← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وجاء فى موضع آخر (١): الحربى لا يملك مال المسلم بالاستغنام ولو غنم المشركون أموال المسلمين وذراريهم ثم ارتجعوها فالأحرار لا سبيل عليهم أما الأموال والعبيد فلأربابها قبل القسمة ولو عرفت بعد القسمة فلأربابها القيمة من بيت المال. وفى رواية تعاد على أربابها بالقيمة والوجه اعادتها على المالك ويرجع الغانم بقيمتها على الامام مع تفرق الغانمين. وجاء فى شرائع (٢) الاسلام: الذمى اذا نقض العهد ولحق بدار الحرب فأمان أمواله باق فان مات ورثه وارثه الذمى والحربى واذا انتقل الميراث الى الحربى زال الأمان عنه وأما الأولاد الأصاغر فهم باقون على الذمة ومع بلوغهم يخيرون بين عقد الذمة لهم بأداء الجزية وبين الانصراف الى مأمنهم. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٣): ان أتلف الامام مال المحاربين كشجر ودواب فلا ضمان عليه ثم قال (٤): ولا حق للمشركين وكذا غيرهم فيما أخذوا بديانة من أموال الموحدين وكذا غير الموحدين ممن لم يحل ماله ولا يصح لهم فيه عطاء ولا بيع ولا هبة ولا غير ذلك فان غنم الموحدون منهم تلك الأموال لم تحل لهم بل يحرزونها لاربابها، وان قسموها وجاء أربابها أخذوها لحديث لا حق لعرق ظالم ولا ثواب على مال امرئ مسلم ولحديث ان المشركين أغاروا على سرح المدينة وفيه العضباء ناقة لرسول الله ﷺ فركبتها امرأة ليلا ونذرت لئن سلمت الى المدينة لتنحرنها فأخذها ﷺ وقال: لا نذر فيما لا يملك ابن آدم فلم تملكها المرأة بأخذها من الحربيين. وكل ما أفسده المرتد فى حال ارتداده من أموال الناس فقد ضمنه وحكى الشيخ عن أبى مجبر اذا وحد وتاب فليس عليه شئ. ثم قال: وان دخل المشرك التاجر أرض الاسلام بلا أمن فعل معه الامام ما بان له من سبى وغنم (٥). حكم نكاح الأسير وولده مذهب الحنفية: لا يكون السبى سببا فى الفرقة بين الزوجين عند الحنفية وانما تكون الفرقة لاختلاف الدار فقد جاء فى الفتاوى الهندية (٦): خرج الينا بأمان ثم قبل الذمة بانت أمراته فان سبى أحدهما وقعت البينونة بينهما لتباين

стр. 3117

الدارين وان سبيا معا لم تقع البينونة كذا فى السراج الوهاج. ولو سبى وتحته أختان أو أربع أو خمس فسبين معه بطل نكاح الكل عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله سواء كان بعقود أو بعقدة، وان سبيت معه ثنتان لم يفسد نكاحهما وفسد نكاح اللتين بقيتا فى دار الحرب كذا فى السراجية. وجاء فى المبسوط (١): اذا تزوج الحر الحربى أربع نسوة ثم سبى وسبين معه فلا نكاح بينه وبينهن سواء تزوجهن فى عقدة واحدة أو فى عقد، لأن الرق المعترض فى الزوج ينافى نكاح الأربع بقاء وابتداء، وليس بعضهن بأولى من البعض فى التفريق بينه وبينهن فتقع الفرقة بينه وبينهن، فان كانت قد ماتت امرأتان منهن فنكاح الباقيتين جائز لأنه حين استرق فليس فى نكاحه الا اثنتان ورقه لا ينافى نكاح اثنين ابتداء ولا بقاء. وأما بالنسبة للولد فقد جاء فى بدائع الصنائع (٢) يحكم باسلام الصبى تبعا لأبويه عقل أو لم يعقل ما لم يسلم بنفسه اذا عقل ويحكم باسلامه تبعا للدار أيضا. والجملة فى ذلك أن الصبى يتبع أبويه فى الاسلام والكفر ولا عبرة بالدار مع وجود الأبوين أو أحدهما لأنه لا بد من دين تجرى عليه أحكامه، والصبى لا يهتم لذلك أما لعدم عقله وأما لقصوره فلا بد وأن يجعل تبعا لغيره وجعله تبعا للأبوين أولى، لأنه تولد منهما، وانما الدار منشأ وعند انعدامهما فى الدار التى فيها الصبى تنتقل التبعية الى الدار، لأن الدار تستتبع الصبى فى الاسلام فى الجملة فاذا أسلم أحد الأبوين فالولد يتبع المسلم، لأنهما استويا فى جهة التبعية وهى التولد والتفرع فيرجح المسلم بالاسلام ولو كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا فالولد كتابى لأن الكتابى الى أحكام الاسلام أقرب فكان الاسلام منه أرجى. وبيان ذلك أن الصبى اذا سبى وأخرج الى دار الاسلام فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: أما أن يسبى مع أبويه، وأما أن يسبى مع أحدهما وأما أن يسبى وحده، فان سبى مع أبويه فما دام فى دار الحرب فهو على دين أبويه حتى لو مات لا يصلى عليه وهذا ظاهر، وكذا أن سبى مع أحدهما، وكذلك اذا خرج الى دار الاسلام ومعه أبواه أو أحدهما لما بينا، فان مات الأبوان بعد ذلك فهو على دينهما حتى يسلم بنفسه ولا ينقطع تبعية الأبوين بموتهما، لأن بقاء الأصل ليس بشرط لبقاء الحكم فى التبع، وان أخرج الى دار الاسلام وليس معه أحدهما فهو مسلم، لأن

стр. 3118

التبعية انتقلت الى الدار على ما بينا. ولو أسلم أحد الأبوين فى دار الحرب فهو مسلم تبعا له، لأن الولد يتبع خير الابوين دينا وكذا اذا أسلم أحد الأبوين فى دار الاسلام ثم سبى الصبى بعده وأدخل فى دار الاسلام فهو مسلم تبعا له، لأنه جمعهما دار واحدة، فأما قبل الادخال فى دار الاسلام فلا يكون مسلما لأنهما فى دارين مختلفين، واختلاف الدار يمنع التبعية فى الأحكام الشرعية. ثم انما تعتبر تبعية الأبوين والدار اذا لم يسلم بنفسه وهو يعقل الاسلام، فأما اذا أسلم وهو يعقل الاسلام فلا تعتبر التبعية ويصح اسلامه عندنا، لأنه آمن بالله عن غيب فيصح ايمانه كالبالغ. واذا أسلم حربى ولم يهاجر الينا حتى ظهر المسلمون على الدار فأولاده الصغار أحرار مسلمون تبعا له وأولاده الكبار وامرأته يكونون فيئا لأنهم فى حكم أنفسهم لانعدام التبعية. وأما الولد الذى فى البطن فهو مسلم تبعا لأبيه ورقيق تبعا لأمه. أما اذا أسلم وهاجر الينا ثم ظهر المسلمون على الدار فأولاده الصغار يحكم باسلامهم تبعا لأبيهم، ولا يسترقون، لأن الاسلام يمنع انشاء الرق الا رقا ثبت حكما بأن كان الولد فى بطن الأم. وأما أولاده الكبار فهم فئ لانهم فى حكم أنفسهم فلا يكونون مسلمين باسلام أبيهم. وكذلك زوجته، والولد الذى فى البطن يكون مسلما تبعا لأبيه ورقيقا تبعا لأمه. ولو دخل الحربى دار الاسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع أولاده الصغار والكبار وامرأته وما فى بطنها فئ. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى (١) على الشرح الكبير: وهدم أى قطع السبى منا لزوجين كافرين النكاح بينهما سبيا معا أو مترتبين أو سبيت هى فقط قبل اسلامه أو سبى هو فقط وعليها الاستبراء بحيضة، لأنها أمة الا أن تسبى وتسلم بعده أى بعد اسلام زوجها، يعنى اذا أسلم زوجها الحربى أو المستأمن ثم سبيت وأسلمت بعد اسلامه فلا يهدم سبيها النكاح، وتصير أمة مسلمة تحت حر مسلم، ومحله أن أسلمت قبل حيضة. وولده أى الحربى الذى أسلم وفر إلينا أو بقى حتى غزا المسلمون بلده فغنموه إن حملت به أمه قبل إسلام أبيه، وماله فئ أى غنيمة، فان حملت به بعد اسلام أبيه فحر اتفاقا، وأما زوجته فغنيمة اتفاقا، وأقر عليها ان أسلمت

стр. 3119

قبل حيضة كما مر، مطلقا كان الولد صغيرا أو كبيرا، لا ولد صغير لكتابية حرة سبيت أى سباها حربى فأولدها، ثم غنم المسلمون الكتابية والمسلمة، وأولادهما الصغار فالأولاد أحرار تبعا لأمهم، وأما الكبار فرق وان كانوا من كتابية. وهل كبار أولاد الحرة المسلمة فئ أى غنيمة ككبار الكتابية مطلقا أى فئ ان قاتلوا؟ تأويلان. وولد الأمة التى سباها الحربيون منا فولدت عندهم لمالكها صغارا أو كبارا من زوج أو غيره. وفى التاج والاكليل أنه فسر التأويلين فقال ابن يونس حكى عن أبى محمد أنه قال: واذا بلغ ولدها ولم يقاتل لم يكن فيئا حتى يقاتل بعد البلوغ. وقال ابن شبلون اذا بلغوا فهم فئ قاتلوا أو لم يقاتلوا. ثم قال (١): قال ابن علاق: السبى الذى يهدم النكاح يشمل ثلاث صور، وهى أن تسبى الزوجة وحدها ويبقى الزوج بدار الحرب، وأن يسبى الزوج أولا ثم هى تسبى بعد ذلك، وأن يسبيا معا. وظاهر المدونة أن السبى يهدم النكاح فى الصور الثلاث. وقال ابن رشد رابع الأقوال قول ابن القاسم وأشهب فى المدونة أن السبى يهدم النكاح سبيا معا أو مفترقين، فكذلك على مذهبهما اذا سبى أحدهما قبل، ثم اتى الآخر بأمان، وأما ان اتى أحدهما أولا بأمان ثم سبى الثانى فلا ينهدم النكاح، ويخير هو ان كان الذى سبى بعد أن قدمت هى بأمان. ومن المدونة: لو أسلم الزوج بدار الحرب وأقام بها أو قدم الينا مسلما بأمان فأسلم ثم سبى المسلمون زوجته فان أبت الاسلام فرق بينهما وهى وولدها وما فى بطنها وجميع ما للزوج بدار الحرب فئ لذلك الجيش، وأن أسلمت فالنكاح بينهما ثابت. قال ابن المواز وكذا ان عتقت. ومن كتاب سحنون اذا أسلم الكافر ببلده فدخلنا عليهم فان ماله وولده فئ عند ابن القاسم ورواه عن مالك. وقال سحنون وأشهب أن أولاده أحرار تبع له وماله وامرأته فئ. وكذلك لو هاجر وحده وترك ذلك بأرضه. ومقتضى ما لابن عرفة أن مذهب المدونة أن من أسلم فماله وولده فئ ولو بقى بدار الحرب. وفى الدسوقى قال: وجاز وط ء أسير مسلم زوجة أو أمة له أسرتا

стр. 3120

معه ان أيقن أنهما سلمتا من وط ء الكافر لهما، لأن سبيهم لا يهدم نكاحنا، ولا يبطل ملكنا وأراد بالجواز عدم الحرمة والا فهو مكروه خوفا من بقاء ذريته بأرض الحرب. قال الدسوقى فان لم يتيقن سلامة وطئهما من الكافر بأن شك أو ظن فى وط ء الكافر لهما بأن غاب عليهما فلا يجوز له وطؤهما الا بعد الاستبراء ولا تصدق المرأة فى دعواها عدم وط ء الكافر لها عند الغيبة عليها (١). مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٢): ان سبى الزوجان أو أحدهما انفسخ النكاح، لما روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: أصبنا نساء يوم أوطاس فكرهوا أن يقعوا عليهن فأنزل الله تعالى «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» فاستحللناهن. قال الشافعى رحمه الله تعالى سبى رسول الله ﷺ أوطاس وبنى المصطلق وقسم الفئ وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها. وأن كان الزوجان مملوكين فسبيا أو أحدهما فلا نص فيه. والذى يقتضيه قياس المذهب أن لا ينفسخ النكاح، لأنه لم يحدث بالسبى رق وانما حدث انتقال الملك فلم ينفسخ النكاح، كما لو انتقل الملك فيهما بالبيع. ومن أصحابنا من قال: ينفسخ النكاح، لأنه حدث سبى يوجب الاسترقاق وان صادف رقا كما أن الزنا يوجب الحد أن صادف حدا. ثم قال (٣): من أسلم من الكفار قبل الأسر عصم دمه وماله، لما روى عمر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها. وأن كان له ولد صغير لم يجز استرقاقه، لأن النبى ﷺ حاصر بنى قريظة فأسلم ابنا شعبة فأحرزا باسلامهما أموالهما وأولادهما، ولأنه مسلم فلم يجز استرقاقه كالأب. وان كان له حمل من حربية لم يجز استرقاقه، لأنه محكوم باسلامه فلم يسترق كالولد. وهل يجوز استرقاق الحامل؟ فيه وجهان.

