستوفى (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى الأم أن الامام الشافعى رحمه الله تعالى أجاز الاقالة فى السلم فمن سلف ذهبا فى طعام موصوف ثم حل السلف كان له طعام فى ذمة بائعه، فان شاء أخذه به كله حتى يوفيه اياه، وان شاء تركه، وان شاء أقاله منه كله، واذا كان له أن يقيله من كله اذا اجتمعا على الاقالة كان له اذا اجتمعا أن يقيله من بعضه فيكون ما أقاله منه كما لم يتبايعا فيه، وما لم يقله منه، يكن كما كان لازما له بصفته فان شاء أخذه وان شاء تركه.
ثم قال معللا لجواز الاقالة مع أنه لا يصح لمن أسلف فى طعام أن يبيعه - واذا أقاله منه أو من بعضه فالاقالة ليست ببيع انما هى نقض بيع تراضيا بنقض العقدة الأولى التى وجبت لكل واحد منهما على صاحبه .. فقد أخبرنا
стр. 3013
سعيد بن سالم عن ابن جريج أن عطاء كان لا يرى بأسا فى أن يقبل رأس ماله منه أو ينظره أو يأخذ بعض السلعة وينظره بما بقى (١).
واذا أقال رب السلم المسلم اليه من المسلم فيه أو بعضه فله عليه من رأس المال بقدر ما أقاله على ما روى الربيع عن الشافعى قال: أخبرنا سعيد ابن سالم القداح عن ابن جريج أنه قال لعطاء أسلفت دينارا فى عشرة أفراق فحلت أفأقبض منه ان شئت خمسة أفراق وأكتب نصف الدينار عليه دينا؟ فقال: نعم قال الشافعى لأنه اذا أقاله منه فله عليه رأس مال ما أقاله منه، وسواء انتقده أو تركه، لأنه لو كان عليه مال حال جاز أن يأخذه وأن ينظره به متى شاء (٢).
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب المنتهى أنه تصح اقالة فى سلم لأنها فسخ، وتصح اقالة فى بعضه لأنها مندوب اليها وكل مندوب اليه صح فى شئ صح فى بعضه كالابراء.
والاقالة تصح فى السلم وفى بعضه بدون قبض رأس مال السلم فى مجلس الاقالة ان وجد أو بدون قبض عوض رأس مال السلم ان تعذر رأس المال لتلفه، لأن الاقالة فسخ فاذا حصلت بقى الثمن بيد البائع أو فى ذمته، فلم يشترط قبضه فى المجلس كالقرض. واذا تمت الاقالة فى السلم وفسخ عقده فانه يجب على المسلم اليه رد ما أخذ من رأس مال السلم أن بقى لرجوعه لمشتر.
وان لم يكن ما أخذ من رأس مال المسلم باقيا فعليه رد مثله ان كان مثليا، ثم قيمته ان كان متقوما، أو تعذر المثل، لأن ما تعذر رده رجع يبدله (٣).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم: ولا تجوز الاقالة فى السلم لأن الاقالة تعتبر بيعا صحيحا ولا يصح أن يبيع الانسان ما لم يقبض فقد صح أن النبى ﷺ فهى عن بيع ما لم يقبض وعن بيع المجهول لأنه غرر (٤).
مذهب الزيدية:
روى صاحب الروض النضير من الزيدية: أن الاقالة تصح فى السلم سواء كان فيه جميعه أو فى بعضه (٥).
لعموم قول رسول الله ﷺ : من أقال نادما أقاله الله نفسه
стр. 3014
يوم القيامة. فان شرط فيها خلاف الثمن الأول لم تصح الاقالة اذ لم يسقطا حقهما من الثمن والمسلم فيه الا بشرط العوض وشرط خلافه باطل. فاذا بطل الشرط بطل المشروط.
وقيل: بل تصح الاقالة ويلغو الشرط ..
وهو الأقرب للمذهب (١).
وذكر صاحب التاج المذهب أنه متى بطل السلم بالفسخ بسبب الاقالة أو غيرها لم يأخذ رب السلم من المسلم اليه الا رأس مال السلم ان كان باقيا فى يده أو عوضه ان كان تالفا، ففى المثلى مثله ان وجد أو قيمته يوم القبض ان عدم المثلى أو كان قيميا سواء تلف رأس المال - ولو حكما أو خرج عن ملك المسلم اليه بأى وجه. هذا بالنسبة لرأس المال أما فوائده فلا يصح أن ترد اذا كان الفسخ بالتراضى، وان كان بالحكم ردت الفوائد الأصلية دون الفرعية وان كان الفسخ لبطلان رأس المال ردت الفرعية والأصلية سواء كان الفسخ بالحكم أم بالتراضى اذ هو نقض للعقد من أصله. ولا يصح أن يبتاع رب السلم برأس المال شيئا قبل القبض اذا بطل السلم بالفسخ (٢).
مذهب الإمامية:
ذكر صاحب الخلاف أن الاقالة تصح فى بعض السلم كما تصح فى جميعه، لما روى عن النبى ﷺ أنه قال: من أقال نادما فى بيعه أقاله الله نفسه يوم القيامة (٣).
وذكر أنه اذا أقاله بأكثر من الثمن أو بأقل منه أو بجنس غير جنسه كانت الاقالة فاسدة وكان المبيع على ملك المشترى كما كان، وأنه اذا أقاله جاز أن يأخذ مثل الذى أعطاه من غير جنسه مثل أن يكون أعطاه دنانير فيأخذ منه دراهم، أو أن يكون أعطاه عرضا فيأخذ دراهم وما أشبه ذلك، لقول الله تعالى:
«وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ» (٤) وقول النبى ﷺ : اذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ولم يفرق فهو على عمومه (٥).
مذهب الإباضية:
ذكر صاحب شرح النيل منسوبا الى الشيخ أن السلم لا تجوز الاقالة فيه حتى يقبض، لأن الاقالة بيع ومن ثم فصحة الاقالة فى السلم تؤدى الى بيع ما لم يقبض سواء كان طعاما أو غيره ويؤدى الى بيع الطعام قبل أن يستوفى أن كان طعاما، وقد نهى النبى صلّى الله
стр. 3015
عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض ولذلك جازت الاقالة فيه بعد القبض. وان وقعت الاقالة ممن السلم عليه لغير من السلم له مثل أن يقول: ان على لزيد عشرة أمداد سلما قيمة درهمين فخذ منى يا بكر درهمين وأعط زيدا عشرة أمداد فان ذلك يجوز عند بعض الأئمة ويمنعه البعض الآخر.
أما من يقول بأن الاقالة ليست بيعا، بل هى فسخ فانه يجيز الاقالة بين المسلم والمسلم اليه ولو قبل قبض المسلم فيه (١).
وينفسخ السلم كالدين بأخذه قبل أجله ولو برضاهما. وكذا ينفسخ بأخذ البعض من الدين أو البعض من السلم قبل الأجل وسواء أخذه قبل الأجل عمدا أو غلطا فى حلوله أو لأن أحدا أوهمهما (٢).
كما ينفسخ اذا أخذ رب السلم رأس ماله أو بعضه ولو بجهل، كأن ظن أن السلم منتقض أو سأل أحدا فأفتى له بنقضه أو تحاكم فحكم عليه بنقضه أو قال له قائل: ان سلمك منتقض فأخذ رأس ماله والسلم فى الحقيقة ليس منتقضا لكنه جهل بما يوصل اليه بالعلم أو بما لا يوصل اليه به. وانتقاض السلم هنا يتم باعطاء المستلف وقبض المسلف فلا يرد المسلف رأس ماله الى المستلف بعد ما رده وكذا أن اتفقا على نقض السلم فنقضاه (٣).
وذكر صاحب النيل أن السلم اذا فسخ بموجب فسخه - ولو بأخذ رأس المال أو بالاتفاق على أن يقبضه - فلا يصح لرب السلم أن يتعرض برأس ماله ان لم يقبضه - عروضا من مسلم اليه، لئلا يكون ذلك ذريعة الى ما لا يجوز لأنه ان باع بأكثر من رأس ماله أخذ زيادة على حقه فكأنه أعطاه دراهم مثلا بزيادة والعروض ذريعة، وان باع بالمساوى ولا نقص لم يجز أيضا طردا للباب وسدا للذريعة.
ولكن شارح النيل أباح لرب السلم هذا التعرض، لأسباب.
أولها: أن ما أخذه ليس من جنس رأس ماله فلا تضر زيادته بالتقويم على رأس ماله لأن التقويم أمر آخر. ومن باب أولى أن لا تضر زيادة ما أخذ اذا باعه بعد ما أخذه.
ثانيهما: أنه قد تقرر أن من له دنانير أو دراهم له أن يأخذ ممن هى عليه ما اتفقا عليه الا الربا فان الصحيح فيه لزوم رد ما أعطى وقد قيل فيه أيضا بجواز المقاصمة والتقاضى بنوع آخر. ودعوى أن المنع مخصوص برأس مال السلف لخروجه عن الأصل
стр. 3016
لا دليل عليها، وانما تصح هذه الدعوى اذا لم يفسخ السلم، أما اذا فسخ فقد خرجا منه بالكلية فكأنه لم يقع.
ثالثها: أنه لا شئ من الذرائع المنهى عنها حكم بأنه ذريعة وقد سبقه الفسخ وتخلل الفسخ الأمر، فان لفظ التذرع ونحوه دال على التوصل والاتصال، أما اذا وقع الفسخ كما هنا فقد انفصل ما قبل الفسخ عما يقع بعده فكل ما يقع بعده فانما هو أمر مستقل مستأنف.
رابعها: ان ذلك ان وقع بعد حلول الأجل فالتهمة بعيدة مع ذلك لحدوث الفسخ، نعم يتهمان اذا اتفقا على نقضه أو الاقالة فيه.
ثم قال: أما اذا كان رب السلم قد رجع الى رأس ماله بلا فسخ بل باقالة أو باتفاق على نقضه بدون أن يكون ثمة ما يوجب نقضه فلا اشكال حينئذ فى منع التعرض، وان كان رأس المال غير الذهب والفضة منع التعرض قطعا، سواء وقع الفسخ أو الاقالة أو غيرهما لأنه يئول الى بيع ما لم يقبض وغير ذلك (١).
حكم الخيار فى السلم
الخيار أنواع: خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب، ولكل منها حكمه فى السلم على حسب آراء أئمة المذاهب.
مذهب الحنفية:
جاء فى فتح القدير: أنه لا يصح السلم اذا كان فيه خيار الشرط للمسلم وللمسلم اليه أو لأحدهما، لأنه يمنع من تمام القبض لكونه يمنع من الانعقاد فى حق الحكم الذى هو ثبوت الملك، والسلم لا بد فيه من تسليم رأس المال ليتقلب فيه المسلم اليه ويتصرف، اذ الفرض أنه مفلس وأنه لم يلجأ الى عقد السلم الا لافلاسه، ومن ثم فلا بد من تمكينه من رأس المال حتى يقدر على تحصيل المسلم فيه الى الأجل، وهذا لأن المعلق بالشرط معدوم قبله فلا حكم أصلا - وهو الملك - فلا قبض (٢).
وذكر صاحب العناية: أن السلم لا يثبت فيه خيار الرؤية كذلك لكونه غير مفيد، لأن فائدة خيار الرؤية هو الفسخ عند الرؤية، والواجب بعقد السلم الدين، وما أخذه عين، فلو رد المأخوذ عاد الى ما فى ذمته، فيثبت الخيار فيما أخذه ثانيا وثالثا الى
стр. 3017
ما لا يتناهى، فاذا لم يفد الخيار - فائدته لا يجوز اثباته بخلافه فى بيع العين حيث يفيد فائدته لأن العقد ينفسخ عند الرؤية اذا رد المبيع لأنه رد عين ما تناوله العقد فيفسخ. ثم ذكر أن خيار الرؤية يصح فى رأس مال السلم (١).
وذكر صاحب البحر الرائق: أن خيار الرؤية يثبت للمسلم اليه فى رأس مال السلم اذا كان عينا مثليا كان أو قيميا لأنه لا يمنع ثبوت الملك. وأنه لا يثبت للمسلم فى المسلم فيه (٢).
أما خيار العيب فذكر فى العناية أنه يصح فى المسلم فيه لأنه لا يمنع تمام القبض لأن تمام القبض انما يكون بتمام الصفقة، وتمامها يكون بتمام الرضا وهو موجود وقت العقد (٣) هذا واذا أسقط خيار الشرط ممن هو له قبل أن يفترقا فلا يخلو الحال اما أن يكون رأس المال قائما، أولا، فان لم يكن رأس المال قائما لم يصح العقد بالاسقاط لأن بالهلاك صار دينا فى ذمة المسلم اليه فلو صح بالاسقاط كان برأس مال هو دين وذلك لا يجوز وان كان رأس المال قائما جاز العقد بالاسقاط خلافا لما يراه زفر من أنه لا يجوز كذلك (٤).
