وغير ذلك من أنواع التعذيب، لأن ذلك تعذيب من غير فائدة، وقد روى أن رسول الله ﷺ قال فى بنى قريظة: لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح، ولا يجوز التمثيل بهم لقوله ﵊ فى وصايا الأمراء: ولا تمثلوا.
ولا ينبغى للرجل أن يقتل أسير صاحبه، لأنه له ضرب اختصاص به حيث أخذه وأسره، فلم يكن لغيره أن يتصرف فيه كما لو التقط شيئا، والأفضل أن يأتى به الامام ان قدر عليه حتى يكون الامام هو الحكم فيه، لتعلق حق الغزاة به فكان الحكم فيه للامام.
وأما الذى يجوز قتله من الأسارى فهو من بلغ اما بالسن أو بالاحتلام على قدر ما اختلف فيه.
فأما من لم يبلغ أو شك فى بلوغه فلا يقتل.
قال صاحب البدائع: (١) وأما بيان ما يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل فنقول: اذا كان الحال بعد الفراغ من القتال وهى ما بعد الأسر والأخذ فكل من لا يحل قتله فى حال القتال لا يحل قتله بعد الفراغ من القتال، وكل من يحل قتله فى حال القتال اذا قاتل حقيقة أو معنى يباح قتله بعد الأخذ والأسر، الا الصبى والمعتوه الذى لا يعقل فانه يباح قتلهما حال القتال، اذا قاتلا حقيقة ومعنى، ولا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال اذا أسرا وان قتلا جماعة من المسلمين فى القتال، لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة وقتلهم حال القتال لدفع شر القتال وقد وجد الشر منهما فيباح قتلهما لدفع الشر، وقد انعدم الشر بالأسر، فكان القتل بعده بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهلها، وبذلك فلا يجوز قتل امرأة ولا صبى ولا شيخ فان ولا مقعد ولا يابس الشق ولا أعمى ولا مقطوع اليد والرجل من خلاف ولا مقطوع اليد اليمنى ولا معتوه ولا راهب فى صومعة ولا سائح فى الجبال لا يخالط الناس وقوم فى دار أو كنيسة ترهبوا وطبق عليهم الباب، أما لو قاتل واحد من هؤلاء فى اثناء القتال، حرض على القتال أو دل على عورات المسلمين أو كان الكفرة ينتفعون برأيه أو كان مطاعا وان كان امرأة أو صغيرا لوجود القتال من حيث المعنى، فانه يجوز قتلهم بعد الأسر، الا الصبى والمعتوه الذى لا يعقل فانه لا يباح قتلهما بعد الأسر، وان كان يباح قتلهما حال القتال اذا قاتلا حقيقة أو معنى.
وجاء فى البدائع (٢): لو قتل رجل من المسلمين أسيرا فى دار الحرب أو فى
стр. 3082
دار الاسلام فان كان قبل القسمة فلا شئ فيه من دية ولا كفارة ولا قيمة لأن دمه غير معصوم قبل القسمة فان للامام فيه خيرة القتل، وان كان بعد القسمة أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل لأن الامام اذا قسمهم أو باعهم فقد صار دمهم معصوما فكان مضمونا بالقتل، الا أنه لا يجب القصاص لقيام شبهة الاباحة كالحربى المستأمن.
وقال صاحب البدائع: ان ما ذكر من خيار القتل للامام فى الأسارى قبل القسمة اذا لم يسلموا فان أسلموا قبل القسمة فلا يباح قتلهم، لأن الاسلام عاصم وللامام خياران فيهم ان شاء استرقهم فقسمهم، وان شاء تركهم أحرارا بالذمة ان كانوا بمحل الذمة والاسترقاق، لأن الاسلام لا يرفع الرق، لأن الرفع فيه ابطال حق الغزاة، وهذا لا يجوز.
وجاء فى البدائع (١): أما من يسع تركه فى دار الحرب ممن لا يحل قتله ومن لا يسع فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين.
اما ان يكون الغزاة قادرين على حمل هؤلاء واخراجهم الى دار الاسلام.
واما أن يكونوا غير قادرين عليه.
فان قدروا على ذلك فان كان المتروك ممن يولد له ولد فلا يجوز تركهم فى دار الحرب، لأن فى تركهم فى دار الحرب عونا على المسلمين باللقاح.
وان كان ممن لا يولد له ولد كالشيخ الفانى الذى لا قتال عنده ولا لقاح، فان كان ذا رأى ومشورة فلا يباح تركه فى دار الحرب لما فيه من المضرة بالمسلمين، لأنهم يستعينون على المسلمين برأيه، وان لم يكن له رأى فان شاءوا تركوه فانه لا مضرة عليهم فى تركه وان شاءوا أخرجوه لفائدة المفاداة على قول من يرى مفاداة الأسير بالأسير، وعلى قول من لا يرى لا يخرجونهم لأنه لا فائدة فى اخراجهم، وكذلك العجوز الذى لا يرجى ولدها، وكذلك الرهبان وأصحاب الصوامع اذا كانوا حضورا لا يلحقون.
وان لم يقدر المسلمون على حمل هؤلاء ونقلهم الى دار الاسلام لا يحل قتلهم، ويتركون فى دار الحرب، لأن الشرع نهى عن قتلهم، ولا قدرة على نقلهم فيتركون ضرورة.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى (٢): ووجب على الامام النظر بالمصلحة للمسلمين فى الأسرى قبل قسم الغنيمة بقتل ويحسب من رأس الغنيمة - أو من بأن يترك سبيلهم ويحسب من الخمس أو فداء من الخمس أيضا بالأسرى الذين
стр. 3083
عندهم أو بمال أو بضرب جزية عليهم ويحسب المضروب من الخمس أيضا أو استرقاق ويرجع للغنيمة وهذه الوجوه بالنسبة للرجال المقاتلة.
وأما النساء والذرارى فليس فيهم الا الاسترقاق أو الفداء.
ثم قال (١): وفدى من أسلم ورد للكفار من رهائن أو غيرهم وأولى المسلم الأصلى الأسير بالفئ أى بيت مال المسلمين وجوبا على الامام، ثم أن لم يكن بيت مال، أو لم يمكن الوصول اليه أو قصر ما فيه عن الكفاية فدى بمال المسلمين على قدر رءوسهم، والأسير كواحد منهم، ثم ان تعذر من المسلمين فدى بماله ان كان له مال.
ثم قال (٢) وجاز وط ء أسير مسلم زوجة أو أمة له أسرتا معه ان أيقن أنهما سلمتا من وط ء الكافر لهما، لأن سبيهم لا يهدم نكاحنا ولا يبطل ملكنا، والمراد بالجواز عدم الحرمة، والا فهو مكروه خوفا من بقاء ذريته بأرض الحرب.
ثم قال (٣): وحرم خيانة أسير مسلم عند الكفار أؤتمن على شئ من مالهم حال كونه طائعا بل ولو أؤتمن على نفسه بعهد منه أن لا يهرب أو لا يخونهم فى مالهم أو بلا عهد نحو: أمناك على نفسك أو على مالنا، فليس له أن يأخذ من مالهم شيئا ولو حقيرا، فان لم يؤتمن أو أؤتمن مكرها فله الهروب.
قال الدسوقى: فان تنازع الأسير ومن أمنه هل وقع الائتمان على الطوع أو الاكراه فالقول قول الأسير وله أخذ كل ما قدر عليه من مال أو نساء أو ذرية ولو بيمين، ولا حنث عليه لأن أصل يمينه الاكراه.
قال الدسوقى أى أخذوه منه على ذلك (أى حلف لهم) بأن قال لهم بعد أن أمنوه مكرها والله لا أخونكم فى مالكم أو والله لا أهرب.
وفى حاشية السيد أن الأسير اذا عاقدهم على الفداء لا يجب عليه الرجوع اذا عجز بل يسعى جهده ويوصله لهم الا أن يشترط عليه الرجوع وذكر خلافا فى وجوب الوفاء اذا اقترض الفداء من حربى.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٤): أن من أمن أسيرا لم يصح الأمان لأنه يبطل ما ثبت للامام فيه من الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وان قال كنت أمنته قبل الأسر لم يقبل قوله لأنه لا يملك عقد الامان فى هذه الحال فلم يقبل اقراره به، وان أسر امرأة حرة أو صبيا حرا
стр. 3084
رق بالأسر لأن النبى ﷺ قسم سبى بنى المصطلق واصطفى صفية من سبى خيبر وقسم سبى هوازن فنزل واستنزل الناس فنزلوا وان أسر حر بالغ من أهل القتال فللامام أن يختار ما يرى من القتل والاسترقاق والمن والفداء فان رأى القتل قتل لقوله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» ولأن النبى ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة من المشركين من قريش مطعم ابن عدى والنضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحى وقتل يوم الفتح ابن خطل وان رأى المن عليه جاز لقوله «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» ولأن النبى ﷺ من على أبى عزة الجمحى ومن على ثمامة الحنفى ومن على أبى العاص ابن الربيع وان رأى أن يفادى بمال أو بمن أسر من المسلمين فادى به لقوله «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» وروى عمران بن الحصين رضى الله عنه أن النبى ﷺ فادى أسيرا من عقيل برجلين من أصحابه أسرهما ثقيف وان رأى أن يسترقه فان كان من غير العرب نظرت فان كان ممن له كتاب أو شبه كتاب استرقه لما روى عن ابن عباس أنه قال فى قوله «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أمر الله فى الأسارى «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» فجعل الله للنبى ﷺ والمؤمنين فى أمر الأسارى بالخيار ان شاءوا قتلوا وان شاءوا استعبدوهم وان شاءوا فادوهم فان كان من عبدة الأوثان ففيه وجهان.
أحدهما وهو قول أبى سعيد الأصطخرى أنه لا يجوز استرقاقه لأنه لا يجوز اقراره على الكفر بالجزية فلم يجز الاسترقاق كالمرتد.
والثانى أنه يجوز لما رويناه عن ابن عباس ولأن من جاز المن عليه فى الاسر جاز استرقاقه كأهل الكتاب وان كان من العرب ففيه قولان.
قال فى الجديد يجوز استرقاقه والمفاداة به وهو الصحيح لأن من جاز المن عليه والمفاداة به من الأسارى جاز استرقاقه كغير العرب.
وقال فى القديم لا يجوز استرقاقه لما روى معاذ رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال يوم حنين لو كان الاسترقاق ثابتا على العرب لكان اليوم وانما هو أسر وفداء فان تزوج عربى بأمة فأتت منه بولد فعلى القول الجديد الولد مملوك وعلى القديم الولد حر ولا ولاء عليه لأنه حر من الأصل، ولا يختار الامام فى الأسير من القتل والاسترقاق والمن
стр. 3085
والفداء الا ما فيه الحظ للاسلام والمسلمين لأنه ينظر لهما فلا يفعل الا ما فيه الحظ لهما فان بذل الأسير الجزية وطلب أن تعقد له الذمة ففيه وجهان.
أحدهما يجب قبولها كما يجب اذا بذل وهو فى غير الأسر وهو ممن يجوز أن تعقد لمثله الذمة.
والثانى أنه لا يجب لأنه يسقط بذلك ما ثبت من اختيار القتل والاسترقاق والمن والفداء وان قتله مسلم قبل أن يختار الامام ما يراه عزر القاتل لافتياته على الامام ولا ضمان عليه لأنه حربى لا أمان له وان أسلم حقن دمه لقوله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وهل يرق بالاسلام أو يبقى الخيار فيه بين الاسترقاق والمن والفداء فيه قولان.
أحدهما أنه يرق بنفس الاسلام ويسقط الخيار فى الباقى لأنه أسير لا يقتل فرق كالصبى والمرأة.
والثانى أنه لا يرق بل يبقى الخيار فى الباقى لما روى عمران بن الحصين رضى الله عنه أن الأسير العقيلى قال يا محمد انى مسلم ثم فاداه برجلين ولأن ما ثبت الخيار فيه بين أشياء اذا سقط أحدهما لم يسقط الخيار فى الباقى ككفارة اليمين اذا عجز فيها عن العتق فعلى هذا اذا اختار الفداء لم يجز أن يفادى به الا أن يكون له عشيرة يأمن معهم على دينه ونفسه وأن أسر شيخ لا قتال فيه ولا رأى له فى الحرب فان قلنا انه يجوز قتله فهو كغيره فى الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وان قلنا لا يجوز قتله فهو كغيره اذا أسلم فى الأسر وان رأى الامام القتل ضرب عنقه لقوله «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ».
وجاء فى موضع آخر (١): من أسلم من الكفار قبل الأسر عصم دمه وماله لما روى عمر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها فان كانت له منفعة باجارة لم تملك عليه لأنها كالمال وان كانت له زوجة جاز استرقاقها على المنصوص ومن أصحابنا من قالوا لا يجوز كما لا يجوز أن يملك ماله ومنفعته وهذا خطأ لأن منفعة البضع ليست بمال ولا تجرى مجرى المال ولهذا لا يضمن بالغصب بخلاف المال والمنفعة وإن أسلم رجل وله ولد صغير تبعه الولد فى الاسلام لقوله «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» وان أسلمت امرأة ولها ولد صغير تبعها فى الاسلام لأنها أحد الأبوين فتبعها الولد فى الاسلام كالاب وان أسلم أحدهما
стр. 3086
والولد حمل تبعه فى الإسلام لأنه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع المسلم منهما كالولد وإن أسلم أحد الأبوين دون الأخر تبع الولد المسلم منهما لأن الإسلام أعلى فكان إلحاقه بالمسلم منهما أولى وإن لم يسلم واحد منهما فالولد كافر لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
وان سبى المسلم صبيا فان كان معه أحد أبويه كان كافرا لما ذكرنا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه وان سبى وحده ففيه وجهان.