стр. 3121

أحدهما لا يجوز لأنه اذا لم يسترق الحمل لم يسترق الحامل ألا ترى أنه لما لم يجز بيع الحر لم يجز بيع الحامل به والثانى أنه يجوز لأنها حربية لا أمان لها. مذهب الحنابلة . جاء فى المغنى (١): اذا سبى المتزوج من الكفار لم يخل من ثلاثة أحوال. احدها: أن يسبى الزوجان معا فلا ينفسخ نكاحهما، لأن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته كالعتق، والآية نزلت فى سبايا أوطاس، وكانوا أخذوا النساء دون أزواجهن وعموم الآية مخصوص بالمملوكة المزوجة فى دار الاسلام فيخص منه محل النزاع بالقياس عليه. ثانيها: أن تسبى المرأة وحدها فينفسخ النكاح بلا خلاف علمناه، والآية دالة عليه وقد روى أبو سعيد الخدرى قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج فى قومهن فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت الآية والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم، ولأن السبب المقتضى للفسخ وجد فانفسخ النكاح كما لو سبى بعد شهر. ثالثها: سبى الرجل وحده فلا ينفسخ النكاح، لأنه لا نص فيه ولا القياس يقتضيه، وقد سبى النبى ﷺ سبعين من الكفار يوم بدر فمن على بعضهم، وفادى بعضا، فلم يحكم عليهم بفسخ أنكحتهم، ولأننا اذا لم نحكم بفسخ النكاح فيما اذا سبيا معا مع الاستيلاء على محل حقه فلأن لا ينفسخ نكاحه مع عدم الاستيلاء أولى، ولأن السبى لم يزل ملكه عن ماله فى دار الحرب فلم يزله عن زوجته كما لم يزله عن أمته. ولم يفرق أصحابنا فى سبى الزوجين بين أن يسبيهما رجل واحد أو رجلان، وينبغى أن يفرق بينهما، فانهما اذا كانا مع رجلين كان مالك المرأة منفردا بها ولا زوج معه لها فتحل له لقوله تعالى «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٢). ولنا أن تجدد الملك فى الزوجين لرجل لا يقتضى جواز الفسخ، كما لو اشترى زوجين مسلمين. اذا ثبت هذا فانه لا يحرم التفريق بين الزوجين فى القسمة والبيع، لأن الشرع لم يرد بذلك. وقال فى المغنى (٣): واذا سبوا لم يفرق

стр. 3122

بين الوالد وولده ولا بين الوالدة وولدها … أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز قال أحمد لا يفرق بين الأم وولدها وان رضيت، وذلك والله أعلم لما فيه من الأضرار بالولد، ولأن المرأة ترضى بما فيه ضررها، ثم يتغير قلبها بعد ذلك فتندم. ولا يجوز التفريق بين الأب وولده، لأنه أحد الأبوين فأشبه الأم. وظاهر كلام الخرقى أنه لا فرق بين كون الولد كبيرا بالغا أو طفلا، وهذا احدى الروايتين عن أحمد، لعموم الخبر، ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير، ولهذا حرم عليه الجهاد، بدون اذنهما. الرواية الثانية: يختص تحريم التفريق بالصغير، وهو قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن عبد العزيز ومالك والأوزاعى والليث وأبو ثور وهو قول الشافعى، لأن سلمة بن الأكوع أتى بامرأة وابنتها فنفله أبو بكر ابنتها فاستوهبها منه ﷺ فوهبها له ولم ينكر التفريق بينهما، ولأن النبى ﷺ أهديت اليه مارية واختها سيرين فأمسك مارية ووهب سيرين لحسان بن ثابت، ولأن الاحرار يتفرقون بعد الكبر فان المرأة تزوج ابنتها فالعبيد أولى، وبما ذكرناه يتخصص عموم حديث النهى. واختلفوا فى حد الكبر الذى يجوز معه التفريق. فروى عن أحمد: يجوز التفريق بينهما اذا بلغ الولد، وهو قول سعيد بن عبد العزيز وأصحاب الرأى وقول الشافعى. وقال مالك: اذا أثغر. وقال الاوزاعى والليث اذا استغنى عن أمه ونفع نفسه. وقال الشافعى فى أحد قوليه اذا صار ابن سبع سنين أو ثمان سنين. وقال أبو ثور اذا كان يلبس وحده ويتوضأ وحده، لأنه اذا كان كذلك يستغنى عن أمه. وكذلك خير الغلام بين أمه وأبيه اذا صار كذلك، ولأنه جاز التفريق بينهما بتخييره فجاز بيعه وقسمته. ولنا ما روى عن عبادة بن الصامت أن النبى ﷺ قال لا يفرق بين الوالدة وولدها فقيل الى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية، ولأن ما دون البلوغ مولى عليه فأشبه الطفل. وان فرق بينهما بالبيع فالبيع فاسد وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة يصح البيع لأن النهى لمعنى فى غير المعقود عليه فأشبه البيع فى وقت النداء. ولنا ما روى أبو داود فى سننه باسناده عن على رضى الله عنه أنه فرق بين الأم

стр. 3123

وولدها فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك ورد البيع. والأصل ممنوع، ولا يصح ما ذكروه، فانه نهى عنه، لما يلحق المبيع من الضرر فهو لمعنى فيه. وقال فى المغنى: والجد فى ذلك كالأب والجدة فيه كالأم ومن سبى من أطفالهم منفردا. أو مع أحد أبويه فهو مسلم ومن سبى مع أبويه فهو على دينهما. وجملته أنه اذا سبى من لم يبلغ من أولاد الكفار صار رقيقا ولا يخلو من ثلاثة أحوال. أحدها أن يسبى منفردا عن أبويه فهذا يصير مسلما اجماعا، لأن الدين انما يثبت له تبعا وقد انقطعت تبعيته لأبويه، لانقطاعه عنهما واخراجه عن دارهما ومصيره الى دار الاسلام تبعا لسابيه المسلم فكان تابعا له فى دينه. ثانيها: أن يسبى مع أحد أبويه فانه يحكم باسلامه أيضا لقول النبى ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهود انه أو ينصرانه أو يمجسانه» فمفهومه أنه لا يتبع أحدهما، لأن الحكم متى علق بشيئين لا يثبت بأحدهما، ولأنه يتبع سابيه منفردا فيتبعه مع أحد أبويه قياسا على ما لو أسلم أحد الابوين، يحققه أن كل شخص غلب حكم اسلامه منفردا غلب مع أحد الأبوين كالمسلم من الأبوين. ثالثها: أن يسبى مع أبويه فانه يكون على دينهما لقوله ﵇ «فأبواه يهودانه». مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (١): من سبى من أهل الحرب من الرجال وله زوجة أو من النساء ولها زوج فسواء سبى معها أو لم يسب معها ولا سبيت معه فهما على زوجيتهما فان أسلمت انفسخ نكاحها حين تسلم. أما بقاء الزوجية فلأن نكاح أهل الشرك صحيح وقد أقرهم رسول الله ﷺ ولم يأت نص بأن سباءهما أو سباء أحدهما يفسخ نكاحهما. وقال ابن حزم (٢): اذا أسلم الكافر الحربى فسواء أسلم فى دار الحرب ثم خرج إلى دار الاسلام أو لم يخرج أو خرج الى دار الاسلام ثم أسلم كل ذلك سواء فأولاده الصغار مسلمون أحرار، وكذلك الذى فى بطن امرأته، وأما امرأته وأولاده الكبار ففئ ان سبوا، وهو باق على نكاحه معها، وهى رقيق لمن وقعت له فى سهمه. برهان ذلك أنه اذا أسلم فهو بلا شك وبلا خلاف وبنص القرآن والسنة مسلم واذ هو مسلم فهو

стр. 3124

كسائر المسلمين وقد قال رسول الله ﷺ «ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» فصح أن دمه وبشرته وعرضه وماله حرام على كل أحد سواه. ونكاح أهل الكفر صحيح، لأن النبى ﷺ أقرهم على نكاحهم ولو كان فاسدا لما أقره. ثم قال: ومن سبى من صغار أهل الحرب فسواء سبى مع أبويه أو مع أحدهما أو دونهما هو مسلم ولا بد، لأن حكم أبويه قد زال عن النظر له وصار سيده أملك به فبطل إخراجهما له عن الاسلام الذى دله عليه (١). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٢): إذا حدث الرق على الزوجين بعد أن لم يكن انفسخ النكاح بينهما. مثال ذلك أن يكونا كافرين فى دار الحرب فيسبيهما المسلمون فانهم يملكونهما فحينئذ ينفسخ النكاح عند البعض ونصره الأزرقى، وصححه المذاكرون للمذهب. وقال البعض اذا سبيا معا فهما على نكاحهما ومثله فى شرح الابانة عن أصحابنا. أو تجدد الرق على أحدهما فانه ينفسخ النكاح نحو أن يسبى الزوج وحده أو الزوجة وحدها، وهذا لا خلاف فيه. قال ﵇ وانما قلنا بتجدد الرق احترازا من انتقال الرق فانه لا يوجب انفساخ النكاح، سواء انتقل ملكهما جميعا أم أحدهما. وجاء فى البحر الزخار (٣) اذا أسلم الحربى وأمرأته فسبيت لم يسترق الولد اذ هو مسلم باسلام أبيه. وقال البعض يسترق اذ هو كالجزء منها، قلنا: الاسلام يعلو وهو مسلم، وفى استرقاق الأم وجهان أصحهما يجوز وهو رأى البعض اذ هى حربية لا أمان لها. وقيل لا كالولد قلنا ليست أبلغ حالا من الحرة الحربية. واذا سبى صغير وحمل ثم أسلم أبوه لم يبطل رقه، وان حكم باسلامه تبعا لأبيه، اذ الاسلام طارئ على الرق. ثم قال: ولا يتبع الصبى السابى فى الدين حيث معه أبواه أو أحدهما، لقول الرسول ﷺ : حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه، الخبر ولم يفصل.