مذهب المالكية:
ذكر الخرشى أنه يجوز الخيار فى السلم للمسلم والمسلم اليه وسواء كان الخيار فى رأس مال السلم أو فى المسلم فيه، بأن يجعل أحد المتعاقدين لصاحبه أو لأجنبى الخيار فى امضاء عقد السلم أو رده بشرطين.
أحدهما: أن يكون ذلك ثلاثة أيام فأقل وهو الأجل الذى يجوز تأخير رأس المال اليه بالشرط.
ثانيهما: أن لا ينقد رأس المال فى زمن الخيار بشرط ولا تطوع، لأنه لو نقد وتم السلم لكان فسخ دين فى دين (أى لكان رأس مال دينا فى مسلم فيه هو دين وهو لا يجوز) لاعطاء المسلم اليه سلعة موصوفة لأجل عما ترتب فى ذمته وهو حقيقة فسخ الدين فى الدين (٥).
وقال الدسوقى فى حاشيته بل ان شرط النقد مفسد للسلم الواقع على الخيار مطلقا سواء حصل نقد بالفعل أم لم يحصل وسواء كان مما يعرف بعينه أم لا، وسواء أسقط الشرط أم لم يسقطه (٦).
стр. 3018
مذهب الشافعية:
يفرق الشافعية فى السلم بين خيار المجلس وخيار الشرط، حيث يجيزون خيار المجلس فى السلم ولا يجيزون خيار الشرط فيه.
فقد قال صاحب المهذب: «يجوز فى السلم خيار المجلس، لقول النبى ﷺ : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا» (١) ولا يثبت فيه خيار الشرط لأنه لا يجوز أن يفترقا قبل تمامه ولهذا لا يجوز أن يتفرقا قبل قبض العوض فلو أثبتنا فيه خيار الشرط أدى الى أن يتفرقا قبل تمامه.
مذهب الحنابلة:
جاء فى الشرح الكبير أنه يثبت خيار المجلس فى السلم، لما روى ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: اذا تبايع الرجلان فلكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فان خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وان تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع.
وروى عن الامام أحمد أنه لا يثبت فيه خيار المجلس (٢).
أما خيار الشرط فقد قال فيه صاحب المحرر أنه لا يثبت خيار الشرط فى بيع شرط القبض لصحته كالسلم.
وسوى صاحب النكت فى ذلك بين ما اذا كان اشتراط الخيار من الطرفين أو من أحدهما، وذكر أن العقد يفسد باشتراطه (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن كل بيع وقع بشرط خيار للبائع أو للمشترى أو لهما جميعا أو لغيرهما. خيار ساعة أو يوم أو ثلاثة أيام أو أكثر أو أقل فهو باطل، سواء تخيرا انفاذ هذا البيع أو لم يتخيرا انفاذه، فان قبضه المشترى باذن البائع فهلك فى يده بغير فعله فلا شئ عليه، وان قبضه بغير اذن صاحبه لكن بحكم حاكم أو بغير حكم حاكم ضمنه ضمان الغصب، وكذلك ان أحدث فيه حدثا ضمنه ضمان التعدى (٤).
مذهب الزيدية:
يرى الزيدية أن من الخيار ما يصح فى السلم ومنه ما لا يصح فيفسد به السلم.
فقد ذكر صاحب التاج المذهب أنه يثبت فى المسلم فيه خيار الرؤية وخيار
стр. 3019
العيب (١)، وأما رأس مال السلم فاذا كان من النقدين فلا يثبت خيار الرؤية فيه - على ما ذكره صاحب التاج المذهب الا فيما كان معيبا منها فله خيار العيب، وحيث يثبت له الخيار فلا بد من أن يكون الفسخ فى وجه البائع ان كان حاضرا أو يعلمه بكتاب أو رسول اذا كان غائبا كما هو الحال فى جميع الفسوخات (٢)، واذا رد رب السلم بخيار العيب لزم المسلم اليه ابداله غير معيب، وان رد بخيار الرؤية انفسخ السلم ولا يبدل، لأنه يؤدى الى التسلسل بخلاف الرد بالعيب (٣).
ومن أحكام شروط الخيار أنه يبطل الصرف والسلم وسائر الربويات فاذا دخل فى أيها أبطله ان لم يبطل الخيار فى المجلس والمراد قبل التفرق، لأنها مبنية على الابرام، والقبض والخيار ينافيهما، فأما اذا بطل الخيار قبل التفرق صح العقد (٤).
مذهب الإمامية:
ذكر صاحب الروضة البهية أنه اذا انقطع المسلم فيه عند الحلول حيث يكون مؤجلا ممكن الحصول بعد الأجل عادة فاتفق عدمه تخير المسلم بين الفسخ، فيرجع برأس ماله لتعذر الوصول الى حقه وانتفاء الضرر، وبين الصبر الى أن يحصل، وله ألا يفسخ ولا يصبر، بل يأخذ قيمته حينئذ لأن ذلك هو حقه.
والأقوى أن الخيار ليس فوريا، فله الرجوع بعد الصبر الى أحد الأمرين ما لم يصرح باسقاط حقه من الخيار، ولو كان الانقطاع بعد بذله ورضاه بالتأخير سقط خياره، ولو قبض البعض تخير أيضا بين الفسخ فى الجميع والصبر، وبين أخذ ما قبضه والمطالبة بحصة غيره من الثمن أو قيمة المثمن على القول الآخر، وفى تخيير المسلم اليه مع الفسخ فى البعض وجه قوى، لتبعض الصفقة عليه الا أن يكون الانقطاع من تقصيره فلا خيار له (٥).
اختلاف المتبايعين فى السلم
مذهب الحنفية:
اختلاف المتبايعين فى السلم اما أن يدور حول رأس مال السلم وما يتعلق به، واما أن يدور حول المسلم فيه وما يتعلق به من الوصف والأجل والاستيفاء ونحو ذلك.
стр. 3020
وفى اختلاف المتبايعين فى رأس مال السلم ذكر ابن نجيم أنه اذا اختلف رب السلم والمسلم اليه - بعد اقالة عقد السلم - فى مقدار رأس المال لم يتحالفا، والقول للمسلم اليه مع يمينه، ولا يعود السلم، لأن الاقالة فى باب السلم لا تحتمل النقض، لأنه اسقاط فلا يعود، ثم قال صاحب البحر:
وينبغى أخذا من تعليلهم - أن المتبايعين فى السلم لو اختلفا فى جنسه أو نوعه أو صفته بعد الاقالة فالقول للمسلم اليه كذلك. ولم أره صريحا (١).
وفى اختلاف المتبايعين فى المسلم فيه ذكر الزيلعى أن المتبايعين اذا اختلفا فى اشتراط الوصف فى المسلم فيه بأن قال أحدهما شرطنا رديئا، وقال الآخر: لم نشترط شيئا، أو قال أحدهما شرطنا الأجل، وقال الآخر لم نشترط شيئا كان القول قول من يدعى اشتراط الوصف والأجل، لأنه يدعى الصحة اذ السلم لا يجوز الا مؤجلا موصوفا فكان الظاهر شاهدا له لأن الفاسد حرام والظاهر من حال المسلم أن يتجنب الحرام ويباشر المباح، ثم الأصل فى جنس هذه المسائل أنهما اذا اختلفا فى الصحة فان خرج كلام أحدهما مخرج التعنت كان باطلا وكان القول قول من يدعى الصحة، وان خرج مخرج الخصومة فكذلك عند أبى حنيفة أن اتفقا على عقد واحد.
أما عندهما فان القول للمنكر. فلو أسلم مثلا - دراهم الى رجل فى كر حنطة فقال المسلم اليه: شرطنا رديئا، وقال رب السلم: لم نشترط شيئا كان القول قول المسلم اليه لأن رب السلم متعنت فى انكاره الصحة - اذ الظاهر أن المسلم فيه مع رداءته يزيد على رأس المال وكلام المتعنت مردود وفى عكسه بأن ادعى رب السلم شرط الردئ وأنكر المسلم اليه الشرط أصلا كان القول لرب السلم عند أبى حنيفة لأنه يدعى الصحة.
أما عندهما فان القول للمسلم اليه لأنه منكر، ولو قال المسلم إليه لم يكن له أجل وقال رب السلم: كان له الأجل كان القول لرب السلم عندهم، لأن المسلم اليه متعنت فى انكاره ما ينفعه - وهو الأجل وهو حق له - فكان باطلا - وكما أن القول لرب السلم فى ذكر الأجل فاليه يرجع أيضا فى تحديد مقدار الأجل.
أما اذا كان الأمر على خلاف ذلك بأن ادعى المسلم اليه الأجل وأنكره رب السلم فللحنفية فى ذلك قولان.
أولهما ما يقول به الامام أبو حنيفة وهو أن القول قول المسلم اليه لأنهما اتفقا على عقد السلم، واتفاقهما على العقد اتفاق على شرائطه، لأن شرط الشئ تبع له، وثبوته بثبوت الأصل، فانكار رب السلم الأجل بعد ذلك رجوع
стр. 3021
منه عما أقر به فلا يقبل كالمتناكحين اذا ادعى احدهما النكاح بغير شهود وادعاه الآخر بشهود كان القول لمن يدعى النكاح بالشهود.
وثانيهما ما يقول به الصاحبان وهو أن القول قول رب السلم، لأنه ينكر حقا عليه - وهو الأجل - فكان القول له وان أنكر الصحة كرب المال يقول للمضارب: شرطت لك نصف الربح الا عشرة دراهم. وقال المضارب: بل شرطت لى نصف الربح ولم تزد كان القول لرب المال وان كان فيه فساد العقد، لأنه منكر لاستحقاق الربح عليه (١).
مذهب المالكية:
ذكر الدسوقى فى حاشيته على الشرح الكبير أن المسلم والمسلم اليه اذا تنازعا فى جنس الثمن أو فى جنس المثمن أو فى نوعهما تحالفا وتفاسخا فى حالة القيام والفوات وأما اذا تنازعا فى قدر الثمن أو المثمن أو فى قدر الأجل أو فى الرهن أو الحميل فمع القيام يتحالفان ويتفاسخان ويرد ما يجب رده فى فوات رأس المال من قيمة وغيرها وهو المثل واما مع الفوات فاذا فات رأس المال عينا أو غيرها فالذى يصدق بيمينه البائع وهو المسلم اليه ان أشبه أشبه المسلم أيضا أم لا، وان انفرد المسلم بالشبه فالقول قوله بيمينه، فان لم يشبها تحالفا وتفاسخا اذا كان التنازع فى غير قدر المسلم فيه ورد المسلم ما يجب رده من قيمة رأس المال أو مثله وان كان التنازع فى قدر المسلم فيه لزم المسلم اليه سلم وسط مما اعتاد الناس أن يسلموا فيه فى تلك السلعة وزمانها عند ابن القاسم.
قال الدسوقى: وظاهر هذا الحكم أنه من غير يمين - على ما ذكره العدوى - فاذا كان بعض الناس من أهل البلد يسلم عشرة دنانير فى عشرة أرادب مثلا وبعضهم يسلمها فى ثمانية أرادب، وبعض آخر يسلم ذلك فى اثنى عشر أردبا يلزم الوسط وهو العشرة. وان اختلفا فى موضع المسلم فيه الذى يقبض فيه صدق من يدعى أنه موضع عقده بيمينه سواء كان رب السلم أو المسلم اليه، لأنهما لو سكتا عن ذكر موضع القبض لحكم بموضع العقد، وان لم يدع واحد منهما أنه موضع العقد بل ادعى كل منهما موضعا غيره فالبائع وهو المسلم اليه - يصدق أن أشبه سواء أشبه المشترى أم لا لأنه غارم ولذلك ترجح جانبه بالغرم بخلاف ما اذا أشبه المشترى وحده فانه يصدق فان لم يشبه واحد منهما تحالفا وبدأ البائع وهو المسلم اليه باليمين وفسخ.
وهذا كله مع فوات رأس المال. وهل هو بتطول الزمن أو بقبضه؟ قولان ظاهر المدونة الثانى منهما: فان تنازعا
стр. 3022
فى محل قبضه قبل فواته تحالفا وتفاسخا سواء ادعى أحدهما موضع عقده أو ادعيا غيره أشبه أحدهما أم لم يشبه. واحتاج الفسخ الى حكم على الأظهر فلا يحصل الفسخ بمجرد تحالفهما ما لم يتراضيا عليه لأن المواضع كالآجال - فى أن لها حصة من الثمن.