أحدهما أنه باق على حكم كفره ولا يتبع السابى فى الاسلام وهو ظاهر المذهب لأن يد السابى يد ملك فلا توجب اسلامه كيد المشترى.
والثانى أنه يتبعه لأنه لا يصح اسلامه بنفسه ولا معه من يتبعه فى كفره فجعل تابعا للسابى لأنه كالأب فى حضانته وكفالته فتبعه فى الاسلام وان سبيت امرأة ومعها ولد صغير لم يجز التفريق بينهما وان سبى رجل ومعه ولد صغير ففيه وجهان.
أحدهما أنه لا يجوز التفريق بينهما لأنه أحد الأبوين فلم يفرق بينه وبين الولد الصغير كالأم.
والثانى أنه يجوز أن يفرق بينهما لأن الأب لا بد أن يفارقه فى الحضانة لأنه لا يتولى حضانته بنفسه وانما يتولاها غيره فلم يحرم التفريق بينهما بخلاف الأم فانها لا تفارقه فى الحضانة فاذا فرق بينهما ولهت بمفارقته فحرم التفريق بينهما.
وان سبى الزوجان أو أحدهما انفسخ النكاح لما روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه قال أصبنا نساء يوم أوطاس فكرهوا أن يقعوا عليهن فأنزل الله تعالى «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» فاستحللناهن.
ثم قال (١): أن أسر الكفار مسلما وأطلقوه من غير شرط فله أن يغتالهم فى النفس والمال لأنهم كفار لا أمان لهم وان أطلقوه على أنه فى أمان ولم يستأمنوه ففيه وجهان.
أحدهما وهو قول أبى على بن أبى هريرة أنه لا أمان لهم لأنهم لم يستأمنوه والثانى وهو ظاهر المذهب أنهم فى أمانه لأنهم جعلوه فى أمان فوجب أن يكونوا منه فى أمان وان كان محبوسا فأطلقوه واستحلفوه أنه لا يرجع الى دار الاسلام لم يلزمه حكم اليمين ولا كفارة عليه اذا حلف لأن ظاهره الاكراه، فان ابتدأ وحلف أنه ان أطلق لم يخرج الى دار الاسلام ففيه وجهان.
أحدهما أنها يمين اكراه فان خرج لم تلزمه كفارة لأنه لم يقدر على الخروج
стр. 3087
الا باليمين فأشبه اذا حلفوه على ذلك.
والثانى أنه يمين اختيار فان خرج لزمته الكفارة لأنه بدأ بها من غير اكراه وان أطلق ليخرج الى دار الاسلام وشرط عليه أن يعود اليهم أو يحمل لهم مالا لم يلزمه العود لأن مقامه فى دار الحرب لا يجوز ولا يلزمه بالشرط ما ضمن من المال لأنه ضمان من مال بغير حق والمستحب أن يحمل لهم ما ضمن ليكون ذلك طريقا الى اطلاق الأسرى.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١) اذا سبى الامام فهو مخير ان رأى قتلهم، وان رأى من عليهم وأطلقهم بلا عوض، وان رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم، وان رأى فادى بهم وان رأى استرقهم أى ذلك رأى فيه نكاية للعدو وحظا للمسلمين فعل.
ثم قال: اذا كان الأسير من النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم، ويصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبى، لأن النبى ﷺ نهى عن قتل النساء والولدان.
ثم قال: وان كان الأسرى من الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيخير الامام فيهم بين أربعة أشياء: القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم.
وان كان الأسرى رجالا من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الامام فيهم بين ثلاثة أشياء: القتل، أو المن، أو المفاداة، ولا يجوز استرقاقهم
وعن أحمد: جواز استرقاقهم.
ولنا على جواز المن والفداء قول الله تعالى «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» وأن النبى ﷺ من على ثمامة بن أثال، وأما القتل فلأن النبى ﷺ قتل رجال بنى قريظة.
وأما عبدة الأوثان ففى استرقاقهم روايتان.
احداهما لا يجوز لأنه كافر لا يقر بالجزية فلم يقر بالاسترقاق كالمرتد.
واذا أسر العبد صار رقيقا للمسلمين لأنه مال لهم استولى عليه فكان للغانمين كالبهيمة، وان رأى الامام قتله لضرر فى بقائه جاز قتله لأن مثل هذا لا قيمة له فهو كالمرتد.
وأما من يحرم قتلهم غير النساء والصبيان كالشيخ والزمن والأعمى والراهب فلا يحل سبيهم، لأن قتلهم حرام ولا نفع فى اقتنائهم.
стр. 3088
ثم قال: وان أسلم الأسير صار رقيقا فى الحال وزال التخيير وصار حكمه حكم النساء، لأنه أسير يحرم قتله فصار رقيقا كالمرأة فان سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم على اعطاء الجزية لم يجز ذلك فى نسائهم وذراريهم لأنهم صاروا غنيمة بالسبى.
وأما الرجال فيجوز ذلك فيهم، ولا يزول التخيير الثابت لأنه بدل لا تلزم الاجابة اليه فلم يحرم قتلهم كبدل عبدة الأوثان.
ومن أسر أسيرا لم يكن له قتله حتى يأتى به الامام فيرى فيه رأيه، لأنه صار أسيرا فالخيرة فيه الى الامام.
وقد روى عن الامام أحمد كلام يدل على اباحة قتله فانه قال: لا يقتل أسير غيره الا أن يشاء الوالى، فمفهومه أن له قتل أسيره بغير اذن الوالى، لأن له أن يقتله ابتداء فكان له قتله دواما كما لو هرب منه أو قاتله، فان امتنع الأسير أن ينقاد معه فله اكراهه بالضرب وغيره فان لم يمكنه اكراهه فله قتله، وان خافه أو خاف هربه فله قتله أيضا، وان امتنع من الانقياد معه لجرح أو مرض فله قتله أيضا، وتوقف أحمد عن قتله، والصحيح أنه يقتله كما يذفف (أى يجهز) على جريحهم ولأن تركه حيا ضرر على المسلمين وتقوية للكفار فتعين القتل كحالة الابتداء اذا أمكنه قتله وكجريحهم اذا لم يأسره، فأما أسير غيره فلا يجوز له قتله الا أن يصير الى حال يجوز قتله لمن أسره.
وقد روى يحيى بن أبى كثير أن النبى ﷺ قال «لا يتعاطين أحدكم أسير صاحبه اذا أخذه فيقتله رواه سعيد، فان قتل أسيره أو أسير غيره قبل ذلك أساء ولم يلزمه ضمانه لأن عبد الرحمن بن عوف أسر أمية ابن خلف وابنه عليا يوم بدر فرآهما بلال فاستصرخ الأنصار عليهما حتى قتلوهما ولم يغرموا شيئا، ولأنه أتلف ما ليس بمال فلم يغرمه كما لو أتلفه قبل أن يأتى به الامام، ولأنه أتلف ما لا قيمة له قبل أن يأتى به الامام فلم يغرمه كما لو أتلف كلبا، فأما لو قتل امرأة أو صبيا غرمه لأنه صار رقيقا بنفس السبى.
ثم قال ومن أسر فادعى أنه كان مسلما لم يقبل قوله الا ببينة لأنه يدعى أمرا الظاهر خلافه يتعلق به اسقاط حق يتعلق برقبته فان شهد له واحد حلف معه وخلى سبيله لما روى عن عبد الله بن مسعود أن النبى ﷺ قال يوم بدر: «لا يبقى منهم أحد الا أن يفدى أو يضرب عنقه فقال عبد الله بن مسعود الا سهيل بن بيضاء فانى سمعته يذكر الاسلام فقال
стр. 3089
النبى ﷺ الا سهيل ابن بيضاء» فقبل شهادة عبد الله وحده.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم (١): حكم الحربيين القتل فى اللقاء كيف أمكن حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ومن كان منهم كتابيا فى قولنا وقول طوائف من الناس أو من كان منهم من أى دين كان ما لم يكن عربيا فى قول غيرنا أو يؤسر فيكون حكمه ضرب العنق فقط بلا خلاف كما قتل رسول الله ﷺ عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث وبنى قريظة وغيرهم أو يسترق أو يطلق الى أرضه كما أطلق رسول الله ﷺ ثمامة بن أثال الحنفى وأبا العاص بن الربيع وغيرهما أو يفادى به كما قال الله تعالى «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها» أو نطلقهم أحرارا ذمة كما فعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر فهذه أحكام الحربيين بنص القرآن والسنن الثابتة والاجماع المتيقن.
وقال ابن حزم (٢): لا يحل أن يرد صغير سبى من أرض الحرب اليهم لا بفداء ولا بغير فداء، لأنه قد لزمه حكم الاسلام بملك المسلمين له فهو وأولاد المسلمين سواء ولا فرق.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٣): وهامشه يجوز أن يغنم من الكفار نفوسهم كما فعل رسول الله ﷺ فى سبايا أوطاس وبنى المصطلق وغيرهم أى اذا قهروا وثبتت الحكمة عليهم جاز أن يستعبدهم المسلمون ويملكوهم ولا خلاف فى ذلك بين الأمة الا المكلف وهو البالغ العاقل من مرتد ولو عبدا وهو من رجع عن الاسلام بعد أن دخل فيه الى الكفر فانه لا يغنم، ولو كان ذلك المرتد أنثى فانه لا يصح غنيمتها وسبيها عندنا ان رجعت الى الاسلام، والا قتلت.
وقال البعض بل تسبى، وكذلك كل عربى من الكفار ذكر لا أنثى غير الكتابى أى ليس بذى ملة مستندة الى كتاب مشهور كالتوراة والانجيل فانه لا يغنم فالواجب على الامام والمسلمين أن يطلبوا منه الاسلام أو السيف ان لم يقبل الدخول فى الاسلام ولا يجوز أن يسبى ويملك.
стр. 3090
ثم قال (١): واذا كان فى الغنائم بعض المشركين وتعذر على الغانمين الخروج بهم الى دار الاسلام أو الى حيث يحرزونهم جاز أن يقتل منهم من كان يجوز قتله وهو من ليس بفان ولا متخل ولا أعمى ولا مقعد ولا صبى ولا امرأة ولا عبد.
وجاء فى موضع آخر (٢): يجوز فك أسراهم بأسرانا بلا خلاف ولا يجوز فك أسراهم من أيدينا بالمال اذا بذلوه قياسا على بيع السلاح والكراع منهم لئلا يستعينوا به وهذا أبلغ قال البعض والصحيح جواز ذلك.
ثم قيل: ويحرم أيضا رد الأسير من المشركين حربيا بالمن عليه أو مفاداته بعوض ذكر ذلك أبو طالب والبعض قال مولانا ﵇: والصحيح خلاف ذلك وهو أنه يجوز رده حربيا الا لمصلحة وهو خاص فى الأسير لفعله ﷺ .
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٣): الأسارى وهم ذكور وأناث والاناث يملكن بالسبى ولو كانت الحرب قائمة وكذا الذرارى ولو اشتبه الطفل البالغ اعتبر الانبات فمن ينبت وجهل سنه ألحق بالذرارى والذكور البالغون يتعين عليهم القتل وان كانت الحرب قائمة ما لم يسلموا، والامام مخير ان شاء ضرب أعناقهم، وان شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وتركهم ينزفون حتى يموتوا.
وان أسروا بعد نقض الحرب لم يقتلوا وكان الامام مخيرا بين المن والفداء والاسترقاق ولو أسلموا بعد الأسر لم يسقط عنهم هذا الحكم، ولو عجز الأسير عن المشى لم يجب قتله لأنه لا يدرى ما حكم الامام فيه ولو بدر مسلم فقتله كان هدرا ويجب أن يطعم الأسير ويسقى وان أريد قتله - ويكره قتله صبرا وحمل رأسه من المعركة ويجب مواراة الشهيد دون الحربى.
وحكم الطفل المسبى حكم أبويه فان أسلما أو أسلم أحدهما تبعه الولد.
ولو سبى منفردا قيل يتبع السابى فى الاسلام.
واذا أسر الزوج لم ينفسخ النكاح ولو استرق انفسخ لتجدد الملك، ولو كان الأسير طفلا أو أمرأة انفسخ النكاح لتحقق الرق بالسبى، وكذا لو أسر الزوجان ولو كان الزوجان مملوكين لم ينفسخ، لأنه لم يحدث رق ولو قيل بتخير الغانم فى الفسخ كان حسنا.
ولو سبيت امرأة فصولح أهلها على اطلاق أسير فى يد أهل الشرك
стр. 3091
فأطلق لم يجب اعادة المرأة، ولو أعتقت بعوض جاز ما لم يكن قد استولدها مسلم، ويلحق بهذا مسألتان.
الأولى اذا أسلم الحربى فى دار الحرب حقن دمه وعصم ماله مما ينقل كالذهب والفضة والأمتعة دون ما لا ينقل كالأرضين والعقار فانها للمسلمين، ولحق به ولده الأصاغر ولو كان فيهم حمل، ولو سبيت أم الحمل كانت رقا دون ولدها منه، وكذا لو كانت الحربية حاملا من مسلم بوط ء مباح.
