فان تعذر السجود أومأ له أخفض ما يمكن لقول النبى ﷺ : «ويجعل السجود أخفض من الركوع».
وان تعذر الركوع أومأ له من قيام وللسجود من قعود لخبر عمران، وايماء القائم أقرب الى حالة الراكع. ويومئ برأسه فى الاضطجاع وللسجود أخفض فان تعذر الايماء بالرأس سقطت اذ الذكر وحده ليس بصلاة.
وقيل يومئ بالعين والحاجب فان تعذر الايماء سقطت (١).
حكم صلاة الخائف بالاشارة أو الايماء
جاء فى البحر الزخار: أنه اذا اتصلت المدافعة فعل المصلى ما أمكن ولو فى الحضر لقول الله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً» ومهما أمكن الايماء بالرأس وجب ولا قضاء عليه والا وجب الذكر لحرمة الوقت والقضاء اذ لم يأت بصلاة (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة أن الأخرس اذا أراد أن ينوى الدخول فى الصلاة يعقد قلبه بمعناها مع الاشارة وتحريك اللسان كما قيدوا الاشارة بالأصبع
وخالف بعض العلماء بأنها تحريك الرأس. كما ذكروا أنه يكبر بالاشارة بأصبعه من دون ذكر عقد قلبه وتحريك لسانه.
وفى الارشاد يعقد قلبه ويشير بأصبعه.
وفى كشاف اللثام: أنه لم يقيد الاشارة بالأصبع كما قيدها بها غيره.
لأن التكبير لا يشار اليه بالأصبع غالبا وانما يشار بها الى التوحيد (٣).
وحكى صاحب مفتاح الكرامة أن الاجماع على أن رد السّلام فى الصلاة بالكلام ولا تكفى الاشارة كما ذكر فى المسالك ومثله اجماع الخلاف وهذه وان لم تكن نصا فى المراد لكنها تؤيده وتشهد عليه، لأنها منقولة فى مقام الرد على من منع من الرد بغير الاشارة وعلى من لم يجوزه بالنطق والاشارة (٤).
وجاء فى الخلاف أنه اذا مر بين يديه وهو يصلى انسان رجلا كان أو أمرأة أو حمارا أو بهيمة أو كلبا أو أى شئ كان فلا يقطع صلاته وان لم يكن قد نصب بين يديه شيئا سواء كان بالقرب منه
стр. 3152
أو بالبعد منه وان كان ذلك مكروها وبه قال جميع الفقهاء الا ما حكى عن الحسن البصرى أنه قال:
اذا كان المار بين يديه كلبا أو امرأة أو حمارا قطع الصلاة وبه قال جماعة من أصحاب الحديث.
وقد روى أبو الوداك عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال: لا يقطع الصلاة شئ فادرأوا ما استطعتم فانما هو شيطان (١).
وجاء فى الروضة البهية أنه يستحب فى الجلوس للتشهد ايماء المنفرد بالتسليم الى القبلة ثم يومئ بمؤخر عينه عن يمينه.
أما الأول فلم يقف على مستنده وانما النص والفتوى على كونه الى القبلة بغير ايماء.
وفى الذكرى: ادعى الاجماع على نفى الايماء الى القبلة بالصيغتين وقد أثبته هنا وفى الرسالة النقلية.
وأما الثانى فذكره الشيخ وتبعه عليه الجماعة واستدلوا عليه بما لا يفيده.
والامام يومئ بصفحة وجهه يمينا بمعنى أنه يبتدئ به الى القبلة ثم يشير بباقيه الى اليمين بوجهه.
والمأموم كذلك يومئ الى يمينه بصفحة وجهه كالامام مقتصرا على تسليمة واحدة ان لم يكن على يساره أحد وان كان على يساره أحد سلم أخرى بصيغة السّلام عليكم موميا بوجهه الى يساره أيضا (٢).
حكم صلاة العاجز بالاشارة أو الايماء
جاء فى شرائع الاسلام أن المصلى اذا لم يقدر على السجود رفع ما يسجد عليه فان لم يقدر أومأ (٣)، وان عجز عن الركوع أصلا اقتصر على الايماء (٤).
حكم صلاة الخائف بالاشارة أو الايماء
جاء فى الخلاف أنه فى شدة الخوف وهى حالة المسايفة والتحام القتال يصلى بحسب الامكان ايماء وغير ذلك ولا تجب عليه الاعادة لاجماع الفرقة ولقول الله تعالى: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾ (٥)
стр. 3153
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن المصلى اذا لم يمكنه ركوع ولا سجود صلى قاعدا بايماء وان أمكنه ركوع وقيام فكذلك.
وقيل يصلى قائما ويركع ويسجد بانحناء أسفل من الركوع ما قدر، ويقوم ويرجع كذلك قبل أن يصل، حيث ركع ويرفع ويمكث حيث وصل فى السجدة الأولى ويقرأ التحيات وذلك اذا وصلها والقعود بايماء هو أولى من قيام بايماء.
وقيل: القيام أولى.
والمراد هنا بالأولوية الاستحقاق على الوجوب - والقيام به هو أولى من اضطجاع به حيث قدر عليهما دون القعود.