ولو كان العقد قد تم بينهما على أن المسلم يقبض المسلم فيه فى مصر وأريد بها القطر بتمامه فان العقد يفسخ لفساده بسبب الجهل بالموضع الذى يقبض فيه المسلم فيه حيث أطلق الموضع وأريد به حقيقة مصر أى القطر بتمامه.
أما ان أريد بها المدينة المعينة فان العقد يجوز بشرط أن يقبض المسلم فيه فى الفسطاط وهو مصر القديمة. واذا اشترط المسلم قبض المسلم فيه فى الفسطاط كان جائزا فان حصل تنازع بين المسلم والمسلم اليه فى محلّ القبض من الفسطاط قضى بالقبض فى سوق تلك السلعة من الفسطاط ان كان لتلك السلعة بسوق بالفسطاط، كما اذا كريت حمارا على حمل اردب مثلا الى الفسطاط فيلزم الحمار أن يحمله على حمار الى سوق تلك السلعة، وان لم يكن لتلك السلعة سوق فى تلك البلد ففى أى مكان من تلك البلد قضاه برئ من عهدته ويلزم المشترى أن يقبله منه فى ذلك المكان الا أن يكون العرف بالقضاء فى محل خاص والا عمل به (١).
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أن اختلاف المتبايعين:
سواء كان فى قدر المسلم فيه أو فى نوعه أو فى أجله يترتب عليه فى كل هذه الأحوال: حلف البائع ثم تخيير المشترى بين أن يأخذ بما أقر له به البائع بلا يمين أو أن يحلف فيبرأ من دعوى البائع ويتفاسخان.
وقال الشافعى ﵀ فى الأم:
ولو اختلف المسلف والمسلف اليه فى السلم فقال المشترى اسلفتك مائة دينار فى مائتى صاع حنطة وقال البائع:
أسلفتنى مائة دينار فى مائة صاع حنطة حلف البائع بالله ما باعه بالمائة التى قبض منه الا مائة صاع فاذا حلف قيل للمشترى ان شئت فلك عليه المائة صاع التى أقر بها وان شئت فاحلف ما ابتعت منه مائة صاع وقد كان بيعك مائتى صاع لأنه مدع عليك أنه ملك عليك المائة الدينار بالمائة الصاع وأنت منكر فان حلف تفاسخا البيع. وكذلك لو اختلفا فيما اشترى منه فقال:
أسلفتك مائتى دينار فى مائة صاع تمر وقال: بل أسلفتنى فى مائة صاع ذرة.
стр. 3023
أو قال: أسلفتك فى مائة صاع بردى، وقال: بل أسلفتنى فى مائة صاع عجوة.
أو قال أسلفتك فى سلعة موصوفة، وقال الآخر: بل أسلفتنى فى سلعة غير موصوفة كان القول فيه كما وصفت لك يحلف البائع ثم يخير المبتاع بين أن يأخذ بما أقر له البائع بلا يمين أو يحلف فيبرأ من دعوى البائع ويتفاسخان.
وكذلك لو تصادقا فى السلعة واختلفا فى الأجل فقال المسلف هو الى سنة، وقال البائع هو الى سنتين. حلف البائع وخير المشترى فان رضى والا حلف وتفاسخا فان كان الثمن فى هذا كله دنانير أو دراهم رد مثلها أو طعاما رد مثله فان لم يوجد رد قيمته، وكذلك لو كان سلفه سلعة غير مكيلة ولا موزونة ففاتت رد قيمتها.
ثم قال: وهكذا كل ما اختلفا فيه من كيل وجودة وأجل.
قال: ولو تصادقا على البيع والأجل فقال البائع: لم يمض من الأجل شئ أو قال: مضى منه شئ يسير وقال المشترى: بل قد مضى كله أو لم يبق منه الا شئ يسير كان القول قول البائع مع يمينه وعلى المشترى البينة.
قال الشافعى ﵀: ولا ينفسخ بيعهما فى هذا من قبل تصادقهما على الثمن والمشترى والأجل، فأما ما يختلفان فيه فى أصل العقد فيقول المشترى اشتريت الى شهر ويقول البائع بعتك الى شهرين فانهما يتحالفان ويترادان من قبل اختلافهما فيما يفسخ العقد (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن المتبايعين فى السلم ان اختلفا فى قدر الأجل بأن قال المسلم أسلمت اليك الى الشهر مثلا فقال المسلم اليه بل شهرين فالقول قول المسلم اليه، أو اختلفا فى مضى الأجل أو اختلفا فى مكان التسليم فالقول قول المسلم اليه بيمينه، لأن الأصل بقاء الأجل وبراءة ذمة المسلم اليه من مؤنة نقله الى الموضع الذى يدعيه المسلم وكذا ان اختلفا فى قدر المسلم فيه، وان اختلفا فى أداء المسلم فيه فقول المسلم بيمينه لأنه منكر للقبض والأصل عدمه، أو اختلفا فى قبض الثمن الذى وقع عقد السلم عليه فقول المسلم اليه بيمينه، لأنه منكر والأصل عدم القبض.
فان اتفقا على قبض الثمن وقال أحدهما كان القبض فى المجلس قبل التفرق وقال الآخر بل كان القبض بعد التفرق فالقول قول من يدعى القبض فى المجلس بيمينه، لأنه يدعى الصحة وذاك يدعى الفساد، والظاهر فى العقود الصحة فان أقاما
стр. 3024
بينتين بما ادعياه، أو أقام مدعى القبض فى المجلس بينة وأقام الآخر بينة بضد ذلك قدمت أيضا بينة مدعى القبض فى المجلس، لأنها مثبتة وتلك نافية ولأن معها زيادة (١).
مذهب الظاهرية:
يرى الظاهرية أن المتبايعين فى السلم اذا اختلفا فيمن عليه نفقات الأداء فان الذى عليه الحق هو الذى يتحمل تلك النفقات فقد ذكر ابن حزم فى المحلى (٢) أن من كان لآخر عنده حق من بيع أو سلم أو غير ذلك من جميع الوجوه بكيل أو وزن أو ذرع فالوزن والكيل والذرع على الذى عليه الحق. ومن كان عليه دنانير أو دراهم أو شئ بصفة من سلم أو صداق أو اجارة أو كتابة أو غير ذلك فالتقليب على الذى عليه الحق أيضا، لأن الله تعالى أوجب على كل من عليه حق أن يوفى ما عليه من ذلك من هو له عليه، ولأن رسول الله ﷺ حكم بأن يعطى كل ذى حق حقه، فمن كان حقه كيلا أو وزنا أو ذرعا أو عددا موصوفا بطيب أو بصفة ما فعليه احضار ما عليه كما هو عليه، ولا شئ على الذى له الحق، وانما الحق له ولا حق عليه، وقد قال تعالى:
«وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ» (٣) وقال الله تعالى «وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ» (٤) وقال تعالى: «وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ٥» فان كان مدار الاختلاف حول ما سلم فيه بأن وجد فيه عيبا أو وجده مستحقا أو وجد بعضه كذلك فليس له الا أن يستبدل فقط، لأنه ليس له عين معينة انما له صفة فالذى أعطى هو غير حقه فعليه أن يرد ما ليس له وأن يطلب ماله (٦).
مذهب الزيدية:
ذكر صاحب التاج (٧) المذهب من الزيدية أنه اذا اختلف رب السلم والمسلم اليه فى جنس المسلم فيه نحو أن يقول رب السلم أسلمت اليك فى بر فيقول المسلم اليه بل أسلمت الى فى شعير، وكذا اذا اختلفا فى نوع المسلم فيه نحو أن يقول رب السلم أسلمت اليك فى زبيب أبيض فيقول المسلم اليه: بل أسلمت الى فى زبيب أسود، وكذا اذا اختلفا فى صفته نحو أن يقول رب السلم أسلمت اليك فى بر أحمر فيقول بل أسلمت الى فى بر أبيض وكذا اذا اختلفا فى مكانه نحو أن يقول رب السلم أسلمت اليك وشرطت الايفاء
стр. 3025
فى البلد الفلانى فيقول: بل شرطت الايفاء فى البلد الفلانى. فاذا لم يكن المشترى قد قبض المبيع فاختلفا فى أى من هذه الأمور ولا بينة لأحدهما كان كل واحد منهما مدعيا ومدعى عليه فيتحالفان ويحلف كل واحد منهما على النفى أنه ما شرى كذا أو ما باع كذا وبعد التحالف يبطل العقد بالتراضى بينهما على فسخه أو يفسخه الحاكم عند التشاجر، فأما اذا كان المشترى قد قبض المبيع فالظاهر معه، لأن البائع يدعى الغلط فيما سلم وأن عليه البينة فى دعوى الغلط أو الزيادة فكذا فى الجنس فان اختلفا فى شئ مما تقدم وقدم كل واحد منهما بينة على دعواه فللمشترى الحكم عملا ببينته هذا ان أمكن أن يحتمل أنه وقع بينهما عقدان وبين كل منهما على عقد أى أقام كل منهما بينة على عقد، أما اذا لم يمكن حمل البينتين على عقدين اما لكونهما أضيفتا الى وقت واحد أو لكون البيعين تصادقا على أنه عقد واحد ..
فى هذه الأحوال تبطل البينتان فيرجع الى التحالف، فاذا حلفا معا بطل العقد لجهالة المبيع.
وأما اذا اختلف البيعان فى جنس الثمن الذى عقد به فالقول لمن يدعى منهما ما يتعامل الناس به فى ذلك البلد ولو كان من غير النقدين فلو كان فى البلد نقدان فالقول لمن يدعى الأغلب من النقدين فى التعامل به.
أما اذا اختلف البيعان فى قبض ثمن السلم ففى المجلس فقط القول قول المسلم اليه فى أنه لم يقبض الثمن، لأن الأصل قبل التفرق عدم القبض. وبعد التفرق يكون القول قول رب السلم والبينة على المسلم اليه، لأن من شرط السلم أن يكون قبض الثمن قبل التفرق فاذا ادعى المسلم اليه أنه لم يقبض ثمن السلم فقد ادعى فى الحقيقة فساد السلم والقول حينئذ يكون لمن ينكر فساده.
هذا واذا بطل السلم أو تفاسخا فيه وكان رأس المال قد تلف فى يد المسلم اليه وهو قيمى واختلفا فى قدر قيمته فالبينة على رب السلم والقول للمسلم اليه فى قيمة رأس المال اذا اختلفا فيه بعد التلف حسا أو حكما اذا بطل السلم بالتفاسخ فان القول قوله ما دام لم يمكن تقويمه فى يد من قد صار اليه. فلو قال رب السلم ما أدرى ماذا كان يساوى عرضى، وقال المسلم اليه ما أدرى ماذا كان يساوى لزم أن يوصف لمن يعرف ثمن مثله ثم يقوم قيمته على الوصف ثم يحكم بذلك بينهما ولا ينظر الى قيمة ما أسلم فيه.
стр. 3026
مذهب الإمامية:
ذكر صاحب الخلاف أن المتبايعين إذا اختلفا فى قدر المسلم فيه أو فى قدر الأجل كان القول قول المسلم اليه مع يمينه، لأنه فى هذه الحالة يصبح مدعى عليه فيجب عليه اليمين مع فقد البينة (١).
وذكر صاحب شرائع الاسلام أن المتبايعين بالسلم اذا اختلفا فى قبض رأس المال هل كان قبل التفرق أو بعده فالقول قول من يدعى الصحة ولو قال المسلم اليه قبضته ثم رددته اليك قبل التفرق كان القول قوله مع يمينه مراعاة لجانب الصحة (٢).
وقال الطوسى: اذا كان اختلاف المتبايعين فى قدر الثمن كان القول قول المشترى مع يمينه اذا لم يكن مع أحدهما بينة لأن المسلم فى هذه الحالة يكون هو المدعى عليه فيجب عليه اليمين ما دامت البينة معدومة مع كل منهما (٣).
مذهب الإباضية:
ذكر صاحب شرح النيل أن المسلم والمسلم اليه اذا اختلفا فى المكيال أو الميزان الذى يستوفى به المسلم فيه اعتبر المكيال أو الميزان المستخدم فى البلد الذى وقع فيه العقد، وكذا الحكم اذا اختلفا فى صفة المسلم فيه وغيره من كل ما خالف فيه بلد المسلم على الصحيح، فلو اختلف هل المسلم فيه ثوب ورجلان أو ثوب بسكرة حكم بثوبها ان عقدا فيها ويحكم بثوب ورجلان ان عقدا فيه، والا نظر الى الثوب الذى يكثر فى بلد العقد. ومثله اذا كان المسلم فيه خلا واختلفا فيه هل هو من بر أو من شعير أو من تمر أو من عنب أو غير ذلك (٤).
