← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

تعالى «وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا» (١). كما أنه قد جاء فى الكتاب الكريم اطلاق اسم الايمان على العمل كما فى قوله تعالى «وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» (٢) فقد أجمع المفسرون على أن المراد ليضيع صلاتكم. واذا كان الاسلام فى بعض استعماله يراد به العمل بما كتبه الله على عباده من الأعمال فانه بناء على هذا الاعتبار يزيد وينقص وذلك بزيادة الأعمال ونقصها، وان من لم يأت بعمل ما من أعمال الاسلام التى منها النطق بالشهادتين لا يعد مسلما ولا تجرى عليه أحكام الاسلام فلا يعامل معاملة المسلمين (٣). أركان الاسلام ومعانيه: يراد بأركان الاسلام دعائمه فهى له كالدعائم للبنيان لا قيام له بدونها وذلك من قبيل التشبيه. وفى ذلك جاء ما رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بنى الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان. واذا وازنا بين ما دل عليه هذا الحديث وما جاء فى حديث عمر من أن رسول الله ﷺ قال حين سأله جبريل عن الاسلام: الاسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا، تبينا أن هذا الحديث الذى رواه عمر قد جاء فى بيان مسمى الاسلام، وما يدل عليه هذا الاسم عند اطلاقه، وان حديث ابن عمر قد جاء ببيان ما يتحقق به الاسلام ويوجد بوجوده، فاسلام المرء يوجد ويتحقق بقيامه بهذه الأفعال التى تعد أركانا له ودعائم يقوم عليها لأنها مسماه وحقيقته وعناصره، فاذا وجدت فقد وجد. ولسنا نعنى بذلك أن وجوده لا يتحقق ولا يكون الا بوجودها جميعها، حتى أن من ترك عملا منها لا يعد مسلما، ذلك لأن الاجماع قد انعقد على أن الانسان لا يكفر بترك العمل غير الشهادتين كالصوم ونحوه. أما ما ذهب اليه الامام أحمد من أن من ترك الصلاة يكفر فلدليل خارجى هو قوله ﷺ من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر.

стр. 3047

وقد جاء من الأحاديث ما يدل على أن النطق بالشهادتين كاف فى تحقق الاسلام ووجوده ظاهرا، وان من نطق بهما حكم باسلامه فى ظاهر حاله، وعومل معاملة المسلمين، وأجريت عليه أحكام الاسلام، ويعد نطقه بالشهادتين دليل تصديقه بقلبه، أما تركه لفرائض الاسلام وواجباته من صلاة وزكاة وصيام وحج مع القدرة لا عن جحود وانكار فعصيان يؤاخذ به ويعاقب عليه، ولا يذهب باسلامه ولا يدحضه فيما بينه وبين الناس. أما فيما بينه وبين الله فقد كان هذا الأمر محل خلاف. فالجمهور على أن الاسلام والايمان عند الله تعالى كلاهما نطق باللسان وعمل بالأركان، ويريدون بذلك أن الأعمال شرط فى كماله. وعن هذا نشأ القول بزيادته ونقصانه. والمرجئة يقولون هو اعتقاد ونطق بالشهادتين فقط. والكرامية يقولون هو نطق بالشهادتين فقط. والمعتزلة يقولون أنه العمل والنطق والاعتقاد والفارق بينهم وبين جمهور السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطا فى الصحة. وأن السلف جعلوها شرطا فى كماله. وهذا كله بالنظر كما أشرنا الى ما بين المرء وربه . أما بالنظر الى ما هو الظاهر فى معاملاتنا فليس الا الاقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه أحكام الاسلام فى الدنيا، ولم يحكم عليه بكفره الا ان اقترن به فعل يدل على كفره وجحوده كالسجود للأصنام فان كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق ففاعله مؤمن أو مسلم بالنظر الى اقراره، ومن نفى عنه الايمان أو الاسلام فقد نظر الى كماله، ومن أطلق عليه اسم الكفر فقد نظر الى أنه أتى بفعل الكافر، ومن نفى عنه الاسلام والايمان فقد نظر الى حقيقتهما. وأثبت المعتزلة الواسطة فقالوا: ان الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر (١) ولكى تكون الشهادة بأن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله دليل اسلام حقيقى يجب أن تصدر عما تحويه فى طيها من اخلاص فى عبادته ، واخلاص فى التوجه اليه، واخلاص فى حبه وطاعته وأن يكون الناطق بها قد سما بنفسه الى درجة جعلته أهلا لهذه الشهادة واعيا لمعناها، وأنه فى كل ما يأتيه ويدعه وفى حركته وسكونه وفى

стр. 3048

فعله وتركه وفى تصريفه وتدبيره وفى ترويه ونظره غير غافل عن أمر ربه الذى يعلم منه ما يخفى وما يعلن، وله وحده العظمة والسلطان، ولا عز الا فى طاعته والتوجه اليه ولا قوة الا فى الاعتصام بحبله. كما يجب أن تنبعث عن ايمان صادق برسالة محمد ﷺ وبما جاء به عن ربه من أحكام ونظم وأوامر ونواه هى عماد الدين والحق اليقين، وحبل الله المتين الذى جعل من المؤمنين بها أخوة متحابين متعاونين رحماء فيما بينهم أشداء على غيرهم يرحم كبيرهم صغيرهم ويوقر صغيرهم كبيرهم تشيع فيهم المحبة والألفة ويتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الاثم والعدوان، يحب أحدهم لغيره ما يحبه لنفسه ويرى الله ورسوله أحب اليه مما سواهما من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ويتآمر بعضهم بعضا بالمعروف ويتناهون عن المنكر ويسارعون فى الخيرات وينأون عن المنكرات، ذلك هو الركن الأول من أركان الاسلام وهو كما يرى قول لسانى يصدر عن يقين وايمان وتصديق وتسليم واذعان وفناء فى ذات الله فناء يتمثل فى اخلاص العبودية له والحب لرسوله والحرص على متابعته. أما الركن الثانى فهو اقامة الصلاة وهو عمل أمر به الله فى كتابه فى آيات عديدة ووصفها بأنها تنهى فاعلها عن الفحشاء والمنكر فقال فى سورة العنكبوت «وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (١) ووصفها بأنها كبيرة فقال فى سورة البقرة «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ» (٢). ولا تكون كذلك الا اذا اعتضدت بالايمان الذى سبق بيانه وفيها وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها يخرج عن الاسلام. منها ما فى صحيح مسلم عن جابر رضى الله عنه عن النبى ﵌ قال: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (راجع مصطلح صلاة). والركن الثالث ايتاء الزكاة وقد أمر الله بالزكاة فى كثير من آى القرآن الكريم وقرن أمره بها بأمره باقامة الصلاة حتى لا يكاد يرى أمر بالصلاة الا مصحوبا بالأمر بايتاء الزكاة (أنظر مصطلح زكاة). والركن الرابع صوم رمضان وقد أمر به الله فى كتابه فقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (٣) وقال «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (٤) (انظر مصطلح صوم).

стр. 3049

والركن الخامس حج البيت لمن استطاع اليه سبيلا وفيه نزل قوله تعالى «وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (١) وقوله تعالى «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ» (٢). وفى ترك بعض هذه الأركان وردت أحاديث متعددة منها ما رواه أبو هريرة قال قيل يا رسول الله الحج كل عام قال لو قلت نعم لوجب عليكم ولو وجب عليكم ما أطقتموه ولو تركتموه لكفرتم رواه الدار قطنى وغيره (٣) (راجع مصطلح حج). وترى طائفة من أهل الحديث أن من ترك شيئا من أركان الاسلام الخمس عمدا كفر وروى ذلك عن سعيد بن جبير ونافع وهو رواية عن الامام أحمد واختارها طائفة من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية (٤). بم يكون الدخول فى الاسلام يكون الدخول فى الاسلام بالنطق بالشهادتين والتبرؤ من الأديان كلها سوى الاسلام فان كان مرتدا عن الاسلام واعتنق دينا آخر كفاه التبرؤ منه بحصول المقصود. وفى شرح الطحاوى سئل أبو يوسف عن الرجل كيف يسلم قال: يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقر بما جاء به من عند الله ويتبرأ من الدين الذى انتحله ويكفى النصرانى أن يتبرأ من النصرانية واليهودى أن يتبرأ من اليهودية وكذلك الحكم فى كل ملة. وأما مجرد النطق بالشهادتين من النصرانى أو من اليهودى فلا يكفى، لأنهم يزعمون أن رسالته ﷺ للعرب خاصة اذا كان الناطق بهما ممن يرى ذلك. أما اذا كان ممن ينكر رسالته ﷺ فانه يكفيه النطق بهما. وكذلك اذا كان الناطق بهما فى دار الحرب وقت الحمل عليه فانه يكفى فى هذه الحالة قوله دخلت فى دين الاسلام أو فى دين محمد ﷺ (٥). واشتراط التبرى لاجراء أحكام الاسلام عليه لا لثبوت الايمان فيما بينه وبين الله والا فانه يكفيه فى ذلك نطقه بالشهادتين مع تصديق قلبه.

стр. 3050

وفى المحيط لا يكون الناطق بالشهادتين مسلما حتى يتبرأ من دينه ويقر أنه دخل فى دين الاسلام. وذهب بعض المشايخ الى أن من قال دخلت فى دين الاسلام يحكم باسلامه وان لم يتبرأ مما كان عليه، لأنه يدل على دخول حادث فى الاسلام، ومثل ذك فى السير الكبير. وقد ذكر بعض العلماء أن الوثنى ومن يرى أن الاسلام مما يعير ويسب به يكفى فى اسلامه أن يقول أنا مسلم أو أسلمت أو أنا على دين محمد ﵌، ذلك لأن هؤلاء يمتنعون عن قول أنا مسلم حتى ان أحدهم اذا أراد منع نفسه عن أمر قال ان فعلته أكن مسلما فاذا قال طائعا أنا مسلم فهذا دليل اسلامه، وان لم يسمع منه نطقه بالشهادتين، كما صرح به فى السير فيمن صلى بجماعة اذ قال انه يحكم باسلامه. والفتوى على أنه انما ينظر فى حال من نطق بهما وبما يدل عليهما، فان كان ما صدر منه صريحا فى اسلامه غير محتمل لمعنى يحول دونه عد مسلما (١). وظاهر مذهب المالكية الاكتفاء فى اثبات اسلام المرء بنطقه بالشهادتين كما يتبين ذلك من الرجوع الى كتبهم. أما الشافعية فمذهبهم لا يخالف مذهب الحنفية (٢). وكذلك مذهب الجعفرية (٣). ويرى الحنابلة الاكتفاء بالشهادتين لحديث ابن عمر: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وفى كشاف القناع أن الدخول فى الاسلام يكون بالنطق بالشهادتين مع الاقرار بعموم بعثته ﵌ والبراءة من كل دين يخالف دين الاسلام. قال ابن القيم فى الطرق الحكمية اذا قال الشخص: لا اله الا الله محمد رسول الله صار مسلما باتفاق (٤). وهذا هو ظاهر ما ذهب اليه الزيدية كما يتبين من الرجوع الى البحر الزخار. وهذا ما ذهب اليه أهل الظاهر أيضا كما يبدو من كلام ابن حزم فى المحلى فى المسألة ٢١٩٥. وخلاصة ما يدل عليه أقوال أصحاب المذاهب المختلفة هو وجوب النطق بالشهادتين أو بما يؤدى معناهما ويدل دلالتهما بأية لغة كانت وان كان يحسن العربية، ولا يشترط اضافة شئ