والايماء قائما أن يشير الى كل فعل وهو قائم ويشير للسجود أسفل من الركوع ولا يركع لأنه ان ركع وسجد أسفل الركوع كان كهيئة التذبح وهى لا تجوز وان أومأ للسجود أرفع من الركوع كان السجود أرفع منه وهو لا يجوز.
ووجه كون القعود أولى: أن أكثر الأعمال فيه فالاشارة فيه للكل أولى (١).
هذا وعلى القاعد للتشهد أن يضع المصلى يديه على فخذيه مفرقا أصابعه ولا يضر ضمها - وكذا بين السجدتين - وموصلا أنامله لأطراف ركبتيه بلا فساد ان لم يفرق أو لم يوصل.
والمراد بايصال الأنامل أن تكون المفاصل العليا من الأصابع فى أطراف ركبتيه وذلك المراد بالكفين فى حديث جعله كفيه على ركبتيه بدليل وجوب الاعتدال وفسدت أن تركهما فى الهواء أو على الأرض أو فى غير الفخذين كالكتف والبطن أو الخد أو الظهر أو الرأس أو فيهما غير مبسوطتين أو على جنبهما أو على جنب الفخذين أو تحتهما أو على رأس الأصابع لا لعذر أو نسيان (٢).
حكم صلاة المريض بالاشارة أو الايماء
جاء فى شرح النيل أن من بطلت احدى رجليه أو يديه بأن لا تصل أحداهما الأرض أو تصلها بجانب أو بورائها أو حزت صلى قاعدا بايماء أى اشارة لركوع وسجود لانتفاء السجود على سبعة أعضاء (٣).
ويصلى عاجز عن قيام قاعدا ان قدر والا فليصل مضطجعا بايماء بركوع وسجود الى جهة القبلة لا الى
стр. 3154
صدره وان عجز عن الايماء فى قعود واضطجاع (١).
وقيل أن عجز مريض عن ايماء بركوع وسجود مع اضطجاع أو استلقاء رجع للتكبير وهو الأصح (٢).
والايماء للسجود أخفض من الايماء الذى هو بدل الركوع.
وقيل: ايماء الركوع بمد العنق والسجود بضمه نظرا الى أن السجود تسفل من قيام (٣).
حكم اشارة المأموم الى امام
الصلاة بقصد تعيينه
مذهب الحنفية:
ذكر ابن عابدين فى حاشيته أن المأموم اذا نوى الصلاة مؤتما وعين الامام باسمه وعرفه بالاشارة اليه فبان غير من سمى صحت صلاته.
كما لو نوى الاقتداء بالامام القائم فى المحراب الذى هو زيد فاذا بالقائم فى المحراب غير زيد، أو نوى الاقتداء بهذا الامام الذى هو زيد فبان أن من أشار اليه لم يكن زيدا.
وذلك لأن (أل) فى الصورة الأولى يشار بها الى الموجود فى الخارج أو الموجود فى الذهن وعلى كل فقد نوى الاقتداء بالامام الموجود فلغت التسمية.
وكذلك الأمر فى الصورة الثانية لأنه نوى الاقتداء بالمشار اليه فلغت التسمية كما فى الخانية وغيرها، هذا اذا كانت الاشارة بصفة عامة.
أما اذا كانت الاشارة بصفة خاصة كأن ينوى الاقتداء بهذا الشاب ثم يتبين أنه شيخ فلا يصح.
وان عكس فنوى الاقتداء بهذا الشيخ فاذا هو شاب صح.
لأن الشاب يدعى شيخا لعلمه، هذا الى أن زيدا وعمرا جنس واحد من حيث الذات وان اختلفا من حيث الأوصاف والمشخصات، لأن الملحوظ اليه فى العلم هو الذات.
ففى قوله هذا الامام الذى هو زيد فظهر أن المشار اليه عمر يكون قد اختلف المسمى والمشار اليه فلغت التسمية وبقيت الاشارة معتبرة لكونهما من جنس واحد فصح الاقتداء.
وأما الشيخ والشاب فهما من الأوصاف الملحوظ فيها الصفات دون الذات ومعلوم أن صفة الشيخوخة تباين صفة الشباب فكانا جنسين.
стр. 3155
فاذا قال هذا الشاب فظهر أنه شيخ لا يصح الاقتداء على ما ذكر - لأنه وصفه بصفة خاصة لا يوصف بها من بلغ سن الشيخوخة فقد خالفت الاشارة التسمية مع اختلاف الجنس فلغت الاشارة واعتبرت التسمية بالشاب فيكون قد اقتدى بغير موجود كمن اقتدى بزيد فبان غيره.
وأما اذا قال: هذا الشيخ فظهر أنه شاب فانه يصح لأن الشيخ صفة مشتركة فى الاستعمال بين الكبير فى السن والكبير فى القدر كالعالم وبالنظر الى المعنى الثانى يصح أن يسمى الشاب شيخا فقد اجتمعت الصفتان فى المشار اليه لعدم تخالفهما فلم يلغ أحدهما فيصح الاقتداء (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى حاشية البجرمى أنه لا يشترط تعين الامام حين الاقتداء به بل يكفى نية الاقتداء بالامام الحاضر.
فلا يجب تعين الامام باسمه أو صفته التى منها الحاضر.