стр. 3125

ثم قال: فان سبى الصبى دون أبويه تبع السابى فى الحكم اذ لا حكم لكلامه ولا هو مستقل بنفسه فلحق بالسابى. وقال البعض بل باق على الكفر كما لو كان فى دار الحرب ولا حكم للسابى اذ يده يد ملك كالمشترى قلنا الصبى اذا لم تكن معه قرينة تغلب كفره فحكمه حكم الملتبس، والملتبس تابع لحكم الدار فعلى هذا اذا لم يكن معه أبواه، فان كان فى دار الحرب فله حكمها وان كان فى دار الاسلام فله حكمها. قال البعض فان سبى مع أحد أبويه ثم مات الوالد لم يحكم باسلام الصبى اذ قد كان ثبت له حكم الكفر قلت وفيه نظر. وتحرم التفرقة بين المسبية وولدها لقوله ﷺ «ملعون ملعون من يفرق بين والدة وولدها ومتى بلغ جازت التفرقة اذ هو حد الاستقلال. قال البعض لا، لظاهر الخبر، وكذلك تفرقة الابن والأب لحنوه كالأم ولقول لا يفرق بين والدة وولدها ولا بين والد وولده وهو توقيف. وقيل: يجوز اذ تحريم التفرقة لأجل اللبن والحضانة. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام: (١) اذا أسر الزوج لم ينفسخ النكاح: ولو استرق انفسخ، لتجدد الملك. ولو كان الأسير طفلا أو امرأة انفسخ النكاح، لتحقق الرق بالسبى، وكذا لو أسر الزوجان، ولو كان الزوجان مملوكين لم ينفسخ، لأنه لم يحدث رق ولو قيل يتخير الغانم فى الفسخ كان حسنا. ولو سبيت امرأة فصولح أهلها على اطلاق أسير فى يد أهل الشرك فأطلق لم يجب اعادة المرأة ولو أعتقت بعوض جاز ما لم يكن قد استولدها مسلم. واذا أسلم الحربى فى دار الحرب حقن دمه وعصم ماله مما ينقل كالذهب والفضة والأمتعة دون ما لا ينقل كالأرضين والعقار فانها للمسلمين ولحق به ولده الاصاغر ولو كان فيهم حمل ولو سبيت أم الحمل كانت رقا دون ولدها منه وكذا لو كانت الحربية حاملا من مسلم بوط ء مباح. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: (٢) ان أسلم كتابى معاهد وترك زوجة بشرك أى كتابية معاهدة فهل يقيم عليها لجواز تزوج مسلم كتابية أو لا يقيم؟ قولان.

стр. 3126

ظاهر الديوان اختيار الثانى اذ قال: ان أسلم الزوج ولم تسلم المرأة فلا يقعدان على نكاحهما، بل يجددان ان شاءا. وقيل يقعدان اذا كانت معاهدة. وان كان الزوج غير كتابى أو كتابيا غير معاهد أو كان كتابيا معاهدا والزوجة كتابية غير معاهدة ثم عاهدت بعد اسلامه جاز القيام بلا تجدد عقد أيضا عند بعض. ولم يجز عند بعض بل يجدد كالخلاف فى سائر المشركين اذا أسلموا أو أسلمت أزواجهم. وان تزوج أسير مسلم نصرانية محاربة ثم هرب لم تحل له ولو أسلمت أو عاهدت، لأن ذلك زنا وان جاء بها وأراد الرجوع لم تمنع، لأنها دخلت بأمانه، ويحكم على ولدها بالاسلام. ويجر من أسلم من الزوجين صغار أولاده وهم من لم يبلغ للاسلام ولو كان الذى أسلم منهما هو الأم وكانت أمة أو حربية. وقال فى الديوان أن كان من أسلم منهما غير حر لم يجر الولد للاسلام. وقيل لا يكون اسلام الام اسلاما لولدها، وبه قال بعض أصحابنا الا ان كان ابن أمة. وأما الجد فقال فى الديوان اسلامه لا يجر أولاد بنيه الأطفال. وقيل يجرهم ان مات أبوهم. وبالأول قال أهل العراق، وكذا قالوا فى اسلام الجدة أم الأم. وقيل فى اسلامها أنه يجرهم ويتبع الولد أمه فى الحرية والعبودية لا أباه. حكم الجناية من الأسير والجناية عليه مذهب الحنفية: جاء فى المبسوط (١): لا يحل للمسلمين قتل الأسرى بدون رأى الامام، لأن فيه افتياتا على رأيه الا أن يخاف الآسر فتنة فحينئذ له أن يقتله قبل أن يأتى به الى الامام، وليس لغير من أسره ذلك، لحديث جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله وان كان لو قتله لم يلزمه شى، لأن الأسير ما لم يقسم الامام مباح الدم بدليل أن للامام أن يقتله، وقتل مباح الدم لا يوجب ضمانه، فان أسلموا لم يقتلهم، لقوله صلى اله عليه وسلم: فاذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم. وجاء فى بدائع الصنائع: (٢) لو قتل رجل من المسلمين أسيرا فى دار الحرب أو فى دار الاسلام فان كان قبل القسمة

стр. 3127

فلا شئ فيه من دية ولا كفارة ولا قيمة، لأن دمه غير معصوم قبل القسمة فان للامام فيه خيرة القتل، وان كان بعد القسمة أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل، لأن الامام اذا قسمهم أو باعهم فقد صار دمهم معصوما فكان مضمونا بالقتل، الا أنه لا يجب القصاص، لقيام شبهة الاباحة كالحربى المستأمن، وهذا اذا كانوا لم يسلموا قبل القسمة، فان أسلموا قبل القسمة فلا يباح قتلهم، لأن الاسلام عاصم، ولذلك فليس للامام فيهم الا الاسترقاق، أو تركهم أحرارا بالذمة ان كان بمحل الذمة. ثم قال فى البدائع: الملك ان لم يثبت للغزاة فى الغنائم فى دار الحرب فقد ثبت الحق لهم، فلو وطئ واحد من الغزاة جارية من المغنم لا يجب عليه الحد، لأن له فيها حقا فأورث شبهة فى درء الحد ولا يجب عليه العقر (أى المهر) أيضا لأنه بالوط ء أتلف جزءا من منافع بضعها ولو أتلفها لا يضمن فهاهنا أولى. وقال فى البدائع: (١) أيضا: الحربى اذا أسلم فى دار الحرب ولم يهاجر الينا فقتله مسلم فلا قصاص عليه عندنا لأنه وان كان مسلما فهو من أهل دار الحرب والله يقول «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ». فكونه من أهل دار الحرب أورث شبهة فى عصمته، ولأنه اذا لم يهاجر الينا فهو مكثر سواد الكفرة، ولو أن مسلمين تاجرين أو أسيرين فى دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه فلا قصاص وتجب الدية والكفارة فى التاجرين وفى الأسيرين خلاف. مذهب المالكية: جاء فى بلغة السالك: (٢) وحد زان بحربية أو جارية من جوارى السبى رجما أو جلدا أو سارق لنصاب الغنيمة بقطع يده أن حيز المغنم ولم يجعلوا كونه من الغانمين الذين لهم حق فى الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد وذكر بعضهم أن الراجح أن الزانى لا يحد وأن السارق لا يحد الا اذا سرق فوق منابه (أى نصيبه) نصابا. وجاء فى الحطاب: (٣) اختلف فى الأسير اذا أقر أنه زنى ودام على اقراره ولم يرجع أو شهد عليه فقال ابن القاسم وأصبغ عليه الحد، سواء زنا بحرة أو بأمة.

стр. 3128

وقال عبد الملك: لا حد عليه قاله فى التوضيح. واذا قتل الأسير أحدا من الحربيين خطأ وقد كان أسلم والأسير لا يعلم فقد قيل عليه الدية والكفارة. وقيل عليه الكفارة فقط. أما اذا قتله عمدا وهو لا يعلمه مسلما فعليه الدية والكفارة. وأما اذا قتله عمدا وهو يعلم باسلامه قتل به قاله فى الكافى. واذا جنى الاسير على أسير مثله فكغيرهما. واذا قتل المسلم مسلما فى حال القتال وقال: ظننته من الكفار حلف ووجبت الدية والكفارة قاله البساطى. وفى التاج والاكليل قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول فى الأسير اذا خلوه فى بلادهم على وجه المملكة والقهرة فهرب فله أخذ ما قدر عليه وليقتل ما قدر عليه منهم ويهرب ان استطاع وليسترق من ذراريهم ونسائهم ما استطاع. قال فى سماع موسى وما خرج به من ذلك فهو له، وليس للسلطان فيه خمس، لأنه لم يوجب عليه. وفى سماع أصبغ واذا خلوه على وجه الائتمان أن لا يهرب ولا يحدث شيئا فلا يفعل ولا يقتل منهم أحدا ولا يخنه. قال أصبغ ولا يهرب. قال ابن رشد قال المخزومى وابن الماجشون له أن يهرب ويأخذ من أموالهم ما قدر عليه ويقتل ان قدر وان ائتمنوه ووثقوا به واستحلفوه فهو فى فسحة من ذلك كله ولا حنث عليه فى يمينه، لأن أصل أمره الاكراه. قال ابن رشد وقول ثالث، وهو الأصح فى النظر قاله مطرف وابن الماجشون وروياه عن مالك أنهم ان ائتمنوه على أن لا يهرب ولا يقتل ولا يأخذ من أموالهم شيئا فله أن يهرب بنفسه وليس له أن يقتل ولا أن يأخذ من أموالهم شيئا، لأن المقام عليه ببلد الحرب حرام فلا ينبغى له أن يفى بما وعدهم من ذلك بخلاف القتل وأخذ المال، لأن ذلك جائز له وليس بواجب عليه ولا خمس فيما خرج به وهو المشهور فى المذهب، وهو مثل ما تقدم فى الأسارى يغنمون من آسرهم (١). ثم قال: وان سرق مسلم من حربى دخل الينا بأمان قطع وان سرق الحربى وقد دخل بأمان قطع ويقيم أمير الجيش الحدود ببلد الحرب على أهل الجيش فى السرقة وغيرها وذلك أقوى على الحق (٢).

стр. 3129

مذهب الشافعية: جاء فى المهذب: (١) من قتل فى دار الحرب قتلا يوجب القصاص أو اتى بمعصية توجب الحد وجب عليه ما يجب فى دار الاسلام لأنه لا تختلف الداران فى تحريم الفعل فلم تختلفا فيما يجب به من العقوبة. ثم قال: (٢) ومن أتى من أهل الذمة محرما يوجب عقوبة نظرت فان كان ذلك محرما فى دينه كالقتل والزنا والسرقة والقذف وجب عليه ما يجب على المسلم. والدليل عليه ما روى أنس رضى الله عنه أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين وروى ابن عمر أن النبى ﷺ أتى بيهوديين قد فجرا بعد احصانهما فأمر بهما فرجما، ولأنه محرم فى دينه وقد التزم حكم الاسلام بعقد الذمة فوجب عليه ما يجب على المسلم وان كان يعتقد اباحته كشرب الخمر لم يجب عليه الحد لأنه لا يعتقد تحريمه فلم يجب عليه عقوبة كالكفر فان تظاهر به عزر لأنه اظهار منكر فى دار الاسلام فعزر عليه. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: (٣) من أسر أسيرا لم يكن له قتله حتى يأتى به الامام فيرى فيه رأيه، لأنه اذا صار أسيرا فالخيرة فيه الى الامام. وقد روى عن أحمد كلام يدل على اباحة قتله فانه قال: لا يقتل أسير غيره الا أن يشاء الوالى فمفهومه أن له قتل أسيره بغير اذن الوالى، لأن له أن يقتله ابتداء فكان له قتله دواما كما لو هرب منه أو قاتله فان امتنع الأسير أن ينقاد معه فله اكراهه بالضرب وغيره فان لم يمكنه اكراهه فله قتله وان خافه أو خاف هربه فله قتله أيضا وان امتنع من الانقياد معه لجرح أو مرض فله قتله أيضا وتوقف أحمد عن قتله. والصحيح أنه يقتله كما يذفف (أى يجهز) على جريحهم، ولأن تركه حيا ضرر على المسلمين وتقوية للكفار فتعين القتل كحالة الابتداء اذا أمكنه قتله وكجريحهم اذا لم يأسره فأما أسير غيره فلا يجوز له قتله الا أن يصير الى حال يجوز قتله لمن أسره. وقد روى يحيى بن أبى كثير أن النبى ﷺ قال لا يتعاطين أحدكم أسير صاحبه اذا أخذه فيقتله رواه سعيد، فان قتل أسيره وأسير غيره قبل ذلك أساء