ولو أعتق مسلم عبدا ذميا بالنذر فلحق بدار الحرب فأسره المسلمون جاز استرقاقه وقيل لا لتعلق ولاء المسلم به ولو كان المعتق ذميا استرق اجماعا.
الثانية اذا أسلم عبد الحربى فى دار الحرب قبل مولاه ملك نفسه بشرط أن يخرج قبله ولو خرج بعده كان على رقه ومنهم من لم يشترط خروجه والأول أصح.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): وللامام وللمسلمين بعد اثخان بقتل محاربيهم وتوهين شوكتهم أسرهم لفداء أو استعباد لبيع وخدمة وغير ذلك ولا يقتل بعد أخذ الفداء منهم ولا يستخدمون بعده وان خرجوا ممن لا يؤخذ منهم مال وقد أخذ الامام أو غيره مالهم أو لا يجوز فداؤهم وقد أخذ عنهم الفداء مثل أن يخرجوا موحدين أو ذميين قد ضربت عليهم الجزية أو قاتلوهم بلا تقدم دعوة رد لهم ما أخذ منهم ورخص فى فداء أسرى المسلمين بهم ولو لغير قومهم من المشركين بأن يكون أسرى المسلمين فى يد قومهم أو فى يد مشركين آخرين غير قومهم فيفادونهم بهم وأما أن يعطوهم لمشركين غير قومهم بمال فذلك مكروه لأنه كالبيع والعبد لا يباع لمشرك والى هذا أشار بقوله لا فى فدائهم بمال منهم أى من غير قومهم من المشركين أى لا يقبلون من المشركين غير قومهم فداء بمال لأن ذلك كبيعهم العبيد للمشركين وسواء فى ذلك كله الرجال والنساء والأطفال والبلغ ولهم أن يقبلوا المال من غير قومهم ويطلقوهم ولا يمكنوهم منهم.
وقت تملك الأسير
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٢): اذا استرق الامام الأسارى خمسهم وقسمهم لأنهم غنيمة حقيقة لحصولها فى أيديهم.
وقسمة الغنائم على سبيل التملك لا تجوز فى دار الحرب عند أصحابنا.
стр. 3092
والأصل أن الملك لا يثبت فى الغنائم فى دار الحرب للغزاة لا من كل وجه ولا من وجه ولكن ينعقد سبب الملك فيها على أن تصير علة عند الأحراز بدار الاسلام وهو تفسير حق الملك أو حق التملك.
وعلى هذا اذا مات واحد من الغانمين فى دار الحرب لا يورث نصيبه عندنا
والمدد اذا لحق الجيش فأخذوا الغنائم جملة الى دار الاسلام يشاركونهم فيها.
واذا أتلف واحد من الغانمين شيئا من الغنيمة لا يضمن.
واذا باع الامام شيئا من الغنائم لا لحاجة الغزاة لا يجوز.
واذا قسم الامام الغنائم فى دار الحرب مجازفا غير مجتهد ولا معتقد جواز القسمة لا تجوز، أما اذا رأى الامام القسمة فقسمها نفذت قسمته بالاجماع، وكذلك لو رأى البيع فباعها لأنه حكم أمضاه فى محل الاجتهاد باجتهاد فينفذ.
ودليلنا أن الاستيلاء انما يفيد الملك اذا ورد على مال مباح غير مملوك ولم يوجد هاهنا لأن ملك الكفرة قائم لأنه كان ثابتا لهم، والملك متى ثبت لانسان لا يزول الا بازالته أو يخرج المحل من أن يكون منتفعا به حقيقة بالهلاك أو بعجز المالك عن الانتفاع به دفعا للتناقض فيما شرع الملك له، ولم يوجد شئ من ذلك، أما الازالة وهلاك المحل فظاهر العدم، وأما قدرة الكفرة على الانتفاع بأموالهم، فلأن الغزاة ما داموا فى دار الحرب فالاسترداد ليس بنادر، بل هو ظاهر، أو محتمل احتمالا على السواء، والملك كان ثابتا لهم فلا يزول مع الاحتمال.
وأما قسمة النبى ﷺ غنائم خيبر بخيبر وغنائم أوطاس بأوطاس فانما قسمها النبى ﷺ فى تلك الديار لأنه ﷺ افتتحها فصارت ديار الاسلام.
وأما غنائم بدر فقد روى أن النبى ﷺ قسمها بالمدينة.
ثم الملك ان لم يثبت للغزاة فى الغنائم فى دار الحرب فقد ثبت الحق لهم حتى يجوز لهم الانتفاع بها من غير حاجة فلو وطئ واحد من الغزاة جارية من المغنم لا يجب عليه الحد لأن له فيها حقا فأورث شبهة فى درء الحد ولا يجب عليه العقر (أى المهر) أيضا، لأنه بالوط أتلف جزءا من منافع بضعها ولو أتلفها لا يضمن، فهاهنا أولى، ولا يثبت النسب أيضا لوادعى الولد، لأن اثبات النسب يعتمد الملك أو الحق الخاص ولا ملك هاهنا والحق عام.
ولو أسلم الأسير فى دار الحرب لا يكون حرا ويدخل فى القسمة لتعلق
стр. 3093
حق الغانمين به بنفس الأخذ والاستيلاء بخلاف ما اذا أسلم قبل الأسر فانه يكون حرا ولا يدخل فى القسمة لأنه عند الأخذ والأسر لم يتعلق به حق أحد.
أما الملك بعد الاحراز بدار الاسلام وقبل القسمة فانه يثبت أو يتأكد الحق ويتقرر، لأن الاستيلاء الثابت انعقد سببا لثبوت الملك أو تأكد الحق على أن يصير علة عند وجود شرطها، وهو الاحراز بدار الاسلام، وقد وجد، فتجوز القسمة ويجرى فيه الارث، ويضمن المتلف، وتنقطع شركة المدد ونحو ذلك، الا أنه لو أعتق واحد من الغانمين عبدا من المغنم لا ينفذ اعتاقه استحسانا، لأن نفاذ الاعتاق يقف على الملك الخاص ولا يتحقق ذلك الا بالقسمة فأما الموجود قبل القسمة فملك عام أو حق متأكد وأنه لا يحتمل الاعتاق، لكنه يحتمل الارث والقسمة، ويكفى لايجاب الضمان وانقطاع شركة المدد.
وكذلك لو استولد جارية من المغنم وادعى الولد لا تصير أم ولد استحسانا، لأن اثبات النسب وأمومية الولد يقفان على ملك خاص، وذلك بالقسمة أو حق خاص، ولم يوجد ويلزمه العقر (أى المهر)، لأن الملك العام أو الحق الخاص يكون مضمونا بالاتلاف.
وأما بعد القسمة فيثبت الملك الخاص لكل واحد منهم فى نصيبه، لأن القسمة افراز الأنصباء وتعيينها فلو قسم الامام الغنائم فوقع عبد فى سهم رجل فأعتقه لا شك أنه ينفذ اعتاقه، لأن الاعتاق صادف ملكا خاصا.
وما مر انما هو فى الغنائم المشتركة.
أما الغنائم الخاصة وهى الأنفال فهل يعتبر الاحراز بدار الاسلام شرطا لثبوت الملك أم لا يعتبر؟
قال بعض المشايخ انه شرط عند أبى حنيفة حتى لا يثبت الملك بينهما فيها قبل الاحراز بدار الاسلام.
وعند محمد ليس بشرط فيثبت الملك فيها بنفس الأخذ والاصابة استدلالا بمسألة ظهر فيها اختلاف، وهى أن الامام اذا نفل فقال: من أصاب جارية فهى له، فأصاب رجل من المسلمين جارية فاستبرأها فى دار الحرب بحيضة لا يحل له وطؤها عند أبى حنيفة وعند محمد يحل.
وقال بعضهم: الاحراز بالدار ليس بشرط لثبوت الملك فى الانفال بالاجماع
واختلافهما فى تلك المسألة لا يدل على الاختلاف فى ثبوت الملك، لأنه كما ظهر الاختلاف بينهما فى النفل فقد ظهر الاختلاف فى الغنيمة المقسومة فان
стр. 3094
الامام اذا قسم الغنائم فى دار الحرب فأصاب رجل جارية فاستبرأها بحيضة فهو على الاختلاف.
وكذا لو رأى الامام بيع الغنائم فباع من رجل جارية فاستبرأها المشترى بحيضة فهو على الاختلاف.
ولا خلاف بين أصحابنا فى الغنائم المقسومة أنه لا يثبت الملك فيها قبل الاحراز بدار الاسلام، دل أن منشأ الخلاف هناك شئ آخر وراء ثبوت الملك وعدمه.
والصحيح أن ثبوت الملك فى النفل لا يقف على الاحراز بدار الاسلام بين أصحابنا، بخلاف الغنائم المقسومة، لأن سبب الملك قد تحقق، وهو الأخذ والاستيلاء ولا يجوز تأخير الحكم عن سببه الا لضرورة، وفى الغنائم المقسومة ضرورة وهو خوف شر الكفرة لأنه لو ثبت الملك بنفس الأخذ لاشتغلوا بالقسمة وفيه خوف توجه الشر عليهم من الكفرة.
والدليل على التفرقة بينهما أن المدد اذا لحق الجيش لا يشارك المنفل له كما بعد الاحراز بالدار بخلاف الغنيمة المقسومة.
وكذا لو مات المنفل له يورث نصيبه كما لو مات بعد الاحراز بالدار بخلاف الغنيمة المقسومة
وبذلك يثبت أن الملك فى النفل لا يقف على الاحراز بالدار بلا خلاف بين أصحابنا، الا أن هذا النوع من الملك لا يظهر فى حق حل الوط ء عند أبى حنيفة ﵀، وهذا لا يدل على عدم الملك أصلا.
مذهب المالكية:
جاء فى الدسوقى (١): ووجب النظر من الامام بالمصلحة للمسلمين فى الأسرى قبل قسم الغنيمة بقتل أو من أو فداء أو ضرب جزية عليهم أو استرقاق.
والذى عليه علماء السلف أن القسم للغنائم يكون ببلد أهل الحرب لما فيه من تعجيل مسرة الغانمين وغيظ الكافرين.
وفى التاج والاكليل (٢): قال مالك من المدونة: والشأن أن تقسم الغنائم وتباع ببلد الحرب وهم أولى برخصها.
روى الأوزاعى أن رسول الله ﷺ والخلفاء من بعده لم يقسموا غنيمة قط الا فى دار الشرك.
قال ابن عرفة ظاهر المدونة أن قسم الغنيمة هو بيعها وقسم ثمنها.
стр. 3095
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (١): نساء الكفار وصبيانهم اذا أسروا رقوا بنفس الأسر فخمسهم لأهل الخمس وباقيهم للغانمين وكذا العبيد وان كانوا مسلمين يرقون بالأسر أى يستدام عليهم حكم الرق المنتقل الينا فيخمسون أيضا، ويجتهد الامام أو أمير الجيش فى الذكور الأحرار الكاملين أى المكلفين اذا أسروا ويفعل وجوبا الأحظ للمسلمين باجتهاده لا بالتشهى.
ولا تملك الغنيمة (٢) الا بقسمة مع الرضا بها باللفظ لا بالاستيلاء والا لامتنع الأعراض وتخصيص كل طائفة بنوع منها ولهم أى الغانمين التملك قبلها لفظا بأن يقول بعد الحيازة وقبل القسمة أخذت ملك نصيبى فتملك بذلك أيضا.
وقيل يملكون بمجرد الحيازة لزوال ملك الكفار بالاستيلاء.
وقيل الملك موقوف فينظر ان سلمت الغنيمة الى القسمة بأن ملكهم على الاشاعة والا بأن تلفت أو أعرضوا عنها فلا لأن الاستيلاء لا يتحقق الا بالقسمة
مذهب الحنابلة:
قال فى الاقناع: وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها فى دار الحرب ويجوز قسمها وتبايعها وهى لمن شهد الواقعة من أهل القتال اذا كان قصده الجهاد قاتل أو لم يقاتل (٣).
وجاء فى المغنى (٤): يجوز قسم الغنائم فى دار الحرب والدليل على ذلك ثلاثة أمور.
الأول: ان سبب الملك الاستيلاء التام وقد وجد فاننا أثبتنا أيدينا عليها حقيقة وقهرناهم ونفيناهم عنها والاستيلاء يدل على حاجة المستولى فيثبت الملك كما فى المباحات.
الثانى أن ملك الكفار قد زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم فى العبيد الذين حصلوا فى الغنيمة ولا يصح تصرفهم فيها ولم يزل ملكهم الى غير مالك اذ ليست فى هذه الحال مباحة علم أن ملكهم زال الى الغانمين.
الثالث: أنه لو أسلم عبد الحربى ولحق بجيش المسلمين صار حرا وهذا يدل على زوال ملك الكافر وثبوت الملك لمن قهره.
ثم قال (٥) الغنيمة لمن حضر الوقعة فمن تجدد بعد ذلك من مدد يلحق بالمسلمين أو أسير ينفلت من الكفار
стр. 3096
فيلحق بجيش المسلمين أو كافر يسلم فلا حق لهم فيها.
لنا ما روى أبو هريرة أن أبان بن سعيد ابن العاص وأصحابه قدموا على رسول الله ﷺ بخيبر بعد أن فتحها فقال ابان أقسم لنا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ «اجلس يا أبان» ولم يقسم له رسول الله ﷺ .
ثم قال: وحكم الأسير يهرب الى المسلمين حكم المدد قاتل أو لم يقاتل.