واذا عينه باسمه أو صفته ولم يشر اليه أى اشارة حسية كانت أو قلبية وليس المراد تعيينه بالاشارة القلبية الى ذاته بل المراد أنه يعتقد بقلبه زيدا فتبين أنه عمرو وان عينه ولم يكن التعيين باشارة والا فالاشارة من أفراد التعيين وسواء كانت الاشارة مع التعيين بالاسم أو كان تعيينه بنفس الاشارة الحسية أى المتعلقة بالشخص واذا تعارضت مع العبارة روعيت الاشارة هنا.
والحاصل أنه اذا علق القدوة بالشخص لا يضر الغلط فى الاسم وان لم يعلقها بالشخص ضر الغلط فى الاسم ومعلوم أنه مع الاشارة يكون الاقتداء بالشخص (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة أنه يشترط تعيين الامام بلا خلاف بالاسم أو الصفة أو الحاضر معه بعد العلم باستجماعه لشرائط الامامة.
وذكر فى المصابيح أنه لو نوى الاقتداء بهذا الحاضر على أنه زيد أو سماه فبان أنه عمرو فلو لم يكن عمرو عنده عادلا ففى صحة صلاته أشكال لظهور عدم الاقتداء بعادل.
стр. 3156
وأما اذا كانا عادلين عنده فالظاهر صحة صلاته لوقوع التعيين بالاشارة وعدم ثبوت ضرر فيما اعتقده خطأ.
وكما صحت صلاته فى الصورة التى تتردد بين كون امامه زيد العادل عنده أو عمرو كذلك وعين باشارته بكونه هذا الحاضر سواء كان زيدا أو عمرا صحت أيضا باشارته بكونه هذا الحاضر وان كان اعتقد من بينهما أنه زيد فظهر كونه عمرا لأن المناط المصحح هو تعيينه باشارته لان دليل التعيين فى النية هو تحقق الامتثال العرفى.
وهذا القدر من التعيين كاف لا يضر معه الخطأ فى الاعتقاد (١).
حكم الاشارة الى الحجر
الأسود فى الحج
مذهب الحنفية:
جاء فى حاشية ابن عابدين: أن من سنن الحج استقبال الحجر الأسود وذلك بأن يمر بجميع بدنه على جميع الحجر، وأن يستلمه بعد أن يرسل يديه.
والاستلام يكون بوضع كفيه على الحجر ووضع فمه بين كفيه وتقبيله فان لم يقدر على تقبيله الا بالايذاء أو لم يقدر مطلقا وضع يديه عليه ثم يقبلهما أو وضع أحداهما والأولى أن تكون اليمنى لأنها المستعملة فيما فيه شرف.
وان لم يمكنه وضع يديه أو احداهما يمس، بضم أوله وكسر ثانية من الامساس - مشيرا اليه بباطن كفيه أى بأن يرفع يديه حذاء أذنيه ويجعل باطنهما نحو الحجر مشيرا بهما اليه ثم يقبل كفيه بعد الاشارة المذكورة ويفعل فى كل شوط ما يفعله فى الابتداء (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى ان من سنن الطواف تقبيل الحجر الأسود بالفم فى الشوط الأول وتقبيله فيما عداه مستحب.
ولا بأس باستلامه بغير طواف ولكن ليس ذلك من شأن الناس.
هذا ولا يكون التقبيل بغير الفم فان لم يقدر على تقبيل الحجر فانه يمسه بيد ان قدر ثم يضعها على فيه من غير تقبيل على المشهور فان عجز فانه يمسه بعود ثم يضعه على فيه من غير تقبيل فلا يكفى العود مع امكان اليد ولا اليد مع امكان التقبيل بالفم ثم ان عجز عن اللمس بما ذكر كبر فقط
стр. 3157
ومضى بغير اشارة اليه بيده ولا رفع لها - على مذهب المدونه - واختار عياض فى قواعده الاشارة اليه مع التقبيل والأكثرون على عدمها (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى (٢) المحتاج: أن من سنن الحج أن يستلم الحجر الأسود بعد استقباله ويستلمه بيده أول طوافه ويسن أن تكون يده اليمنى ويقبله للاتباع رواه الشيخان فان لم يتمكن من الاستلام باليد استلم بخشبة ونحوها ويضع بعد ذلك جبهته عليه للاتباع رواه البيهقى.
ويسن أن يكون التقبيل والسجود ثلاثا كما فى المجموع فان عجز عن تقبيله ووضع جبهته عليه لزحمة مثلا أو لعجز عن استلامه بيده أو غيرهما أشار اليه بيده أو بشئ فيها كما صرح به فى المجموع.
وروى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: طاف النبى ﷺ على بعير له كلما أتى الركن أشار اليه بشئ عنده وكبر ولا يندب أن يشير الى القبلة بالفم، لأنه لم ينقل.
واعلم أن الاستلام والاشارة انما يكونان باليد اليمنى فان عجز فباليسرى، هذا ويراعى ذلك أى الاستلام وما بعده فى كل طوفة من الطوفات السبع لما فى أبى داود والنسائى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه ﷺ كان لا يدع أن يستلم الركن اليمانى والحجر الأسود فى كل طوفة وهو فى الأوتار آكد لحديث ان الله وتر يحب الوتر، ولأنه يصير مستلما فى افتتاحه واختتامه وهو أكثر عددا.
ولا يقبل الركنين الشاميين - وهما اللذان عندهما الحجر بكسر المهملة - ولا يستلمهما بيده ولا بشئ فيها أى لا يسن ذلك لما فى الصحيحين عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ كان لا يستلم الا الحجر والركن اليمانى.