стр. 3051

اليها الا حيث يرى أنهما غير كافيتين بالنظر الى من نطق بهما فى أبعاد أى شك فى ايمانه وتصديقه بأن لا اله الا الله وأن محمدا رسوله الى الناس جميعا بالدين الذى أكمله لهم وأمرهم باعتناقه. هذا وقد اتفقت جميع المذاهب عدا المالكية على أن كلا من الصغير والمجنون يعد مسلما باسلام أحد أبويه. وجاء فى ابن عابدين نقلا عن الاستروتشى الصغير تبع لأبويه أو أحدهما فى الدين فان انعدما فلذى اليد والا فللدار ولا تنقطع التبعية الا بالبلوغ أو بالاسلام بنفسه ولا يصير الولد مسلما باسلام جده ولو كان أبوه ميتا (١). وذهب المالكية الى أنه انما يتبع فى الاسلام أباه مباشرة لا جده ولا أمه (٢). ويرى الشافعية تبعيته لأحد أبويه من جهة الاب أو الام وان علوا بحيث لا يكون بينهما واسطة (٣). وذهب الحنابلة الى أن كلا من الصغير والمجنون يتبع أحد أبويه فى الاسلام (٤). وهذا هو مذهب الجعفرية (الإمامية) والزيدية. فان عدما كان مسلما تبعا لداره عند الزيدية وان وجد فى كنيسة أو بيعة، وعند التردد فى الامر قدم اعتباره مسلما (٥). الاسلام عقائد وشرائع وفضائل وهو دين أشهر معانى الاسلام وأكثرها ورودا فى استعمالاته وما يتبادر اليه الذهن عند اطلاقه هو الدين الذى جاء به محمد ﷺ وهو دين الحق وهو الهدى الذى لا يخالطه ضلال وفيه نزل قوله تعالى «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» (٦) وقوله تعالى «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (٧). وليس هذا الدين الذى رضيه الله لعباده واتم به عليهم نعمته الا ما شرعه الله للناس وأوحى به الى رسوله محمد ﷺ والى الانبياء من قبله وهو دين الاسلام واحد فى اصوله وعقائده يتمثل فى اخلاص العبادة له وصدق التوجه

стр. 3052

اليه والتقرب بكل عمل صالح أمر به وبترك كل خبيث نهى عنه. وقد جعله الله هداية للناس الى الحق والى الطريق المستقيم فيه هدايتهم وفيه نجاتهم من شرور الحياة وبوائقها وضلالات النفوس وسوء منازعها. كما يدل على ذلك قوله تعالى: فى سورة الشورى «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» (١) وهو ما أمر الرسول بابلاعه الى الناس وجعله شريعة أمره باتباعها وترك ما يخالفها. كما يدل على ذلك قوله تعالى فى سورة الجاثية «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» (٢) وهو الاسلام الذى لا يقبل الله من أحد دينا سواه ولا يرضى منه بغيره كما يدل على ذلك قوله تعالى فى سورة آل عمران «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ» (٣) وقوله «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» (٤). وهو الدين القيم الذى نزل به القرآن الكريم ليكون هداية للناس أجمعين وامر الرسول ﷺ بابلاغه وبيانه. كما دل على ذلك قوله تعالى «وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً ٥ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» وقوله تعالى «يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ ٦ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». ونتيجة ذلك أن هذا الدين هو الاسلام وهو الشريعة وهو تلك النظم والاحكام التى شرعها الله وشرع أصولها وثبت قواعدها وأسسها وكلف الناس اياها ليأخذوا أنفسهم بها فى علاقتهم بربهم وعلاقتهم بعضهم ببعض أفرادا وجماعات وعلاقتهم بالكون وعلاقتهم بالحياة على وفق ما أفاد القرآن بصريح آياته أو تضمنه بعموم قواعده وكلياته، أو أشار اليه من أهداف وحكم بضروب دلالاته أو جاء به رسول الله ﷺ فيما بلغه للناس من بيان وفيما صدر عنه من قول، وفيما باشره من عمل، وفيما دل عليه باجتهاده وتطبيقه، وبما

стр. 3053

وضعه من علامات ونصب له من اشارات، وذلك ما يرتد الى طائفتين من الاحكام. أولاها: طائفة العقائد. وثانيها: طائفة الاحكام العملية التطبيقية. أما طائفة العقائد فتتناول أولا الايمان بالله والايمان بصفاته على وفق ما جاء به - الكتاب الحكيم من ايمان بألوهيته ووحدانيته واتصافه بكل ما وصف به نفسه من صفات الكمال والتنزيه وايمان باستحقاقه وحده العبادة والتقديس والاخلاص له فيهما. كما يدل على ذلك قوله تعالى «قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ١». وثانيا الايمان برسالة من اصطفاه من عباده الذين أرسلهم الى الناس والايمان بملائكته وكتبه واليوم الآخر والايمان بالبعث وبالقدر خيره وشره والايمان بالجزاء وبالجنة وبالنار وغير ذلك مما يتضمنه ما جاء به الكتاب من الايمان بالغيب ودلت عليه آيات الكتاب مثل قوله تعالى فى اليوم الاخر «اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ٢» وقوله فى الجزاء وفى الجنة والنار فى سورة هود «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ ٣ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» وقوله تعالى «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (٤) وقوله تعالى فى الايمان برسله وكتبه وملائكته فى سورة البقرة «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ ٥ مِنْ رُسُلِهِ» وقوله تعالى فى انفراده بالخلق «ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (٦) وقوله تعالى فى القضاء والقدر. «وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ» (٧) وقوله تعالى «قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ ٨ لِلّهِ» وقوله تعالى «قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ» وقوله تعالى

стр. 3054

«وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» (١) وقوله تعالى «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ)﴾ (٢) وغير ذلك من الايات كثير منثورة فى القرآن متفرقة فيه وقد تكفل بشرحه وتفصيله علماء الكلام. والطائفة الثانية: من الاحكام ما تضمنته تلك الاصول ودلت عليه تلك الدلائل والامارات من الاحكام والنظم التى شرعها الله ليأخذ الانسان بها نفسه فى علاقته بربه وفى علاقته بالناس، وهى نوعان فضائل وشرائع. فأما الفضائل فهى تلك الاخلاق والفضائل التى أمر بها الله فى كتابه وحض عليها رسوله فى حديثه، وهى فضائل تنعم بها الحياة وتطيب بها ثمارها، وتكمل بها متعها وتزهو بها نضرتها وتزول معها شقاوتها فلا يرى الناس فى مجتمعهم شرورا ولا فسادا، ولا يلقون فيه ظلما ولا طغيانا بل يعمهم الاخاء ويظلهم العدل والمساواة. وجماع هذه الفضائل ما أمر به الله فى كتابه من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والدعوة الى الخير اذ قال فى سورة آل عمران «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» و «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». (٣) ومن الدعوة الى عمل الصالحات فى مثل قوله تعالى «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (٤). ومن الامر بالاحسان والعدل والوفاء بالعهد ومودة القربى وتجنب الفحشاء والمنكر فى قوله تعالى «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (٥) وقوله «وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ٦» وقوله تعالى «وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا» (٧) وقوله تعالى ﴿(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً)﴾ (٨) ومن الامر بالصبر فى قوله تعالى «وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» (٩) وقوله تعالى «وَاصْبِرُوا ١٠ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ». ومن الامر بالزهد فى مثل قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾

стр. 3055

﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ» (١). والامر بالعفو فى مثل قوله تعالى «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ». (٢) ومن مقابلة السيئة بالحسنة فى مثل قوله تعالى «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ٣». وعدم الظلم فى مثل قوله تعالى «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (٤). ومن الدعوة الى الاصلاح بين الناس فى مثل قوله تعالى «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ» (٥). ومن الأمر بالوحدة فى مثل قوله تعالى «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ٦» وقوله تعالى «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» (٧). ومن الامر بحسن السلوك فى مثل قوله تعالى «وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ٨ أَوْ رُدُّوها» وقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها» (٩). ومن نهيه عن سوء الظن والتجسس والغيبة فى مثل قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ» (١٠). ومن أمره بالتثبت من الاخبار فى مثل قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (١١) الى غير ذلك مما لا يكاد يحصيه استقراء من خلق عظيم ومعاملة كريمة واجتناب لكل خبيث وفاحش. وهذا الى ما يمتاز به الاسلام من أنه دين سعى وعمل وتهذيب يهدف الى اصلاح النفوس وتربيتها وتقدمها ودين حرية ومساواة شعاره التوفيق بين مطالب الروح، ومطالب الجسد، ومراعاة مصالح الناس والعمل للدنيا

стр. 3056

والآخرة يقول الله تعالى «وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ١» ويقول ﷺ «الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربى على عجمى، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود الا بالتقوى ان أكرمكم عند الله اتقاكم، ألا هل بلغت». وأما الشرائع فهى الاحكام والتكاليف التى شرعها الله ، ليأخذ الانسان بها بنفسه فى علاقته بربه وفى علاقته بالناس، وهى نوعان. نوع يتمثل فيما كلف به الناس من أعمال يتقربون بها الى ربهم، ويستحضرون بها عظمته وألوهيته، لتكون وسيلة الى صلاح نفوسهم، وعنوانا على صدق ايمانهم، وهذا ما يسمى بالعبادات. ونوع يتمثل فى الأحكام التى شرعت، لتكون وسيلة الى حفظ مصالح الناس، ودفع المضار عنهم وتحديد الصلات بينهم على وجه تندفع به المظالم وتصان به الحقوق وتستقر لأصحابها وينتشر العدل ويسود الامن، وهذا ما يعرف بشرائع المعاملة. والنوع الأول يتناول الصلاة والصيام والزكاة والحج، وذلك ما جعل من أركان الاسلام. والنوع الثانى يتناول ما يتعلق بنظام الاسرة من حيث اقامتها على أسس قويمة تكفل لها سلامتها ووحدتها وتماسكها وتضمن لها تحقيق أهدافها الاجتماعية وصيانة حقوقها الشخصية والمالية، وذلك ما تقوم به أحكام الزواج والنسب والنفقة والطلاق والولاية والميراث. وكذلك يتناول ما يتعلق بالمعاملات المالية من التصرف فى الاموال واستثمارها وانفاقها ومنع الاعتداء عليها. كما يتناول كل ما يتعلق بصيانة الامن وعدم الاعتداء على النفوس وحقوقها الشخصية كالحرية فى الرأى والقول والعمل. والتشريع فى هذا المجال يقوم على أن لكل من الرجل والمرأة شخصية مستقلة لها حقوقها الشخصية والمالية من أهلية التصرف وأهلية التعاقد وأهلية الالتزام وأهلية التملك، وعلى أن القوامة فى الاسرة ونظامها للزوج، وعلى أن لكل من الزوجين شخصية وذمة مستقلة وحقوقا وواجبات محددة بحيث لا يكون لأحدهما طغيان على صاحبه، ولكل قريب أصل وفرع حقوقا وواجبات تحقق التكافل والتعاون بين اعضاء الاسرة، وذلك ما تهدف اليه قواعد التشريع الاسلامى

стр. 3057

جملة، فى المجال الاقتصادى، اذ تقوم على أن العمل أساس الاقتصاد ومصدر الكسب والتملك الى جانب الميراث الذى يعد فى واقع الامر امتدادا لعمل المورث وأثره. وعلى الجملة فقد حدد الشرع الاسلامى وسائل التملك ونظمها وطهرها من الغش والخداع والغرر والمقامرة والاضرار بالغير كما صان للنفوس حياتها ووفر لها أمنها ومنع الاعتداء عليها وذلك بما قرره من عقوبات رادعة زاجرة أوجب على أولى الأمر القيام بها. ان الاسلام حين جاء الى الناس بشرائعه وهدايته، جاءهم بهداية شاملة تعم جميع نواحى حياتهم روحية كانت أم مادية دينية كانت أم دنيوية، فردية كانت أم اجتماعية. فكان سبيله فى اصلاح الحياة الروحية والدينية ما هدى اليه من ايمان وما أمر به من توجه الى الله الملك الديان واخلاص فى العبادة له والتوكل عليه والاستعانة به والتقرب اليه بفعل الخير وترك الشر والبعد عن الضر. وكان سبيله فى اصلاح الحياة الدنيوية ما شرعه من شرائع شاملة عامة عادلة أشرنا اليها وبينا عمومها وشمولها، وذلك بما حواه القرآن الكريم من أوامر ونواه، وبما جاء به رسول الله ﷺ من ذلك فى أقواله وأفعاله وتقريراته. فآيات القرآن الكريم كما جاءت حافلة بالعقائد جاءت كذلك حافلة بما ينظم العلاقات بين الأفراد والتعامل فيما بينهم وما يقوم عليه الفصل فى الخصومات التى تنشأ بسبب هذا التعامل عند الاختلاف. ومن الآيات الدالة على عموم ذلك التشريع قوله تعالى «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١» فان هذه الآيات قد تناولت ثلاثة أنواع من أحكام الشريعة. الأول: ما يتعلق بالعقيدة وذلك فى قوله تعالى «أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» وذلك