وان وقع الاختلاف بينهما فى حلول الأجل بعد أن تم اتفاقهما على كون الأجل مدة معينة ولم يدع أحد منهما زيادة فيها أو نقصا مثل ما اذا اتفقا على أن الأجل شهر، ثم ادعى أحدهما أن الهلال مرئى وأنكر الآخر.
أو أن يتفقا على أن الأجل شهر بالأيام أو ادعى أحدهما أن العقد كان يوم كذا ولكن الآخر ينكر ذلك. ومثل أن يتفقا على أن الأجل شهران فيقول أحدهما: ان البدء كان من شهر كذا بينما الآخر ينكر ذلك. فى كل هذه الاختلافات يقبل قول من قال: ان الأجل لم يحل مع يمينه على ما يقول سواء كان هذا القائل هو المسلف أو هو المتسلف، فان المسلف قد يحب التأخير لأمر من الأمور كما أن المتسلف قد يحب التعجيل لأمر ما، وأيضا
стр. 3027
لا يلزم الانسان أن يقبل ما يسهل له اذا سمح له فيه خصمه. هذا اذا لم يبين من يدعى أن الأجل حل بشهادة مجزئة.
وان أراد المدعى أن يحلف ووافقه المنكر ففى ذلك قولان، أما اذا كان الاختلاف بينهما يدور حول زيادة الأجل أو عدم زيادته فعلى من يدعى الزيادة فيه أن يقدم البينة على أنه بالزيادة كما ادعى فان جاء بالبينة حكم له بها، وان لم يجئ بها قبل قول من يقول بالأقل - ولو كان هو المسلف - مع يمينه على أن الأجل هو كذا وكذا مما هو أقل مما يقول به خصمه مثل أن يقول أحدهما: الأجل المحدد شهر واحد، ويقول الآخر: هو شهران.
فالقول لمن قال أنه شهر ولو كان هو المتسلف (١).
كيفية استيفاء المسلم فيه وقضاؤه
مذهب الحنفية:
لما كان المسلم فيه مستقرا فى ذمة المسلم اليه أصبح استيفاء رب السلم اياه ذا صور متعددة منها ما يجرى وفق قواعد المذهب ومقرراته، ومنها ما يخرج عن الأصول المرعية فى باب السلم فلا يصح أن يكون واحدا من طرق استيفاء هذا الدين. فلو أن المسلم اليه اشترى كرا وأمر رب السلم بأن يقبضه على سبيل استيفائه حقه لم يصح ذلك طريقا لتوفيته حقه. أما اذا أمره المسلم اليه - فى نفس هذه الصورة - بأن يقبض الكر نيابة عنه ثم يعود فيقبضه لنفسه ففعل ذلك صح هذا الاستيفاء، لأنه قد اجتمع فى هذه الحالة صفقتان. الأولى صفقة بين المسلم اليه وبين المشترى منه والثانية صفقة بين المسلم اليه وبين رب السلم. وكلا الصفقتين يشترط فيه الكيل، وعليه فلا بد من الكيل مرتين قضاء للصفقتين. ولذلك لم يصح الطريق الأول فى استيفاء المسلم فيه لأنه لم يشتمل على الكيل مرتين، وصح فى الحالة الثانية حيث قبضه للمسلم اليه بالكيل أولا، ثم قبضه لنفسه بالكيل ثانيا.
والأصل فى ذلك ما روى عن النبى ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه صاعان، صاع البائع وصاع المشترى.
وقال الزيلعى: ومحمله - يعنى الحديث على ما اذا اجتمعت الصفقتان فيه، وأما فى صفقة واحدة فيكتفى بالكيل فيه مرة واحدة فى الصحيح، وذلك لأن ما يقبضه رب السلم هو فى الحقيقة بدل عن المسلم فيه وان كان هو عينه حكما وليس استبدالا فكان بيعا حقيقة ولما كان استيفاء المسلم فيه هنا متأخرا عن شراء المسلم اليه ما اشتراه ثبت أنه صار بيعا جديدا بعد الشراء،
стр. 3028
فدخل فى مضمون الحديث فوجب فيه الكيل ثانيا (١).
وكذلك لا يتم استيفاء المسلم فيه اذا دفع رب السلم الى المسلم اليه ظرفا مثل الغرائر وأمر المسلم اليه أن يكيل الطعام المسلم فيه ويجعله فى هذا الظرف ففعل المسلم اليه ورب السلم غائب.
وانما لا يكون مثل ذلك استيفاء للمسلم فيه، لأن حق رب السلم مستقر فى الذمة فلا يمكن أن يملكه الا اذا قبضه، وهو هنا لما أمر المسلم اليه بأن يكيل الطعام لم يكن قد وقع ملكه بالفعل فلم يصادف أمره ملكه فلم يصح أمره، وكل ما هنالك أن المسلم اليه أصبح مستعيرا للظرف حيث جعل فيه ملك نفسه كالدائن اذا دفع كيسا الى المدين وأمره أن يزن دينه ويجعله فيه فانه لا يصح.
وبناء على ما ذكر فلو أن رب السلم أمر المسلم اليه بأن يطحن هذا الطعام أو يلقيه فى البحر ففعل لم يلتزم رب السلم بشئ ويظل حقه متعلقا بذمة المسلم اليه هذا كله اذا كان رب السلم غائبا، فان كان حاضرا وكاله المسلم اليه بحضرته وخلى بينه وبين الطعام الذى كاله بطلبه فانه يصير قابضا له لأن التخلية تسليم (٢).
مذهب المالكية:
ذكر الخرشى أنه يجوز للمسلم أن يقبل الشئ الموصوف الذى يشتمل على صفة المسلم فيه سواء كان طعاما أو غير طعام - قبل أن يحل أجله بشرط أن يكون ذلك فى محله وأن لا يكون أجود منه ولا أردأ ولا أكثر ولا أقل لما فيه من حط الضمان وأزيدك، أوضع وتعجل وكلاهما ممنوع فى السلم.
ويصح لرب السلم أن يمتنع من قبول الصفة قبل أن يحل الأجل، لأن الأجل فى السلم حق لكل ما لم يكن المسلم فيه من النقد والا جبر على قبوله قبل الأجل.
أما بالنسبة لقبوله قبل محله فالحكم يختلف تبعا لاختلاف المسلم فيه.
فان كان المسلم فيه عرضا جاز لرب السلم أن يقبله قبل المحل المشترط فيه القبض سواء حل الأجل أو لم يحل، ولا فرق فى العرض بين الثياب والجواهر واللآلئ على المشهور، وسواء كان للعرض كلفة أم لا.
وان كان المسلم فيه طعاما جاز لرب السلم أن يقبله قبل محله الذى اشترط عليه أن يوفيه فيه على شريطة
стр. 3029
أن يحل الأجل والا فلا يحل، لأن من عجل ما فى الذمة عد مسلفا وقد ازداد الانتفاع باسقاط الضمان عنه الى الأجل فهو سلف جر نفعا. ولأنه لا يلزم القضاء فى غير بلد السلم فأشبه عدم الحلول.
ولا يصح فى هذه الحالة أن يدفع المسلم اليه لرب السلم كراء ليحمل المسلم فيه، لأن البلدان بمنزلة الآجال ويزيد فى الطعام بيعه قبل قبضه والنسيئة لأنه أخذه عن الطعام الذى يجب له ليستوفيه من نفسه فى بلد الشرط والتفاضل وفيه وفى غيره سلف جر نفعا اذا كان المأخوذ من جنس رأس المال، وبيع وسلف وحط الضمان وأزيدك اذا كان فى موضع الاشتراط (١) أرخص.
ويلزم رب السلم بأن يقبل المسلم فيه.
سواء كان طعاما أو غيره - حيث حل الأجل وكان رب السلم والمسلم اليه فى بلد الشرط (٢) كما أنه يلزم المسلم اليه أن يدفع المسلم فيه لرب السلم اذا طلبه منه. ويلزم القاضى أن يقبل المسلم فيه اذا كان رب السلم غائبا عن موضع القبض وليس له وكيل يقوم باستلامه وقد جاء المسلم اليه للقاضى بالشئ المسلم فيه.
هذا ويجوز لرب السلم - بعد حلول الأجل والمحل - أن يقبل المسلم فيه اذا دفعه المسلم اليه ولو كان أجود مما فى الذمة أو أردأ، لأن ذلك حسن قضاء فى الأول، وحسن اقتضاء فى الثانى.
اما أن يأخذ رب السلم - فى النقد والطعام أقل قدرا كعشرة بدلا من أحد عشر فلا يجوز له ذلك سواء كان هذا المأخوذ الأقل موافقا لصفة ما فى الذمة أو أجود مما فى الذمة أو أردأ منه الا أن يأخذ الأقل عن مثله قدرا ويبرئ بعد ذلك مما زاد على غير شرط، لأنه على وجه المعروف وليس على وجه المكايسة.
وفى ذلك قال الامام مالك: من له عليه مائة اردب سمراء الى أجل فلما حل الأجل أخذ منه خمسين محمولة وحط ما بقى فان كان ذلك بمعنى الصلح والتبايع لم يجز، وان كان ذلك اقتضاء عن خمسين منها ثم حط بعد ذلك بغير شرط جاز.
ويجوز ذلك فى غير النقد والطعام، فيصح أن يأخذ نصف قنطار من نحاس عن قنطار سواء أبرأ مما زاد أم لا، لأنه ليس بطعام ولا نقد. ولا يجوز قضاء دقيق عن قمح وعكسه على الأصح كما قال الامام مالك مراعيا رأى من يقول بأن الطحن ناقل، فصار الدقيق
стр. 3030
والقمح مثل جنسين ففى قضاء أحدهما عن الآخر بيع الطعام قبل قبضه (١).
ويجوز للمسلم اليه أن يقضى السلم من غير جنس المسلم فيه سواء حل الأجل أم لا بشروط ثلاثة.
الأول: أن يكون المسلم فيه مما يباع قبل قبضه، كما لو أسلم ثوبا فى حيوان فأخذ عن ذلك الحيوان دراهم، اذ يجوز بيع الحيوان قبل قبضه.
فان كان المسلم فيه مما لا يصح بيعه قبل قبضه كالطعام فلا يجوز أن يأخذ عنه دراهم، لأنه يؤدى الى بيع الطعام قبل قبضه وقد وقع النهى عنه.
الثانى: أن يكون المأخوذ مما يباع فلا يجوز أن يأخذ اللحم غير المطبوخ بدلا من الحيوان الذى هو من جنس اللحم ولا العكس، لأن بيعه به يدا بيد ممنوع للنهى عن بيع اللحم بالحيوان بالسلم فيه يدا بيد، كما لو أسلم دراهم فى ثوب مثلا فأخذ عنه طشتا من النحاس، اذ يجوز بيع الطشت بالثوب يدا بيد.
الثالث: أن يكون المأخوذ مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال، كما لو أسلم دراهم فى حيوان فأخذ عن ذلك الحيوان ثوبا فان ذلك جائز، اذ يجوز أن يسلم الدراهم فى الثوب. فلا يجوز أن يأخذ عن ذلك الحيوان ذهبا ولا عكسه، اذ لا يجوز أن تسلم الدراهم فى الدنانير ولا عكسه، لأدائه الى الصرف المتأخر، وهذا خاص بما اذا باع رب السلم المسلم فيه من غريمه أما ان باعه من أجنبى لم يراع فى ذلك رأس المال، فيجوز أن يسلم دنانير فى حيوان ثم يبيع هذا الحيوان من أجنبى بورق أو غيره لأنه لا يراعى فى البيع من زيد، ما ابتيع من عمرو (٢).
مذهب الشافعية:
ذكر صاحب المهذب من الشافعية أنه اذا حل دين السلم وجب على المسلم اليه تسليم المسلم فيه على ما اقتضاه العقد، فان كان المسلم فيه تمرا لزمه ما يقع عليه اسم التمر على الاطلاق، فان أحضر حشفا أو رطبا لم يقبل منه. وان كان المسلم فيه رطبا لزمه ما يقع عليه اسم الرطب على الاطلاق، ولا يقبل منه بسر ولا منصف ولا مذنب ولا مشدخ.