ويستلم الركن اليمانى ندبا فى كل طوفة للحديث المذكور ولا يقبله لأنه لم ينقل، ولكن يقبل بعد استلامه ما استلمه به فان عجز عن استلامه أشار اليه كما نقله ابن عبد السّلام لأنها بدل عنه لترتبها عليه عند العجز فى الحجر الأسود فكذا هذا.
ومقتضى القياس أنه يقبل ما أشار به وهو كذلك كما أفتى به شيخى.
стр. 3158
وجاء فى حاشيتى قليوبى وعميرة على شرح منهاج الطالبين: أن بعضهم بحث تثليث الاشارة والتقبيل لما أشار به أيضا هذا ويشير بقبلة أيضا الى مقام ابراهيم ﷺ الذى هو من الجنة كالحجر الأسود (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن من سنن الحج فى الطواف أن يستلم الحجر الأسود ويمسحه بيده اليمنى لقول جابر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، الحديث.
هذا ويقبل الحجر أيضا من غير صوت يظهر للقبلة لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكى طويلا ثم التفت فاذا هو بعمر بن الخطاب يبكى فقال يا عمر هاهنا تسكب العبرات، رواه ابن ماجه.
فان شق استلامه وتقبيله لم يزاحم واستلمه بيده وقبل يده لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ استلمه وقبل يده.
فان شق استلامه بيده استلمه بشئ وقبله فان شق استلامه بيده أو بشئ أشار اليه بيده أو بشئ واستقبله بوجهه.
ولا يقبل المشار به لعدم وروده ولا يزاحم لاستلام الحجر وتقبيله أو السجود عليه فيؤذى أحدا من الطائفين (٢).
هذا وان المرأة لا تزاحم الرجال لتستلم الحجر الأسود ولا لغيره خوف المحظور لانه أستر لكن تشير المرأة الى الحجر كالرجل الذى لا يمكنه الوصول اليه الا بمشقة (٣).
وكلما حاذى الحجر الأسود والركن اليمانى استلمهما استحبابا لما روى ابن عمر قال: كان النبى ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليمانى والحجر فى طوافه.
قال نافع: وكان ابن عمر يفعله رواه أبو داود.
وان شق استلامهما للزحام أشار اليهما لما مر.
ويقول كلما حاذى الحجر الأسود الله أكبر فقط لحديث البخارى عن
стр. 3159
ابن عباس قال: طاف النبى ﷺ على بعير كلما أتى الركن أشار بيده وكبر (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أنه يندب للحاج أن يبتدئ فى طوافه من الحجر الأسود، وأن يلمسه حال طوافه ويسجد على الحجر الأسود ان أمكن وأن يستلم الركن والاستلام وضع اليد على الركن ثم يقبلها.
وقيل: وضعها عليه ثم يمسح وجهه بها فان تعذر الاستلام أشار الى الركن بيمينه.
وأما الحجر الأسود فيقبله فان كان راكبا أشار اليه بيده أو شئ فى يده.
هذا ويقول فى حال الاستلام أو الاشارة ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾.
والمرأة لا ينبغى أن تزاحم الرجال للاستلام بل تشير وتخفض صوتها ملبية (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى وسائل الشيعة: أنه يستحب للحاج أن يستلم الحجر الأسود فى الطواف الواجب والندب، وذلك باليد اليمنى مع تقبيله فان لم يمكن استلامه بيده استحب أن يشير اليه.
ويجدد الاقرار بالعهد والميثاق، ولذلك روى عن معاوية بن عمار، عن أبى عبد الله قال: اذا دنوت من الحجر الأسود فارفع يديك واحمد الله - الى أن قال - ثم استلم الحجر وقبله فان لم تستطع ان تقبله فاستلمه بيدك فان لم تستطع أن تستلمه بيدك فأشر اليه رواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح (٤) النيل أن الحاج اذا وصل ركن الحجر استلمه واستلامه للحجر استلامه للركن لأنه منه هذا ان قدر والا كبر حياله بلا ايذاء، ثم يكبر عنده ثلاثا.
هذا ويمسح الركن فى كل من الأشواط ويقبله بفيه ان أمكنه ذلك وأن لم
стр. 3160
يمكنه كبر حياله وأشار اليه ان شاء مع التكبير وان شاء مسه بيده أو بعود ان لم يستطع بيده ثم يقبل ما مسه به ان لم يقدر على تقبيله بفيه ومن لم يقبله ولم يمسه فى شئ من أشواط الطواف الواجب فعليه دم وقيل: لا وأساء.
حكم اشارة المحرم الى الصيد
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أنه يحرم على المحرم صيد البر وذلك لقوله تعالى: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ١».
وقوله تعالى: «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ٢».
ظاهر الآيتين يقتضى تحريم صيد البر للمحرم عاما أو مطلقا الا ما خص أو قيد بدليل.
وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ ٣».
والمراد منه الابتلاء بالنهى.
لقوله تعالى فى سياق الآية: «فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ».
أى اعتدى بالاصطياد بعد تحريمه والمراد منه صيد البر لأن صيد البحر مباح بقوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٤).
وكذا لا يحل له ان يدل عليه ولا أن يشير اليه لقوله ﷺ : «الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله».