стр. 3058

يتضمن النهى عن كل ما يتعارض مع وحدانية الله وألوهيته وذلك جماع العقائد. الثانى: ما يتعلق بسلوك الانسان اخلاقيا اذ أوصاه بالاحسان الى والديه وحرم عليه قتل أولاده خشية الفقر وقد كان ذلك عادة شائعة وأمره بتجنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن وذلك ما يتناول كل اثم وكل جرم وكل ما يعد فاحشة ورجسا. الثالث: ما يتصل بالمعاملة اذ حرم على الانسان المساس بمال اليتيم الا بما فيه احسان وخير له حتى يبلغ أشده، وأمره بأن يفى الكيل والميزان وبأن يقول الحق ويتبع فى قوله العدل ولو كان ذلك فى ذوى القربى وبأن يفى بعهده، ثم وصف هذا التشريع بأنه الطريق المستقيم الواجب الاتباع الموصل الى التقوى وأنه سبيل الله وشريعته ودينه الذى دان الناس به وتعبدهم به لم يفرق بين ما كان منه عقيدة، وما كان سلوكا ومعاملة، وما كان عهدا أو جريمة، وذلك ما يبين منه أن الاسلام فى شرائعه قد تجاوز فى تنظيمه الحياة الروحية والوصايا الاخلاقية المحضة الى الحياة الاجتماعية وأن كل ما تناوله بكتاب أو بسنة هو دين وشريعة لا فرق بين حكم جاء به كتاب وحكم جاءت به سنة لقوله تعالى «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (١) وقوله «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ» (٢) ولم يغفل الكتاب ولا السنة ما يتعلق بعلاقة الحاكم والمحكوم وما يقوم عليه نظام الحكم من أحكام فقد عنى الكتاب ببيان الأسس التى يقوم عليها نظام الحكم فأوجب المشورة ولم يستثن منها رسول الله ﵌ اذ قال له «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ» (٣). ووصف المؤمنين بقوله ﴿(وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ (٤). وأمر بالعدل عند الحكم فقال «وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (٥). كما أمر بطاعة أولى الامر فى قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (٦). وبالوفاء بالعهود فى مثل قوله تعالى «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً» (٧) وقوله تعالى «وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها» (٨). وبالاستعداد للدفاع عن النفس والمال والوطن فى مثل قوله تعالى «وَأَعِدُّوا﴾

стр. 3059

﴿لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ» (١). كما سوى بين الناس بقوله ﷺ : الناس سواسية كأسنان المشط. وقرر كذلك مسئولية كل وال عن ولايته بقوله ﷺ : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وكل هذه أحكام متعلقة بنظام الحكم غير انها أحكام عامة يراد بها التوجيه والارشاد عند التطبيق وقد أريد بها أن تكون مبادئ عامة مرنة لتساير كل زمن وتوافق كل أمة وجيل وتطابق كل تقليد حتى تختار كل أمة ما يلائمها من نظم الحكم وأساليبه اذ كل أمة لها ما يصلحها، وما يصلح لأمة قد لا يصلح لغيرها ولم يعرف التاريخ نظاما من أنظمة الحكم يصلح لكل زمن ولكل أمة. وفى عصرنا هذا نجد اختلافا بينا فى أنظمة الحكم وتباينا فى صورها ولذا كان من الحكمة وقد جاءت الشريعة الاسلامية شريعة عامة دائمة أن تقتصر فى بيانها على الأسس والاهداف التى يجب أن يؤسس عليها الحكم دون التعرض للتفصيل. ولقد أقام رسول الله ﷺ أول دولة اسلامية بالمدينة حين هاجر اليها فكانت رياستها اليه بحكم رسالته ودعوته ولم يكن لها نظم الممالك القائمة فى عصره ﷺ فى بلاد الفرس والروم وفى بلاد الاحباش بل كان لها نظامها الخاص بها الملائم لعادات العرب وتقاليدهم واخلاقهم القائم على الدعوة الاسلامية والاسس القرآنية والمبادئ النبوية من أهداف وأغراض وما تهدى اليه من مودة واخاء ووحدة فكان أفرادها أخوة متحابين متعاونين متكافلين يرجعون فى كل أمورهم ومنازعاتهم وخلافاتهم الى رسول الله ﵌ فكان معلمهم ورسولهم وقائدهم وحاكمهم وقاضيهم ترد اليه الاموال العامة من زكاة وغنائم يوزعها بينهم ويفصل فى خصوماتهم ويولى الصالح منهم من أمورهم ما يقوم بكفايتها ثم لم يلبث نظام هذه الدولة بعد وفاته ﷺ ان تعرض لشئ من التحول والتغير تتطلبه اختلاف الظروف واتساع الولاية الاسلامية فكان ذلك دليلا على ما للنظام الاسلامى فى ولاية الحكم من مرونة تسمح بالتغير مسايرة للتطور واستجابة لدواعى المصلحة كما كان دليلا أيضا على أن نظام الحكم الاسلامى نظام تختلف صوره وأشكاله تبعا لاختلاف الظروف واختلاف الامم عادة وتقاليد وثقافة لا تتعارض مع نص صريح أريد به حكم عام وليس ذلك مما يبعده عن الدين وعن أن يكون شريعة شرعها الله فان من الاحكام الشرعية ما تتطلبه مصالح الناس العامة وتختلف باختلافها

стр. 3060

وجملة القول أن الاسلام فيما دلت عليه الاحاديث والآثار قول وتصديق وعمل فأما القول فيجب أن يكون صورة صادقة لما وقر فى النفس من تصديق واذعان وانطوت عليه من ايمان تصدر عنه افعالها وتشكل به نواياها متجهة الى الخير راغبة فى النفع مبتعدة من الضر. وأما التصديق فهو الاذعان بما دلت عليه الدلائل السليمة من الكتاب والسنة من ايمان بالله ورسله وبكل ما جاء به من شرعه. وأما العمل فهو ما جاء على وفق ذلك من كل عمل أريد به صلاح النفس وصلاح العيش وصلاح الحياة على تعدد ألوانها وصورها وصلاح الروابط الانسانية والاجتماعية والاقتصادية. هذه هى صورة الاسلام الصحيح السليم وذلك مسماه وهو ما جعله الله طريقا الى السعادة ووسيلة الى رضاه وسبيلا الى حياة انسانية جديرة بالانسان ومكانته فى هذا الوجود. فالاسلام باعتباره خاتم الاديان أحكامه صالحة لكل زمان ومكان فقواعده الكلية - كوجوب العدل والشورى ورفع الحرج ودفع الضرر - صالحة لتطبق فى كل عصر بما يناسب أهله. وأحكامه الجزئية الثابتة الدائمة فيها مصلحة للناس فى جميع الازمنة والامكنة كأحكام الميراث. أما الاحكام التى روعيت فيها مصالح الناس وعرفهم فهذه لا تعتبر قانونا دائما بل يختلف الحكم فيها تبعا لاختلاف الظروف والاحوال والحوادث التى تجد ولا نص فيها يجب وضع حكم لها فى ضوء القواعد الكلية التى جاءت بها أحكام الشريعة الاسلامية فاذا وضع كان حكما اسلاميا وعلى هذا فالقوانين التى تساس بها الامة فى كل مناحى الحياة يجب أن يكون أساسها القواعد الكلية للشريعة الاسلامية وبذلك يتحقق نفع الأمة فى الحياة الدنيا وفى الآخرة. هذه كانت رسالة النبى ﷺ وهى ما يجب أن يكون عليه أولو الامر من المسلمين من بعده. أسير التعريف اللغوى: أسره يأسره أسرا واسارة: شدة بالاسار، والاسار: ما شد به، والجمع: أسر، والاسار: القيد أيضا، ويكون حبل الكتاف، ومنه سمى الأسير. وكانوا يشدونه بالقد فسمى كل أخيذ أسيرا وان لم يشد به، يقال: أسرت الرجل أسرا واسارا فهو أسير ومأسور،

стр. 3061

والجمع أسرى وأسارى، والأسير: الأخيذ، وأصله من ذلك، وكل محبوس فى قد أو سجن: أسير وقوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» قال فيه مجاهد الأسير المسجون، والجمع: أسراء وأسارى وأسارى وأسرى، ويقال للأسير من العدو أسير لأن آخذه يستوثق منه بالاسار وهو القد لئلا يفلت (١). التعريف الشرعى: لا يكاد يخرج استعمال الفقهاء للفظ الأسر عما ورد فى التعريف اللغوى كما سيتضح من كلامهم. حكمة الأسر ومشروعيته: أجمعت الأمة على مشروعية أخذ الأسارى وتمكين المسلمين منهم، وذلك لكسر شوكة الاعداء ودفع شرهم عن البشرية، وحسم مادة الفساد من الأرض ولذلك قال تعالى: «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً». فهم فى يد الحاكم المسلم يتصرف فى شأنهم بما يراه فى صالح المسلمين. فان شاء استرقهم لأن فى ذلك دفعا لشرهم مع وفور منفعته لأهل الاسلام. وان شاء فادى بهم أسرى المسلمين. وان شاء تركهم أحرارا ذمة للمسلمين كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بسواد العراق بموافقة الصحابة. وان شاء قتلهم لقوله تعالى: «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» ولأن القتل حسم لمادة الفساد على خلاف بين الفقهاء فى بعض هذه الأمور من يجرى عليهم الأسر فى القتال أو غيره: مذهب الحنفية: يجرى الأسر فى القتال على الكفار الحربيين اذا رفضوا الاسلام بعد دعوتهم اليه أو رفضوا الجزية اذا كانوا ممن تقبل منهم الجزية - وفتح المسلمون بلادهم عنوة. فقد جاء فى فتح القدير (٢) ومثله فى البدائع والزيلعى وابن عابدين: اذا حاصر المسلمون دار الحرب دعوا أهلها الى الاسلام وجوبا اذا كانت لم تبلغهم الدعوة لقوله تعالى: «وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً» فاذا كانت قد بلغتهم الدعوة دعوا الى الاسلام ندبا مبالغة فى الانذار، وذلك ما لم يعاجلونا بالقتال والا قوتلوا من غير دعوة الى الاسلام. فان أسلموا كفوا عنهم القتال لقول النبى ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم

стр. 3062

وأموالهم الا بحقها، وقوله ﷺ : من قال لا اله الا الله فقد عصم منى دمه وماله. فان أبوا الاجابة الى الاسلام دعوهم الى أداء الجزية الا مشركى العرب والمرتدين. قد أمر بذلك رسول الله ﷺ أمراء الجيوش، ولأنه أحد ما ينتهى به القتال على ما نطق به النص. فان قبلوا ذلك فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، لقول النبى ﷺ : فان قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. وان أبوا ذلك استعان المسلمون بالله تعالى على قتالهم وحاربوهم، لقول النبى ﷺ : فادعهم الى اعطاء الجزية الى أن قال: فان أبوها فاستعن بالله عليهم وقاتلهم. وقال فى الدر المختار (١): واذا فتح الامام بلدة عنوة أى قهرا قسمها بين الجيش ان شاء أو أقر أهلها عليها بجزية على رءوسهم وخراج أى من عليهم برقابهم وأرضهم وأموالهم ووضع الجزية على الرؤوس والخراج على أراضيهم وأخرجهم منها وأنزل بها قوما غيرهم، ووضع عليهم الخراج والجزية لو كانوا كفارا، فلو كانوا مسلمين وضع العشر لا غير، وقتل الأسارى ان شاء ان لم يسلموا أو استرقهم أو تركهم أحرارا ذمة لنا، فلو أسلموا تعين الأسر، واسلامهم لا يمنع استرقاقهم ما لم يكن اسلامهم قبل الأخذ الا مشركى العرب والمرتدين فانهم لا يسترقون ولا يكونون ذمة لنا، بل الى الاسلام أو السيف. وجاء فى بدائع الصنائع (٢): اذا حاصر الغزاة مدينة أو حصنا من حصون الكفرة فاستنزلوهم على حكم فاما أن يستنزلوهم على حكم الله واما أن يستنزلوهم على حكم العباد بأن يستنزلوهم على حكم رجل، فان استنزلوهم على حكم الله جاز انزالهم عليه عند أبى يوسف والخيار الى الامام ان شاء قتل مقاتلهم وسبى نساءهم وذراريهم، وان شاء سبى الكل، وان شاء جعلهم ذمة. وعند محمد لا يجوز الانزال على حكم الله فلا يجوز قتلهم واسترقاقهم ولكنهم يدعون الى الاسلام فان أبوا جعلوا ذمة.