وان كان المسلم فيه طعام البر لزمه ما نقى من التبن فان كان فيه قليل تراب نظرت فان كان أسلم فيه كيلا قبل منه، لأن القليل من التراب لا يظهر فى الكيل. وان كان
стр. 3031
أسلم فيه وزنا لم يقبل منه، لأنه يظهر فى الوزن فيكون المأخوذ من الطعام دون حقه.
وان كان المسلم فيه عسلا لزمه ما صفى من الشمع (١). فان أسلم اليه فى ثوب فأحضر ثوبا أجود منه جاز لعموم خبر: «ان خياركم أحسنكم قضاء» ويجب أن يقبله فى الأصح، لأن الامتناع من قبوله عناد، وزيادته غير متميزة والظاهر أن باذله لم يجد غيره فخف أمر المنة فيه وأجبر على قبوله.
وفى غير الأصح لا يجب عليه أن يقبله لما فيه من المنة.
فان جاءه بالأجود وطلب عن الزيادة عوضا لم يجز، لأنه بيع صفة والصفة لا تفرد بالبيع، أما ان أتاه بثوب ردئ فان رب السلم لا يجبر على قبوله، لأنه دون حقه فان قال المسلم اليه لرب السلم خذه وأعطيك للجودة درهما لم يجز لأنه بيع صفة ولأنه بيع جزء من المسلم فيه قبل قبضه (٢).
فان أسلم فى جنس فجاء المسلم اليه بجنس آخر كما لو قدم برا بدلا من شعير فانه لا يصح (٣).
أما ان أسلم فى نوع من جنس فجاءه بنوع آخر من ذلك الجنس كالمعقلى عن البرنى والهروى عن المروى ففيه وجهان.
الوجه الأول - ونسبه صاحب المهذب الى أبى اسحاق - أنه لا يجوز، لأنه غير الصنف الذى أسلم فيه فلم يجز أخذه عنه كالزبيب عن التمر.
والوجه الثانى - ونسب الى أبى على بن أبى هريرة - أنه يجوز، لأن النوعين من جنس واحد بمنزلة النوع الواحد، ولهذا يحرم التفاضل فى بيع أحدهما بالآخر، ويضم أحدهما الى الآخر فى اكمال النصاب فى الزكاة (٤).
قال الرملى: وعلى الرأى الذى يجيز تغيير النوع فانه لا يجب على رب السلم أن يقبله، لاختلاف الغرض (٥).
هذا وذكر صاحب المهذب أنه ان أسلم اليه فى طعام بالكيل فدفع اليه الطعام من غير كيل لم يصح القبض، لأن المستحق أن يقبض بالكيل فلا يصح قبض بغير الكيل (٦).
ولو حدث أن المسلم اليه قام باحضار المسلم فيه قبل أن يحل وقته
стр. 3032
فامتنع رب السلم من قبوله لغرض صحيح بأن كان المسلم فيه حيوانا يحتاج لمؤنة قبل المحل ولهذه المؤنة وقع، واحتاج لها فى كراء محله أو حفظه أو كان رب السلم يترقب زيادة سعره عند حلول أجله فيما يظهر. أو كان ذلك الوقت وقت اغارة وان وقع العقد وقتها فيما يظهر، أو كان رب السلم يريد أن يأكله عند ما يحل وقته طريا .. اذا امتنع رب السلم من قبول المسلم فيه قبل أن يحل وقته لمثل هذه الأسباب لم يجبر على أن يقبله وان كان للمسلم اليه غرض لما يترتب عليه من الأضرار برب السلم.
فاذا لم يكن لرب السلم غرض صحيح يجعله يمتنع عن قبوله قبل أن يحل وقته وكان للمسلم اليه غرض صحيح فى أن يتعجل بأدائه مثل فك الرهن، أو براءة الضامن أو خوف انقطاع الجنس عند حلول الأجل .. «فى هذه الحالة يجبر رب السلم على قبول المسلم فيه، لأن امتناعه حينئذ تعنت».
وكذا يجبر على القبول فى الأظهر ان كان المسلم اليه قد أتى بالمسلم فيه لرب السلم لمجرد أنه يريد أن يبرئ ذمته.
ولو لم يكن للمسلم اليه غرض أصلا من تقديم المسلم فيه قبل أن يحل وقته وليس لرب السلم غرض يمتنع من أجله عن القبول فان امتنع من قبوله مع ذلك فالأوجه - على ما ذكره الرملى - أن يجبر على القبول، لما فى رفضه من التعنت.
وقيل: لا يجبر على القبول احترازا.
من المنة.
ولو أحضر المسلم فيه الحال فى مكان التسليم لغرض سوى ابراء الذمة كفك رهن أو براءة ضامن أجبر رب السلم على أن يقبله واذا كان لغرض البراءة أجبر على قبوله أو على الابراء، لأن امتناعه - وقد وجد مكان التسليم وزمانه - محض عناد، ومن ثم ضيق عليه بطلب الابراء بخلاف المؤجل والحال المحضر فى غير محل التسليم (١).
ولو تقرر أن يجبر رب السلم على قبول المسلم فيه لأى حكمة من الحكم المذكورة أو أمثالها ولكنه أصر على أن لا يقبله مع ذلك كان من حق المسلم اليه أن يسلمه الى الحاكم أمانة عنده لرب السلم وينال هو بذلك براءة ذمته.
وعلى ذلك قال الزركشى: لو أن رب السلم كان غائبا أخذ الحاكم المسلم فيه أمانة عنده لرب السلم (٢).
ولو كان المسلم فيه ثمرة فانقطعت فى محلها أو غاب المسلم اليه فلم يظهر حتى نفدت الثمرة ففيه قولان.
стр. 3033
أحدهما: أن العقد ينفسخ لأن المعقود عليه ثمرة هذا العام وقد هلكت فانفسخ العقد كما لو اشترى قفيزا من صبرة فهلكت الصبرة.
ثانيهما: أن العقد لا ينفسخ لكن رب السلم بالخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر الى أن توجد الثمرة فيأخذ، لأن المعقود عليه هو ما فى الذمة وليس ثمرة هذا العام.
والدليل على ذلك أنه لو أسلم اليه فى الثمرة عامين فقدم فى العام الأول ما يجب له فى العام الثانى جاز وما فى الذمة لم يتلف وانما تأخر فثبت له الخيار (١).
ولو أن رب السلم وجد المسلم اليه بعد ان حل وقت التسليم فى غير محل التسليم المتعين بالعقد أو بالشرط فمن حق رب السلم أن يقوم بالدعوى عليه بالمسلم فيه والزامه بالسفر معه الى محل التسليم، أو يوكل ولا يحبس، لأنه لو امتنع لم يلزمه الأداء ان كان لنقله من محل التسليم الى محل الظفر مؤنة ولم يتحملها رب السلم لتضرر المسلم اليه بذلك بخلاف مالا مؤنة لنقله كيسير نقد، وبخلاف ماله مؤنة وتحملها رب السلم، لانتفاء الضرر حينئذ. فان كان المسلم فيه أغلى فى ذلك المكان منه فى محل السلم لم يلزمه الأداء وان قال بعضهم بأنه يلزم بالأداء ولا نظر لذلك.
ولا يطالب بقيمته ولو للحيلولة على الصحيح، لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه لكن له أن يفسخ عقد السلم ويسترد رأس المال وان لم يكن رأس المال موجودا استرد بدله كما لو انقطع المسلم فيه.
وقيل له أن يطالبه بقيمة المسلم فيه للحيلولة بينه وبين حقه.
وان امتنع رب السلم من قبول المسلم فيه فى غير محل التسليم وقد أحضره المسلم اليه هناك لم يجبر على الاستلام ان كان لنقله مؤنة الى محل التسليم ولم يتحملها المسلم اليه بمعنى تحصيله وتحمله الزيادة لا بمعنى دفع المؤنة لرب السلم لأنه اعتياض.
وان كان الموضع أو الطريق مخوفا وامتنع رب السلم من قبوله فى غير محل التسليم لم يجبر - كذلك - على استلامه لما فى ذلك من الاضرار به فان رضى هو بأخذه لم تجب له مؤنة النقل، بل لو بدلها المسلم اليه لم يجز له قبولها، لأنه كالاعتياض. فان لم يكن لنقل المسلم فيه مؤنة، ولم يكن الموضع أو الطريق مخوفا فالأصح اجبار رب السلم على قبوله لتحصل للمسلم اليه براءة الذمة (٢).
стр. 3034
وان دفع المسلم اليه الى رب السلم دراهم مثلا وقال له اشترلى بها مثل الذى لك على واقبضه لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه. فان قال له: اشترلى واقبضه لى، ثم اقبضه لنفسك، ففعل صح الشراء والقبض للمسلم اليه، ولا يصح قبضه لنفسه، لأنه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره فى قبض حق نفسه (١).
ولو اتفق أن كان رأس المال على صفة المسلم فيه فأحضره المسلم اليه وجب على رب السلم أن يقبله (٢).
ولو أن رب السلم قبض المسلم فيه فوجد به عيبا فله أن يرده لأن اطلاق العقد يقتضى مبيعا سليما، فلا يلزمه أن يقبل المعيب فان رده ثبت له حق المطالبة بالسليم، لأنه أخذ المعيب عما فى الذمة، فاذا رده رجع الى ماله فى الذمة، وان حدث عنده عيب رجع بالأرش لأنه لا يمكنه رده ناقصا عما أخذ، ولا يمكن اجباره على أخذه مع العيب فوجب لذلك الأرش (٣).
فاذا فسخ عقد السلم بأى سبب من الأسباب رجع رب السلم الى رأس المال، فان كان باقيا وجب رده، وان كان تالفا ثبت بدله فى ذمة المسلم اليه، فان أراد أن يسلمه فى شئ آخر لم يجز، لأنه بيع دين بدين. وان أراد أن يشترى به عينا نظرت فان كان يجمعهما علة واحدة فى الربا كالدراهم بالدنانير والحنطة بالشعير لم يجز أن يتفرقا قبل قبضه كما لو أراد أن يبيع أحدهما بالآخر عينا بعين، وان لم تجمعهما علة واحدة فى الربا كالدراهم بالحنطة والثوب بالثوب ففيه وجهان:
أحدهما يجوز أن يتفرقا من غير قبض كما يجوز اذا باع أحدهما بالآخر عينا بعين أن يتفرقا من غير قبض.
ثانيهما لا يجوز، لأن المبيع فى الذمة فلا يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه كالمسلم فيه (٤).
مذهب الحنابلة:
ذكر مجد الدين أبو البركات من الحنابلة أنه يجب على المسلم اليه أن يفى بدين السلم فى مكان عقده اذا أطلقا ولم يذكرا مكانا معينا فى العقد فان شرطا مكانا للتسليم غير مكان العقد صح ووجب عليه أن يفى بالمسلم فيه هناك (٥).
وقال صاحب هداية الراغب: ان شرطا مكانا صح ولرب السلم أن يأخذه فى غيره ان رضيا، فان قال المسلم اليه
стр. 3035
لرب السلم خذه فى غير مكانه وخذ أجرة حمله الى موضع الوفاء لم يجز (١). فان لم يحددا مكانا للتسليم وكان العقد فى مكان لا يصلح للوفاء به كالبرية أو البحر مثلا فقال ابن أبى موسى: لا يصح والحالة هذه - حتى يشترطا له مكانا يسلم فيه.
وقال القاضى: يصح عقد السلم ويوفيه فى أقرب الأماكن اليه ولو أن المسلم اليه عجل دين السلم وعرض على رب السلم أن يتسلمه قبل أن يحل وقت التسليم نظر. فان لم يترتب على التعجيل بتسليمه ضرر على رب السلم من خوف أو تحمل مئونة أو اختلاف قديمه وحديثه لزمه أن يقبله، لحصول غرضه وكذا اذا أتاه من نوع المسلم فيه لكنه خير منه فانه يلزمه القبول، لأن المسلم اليه زاده خيرا أما ان تضرر بتعجيله أو أتاه بدون المسلم فيه معجلا لم يلزمه القبول (٢).
قال عثمان أحمد النجدى: وكذا لا يلزمه القبول ان جاءه المسلم اليه بغير نوع المسلم فيه من جنسه ولو كان أجود منه.
أما ان جاءه بجنس آخر غير جنس المسلم فيه فانه لا يجوز لرب السلم أن يقبله.
ولو أن رب السلم قبض المسلم فيه فوجده معيبا فله الحق فى أن يرده اليه أو أن يأخذ أرش العيب (٣).