ولأن الدلالة والاشارة سبب الى القتل وتحريم الشئ تحريم لأسبابه، وكذلك لحديث أبى قتادة - وهو ما رواه الشيخان - أن رسول الله ﷺ قال حين سألوه عن لحم حمار وحش اصطاده أبو قتادة:
هل منكم من أمره أو أشار اليه قالوا:
لا. قال: فكلموا ما بقى من لحمه.
علق لحمه على عدم الاشارة (٥).
ولو أعان محرم محرما أو حلالا على صيد ضمن لأن الاعانة على الصيد تسبب الى قتله وهو متعد فى هذا التسبب لأنه تعاون على الاثم والعدوان وقد قال الله تعالى: «وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ» (٦).
стр. 3161
ولو دل عليه أو أشار اليه فان كان المدلول يرى الصيد أو يعلم به من غير دلالة أو اشارة فلا شئ على الدال أو المشير، لأنه اذا كان يراه أو يعلم به من غير دلالة فلا أثر لدلالته فى تفويت الأمن على الصيد فلم تقع الدلالة سببا الا أنه يكره ذلك لأنه نوع تحريض على اصطياده.
أما ان رآه المدلول بدلالته فقتله فعلى الدال الجزاء عند أصحابنا لما روى عن النبى ﷺ : أنه قال: الدال على الشئ كفاعله. وروى الدال على الخير كفاعله والدال على الشر كفاعله - وقد تقدم.
فظاهر الحديث يقتضى أن يكون للدلالة حكم الفعل الا ما خص بدليل: وقد تقدم كذلك ما روى فى شأن حمار الوحش الذى صاده أبو قتادة.
فلولا أن الحكم يختلف بالاعانة والاشارة لما كان لفحصه ﷺ عن ذلك معنى ودل ذلك على حرمة الاعانة والاشارة وذا يدل على وجوب الجزاء.
هذا وقد روى أن رجلا سأل عمر رضى الله تعالى عنه فقال: انى أشرت الى ظبية فقتلها صاحبى، فسأل عمر عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنهما فقال ما ترى؟ فقال: أرى عليه شاة فقال عمر رضى الله تعالى عنه وأنا أرى مثل ذلك.
وروى أن رجلا أشار الى بيضة نعامة فكسرها صاحبه فسأل عن ذلك عليا وابن عباس رضى الله تعالى عنهما فحكما عليه بالقيمة.
ولأن المحرم قد أمن الصيد باحرامه والدلالة تزيل الأمن لأن أمن الصيد فى حال قدرته ويقظته يكون بتوحشه عن الناس وفى حال عجزه ونومه يكون باختفائه عن الناس.
والدلالة تزيل الاختفاء فيزول الأمن فكانت الدلالة فى ازالة الأمن كالاصطياد.
ولان الاعانة والدلالة والاشارة تسبب الى القتل وهو متعد فى هذا التسبب لكونه مزيلا للأمن (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل: أن دلالة الحاج المحرم على الصيد أو الاعانة عليه بمناولة سوط أو رمح أو باشارة اليه أو أمر غيره بقتله اساءة منه ولا شئ عليه على المشهور كالقاتل الا أن يكون محرما فعليه جزاء، هذا وكل ما صاده محرم أى مات بصيده أو ذبحه وان لم يصده أو أمر بذبحه أو أعان عليه باشارة أو مناولة سوط ونحوه فان ذلك كله ميتة لا يجوز أكله لحلال ولا لحرام.
стр. 3162
وذلك لحديث أبى قتادة الذى يدل على ان ما صاده المحرم أو ذبحه ميتة وفيه دليل على أنه لو أمره أحد أن يحمل عليه أو أشار اليه لم يؤكل (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع: أنه يحرم على المحرم أن يأكل ما أعان على قتله بدلالة أو إعارة لما روى عبد الله بن أبى قتادة قال: كان أبو قتادة فى قوم محرمين وهو حلال فابعد حمار وحش فاختلس من بعضهم سوطا فضربه به حتى صرعه ثم ذبحه وأكله هو وأصحابه فسألوا رسول الله ﷺ فقال: هل أشار إليه أحد منكم؟ قالوا لا قال فلم ير بأكله بأسا» (٢).
وجاء فى الأشباه والنظائر أن المحرم اذا أشار الى صيد فصيد، ثم أكل منه قيل: يلزمه الجزاء وقيل لا يلزمه والقول الأخير أظهر (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٤): أنه يحرم على المحرم أن يدل على الصيد وكذلك الاشارة اليه والاعانة عليه ولو بإعارة سلاح ليقتله أو ليذبحه به سواء كان مع الصائد ما يقتله به أولا، أو يناوله سلاحه أو سوطا أو يدفع اليه فرسا لا يقدر على أخذ الصيد الا به لأنه وسيلة الى الحرام فكان حراما كسائر الوسائل.
ولحديث أبى قتادة لما صاد الحمار الوحشى وأصحابه محرمون قال النبى ﷺ : هل أشار اليه انسان منكم أو أمره بشئ، قالوا:
لا وفيه أبصروا حمارا وحشيا فلم يدلونى وأحبوا لو أنى أبصرته فالتفت فأبصرته ثم ركبت ونسيت السوط أو الرمح فقلت لهم ناولونى فقالوا:
لا والله لا نعينك عليه بشئ انا محرمون فتناولته فأخذته ثم أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرته فأتيت به أصحابى فقال بعضهم كلوا وقال بعضهم لا تأكلوا فأتيت النبى ﷺ فسألته فقال: كلوه وهو حلال.