стр. 3063

وكذلك يجرى (١) الأسر على الحربى اذا دخل دار الاسلام بغير أمان مع الاختلاف فى كونه لآخذه أو لجماعة المسلمين. واختلف فى الحربى الذى دخل دار الاسلام فأسلم قبل أن يؤخذ ثم أخذه واحد من المسلمين هل يجرى الأسر عليه أم لا؟ فعند أبى حنيفة يكون فيئا لجماعة المسلمين. وعند أبى يوسف ومحمد يكون حرا لا سبيل لأحد عليه. ولو دخل هذا الحربى الحرم قبل أن يؤخذ فهو فئ عند أبى حنيفة ودخول الحرم لا يبطل ذلك، ولأن الاسلام لم يبطل الملك فالحرم أولى، ولأن الاسلام أعظم حرمة من الحرم. وعندهما لا يكون فيئا الا بحقيقة الاخذ فيبقى على أصل الحرية ولا يتعرض له لكنه لا يطعم ولا يسقى ولا يؤوى ولا يبايع حتى يخرج من الحرم (٢). واذا أسلم حربى ولم يهاجر الينا حتى ظهر المسلمون على الدار فما كان فى يده فهو له، ولا يكون فيئا الا عبدا يقاتل فانه يكون فيئا، لانه اذا قاتل فقد خرج من يد المولى، فلم يبق تبعا له فانقطعت العصمة لانقطاع التبعية فيكون محلا للتملك بالاستيلاء. وأما أولاده الصغار فأحرار مسلمون تبعا له وأولاده الكبار وامرأته يكونون فيئا لأنهم فى حكم أنفسهم لانعدام التبعية. وأما الولد الذى فى البطن فهو مسلم تبعا لأبيه ورقيق تبعا لأمه هذا اذا أسلم ولم يهاجر الينا فظهر المسلمون على الدار. فلو أسلم وهاجر الينا ثم ظهر المسلمون على الدار فيحكم باسلام أولاده الصغار تبعا لأبيهم ولا يسترقون لأن الاسلام يمنع انشاء الرق، الا رقا ثبت حكما، بأن كان الولد فى بطن الأم. وأما أولاده الكبار فهم فئ لأنهم فى حكم أنفسهم فلا يكونون مسلمين باسلام أبيهم، وكذلك زوجته. ولو دخل الحربى دار الاسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع ماله وأولاده الصغار والكبار وامرأته وما فى بطنها فئ، لأنه لما لم يسلم فى دار الحرب حتى خرج الينا لم تثبت العصمة. وقال فى البدائع (٣): لو دخل فى دار الموادعة رجل من غير دارهم بأمان ثم خرج الى دار الاسلام بغير أمان فهو

стр. 3064

آمن لأنه لما دخل دار الموادعين بأمانهم صار كواحد من جملتهم فلو عاد الى داره ثم دخل دار الاسلام بغير أمان كان فيئا، لنا أن نقتله ونأسره لأنه لما رجع الى داره فقد خرج من أن يكون من أهل دار الموادعة فبطل حكم الموادعة فى حقه فاذا دخل دار الاسلام فهذا حربى دخل دار الاسلام ابتداء بغير أمان. ولا يجرى الأسر على مشركى العرب والمرتدين، فانهم لا يسترقون بل يقتلون أو يسلمون لقوله تعالى «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» الى أن قال «فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» وهذا فى حق الرجال أما النساء والذرارى منهم فيسترقون كما يسترق نساء مشركى العجم وذراريهم، لأن النبى ﷺ استرق نساء هوازن وذراريهم وهم من صميم العرب، وكذا الصحابة استرقوا نساء المرتدين من العرب وذراريهم. أما أهل البغى فانه يجوز أسرهم (بمعنى حبسهم) ولكن لا تسبى لهم ذرية (١). وجاء فى البدائع (٢): والأسر يجرى على كل من وقع فى يد المسلمين من ذكر صبيا كان أو شابا أو شيخا وكذلك المرأة والرهبان الا أن من ترك منهم فى دار الحرب لعدم المضرة من تركهم فانهم يكونون أحرارا. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى (٣): ويدعو الامام الكفار وجوبا الى الاسلام ثلاثة أيام بلغتهم الدعوة أم لا، ما لم يعاجلونا بالقتال والا قوتلوا، ثم ان أبوا من قبوله دعوا الى أداء جزية اجمالا، الا أن يسألوا عن تفصيلها بمحل يؤمن - متعلق بالاسلام والجزية - والا بأن لم يجيبوا أو أجابوا ولكن بمحل لا تنالهم أحكامنا فيه ولم يرتحلوا لبلادنا قوتلوا، وقتلوا: أى جاز قتلهم الا سبعة: المرأة فلا تقتل الا فى مقاتلتها فيجوز قتلها ان قتلت أحدا أو قاتلت بسلاح كالرجال ولو بعد أسرها، لا ان قاتلت بكرمى حجر فلا تقتل ولو حال القتال، والا الصبى المطيق للقتال فلا يجوز قتله ويجرى فيه ما فى المرأة من التفصيل، والا المعتوه أى ضعيف العقل فالمجنون أولى، والشيخ الفانى الذى لا قدرة له على القتال، وزمن أى عاجز، وأعمى وراهب منعزل عن أهل دينه بدير أو صومعة، لأنهم صاروا كالنساء حال كونهم بلا رأى وتدبير. وعلق الدسوقى على ذلك بقوله: ان محل كون الشيخ الفانى وما بعده

стр. 3065

لا يقتلون ما لم يكن لهم رأى وتدبير فى الحروب لقومهم والا قتلوا. وانما لم يعتبر رأى المرأة لأن الرأى فى ترك رأيها، واذا لم يقتلوا ترك لهم من مال الكفار الكفاية فقط أى ما يكفيهم حياتهم على العادة وقدم مالهم على مال غيرهم ويؤخذ ما يزيد على الكفاية، فان لم يكن لهم ولا للكفار مال وجب على المسلمين مواساتهم ان أمكن. وان تعدى أحد على قتل من ذكر استغفر وجوبا قاتلهم قبل حوزهم ولا شئ عليه من دية ولا كفارة. وكل من لا يقتل يجوز أسره الا الراهب والراهبة بلا رأى، وان حيزوا أى من لم يجز قتلهم سوى الراهب والراهبة أى صاروا مغنما وقتلهم شخص فقيمتهم على قاتلهم يجعلها الامام فى الغنيمة، والراهب والراهبة المنعزلان بلا رأى حران فلا يؤسران ولا يقتلان وان كان لا دية على قاتلهما وقال الدسوقى: وأما غير الراهب والراهبة من المعتوه والشيخ الفانى والزمن والأعمى فانهم وان حرم قتلهم يجوز أسرهم ويجوز تركهم من غير قتل ومن غير أسر وحينئذ يترك لهم الكفاية. وجاء فى حاشية الدسوقى (١): واستتيب المرتد وجوبا ولو عبدا أو امرأة ثلاثة أيام بلياليها من يوم الثبوت لا من يوم الكفر ولا يوم الرفع، ويلغى يوم الثبوت ان سبق بالفجر بلا جوع وعطش، بل يطعم ويسقى من ماله، ولا ينفق على ولده وزوجته منه، لأنه يوقف فيكون معسرا بردته، وبلا معاقبة مثل ضرب وان لم يتب، فان تاب ترك، واذا لم يتب قتل بالسيف، ولا يترك بجزية ولا يسترق. وجاء فى التاج والاكليل (٢): وان ارتد جماعة وحاربوا فكالمرتدين. وعن ابن يونس ان منع أهل الذمة الجزية قوتلوا وسبوا. قال ابن القاسم فى حصن مسلمين ارتدوا عن الاسلام فانهم يقتلون ويقاتلون وأموالهم فئ للمسلمين ولا تسبى ذراريهم ولا أموالهم ويقرون على جزيتهم. قال ابن رشد قول ابن القاسم أموالهم فئ أى لا تكون غنيمة للجيش الذى قاتلهم لأن حكم أموالهم على مذهبه فى قوله ان ذراريهم لا يسبون حكم مال المرتد اذا قتل على ردته يكون لجماعة المسلمين. والى هذا ذهب عامة العلماء وأئمة السلف. وقال اصبغ تسبى ذراريهم وتقسم أموالهم على حكم الناقضين من أهل الذمة، وهذا الذى خالفت فيه سيرة عمر سيرة أبى بكر فى الذين ارتدوا

стр. 3066

من العرب سار فيهم أبو بكر سيرة الناقضين فسبى النساء والصغار وجرت المقاسم فى أموالهم فلما ولى عمر بعده نقض ذلك وسار فيهم سيرة المرتدين أخرجهم من الرق وردهم الى عشائرهم والى الجزية. قال ابن رشد حكى هذا ابن حبيب وهو خلاف ما قالوا أن القاضى لا يرد ما قضى به غيره قبله باجتهاده فتدبر ذلك، وقول أشهب أن أهل الذمة وأهل الاسلام فى ذلك سواء خلاف قول ابن القاسم فانه فرق فى ذلك وهو الصحيح من جهة النظر، لأن المرتدين أحرار من أصولهم والمعاهدين لم تتم حريتهم بالمعاهدة وانما كانت عصمة لهم من القتال فاذا نقضوها رجعوا الى الأصل فحل دمهم وسباؤهم. ثم قال (١) وأهل البغى يقاتلون كقتال الكفار بأن يدعوهم الامام أولا للدخول تحت طاعته ما لم يعاجلوه بالقتال ويقاتلهم بالسيف والرمى بالنبل والمنجنيق والتغريق والتحريق وقطع الميرة والماء عنهم الا أن يكون فيهم نسوة أو ذرارى فلا نرميهم بالنار، لكن لا تسبى ذراريهم ولا أموالهم، لأنهم مسلمون كما أشار لذلك بقوله: ولا يسترقون ولا يحرق شجرهم ولا ترفع رءوسهم اذا قتلوا بأرماح أى يحرم لأنه مثلة بالمسلمين. وعلق الدسوقى على ذلك فقال: لا ترفع رءوسهم بأرماح أى لا بمحل قتلهم ولا بغيره. قال البنانى وفيه نظر بل انما يمنع حمل رءوسهم على الرماح لمحل آخر كبلد أو وال وأما رفعها على الرماح فى محل قتلهم فقط فجائز كالكفار فلا فرق بين الكفار والبغاة فى هذا ولهذا لم يذكره ابن شاس فى الأمور التى يمتاز فيها قتالهم عن قتال الكفار ونصه يمتاز قتال البغاة عن قتال الكفار بأحد عشر وجها: منها أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم وأن يكف عن مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تقتل أسراهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٢): ان كان العدو ممن لم تبلغهم الدعوة لم يجز قتالهم حتى يدعوهم الى الاسلام لأنه لا يلزمهم الاسلام قبل العلم، والدليل عليه قوله : «وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً» ولا يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم. وان بلغتهم الدعوة فالأحب أن يعرض عليهم الاسلام، لما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ لعلى كرم الله وجهه يوم خيبر: اذا نزلت