ولو تعذر على المسلم اليه أن يوفى رب السلم بالمسلم فيه كأن كان السلم الى وقت يوجد فيه المسلم فيه غالبا غير أن الاشجار لم تحمل الاثمار فى تلك السنة، ومثله ما اذا تعذر عليه تسليم بعضه فلرب السلم فى تلك الحالة أن يصبر الى أن يوجد ما أسلم فيه فيطالب به، وله أن يفسخ فيما تعذر ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه ان كان تالفا فبأخذ مثل المثلى وقيمة المتقوم، وان فسخ فى بعض فبقسطه (٤).
مذهب الظاهرية:
من الأمور المقررة أن المسلم فيه حق المسلم قبل المسلم اليه، ومن ثم فحيثما لقيه عند ما يحل وقت القضاء فللمسلم أن يستوفى هذا الحق من المسلم اليه، فان غاب أنصفه الحاكم من مال المسلم اليه ان وجد له مالا، لقوله تعالى: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ﴾
стр. 3036
﴿تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» (١) فهو مأمور بأداء أمانته حيث وجبت عليه ويسألها (٢).
ولو أن رب السلم لم يتمكن من استيفاء المسلم فيه لتضييع قبضه أو لاشتغال حتى فات وقته وأصبح معدوما فان صاحب الحق مخير بين أن يصبر حتى يوجد وبين أن يأخذ قيمته لو وجد فى ذلك الوقت من أى شئ تراضيا عليه لقوله تعالى:
«وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ٣» فحرمة حق صاحب السلم اذا لم يقدر على عين حقه كحرمة مثلها (٤).
مذهب الزيدية:
قال صاحب البحر الزخار: اذا كان المسلم فيه تمرا أو زبيبا سلم جافا اذ هو المعتاد، وان كان رطبا سلم رطبا لا بسرا أو مذنبا أو مشدخا اذ ليس مثل ذلك برطب وكذلك يقال فى العنب. واذا أسلم فى مكيل سلمه نقيا من التبن والتراب ويعفى عن اليسير فى الكيل أما فى الوزن فلا يعفى فيه عن شئ من ذلك ولو كان يسيرا. وليس له الزيادة على المعتاد فى ايفاء المكيل من زلزلة أو صك أو تلق.
ويجوز لرب السلم وللمسلم اليه أن يتصالحا على مثل رأس المال، ويعتبر من باب الاقالة، اذ هى لا تتجاوز ذلك (٥).
وقال أحمد بن قاسم الصنعانى:
ويصح أن يقوم المسلم اليه بتعجيل المسلم فيه قبل أن يحل أجله المتفق عليه على أن يكون مساويا لما يلزم له قدرا وصفة وألا يخشى رب السلم عليه من ظالم وألا يكون له غرض من تأخيره الى أن يحل أجله.
هذا ويصح أن يتفقا على التعجيل على شرط أن يحط بعض المسلم فيه.
واذا سلم المسلم اليه بعض الذى عليه لم يجب على رب السلم أن يقبله سواء كان الباقى ممكنا تسليمه أو متعذرا فأن رضى صاحب السلم بأن يقبض البعض خير فى الباقى بين أن يفسخ أو أن يصبر حتى يجد الباقى وذلك لأن الاقالة فى السلم تصح اتفاقا فتصح فى بعضه كما تصح فى جميعه.
واذا تراضيا على تسليم أدنى مما شرط فى النوع أو فى الصفة بدون عوض عن النقص جاز بخلاف ما اذا كان التراضى على أن يدفع المسلم اليه عوضا عن النقصان فانه لا يجوز كما
стр. 3037
أنه لا يجوز أن يتراضيا على دفع عوض عن المسلم فيه (١).
ويجب على المسلم اليه أن يوفى صاحب السلم حقه فى المكان الذى اتفقا على تعيينه فلو تراضيا عند التسليم على تسليمه فى بلد غير البلد الذى شرط تسليمه فيه مع أجرة من يحمله الى البلد الذى شرط تسليمه فيه جاز أخذ الأجرة ولو أخذها المسلم اليه لنفسه (٢).
هذا وقد قرر صاحب التاج المذهب أن المسلم اليه اذا تعذر عليه توفية صاحب السلم حقه لعدم جنس المسلم فيه فان لهما أن يفسخا عقد السلم لتعذر الشليم الا أن يتراضيا على الانظار حتى يوجد، وكذا اذا تعذر على المسلم اليه تسليمه لاعساره.
أما لو وجد المسلم فيه فى ملك الغير وكان فى امكان المسلم اليه أن يشتريه ليقوم بتسليمه لزمه أن يحصله بما لا يجحف ولو كان ذلك من صاحب السلم شراء أو نحوه. فلو عدم نوعه أو صفته ووجد غيره فهو اما أن يكون أعلى من النوع المشروط أو أدنى منه.
فان كان النوع الموجود أعلى من النوع المشروط لم يجز لصاحب السلم أن يأخذه الا اذا رضى المسلم اليه وعندئذ يخير صاحب السلم بين قبوله أو الفسخ أو التأخير حتى يوجد.
وان كان الموجود أعلى فى الصفة من المشروط فالواجب على صاحب السلم أن يقبله ولم يبق له خيار ما لم يكن على خلاف غرضه فلا يجب عليه اذن قبوله.
وان كان الموجود أدنى من المشروط فى الصفة فلا يلزم صاحب السلم بقبوله بل يلزم المسلم اليه تسليمه ان طلب صاحب السلم لأنه قد رضى بنقصان حقه (٣).
ويصح من صاحب السلم أن ينظر المسلم اليه الذى عدم جنس المسلم فيه أو نوعه أو صفته اذا عدم ذلك فى البرية فله أن ينظره وللمسلم اليه أن يرضى بالانظار أو يفسخ لتعذر التسليم، واذا رضى المسلم اليه بالانظار أصبح لازما، لأنه مستند الى عقد فلا يجوز الطلب فى مدة الانظار.
ويصح من صاحب السلم والمسلم اليه الحط والابراء والاسقاط عن صاحبه سواء كان من رأس المال أو من المسلم فيه وسواء كان بعض الحق الذى وجب أو كله فيصح ذلك قبل القبض غالبا وبعده لكن بلفظ التمليك. وذلك ان كان بعد القبض صح فى البعض والكل من غير فرق بين رأس المال والمسلم فيه
стр. 3038
اذا كان بلفظ التمليك أو النذر أو الهبة أو الصدقة لا بلفظ الابراء ونحوه فلا يصح. وان كان قبل القبض فان كان من المسلم فيه صح فى البعض والكل اذا كان بلفظ الابراء والاسقاط أو الحط لا بلفظ التمليك فلا يصح (١).
مذهب الإمامية:
اذا أسلم فى رطب الى أجل فلما حل الأجل لم يتمكن من مطالبته لغيبة المسلم اليه، أو لغيبته هو أو لهرب المسلم اليه منه أو لتواريه من سلطان أو ما أشبه ذلك. فلما قدر عليه كان الرطب قد انقطع فان المسلم فى هذه الحالة له الخيار بين أن يفسخ العقد وبين أن يصبر الى العام القابل (٢).
أما اذا كان عدم التمكن من التسليم راجعا الى انقطاع المسلم فيه عند ما حل أجل التسليم - وقد كان ممكن الحصول بعد الأجل فى العادة غير أنه اتفق عدمه فى هذه المرة - فى هذه الحالة يخير صاحب السلم بين أن يفسخ عقد السلم فيرجع على المسلم اليه برأس ماله لتعذر وصوله الى حقه وانتفاء الضرر وبين أن يصبر الى أن يتمكن المسلم اليه من الحصول على المسلم فيه وله كذلك ألا يفسخ ولا يصبر بل يأخذ قيمته حينئذ، لأن ذلك هو حقه.
والأقوى أن الخيار ليس فوريا فله أن يرجع بعد الصبر الى أحد الأمرين ما لم يصرح بأنه أسقط حقه من الخيار.
ولو كان انقطاع المسلم فيه انما حدث بعد أن بذله المسلم اليه ورضى رب السلم بالتأخير فان حقه فى الخيار يسقط.
ولو قبض بعض المسلم فيه كان له الخيار كذلك بين أن يفسخ فى الجميع والصبر وبين أن يأخذ ما قبضه ويطالبه بحصة غيره من الثمن أو قيمة المثمن على القول الآخر.
واذا كان الانقطاع فى البعض من غير تقصير من المسلم اليه فان الرأى القوى أن الخيار من حقه هو أيضا وذلك لتبعض الصفقة عليه. فان كان الانقطاع من تقصيره فلا خيار له (٣).
ويجوز لصاحب السلم أن يبيعه بعد حلول أجله وقبل قبضه على الغريم أو غيره الا أنه مكروه للنهى عن ذلك فى قوله ﷺ : «لا تبيعن شيئا حتى تقبضه (٤)» ونحوه المحمول على الكراهة.
ويجوز لصاحب السلم أن يأخذ فى المسلم فيه نوعا آخر منه آتاه
стр. 3039
به المسلم اليه كما لو أسلم فى زبيب رزاقى مثلا فأتاه بزبيب خراسانى أو أسلم فى ما عز فأتاه بضأن، ما داما قد تراضيا بذلك لقوله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين الا ما حرم حلالا أو حلل حراما» وكذا اذا أسلم فى تمر فأتاه بزبيب، أو أسلم فى ثوب قطن فأتاه بكتان وتراضيا به فانه يجوز لحديثه ﷺ السالف (١).
فان كان ما دفعه المسلم اليه لرب السلم دون صفة المسلم فيه ورضى رب السلم به صح وبرئ المسلم اليه سواء شرط ذلك لأجل التعجيل بالتسليم قبل حلول الأجل أو لم يشترط.
أما ان كان ما أتى به المسلم اليه مثل صفة المسلم فيه فانه يجب على رب السلم أن يقبضه أو أن يبرئ المسلم اليه، ولو امتنع من قبضه قبضه الحاكم اذا سأل المسلم اليه ذلك وان كان ما أتى به المسلم فوق الصفة فانه يجب على رب السلم قبوله ولو دفع أكثر لم يجب قبول الزيادة واذا دفع المسلم اليه الى صاحب الدين عروضا على أنها قضاء ولم يساعره احتسب بقيمتها يوم القبض (٢). فان جاء المسلم اليه بالمسلم فيه أجود مما شرطا من الصفة وقال: خذ هذا وأعطنى بدل الجودة دراهم لم يجز، لأن الجودة صفة لا يمكن أفرادها بالبيع ولا دليل على صحة ذلك (٣).
ولو شرطا موضعا للتسليم ثم تراضيا بقبضه فى غيره جاز وان امتنع أحدهما لم يجز (٤).
قال الطوسى: فان كان موضع التسليم محددا وأتاه المسلم اليه بالمسلم فيه فى غيره وبذل له أجرة الحمل وتراضيا به كان جائزا، لأن الأصل الاباحة الا أن يمنع مانع وليس ثم مانع من ذلك.
وان أتاه بالمسلم فيه قبل أن يحل أجله لم يلزم رب السلم قبوله حتى لو كان المسلم فيه لا يخاف عليه، ولا كان مما يحتاج الى موضع كبير يحفظه فيه لانه يجوز أن يكون له غرض فى تأخيره وأخذه فى محله وان لم يظهر لنا ذلك، ولأن اجباره على ذلك يحتاج الى دليل (٥).
ولو أن رب السلم قبض المسلم فيه فانه يصبح معينا وتبرأ ذمة المسلم
стр. 3040
اليه، فان وجد به عيبا فرده الى المسلم اليه زال ملكه عنه وعاد الحق الى الذمة سليما من العيب (١).
أما اذا قبض المسلم فيه وحدث فيه عيب عنده، ثم وجد فيه عيبا آخر كان به قبل أن يقبضه من المسلم اليه فليس من حقه أن يرده لكن له أن يطالبه بالأرش (٢).
مذهب الإباضية:
قال صاحب شرح النيل: لا يأخذ رب السلم غير ما أسلم فيه ولا يأخذ رأس ماله على أنه قيمة الحب مثلا، الذى أسلم فيه لأن النبى ﷺ قال: (من أسلم فى شئ فلا يصرفه فى غيره) ولأنه اذا أخذ غير ما أسلم فيه أو أخذ رأس ماله على المعنى المذكور فكأنه قد باع ما فى ذمة المسلم اليه قبل قبضه بما أخذ منه، وباع ما ليس معه وان ربح بذلك فقد ربح بما لم يضمن.
وان كان قد أسلف فى طعام فقد باع طعاما قبل أن يستوفى أيضا. وفى أخذ رأس ماله تذرع الى الربا، لأنه آل الى بيع شئ بجنسه نسيئة.
أما ان أخذ رأس ماله بعد أن يتفقا على فسخ السلم بالأقالة فلا بأس فيه.