стр. 3130

ولم يلزمه ضمانه، وقيل ان قتله بعد أن أتى به الامام غرم ثمنه لأنه أتلف من الغنيمة ماله قيمة وضمنه كما لو قتل امرأة. ولنا أن عبد الرحمن بن عوف أسر أمية ابن خلف وابنه عليا يوم بدر فرآهما بلال فاستصرخ الانصار عليهما حتى قتلوهما ولم يغرموا شيئا، ولأنه أتلف ما ليس بمال فلم يغرمه كما لو أتلفه قبل أن يأتى به الامام، ولأنه أتلف ما لا قيمة له قبل أن يأتى به الامام فلم يغرمه كما لو أتلف كلبا فاما أن قتل امرأة أو صبيا غرمه لأنه صار رقيقا بنفس السبى. ثم قال (١): اذا سرق المستأمن فى دار الاسلام أو قتل أو غصب ثم عاد الى وطنه فى دار الحرب ثم خرج مستأمنا مرة ثانية استوفى منه ما لزمه فى أمانه الأول. وجاء فى (٢) المحرر: من قتل أسيرا قبل تخير الامام فيه لم يضمنه الا أن يكون مملوكا. مذهب الزيدية: جاء فى البحر (٣) الزخار: من قتل الأسير قبل أن يعين الامام اختياره فيه عزر لعصيانه ولا ضمان وقيل يضمن الدية قلنا كافر لا أمان له كالمرتد فان أسلم الاسير قبل أى الاختيارات حرم قتله لقوله ﷺ «فاذا قالوها عصموا منى دماءهم» الخبر. ثم قال (٤): دار الحرب دار اباحة يملك كل فيها ما ثبتت يده عليه ولا قصاص فيها ولا أرش اذ دماؤهم هدر. ثم قال (٥): ولا قصاص بين المسلمين فى دار الحرب وتجب الدية والأرش قيل: الا لمن أسلم فى دار الحرب ولم يهاجر أو كانا أسيرين قتل أحدهما الاخر فلا شئ وقيل بل يلزم القصاص والارش كدار الاسلام سواء بسواء، اذ لم تفصل الأدلة. وقال بعض أصحابنا لا أرش ولا قصاص، اذ هى دار اباحة. لنا عموم قوله تعالى «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ». واذا فعل مسلم فى دار الحرب ما يوجب الحد حده الامام أو أميره حيث له ولاية على اقامته وله التأخير لمصلحة، وللمستأمن أن يسترد منهم العبد الآبق بأى وجه بسرقة أو غيرها اذ لا يملكون علينا الا ما أخذوه قهرا على الخلاف وانما يتعلق الامان بأنفسهم وأموالهم فقط ولغير المستأمن أخذ ما ظفر به من سبية وغيرها اجماعا اذ هى دار اباحة. ثم قال (٦): لا يقطع من سرق من الغنيمة قبل قسمتها ان كان من الغانمين قيل الا أن يسرق نصابا فوق حصته من غير الخمس اذ لا شبهة له حينئذ قلت: فيه نظر اذ دخوله لحصته شبهة.

стр. 3131

واذا وطئ المسبية قبل القسمة فلا حد اجماعا للشبهة حيث الغانمون منحصرون وكذا غير المنحصرين الا عن البعض قلنا الشبهة مانعة ويعزر أن علم التحريم ويلزمه العقر ولا يسقط بملكه اياها، كما لو وطئ أمة غيره ثم اشتراها ولا يلحقه النسب عندنا. قيل بل يلحق للشبهة كفى نكاح فاسد ولا تصير أم ولد قيل الا بعد تملكها قلنا بناء على لحوق النسب. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة (١) البهية: لو عجز الاسير الذى يجوز للامام قتله عن المشى لم يجز قتله، لأنه لا يدرى ما حكم الامام فيه بالنسبة الى نوع القتل، ولأن قتله الى الامام وان كان مباح الدم فى الجملة كالزانى المحصن وحينئذ فان أمكن حمله والا ترك للخبر ولو بدر مسلم فقتله فلا قصاص ولا دية ولا كفارة وان أثم وكذا لو قتله من غير عجز. وجاء فى شرائع الاسلام (٢): من شرائط الذمة أن لا يؤذوا المسلمين كالزنا بنسائهم واللواط بصبيانهم والسرقة لأموالهم وايواء عين المشركين والتجسس لهم فان فعلوا شيئا من ذلك وكان تركه مشترطا فى الهدنة كان نقضا وان لم يكن مشترطا كانوا على عهدهم وفعل بهم ما يقتضيه جنايتهم من حد أو تعزير ولو سبوا النبى ﷺ قتل الساب ولو نالوه بما دونه عزروا اذا لم يكن شرط عليهم الكف، وأن لا يتظاهروا بالمنكرات كشرب الخمر والزنا وأكل لحم الخنزير ونكاح المحرمات، ولو تظاهروا بذلك نقض العهد. وقيل: لا ينقض بل يفعل معهم ما يوجبه شرع الاسلام من حد أو تعزير. واذا فعل أهل الذمة ما هو سائغ فى شرعهم وليس بسائغ فى الاسلام لم يتعرضوا وأن تجاهروا به عمل بهم ما تقتضيه الجناية بموجب شرع الاسلام. وان فعلوا ما ليس بسائغ فى شرعهم كالزنا واللواط فالحكم فيه كما فى المسلم وان شاء الحاكم دفعه الى أهل محلته ليقيموا الحد فيه بمقتضى شرعهم. مذهب الإباضية: جاء فى شرح (٣) النيل: وحط عن الاسير (أى المسلم) الدفع عن نفسه ان أسر وقدر عليه ولو كان معه سلاحه لزوال قدرته وما يدفع به عنها فله المشى معهم ولا يلزمه الوقوف عنهم أو الفرار وهو لا يضيقهما بل يزجرونه ان وقف ويلحقونه ان هرب ولا يلزمه قتالهم ولو اذا أرادوا قتله أو ضره فى بدنه أو شرعوا فى ذلك ولا اثم عليه فى ذلك وانما الواجب أن لا يعينهم على قتل نفسه فان أعان هلك ولا يعطيهم سلاحه اذا أرادوا قتله به وان فعل هلك واما أن يعطيهم اياه بعد ما أسروه ولو لم يظهر له انهم أرادوا أن يقتلوه به

стр. 3132

فلا بأس ولو أمن أو علم انهم أرادوا نزعه منه لئلا يرد به عن نفسه، وذلك لسقوط الدفاع عنه وانما سقط الدفاع عن الاسير المقدور عليه، لأنه لا يجديه قتاله فائدة وربما رجعت عليه مضرة، ولأنه قد يكون فى نفسه الامان لهم فلم يخدعهم وربما نطق به، وان قاتل أو هرب فسلم أو قتل أو ضر فلا بأس عليه ما لم يعطهم الأمان فى قلبه أو لسانه فانه اذا أعطاهم ذلك لم يحل له القتال الا بتجديد دعوة الا الهروب فلا بأس عليه ولو أعطاهم الأمان، وذلك كمن دخلت عليه النصارى مثلا فأخذوا بلده فله أن يقتلهم ويأخذ أموالهم ما لم يعطهم الامان هو أو كبير البلد، وأن أعطى الاسير الامان خوفا أن يقتلوه ان لم يعطه فكأنه لم يعطه. والمحتسب ان علم انه لا ينفع كلامه ويضرب ان تكلم لم يجب عليه الاحتساب ولزمه ان لا يحضر المنكر ولا يخرج الا فى مهم أو واجب ولا هجرة عليه الا ان كان يقهر على المعصية وان علم أن المنكر يترك بقوله أو بفعله ولا يناله مكروه لزمه الانكار وان علم أنه لا يفيد انكاره ولكن لا يخاف لم يلزمه النهى لعدم فائدته ولكن يستحب لاظهار الدين وتذكير الناس به وقيل يجب.

стр. 3133

إشارة التعريف فى اللغة كلمة أشارة مصدر فعله أشار الثلاثى المزيد بالهمزة، فأصل مادته شار، جاء فى لسان العرب، أشار اليه وشور: أومأ، يكون ذلك بالكف والعين والحاجب. وقد أنشد ثعلب فى ذلك قول الشاعر نسر الهوى الا اشارة حاجب: هناك والا أن تشير الأصابع وروى عن ابن السكيت: شور اليه بيده أى أشار وفى الحديث: كان يشير فى الصلاة أى يومئ باليد، والرأس، أى يأمر وينهى بالاشارة. ومنه قول رسول الله ﷺ للذى كان يشير بأصبعه فى الدعاء: أحد أحد. ومنه ما جاء فى الحديث أنه ﷺ كان اذا أشار بكفه أشار بها كلها: أراد أن اشاراته كلها مختلفة فما كان منها فى ذكر التوحيد والتشهد، فانه كان يشير بالمسبحة وحدها، وما كان فى غير ذلك كان يشير بكفه كلها، ليكون بين الاشارتين فرق. ومنه: واذا تحدث اتصل بها أى وصل حديثه باشارة تؤكده. وفى حديث أبى هريرة قال رسول الله ﷺ : «من أشار الى أخيه بحديدة فان الملائكة تلعنه حتى يدعه، وان كان أخاه لأبيه وأمه. وقال: لا يشير أحدكم الى أخيه بالسلاح فانه لا يدرى أحدكم لعل الشيطان ينزع فى يده فيقع فى حفرة من النار (١). والمشيرة هى الأصبع التى يقال لها السبابة وهو منه، ويقال للسبابتين المشيرتان. وأشار عليه بأمر كذا نصحه أن يفعله مبينا ما فيه من صواب. وأشار اليه وأشار بيده أو نحوها: أومأ اليه معبرا عن معنى من المعانى، كالدعوة الى الدخول أو الخروج. وأشار الرجل يشير اشارة اذا أومأ بيديه. ويقال: شورت اليه بيدى وأشرت لوحت اليه (٢).

стр. 3134

التعريف فى اصطلاح الفقهاء لا يكاد الفقهاء، وأئمة المذاهب فى استعمالاتهم لكلمة اشارة، يخرجون على ما ورد فى استعمال اللغويين لها، فهى فى استعمالهم تفيد الايماء أو التلويح، سواء كان ما يشار به يدا أو رأسا أو أصبعا أو اسم اشارة أو غير ذلك. الاشارة فى استعمال الأصوليين جاء فى كشف الأسرار: أن الوقوف على أحكام النظم على أربعة أوجه هى الوقوف على حكم النظم بعبارته. والوقوف عليها باشارته. والوقوف عليها بدلالته. والوقوف عليها باقتضائه (١). التعريف عند الأصوليين جاء فى كشف الأسرار: أن الاستدلال بأشارة النص هو الاستدلال بما ثبت بنظم الكلام أى بتركيبه من غير زيادة ولا نقصان، الا أن ذلك الثابت غير مقصود من الكلام ولا سيق له الكلام. وقيل فى تفسير الاشارة هى دلالة نظم الكلام لغة على ما ضمن فيه من المعنى غير المقصود (٢). وجاء فى التقرير والتحبير: أن الاشارة هى دلالة اللفظ على ما لم يقصد به. وسميت هذه الدلالة بالاشارة، لأن السامع لاقباله على ما سيق له الكلام كأنه غفل عما فى ضمنه فهو يشير اليه. ونظير العبارة والاشارة من المحسوس أن ينظر انسان الى مقبل عليه فيدركه ويدرك غيره بلحظه يمنة ويسرة فادراكه المقبل كالعبارة، وادراكه غير المقبل كالاشارة (٣). وجاء فى شرح المنار أن الاستدلال باشارة النص هو العمل بما ثبت بنظمه أى بتركيبه من غير زيادة ولا نقصان - لغة - لكن ما ثبت بنظمه غير مقصود، ولا سيق له النص (٤). وذكر صاحب المستصفى أن اشارة اللفظ يعنى بها ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد اليه، فكما أن المتكلم قد يفهم باشارته وحركته فى أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى اشارة فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به ويبنى عليه.