стр. 3067

بساحتهم فادعهم الى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فو الله لأن يهدى الله بهداك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. وان قاتلهم من غير أن يعرض عليهم الاسلام جاز لما روى نافع قال: أغار رسول الله ﷺ على بنى المصطلق وهم غارون، وروى وهم غافلون. فان كانوا ممن لا يجوز اقرارهم على الكفر بالجزية قاتلهم الى أن يسلموا لقوله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها». وان كانوا ممن يجوز اقرارهم على الكفر بالجزية قاتلهم الى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية. والدليل عليه قوله تعالى «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ». وروى بريدة رضى الله عنه قال كان رسول الله ﷺ اذا بعث أميرا على جيش أو سرية قال: اذا أنت لقيت عدوا من المشركين فادعهم الى احدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك اليها فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم الى الدخول فى الاسلام فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم الى التحول من دارهم الى دار الهجرة فان فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فان دخلوا فى الاسلام وأبوا أن يتحولوا الى دار الهجرة فأخبرهم أنهم كأعراب المؤمنين الذين يجرى عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم من الفئ والغنيمة شئ حتى يجاهدوا مع المؤمنين فان فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم وان أبوا فادعهم الى اعطاء الجزية فان فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم وأن أبوا فاستعن بالله عليهم ثم قاتلهم. وجاء فى المهذب (١): ان أسر امرأة حرة أو صبيا حرا رق بالأسر لأن النبى ﷺ قسم سبى بنى المصطلق واصطفى صفية من سبى خيبر وقسم سبى هوازن ثم استنزلته هوازن فنزل واستنزل الناس فنزلوا. وان أسر حر بالغ من أهل القتال فللامام أن يختار ما يرى من القتل والاسترقاق والمن والفداء، فان رأى القتل قتل لقوله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ».

стр. 3068

وجاء فى موضع آخر (١): اذا خرجت على الامام طائفة من المسلمين ورامت خلعه بتأويل أو منعت حقا توجه عليها بتأويل وخرجت عن قبضة الامام وامتنعت بمنعة قاتلها الامام لقوله «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ». ولا يقتل أسيرهم لقوله ﷺ فى حديث عبد الله بن مسعود ولا يقتل أسيرهم فان قتله ضمنه بالدية لأنه بالأسر صار محقون الدم فصار كما لو رجع الى الطاعة فان كان أسيرا حرا بالغا فدخل فى الطاعة أطلقه، وان لم يدخل فى الطاعة حبسه الى أن تنقضى الحرب ليكف شره، ثم يطلقه ويشرط عليه ألا يعود الى القتال. وان كان عبدا أو صبيا لم يحبسه لأنه ليس من أهل البيعة. ومن أصحابنا من قال يحبسه لأن فى حبسه كسرا لقلوبهم. وان استعان أهل البغى بأهل الحرب فى القتال وعقدوا لهم أمانا أو ذمة بشرط المعاونة لم ينعقد، لأن من شرط الذمة والأمان ألا يقاتلوا المسلمين فلم ينعقد على شرط القتال، فان عاونوهم جاز لأهل العدل قتلهم مدبرين، وجاز أن يذفف (أى يجهز) على جريحهم. وان أسروا جاز قتلهم واسترقاقهم والمن عليهم والمفاداة لهم لأنه لا عهد لهم ولا ذمة فصاروا كما لو جاءوا منفردين عن أهل البغى. ولا يجوز شئ من ذلك لمن عاونهم من أهل البغى لأنهم بذلوا لهم الذمة والأمان فلزمهم الوفاء به. وجاء فى المهذب (٢): ان ارتدت طائفة وامتنعت بمنعة وجب على الامام قتالها لأن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قاتل المرتدين ويتبع فى الحرب مدبرهم ويذفف على جريحهم لانه اذا وجب ذلك فى قتال أهل الحرب فلأن يجب ذلك فى قتال المرتدين وكفرهم أغلظ - أولى. وان أخذ منهم أسير استتيب فان تاب والا قتل لأنه لا يجوز اقراره على الكفر. مذهب الحنابلة: قال فى المغنى (٣) ان من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب. احدها: النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبى، لأن النبى ﷺ نهى عن قتل النساء والولدان متفق عليه، وكان ﵇ يسترقهم اذا سباهم.

стр. 3069

الثانى: الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيخير الامام فيهم بين أربعة أشياء: القتل والمن بغير عوض والمفاداة بهم واسترقاقهم. الثالث: الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيخير الامام فيهم بين ثلاثة أشياء القتل أو المن والمفاداة ولا يجوز استرقاقهم. وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعى. وبما ذكرنا فى أهل الكتاب قال الأوزاعى والشافعى وأبو ثور وعن مالك كمذهبنا. وعنه لا يجوز المن بغير عوض لأنه لا مصلحة فيه وانما يجوز للامام فعل ما فيه المصلحة. وحكى عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الأسرى. وقالوا: لو من عليه أو فاداه كما صنع بأسارى بدر ولأن الله تعالى قال «فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» فخير بين هذين بعد الأسر لا غير. وقال أصحاب الرأى ان شاء ضرب أعناقهم وان شاء استرقهم لا غير، ولا يجوز من ولا فداء لأن الله تعالى قال «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» بعد قوله فامامنا بعد واما فداء. وكان عمر بن عبد العزيز وعياض ابن عقبة يقتلان الأسارى. وانا على جواز المن والفداء قول الله تعالى «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» وأن النبى ﷺ من على ثمامة ابن أثال وأبى عزة الشاعر وأبى العاص ابن الربيع وفادى أسارى بدر وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا كل رجل منهم بأربعمائة، وفادى يوم بدر رجلا برجلين وصاحب العضباء برجلين. وأما القتل فلأن النبى ﷺ قتل رجال ببنى قريظة وهم بين الستمائة والسبعمائة وقتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط صبرا وقتل أبا عزة يوم أحد وهذه قصص عمت واشتهرت وفعلها النبى ﷺ مرات وهو دليل على جوازها، ولأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح فى بعض الأسرى فان منهم من له قوة ونكاية فى المسلمين وبقاؤه ضرر عليهم فقتله أصلح ومنهم الضعيف الذى له مال كثير ففداؤه أصلح ومنهم حسن الرأى فى المسلمين يرجى اسلامه بالمن عليه أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم والدفع عنهم فالمن عليه أصلح. ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان والامام أعلم بالمصلحة فينبغى أن يفوض ذلك اليه وقوله تعالى «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ» عام لا ينسخ به الخاص بل

стр. 3070

ينزل على ما عدا المخصوص ولهذا لم يحرموا استرقاقه. فأما عبدة الأوثان ففى استرقاقهم روايتان احداهما لا يجوز لأنه كافر لا يقر بالجزية فلم يقر بالاسترقاق كالمرتد. والعبد يجوز استرقاقه فاذا أسر العبد صار رقيقا للمسلمين لأنه مال لهم استولى عليه فكان للغانمين كالبهيمة. وجاء فى الاقناع (١): من ارتد عن الاسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل مختار دعى اليه ثلاثة أيام وضيق عليه وحبس فان تاب والا قتل بالسيف. والطفل الذى لا يعقل والمجنون ومن زال عقله بنوم أو اغماء أو شرب دواء مباح لا تصح ردته ولا اسلامه لأنه لا حكم لكلامه فان ارتد وهو مجنون فقتله قاتل فعليه القود، وان ارتد فى صحته ثم جن لم يقتل فى حال جنونه فاذا أفاق استتيب ثلاثا فان تاب والا قتل. وان عقل الصبى الاسلام صح اسلامه وردته ان كان مميزا ومعنى عقل الاسلام: أن يعلم أن الله ربه لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فاذا أسلم حيل بينه وبين الكفار ويتولاه المسلمون. ولا تقتل المرتدة الحامل حتى تضع ولا الصغير حتى يبلغ ويستتاب بعده ثلاثة أيام فان تاب والا قتل. وجاء فى الاقناع (٢): من خرج على امام ولو غير عدل باغيا وجب قتاله. ثم قال فى المغنى واذا قاتل معهم عبيد ونساء وصبيان فهم كالرجل البالغ الحر يقاتلون مقبلين ويتركون مدبرين لأن قتالهم للدفع. ثم قال فى الاقناع (٣): لا يجوز أن يغنم لهم مال ولا تسبى لهم ذرية ويجب رد ذلك اليهم ان أخذ منهم. ومن أسر من رجالهم فدخل فى الطاعة خلى سبيله وان أبى وكان جلدا حبس ما دامت الحرب قائمة، فاذا انقضت خلى سبيله وشرط عليه ألا يعود الى القتال. ثم قال فى المغنى (٤): وان لم يكن الأسير من أهل القتال كالنساء والصبيان والشيوخ الفانين خلى سبيلهم ولم يحبسوا فى أحد الوجهين. وفى الآخر يحبسون لأن فيه كسرا لقلوب البغاة.

стр. 3071

وجاء فى المغنى (١): متى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب فى اغتنام أموالهم وسبى ذراريهم الحادثين بعد الردة. وعلى الامام قتالهم فان أبا بكر الصديق رضى الله عنه قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة ولأن الله قد أمر بقتال الكفار فى مواضع من كتابه وهؤلاء أحقهم بالقتال، لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم. واذا قاتلهم قتل من قدر عليه ويتبع مدبرهم ويجهز على جريحهم وتغنم أموالهم. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (٢): لا يقبل من كافر الا الاسلام أو السيف، والرجال والنساء فى ذلك سواء، حاشا أهل الكتاب خاصة، وهم اليهود والنصارى والمجوس، فقط، فانهم ان أعطوا الجزية أقروا على ذلك مع الصغار. وقال أبو حنيفة ومالك أما من لم يكن كتابيا من العرب خاصة فالاسلام أو السيف، وأما الاعاجم فالكتابى وغيره سواء، ويقر جميعهم على الجزية. قال ابن حزم وهذا باطل لقول الله تعالى «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» وقال تعالى «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» فلم يخص الله تعالى عربيا من عجمى فى كلا الحكمين وصح أنه ﵇ أخذ الجزية من مجوسى هجر فصح أنهم من أهل الكتاب، ولولا ذلك ما خالف رسول الله ﷺ كتاب ربه تعالى. وقال ابن حزم فى المحلى (٣): ومن سبى من صغار أهل الحرب فسواء سبى مع أبويه أو مع أحدهما أو دونهما فهو مسلم ولا بد لأن حكم أبويه قد زال عن النظر له وصار سيده أملك به فبطل إخراجهما له عن الاسلام الذى ولد عليه، لما روى أن عمر بن الخطاب كان لا يدع يهوديا ولا نصرانيا يهود ولده ولا ينصره فى ملك العرب. وقال ابن حزم (٤): اذا أسلم الكافر الحربى فسواء أسلم فى دار الحرب ثم خرج إلى دار الاسلام أو لم يخرج أو خرج الى دار الاسلام ثم أسلم كل