وكذا لا يجوز أن يأخذ بعض رأس ماله على أنه قيمة الحب. مثلا - وأن يترك الباقى (٣).
ويجوز أن يأخذ رب السلم شعيرا فى بر - مثلا - بلا زيادة فى كيل الشعير من الشعير ولا من غيره ولا زيادة شئ آخر بل يأخذ كيل شعير بدل كيل البر ان رضى رب السلم والمسلم اليه، وعلة ذلك أن الشعير يجرى مجرى البر، ألا ترى أن نصاب أحدهما يكمل بالآخر وان بيع أحدهما بالآخر نسيئة يكون ربا. ولو زاد له مما نقص بالقيمة كان بيعا لما فى الذمة بأكثر منه.
ويجوز أن يأخذ رب السلم فى نوع من التمر نوعا منه غيره ان كان الذى يأخذه دون اشتراطه بأن لم يصل الى حد اشتراطه فى المسلم فيه مثل أن يسلم فى تمر دقل نورة فيأخذ تمر غرس مطقين أو يسلم فى تمر غرس مطقين ويأخذ تمرا دالة، وكذا أن أخذ ما دونه بمرتبتين أو بمراتب كتمر ادالة بدلا من تمر دقل نورة وكتمر سابقة ثلاث بدلا من تمر دقل نورة، وكذا يأخذ الدنئ من كل نوع بدلا من عليه كلحم معز بدلا من لحم ضأن وكذا يصح أن يأخذ رب السلم فى المسلم فيه نوعا منه غيره اذا كان يماثله.
стр. 3041
أما اذا كان البدل أعلى من المسلم فيه فان صاحب النيل يمنعه، فلا يصح أن يأخذ رب السلم العلى بدلا من الأدنى لا سواء ولا بالتقويم والتقدير فلا يأخذ برا بدلا من شعير لما يترتب عليه من بيع ما فى الذمة بأكثر.
وقيل يجوز أن يأخذ الأعلى بدلا من الأدنى أيضا كأن يأخذ برا فى شعير، وكل أجود بدل الأردأ من نوعه اذا شرط ذلك فى عقد السلم بناء على جواز البيع والشرط ولا سيما اذا قال له ان لم تجد الأدنى أعطيتنى الأعلى.
أما أن يأخذ من النوع بعينه أجود مما عليه العقد، أو أن يأخذ الزيادة فيجوز عندنا ويدل لذلك ما روى من أن النبى ﷺ اقترض بكرا فرد رباعيا. ولا يعد بيعا لما فى الذمة كما لا يعد استبدالا بل هو من حسن القضاء.
وان أعطاه من نفس ما أسلم فيه لكنه دون ما أسلم فيه فى الذات أو فى الجودة فان قبله رب السلم من غير زيادة عوض جاز وان قبله على أن يأخذ عوض ما نقص عرضا أو درهما أو دينارا أو نحو ذلك فلا يجوز قيل لأنه اذا أخذ النقص من جنس ما أسلم كالدراهم ففيه أخذ بعض رأس المال وبعض المسلم فيه.
وان أخذ غيره ففيه بيع ما لم يقبض فيصير العقد فى آخر الأمر مشتملا على ما لا يجوز فيفسد كله على الراجح وان أخذ الأفضل وتصدق عليه المتسلف بالزائد فيه أو أخذ منه قيمة ما زاد جاز (١).
وذكر صاحب شرح النيل أن الربيع ﵀ لا يجيز أن يأخذ رب السلم بعض المسلم فيه وبعض رأس المال، فان فعل ذلك فسد السلم كله ما أخذ من المسلم فيه وما أخذ من رأس المال فيرجع الى رأس ماله كله ويرد ما وصله من المسلم فيه، لأن ذلك ذريعة الى بيع وسلف بأن يكون العقد أولا على السلم وكان مرجعه آخرا الى بيع وسلم فكأنه عقد البيع أولا بسلم وغيره من البيع بأن عد قبض بعض رأس المال بيعا به لما فى الذمة من بقية المسلم فيه وكان ذلك فى معنى بيع ما لم تقبض وبيع ما ليس معك وبيع الطعام قبل أن يستوفى مثلا.
وأما أن أخذ رب السلم رأس ماله كله أو أقل ولم يأخذ بعض المسلم فيه فانه يجوز حينئذ اما أن كان ما أخذه أكثر من رأس ماله فانه لا يصح.
ويجوز على الصحيح أن يأخذ بعض رأس ماله وبعض المسلم فيه وذلك اذا فسخا عقد السلم فى بعض وأبقياه فى بعض وليس على سبيل التقويم، لأنه ذكر رأس المال، لأن التقويم بيع قبل قبض. وهذا من حسن الاقتضاء المأمور
стр. 3042
به فى جانب البائع وفى جانب المشترى فان حسن الاقتضاء يشمل ما اذا أعطى من عليه الحق أكثر مما لزمه أو أجود منه أورد بعض الثمن، ويشمل ما اذا ترك له من له الحق بعض حقه أو زاد بعض الثمن أو أعطى أجود، كما يشمل ما اذا وافق أحدهما الآخر الى ما يسهل له مثل أن لا يجد المسلم اليه وفاء السلم كله فيضيق حاله فيرفق به رب السلم بقبول بعض الثمن ومثل أن يرغب رب السلم فى بعض الدراهم لحاجة فيرفق عليه المسلم اليه فيعطيه حقه بعضه مسلما فيه وبعضه دراهم من رأس ماله (١).
هذا وقد اختلف أئمة المذهب فى مكان قبض المسلم فيه ان لم يعين مكان قبضه - على القول بعدم وجوب تعيين مكان القبض.
فقال جماعة: مكان القبض هو المكان الذى يدفع فيه الثمن.
وقال جماعة: مكان القبض هو بلد المستلف وهو الذى ترتب المسلم فيه فى ذمته.
وقالت طائفة: مكان القبض فى بلد المسلف.
وقال آخرون: مكان القبض حيث حكم به (٢).
إسلام
المعنى اللغوى:
فى القاموس المحيط أسلم انقاد وصار مسلما والمصدر اسلام وأسلم أمره الى الله تعالى سلمه.
وفى المصباح: أسلم لله انقاد وأسلم دخل فى دين الاسلام وأسلم دخل فى السلم وأسلم أمره الى الله تعالى سلمه أى أوصله وتركه له.
وقد جاء فى القرآن كثيرا بمعنى انقاد وخضع وأخلص كما فى قوله تعالى «بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ» (٣) أى أخلص وجهه لله تعالى وقوله «أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» (٤) أى خضع وقوله «إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» (٥) أى انقدت وأخلصت وخضعت.
كما جاء فيه بمعنى الدخول فى دين الاسلام وذلك فى قوله تعالى «وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا» (٦) أى أدخلتم فى دين الاسلام وقوله تعالى: «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا﴾
стр. 3043
﴿أَسْلَمْنا» (١) أى انقدنا ودخلنا فى الاسلام ظاهرا.
وكذلك جاء لفظ الاسلام فى القرآن علما على ما جاء به محمد ﷺ من عقائد وشرائع وأحكام كما فى قوله تعالى «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ» (٢) وقوله «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» (٣) وقوله «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (٤) وقوله تعالى «قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (٥).
ولقد سئل رسول الله ﷺ عن الاسلام فعرفه بما روى عنه ﷺ فيما أخرجه مسلم فى حديث عبد الله بن عمر عن أبيه رضى الله عنهما قال: حدثنى أبى عمر بن الخطاب قال بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم اذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس الى النبى ﷺ فأسند ركبتيه الى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال يا محمد. أخبرنى عن الاسلام، فقال رسول الله ﷺ الاسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا، قال: صدقت قال: فتعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرنى عن الايمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (٦)، قال: صدقت قال: فأخبرنى عن الاحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك قال فأخبرنى عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال: فأخبرنى عن أماراتها قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة والعالة رعاة الشاه يتطاولون فى البنيان، قال: ثم انطلق ثم قال لى يا عمر: أتدرى من السائل قلت الله ورسوله أعلم، قال انه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم.
وروى مسلم أيضا عن أبى هريرة قال:
كان رسول الله ﷺ يوما بارزا للناس فأتاه رجل فقال:
يا رسول الله ما الايمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر قال يا رسول الله ما الاسلام قال: الاسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة وتصوم رمضان (٧)
стр. 3044
الحديث، ثم ساق مسلم أحاديث أخرى بأسانيد مختلفة كلها تدل على أن الاسلام عبارة عن عقيدة وانقياد وخضوع لما أمر به الله على لسان نبيه محمد ﷺ من عمل يتقرب به اليه وينال به رضاه ويقرب صاحبه من الجنة.
وكان استعمال اسم الاسلام فيما ذكرنا من المعانى التى تتمثل فى الانقياد والخضوع والاخلاص لله تعالى والدخول فى الاسلام ظاهرا، وذلك باتخاذه دينا وملة استعمالا عربيا عرفه أصحاب اللغة واستعملوا اسم الاسلام فيه قبل تدوين العلوم ووضع مصطلحاتها.
وكان فيما ذكرنا ما يكفى فى التعريف بالاسلام لغة.
ولم يكن استعمال القرآن والسنة لاسم الاسلام فيما استعمل فيه من المعانى التى جاء بها القرآن ووردت بها السنة استعمالا غير عربى أو دخيلا عليها، فالقرآن انما نزل بلغة العرب بل بأفصح لغاتهم، وما كانت السنة الا حديثا لأفصح العرب لسانا وأقومهم بيانا هو رسول الله ﷺ نقله عنه أصحابه رضوان الله عليهم بلفظه اذا ما حفظوه، وما كان أيسر ذلك عليهم، فان رووه عنه بمعناه فقد صاغوه بلغتهم، وهى العربية التى بها ينطقون ويتفاهمون، ومن هذا يبين أن استعمال القرآن والسنة لاسم الاسلام استعمال عربى لغوى خالص.
الاستعمال الاصطلاحى:
وحين دونت العلوم الشرعية وظهرت مصطلحاتها وتبلورت كان من أثر ذلك تطور فى معانى بعض الأسماء الشرعية، يتسم تارة بالتوسع فيها، وتارة بالتحديد وضبط مدلولاتها، وتارة أخرى بتقييد ما كان منها مطلقا، وذلك عند بحث مسائل هذه العلوم، وبيان عناصرها وخصائصها، غير أنه كان ذلك تطورا محصورا فى دائرتها.
ولم يكن حظ اسم الاسلام من ذلك التطور الا شيوع اطلاقه وانتشار استعماله فى بعض ما كان مستعملا فيه وهو استعماله استعمال العلم (بفتح اللام) فيما جاء به محمد ﷺ من دين يقوم على عنصرى الايمان والعمل وان شئت قلت العقيدة وشريعة المعاملة، وكان اسم الاسلام بناء على هذا الاستعمال وهذا الاعتبار دالا على الايمان والتصديق والعمل والخضوع.
ولا يكون المسلم مسلما بناء على هذا الاصطلاح الا اذا آمن بقلبه وعمل بما أمره به ربه.
ولسنا نريد بذلك أنه لم يستعمل فى عصر العلوم وفى مجالها فيما كان
стр. 3045
يستعمل فيه من قبل من المعانى التى أشرنا اليها فيما سبق، بل ظل فى عصر العلوم وفى دائرتها مستعملا فيما كان يستعمل فيه من قبل، فكان يستعمل فى الدلالة على القيام بالعمل المطلوب دينا وان لم يصحب ذلك تصديق وايمان قلبى كما جاء فى قوله تعالى فى سورة الحجرات «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً» (١) فنفت الآية عنهم الايمان لعدم دخوله فى قلوبهم تصديقا واذعانا، وأثبتت لهم الاسلام وهو الانقياد والاستسلام، وذلك ما دعا كثيرا من العلماء والفقهاء الى أن يفرقوا بين الاسلام والايمان.
فكان الزهرى يقول: الاسلام الكلمة والايمان العمل، كما يرى غيره أن الاسلام اسم لما يظهر من الأعمال، والايمان اسم لما يبطن من الاعتقاد، استنادا الى تلك الآية والى ما بينه رسول الله ﷺ فى حديث عمر من أن الاسلام أعمال تؤدى باللسان وبغيره من جوارح البدن، وان الايمان اذعان وتصديق والى أن أصل الاسلام الاستسلام والانقياد وأصل الايمان التصديق، وقد يكون المرء مستسلما فى الظاهر غير منقاد فى الباطن.
ولم يمنع ذلك آخرين من أن يروا أن الاسلام والايمان قد يستعملان مترادفين استنادا الى قوله تعالى «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (٢).