стр. 3135

مثال ذلك: استدلال الامام الشافعى رحمه الله تعالى، فى تنجس الماء القليل بنجاسة لا تغيره، بقول النبى ﷺ : اذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين باتت يده، اذ قال: لولا أن يقين النجاسة ينجس (١) لكان توهمها لا يوجب الاستحباب. وجاء فى طلعة الشمس أن اللفظ الدال بأشارته هو ما دل على ما ليس له السياق بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام. مثال الدال بالمطابقة قوله تعالى «وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (٢)» فانه اشارة فى بيان الحل والحرمة. وهو المعنى المطابق لها. ومثال الدال بالتضمن قول الرجل لأمرأته كل أمرأة له طالق. اذا كان انما ساق هذا الكلام لطلاق غير المخاطبة فانه يحكم عليه بطلاق المخاطبة أيضا، لأن كلامه يتضمن طلاقها أيضا، وان كانت عبارته فى طلاق غيرها. ومثال الدال بالالتزام: نحو قول الله تعالى «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (٣). فانها اشارة فى أن النسب الى الآباء وهو لازم للولادة لأجل الأب. ومنه أيضا قوله تعالى «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ٤» فانه اشارة فى زوال ملكهم عما خلفوا فى دار الحرب فتكون الآية دليلا على أن ما اغتصبه المشركون من المسلمين انما هو للمشركين وليس لأربابه المسلمين فيه ملك كما هو مذهب بعض أصحابنا (٥). وأما ابن حزم الظاهرى فقد قصد بالاشارة اسم الاشارة فقال فى كتابه الاحكام: والاشارة بخلاف الضمير وهى عائدة الى أبعد مذكور. وهذا حكمها فى اللغة اذا كانت الاشارة ب (ذلك أو تلك أو أولئك) فان كانت الاشارة ب (هذا أو هذه) فهى راجعة الى حاضر قريب ضرورة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل

стр. 3136

اللغة، ولا يعرف نحوى أصلا غير ما ذكرنا. ولذلك أوجبنا أن يكون القرء فى حكم العدة هو الطهر خاصة دون الحيض وان كان القرء فى اللغة واقعا على الحيض كوقوعه على الطهر ولا فرق. ولكن لما قال رسول الله ﷺ : «مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. فتلك العدة التى أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» فكان قوله ﷺ «تلك» اشارة تقتضى بعيدا، وأبعد مذكور فى الحديث قوله ﷺ : «تطهر» فلما صح ان الطهر بهذا الحديث هو العدة المأمور أن تطلق لها النساء صح أنه هو العدة المأمور بحفظها، لاكمال العدة (١). كما أن ابن حزم قصد بالاشارة حركة أحد أعضاء الجسم، وذلك قوله: وقد يرد البيان بالاشارة على ما فى حديث كعب بن مالك مع أبى حدرد، اذ أشار اليه ﷺ بيده أن ضع النصف (٢). حكم ما اذا تعارضت الاشارة والعبارة جاء فى كشف الاسرار: أن العبارة والاشارة سواء فى ايجاب الحكم - أى فى اثباته - لأن الثابت بكل واحد منهما ثابت بنفس النظم. وليس معنى هذا أنه لا يقع تفاوت بين العبارة والاشارة، بل أنه يجوز أن يقع بينهما تفاوت فى غير ايجاب الحكم مثل كون كل واحد منهما قطعيا وغير قطعى، لأن العبارة قطعية، والاشارة قد تكون قطعية وغير قطعية. قال القاضى الامام فى التقويم: ثم الاشارة من النص بمنزلة التعريض والكناية من الصريح والمشكل من الواضح، اذ لا ينال المراد بها الا بضرب تأويل وتبيين، ثم قد يوجب العلم بموجبها بعد البيان، وقد لا يوجب. وذكر فى بعض الشروح أنهما سواء فى ايجاب الحكم، أى يثبت الحكم بهما قطعا، الا أن الوجه الثابت بالعبارة عند التعارض أحق من الثابت بالاشارة، لكون الثابت بالعبارة مقصودا، بينما الثابت بالاشارة غير مقصود. مثال ذلك ما قاله الامام الشافعى رحمه الله تعالى: لا يصلى على الشهيد لقوله تعالى «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٣» سيقت هذه الآية لبيان منزلة الشهداء وعلو درجاتهم عند الله تعالى: وفيه اشارة الى أنه لا يصلى عليهم، لأن الله تعالى سماهم أحياء، وصلاة الجنازة غير مشروعة على الحى، ولكن قوله تعالى: «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ٤» عبارة فى

стр. 3137

ايجاب الصلاة فى حق الأموات على العموم، والشهداء أموات حقيقة وحكما، بدليل جواز قسمة أموالهم، وتزوج نسائهم، وغير ذلك فترجح العبارة على الاشارة. هكذا ذكر فى بعض الشروح. ومثاله كذلك قول النبى ﷺ فى النساء «انهن ناقصات عقل ودين، فقيل: ما نقصان دينهن؟ قال: تقعد احداهن فى قعر بيتها شطر دهرها أى نصف عمرها - لا تصوم ولا تصلى». سيق الكلام لبيان نقصان دينهن. وفيه اشارة الى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما كما ذهب اليه الشافعى. هو معارض بما روى أبو أمامة الباهلى رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ أنه قال: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام. وفى بعض الروايات: أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام وهو عبارة فترجح على الاشارة (١). ومن ذلك قول الله تعالى - «وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ٢» فان هذا النص مسوق لبيان منة الوالد على الولد، لأنه تعالى أمر بالاحسان الى الوالدين، ثم بين السبب فى جانب الأم بقوله تعالى «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٣». والكره المشقة ثم زاد فى البيان بقوله: «وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» أى مشقة الحمل لم تكن مقتصرة على زمان قليل بل هى مع مشقات الرضاع ممتدة هذه المدة، وفى ذلك اشارة الى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر كما قال على وابن عباس رضى الله تعالى عنهم فيما روى أن أمرأة ولدت لستة أشهر من وقت التزوج فرفع ذلك الى عمر - وفى رواية الى عثمان رضى الله تعالى عنهما - فهم برجمها فقال على وابن عباس رضى الله تعالى عنهم: أما انها لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم - أى غلبتكم فى الخصومة - قال الله تعالى: «وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» وقال عز اسمه: «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ٤» فبقى ستة أشهر لحملها فأخذ عمر بقوله وأثنى عليه، ودرأ عنها الحد. وقال أبو اليسر رحمه الله تعالى: وهذه اشارة غامضة وقف عليها عبد الله بن عباس بدقة فهمه، وقد اختفى هذا

стр. 3138

الحكم على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فلما أظهره قبلوا منه. ولا يقال: لا بد فى الاشارة من لفظ يدل على المشار اليه وليس ذلك فيما ذكرت، بل هو من قبيل بيان الضرورة، لأنا نقول قوله: «ثلاثون» يشمل أفراده مطابقة فيكون الستة بعض مدلوله فيكون ثابتا بالنظم، ولا منافاة بين بيان الضرورة والاشارة فليكن بيان ضرورة أيضا (١). وجاء فى شرح المنار أن الثابت بالاشارة كالثابت بالعبارة من حيث أنه ثابت بصيغة الكلام فيكون عاما قابلا للتخصيص، لأن كلا منهما ثبت بنظم الكلام والعموم من أوصاف اللفظ، ولهذا قلنا فى اشارة قوله تعالى: «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ» خص منها اباحة وط ء الأب جارية ابنه وان كانت اللام تستلزم أن يكون الولد وأمواله ملكا للأب، ومختصا به. وقال أبو زيد: الاشارة لا تحتمل التخصيص لأن معنى العموم فيما سيق له الكلام، فأما ما يقع الاشارة اليه من غير أن يكون سياق الكلام له فهو زيادة على المطلوب بالنص، ومثل هذا لا يسمع فيه معنى العموم، حتى يقبل التخصيص (٢). وجاء فى كشف الأسرار أن القاضى الامام قال: الاشارة زيادة معنى على معنى النص وانما يثبت بايجاب النص اياه لا محالة، فلا يحتمل الخصوص وبيان أنه غير ثابت (٣). والبحث فى هذا الميدان طويل ينظر فى مصطلح (دلالة). حكم ما اذا تعارضت الاشارة والدلالة (أى دلالة النص) جاء فى كشف الأسرار أنه اذا تعارض الثابت بالدلالة مع الثابت بالاشارة فان الثابت بالدلالة يكون دون الثابت بالاشارة، لأن فى الاشارة وجد النظم والمعنى اللغوى، وفى الدلالة لم يوجد الا المعنى اللغوى - لأن الثابت بالدلالة هو المعنى الذى أدى اليه الكلام، كالايلام من الضرب فانه يفهم من اسم الضرب لغة لا شرعا، فتقابل المعنيان وبقى النظم سالما عن المعارضة فى الاشارة فترجحت بذلك. مثال ذلك ما قال الشافعى رحمه الله تعالى: ان الكفارة تجب فى القتل العمد، لأنها لما وجبت فى القتل الخطأ للجناية مع قيام العذر بقوله تعالى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ. ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا.

стр. 3139

فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة. وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة الى أهله وتحرير رقبة مؤمنة. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ١»﴾. لما وجبت فى هذا فلأن تجب فى العمد ولا عذر فيه، كان أولى. ويعارضها قوله تعالى: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها» (٢). فانه يشير الى عدم وجوب الكفارة فيه، وذلك لأنه تعالى جعل كل جزائه جهنم اذ الجزاء اسم للكامل التام فلو وجبت الكفارة معه كان المذكور بعض الجزاء فلم يكن كاملا تاما. ألا ترى أن فى جانب الخطأ لما وجبت الدية مع الكفارة جمع بينهما فقال: «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ» (٣) فعرفنا بلفظ الجزاء أن من موجب النص انتفاء الكفارة، فرجحنا الاشارة على الدلالة (٤). والبحث فى هذا الميدان طويل ينظر فى مصطلح (دلالة). أنواع الاشارة باللفظ جاء فى التقرير والتحبير: أن الاشارة تنقسم قسمين اشارة ظاهرة واشارة غامضة، وذلك لأن الاشارة لا تعرف الا بنوع تأمل واستدلال من غير أن يزاد على الكلام أو ينقص منه. ثم ان كان ذلك الغموض يزول بأدنى تأمل فهى اشارة ظاهرة، وان كان محتاجا الى زيادة تأمل فهى اشارة غامضة فلا جرم أن قال صاحب الكشف وغيره، فكما أن ادراك ما ليس بمقصود بالنظر مع ادراك المقصود به من كمال قوة الابصار، كذا فهم ما ليس بمقصود بالكلام فى ضمن المقصود به من كمال قوة الذكاء وصفاء القريحة، ولهذا يختص بفهم الاشارة الخواص، وتعد من محاسن الكلام البليغ (٥). أقسام الاشارة باللام جاء فى فواتح الرحموت أن اللام للاشارة الى معلومية المدخول، وأقسامه أربعة معروفة. الأول منها لام العهد الخارجى الذى فيه الاشارة الى حصة معينة من المدخول. والثانى منها لام الاستغراق الذى فيه الاشارة الى كل فرد منه.