стр. 3072

ذلك سواء، وكل ماله له، ولا حق لأحد فيه، ولا يملكه المسلمون ان غنموه، وأولاده الصغار مسلمون أحرار، وكذلك الذى فى بطن أمه. وأما امرأته وأولاده الكبار ففئ ان سبوا وهو باق على نكاحه معها وهى رقيق لمن وقعت له فى سهمه. وقال: فان كان الجنين لم ينفخ فيه الروح بعد فامرأته حرة لا تسترق لأن الجنين حينئذ بعضها، ولا يسترق لأنه جنين مسلم. وقال ابن حزم (١): ومن أسر من أهل البغى فان الناس قد اختلفوا فيه أيقتل أم لا؟ فقال الشافعى لا يحل أن يقتل منهم أسير أصلا ما دامت الحرب قائمة ولا بعد تمام الحرب وبهذا نقول. وقال فى موضع آخر (٢): أما المرتد فانه يقتل ان لم يرجع الى الاسلام. وقال ابن حزم (٣). اذا نقض أهل الذمة العهد فقد حلت دماؤهم وسبيهم. ومن هذا يؤخذ أن الأسر يجرى على أهل الكتاب خاصة وهم اليهود والنصارى والمجوس، الرجال والنساء، سواء، مقاتل أو غير مقاتل، أو تاجر أو أجير أو شيخ كبير كان ذا رأى أو لم يكن، أو فلاح أو أسقف أو قسيس أو راهب أو أعمى أو مقعد، الا أنه لا يجرى على المرأة الحامل اذا كان الجنين لم ينفخ فيه الروح، لأن الجنين بعضها ولا يسترق لأنه جنين مسلم، ولا يجرى الأسر على الكفار والمرتدين سواء كانوا من مشركى العرب أو غيرهم لأنه لا يقبل منهم الا الاسلام أو السيف. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٤) وهامشه: يغنم من الكفار نفوسهم ويستعبدهم المسلمون ويملكونهم الا المرتد فانه لا يغنم ولو كان المرتد أنثى فانه لا يصح غنيمتها وسبيها عندنا. وقال البعض بل تسبى، وكذلك كل عربى ذكر من الكفار. والوجه أنه لا يجوز سبى كفار العرب، وذلك لأن مشركى العرب عظم جرمهم بتكذيب النبى ﷺ فيما جاء به وجحودهم وعنادهم ولأجل هذا أعظم الله عقوبتهم، بأنه ليس لهم الا الاسلام الذى كرهوه أو

стр. 3073

السيف، ليطهر الأرض منهم، الا من له كتاب كبنى تغلب وهم فرقة من النصارى وكتابهم الانجيل فيجوز أن نغنمهم. قال فى الشرح: والعرب هم من نسب الى اسماعيل أو غيره كحمير، ويجوز سبى النساء والصبيان وكذلك المجنون من مشركى العرب، وبعد التكليف لا يقبل منه الا الاسلام أو السيف. وقال فى الزهور بل يسترق ولو بعد التكليف، لأنه عبد مملوك، وهو لا يجوز قتله. وينظر فى العربى الفانى والأعمى ونحوهما هل يجوز استرقاقهم أو لا يقبل منهم الا الاسلام أو السيف؟ قلت: مخير بين المن والفدى والاسترقاق لشبهتهم بالصبى، والفانى - غير الكتابى - يحترز من الكتابى، فانه يجوز سبيه وعقد الذمة عليه. وضابط ذلك أنه يجوز سبى كل صغير وأنثى مطلقا ومن له كتاب مطلقا ولو من العرب الا الكبير من العرب فلا يجوز ولا يقبل منه الا الاسلام أو السيف، أى ليس بذى ملة مستندة الى كتاب مشهور كالتوراة والانجيل فانه لا يغنم. والعجمى فانه يجوز سبيه سواء كان وثنيا أو كتابيا. ثم قال: (١) وحكم البغاة فى المقاتلة لهم أن يصنع فى قتالهم جميع ما مر ذكره فى قتال الكفار الا فى ثلاثة أحكام. أحدها: انهم لا يسبون لا ذكورهم ولا أناثهم ولا صبيانهم باجماع المسلمين. والثانى: أنهم لا يقتل جريحهم اذا قدر عليه المؤمنون ووجدوه جريحا، ولا يجوز أن يقتل مدبرهم اذا انهزموا وظفر بهم المجاهدون مدبرين فانه لا يجوز لهم قتلهم فى حال ادبارهم منهزمين الا أن يكون المنهزم منهم ذا فئة ينهزم اليها من ردء أو منعة تمنعه فانه يجوز قتله حينئذ عندنا. والثالث: أنه لا يجوز أن يغنم شيئا من أموالهم الا الامام فيجوز له أن يغنم ما أجلبوا به من مال وآلة حرب يستعينون به على الحرب ولو كان مستعارا لذلك لا اذا كان الذى أجلبوا به غصبا على غيرهم فانه لا يغنم بل يرد لمالكه. وقال محمد بن عبد الله لا يغنم أموال أهل القبلة وهو قول الفريقين.

стр. 3074

ولكن البعض أجاز الانتفاع بأسلحتهم وكراعهم ما دامت الحرب قائمة فاذا وضعت الحرب أوزارها ردت الى أربابها. وقال أحمد بن عيسى والحسن بن صالح أنه يجوز لغير الامام أخذ ما أجلبوا به كما يجوز قتلهم ولا يجوز اغتنام ما عدا ذلك. وجاء فى شرح الازهار (١): أما بيان حكم المرتدين فهو أن يقتل مكلفهم ان طولب بعد الردة بالرجوع الى الاسلام ثم لم يسلم، وسواء كان المكلف رجلا أو امرأة. وقال البعض لا تقتل المرأة بل تسبى. ومن أحكامهم أنهم لا تغنم أموالهم اذا قهرناهم ولم يتحصنوا عنا بكثرة ولا منعة بل يكون لورثتهم. ومن أحكام الردة أنه يسترق ولد الولد من المرتدين بلا خلاف، وفى الولد تردد أى فى أول بطن حدث بعد الردة تردد هل يجوز استرقاقه أو لا؟ والتردد لأبى طالب وفيه قولان للبعض. أحدهما: أنه يسترق. وثانيهما: أنه لا يسترق بل ينتظر بلوغه، فان نطق بالاسلام فمسلم والا استتيب، فان تاب والا قتل. واعلم أن الصبى مسلم أى تثبت له أحكام الاسلام باسلام أحد أبويه وان كان الآخر كافرا. والمجنون الأصلى والطارئ يثبت لهم أحكام الاسلام. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام (٢): من يجب جهاده وهم ثلاثة. البغاة على الامام من المسلمين. وأهل الذمة وهم اليهود والنصارى. والمجوس اذا أخلوا بشرائط الذمة. ومن عدا هؤلاء من أصناف الكفار وكل من يجب جهاده فالواجب على المسلمين النفور اليهم، أما لكفهم، واما لنقلهم الى الاسلام، فان بدءوا فالواجب محاربتهم، وان كفوا وجب بحسب المكنة وأقله فى كل عام مرة. واذا اقتضت المصلحة مهادنتهم جاز، لكن لا يتولى ذلك الا الامام، أو من يأذن له الامام. والاولى أن يبدأ بقتال من يليه الا أن يكون الأبعد أشد خطرا. ويجب التربص اذا كثر العدو وقل المسلمون حتى تحصل الكثرة للمقاومة ثم يجب المبادرة.

стр. 3075

ولا يبدأون الا بعد الدعاء الى محاسن الاسلام، ويكون الداعى الامام أو من نصبه ويسقط اعتبار الدعوة فيمن عرفها. ولا يجوز الفرار اذا كان العدو على الضعف من المسلمين أو أقل الا لمتحرف كطالب السعة وموارد المياه أو استدبار الشمس أو تسوية لامته أو لمتحيز الى فئة قليلة كانت أو كثيرة، ولو غلب عنده الهلاك لم يجز الفرار وقيل يجوز لقوله تعالى «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» والأول أظهر لقوله تعالى «إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا». واذا كان المسلمون أقل من ذلك لم يجب الثبات، ولو غلب على الظن السلامة، استحب، وان غلب العطب قيل يجب الانصراف. وقيل يستحب وهو أشبه. ولو انفرد اثنان بواحد من المسلمين لم يجب الثبات وقيل يجب وهو المروى. ويجوز محاربة العدو بالانحصار ومنع السابلة دخولا وخروجا وبالمجانيق وهدم الحصون والبيوت وكل ما يرجى به الفتح. ولو تترسوا بالنساء أو الصبيان منهم كف عنهم إلا فى حالة التحام الحرب، وكذا لو تترسوا بالأسارى من المسلمين وان قتل الأسير اذا لم يمكن جهادهم الا كذلك. ثم قال: المشرك اذا طلب المبارزة ولم يشترط جاز معونة قرنه فان شرط ان لا يقاتله غيره وجب الوفاء به، فان فر فطلبه الحربى جاز دفعه ولو لم يطلبه لم يجز محاربته. وقيل يجوز ما لم يشترط الأمان حتى يعود الى فئته، ولو اشترط أن لا يقاتله غير قرنه فاستنجد أصحابه فقد نقض أمانه، وان تبرعوا فمنعهم فهو فى عهدة شرطه، وان لم يمنعهم جاز قتاله معهم. وفى الأسارى وهم ذكور وأناث والاناث يملكن بالسبى ولو كانت الحرب قائمة وكذا الذرارى. ولو اشتبه الطفل البالغ اعتبر بالانبات فمن ينبت وجهل سنه الحق بالذرارى والذكور البالغون يتعين عليهم القتل وان كانت الحرب قائمة ما لم يسلموا. وجاء فى شرائع الاسلام (١): المرتد وهو الذى يكفر بعد الاسلام وله قسمان. الأول من ولد على الاسلام وهذا لا نقبل اسلامه لو رجع، ويتحتم قتله، وتبين منه زوجته، وتعتد منه عدة الوفاة، وتقسم أمواله بين ورثته، وان التحق

стр. 3076

بدار الحرب أو اعتصم بما يحول بين الامام وبين قتله. ويشترط فى الارتداد البلوغ وكمال العقل والاختيار، فلو أكره كان نطقه بالكفر لغوا ولو ادعى الاكراه مع وجود الأمارة قبل. ولا تقتل المرأة بالردة بل تحبس دائما، وان كانت مولودة على الفطرة وتضرب أوقات الصلاة. والقسم الثانى: من أسلم عن كفر ثم ارتد فهذا يستتاب فان امتنع قتل واستتابته واجبة، وكم يستتاب؟ قيل ثلاثة أيام. وقيل القدر الذى يمكن معه الرجوع. والأول مروى وهو حسن لما فيه من التأنى لازالة عذره. وولده بحكم المسلم فان بلغ مسلما فلا بحث فان اختار الكفر بعد بلوغه استتيب فان تاب والا قتل. ولو ولد بعد الردة وكانت أمه مسلمة كان حكمه كالأول. وان كانت مرتدة والحمل بعد ارتدادها كان بحكمها، وهل يجوز استرقاقه؟ تردد الشيخ فتارة يجيز لأنه كافر بين كافرين وتارة يمنع لأن أباه لا يسترق لتحرمه بالاسلام وكذا الولد. وجاء فى شرائع الاسلام (١): فى قتال أهل البغى يجب قتال من خرج على امام عادل اذا ندب اليه الامام عموما أو خصوصا أو من نصبه الامام والتأخر عنه كبيرة، واذا قام به من فيه غناء سقط عن الباقين ما لم يستنهضه الامام على التعيين. والفرار فى حربهم كالفرار فى حرب المشركين، وتجب مصابرتهم حتى يفيئوا أو يقتلوا. ومن كان من أهل البغى له فئة يرجع اليها جاز الاجهاز على جريحهم، واتباع مدبرهم، وقتل أسيرهم. ومن لم يكن له فئة فالقصد بمحاربتهم تفريق كلمتهم، فلا يتبع لهم مدبر، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل لهم مأسور. ولا يجوز سبى ذرارى البغاة ولا تملك نسائهم اجماعا، ولا يجوز تملك شئ من أموالهم التى لم يحوها العسكر، سواء كانت مما ينقل كالثياب والآلات أو لا ينقل كالعقارات لتحقق الاسلام المقتضى لحقن الدم والمال. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢): قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغنى أن رسول