وفى موضع آخر (١): اذا حاز الأمير المغانم ووكل من يحفظها لم يجز أن يؤكل منها الا أن تدعو الضرورة بأن لا يجدوا ما يأكلون.
وجملة ذلك أن المغانم اذا جمعت وفيها طعام أو علف لم يجز لأحد أخذه الا لضرورة لأننا انما أبحنا أخذه قبل جمعه، لأنه لم يثبت فيه ملك المسلمين بعد فأشبه المباحات فاذا حيزت المغانم ثبت ملك المسلمين فيها فخرجت عن حيز المباحات وصارت كسائر أملاكهم فلم يجز الأكل منها الا لضرورة وهو أن لا يجدوا ما يأكلونه فحينئذ يجوز لأن حفظ نفوسهم ودوابهم أهم وسواء حيزت فى دار الحرب أو فى دار الاسلام.
وقال القاضى ما كانت فى دار الحرب جاز الأكل منها وان حيزت لأن دار الحرب مظنة الحاجة لعسر نقل الميرة اليها بخلاف دار الاسلام.
وكلام الخرقى عام فى الموضعين، والمعنى يقتضيه فان ما ثبت عليه أيدى المسلمين وتحقق ملكهم لا ينبغى أن يؤخذ الا برضاهم كسائر أملاكهم، ولأن حيازته فى دار الحرب تثبت الملك فيه بدليل جواز قسمته وثبوت أحكام الملك فيه بخلاف ما قبل الحيازة فان الملك لم يثبت فيه بعد.
واذا قسمت الغنائم فى دار الحرب جاز لمن أخذ سهمه التصرف فيه بالبيع وغيره.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: وتقسم الغنائم كما هى بالقيمة ولا تباع، لأنه لم يأت نص ببيعها، وتعجل القسمة فى دار الحرب، وتقسم الأرض، وتخمس كسائر الغنائم ولا فرق، فان طابت نفوس جميع أهل العسكر على تركها أوقفها الامام حينئذ للمسلمين، والا فلا، ومن أسلم نصيبه كان من لم يسلم على حقه لا يجوز غير ذلك وهو قول الشافعى وأبى سليمان.
стр. 3097
وقال مالك تباع الغنيمة وتقسم أثمانها وتوقف الأرض ولا تقسم ولا تكون ملكا لأحد.
وقال أبو حنيفة الامام مخير ان شاء قسمها وان شاء أوقفها فان أوقفها فهى ملك للكفار الذين كانت لهم ولا تقسم الغنائم الا بعد الخروج من دار الحرب. (١)
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار (٢): يجوز ان يغنم من الكفار نفوسهم أى اذا قهروا وثبتت الحكمة عليهم جاز أن يستعبدهم المسلمون ويملكونهم ولا خلاف فى ذلك بين الأمة واذا ثبت أن الغانم لا يملك ما غنم قبل قسمة الغنائم لزم من ذلك أن من وطئ سبية قبل القسمة لزمه ردها فى جملة الغنيمة ورد عقرها (أى مهرها) ورد ولدها منه فى جملة الغنائم لأنه وطئ ما لا يملك ولكن لاحد عليه لأجل الشبهة وهو كونه له نصيب فى جملة المغنم وهى من جملته فلا يحد.
ولا يجوز (٣) أن يستبد غانم بما غنم دون سائر العسكر الذين لم يحضروا اغتنامه ولا أعانوه على الاغتنام اعانة مباشرة ولو كان ذلك الغانم طليعة من طلائع العسكر أو كان ذلك الغانم سرية أرسلها الامام فى طلب العدو والامام وجنوده باقون لم ينصرفوا مع تلك السرية فانها اذا أصابت شيئا من المغنم لم يجز لها أن تستبد به دون الامام وجنوده الذين بقوا معه الا أن يكون استبدادهم به واقعا بشرط الامام نحو أن يقول من قتل قتيلا فله سلبه أو من أصاب شيئا من المغنم فهو له فان ذلك يوجب استبداد كل غانم بما غنم على هذا الوجه ولا حق لغيره فيه، ولو لم يتمكن من الغنيمة الا بقوته أو تنفيله أى ايثاره بعض المجاهدين بأن يخصه باعطائه ما غنم وحده لأن للامام أن ينفل من شاء ولو بعد احراز الغنيمة وحوزها الى دارنا وهو غير مقدر.
ثم قال (٤): أعلم ان المجاهدين الجامعين لشروط الاستحقاق للغنيمة لا يستحقونها بعد جهادهم أو اعانتهم الا حيث لم يفروا عن قتال العدو قبل احرازها أى قبل احراز الغنيمة حتى حكم عليها المسلمون وصارت فى حرز من الكفار فاذا فروا قبل احرازها غير متحيزين الى فئة فقد اسقطوا حقهم منها بالفرار.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٥): وتملك النساء والأطفال بالسبى وان كانت الحرب قائمة والذكور البالغون يقتلون
стр. 3098
حتما ان أخذوا والحرب قائمة الا أن يسلموا فيسقط قتلهم وان أخذوا بعد أن وضعت الحرب أوزارها أى أثقالها من السلاح وغيره وهو كناية عن تقضيها لم يقتلوا ويتخير الامام فيهم تخير نظر ومصلحة.
وجاء فى شرائع الاسلام: (١)
الغنيمة ما تستفاد من دار الحرب وهى ثلاثة أقسام.
أحدها ما ينقل كالذهب والفضة والأمتعة.
وما لا ينقل كالأرض والعقار.
وما هو سبى كالنساء والأطفال.
والأول: ينقسم الى ما يصح تملكه للمسلم وذلك يدخل فى الغنيمة وهذا القسم يختص به الغانمون بعد الخمس والجعائل، ولا يجوز لهم التصرف فى شئ منه الا بعد القسمة والاختصاص.
وقيل يجوز لهم تناول ما لا بد منه كعلف الدابة وأكل الطعام، والى ما لا يصح تملكه كالخمر والخنزير، ولا يدخل فى الغنيمة، بل ينبغى اتلافه ان أمكن كالخنزير، ويجوز اتلافه وابقاؤه للتخليل كالخمر.
ثانيها: فى أحكام الأرضين كل أرض فتحت عنوة وكانت محياة فهى للمسلمين قاطبة والغانمون فى الجملة والنظر فيها الى الامام ولا يملكها للتصرف على الخصوص ولا يصح بيعها ولا هبتها ولا وقفها، ويصرف الامام حاصلها فى المصالح مثل سد الثغر ومعونة الغزاة وبناء القناطر.
وما كانت مواتا وقت الفتح فهو للامام خاصة ولا يجوز احياؤه الا باذنه ان كان موجودا ولو تصرف فيها من غير اذنه كان على المتصرف طسقها «أى خراجها» ويملكها المحيى عند عدمه من غير اذن وكل أرض فتحت صلحا فهى لأربابها وعليهم ما صالحهم الامام وهذه تملك على الخصوص ويصح بيعها والتصرف فيها بجميع أنواع التصرف.
ولو باعها المالك من مسلم صح وانتقل ما عليها الى ذمة البائع - هذا اذا صولحوا على أن الأرض لهم.
أما لو صولحوا على أن الأرض للمسلمين ولهم السكنى وعلى أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة عامرها للمسلمين ومواتها للامام.
ولو أسلم الذمى سقط ما ضرب على أرضه وملكها على الخصوص.
وكل أرض أسلم أهلها عليها فهى لهم على الخصوص وليس عليهم شئ فيها سوى الزكاة اذا حصلت شرائطها.
стр. 3099
ثالثها: فى قسمة الغنيمة يجب أن يبدأ بما شرطه الامام كالجعائل والسلب اذا شرط للقاتل ولو لم يشترط لم يختص به ثم ما يحتاج اليه من النفقة مدة بقائها حتى تقسم كأجرة الحافظ والراعى والناقل وبما يرضخه للنساء والعبيد والكفار ان قاتلوا باذن الامام فانه لا يسهم للثلاثة ثم يخرج الخمس.
وقيل: بل يخرج الخمس مقدما والأول أشبه ثم تقسم أربعة أخماس بين المقاتلة ومن حضر القتال ولو لم يقاتل حتى الطفل ولو ولد بعد الحيازة وقبل القسمة وكذا من اتصل بالمقاتلة من المدد ولو بعد الحيازة وقبل القسمة ويكره تأخير قسمة الغنيمة فى دار الحرب الا لعذر.
حكم مال الاسير
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع (١) الصنائع: اذا ظهر الامام على بلاد أهل الحرب فاستولى عليه لا يخلو من أحد أنواع ثلاثة المتاع والأراضى والرقاب.
أما المتاع فانه يخمس ويقسم الباقى بين الغانمين ولا خيار للامام فيه.
وأما الأراضى فللامام فيها خياران ان شاء خمسها ويقسم الباقى بين الغانمين، وان شاء تركها فى يد أهلها بالخراج وجعلهم ذمة ان كانوا بمحل الذمة ووضع الجزية على رءوسهم والخراج على أراضيهم.
وأما الرقاب فقد سبق بيان الحكم فى شأنهم.
وجاء فى البدائع (٢) أيضا: عصمة المال تثبت تابعة لعصمة النفس اذ النفس أصل فى التخلق والمال خلق بذله للنفس استبقاء لها فمتى ثبتت عصمة النفس ثبتت عصمة المال تبعا الا اذا وجد القاطع للتبعية.
وعلى هذا اذا أسلم أهل بلدة من أهل دار الحرب قبل أن يظهر عليهم المسلمون حرم قتلهم ولا سبيل لأحد على أموالهم.
وقد روى أن رسول الله ﷺ قال: من أسلم على مال فهو له.
واذا أسلم حربى فى دار الحرب ولم يهاجر الينا فقتله مسلم عمدا أو خطأ فلا شئ عليه الا الكفارة.
وعند أبى يوسف عليه الدية فى القتل الخطأ.
وعلى هذا اذا أسلم ولم يهاجر الينا حتى ظهر المسلمون على الدار فما كان
стр. 3100
فى يده من المنقول فهو له ولا يكون فيئا الا عبدا يقاتل فانه يكون فيئا، لأن نفسه استفادت العصمة بالاسلام وماله الذى فى يده تابع له من كل وجه فكان معصوما تبعا لعصمة النفس الا عبدا يقاتل، لأنه اذا قاتل فقد خرج من يد المولى فلم يبق تبعا له فانقطعت العصمة لانقطاع التبعية فيكون محلا للتملك بالاستيلاء وكذلك ما كان فى يد مسلم أو ذمى وديعة له فهو له ولا يكون فيئا لأن يد المودع يده (أى يد المالك) من وجه من حيث أنه يحفظ الوديعة له ويد نفسه من حيث الحقيقة وكل واحد منهما معصوم فكان ما فى يده معصوما فلا يكون محلا للتملك وأما ما كان فى يد حربى وديعة له فيكون فيئا عند أبى حنيفة.
وعندهما يكون له والصحيح قول أبى حنيفة وكذا عقاره يكون فيئا عند أبى حنيفة وأبى يوسف.
وعند محمد هو والمنقول سواء والصحيح قولهما هذا اذا أسلم ولم يهاجر الينا حتى ظهر المسلمون على الدار.
فلو أسلم وهاجر الينا ثم ظهر المسلمون على الدار فأمواله ما كان منها فى يد مسلم أو ذمى وديعة فهو له ولا يكون فيئا وما سوى ذلك فهو فئ.
وقيل ما كان فى يد حربى وديعة فهو على الخلاف ولو دخل الحربى دار الاسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع ماله فئ لأنه لما لم يسلم فى دار الحرب حتى خرج الينا لم تثبت المعصمة لماله لانعدام عصمة النفس فبعد ذلك وان صارت نفسه معصومة لكن بعد تباين الدارين.
وجاء فى البدائع (١): لو دخل الحربى الينا بأمان فدبر عبده فى دار الاسلام ثم رجع الى دار الحرب وخلف المدبر أو خلف أم ولده التى استولدها فى دار الإسلام أو فى دار الحرب ثم أسر يحكم بعتقهما لأنه اذا أسر فقد صار مملوكا فلم يبق مالكا ضرورة ولو كاتب عبدا فى دار الاسلام ثم لحق بدار الحرب وأسر فيعتق مكاتبه لأنه ملك بالأسر ويبطن ما كان له من الدين، لأنه بالأسر صار مملوكا فلم يبق مالكا فسقطت ديونه ضرورة ولا يصير مالكا لأنه أصبح أسيرا لأن الدين فى الذمة وما فى الذمة لا يعمل عليه الأسر وكذلك ما عليه من الديون يسقط أيضا لأنه لو بقى لتعلق برقبته فلا يخلص السبى للسابى وأما ودائعه فهى فى جماعة المسلمين.
وروى عن أبى يوسف ﵀ أنها تكون فيئا للمودع ووجهه أن يده عن يد الغانمين أسبق والمباح مباح لمن سبق على لسان رسول الله ﷺ .
стр. 3101
ووجه ظاهر الرواية أن يد المودع يده تقديرا فكان الاستيلاء عليه بالأسر استيلاء على ما فى يده تقديرا ولا يختص به الغانمون لأنه مال لم يؤخذ على سبيل القهر والغلبة حقيقة فكان فيئا حقيقة لا غنيمة فيوضع موضع الفئ.
وأما الرهن فعند أبى يوسف يكون للمرتهن بدينه والزيادة له.
وعند محمد ﵀ يباع فيستوفى قدر دينه والزيادة فى جماعة المسلمين.