стр. 3140

والثالث: لام الجنس الذى فيه اشارة الى الجنس. والرابع: لام العهد الذهنى الذى فيه اشارة الى فرد ما منه. وهذا فى المعنى كالنكرة. ثم ذكر قسما خامسا وهو لام الطبيعة الذى فيه الاشارة الى الطبيعة من حيث الاطلاق، مثل قولنا: الانسان نوع، وليس هذا القسم داخلا فى لام الجنس من حيث هو اشارة الى الجنس، سواء أخذ من حيث الاطلاق، أو من حيث هو، لأن الأنسب أن يخمس حين التقسيم، لمغايرة هذين اللامين بالاحكام كاللامات الأخرى. ثم الراجح العهد الخارجى لافادته فائدة جديدة، وكون الذكر سابقا قرينة عليه. ثم الراجح الاستغراق للأكثرية فى موارد الاستعمال، خصوصا فى استعمال الشارع. ثم الراجح الجنس لعدم افادته فائدة جديدة معتدا بها. وقيل: بالعكس أى بأن الراجح الجنس على الاستغراق، ويعزى الى علماء المعانى والبيان. والاستعمال شاهد بالأول فهو الأحق بالاعتبار، كيف؟ وهذا قول علماء الأصول، وهم متقدمون فى أخذ المعانى من قوالب الألفاظ. وظهر من هذا أن اللام حقيقة فى التعريف والاشارة وهو يعرف المدخول وان كان مستعملا فى معناه المجازى (١). حكم اشارة المصلى فى الصلاة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع: أنه ينبغى للمصلى أن يدفع الشخص الذى يمر من أمامه حتى لا يشغله عن صلاته لما روى عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ : قال: «لا يقطع الصلاة مرور شئ قأدرأوا ما استطعتم». وينبغى أن يكون دفعه عن المرور بالتسبيح، أو بالاشارة، أو الأخذ بطرف ثوبه من غير مشى ولا معالجة شديدة حتى لا تفسد صلاته. ومن الناس من قال: ان لم يقف المار باشارة المصلى جاز دفعه بالقتال لما روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه: أنه كان يصلى فأراد ابن مروان أن يمر بين يديه فأشار اليه فلم يقف، فلما حازاه ضربه فى صدره ضربة أقعده على استه، فجاء الى أبيه يشكو أبا سعيد فقال: لم ضربت ابنى؟ فقال: ما ضربت ابنك انما ضربت

стр. 3141

شيطانا. فقال: لم تسمى ابنى شيطانا؟ فقال: لأنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: اذا صلى أحدكم فأراد مار أن يمر بين يديه فليدفعه، فان أبى فليقاتله فانه شيطان. ولنا قول النبى ﷺ : ان فى الصلاة لشغلا، يعنى أعمال الصلاة والقتال ليس من أعمال الصلاة فلا يجوز الاشتغال به (١). وجاء فى الهداية أن المصلى يدرأ المارة اذا لم يكن بين يديه سترة أو كان ومر بينه وبين السترة لقول النبى ﷺ «ادرءوا ما استطعتم». ويدرأ بالاشارة كما فعل رسول الله ﷺ بولد أم سلمة رضى الله عنها، أو يدفع بالتسبيح، ويكره الجمع بين الاشارة والتسبيح لأن بأحدهما كفاية (٢). ولا ينبغى للرجل أن يسلم على المصلى، ولا للمصلى ان يرد سلامه باشارة ولا غير ذلك. أما السّلام فلأنه يشغل قلب المصلى عن صلاته، فيصير مانعا له عن الخير وأنه مذموم. وأما رد السّلام بالقول والاشارة فلأن رد السّلام من جملة كلام الناس لما روينا من حديث عبد الله بن مسعود فيه أنه لا يجوز الرد بالاشارة، لأن عبد الله قال: فسلمت عليه فلم يرد على، فيتناول جميع أنواع الرد. ولأن الاشارة ترك سنة اليد وهى الكف لقول النبى ﷺ كفوا أيديكم فى الصلاة، غير أنه اذا رد بالقول فسدت صلاته لأنه كلام. أما اذا رد بالاشارة لم تفسد صلاته لأن ترك السنة لا يفسد الصلاة، ولكنه يوجب الكراهة (٣). وجاء فى شرح تنوير الأبصار وحاشية ابن عابدين عليه أن المصلى لا يشير بسبابته عند الشهادة وعليه الفتوى كما فى الولوالجية والتجنيس وعمدة المفتى وعامة الفتاوى. لكن المعتمد ما صححه الشراح ولا سيما المتأخرون كالكمال والحلبى والبهنسى وغيرهم من أنه يشير وذلك لفعل النبى ﷺ ونسبوه الى

стр. 3142

محمد والامام وكذا نقلوه عن أبى يوسف فى الامالى فهو منقول عن أئمتنا الثلاثة. بل فى متن درر البحار وشرحه غرر الأفكار المفتى به عندنا أنه يشير باسطا أصابعه كلها. وفى الشرنبلالية عن البرهان: الصحيح أنه يشير بمسبحته وحدها يرفعها عند النفى ويضعها عند الاثبات. وروى ابن عابدين عن المحيط: أنها سنة يرفعها عند النفى ويضعها عند الاثبات كما تقدم - وهو قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وكثرت به الآثار والأخبار فالعمل به أولى. وقال ابن عابدين: فهو صريح فى أن المفتى به هو الاشارة بالمسبحة مع عقد الأصابع على الكيفية المذكورة لا مع بسطها فانه لا اشارة مع البسط عندنا. ولذا قال فى منية المصلى فان أشار يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى بالابهام ويقيم السبابة. وقال فى شرحها الصغير: وهل يشير عند الشهادة؟ عندنا فيه اختلاف. صحح فى الخلاصة والبزازية أنه لا يشير. وصحح فى شرح الهداية أنه يشير وكذا فى الملتقط وغيره. وصفتها أنه يحلق من يده اليمنى عند الشهادة الابهام والوسطى ويقبض البنصر والخنصر. ويشير بالمسبحة أو يعقد ثلاثة وخمسين بأن يقبض الوسطى والبنصر والخنصر ويضع رأس ابهامه على حرف مفصل الوسطى الأوسط ويرفع الاصبع عند النفى، ويضعها عند الاثبات. وقال فى الشرح الكبير: قبض الأصابع عند الاشارة هو المروى عن محمد فى كيفية الاشارة وكذا عن أبى يوسف فى الامالى وهذا فرع تصحيح الاشارة. وعن كثير من المشايخ: لا يشير أصلا وهو خلاف الدراية والرواية. فعن محمد أن ما ذكره فى كيفية الاشارة قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى: ومثله فى فتح القدير. وفى القهستانى: وعن أصحابنا جميعا أنه سنة فيحلق ابهام اليمنى ووسطاها ملصقا رأسها برأسها، ويشير بالسبابة. فهذه النقول كلها صريحة بأن الاشارة المسنونة انما هى على كيفية خاصة وهى العقد أو التحليق. أما ما روى من بسط الأصابع فليس فيه اشارة أصلا. وأما ما عليه عامة الناس فى زماننا من الاشارة مع البسط بدون عقد فلم أر أحدا قال به سوى الشارح تبعا للشرنبلالى عن البرهان. واذا تقرر أن المصلى يشير بمسبحته فليس له أن يشير الا بالمسبحة فقط فلو

стр. 3143

أشار بالمسبحتين كان ذلك مكروها كما فى الفتح وغيره (١). مذهب المالكية: جاء فى شرح الحطاب أن الاشارة لكلام أو حاجة لا تكره فى الصلاة. وقيل يكره ذلك. وفصل ابن الماجشون فقال: تكره الاشارة لحاجة لا لرد السّلام. قال سند: والمذهب أظهر. ولا فرق فى الاشارة بين الجواب وبين الابتداء. وفى سماع عبد الملك قال ابن وهب: ولا بأس فى أن يشير الرجل بلا أو نعم فى الصلاة. قال القاضى: هذا مثل ما فى المدونة. والأصل فى ذلك ما ورد أن رسول الله ﷺ خرج الى قباء فسمعت الأنصار به فجاءوا يسلمون عليه وهو يصلى فرد عليهم اشارة بيده. فكان مالك لا يرى بأسا فى أن يرد الرجل الى الرجل جوابا بالاشارة فى الصلاة وأن يرد اشارة على من سلم عليه ولم يكره شيئا من ذلك. وقد روى عنه زياد أنه كره أن يسلم على المصلى وأن يرد المصلى على من سلم عليه اشارة برأس أو بيد أو بشئ. والحجة لهذه الرواية ما روى أن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه سلم على النبى ﷺ وهو يصلى فلم يرد عليه. والأظهر من القولين عند تعارض الأثرين أنه يجب رد السّلام اشارة لقول الله : واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها (٢). وأما اشارة الرجل الى الرجل فى الصلاة ببعض حوائجه فالأولى والأحسن أن يقبل على صلاته، ولا يشتغل بذلك الا أن يكون ترك ذلك سببا لتمادى اشتغال باله فى صلاته. فيكون فعله كذلك أولى. قال ابن عربى نزلت نازلة ببغداد فى أبكم أشار فى صلاته فقال: بعض شيوخنا: بطلت صلاته، لأن اشارة الأبكم مثل كلامه. وقال بعضهم: لا تبطل، لأن الاشارة فى الصلاة جائزة، كما ذكر أنه لا فرق فى الاشارة بين أن تكون بالرأس أو باليد.

стр. 3144

قال فى المدونة: ولا يكره السّلام على المصلى فى فرض أو نافلة وليرد مشيرا بيده أو برأسه (١). وذكر صاحب منح الجليل: أنه لو كانت الاشارة بيد أو رأس لابتداء سلام فانها تجوز ولا سجود لها. وروى ذلك عن سند. والراجح أن الاشارة لرد السّلام واجبة، ورده باللفظ عمدا أو جهلا مبطل أما اذا كان سهوا فانه يقتضى السجود. فان كانت الاشارة للرد على شخص مشمت فانها تكون مكروهة (٢). حكم صلاة العاجز بالاشارة أو الايماء جاء فى شرح الخرشى أن العاجز عن جميع الأركان الا عن القيام يفعل صلاته كلها من قيام ويومئ لسجوده أخفض من الركوع، فان قدر على القيام مع الجلوس أيضا أومأ للركوع من قيام ويمد يديه لركبتيه فى ايمائه ويجلس ويومئ للسجدة الأولى والثانية من جلوس. ثم من صلى ايماء من قيام أو جلوس قيل: أن عليه أن يأتى من هذا الايماء بوسعه بحيث لا يطيق زائدا عليه حتى لو قصر عن طاقته فسدت صلاته. وهو ظاهر ما فى رواية ابن شعبان فى مختصره واستظهر لأنه أقرب الى الأصل. وقيل يكفى ما يسمى ايماء مع القدرة على أكثر منه، ولا يشترط أن يأتى بنهاية وسعه، وأخذه اللخمى والمازرى من المدونة. ومن بجبهته قروح تمنعه من السجود فلا يسجد على أنفه وانما يومئ كما قاله ابن القاسم فى المدونة فان وقع ونزل وسجد على أنفه فقال أشهب: يجزئه لأنه زائد على الايماء (٣). والمومئ للركوع من قيام أو جلوس فانه فى حالة الانحناء يشير بيديه لركبتيه وفى حالة الجلوس يضعهما على ركبتيه (٤). والمومئ للسجود اذا أومأ له من قيام أومأ بيديه وان أومأ له من جلوس وضعهما على الأرض كما يفعل الساجد غير المومئ وهذا هو المختار عند اللخمى وبعض القرويين. وهل يومئ مع ايمائه بظهره ورأسه للسجود بيديه أيضا اذا صلى قائما