стр. 3077

الله ﷺ : بعث عليا فى سرية فقال: يا على لا تقاتل القوم حتى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أمرت، فان حصلت الدعوة والانذار ولم يستجيبوا جاز هدم حصونهم، والدخول عليهم حتى يقتلوا أو يذعنوا الى الحق حيث لا يستعبد أسير ولا صبى ولا يأثم من قتل من صودف فيهم من غيرهم لأن عليه أن يعتزل عسكره، وديته فى بيت المال. وقد نهى عن قتل النساء والصبيان والشيخ الفانى، وجوز قتله ان كان يعود اليه الأمر ولو لم يقاتل، وكذا المرأة ان قاتلت أو أعانت وان بغير سلاح. وروى عن ابى عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبى ﷺ : أياكم وقتل ذرارى المشركين ونسائهم، الا من قاتل منهن فانها تقتل. وفى السؤالات المرأة تقتل اذا ارتدت وعند النكار لا تقتل. وقيل له ﷺ لما نهى عن قتل الذرية من يقتل من المشركات يا رسول الله قال: المرتدات ومن أعان منهن على القتال. وعنه ﷺ أنه قال اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم يعنى - والله أعلم بالشيوخ كبار السن اذا كانوا يقاتلون أو يرجع اليهم رأى أو كيد، وبالشرخ الشباب الذين لم يبلغوا أو بلغوا وكان فى بقائهم منفعة للاسلام. وعن ابن عمر نهى ﷺ عن قتل النساء والصبيان. وعن رسول الله ﷺ رأى امرأة مقتولة فى بعض مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان. وجئ بأسارى من حى من أحياء العرب فقالوا يا رسول الله ما دعانا أحد ولا بلغنا فقال رسول الله ﷺ : الله فقالوا: الله، فقال: خلوا سبيلهم، ثم قال: حتى تصل اليهم دعوتى، فان دعوتى تامة لا تنقطع الى يوم القيامة، ثم تلا رسول الله ﷺ «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ» (١). «ثم قال: ويدفع (٢) قاصد ببغى، ويحال بينه وبين مراده، وان مات بدفع فدمه مهدور ولا يقاتل بعد انهزام أو كف بغى، ولو بقى فى مكانه

стр. 3078

لم يهرب ولم يتب الا ان ثبت فى موضع حجر عليهم فحتى يتوبوا، لأن الحجر للبغى، ولما تابوا لم يقع عليهم الحجر، وذلك فى بغاة أهل التوحيد، قال رسول الله ﷺ يا عبد الله يعنى ابن عمر أتدرى كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الامة قال: الله ورسوله أعلم: قال لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيئها وذلك فى القتال ولا قيد فى الحديث بأن لم يكن لهم مأوى، وجوز القتال ما خيف شره أو شوكته أو له مادة أو نصرة أو يفئ الى أمر الله. ماذا يفعل بالأسير ومعاملة الأسرى مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع: (١) اذا ظهر الامام على بلاد أهل الحرب فان الامام مخير فى الرقاب بين خيارات ثلاث. ان شاء قتل الاسارى منهم وهم الرجال المقاتلة وسبى النساء والذرارى لقوله ﵎: «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» وهذا بعد الأخذ والأسر وروى أن رسول الله ﷺ لما استشار الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم فى أسارى بدر فأشار بعضهم الى الفداء وأشار سيدنا عمر رضى الله عنه الى القتل فقال رسول الله ﷺ : لو جاءت من السماء نار ما نجا الا عمر، أشار ﵊ الى أن الصواب كان هو القتل وكذا روى أنه ﵊ أمر بقتل عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث يوم بدر وبقتل هلال بن خطل ومقيس بن صبابة يوم فتح مكة ولأن المصلحة قد تكون فى القتل لما فيه من استئصالهم فكان للامام ذلك. وان شاء استرق الكل فخمسهم وقسمهم لأن الكل غنيمة حقيقة لحصولها فى أيديهم عنوة وقهرا بايجاف الخيل والركاب فكان له أن يقسم الكل الا رجال مشركى العرب والمرتدين فانهم لا يسترقون بل يقتلون أو يسلمون لقوله تعالى «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الى أن قال: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» لأن ترك القتل بالاسترقاق فى حق أهل الكتاب ومشركى العجم للتوسل الى الاسلام، ومعنى الوسيلة لا يتحقق فى حق مشركى العرب والمرتدين، وأما النساء والذرارى، منهم فيسترقون كما يسترق نساء مشركى العجم وذراريهم، لأن النبى ﷺ استرق نساء هوازن وذراريهم وهم من صميم العرب وكذا الصحابة

стр. 3079

استرقوا نساء المرتدين من العرب وذراريهم. وان شاء من الامام عليهم وتركهم أحرارا بالذمة كما فعل سيدنا عمر رضى الله عنه بسواد العراق الا مشركى العرب والمرتدين فانه لا يجوز تركهم بالذمة وعقد الجزية، كما لا يجوز بالاسترقاق لما بينا. وليس للامام أن يمن على الأسير فيتركه من غير ذمة لا يقتله ولا يقسمه، لأنه لو فعل ذلك لرجع الى المنعة فيصير حربا علينا. فان قيل: أن رسول الله ﷺ من على الزبير بن باطا من بنى قريظة وكذا من على أهل خيبر، فالجواب أنه ثبت أن رسول الله ﷺ من على الزبير ولم يقتله أما لأنه لم يثبت أنه ترك بالجزية أم بدونها فاحتمل أنه ترك بالجزية وبعقد الذمة، وأما أهل خيبر فقد كانوا أهل الكتاب فتركهم ومن عليهم ليصيروا أكرة للمسلمين، ويجوز المن لذلك، لأن ذلك فى معنى الجزية فيكون تركا بالجزية من حيث المعنى. وهل للامام أن يفادى الأسارى؟ أما المفاداة بالمال فلا تجوز عند أصحابنا فى ظاهر الروايات. وقال محمد: مفاداة الشيخ الكبير الذى لا يرجى له ولد تجوز. والدليل على أن المفاداة بالمال لا تجوز أن قتل الأسرى مأمور به لقوله تعالى «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ» وأنه منصرف الى ما بعد الأخذ والاسترقاق وقوله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» والأمر بالقتل للتوسل الى الاسلام فلا يجوز تركه الا لما شرع له القتل، وهو أن يكون وسيلة الى الاسلام، ولا يحصل معنى التوسل بالمفاداة فلا يجوز ترك المفروض لأجله ويحصل بالذمة والاسترقاق لما بينا، فكان اقامة للفرض معنى لا تركا له، ولأن المفاداة بالمال اعانة لأهل الحرب على الحراب لأنهم يرجعون الى المنعة فيصيرون حربا علينا وهذا لا يجوز. ومحمد ﵀ يقول: معنى الاعانة لا يحصل من الشيخ الكبير الذى لا يرجى منه ولد فجاز فداؤه بالمال. ولكنا نقول: ان كان لا يحصل بهذا الطريق يحصل بطريق آخر وهو الرأى والمشورة وتكثير السواد. وأما قوله تعالى «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» فقد قال بعض أهل التفسير ان الآية منسوخة بقوله ﵎ «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ،﴾ وقوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» .. ﴾. الآية، لأن سورة براءة نزلت بعد سورة محمد ﵊، ويحتمل أن تكون

стр. 3080

الآية فى أهل الكتاب فيمن من عليهم بعد أسرهم على أن يصيروا أكرة للمسلمين، كما فعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر، أو ذمة كما فعل سيدنا عمر رضى الله عنه بأهل السواد ويسترقون. وأما أسارى بدر فقد قيل: أن رسول الله ﷺ انما فعل ذلك باجتهاده ولم ينتظر الوحى فعوقب عليه بقوله سبحانه «لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» حتى قال ﵊: لو أنزل الله من السماء نارا ما نجا الا عمر رضى الله عنه، ويحتمل أن المفاداة كانت جائزة ثم نسخت بقوله تعالى «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ:﴾ وعتاب النبى ﷺ لا لحظر المفاداة بل لعدم انتظار الوحى. وأما مفاداة الأسير بالأسير فلا تجوز عند أبى حنيفة ﵀. وعند أبى يوسف ومحمد تجوز. ووجه قولهما أن المفاداة انقاذ المسلم وذلك أولى من اهلاك الكافر. ووجه قول أبى حنيفة أن قتل المشركين فرض بقوله تعالى: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ» وقوله تعالى: «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ» فلا يجوز تركه الا لما شرع له اقامة الفرض وهو التوسل الى الاسلام، لأنه لا يكون تركا معنى، وذا لا يحصل بالمفاداة، ويحصل بالذمة والاسترقاق فيمن يحتمل ذلك ولأن فى ذلك اعانة لاهل الحرب على الحرب، لأنهم يرجعون الى المنعة فيصيرون حربا على المسلمين. ثم اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما. قال أبو يوسف تجوز المفاداة قبل القسمة ولا تجوز بعدها. وقال محمد تجوز فى الحالين. ووجه قول محمد أنه لما جازت المفاداة قبل القسمة فكذا بعد القسمة لأن الملك ان لم يثبت قبل القسمة فالحق ثابت، ثم قيام الحق لم يمنع جواز المفاداة، فكذا قيام الملك. ووجه قول أبى يوسف أن المفاداة بعد القسمة ابطال ملك المقسوم له من غير رضاه وهذا لا يجوز فى الأصل، بخلاف ما قبل القسمة، لأنه لا ملك قبل القسمة، انما الثابت حق غير متقرر فجاز أن يكون محتملا للابطال بالمفاداة. ولا يجوز أن يعطى رجل واحد من الأسارى ويؤخذ بدله رجلان من المشركين، لأن كم من واحد يغلب اثنين وأكثر من ذلك، فيؤدى الى الاعانة على الحرب وهذا لا يجوز. واذا عزم المسلمون على قتل الاسارى فلا ينبغى أن يعذبوهم بالجوع والعطش

стр. 3081

وغير ذلك من أنواع التعذيب، لأن ذلك تعذيب من غير فائدة، وقد روى أن رسول الله ﷺ قال فى بنى قريظة: لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح، ولا يجوز التمثيل بهم لقوله ﵊ فى وصايا الأمراء: ولا تمثلوا. ولا ينبغى للرجل أن يقتل أسير صاحبه، لأنه له ضرب اختصاص به حيث أخذه وأسره، فلم يكن لغيره أن يتصرف فيه كما لو التقط شيئا، والأفضل أن يأتى به الامام ان قدر عليه حتى يكون الامام هو الحكم فيه، لتعلق حق الغزاة به فكان الحكم فيه للامام. وأما الذى يجوز قتله من الأسارى فهو من بلغ اما بالسن أو بالاحتلام على قدر ما اختلف فيه. فأما من لم يبلغ أو شك فى بلوغه فلا يقتل. قال صاحب البدائع: (١) وأما بيان ما يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل فنقول: اذا كان الحال بعد الفراغ من القتال وهى ما بعد الأسر والأخذ فكل من لا يحل قتله فى حال القتال لا يحل قتله بعد الفراغ من القتال، وكل من يحل قتله فى حال القتال اذا قاتل حقيقة أو معنى يباح قتله بعد الأخذ والأسر، الا الصبى والمعتوه الذى لا يعقل فانه يباح قتلهما حال القتال، اذا قاتلا حقيقة ومعنى، ولا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال اذا أسرا وان قتلا جماعة من المسلمين فى القتال، لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة وقتلهم حال القتال لدفع شر القتال وقد وجد الشر منهما فيباح قتلهما لدفع الشر، وقد انعدم الشر بالأسر، فكان القتل بعده بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهلها، وبذلك فلا يجوز قتل امرأة ولا صبى ولا شيخ فان ولا مقعد ولا يابس الشق ولا أعمى ولا مقطوع اليد والرجل من خلاف ولا مقطوع اليد اليمنى ولا معتوه ولا راهب فى صومعة ولا سائح فى الجبال لا يخالط الناس وقوم فى دار أو كنيسة ترهبوا وطبق عليهم الباب، أما لو قاتل واحد من هؤلاء فى اثناء القتال، حرض على القتال أو دل على عورات المسلمين أو كان الكفرة ينتفعون برأيه أو كان مطاعا وان كان امرأة أو صغيرا لوجود القتال من حيث المعنى، فانه يجوز قتلهم بعد الأسر، الا الصبى والمعتوه الذى لا يعقل فانه لا يباح قتلهما بعد الأسر، وان كان يباح قتلهما حال القتال اذا قاتلا حقيقة أو معنى. وجاء فى البدائع (٢): لو قتل رجل من المسلمين أسيرا فى دار الحرب أو فى