وان رجع المستأمن (١) الى دار الحرب وله وديعة عند مسلم أو ذمى أو دين فان أسر أو ظهر عليهم سقط دينه وصارت وديعته فيئا وان قتل ولم يظهر أو مات فقرضه ووديعته لورثته لأنه اذا رجع الى دار الحرب فان أمانه بطل فى حق نفسه فقط وأما فى حق أمواله التى فى دارنا فباق ولهذا يرد عليه ماله وعلى ورثته من بعده.
وفى السراج: لو بعث من يأخذ الوديعة والقرض وجب التسليم اليه.
وحاصل المسألة خمسة أوجه ففى ثلاثة يسقط دينه وتصير وديعته غنيمة.
الأول أن يظهروا على الدار ويأخذوه.
والثانى أن يظهروا ويقتلوه.
الثالث أن يأخذوه مسبيا من غير ظهور.
وانما صارت وديعته غنيمة لأنها فى يده تقديرا لأن يد المودع كيده فيصير فيئا تبعا لنفسه، وانما سقط الدين لأن اثبات اليد عليه بواسطة المطالبة، وقد سقطت، ويد من عليه أسبق من يد العامة فتختص به فيسقط.
وينبغى أن تكون العين المغصوبة منه كدينه لعدم المطالبة وليست يد الغاصب كيده.
وقالوا: والرهن للمرتهن بدينه عند أبى يوسف.
وعند محمد يباع ويستوفى دينه والزيادة فئ للمسلمين وينبغى ترجيحه لأن ما زاد على قدر الدين فى حكم الوديعة وهى فئ.
أما الوجهان الآخران فيبقى ماله على حاله فيأخذه ان كان حيا أو ورثته ان مات.
فالأول من الوجهين: أن يظهروا على الدار فيهرب.
والثانى أن يقتلوه ولم يظهروا على الدار أو يموت لأن نفسه لم تصر مغنومة فكذلك ماله.
وماله وان كان غنيمة لا خمس فيه وانما يصرف كما يصرف الخراج والجزية، لأنه مأخوذ بقوة المسلمين من غير قتال، بخلاف الغنيمة.
стр. 3102
وفى التاتر خانية وديعته فئ لجماعة المسلمين عند أبى يوسف.
وقال محمد تكون فيئا للسرية التى أسرت الرجل.
وجاء فى الدر المختار (١): وشارحه:
حربى دخل دارنا بغير أمان فأخذه أحدنا فهو وما معه فئ لكل المسلمين سواء أخذ قبل الاسلام أو بعده.
قال ابن عابدين لعله لانعقاد سبب الملك فيه للمسلمين والاسلام لا يمنع الرق السابق عليه.
وقالا: لآخذه خاصة وفى الخمس روايتان.
ثم قال (٢): اذا سبى كافر كافرا آخر بدار الحرب وأخذ ماله ملكه لاستيلائه على مباح.
ولو سبى أهل الحرب أهل الذمة من دارنا لا يملكونهم لأنهم أحرار وملكنا ما نجده من ذلك السبى للكافر ان غلبنا عليهم اعتبارا لسائر أملاكهم، وان غلبوا على أموالنا وأحرزوها بدارهم ملكوها ويفترض علينا اتباعهم فان أسلموا تقرر ملكهم وان غلبنا عليهم بعد ما أحرزوه بدارهم فمن وجد ملكه قبل القسمة فهو له مجانا وان وجده بعدها فهو له بالقيمة.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والاكليل (٣): قال ابن بشير ان مات عندنا الحربى وكان قد استأمن على رجوعه بانقضاء أربه فماله لأهل الكفر وفى رده لوارثه أو لحكامهم قولان، ولعله خلاف فى حال ان انتقل لنا حقيقة توريثهم دفع لوارثهم، والا فلحاكمهم.
قال ابن عرفة رابع الأقوال ماله لوارثه وديته لحاكمهم.
ومن المدونة قال مالك وان مات عندنا حربى مستأمن وترك مالا فليرد ماله الى ورثته ببلده وكذلك ان قتل فتدفع ديته الى ورثته ويعتق قاتله رقبة.
وكذلك فى كتاب محمد قال ودية المستأمن خمسمائة دينار.
قال ابن يونس وانما يرد ماله لورثته اذا مات عندنا اذا استأمن على أن يرجع اذا كان شأنهم الرجوع، وأما لو استأمن على المقام أو كان ذلك شأنهم، فان ما ترك يكون للمسلمين.
وكذلك فى كتاب ابن سحنون وقال فيه وان كان شأنهم الرجوع فله الرجوع وميراثه ان مات يرد الى ورثته ببلده الا أن تطول اقامته عندنا فليس له أن يرجع ولا يرد ميراثه واذا لم يعرف حالهم ولا ذكروا رجوعا فميراثه للمسلمين.
стр. 3103
قال ابن المواز اذا أودع المستأمن عندنا مالا ثم رجع الى بلده فمات فليرد ماله الى ورثته، وكذلك لو قتل فى محاربته للمسلمين فانا نبعث بماله الذى له عندنا، واما لو أسر ثم قتل صار ماله فيئا لمن أسره وقتله، لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله وقاله ابن القاسم وأصبغ.
وكذلك قال ابن حبيب: ان قتل بعد أن اسر قال: وأما ان قتل فى المعركة فهو فئ لا خمس فيه لأنه لم يوجف عليه، وقاله ابن القاسم واصبغ.
قال ابن رشد قول ابن القاسم ان الأسير اذا بيع فى المغانم أو مات أو قتل بعد الأسر يكون المال الذى كان له فى بلد الاسلام مستودعا فيئا للمسلمين معناه يكون غنيمة للجيش فيخمس وتجرى فيه السهام فهو كما أصابوا معه من ماله، وان كان عليه دين فغرماؤه أحق به من الجيش، بخلاف ما غنم معه قاله ابن القاسم.
وأما اذا قتل فى المعركة ولم يؤسر فجعله ابن القاسم بمنزلة ما اذا مات بأرضه فيرد المال المستودع الى ورثته.
وقال ابن حبيب: انه يكون فيئا لجميع المسلمين، وعزاه لابن القاسم، ولا يخمس، ولكلا القولين وجه من النظر.
وجاء فى الدسوقى (١): ووديعة الحربى التى تركها عندنا وسافر الى بلده فترسل لوارثه، وهل مطلقا ان قتل فى معركة بينه وبين المسلمين من غير أسر أو هى فى هذه الحالة فئ لبيت المال لا ترسل؟ قولان، محلهما اذا دخل على التجهيز أو كانت العادة ذلك ولم تطل اقامته، فان طالت كان ماله ولو وديعة فيئا، فان أسر فى المعركة اختص به آسره ان لم يكن جيشا ولا مستندا له والا خمس.
قال الدسوقى: والقولان اللذان ذكرهما المصنف لا يختصان بالوديعة العرفية كما زعمه عبد الباقى، بل موضوعها المال المتروك عندنا مطلقا كما قال ابن عرفة.
ومن فرضهما فى الوديعة كما فى التوضيح وغيره فالظاهر أن مرادهم بالمال المستودع المتروك عند المسلمين كما يؤخذ من كلامهم، لا خصوص الوديعة العرفية.
قال: ولا ينتزع من الحربيين أحرار مسلمون أسروهم، ثم قدموا بهم بأمان عند ابن القاسم على أحد قوليه.
والقول الآخر أنهم ينتزعون منهم جبرا بالقيمة، وهو الذى عليه أصحاب مالك، وبه العمل.
وملك الحربى باسلامه جميع ما بيده مما غصبه أو سرقه أو نهبه غير الحر المسلم من رقيق ولو مسلما أو أم ولد أو معتقا لأجل وذمى وغيرهما، وأما الحر المسلم فلا يملكه ذكرا أو أنثى ولا حبسا محققا ولا ما سرقه زمن عهده ولا دينا فى ذمته ولا وديعة ولا ما استأجره منا حال كفره.
стр. 3104
وجاء فى التاج والاكليل (١): قال ابن حبيب: أما من أسلم من رقيق المستأمنين فيباع عليهم كما يفعل بالذمى، ثم لا يكون ذلك نقضا العهد، وأما ما بأيديهم من سبايا المسلمين فلتؤخذ منهم ويعطوا قيمتهم وان كرهوا، وأما ما بأيديهم من أموال المسلمين أو رقيق على غير الاسلام أو أحرار ذمتنا ممن أخذوه وأسروه فلا يتعرض لهم فى شئ من ذلك بثمن ولا بغير ثمن وقاله مطرف وابن الماجشون وابن نافع وغيرهم ورووه عن مالك.
وانفرد ابن القاسم وقال: لا يعرض لهم فيما أسلم من رقيقهم أو ما بأيديهم من سبايا المسلمين وأساراهم.
ومن المدونة قال مالك من أسلم على شئ فى يده من أموال المسلمين فهو له، قال ابن يونس لأن للكافر شبهة ملك على ما حازه اذ لا خلاف أن الكافر لو استهلك فى حال شركه ثم أسلم لم يضمنه ولو أتلفه مسلم على صاحبه لضمنه.
قال ابن عرفة ما أسلم عليه حربى ان كان متمولا فله اتفاقا، وان كان ذميا قال ابن القاسم هو كذلك، وان كان حرا مسلما فقال اللخمى: ينزع منه مجانا، قال ابن رشد اتفاقا، وقال ابن بشير هو على المشهور، قال ابن المواز، من أسلم على شئ فى يده فهو أحق به من أربابه ما لم يكن حرا أو أم ولد وترد أم الولد الى سيدها ويتبعه بقيمتها، وأما المكاتب فتكون له كتابته وان عجز بقى رقيقا لهذا الحربى وان أدى كان حرا وولاؤه لسيده الذى عقد كتابته والمدبر يستخدمه ويؤاجره ما دام سيده حيا فان مات وحمله ثلثه كان حرا، قال سحنون: ولا يتبع بشئ وان رق منه شئ كان مارق منه للحربى الذى أسلم عليه، والمعتوق لأجل اذا سبى ثم أسلم عليه حربى كان له خدمته الى الأجل دون سيده فان عتق بتمام الأجل لم يتبع بشئ.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٢): اذا دخل الحربى دار الاسلام بأمان فى تجارة أو رسالة ثبت له الأمان فى نفسه وماله ويكون حكمه فى ضمان النفس والمال وما يجب عليه من الضمان والحدود حكم المهادن، لأنه مثله فى الامان فكان مثله فيما ذكرناه.
وان عقد الامان ثم عاد الى دار الحرب فى تجارة أو رسالة فهو على الامان فى النفس والمال كالذمى اذا خرج الى دار الحرب فى تجارة أو رسالة، وان رجع الى دار الحرب بنية المقام وترك ماله فى دار الاسلام انتقض الأمان فى نفسه ولم ينتقض فى ماله، فان قتل أو
стр. 3105
مات انتقل المال الى وارثه، وهل يغنم أم لا؟ فيه قولان.
قال فى سير الواقدى ونقله المزنى أنه يغنم ماله وينتقل الى بيت المال فيئا وقال فى الكاتب يرد الى ورثته، فذهب أكثر أصحابنا الى أنها على قولين: أحدهما أنه يرد الى ورثته وهو اختيار المزنى، والدليل عليه ان المال لوارثه ومن ورث مالا ورثه بحقوقه، وهذا الامان من حقوق المال فوجب أن يورث.
والقول الثانى أنه يغنم وينتقل الى بيت المال فيئا، ووجهه أنه لما مات انتقل ماله الى وارثه وهو كافر لا أمان له فى نفسه ولا فى ماله فكان غنيمة.
وقال أبو على بن خيران: المسألة على اختلاف حالين فالذى قال يغنم اذا عقد الأمان مطلقا ولم يشرط لوارثه والذى قال لا يغنم اذا عقد الأمان لنفسه ولوارثه، وليس للشافعى ﵀ ما يدل على هذه الطريقة.
واذا مات فى دار السلام فقد قال فى سير الواقدى أنه يرد الى ورثته، واختلف أصحابنا فيه.
فمنهم من قال هو أيضا على قولين كالتى قبلها، والشافعى نص على أحد القولين.
ومنهم من قال يرد الى وارثه قولا واحدا.
والفرق بين المسألتين أنه اذا مات فى دار الاسلام مات على أمانه فكان ماله على الأمان.
واذا مات فى دار الحرب فقد مات بعد زوال أمانه فبطل فى أحد القولين أمان ماله، فان استرق زال ملكه عن المال بالاسترقاق، وهل يغنم؟ فيه قولان.
أحدهما: يغنم فيئا لبيت المال.
والقول الثانى: أنه موقوف لأنه لا يمكن نقله الى الوارث لأنه حى، ولا الى مسترقه، لأنه مال له أمان، فان عتق دفع المال اليه بملكه القديم، وان مات عبدا ففى ماله قولان حكاهما أبو على بن أبى هريرة.
أحدهما: أنه يغيم فيئا ولا يكون موروثا، لأن العبد لا يورث.
والثانى: أنه لوارثه لأنه ملكه فى حريته، فان اقترض حربى من حربى مالا، ثم دخل الينا بأمان أو أسلم، فقد قال أبو العباس عليه رد البدل على المقرض، لأنه أخذه على سبيل المعاوضة فلزمه البدل، كما لو تزوج حربية ثم أسلم، ويحتمل أنه لا يلزمه البدل، فان الشافعى ﵀ قال فى النكاح: اذا تزوج حربى حربية ودخل بها وماتت، ثم أسلم الزوج أو دخل الينا بأمان فجاء وارثها يطلب ميراثه من صداقها أنه لا شئ له، لأنه مال فائت فى حال الكفر، قال: والأول أصح، ويكون تأويل
стр. 3106
المسألة أن الحربى تزوجها على غير مهر، فان دخل مسلم دار الحرب بأمان فسرق منهم مالا أو اقترض منهم مالا وعاد الى دار الاسلام، ثم جاء صاحب المال الى دار الاسلام بأمان وجب على المسلم رد ما سرق أو اقترض لأن الامان يوجب ضمان المال فى الجانبين فوجب رده.