стр. 3145

ويضعهما أن صلى جالسا على الأرض فى ايماء السجود ان قدر كما يحسر عمامته عن جبهته فى ايمائه له أو لا يفعل باليدين شيئا مما ذكر من ايماء قائما أو وضع لهما جالسا بل يجعلها على ركبتيه تأويلان (١). حكم صلاة الخائف بالاشارة أو الايماء اذا لم يمكن قسم الجماعة - فى حالة الخوف - ولا تفرقتهم لكثرة عدو ونحوه ورجوا أن ينكشف قبل خروج الوقت المختار بحيث يدركون الصلاة فيه أخروا استحبابا فاذا بقى من الوقت ما يسع الصلاة صلوا ايماء على خيولهم ويكون السجود أخفض من الركوع (٢). حكم اشارة الامام بقصد الاستخلاف جاء فى التاج والاكليل: أن الباجى قال: من سنة الصلاة أن لا يتكلم الامام اذا طرأ له ما يمنعه التمادى ويستخلف باشارة الا أن يخاف أن لا يفقهوا فليتكلم. قال ابن بشير: ويصح الاستخلاف لأنه بالطارئ خرج عن أن يكون اماما. وقال ابن القاسم: ان تكلم فى استخلافه وقال: يا فلان تقدم لم يضرهم ذلك (٣). وجاء فى شرح الخرشى أنه اذا خرج الامام من صلاته لعذر مبطل لها كحدث سبقه أو حدث ذكر وأراد الاستخلاف فانه يندب له أن لا يتكلم ليستتر فى خروجه بل يشير لمن يقدمه. ويشمل ذلك أيضا رعاف غير البناء أما رعاف البناء فانه يجب معه ترك الكلام. ويندب له اذا خرج أن يمسك أنفه ليورى أنه قد حصل له رعاف (٤). ويندب للمصلين أن يستخلفوا ان خرج الامام ولم يستخلف عليهم، ولو أشار اليهم الأول بأن ينتظروه الى أن يأتى ويتم بهم على ظاهر المذهب خلافا لابن نافع فى ايجاب انتظاره حيث أشار لهم أن امكثوا (٥). مذهب الشافعية: جاء فى حاشيتى قليوبى وعميرة على منهاج الطالبين أن الاشارة فى الصلاة لا تبطلها ولو كانت من أخرس أو باللسان وأن قصد بها الافهام (٦).

стр. 3146

وجاء فى نهاية المحتاج الى شرح المنهاج: أنه يسن رد السّلام للمصلى وذلك بالاشارة على من سلم عليه وان كان سلامه غير (١) مندوب. وجاء فى مغنى المحتاج أنه يسن للمصلى فى التشهد أن يضع يسراه على طرف ركبته اليسرى بحيث تسامت رءوسهما الركبة منشورة الاصابع ويقبض من يمناه بعد وضعها على فخذه اليمنى الخنصر والبنصر. وكذا الوسطى فى الأظهر للاتباع كما رواه مسلم. والثانى يحلق بين الوسطى والابهام، هذا ويرسل المسبحة على القولين وهى - بكسر الباء، الأصبع التى تلى الابهام. سميت بذلك لأنه يشار بها الى التوحيد والتنزيه. وتسمى أيضا السبابة لأنه يشار بها عند المخاصمة والسب. ويرفعها مع امالتها قليلا كما قاله المحاملى وغيره عند قوله: الا الله: للاتباع رواه مسلم من غير ذكر امالة. ويسن أن يكون رفعها الى القبلة ناويا بذلك التوحيد والاخلاص ويقيمها ولا يضعها كما قاله نصر المقدسى. وخصت المسبحة بذلك لأن لها اتصالا بنياط القلب فكأنها سبب احضوره. والحكمة فى ذلك هى الاشارة الى أن المعبود واحد ليجمع فى توحيده بين القول والفعل والاعتقاد. وتكره الاشارة بمسبحته اليسرى ولو من مقطوع اليمنى. وقال الولى العراقى: بل فى تسميتها مسبحة نظر، فانها ليست آلة التنزيه والرفع عند الهمزة، لأنه حال اثبات الوحدانية لله تعالى. وقيل: يشير بها فى جميع التشهد، ولا يحركها عند رفعها لأنه ﷺ كان لا يفعله رواه أبو داود من رواية عبد الله بن الزبير. وقيل: يحركها لأن وائل بن حجر روى أن النبى ﷺ كان يفعله. هذا والأظهر ضم الابهام الى المسبحة كعاقد ثلاثة وخمسين بأن يضعها تحتها على طرف راحته لحديث ابن عمر فى مسلم كان النبى ﷺ اذا قعد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة. والثانى يضع الابهام على الوسطى

стр. 3147

كعاقد ثلاثة وعشرين. رواه مسلم أيضا عن ابن الزبير (١). حكم صلاة العاجز بالاشارة أو الايماء جاء فى نهاية المحتاج أن المصلى ان عجز عن الركوع والسجود أومأ برأسه والسجود أخفض من الركوع فان عجز عن الايماء برأسه فبطرفه. وظاهر كلامهم أنه لا يجب هنا ايماء للسجود أخفض وهو متجه خلافا للجوجرى لظهور التمييز بينهما فى الايماء بالرأس دون الطرف ثم ان عجز عن الايماء بطرفه صلى بقلبه (٢). حكم صلاة الخائف بالاشارة أو الايماء جاء فى مغنى المحتاج أن المصلى فى شدة الخوف يكفيه الايماء بركوعه وسجوده ويكون سجوده أخفض من ركوعه لما روى البخارى أن النبى ﷺ كان يصلى على راحلته حيث توجهت به يومئ ايماء الا الفرائض (٣). حكم اشارة الامام بقصد الاستخلاف جاء فى المجموع: أن الامام اذا أحدث فى الصلاة قدم هو أو قدم المأمومون من يتم بهم الصلاة وذلك انما يكون بالاشارة (٤). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير أنه لا بأس بالاشارة فى الصلاة باليد والعين لما روى ابن عمر وأنس رضى الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ كان يشير فى الصلاة (٥). فقد روى عن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: قلت لبلال: كيف كان النبى ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه فى الصلاة قال: كان يشير بيده. وعن صهيب قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلى فسلمت عليه فرد على اشارة وقال: لا أعلم الا أنه قال اشارة بأصبعه قال الترمذى: كلا الحديثين صحيح (٦). وجاء فى كشاف القناع: أن المصلى اذا جلس للتشهد فعليه أن يجلس مفترشا جاعلا يديه على فخذيه - اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى - لأنه أشهر فى الاخبار، لا يلقمهما ركبتيه، باسطا أصابع يسراه مضمومة

стр. 3148

على فخذه اليسرى، لا يخرج بها عنها، بل يجعل أطراف أصابعه مسامتة اركبته مستقبلا بها القبلة، قابضا من يمناه الخنصر والبنصر محلقا ابهامه مع وسطاه. لما روى وائل بن حجر أن النبى ﷺ وضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم عقد من أصابعه الخنصر والتى تليها، وحلق بأصبعه الوسطى على الابهام ورفع السبابة يشير بها رواه أحمد وأبو داود. وروى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ اذا جلس فى الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع أصبعه التى تلى الابهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطا عليها رواه مسلم. ثم يتشهد سرا ندبا كتسبيح ركوع وسجود، وقول: رب أغفر لى بين السجدتين فيندب الاسرار بذلك لعدم الداعى للجهر به. ويشير فى تشهده بسبابته اليمنى لفعل النبى ﷺ ولا يشير بغير سبابته اليمنى ولو عدمت سبابة اليمنى. هذا ويشير مرارا كل مرة عند لفظ الله تنبيها على التوحيد ولا يحركها، لفعل النبى ﷺ . ويشير أيضا بسبابته اليمنى عند دعائه فى صلاة وغيرها لقول عبد الله بن الزبير كان النبى ﷺ يشير بأصبعه اذا دعا ولا يحركها رواه أبو داود والنسائى. وعن سعيد بن أبى وقاص قال: مر على النبى ﷺ وأنا أدعو بأصابعى فقال: أحد أحد وأشار بالسبابة رواه النسائى (١). حكم صلاة العاجز بالاشارة أو الايماء جاء فى المغنى والشرح الكبير: أن المصلى ان عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما ويجعل السجود أخفض من الركوع وان عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود وان لم يمكنه أن يحنى ظهره حنى رقبته فأما ان رفع الى وجهه شيئا فسجد عليه فقال بعض أصحابنا لا يجزيه. وروى عن ابن مسعود وابن عمر وجابر وأنس رضى الله تعالى عنهم أنهم قالوا يومئ ولا يرفع الى وجهه شيئا. وروى الأثرم عن أحمد رحمه الله تعالى أنه قال أى ذلك فعل فلا بأس يومئ أو يرفع المرفقة فيسجد عليها.

стр. 3149

وعن أحمد أنه قال: الايماء أحب الى وان رفع الى وجهه شيئا فسجد عليه أجزأه (١) وان لم يقدر على الايماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله ثابتا (٢). وجاء فى كشاف القناع أنه ان عجز عن الايماء برأسه لركوعه وسجوده أومأ بطرفه ونوى بقلبه لما روى زكريا الساجى باسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن الحسين ابن أبى طالب أن النبى ﷺ قال: فان لم يستطع أومأ بطرفه. وظاهر كلام جماعة أنه لا يلزمه وصوبه فى الفروع لعدم ثبوته (٣). حكم صلاة الخائف بالاشارة أو الايماء جاء فى كشاف القناع (٤): أنه اذا اشتد الخوف بالمسلمين صلوا وجوبا ولا يؤخرونها رجالا أو ركبانا متوجهين الى القبلة أو غيرها يومئون بالركوع والسجود ايماء على قدر الطاقة لأنهم لو تمموا الركوع والسجود لكانوا هدفا لأسلحة الكفار معرضين أنفسهم للهلاك ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم كالمريض وسواء وجد اشتداد الخوف قبل الصلاة أو فيها لعموم الآية (٥). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه اذا سلم شخص على المصلى حين صلاته فليرد عليه اشارة لا كلاما، بيده اليمنى أو برأسه فاذا تكلم عمدا بطلت صلاته (٦). ويستحب للمصلى أن يشير اذا جلس للتشهد بأصبعه ولا يحركها ويده اليمنى على فخذه اليمنى ويضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى. وذلك لما روى عن مالك عن مسلم بن أبى مريم عن على بن عبد الرحمن قال: رآنى عبد الله بن عمر أعبث بالحصى فى الصلاة فلما انصرف نهانى وقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع اذا جلس فى الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار

стр. 3150

بأصبعه التى تلى الابهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى (١). حكم صلاة العاجز بالاشارة أو الايماء جاء فى المحلى أن من عجز عن الركوع أو عن السجود خفض لذلك قدر طاقته فمن لم يقدر على أكثر من الايماء أومأ. لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ (٢). وقول رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٣)». مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن المصلى اذا قعد للتشهد فله أمران أحدهما: أن يضع يديه على ركبتيه فاليسرى على أصل الخلقة من غير ضم ولا تفريق. ومنهم من قال: يفرق. ومنهم من قال: يضم. وأما اليمنى ففى ذلك أربعة أقوال: الأول: ظاهر مذهب الهادى والقاسم أنه يضعها مبسوطة من غير قبض وتكون على أصل الخلقة. القول الثانى: أن يقبض الأصابع الا المسبحة. والقول الرابع: أن يعقد الخنصر والبنصر ويحلق بالابهام والوسطى ويشير بالمسبحة. والقول الرابع: أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويبسط الابهام والمسبحة يشير بها. قال الامام: فيكون المصلى مخيرا وما فعل به فقد أتى بالسنة لأنه ﷺ قد فعلها. الأمر الثانى أن يشير بمسبحته اليمنى. قال النووى وتكره الاشارة بمسبحته اليسرى لأن السنة فيها البسط دائما هذا وتكون الاشارة عند قوله: وحده، لا خلاص التوحيد (٤). حكم صلاة العاجز بالاشارة والايماء جاء فى البحر الزخار أن القاعد يركع ويسجد.