هذا ويضمن المحرم الصيد اذا دل عليه أو أشار اليه ولا ضمان على دال ولا مشير بعد أن رآه من يريد صيده لأنه لم يكن سببا فى تلفه.
стр. 3163
وكذا لو وجد من المحرم عند رؤية الصيد ضحك أو استشراف نفس ففطن له.
ويحرم على المحرم أن يأكل من الصيد الذى أشار اليه لما تقدم فى حديث أبى قتادة (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه يحرم على المحرم أن يعين على صيد سواء كان ذلك بدلالة عليه أو اشارة اليه بأحد الأعضاء.
ولا فرق فى ذلك بين ما اذا كان المعان محرما أو محلا، أو أن تكون الاشارة خفية أو واضحة نعم لو كان المدلول عالما به بحيث لم يفده زيادة انبعاث عليها فلا حكم لها (٢).
وجاء فى وسائل الشيعة: ان المحرم اذ دل على صيد محلا أو محرما أو أشار اليه فقتل لزمه الفداء ولذلك روى عن أبى عبد الله أنه قال:
لا تستحلن شيئا من الصيد وأنت حرام ولا وأنت حلال فى الحرم ولا تدلن عليه محلا ولا محرما فيصطاده ولا تشر اليه فيستحل من أجلك فان فيه فداء لمن تعمده (٣).
حكم الاشارة فى النكاح
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن النكاح ينعقد بالاشارة من الأخرس اذا كانت اشارته معلومة كما ينعقد بالعبارة والكتابة (٤).
وذكر ابن عابدين أن المهر المسمى اذا كان من جنس المشار اليه فان العقد يتعلق بالمشار اليه، لأن المسمى موجود فى المشار اليه ذاتا والوصف يتبعه.
وان كان من خلاف جنسه فان العقد يتعلق بالمسمى لأن المسمى مثل المشار اليه وليس بتابع له والتسمية أبلغ فى التعريف من حيث أنها تعرف الماهية والاشارة تعرف الذات (٥).
فلو قال تزوجتك على هذا العبد فاذا هو حر فهو لا يخلو اما أن يكون قد سمى ما يصلح مهرا وأشار الى ما لا يصلح مهرا واما أن يكون سمى ما لا
стр. 3164
يصلح مهرا فأشار الى ما يصلح مهرا فان سمى ما يصلح مهرا وأشار الى ما لا يصلح مهرا بأن قال تزوجتك على هذا العبد فاذا هو حر أو على هذه الشاة الذكية فاذا هى ميتة أو على هذا الزق من الخل فاذا هو خمر.
فالتسمية فاسدة فى جميع ذلك ولها مهر المثل فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
لأن الاشارة والتسمية كل واحد منهما وضعت للتعريف الا أن الاشارة أبلغ فى التعريف لأنها تحصر العين وتقطع الشركة والتسمية لا توجب احضار العين ولا تقطع الشركة فسقط اعتبار التسمية عند الاشارة وبقيت الاشارة، والمشار اليه لا يصلح مهرا، لأنه ليس بمال فيجب مهر المثل كما لو أشار الى الميتة والدم والخمر والخنزير ولم يسم.
وفى قول أبى يوسف تصح التسمية فى الكل وعليه فى الحر قيمة الحر لو كان عبدا وفى الشاة قيمة الشاة لو كانت ذكية وفى الخمر مثل ذلك الزق من خل لأن المسمى هو العبد.
والشاة الذكية والخل وكل ذلك مال فصحت التسمية الا أنه اذا ظهر أن المشار اليه خلاف جنس المسمى فى صلاحية المهر تعذر التسليم فتجب القيمة فى الحر والشاة لأنهما ليسا من المثليات وفى الخمر يجب مثله فلا لأنه مثلى كما لو هلك المسمى أو استحق.
أما محمد فقد فرق فقال مثل قول أبى حنيفة فى الحر والميتة ومثل قول أبى يوسف فى الخمر، لأن الاشارة مع التسمية اذا اجتمعتا فى العقود.
فان كان المشار اليه من جنس المسمى فان العقد يتعلق بالمشار اليه.
وان كان من خلاف جنسه فان العقد يتعلق بالمسمى.
هذا أصل مجمع عليه فى البيع والحر من جنس العبد لاتحاد جنس المنفعة وكذا الشاة الميتة من جنس الشاة الذكية فكانت العبرة للاشارة والتحقت التسمية بالعدم والمشار اليه لا يصلح مهرا فصار كأنه اقتصر على الاشارة ولم يسم بأن قال تزوجتك على هذا وسكت.
فأما الخل مع الخمر فجنسان مختلفان لاختلاف جنس المنفعة فتعلق العقد بالمسمى لكن تعذر تسليمه وهو مثلى فيجب مثله خلا (١)
مذهب المالكية:
ذكر الحطاب فى مواهب الجليل: أن النكاح لا ينعقد بالكتابة والاشارة ونحو ذلك وهو مقتضى كلامه فى الاشراف
стр. 3165
وكذلك فى الاستذكار، والنكاح يفتقر الى التصريح ليقع الاشهاد عليه.