وجاء فى موضع آخر (١): ان غرر بنفسه من له سهم فى قتل كافر مقبل على الحرب فقتله استحق سلبه، لما روى أبو قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه، فأقبل على، فضمنى ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فقال رسول الله ﷺ «من قتل قتيلا نه عليه بينة فله سلبه فقصصت عليه، فقال رجل: صدق يا رسول الله وسلب ذلك الرجل عندى، فأرضه، فقال أبو بكر رضى الله عنه: لا ها الله، اذا لا يعمد الى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن دين الله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : صدق فأعطه اياه، فأعطانى اياه، فبعث الدرع فابتعت به مخرفا فى بنى سلمة، وأنه لأول مال تأثلته فى الاسلام، فان كان ممن لا حق له فى الغنيمة كالمخذل والكافر اذا حضر من غير اذن لم يستحق لأنه لا حق له فى السهم الراتب فلأن لا يستحق السلب وهو غير راتب أولى، فان كان ممن يرضخ له كالصبى والمرأة والكافر اذا حضر بالاذن ففيه وجهان.
أحدهما: أنه لا يستحق لما ذكرناه.
والثانى أنه يستحق لأن له حقا فى الغنيمة فأشبه من له سهم، وان لم يغرر بنفسه فى قتله بأن رماه من وراء الصف فقتله لم يستحق سلبه، وان قتله وهو غير مقبل على الحرب كالأسير والمثخن والمنهزم لم يستحق سلبه.
وقال أبو ثور: كل مسلم قتل مشركا استحق سلبه، لما روى أنس رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال من قتل كافرا فله سلبه ولم يفصل وهذا لا يصح، لأن ابن مسعود رضى الله عنه قتل أبا جهل، وكان قد أثخنه غلامان من الأنصار فلم يدفع النبى ﷺ سلبه الى ابن مسعود، وان قتله وهو مول ليكر استحق السلب، لأن الحرب كر وفر، وان اشترك اثنان فى القتل اشتركا فى السلب لاشتراكهما فى القتل، وان قطع أحدهما يديه أو رجليه وقتله الآخر ففيه قولان.
أحدهما: أن السلب للأول لأنه عطله.
стр. 3107
والثانى: أن السلب للثانى، لأنه هو الذى كف شره دون الأول، لأن بعد قطع اليدين يمكنه أن يعدو، أو يجلب وبعد قطع الرجلين يمكنه أن يقاتل اذا ركب.
وان غرر ممن له سهم فأسر رجلا مقبلا على الحرب، وسلمه الى الامام حيا ففيه قولان.
أحدهما: لا يستحق سلبه لأنه لم يكف شره بالقتل.
والثانى: أنه يستحق: لأن تغريره بنفسه فى أسره، ومنعه من القتال أبلغ من القتل، وان من عليه الامام أو قتله استحق الذى أسره سلبه، وان استرقه أو فاداه بمال ففى رقبته وفى المال المفادى به قولان.
أحدهما: أنه للذى أسره.
والثانى: أنه لا يكون له، لأنه مال حصل بسبب تغريره فكان فيه قولان كالسلب.
ثم قال (١): وما أصاب المسلمون من مال الكفار وخيف أن يرجع اليهم ينظر فيه فان كان غير الحيوان أتلف حتى لا ينتفعوا به ويتقووا به على المسلمين، وان كان حيوانا لم يجز اتلافه من غير ضرورة، لما روى عبد الله بن عمرو ابن العاص رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله الله تعالى عن قتلها، قيل:
يا رسول الله وما حقها؟ قال: أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمى بها، وأن دعت الى قتله ضرورة بأن كان الكفار لا خيل لهم، وما أصابه المسلمون خيل وخيف أن يأخذوه ويقاتلونا عليه جاز قتله، لأنه اذا لم يقتل أخذه الكفار وقاتلوا به المسلمين.
واذا أخذ المشركون مال المسلمين بالقهر لم يملكوه، واذا استرجع منهم وجب رده الى صاحبه، لقوله ﷺ لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه، وروى عمران بن الحصين رضى الله عنه قال: أغار المشركون على سرح رسول الله ﷺ فذهبوا به وذهبوا بالعضباء وأسروا امرأة من المسلمين فركبتها وجعلت لله عليها أن نجاها الله لتنحرنها فقدمت المدينة وأخبرت بذلك رسول الله ﷺ فقال:
بئس ما جزيتها لا وفاء لنذر فى معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم فان لم يعلم به حتى قسم دفع الى من وقع فى سهمه العوض من خمس الخمس ورد المال الى صاحبه لأنه يشق نقض القسمة.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (٢): اذا دخل حربى دار الاسلام بأمان فأودع ماله مسلما أو ذميا
стр. 3108
أو أقرضهما اياه ثم عاد الى دار الحرب نظرنا، فان دخل دار الحرب تاجرا أو رسولا أو متنزها أو لحاجة يقضيها ثم يعود الى دار الاسلام فهو على أمانه فى نفسه وماله، لأنه لم يخرج بذلك عن نية الاقامة بدار الاسلام فأشبه الذمى اذا دخل لذلك.
وان دخل مستوطنا بطل الامان فى نفسه وبقى فى ماله، لأنه بدخوله دار الاسلام بأمان ثبت الامان لماله الذى معه فاذا بطل فى نفسه بدخوله دار الحرب بقى فى ماله لاختصاص المبطل بنفسه فيختص البطلان به.
فان قيل: فانما يثبت الأمان لماله تبعا، فاذا بطل فى المتبوع بطل فى التبع، قلنا: بل يثبت له الأمان لمعنى وجد فيه، وهو ادخاله معه، وهذا يقتضى ثبوت الأمان له وان لم يثبت فى نفسه، بدليل ما لو بعثه مضارب له أو وكيل فانه يثبت الأمان ولم يثبت الأمان فى نفسه ولم يوجد فيه هاهنا ما يقتضى الأمان فيه فبقى على ما كان عليه، ولو أخذه معه الى دار الحرب لنقض الأمان فيه كما ينتقض فى نفسه، لوجود المبطل فيهما.
فاذا ثبت هذا فان صاحبه أن طلبه بعث اليه، وان تصرف فيه ببيع أو هبة أو غيرهما صح تصرفه، وان مات فى دار الحرب انتقل الى وارثه ولم يبطل الأمان فيه، لأن الامان حق له لازم متعلق بالمال، فاذا انتقل الى الوارث انتقل لحقه كسائر الحقوق من الرهن والضمين والشفعة، وهذا اختيار المزنى، ولأنه مال له أمان فينتقل الى وارثه مع بقاء الأمان فيه كالمال الذى مع مضاربه، وان لم يكن له وارث صار فيئا لبيت المال، فان كان له وارث فى دار الاسلام، فقال القاضى: لا يرثه، لاختلاف الدارين.
والأولى أنه يرثه، لأن ملتهما واحدة فيرثه كالمسلمين.
وان مات المستأمن فى دار الاسلام فهو كما لو مات فى دار الحرب سواء، لأن المستأمن حربى يجرى عليه أحكامهم.
وان رجع المستأمن الى دار الحرب فسبى واسترق فقال القاضى: يكون ماله موقوفا حتى يعلم آخر أمره بموت أو غيره، فان مات كان فيئا، لأن الرقيق لا يورث، وان عتق كان له، وان لم يسترق ولكن من عليه الامام، أو فاداه فماله له، وان قتله فماله لورثته، وان لم يسب ولكن دخل دار الاسلام بغير أمان، ليأخذ ماله، جاز قتله وسبيه، لأن ثبوت الأمان لماله لا يثبت الامان له، كما لو كان ماله وديعة بدار الاسلام وهو مقيم بدار الحرب.
واذا سرق المستأمن فى دار الاسلام أو قتل أو غصب ثم عاد الى وطنه فى دار الحرب ثم خرج مستأمنا مرة ثانية
стр. 3109
استوفى منه ما لزمه فى أمانه الأول وان اشترى عبدا مسلما فخرج به الى دار الحرب ثم قدر عليه لم يغنم، لأنه لم يثبت ملكه عليه، لكون الشراء باطلا ويرد بائعه الثمن الى الحربى، لأنه حصل فى أمان، فان كان العبد تالفا فعلى الحربى قيمته ويترادان الفضل.
ثم قال (١). اذا أسلم الحربى فى دار الحرب حقن ماله ودمه وأولاده الصغار من السبى وان دخل دار الإسلام فأسلم وله أولاد صغار فى دار الحرب صاروا مسلمين ولم يجز سبيهم، لأن أولاده أولاد مسلم فوجب أن يتبعوه فى دار الاسلام كما لو كانوا معه فى الدار، ولأن ماله مال مسلم فلا يجوز اغتنامه كما لو كان فى دار الاسلام، واذا أسلم الحربى فى دار الحرب وله مال وعقار أو دخل اليها مسلم فابتاع عقارا أو مالا فظهر المسلمون على ماله وعقاره لم يملكوه وكان له.
ثم قال: اذا استأجر المسلم أرضا من حربى ثم استولى عليها المسلمون فهى غنيمة ومنافعها للمستأجر، لأن المنافع ملك المسلم.
ثم قال: اذا أسلم عبد الحربى أو أمته وخرج الينا فهو حر اوان أسر سيده وأولاده وأخذ ماله وخرج الينا فهو حر والمال له والسبى رقيقه وان أسلم وأقام بدار الحرب فهو على رقه.
وجاء فى المغنى (٢) ما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين وعبيدهم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به فان أدركه مقسوما فهو أحق به بالثمن الذى ابتاعه من المغنم فى احدى الروايتين والرواية الأخرى اذا قسم فلا حق له فيه بحال يعنى اذا أخذ الكفار أموال المسلمين ثم قهرهم المسلمون فأخذوها منهم، فان علم صاحبها قبل قسمها ردت اليه بغير شئ فى قول عامة أهل العلم منهم عمر رضى الله عنه، ولما روى ابن عمر أن غلاما له أبق الى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله ﷺ الى ابن عمر ولم يقسم.
وعنه قال: ذهب فرس له فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون فرد عليه فى زمن النبى ﷺ رواهما أبو داود.
وعن جابر بن حيوة أن أبا عبيدة كتب الى عمر بن الخطاب فيما أحرز المشركون من المسلمين، ثم ظهر المسلمون عليهم بعد، قال: من وجد ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم رواه سعيد
стр. 3110
والأثرم، فأما ما أدركه بعد أن قسم ففيه روايتان.
احداهما: أن صاحبه أحق به بالثمن الذى حسب به على من أخذه وكذلك أن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن.
والثانية: عن أحمد أنه اذا قسم فلا حق له فيه بحال نص عليه فى رواية أبى داود وغيره، لما روى أن عمر رضى الله عنه كتب الى السائب أيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وان أصابه فى أيدى التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل له اليه.
ثم قال وان أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شئ فصاحبه أحق به بغير شئ، لما روى أن قوما أغاروا على سرح النبى ﷺ فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياما ثم خرجت فى بعض الليل قالت فما وضعت يدى على ناقة الا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها، ثم توجهت الى المدينة ونذرت أن نجانى الله عليها أن أنحرها فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة فاذا هى ناقة رسول الله ﷺ فأخذها فقلت يا رسول الله انى نذرت أن أنحرها فقال «بئس ما جازيتها لا نذر فى معصية».
فأما ان اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه الا بثمنه.
لما روى سعيد عن الشعبى قال أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا من سبايا العرب ورقيقا ومتاعا.
ثم ان السائب بن الأقرع عامل عمر غزاهم ففتح ماه فكتب الى عمر فى سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب اليه عمر أن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله فأيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به، وان أصابه فى أيدى التجار بعد ما انقسم فلا سبيل اليه.
وجاء فى موضع آخر (١): اذا سبى المشركون من يؤدى الينا الجزية ثم قدر عليهم ردوا الى ما كانوا عليه ولم يسترقوا وما أخذه العدو منهم من مال أو رقيق رد اليهم اذا علم به قبل أن يقسم ويفادى بهم بعد أن يفادى بالمسلمين.
وجملة ذلك أن أهل الحرب اذا استولوا على أهل ذمتنا فسبوهم وأخذوا أموالهم ثم قدر عليهم وجب ردهم الى ذمتهم ولم يجز استرقاقهم فى قول عامة أهل العلم، لأن ذمتهم باقية ولم يوجد منهم ما يوجب نقضها، وحكم أموالهم
стр. 3111
حكم أموال المسلمين فى حرمتها، قال على رضى الله عنه: انما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا، فمتى علم صاحبها قبل قسمها وجب ردها اليه، وان علم بعد القسمة فعلى الروايتين.
احداهما: لا حق له فيه.
والثانية: هو له بثمنه، لأن أموالهم معصومة كأموال المسلمين، وأما فداؤهم فظاهر كلام الخرقى أنه يجب فداؤهم سواء كانوا فى معونتنا أو لم يكونوا.
ثم قال ويجب فداء أسرى المسلمين اذا أمكن، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز.