стр. 3151

فان تعذر السجود أومأ له أخفض ما يمكن لقول النبى ﷺ : «ويجعل السجود أخفض من الركوع». وان تعذر الركوع أومأ له من قيام وللسجود من قعود لخبر عمران، وايماء القائم أقرب الى حالة الراكع. ويومئ برأسه فى الاضطجاع وللسجود أخفض فان تعذر الايماء بالرأس سقطت اذ الذكر وحده ليس بصلاة. وقيل يومئ بالعين والحاجب فان تعذر الايماء سقطت (١). حكم صلاة الخائف بالاشارة أو الايماء جاء فى البحر الزخار: أنه اذا اتصلت المدافعة فعل المصلى ما أمكن ولو فى الحضر لقول الله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً» ومهما أمكن الايماء بالرأس وجب ولا قضاء عليه والا وجب الذكر لحرمة الوقت والقضاء اذ لم يأت بصلاة (٢). مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح الكرامة أن الأخرس اذا أراد أن ينوى الدخول فى الصلاة يعقد قلبه بمعناها مع الاشارة وتحريك اللسان كما قيدوا الاشارة بالأصبع وخالف بعض العلماء بأنها تحريك الرأس. كما ذكروا أنه يكبر بالاشارة بأصبعه من دون ذكر عقد قلبه وتحريك لسانه. وفى الارشاد يعقد قلبه ويشير بأصبعه. وفى كشاف اللثام: أنه لم يقيد الاشارة بالأصبع كما قيدها بها غيره. لأن التكبير لا يشار اليه بالأصبع غالبا وانما يشار بها الى التوحيد (٣). وحكى صاحب مفتاح الكرامة أن الاجماع على أن رد السّلام فى الصلاة بالكلام ولا تكفى الاشارة كما ذكر فى المسالك ومثله اجماع الخلاف وهذه وان لم تكن نصا فى المراد لكنها تؤيده وتشهد عليه، لأنها منقولة فى مقام الرد على من منع من الرد بغير الاشارة وعلى من لم يجوزه بالنطق والاشارة (٤). وجاء فى الخلاف أنه اذا مر بين يديه وهو يصلى انسان رجلا كان أو أمرأة أو حمارا أو بهيمة أو كلبا أو أى شئ كان فلا يقطع صلاته وان لم يكن قد نصب بين يديه شيئا سواء كان بالقرب منه

стр. 3152

أو بالبعد منه وان كان ذلك مكروها وبه قال جميع الفقهاء الا ما حكى عن الحسن البصرى أنه قال: اذا كان المار بين يديه كلبا أو امرأة أو حمارا قطع الصلاة وبه قال جماعة من أصحاب الحديث. وقد روى أبو الوداك عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال: لا يقطع الصلاة شئ فادرأوا ما استطعتم فانما هو شيطان (١). وجاء فى الروضة البهية أنه يستحب فى الجلوس للتشهد ايماء المنفرد بالتسليم الى القبلة ثم يومئ بمؤخر عينه عن يمينه. أما الأول فلم يقف على مستنده وانما النص والفتوى على كونه الى القبلة بغير ايماء. وفى الذكرى: ادعى الاجماع على نفى الايماء الى القبلة بالصيغتين وقد أثبته هنا وفى الرسالة النقلية. وأما الثانى فذكره الشيخ وتبعه عليه الجماعة واستدلوا عليه بما لا يفيده. والامام يومئ بصفحة وجهه يمينا بمعنى أنه يبتدئ به الى القبلة ثم يشير بباقيه الى اليمين بوجهه. والمأموم كذلك يومئ الى يمينه بصفحة وجهه كالامام مقتصرا على تسليمة واحدة ان لم يكن على يساره أحد وان كان على يساره أحد سلم أخرى بصيغة السّلام عليكم موميا بوجهه الى يساره أيضا (٢). حكم صلاة العاجز بالاشارة أو الايماء جاء فى شرائع الاسلام أن المصلى اذا لم يقدر على السجود رفع ما يسجد عليه فان لم يقدر أومأ (٣)، وان عجز عن الركوع أصلا اقتصر على الايماء (٤). حكم صلاة الخائف بالاشارة أو الايماء جاء فى الخلاف أنه فى شدة الخوف وهى حالة المسايفة والتحام القتال يصلى بحسب الامكان ايماء وغير ذلك ولا تجب عليه الاعادة لاجماع الفرقة ولقول الله تعالى: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾ (٥)

стр. 3153

مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أن المصلى اذا لم يمكنه ركوع ولا سجود صلى قاعدا بايماء وان أمكنه ركوع وقيام فكذلك. وقيل يصلى قائما ويركع ويسجد بانحناء أسفل من الركوع ما قدر، ويقوم ويرجع كذلك قبل أن يصل، حيث ركع ويرفع ويمكث حيث وصل فى السجدة الأولى ويقرأ التحيات وذلك اذا وصلها والقعود بايماء هو أولى من قيام بايماء. وقيل: القيام أولى. والمراد هنا بالأولوية الاستحقاق على الوجوب - والقيام به هو أولى من اضطجاع به حيث قدر عليهما دون القعود. والايماء قائما أن يشير الى كل فعل وهو قائم ويشير للسجود أسفل من الركوع ولا يركع لأنه ان ركع وسجد أسفل الركوع كان كهيئة التذبح وهى لا تجوز وان أومأ للسجود أرفع من الركوع كان السجود أرفع منه وهو لا يجوز. ووجه كون القعود أولى: أن أكثر الأعمال فيه فالاشارة فيه للكل أولى (١). هذا وعلى القاعد للتشهد أن يضع المصلى يديه على فخذيه مفرقا أصابعه ولا يضر ضمها - وكذا بين السجدتين - وموصلا أنامله لأطراف ركبتيه بلا فساد ان لم يفرق أو لم يوصل. والمراد بايصال الأنامل أن تكون المفاصل العليا من الأصابع فى أطراف ركبتيه وذلك المراد بالكفين فى حديث جعله كفيه على ركبتيه بدليل وجوب الاعتدال وفسدت أن تركهما فى الهواء أو على الأرض أو فى غير الفخذين كالكتف والبطن أو الخد أو الظهر أو الرأس أو فيهما غير مبسوطتين أو على جنبهما أو على جنب الفخذين أو تحتهما أو على رأس الأصابع لا لعذر أو نسيان (٢). حكم صلاة المريض بالاشارة أو الايماء جاء فى شرح النيل أن من بطلت احدى رجليه أو يديه بأن لا تصل أحداهما الأرض أو تصلها بجانب أو بورائها أو حزت صلى قاعدا بايماء أى اشارة لركوع وسجود لانتفاء السجود على سبعة أعضاء (٣). ويصلى عاجز عن قيام قاعدا ان قدر والا فليصل مضطجعا بايماء بركوع وسجود الى جهة القبلة لا الى

стр. 3154

صدره وان عجز عن الايماء فى قعود واضطجاع (١). وقيل أن عجز مريض عن ايماء بركوع وسجود مع اضطجاع أو استلقاء رجع للتكبير وهو الأصح (٢). والايماء للسجود أخفض من الايماء الذى هو بدل الركوع. وقيل: ايماء الركوع بمد العنق والسجود بضمه نظرا الى أن السجود تسفل من قيام (٣). حكم اشارة المأموم الى امام الصلاة بقصد تعيينه مذهب الحنفية: ذكر ابن عابدين فى حاشيته أن المأموم اذا نوى الصلاة مؤتما وعين الامام باسمه وعرفه بالاشارة اليه فبان غير من سمى صحت صلاته. كما لو نوى الاقتداء بالامام القائم فى المحراب الذى هو زيد فاذا بالقائم فى المحراب غير زيد، أو نوى الاقتداء بهذا الامام الذى هو زيد فبان أن من أشار اليه لم يكن زيدا. وذلك لأن (أل) فى الصورة الأولى يشار بها الى الموجود فى الخارج أو الموجود فى الذهن وعلى كل فقد نوى الاقتداء بالامام الموجود فلغت التسمية. وكذلك الأمر فى الصورة الثانية لأنه نوى الاقتداء بالمشار اليه فلغت التسمية كما فى الخانية وغيرها، هذا اذا كانت الاشارة بصفة عامة. أما اذا كانت الاشارة بصفة خاصة كأن ينوى الاقتداء بهذا الشاب ثم يتبين أنه شيخ فلا يصح. وان عكس فنوى الاقتداء بهذا الشيخ فاذا هو شاب صح. لأن الشاب يدعى شيخا لعلمه، هذا الى أن زيدا وعمرا جنس واحد من حيث الذات وان اختلفا من حيث الأوصاف والمشخصات، لأن الملحوظ اليه فى العلم هو الذات. ففى قوله هذا الامام الذى هو زيد فظهر أن المشار اليه عمر يكون قد اختلف المسمى والمشار اليه فلغت التسمية وبقيت الاشارة معتبرة لكونهما من جنس واحد فصح الاقتداء. وأما الشيخ والشاب فهما من الأوصاف الملحوظ فيها الصفات دون الذات ومعلوم أن صفة الشيخوخة تباين صفة الشباب فكانا جنسين.

стр. 3155

فاذا قال هذا الشاب فظهر أنه شيخ لا يصح الاقتداء على ما ذكر - لأنه وصفه بصفة خاصة لا يوصف بها من بلغ سن الشيخوخة فقد خالفت الاشارة التسمية مع اختلاف الجنس فلغت الاشارة واعتبرت التسمية بالشاب فيكون قد اقتدى بغير موجود كمن اقتدى بزيد فبان غيره. وأما اذا قال: هذا الشيخ فظهر أنه شاب فانه يصح لأن الشيخ صفة مشتركة فى الاستعمال بين الكبير فى السن والكبير فى القدر كالعالم وبالنظر الى المعنى الثانى يصح أن يسمى الشاب شيخا فقد اجتمعت الصفتان فى المشار اليه لعدم تخالفهما فلم يلغ أحدهما فيصح الاقتداء (١). مذهب الشافعية: جاء فى حاشية البجرمى أنه لا يشترط تعين الامام حين الاقتداء به بل يكفى نية الاقتداء بالامام الحاضر. فلا يجب تعين الامام باسمه أو صفته التى منها الحاضر. واذا عينه باسمه أو صفته ولم يشر اليه أى اشارة حسية كانت أو قلبية وليس المراد تعيينه بالاشارة القلبية الى ذاته بل المراد أنه يعتقد بقلبه زيدا فتبين أنه عمرو وان عينه ولم يكن التعيين باشارة والا فالاشارة من أفراد التعيين وسواء كانت الاشارة مع التعيين بالاسم أو كان تعيينه بنفس الاشارة الحسية أى المتعلقة بالشخص واذا تعارضت مع العبارة روعيت الاشارة هنا. والحاصل أنه اذا علق القدوة بالشخص لا يضر الغلط فى الاسم وان لم يعلقها بالشخص ضر الغلط فى الاسم ومعلوم أنه مع الاشارة يكون الاقتداء بالشخص (٢). مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح الكرامة أنه يشترط تعيين الامام بلا خلاف بالاسم أو الصفة أو الحاضر معه بعد العلم باستجماعه لشرائط الامامة. وذكر فى المصابيح أنه لو نوى الاقتداء بهذا الحاضر على أنه زيد أو سماه فبان أنه عمرو فلو لم يكن عمرو عنده عادلا ففى صحة صلاته أشكال لظهور عدم الاقتداء بعادل.
следующие страницы →