وكلام ابن عبد السّلام يقتضى أنه لا ينعقد بالكتابة والاشارة.
وقال ابن الحاجب: الصيغة لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة كأنكحت وزوجت وملكت وبعت، وكذلك وهبت بتسمية صداق.
وقال ابن عبد السّلام فى شرح قول ابن الحاجب: (ومن الزوج ما يدل على القبول) يعنى أن الصيغ المتقدمة هى المشترطة من المولى وقد يتسع الكلام فيها.
وأما جانب الزوج فيكفى فيه كل لفظ يدل على القبول (١) دون صيغة معينة، وكذا الاشارة وكل ما يدل على القبول
قال خليل: ولا أعلم نصا فى الاشارة والظاهر أنها لا تكفى من جهة الزوج لأن النكاح لا بد فيه من الشهادة ولا تمكن الا مع التصريح من الولى والزوج ليقع الاشهاد عليها.
وقال ابن عرفة قال أبو عمر: اشارة الأخرس به كلفظ.
وقال الشيخ زروق فى شرح الارشاد قال أبو عمر: اشارة الأخرس كافية اجماعا (٢). واذا لم يكن المهر مضمونا فان كان ذاتا مشارا اليها كدار أو عبد أو ثوب بعينه فانه يجب تسليمه للمرأة بالعقد قاله اللخمى: وان كان الزوجان صغيرين أو كان أحدهما مريضا (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى حاشية البجرمى على شرح منهج الطلاب: أن نكاح الأخرس ينعقد باشارته التى لا يختص بفهمها الفطن وكذا بكتابته - على ما فى المجموع - وهو محمول على ما اذا لم تكن له اشارة مفهمة وتعذر توكيله لاضطراره حينئذ ويلحق بكتابته فى ذلك اشارته التى يختص بفهمها الفطن، فكتابة الأخرس واشارته كنايتان وينعقد بهما النكاح منه تزويجا وتزوجا وبعضهم منع انعقاده، بالكتابة مطلقا حتى فى هاتين الصورتين قال ولا ينعقد نكاح الأخرس بالاشارة الا اذا كان يفهمها كل أحد فان لم يفهم اشارته أحد زوجه الأب فالجد فالحاكم (٤)
وجاء فى حاشيتى قليوبى وعميرة: أن الأب يزوج الصغيرة بغير أذنها ولكن من على حاشية النسب فانه لا يزوج الصغيرة الا بصريح الاذن، أى بالنطق به
стр. 3166
من الناطقة وبالاشارة أو الكتابة من غيرها فان لم يكن ذلك فهى كالمجنونة فلا يزوجها مطلقا (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير: أن النكاح لا ينعقد الا بلفظ النكاح والتزويج بالعربية لمن يحسنها وبمعناهما الخاص بكل لسان لمن لا يحسنها وعلى ذلك.
فالأخرس أن فهمت اشارته صح نكاحه بها لأنه معنى لا يستفاد الا من جهته فصح باشارته كبيعه وطلاقه ولعانه.
وان لم تفهم اشارته لم يصح منه، كما لا يصح غيره من التصرفات القولية ولأن النكاح عقد بين شخصين فلابد من فهم كل واحد منهما ما يصدر عن صاحبه ولو فهم ذلك صاحبه العاقد معه لم يصح حتى يفهم الشهود أيضا لأن الشهادة شرط ولا يصح على ما لا يفهم.
وأما الاشارة من القادر على النطق ففيها وجهان ذكرهما فى المجرد.
أولهما عدم الصحة لأنه يمكن أن يستغنى عن ذلك (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار، أن ايجاب النكاح وقبوله يصحان بالاشارة المفهمة من المصمت (٣). والأخرس الذى يفهم الشرعيات.
وقيل: الذى يفهم عقد النكاح (٤).
ورضاء الثيب يكون بالنطق بالماضى وبما فى حكم النطق بالماضى وذلك نحو أن تكون خرساء فتشير برأسها أنها قد رضيت ومثل الخرساء فى ذلك غير الخرساء للعرف (٥).
ويشترط لصحة عقد النكاح أن تعين المرأة حال العقد وذلك يحصل باشارة اليها لأنه لا يؤمن أن تكون محرمة أو مزوجة فيقعا فى المحظور نحو أن يقول زوجتك هذه المشار اليها أو تلك التى قد عرفتها ولو كانت غائبة (٦).
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى: أن الأخرس يكفيه الاشارة للتعبير عن
стр. 3167
الايجاب والقبول فى النكاح مع قصد الانشاء وان تمكن من التوكيل على الأقوى (١).
ويشترط تعيين كل من الزوج والزوجة على وجه يمتاز به كل منهما عن غيره وذلك يكون بالاسم أو الوصف الموجب له أو الاشارة اليه (٢).
فلو اختلف الاسم والوصف أو أحدهما مع الاشارة أخذ بما هو المقصود والغى ما وقع غلطا وذلك كما لو قال:
زوجتك الكبرى من بناتى فاطمة وتبين أن اسمها خديجة صح العقد على خديجة التى هى الكبرى.
ولو قال: زوجتك فاطمة وهى الكبرى فتبين أنها صغرى صح على فاطمة لأنها المقصود ووصفها بأنها كبرى وقع غلط فيلغى.