وفى المغنى (١) قال: وسبيل من استرق من أهل الحرب وما أخذ منهم على اطلاقهم سبيل تلك الغنيمة يعنى من صار منهم رقيقا بضرب الرق عليه أو فودى بمال فهو كسائر الغنيمة يخمس ثم يقسم أربعة أخماسه بين الغانمين لا نعلم فى هذا خلافا فان النبى ﷺ قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين ولأنه مال غنمه المسلمون فأشبه الخيل والسلاح فان قيل فالأسر لم يكن للغانمين فيه حق فكيف تعلق حقهم ببدله قلنا انما يفعل الامام فى الاسترقاق ما يرى فيه المصلحة، لأنه لم يصر مالا فاذا صار مالا تعلق حق الغانمين به، لأنهم أسروه وقهروه، وهذا لا يمنع، ألا ترى أن من عليه الدين اذا قتل قتلا يوجب القصاص كان لورثته الخيار فاذا اختاروا الدية تعلق حق الغرماء بها.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم (٢) تقسم الغنائم كما هى بالقيمة ولا تباع، لأنه لم يأت نص ببيعها، وتقسم الأرض وتخمس كسائر الغنائم ولا فرق.
ثم قال (٣) أموال الكفار مغنومة ولا يعصمها الا الاسلام أو الجزية ان كانوا من أهل الكتاب والاسلام أو السيف ان كانوا من غير أهل الكتاب.
ثم قال (٤): واذا أسلم الكافر الحربى فسواء أسلم فى دار الحرب ثم خرج إلى دار الاسلام أو لم يخرج أو خرج الى دار الاسلام ثم أسلم كل ذلك سواء وجميع ماله الذى معه فى أرض الاسلام أو فى دار الحرب أو الذى ترك وراءه فى دار الحرب من عقار أو دار أو أرض أو حيوان أو ناض أو متاع فى منزله أو مودعا أو كان دينا هو كله له لا حق فيه ولا يملكه المسلمون ان غنموه أو افتتحوا تلك الأرض ومن غصبه منها شيئا من حربى أو مسلم أو ذمى رد الى صاحبه ويرثه ورثته ان مات.
стр. 3112
ثم قال (١): لو نزل أهل الحرب عندنا تجارا بأمان أو رسلا أو مستأمنين مستجيرين أو ملتزمين لأن يكونوا أهل ذمة لنا فوجدنا بأيديهم مالا سلم أو لذمى فانه ينتزع كل ذلك منهم بلا عوض أحبوا أم كرهوا ويرد المال الى أصحابه ولا يحل لنا الوفاء بكل عهد أعطوه على خلاف هذا لقول النبى ﷺ كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل.
ثم قال (٢): لا يملك أهل الكفر الحربيون مال مسلم ولا مال ذمى أبدا الا بالابتياع الصحيح أو الهبة الصحيحة أو بميراث من ذمى كافر أو بمعاملة صحيحة فى دين الاسلام فكل ما غنموه من مال ذمى أو مسلم أو آبق اليهم فهو باق على ملك صاحبه فمتى قدر عليه رد على صاحبه قبل القسمة وبعدها دخلوا به أرض الحرب أو لم يدخلوا ولا يكلف مالكه عوضا ولا ثمنا لكن يعوض الأمير من كان صار فى سهمه من كل مال لجماعة المسلمين ولا ينفذ فيه عتق من وقع فى سهمه ولا صدقته ولا هبته ولا بيعه ولا تكون له الأمة أم ولد وحكمه حكم الشئ الذى يغصبه المسلم من المسلم ولا فرق.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وهامشه (٣): كما يجوز أن تغنم نفوس الكفار تغنم أموالهم كلها المنقول وغيره الحيوان والجماد وهذا مما لا خلاف فيه.
ولا يجوز أن يستبد غانم بما غنم دون سائر العسكر الذين لم يحضروا اغتنامه ولا أعانوه على الاغتنام اعانة مباشرة ولو كان ذلك الغانم طليعة من طلائع العسكر والطليعة هى التى تقدم على الجمع لتنظر من قدامهم من الخصوم أو لتخبرهم وتدرى بحالهم فى القلة والكثرة والنجدة، فان الطليعة اذا ظفرت بشئ من مال أهل الحرب فاستولت عليه لم يجز لها أن تستبد به دون الجمع المتأخر، أو كان ذلك الغانم سرية أرسلها الامام فى طلب العدو والامام وجنوده باقون لم ينصرفوا مع تلك السرية، فانها اذا أصابت شيئا من المغنم لم يجز لها أن تستبد به دون الامام وجنوده الذين بقوا معه، هذا اذا كان اقتدارهم على تلك الغنيمة انما حصل بقوة ردئهم وهيبته، والردء هو الملجأ الذى يرجع اليه المنهزم من الجند، فاذا كانت الطليعة والسرية لا يمكن من ذلك المغنم الا بهيبة ردئهما وجب عليهما تشريك الردء فيما أصاباه من المغنم ولا يستبدان به، الا أن يكون استبدادهم به واقعا بشرط الامام نحو
стр. 3113
أن يقول: من قتل قتيلا فله سلبه، أو من أصاب شيئا من المغنم فهو له، فان ذلك يوجب استبداد كل غانم بما غنم على هذا الوجه، ولا حق لغيره فيه ولو لم يتمكن الغانم من الغنيمة بقوته أو تنفيله أى ايثاره بعض المجاهدين بأن يخصه باعطائه ما غنم وحده، لأن للأمام أن ينفل من شاء ولو بعد احراز الغنيمة وحوزها الى دارنا وهو غير مقدر.
واذا ثبت أن الغانم لا يملك ما غنم قبل القسمة لزم من ذلك أن من وطئ سبية قبل القسمة لزمه ردها فى جملة الغنيمة ورد عقرها ورد ولدها منه فى جملة الغنائم لأنه وطئ ما لا يملك ولكن لا حد عليه لأجل الشبهة، وهو كونه له نصيب فى جملة المغنم وهى من جملته فلا يحد ولو علم التحريم كأحد الشريكين ولا نسب لذلك الولد من الواطئ.
واعلم أن للامام من الغنائم التى يغنمها المجاهدون ولو كان عند جهادهم غائبا عنهم ولو فى بيته الصفى وهو شئ واحد يختاره الامام كسيف أو فرس أو سبية أو نحو ذلك قال البعض وانما يستحقه بشرط أن تبلغ الغنيمة مائتى درهم فما فوق قال البعض ولم يقدر أهل المذهب شيئا وانما يكون الصفى اذا كان المغنوم شيئين فأكثر لا اذا كان شيئا واحدا.
قال أبو طالب ولا يمنع أن يكون لأمير الجيش الذى ينصبه الامام أن يصطفى لنفسه.
قال أبو طالب والامام يحيى ولا يستحق الامام سوى الصفى ونصيبه من الخمس.
قال البعض وما ادعاه البعض من اجماع أهل البيت ﵈ على أن للامام أن يأخذ سهما كأحد العسكر فضعيف.
وقال أكثر الفقهاء أنه لا صفى بعد رسول الله ﵌ انما كان خاصا له ثم اذا أخذ الامام الصفى فانه يقسم الباقى من الغنائم بين المجاهدين ولا يقسمه الا بعد التخميس وهو اخراج الخمس منها والتنفيل لمن يريد تنفيله.
واذا غنم المسلمون (١) ما يتملكونه وهو نجس فى حكم الاسلام فانه لا يطهر بالاستيلاء أى باستيلاء المسلمين عليه.
ومن وجد فى الغنيمة ما كان له مما سلبه الكفار على المسلمين فهو أولى به بلا شئ أى بلا عوض يرد فى الغنيمة اذا وجده قبل القسمة للغنيمة، وأما اذا وجده بعد القسمة فانه لا يكون أولى به الا بالقيمة أى يدفع القيمة الى من وجده فى سهمه الا العبد الآبق
стр. 3114
فانه اذا وجده فانه يأخذه بلا شئ قبل القسمة وبعدها.
وقال البعض بل العبد كغيره فى أنه يأخذه بعد القسمة بالقيمة.
ثم قال (١): فى حكم ما تعذر حمله من الغنائم وبيان ما يملكه الكفار علينا وما تعذر حمله من الغنائم أحرق لئلا ينتفعوا به وذلك حيث يكون جمادا كالثياب والطعام ونحوها وأما الحيوان فلا يحرق الا بعد الذبح وان كان مما لا يؤكل، وانما جاز ذبحه لئلا ينتفع به الكفار.
قال البعض وانما يحرق بعد الذبح ما يستبيحون أكله، فأما ما لا يأكلونه ولا ينتفعون بشئ من ميتته فلا وجه لاحراقه.
واذا كان فى الغنائم بعض المشركين وتعذر على الغانمين الخروج بهم الى دار الاسلام أو الى حيث يحرزونهم جاز أن يقتل منهم من كان يجوز قتله، وأما السلاح فانه يدفن أو يكسر اذا تعذر حمله.
وأما بيان ما يملكه الكفار علينا فأعلم أنهم لا يملكون علينا ما لم يدخل دارهم قهرا أى ما لم يأخذوه علينا بالقهر والغلبة كالعبد الآبق والفرس النافر اليهم ونحو ذلك.
وقال البعض أنهم لا يملكون علينا شيئا، وهو أحد قولى المؤيد بالله مطلقا، أى سواء أخذوه قهرا أم لا ولو أدخلوه دارهم.
وفى الهامش: اذا دخل مسلم دار الحرب فاشترى فيها أرضا أو دارا ثم ظهرنا على بلادهم فهى فئ للمسلمين لأنها من جملة دارهم.
ثم قال (٢): والمستأمن من المسلمين اذا دخل دار الحرب جاز له استرجاع العبد الآبق على المسلمين الى دار الحرب، لأنهم لا يملكون علينا ما لم تدخل دارهم قهرا.
ويجوز لغير المستأمن من المسلمين اذا دخل دار الحرب أخذ ما ظفر به من أموالهم سواء أخذه قهرا أو بالتلصص أو بالسرقة أو بأى وجه أمكنه التوصل الى أخذه ولا خمس عليه فيما غنمه منهم بأى هذه الوجوه.
ثم قال (٣): من أسلم من الحربيين وهو عند إسلامه فى دارنا لم يحصن فى دارهم الا طفله الموجود حال الاسلام، فاذا كان له أطفال فى دار الحرب لم يجز للمسلمين سبيهم، لأنهم قد صاروا مسلمين باسلامه، وأما أمواله التى فى دار الحرب من منقول أو غيره فانها لا تحصن باسلامه فى دار الاسلام بل للمسلمين اغتنامها اذا ظفروا بتلك الدار ولو كانت وديعة عند مسلم.
وقال البعض بل يكون طفله فيئا كما له اذا أسلم فى دار الاسلام الا
стр. 3115
اذا أسلم فى دارهم فطفله وماله المنقول محصنان محترمان سواء كان فى يده أو فى يد ذمى فأما غير المنقول فلا يتحصن باسلامه الا ثلاثة أشياء من المنقول.
أحدها: ما استودعه عند حربى غيره فانه لا يتحصن بل يجوز للمسلمين اغتنامه اذا ظفروا بتلك الدار.
الثانى: أم ولد المسلم اذا كانت قد استولى عليها المشركون ثم أسلم من هى فى يده فى دار الحرب فانه لا يستقر ملكه عليها باسلامه فيردها، لكن لا يجب عليه ردها بلا عوض بل بالفداء فان لم يكن مع مستولدها شئ عين من بيت المال، فان لم يكن فى بيت المال شئ بقيت فى ذمته قيمتها.
قال البعض ومن ثم قلنا ولو بقى عوضها دينا فى ذمة مستولدها.
الثالث: المدبر الذى دبره المسلم ثم استولى عليه كافر فى دار الحرب ثم أسلم ذلك الكافر فانه لا يحصن المدبر باسلامه من أن يرده بل يجب رده لمدبره من المسلمين، لكن انما يرده بالفداء كأم الولد سواء بسواء وهما يعتقان فى يد المشرك بموت السيد الاول الذى استولد ودبر.
قال البعض ولا يلزمه فداؤهما لو مات قبل اسلام الحربى الذى صارا فى يده لأنه لم يكن قد لزمه الفداء له.
وأما المكاتب الذى كاتبه مسلم ثم استولى عليه كافر فان الكافر اذا أسلم لم يلزمه رده لمكاتبه المسلم بفداء ولا غيره ولا ينقض عقدا لمكاتبه لكنه يعتق بالوفاء بمال الكتابة يدفعه للآخر أى لسيده الكافر لأنه قد ملكه فان عجز نفسه ملكه الكافر واذا أعتقت أم الولد أو المدبر أو المكاتب الذى استولى عليهم الكافر وجب أن يكون ولاؤهم للأول وهو المسلم الذى استولد أو دبر أو كاتب لأن حريتهم وقعت من جهته.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (١): اذا أسلم الحربى فى دار الحرب حقن دمه وعصم ماله مما ينقل كالذهب والفضة والامتعة دون ما لا ينقل كالأرضين والعقار فانها للمسلمين ولحق به ولده الأصاغر ولو كان فيهم حمل ولو سبيت أم الحمل كانت رقا دون ولدها منه، وكذا لو كانت الحربية حاملا من مسلم بوط ء مباح.
ولو أعتق مسلم عبدا ذميا بالنذر فلحق بدار الحرب فأسره المسلمون جاز استرقاقه.
وقيل: لا لتعلق ولاء المسلم به ولو كان المعتق ذميا استرق اجماعا.