وجملة القول فى ذلك أن المعنى فيهما يختلف باختلاف الاستعمال ومواضعه.
وأن التحقيق فى ذلك أنهما قد يستعملان مترادفين كما ذكرنا.
وقد يستعملان على خلاف بينهما فى الدلالة غير أنه لا يستعمل الايمان الا عند التصديق والعمل، فليس بمؤمن على التحقيق من صدق بقلبه فقط ولم يعمل، لأن عدم عمله دليل على عدم تصديقه المعتبر الذى يتمثل ظاهرا فى أثره من العمل والانقياد، وأدناه نطقه بالشهادتين، وعلى ذلك يكون كل مؤمن مسلما وليس كل مسلم مؤمنا اذ قد يكون منه العمل دون أن يكون مع ذلك مصدقا مذعنا.
والاسلام كثيرا ما يستعمل للدلالة على الأمرين جميعا التصديق والعمل كما فى قوله تعالى «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (٣) وقوله تعالى «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» (٤) وقوله
стр. 3046
تعالى «وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا» (١).
كما أنه قد جاء فى الكتاب الكريم اطلاق اسم الايمان على العمل كما فى قوله تعالى «وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» (٢) فقد أجمع المفسرون على أن المراد ليضيع صلاتكم.
واذا كان الاسلام فى بعض استعماله يراد به العمل بما كتبه الله على عباده من الأعمال فانه بناء على هذا الاعتبار يزيد وينقص وذلك بزيادة الأعمال ونقصها، وان من لم يأت بعمل ما من أعمال الاسلام التى منها النطق بالشهادتين لا يعد مسلما ولا تجرى عليه أحكام الاسلام فلا يعامل معاملة المسلمين (٣).
أركان الاسلام ومعانيه:
يراد بأركان الاسلام دعائمه فهى له كالدعائم للبنيان لا قيام له بدونها وذلك من قبيل التشبيه.
وفى ذلك جاء ما رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
بنى الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان.
واذا وازنا بين ما دل عليه هذا الحديث وما جاء فى حديث عمر من أن رسول الله ﷺ قال حين سأله جبريل عن الاسلام: الاسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا، تبينا أن هذا الحديث الذى رواه عمر قد جاء فى بيان مسمى الاسلام، وما يدل عليه هذا الاسم عند اطلاقه، وان حديث ابن عمر قد جاء ببيان ما يتحقق به الاسلام ويوجد بوجوده، فاسلام المرء يوجد ويتحقق بقيامه بهذه الأفعال التى تعد أركانا له ودعائم يقوم عليها لأنها مسماه وحقيقته وعناصره، فاذا وجدت فقد وجد.
ولسنا نعنى بذلك أن وجوده لا يتحقق ولا يكون الا بوجودها جميعها، حتى أن من ترك عملا منها لا يعد مسلما، ذلك لأن الاجماع قد انعقد على أن الانسان لا يكفر بترك العمل غير الشهادتين كالصوم ونحوه.
أما ما ذهب اليه الامام أحمد من أن من ترك الصلاة يكفر فلدليل خارجى هو قوله ﷺ من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر.
стр. 3047
وقد جاء من الأحاديث ما يدل على أن النطق بالشهادتين كاف فى تحقق الاسلام ووجوده ظاهرا، وان من نطق بهما حكم باسلامه فى ظاهر حاله، وعومل معاملة المسلمين، وأجريت عليه أحكام الاسلام، ويعد نطقه بالشهادتين دليل تصديقه بقلبه، أما تركه لفرائض الاسلام وواجباته من صلاة وزكاة وصيام وحج مع القدرة لا عن جحود وانكار فعصيان يؤاخذ به ويعاقب عليه، ولا يذهب باسلامه ولا يدحضه فيما بينه وبين الناس. أما فيما بينه وبين الله فقد كان هذا الأمر محل خلاف.
فالجمهور على أن الاسلام والايمان عند الله تعالى كلاهما نطق باللسان وعمل بالأركان، ويريدون بذلك أن الأعمال شرط فى كماله.
وعن هذا نشأ القول بزيادته ونقصانه.
والمرجئة يقولون هو اعتقاد ونطق بالشهادتين فقط.
والكرامية يقولون هو نطق بالشهادتين فقط.
والمعتزلة يقولون أنه العمل والنطق والاعتقاد والفارق بينهم وبين جمهور السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطا فى الصحة.
وأن السلف جعلوها شرطا فى كماله.
وهذا كله بالنظر كما أشرنا الى ما بين المرء وربه .
أما بالنظر الى ما هو الظاهر فى معاملاتنا فليس الا الاقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه أحكام الاسلام فى الدنيا، ولم يحكم عليه بكفره الا ان اقترن به فعل يدل على كفره وجحوده كالسجود للأصنام فان كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق ففاعله مؤمن أو مسلم بالنظر الى اقراره، ومن نفى عنه الايمان أو الاسلام فقد نظر الى كماله، ومن أطلق عليه اسم الكفر فقد نظر الى أنه أتى بفعل الكافر، ومن نفى عنه الاسلام والايمان فقد نظر الى حقيقتهما.
وأثبت المعتزلة الواسطة فقالوا: ان الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر (١) ولكى تكون الشهادة بأن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله دليل اسلام حقيقى يجب أن تصدر عما تحويه فى طيها من اخلاص فى عبادته ، واخلاص فى التوجه اليه، واخلاص فى حبه وطاعته وأن يكون الناطق بها قد سما بنفسه الى درجة جعلته أهلا لهذه الشهادة واعيا لمعناها، وأنه فى كل ما يأتيه ويدعه وفى حركته وسكونه وفى
стр. 3048
فعله وتركه وفى تصريفه وتدبيره وفى ترويه ونظره غير غافل عن أمر ربه الذى يعلم منه ما يخفى وما يعلن، وله وحده العظمة والسلطان، ولا عز الا فى طاعته والتوجه اليه ولا قوة الا فى الاعتصام بحبله.
كما يجب أن تنبعث عن ايمان صادق برسالة محمد ﷺ وبما جاء به عن ربه من أحكام ونظم وأوامر ونواه هى عماد الدين والحق اليقين، وحبل الله المتين الذى جعل من المؤمنين بها أخوة متحابين متعاونين رحماء فيما بينهم أشداء على غيرهم يرحم كبيرهم صغيرهم ويوقر صغيرهم كبيرهم تشيع فيهم المحبة والألفة ويتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الاثم والعدوان، يحب أحدهم لغيره ما يحبه لنفسه ويرى الله ورسوله أحب اليه مما سواهما من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ويتآمر بعضهم بعضا بالمعروف ويتناهون عن المنكر ويسارعون فى الخيرات وينأون عن المنكرات، ذلك هو الركن الأول من أركان الاسلام وهو كما يرى قول لسانى يصدر عن يقين وايمان وتصديق وتسليم واذعان وفناء فى ذات الله فناء يتمثل فى اخلاص العبودية له والحب لرسوله والحرص على متابعته.
أما الركن الثانى فهو اقامة الصلاة وهو عمل أمر به الله فى كتابه فى آيات عديدة ووصفها بأنها تنهى فاعلها عن الفحشاء والمنكر فقال فى سورة العنكبوت «وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (١) ووصفها بأنها كبيرة فقال فى سورة البقرة «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ» (٢).
ولا تكون كذلك الا اذا اعتضدت بالايمان الذى سبق بيانه وفيها وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها يخرج عن الاسلام. منها ما فى صحيح مسلم عن جابر رضى الله عنه عن النبى ﵌ قال: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (راجع مصطلح صلاة).
والركن الثالث ايتاء الزكاة وقد أمر الله بالزكاة فى كثير من آى القرآن الكريم وقرن أمره بها بأمره باقامة الصلاة حتى لا يكاد يرى أمر بالصلاة الا مصحوبا بالأمر بايتاء الزكاة (أنظر مصطلح زكاة).
والركن الرابع صوم رمضان وقد أمر به الله فى كتابه فقال تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (٣) وقال «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (٤) (انظر مصطلح صوم).
стр. 3049
والركن الخامس حج البيت لمن استطاع اليه سبيلا وفيه نزل قوله تعالى «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (١) وقوله تعالى «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ» (٢).
وفى ترك بعض هذه الأركان وردت أحاديث متعددة منها ما رواه أبو هريرة قال قيل يا رسول الله الحج كل عام قال لو قلت نعم لوجب عليكم ولو وجب عليكم ما أطقتموه ولو تركتموه لكفرتم رواه الدار قطنى وغيره (٣) (راجع مصطلح حج).
وترى طائفة من أهل الحديث أن من ترك شيئا من أركان الاسلام الخمس عمدا كفر وروى ذلك عن سعيد بن جبير ونافع وهو رواية عن الامام أحمد واختارها طائفة من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية (٤).
بم يكون الدخول فى الاسلام
يكون الدخول فى الاسلام بالنطق بالشهادتين والتبرؤ من الأديان كلها سوى الاسلام فان كان مرتدا عن الاسلام واعتنق دينا آخر كفاه التبرؤ منه بحصول المقصود.
وفى شرح الطحاوى سئل أبو يوسف عن الرجل كيف يسلم قال: يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقر بما جاء به من عند الله ويتبرأ من الدين الذى انتحله ويكفى النصرانى أن يتبرأ من النصرانية واليهودى أن يتبرأ من اليهودية وكذلك الحكم فى كل ملة.
وأما مجرد النطق بالشهادتين من النصرانى أو من اليهودى فلا يكفى، لأنهم يزعمون أن رسالته ﷺ للعرب خاصة اذا كان الناطق بهما ممن يرى ذلك.
أما اذا كان ممن ينكر رسالته ﷺ فانه يكفيه النطق بهما.
وكذلك اذا كان الناطق بهما فى دار الحرب وقت الحمل عليه فانه يكفى فى هذه الحالة قوله دخلت فى دين الاسلام أو فى دين محمد ﷺ (٥).
واشتراط التبرى لاجراء أحكام الاسلام عليه لا لثبوت الايمان فيما بينه وبين الله والا فانه يكفيه فى ذلك نطقه بالشهادتين مع تصديق قلبه.
стр. 3050
وفى المحيط لا يكون الناطق بالشهادتين مسلما حتى يتبرأ من دينه ويقر أنه دخل فى دين الاسلام.
وذهب بعض المشايخ الى أن من قال دخلت فى دين الاسلام يحكم باسلامه وان لم يتبرأ مما كان عليه، لأنه يدل على دخول حادث فى الاسلام، ومثل ذك فى السير الكبير.
وقد ذكر بعض العلماء أن الوثنى ومن يرى أن الاسلام مما يعير ويسب به يكفى فى اسلامه أن يقول أنا مسلم أو أسلمت أو أنا على دين محمد ﵌، ذلك لأن هؤلاء يمتنعون عن قول أنا مسلم حتى ان أحدهم اذا أراد منع نفسه عن أمر قال ان فعلته أكن مسلما فاذا قال طائعا أنا مسلم فهذا دليل اسلامه، وان لم يسمع منه نطقه بالشهادتين، كما صرح به فى السير فيمن صلى بجماعة اذ قال انه يحكم باسلامه.
والفتوى على أنه انما ينظر فى حال من نطق بهما وبما يدل عليهما، فان كان ما صدر منه صريحا فى اسلامه غير محتمل لمعنى يحول دونه عد مسلما (١).
وظاهر مذهب المالكية الاكتفاء فى اثبات اسلام المرء بنطقه بالشهادتين كما يتبين ذلك من الرجوع الى كتبهم.
أما الشافعية فمذهبهم لا يخالف مذهب الحنفية (٢).
وكذلك مذهب الجعفرية (٣).
ويرى الحنابلة الاكتفاء بالشهادتين لحديث ابن عمر: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وفى كشاف القناع أن الدخول فى الاسلام يكون بالنطق بالشهادتين مع الاقرار بعموم بعثته ﵌ والبراءة من كل دين يخالف دين الاسلام.
قال ابن القيم فى الطرق الحكمية اذا قال الشخص: لا اله الا الله محمد رسول الله صار مسلما باتفاق (٤).
وهذا هو ظاهر ما ذهب اليه الزيدية كما يتبين من الرجوع الى البحر الزخار.
وهذا ما ذهب اليه أهل الظاهر أيضا كما يبدو من كلام ابن حزم فى المحلى فى المسألة ٢١٩٥.
وخلاصة ما يدل عليه أقوال أصحاب المذاهب المختلفة هو وجوب النطق بالشهادتين أو بما يؤدى معناهما ويدل دلالتهما بأية لغة كانت وان كان يحسن العربية، ولا يشترط اضافة شئ