стр. 3082

دار الاسلام فان كان قبل القسمة فلا شئ فيه من دية ولا كفارة ولا قيمة لأن دمه غير معصوم قبل القسمة فان للامام فيه خيرة القتل، وان كان بعد القسمة أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل لأن الامام اذا قسمهم أو باعهم فقد صار دمهم معصوما فكان مضمونا بالقتل، الا أنه لا يجب القصاص لقيام شبهة الاباحة كالحربى المستأمن. وقال صاحب البدائع: ان ما ذكر من خيار القتل للامام فى الأسارى قبل القسمة اذا لم يسلموا فان أسلموا قبل القسمة فلا يباح قتلهم، لأن الاسلام عاصم وللامام خياران فيهم ان شاء استرقهم فقسمهم، وان شاء تركهم أحرارا بالذمة ان كانوا بمحل الذمة والاسترقاق، لأن الاسلام لا يرفع الرق، لأن الرفع فيه ابطال حق الغزاة، وهذا لا يجوز. وجاء فى البدائع (١): أما من يسع تركه فى دار الحرب ممن لا يحل قتله ومن لا يسع فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين. اما ان يكون الغزاة قادرين على حمل هؤلاء واخراجهم الى دار الاسلام. واما أن يكونوا غير قادرين عليه. فان قدروا على ذلك فان كان المتروك ممن يولد له ولد فلا يجوز تركهم فى دار الحرب، لأن فى تركهم فى دار الحرب عونا على المسلمين باللقاح. وان كان ممن لا يولد له ولد كالشيخ الفانى الذى لا قتال عنده ولا لقاح، فان كان ذا رأى ومشورة فلا يباح تركه فى دار الحرب لما فيه من المضرة بالمسلمين، لأنهم يستعينون على المسلمين برأيه، وان لم يكن له رأى فان شاءوا تركوه فانه لا مضرة عليهم فى تركه وان شاءوا أخرجوه لفائدة المفاداة على قول من يرى مفاداة الأسير بالأسير، وعلى قول من لا يرى لا يخرجونهم لأنه لا فائدة فى اخراجهم، وكذلك العجوز الذى لا يرجى ولدها، وكذلك الرهبان وأصحاب الصوامع اذا كانوا حضورا لا يلحقون. وان لم يقدر المسلمون على حمل هؤلاء ونقلهم الى دار الاسلام لا يحل قتلهم، ويتركون فى دار الحرب، لأن الشرع نهى عن قتلهم، ولا قدرة على نقلهم فيتركون ضرورة. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى (٢): ووجب على الامام النظر بالمصلحة للمسلمين فى الأسرى قبل قسم الغنيمة بقتل ويحسب من رأس الغنيمة - أو من بأن يترك سبيلهم ويحسب من الخمس أو فداء من الخمس أيضا بالأسرى الذين

стр. 3083

عندهم أو بمال أو بضرب جزية عليهم ويحسب المضروب من الخمس أيضا أو استرقاق ويرجع للغنيمة وهذه الوجوه بالنسبة للرجال المقاتلة. وأما النساء والذرارى فليس فيهم الا الاسترقاق أو الفداء. ثم قال (١): وفدى من أسلم ورد للكفار من رهائن أو غيرهم وأولى المسلم الأصلى الأسير بالفئ أى بيت مال المسلمين وجوبا على الامام، ثم أن لم يكن بيت مال، أو لم يمكن الوصول اليه أو قصر ما فيه عن الكفاية فدى بمال المسلمين على قدر رءوسهم، والأسير كواحد منهم، ثم ان تعذر من المسلمين فدى بماله ان كان له مال. ثم قال (٢) وجاز وط ء أسير مسلم زوجة أو أمة له أسرتا معه ان أيقن أنهما سلمتا من وط ء الكافر لهما، لأن سبيهم لا يهدم نكاحنا ولا يبطل ملكنا، والمراد بالجواز عدم الحرمة، والا فهو مكروه خوفا من بقاء ذريته بأرض الحرب. ثم قال (٣): وحرم خيانة أسير مسلم عند الكفار أؤتمن على شئ من مالهم حال كونه طائعا بل ولو أؤتمن على نفسه بعهد منه أن لا يهرب أو لا يخونهم فى مالهم أو بلا عهد نحو: أمناك على نفسك أو على مالنا، فليس له أن يأخذ من مالهم شيئا ولو حقيرا، فان لم يؤتمن أو أؤتمن مكرها فله الهروب. قال الدسوقى: فان تنازع الأسير ومن أمنه هل وقع الائتمان على الطوع أو الاكراه فالقول قول الأسير وله أخذ كل ما قدر عليه من مال أو نساء أو ذرية ولو بيمين، ولا حنث عليه لأن أصل يمينه الاكراه. قال الدسوقى أى أخذوه منه على ذلك (أى حلف لهم) بأن قال لهم بعد أن أمنوه مكرها والله لا أخونكم فى مالكم أو والله لا أهرب. وفى حاشية السيد أن الأسير اذا عاقدهم على الفداء لا يجب عليه الرجوع اذا عجز بل يسعى جهده ويوصله لهم الا أن يشترط عليه الرجوع وذكر خلافا فى وجوب الوفاء اذا اقترض الفداء من حربى. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٤): أن من أمن أسيرا لم يصح الأمان لأنه يبطل ما ثبت للامام فيه من الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وان قال كنت أمنته قبل الأسر لم يقبل قوله لأنه لا يملك عقد الامان فى هذه الحال فلم يقبل اقراره به، وان أسر امرأة حرة أو صبيا حرا

стр. 3084

رق بالأسر لأن النبى ﷺ قسم سبى بنى المصطلق واصطفى صفية من سبى خيبر وقسم سبى هوازن فنزل واستنزل الناس فنزلوا وان أسر حر بالغ من أهل القتال فللامام أن يختار ما يرى من القتل والاسترقاق والمن والفداء فان رأى القتل قتل لقوله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» ولأن النبى ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة من المشركين من قريش مطعم ابن عدى والنضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحى وقتل يوم الفتح ابن خطل وان رأى المن عليه جاز لقوله «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» ولأن النبى ﷺ من على أبى عزة الجمحى ومن على ثمامة الحنفى ومن على أبى العاص ابن الربيع وان رأى أن يفادى بمال أو بمن أسر من المسلمين فادى به لقوله «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» وروى عمران بن الحصين رضى الله عنه أن النبى ﷺ فادى أسيرا من عقيل برجلين من أصحابه أسرهما ثقيف وان رأى أن يسترقه فان كان من غير العرب نظرت فان كان ممن له كتاب أو شبه كتاب استرقه لما روى عن ابن عباس أنه قال فى قوله «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أمر الله فى الأسارى «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» فجعل الله للنبى ﷺ والمؤمنين فى أمر الأسارى بالخيار ان شاءوا قتلوا وان شاءوا استعبدوهم وان شاءوا فادوهم فان كان من عبدة الأوثان ففيه وجهان. أحدهما وهو قول أبى سعيد الأصطخرى أنه لا يجوز استرقاقه لأنه لا يجوز اقراره على الكفر بالجزية فلم يجز الاسترقاق كالمرتد. والثانى أنه يجوز لما رويناه عن ابن عباس ولأن من جاز المن عليه فى الاسر جاز استرقاقه كأهل الكتاب وان كان من العرب ففيه قولان. قال فى الجديد يجوز استرقاقه والمفاداة به وهو الصحيح لأن من جاز المن عليه والمفاداة به من الأسارى جاز استرقاقه كغير العرب. وقال فى القديم لا يجوز استرقاقه لما روى معاذ رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال يوم حنين لو كان الاسترقاق ثابتا على العرب لكان اليوم وانما هو أسر وفداء فان تزوج عربى بأمة فأتت منه بولد فعلى القول الجديد الولد مملوك وعلى القديم الولد حر ولا ولاء عليه لأنه حر من الأصل، ولا يختار الامام فى الأسير من القتل والاسترقاق والمن

стр. 3085

والفداء الا ما فيه الحظ للاسلام والمسلمين لأنه ينظر لهما فلا يفعل الا ما فيه الحظ لهما فان بذل الأسير الجزية وطلب أن تعقد له الذمة ففيه وجهان. أحدهما يجب قبولها كما يجب اذا بذل وهو فى غير الأسر وهو ممن يجوز أن تعقد لمثله الذمة. والثانى أنه لا يجب لأنه يسقط بذلك ما ثبت من اختيار القتل والاسترقاق والمن والفداء وان قتله مسلم قبل أن يختار الامام ما يراه عزر القاتل لافتياته على الامام ولا ضمان عليه لأنه حربى لا أمان له وان أسلم حقن دمه لقوله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وهل يرق بالاسلام أو يبقى الخيار فيه بين الاسترقاق والمن والفداء فيه قولان. أحدهما أنه يرق بنفس الاسلام ويسقط الخيار فى الباقى لأنه أسير لا يقتل فرق كالصبى والمرأة. والثانى أنه لا يرق بل يبقى الخيار فى الباقى لما روى عمران بن الحصين رضى الله عنه أن الأسير العقيلى قال يا محمد انى مسلم ثم فاداه برجلين ولأن ما ثبت الخيار فيه بين أشياء اذا سقط أحدهما لم يسقط الخيار فى الباقى ككفارة اليمين اذا عجز فيها عن العتق فعلى هذا اذا اختار الفداء لم يجز أن يفادى به الا أن يكون له عشيرة يأمن معهم على دينه ونفسه وأن أسر شيخ لا قتال فيه ولا رأى له فى الحرب فان قلنا انه يجوز قتله فهو كغيره فى الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وان قلنا لا يجوز قتله فهو كغيره اذا أسلم فى الأسر وان رأى الامام القتل ضرب عنقه لقوله «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ». وجاء فى موضع آخر (١): من أسلم من الكفار قبل الأسر عصم دمه وماله لما روى عمر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها فان كانت له منفعة باجارة لم تملك عليه لأنها كالمال وان كانت له زوجة جاز استرقاقها على المنصوص ومن أصحابنا من قالوا لا يجوز كما لا يجوز أن يملك ماله ومنفعته وهذا خطأ لأن منفعة البضع ليست بمال ولا تجرى مجرى المال ولهذا لا يضمن بالغصب بخلاف المال والمنفعة وإن أسلم رجل وله ولد صغير تبعه الولد فى الاسلام لقوله «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» وان أسلمت امرأة ولها ولد صغير تبعها فى الاسلام لأنها أحد الأبوين فتبعها الولد فى الاسلام كالاب وان أسلم أحدهما
следующие страницы →