стр. 3116
وجاء فى موضع آخر (١): الحربى لا يملك مال المسلم بالاستغنام ولو غنم المشركون أموال المسلمين وذراريهم ثم ارتجعوها فالأحرار لا سبيل عليهم أما الأموال والعبيد فلأربابها قبل القسمة ولو عرفت بعد القسمة فلأربابها القيمة من بيت المال.
وفى رواية تعاد على أربابها بالقيمة والوجه اعادتها على المالك ويرجع الغانم بقيمتها على الامام مع تفرق الغانمين.
وجاء فى شرائع (٢) الاسلام: الذمى اذا نقض العهد ولحق بدار الحرب فأمان أمواله باق فان مات ورثه وارثه الذمى والحربى واذا انتقل الميراث الى الحربى زال الأمان عنه وأما الأولاد الأصاغر فهم باقون على الذمة ومع بلوغهم يخيرون بين عقد الذمة لهم بأداء الجزية وبين الانصراف الى مأمنهم.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٣): ان أتلف الامام مال المحاربين كشجر ودواب فلا ضمان عليه ثم قال (٤): ولا حق للمشركين وكذا غيرهم فيما أخذوا بديانة من أموال الموحدين وكذا غير الموحدين ممن لم يحل ماله ولا يصح لهم فيه عطاء ولا بيع ولا هبة ولا غير ذلك فان غنم الموحدون منهم تلك الأموال لم تحل لهم بل يحرزونها لاربابها، وان قسموها وجاء أربابها أخذوها لحديث لا حق لعرق ظالم ولا ثواب على مال امرئ مسلم ولحديث ان المشركين أغاروا على سرح المدينة وفيه العضباء ناقة لرسول الله ﷺ فركبتها امرأة ليلا ونذرت لئن سلمت الى المدينة لتنحرنها فأخذها ﷺ وقال: لا نذر فيما لا يملك ابن آدم فلم تملكها المرأة بأخذها من الحربيين.
وكل ما أفسده المرتد فى حال ارتداده من أموال الناس فقد ضمنه وحكى الشيخ عن أبى مجبر اذا وحد وتاب فليس عليه شئ.
ثم قال: وان دخل المشرك التاجر أرض الاسلام بلا أمن فعل معه الامام ما بان له من سبى وغنم (٥).
حكم نكاح الأسير وولده
مذهب الحنفية:
لا يكون السبى سببا فى الفرقة بين الزوجين عند الحنفية وانما تكون الفرقة لاختلاف الدار فقد جاء فى الفتاوى الهندية (٦): خرج الينا بأمان ثم قبل الذمة بانت أمراته فان سبى أحدهما وقعت البينونة بينهما لتباين
стр. 3117
الدارين وان سبيا معا لم تقع البينونة كذا فى السراج الوهاج.
ولو سبى وتحته أختان أو أربع أو خمس فسبين معه بطل نكاح الكل عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله سواء كان بعقود أو بعقدة، وان سبيت معه ثنتان لم يفسد نكاحهما وفسد نكاح اللتين بقيتا فى دار الحرب كذا فى السراجية.
وجاء فى المبسوط (١): اذا تزوج الحر الحربى أربع نسوة ثم سبى وسبين معه فلا نكاح بينه وبينهن سواء تزوجهن فى عقدة واحدة أو فى عقد، لأن الرق المعترض فى الزوج ينافى نكاح الأربع بقاء وابتداء، وليس بعضهن بأولى من البعض فى التفريق بينه وبينهن فتقع الفرقة بينه وبينهن، فان كانت قد ماتت امرأتان منهن فنكاح الباقيتين جائز لأنه حين استرق فليس فى نكاحه الا اثنتان ورقه لا ينافى نكاح اثنين ابتداء ولا بقاء.
وأما بالنسبة للولد فقد جاء فى بدائع الصنائع (٢) يحكم باسلام الصبى تبعا لأبويه عقل أو لم يعقل ما لم يسلم بنفسه اذا عقل ويحكم باسلامه تبعا للدار أيضا.
والجملة فى ذلك أن الصبى يتبع أبويه فى الاسلام والكفر ولا عبرة بالدار مع وجود الأبوين أو أحدهما لأنه لا بد من دين تجرى عليه أحكامه، والصبى لا يهتم لذلك أما لعدم عقله وأما لقصوره فلا بد وأن يجعل تبعا لغيره وجعله تبعا للأبوين أولى، لأنه تولد منهما، وانما الدار منشأ وعند انعدامهما فى الدار التى فيها الصبى تنتقل التبعية الى الدار، لأن الدار تستتبع الصبى فى الاسلام فى الجملة فاذا أسلم أحد الأبوين فالولد يتبع المسلم، لأنهما استويا فى جهة التبعية وهى التولد والتفرع فيرجح المسلم بالاسلام ولو كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا فالولد كتابى لأن الكتابى الى أحكام الاسلام أقرب فكان الاسلام منه أرجى.
وبيان ذلك أن الصبى اذا سبى وأخرج الى دار الاسلام فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: أما أن يسبى مع أبويه، وأما أن يسبى مع أحدهما وأما أن يسبى وحده، فان سبى مع أبويه فما دام فى دار الحرب فهو على دين أبويه حتى لو مات لا يصلى عليه وهذا ظاهر، وكذا أن سبى مع أحدهما، وكذلك اذا خرج الى دار الاسلام ومعه أبواه أو أحدهما لما بينا، فان مات الأبوان بعد ذلك فهو على دينهما حتى يسلم بنفسه ولا ينقطع تبعية الأبوين بموتهما، لأن بقاء الأصل ليس بشرط لبقاء الحكم فى التبع، وان أخرج الى دار الاسلام وليس معه أحدهما فهو مسلم، لأن
стр. 3118
التبعية انتقلت الى الدار على ما بينا.
ولو أسلم أحد الأبوين فى دار الحرب فهو مسلم تبعا له، لأن الولد يتبع خير الابوين دينا وكذا اذا أسلم أحد الأبوين فى دار الاسلام ثم سبى الصبى بعده وأدخل فى دار الاسلام فهو مسلم تبعا له، لأنه جمعهما دار واحدة، فأما قبل الادخال فى دار الاسلام فلا يكون مسلما لأنهما فى دارين مختلفين، واختلاف الدار يمنع التبعية فى الأحكام الشرعية.
ثم انما تعتبر تبعية الأبوين والدار اذا لم يسلم بنفسه وهو يعقل الاسلام، فأما اذا أسلم وهو يعقل الاسلام فلا تعتبر التبعية ويصح اسلامه عندنا، لأنه آمن بالله عن غيب فيصح ايمانه كالبالغ.
واذا أسلم حربى ولم يهاجر الينا حتى ظهر المسلمون على الدار فأولاده الصغار أحرار مسلمون تبعا له وأولاده الكبار وامرأته يكونون فيئا لأنهم فى حكم أنفسهم لانعدام التبعية.
وأما الولد الذى فى البطن فهو مسلم تبعا لأبيه ورقيق تبعا لأمه.
أما اذا أسلم وهاجر الينا ثم ظهر المسلمون على الدار فأولاده الصغار يحكم باسلامهم تبعا لأبيهم، ولا يسترقون، لأن الاسلام يمنع انشاء الرق الا رقا ثبت حكما بأن كان الولد فى بطن الأم.
وأما أولاده الكبار فهم فئ لانهم فى حكم أنفسهم فلا يكونون مسلمين باسلام أبيهم. وكذلك زوجته، والولد الذى فى البطن يكون مسلما تبعا لأبيه ورقيقا تبعا لأمه.
ولو دخل الحربى دار الاسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع أولاده الصغار والكبار وامرأته وما فى بطنها فئ.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى (١) على الشرح الكبير: وهدم أى قطع السبى منا لزوجين كافرين النكاح بينهما سبيا معا أو مترتبين أو سبيت هى فقط قبل اسلامه أو سبى هو فقط وعليها الاستبراء بحيضة، لأنها أمة الا أن تسبى وتسلم بعده أى بعد اسلام زوجها، يعنى اذا أسلم زوجها الحربى أو المستأمن ثم سبيت وأسلمت بعد اسلامه فلا يهدم سبيها النكاح، وتصير أمة مسلمة تحت حر مسلم، ومحله أن أسلمت قبل حيضة.
وولده أى الحربى الذى أسلم وفر إلينا أو بقى حتى غزا المسلمون بلده فغنموه إن حملت به أمه قبل إسلام أبيه، وماله فئ أى غنيمة، فان حملت به بعد اسلام أبيه فحر اتفاقا، وأما زوجته فغنيمة اتفاقا، وأقر عليها ان أسلمت
стр. 3119
قبل حيضة كما مر، مطلقا كان الولد صغيرا أو كبيرا، لا ولد صغير لكتابية حرة سبيت أى سباها حربى فأولدها، ثم غنم المسلمون الكتابية والمسلمة، وأولادهما الصغار فالأولاد أحرار تبعا لأمهم، وأما الكبار فرق وان كانوا من كتابية.
وهل كبار أولاد الحرة المسلمة فئ أى غنيمة ككبار الكتابية مطلقا أى فئ ان قاتلوا؟ تأويلان.
وولد الأمة التى سباها الحربيون منا فولدت عندهم لمالكها صغارا أو كبارا من زوج أو غيره.
وفى التاج والاكليل أنه فسر التأويلين فقال ابن يونس حكى عن أبى محمد أنه قال: واذا بلغ ولدها ولم يقاتل لم يكن فيئا حتى يقاتل بعد البلوغ.
وقال ابن شبلون اذا بلغوا فهم فئ قاتلوا أو لم يقاتلوا.
ثم قال (١): قال ابن علاق: السبى الذى يهدم النكاح يشمل ثلاث صور، وهى أن تسبى الزوجة وحدها ويبقى الزوج بدار الحرب، وأن يسبى الزوج أولا ثم هى تسبى بعد ذلك، وأن يسبيا معا.
وظاهر المدونة أن السبى يهدم النكاح فى الصور الثلاث.
وقال ابن رشد رابع الأقوال قول ابن القاسم وأشهب فى المدونة أن السبى يهدم النكاح سبيا معا أو مفترقين، فكذلك على مذهبهما اذا سبى أحدهما قبل، ثم اتى الآخر بأمان، وأما ان اتى أحدهما أولا بأمان ثم سبى الثانى فلا ينهدم النكاح، ويخير هو ان كان الذى سبى بعد أن قدمت هى بأمان.
ومن المدونة: لو أسلم الزوج بدار الحرب وأقام بها أو قدم الينا مسلما بأمان فأسلم ثم سبى المسلمون زوجته فان أبت الاسلام فرق بينهما وهى وولدها وما فى بطنها وجميع ما للزوج بدار الحرب فئ لذلك الجيش، وأن أسلمت فالنكاح بينهما ثابت.
قال ابن المواز وكذا ان عتقت.
ومن كتاب سحنون اذا أسلم الكافر ببلده فدخلنا عليهم فان ماله وولده فئ عند ابن القاسم ورواه عن مالك.
وقال سحنون وأشهب أن أولاده أحرار تبع له وماله وامرأته فئ.
وكذلك لو هاجر وحده وترك ذلك بأرضه.
ومقتضى ما لابن عرفة أن مذهب المدونة أن من أسلم فماله وولده فئ ولو بقى بدار الحرب.
وفى الدسوقى قال: وجاز وط ء أسير مسلم زوجة أو أمة له أسرتا
стр. 3120
معه ان أيقن أنهما سلمتا من وط ء الكافر لهما، لأن سبيهم لا يهدم نكاحنا، ولا يبطل ملكنا وأراد بالجواز عدم الحرمة والا فهو مكروه خوفا من بقاء ذريته بأرض الحرب.
قال الدسوقى فان لم يتيقن سلامة وطئهما من الكافر بأن شك أو ظن فى وط ء الكافر لهما بأن غاب عليهما فلا يجوز له وطؤهما الا بعد الاستبراء ولا تصدق المرأة فى دعواها عدم وط ء الكافر لها عند الغيبة عليها (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٢): ان سبى الزوجان أو أحدهما انفسخ النكاح، لما روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه قال:
أصبنا نساء يوم أوطاس فكرهوا أن يقعوا عليهن فأنزل الله تعالى «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» فاستحللناهن.
قال الشافعى رحمه الله تعالى سبى رسول الله ﷺ أوطاس وبنى المصطلق وقسم الفئ وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها.
وأن كان الزوجان مملوكين فسبيا أو أحدهما فلا نص فيه.
والذى يقتضيه قياس المذهب أن لا ينفسخ النكاح، لأنه لم يحدث بالسبى رق وانما حدث انتقال الملك فلم ينفسخ النكاح، كما لو انتقل الملك فيهما بالبيع.
ومن أصحابنا من قال: ينفسخ النكاح، لأنه حدث سبى يوجب الاسترقاق وان صادف رقا كما أن الزنا يوجب الحد أن صادف حدا.
ثم قال (٣): من أسلم من الكفار قبل الأسر عصم دمه وماله، لما روى عمر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها.
وأن كان له ولد صغير لم يجز استرقاقه، لأن النبى ﷺ حاصر بنى قريظة فأسلم ابنا شعبة فأحرزا باسلامهما أموالهما وأولادهما، ولأنه مسلم فلم يجز استرقاقه كالأب.
وان كان له حمل من حربية لم يجز استرقاقه، لأنه محكوم باسلامه فلم يسترق كالولد.
وهل يجوز استرقاق الحامل؟ فيه وجهان.