وكذا لو قال: زوجتك هذه وهى فاطمة أو وهى الكبرى فتبين أن اسمها خديجة أو أنها الصغرى فان المقصود تزويج المشار اليها وتسميتها بفاطمة أو وصفها بأنها الكبرى وقع غلطا فيلغى (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن الأصم والأبكم اذا نشآ مع قوم يعرفون بالاشارة ما يريد ان جاز عليهما ما صنعا من طلاق أو نكاح أو غيرهما كايلاء وظهار وفداء وبيع وشراء.
وقيل: لا طلاق لهما ولو أفهماه باشارة أو كتابة.
والصحيح الأول (٤).
ويجوز أن يقول الولى فى النكاح:
زوجت هذه بهذا أو هذا بهذه مشيرا بذلك الى حاضرين وان لم تكن الاشارة بأسمائهما.
قال أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر رضى الله تعالى عنهم: لا تصح شهادة الشهود على النكاح الا باستماع مفهوم، ومعرفة للزوج والمرأة بحضورهما أو بمعرفة أسمائهما وأسماء آبائهما وقبائلهما.
وجاز: زوجت لك بدن هذه المرأة، ولا يجوز زوجت لك اسمها.
وان قال: هذه الأمة وهى حرة، أو هذا الرجل وهو امرأة، أو هذه الطفلة وهى بالغة، وهم عارفون جاز.
وقيل: لا يجوز
وان قال: نصف هذه المرأة أو لنصف هذا الرجل لم يجز. كما لا يجوز زوجت لك هذه أو هذه، ولا زوجت لك من شئت من هاتين (٥)
стр. 3168
وينسب مجهول الأب الى أمه ان عرفت سواء كان لقيطا أو حجاوبا من العبيد البيض أو السود وان لم تعرف الأم أحضر وأشير اليه باسمه ولو امرأة.
وكان ابن بركة اذا زوج امرأة لا يعرف نسبها ولا وليها يقول قد زوجت فلان ابن فلان لفلانة بنت فلان فيقول نعم، ثم يقول للزوج أقبلت؟ فاذا قال نعم قال أشهد عليك من حضر أن عليك هذا الصداق ويشهد على من لا يعرف نسبه اذا حضر بما أوجب على نفسه لا أنه فلان ابن فلان كما سمى نفسه أو سماه غيره الا بعادلة أو بتواطؤ الاخبار وان أحضر من له أب وأشير اليه بلا ذكر لأبيه ولا له أو بذكره دون ذكر أبيه جاز.
وكذا المرأة (١).
حكم الاشارة فى الطلاق
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن التكلم بالطلاق ليس بشرط وهو جائز، ولكن الطلاق يقع بالكتابة المستبينة والاشارة المفهومة من الأخرس لأن الكتابة المستبينة تقوم مقام اللفظ والاشارة المفهومة تقوم مقام العبارة (٢).
وجاء فى تبيين الحقائق انه لو قال أنت طالق هكذا وأشار بثلاث أصابع فهى ثلاث.
لأن الاشارة بالأصابع تفيد العلم بالعدد عرفا وشرعا اذا اقترنت بالاسم المبهم.
فقد روى أن النبى ﷺ قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه العشرة يعنى ثلاثين يوما ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس ابهامه فى الثالثة يعنى تسعة وعشرين يوما.
وعلى هذا فلو أن الطلاق كان مقرونا بعدد الثلاث نصا كان طلاقا بائنا كما لو قال لها أنت طالق هكذا وأشار بثلاث أصابع فهى ثلاث طلقات.
ولو أشار بالواحدة طلقت واحدة.
ولو أشار بالثنتين طلقت ثنتين.
والاشارة تقع بالمنشورة منها دون المضمومة للعرف والسنة ولو نوى الاشارة بالمضمومتين صدق ديانة لاقضاء وكذا لو نوى الاشارة بالكف لأنه يحتمله لكنه خلاف الظاهر. وقيل: اذا أشار بظهورها فبالمضمومة منها وهو أن يجعل ظهر الكف اليها وبطون الاصابع الى نفسه.
وقيل: ان كان بطن كفه الى السماء فالعبرة للنشر وان كان الى الأرض فلعبرة للضم.
وقيل: ان كان نشرا عن ضم فالعبرة للنشر، وان كان ضما عن نشر فالعبرة للضم ولا فرق بين أصبع وأصبع.
стр. 3169
ولو قال أنت طالق وأشار بأصابعه ولم يقل هكذا فهى واحدة لأن الاشارة تفسير للعدد المبهم ولم يوجد فلغت فيكون العامل فيه قوله: أنت طالق.
وهو لا يحتمل العدد (١).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح منح الجليل: أن الطلاق يلزم بالاشارة التى شأنها أن يفهم منها التطليق بأن يصاحبها قرينة يقطع من عاينها بأنها تدل على الطلاق وان لم تفهمه الزوجة منها.
ولو كانت تلك الاشارة صادرة من قادر على النطق على المعتمد.
وهى كاللفظ الصريح فى عدم الافتقار الى نية فان كانت الاشارة غير مفهمة لم يلزم بها الطلاق حتى ولو قصده، لأنها فعل الا لعرف جار بأن يطلق بها
قال ابن عرفة وفيها ما علم من الأخرس باشارة أو كتابة من طلاق فانه يلزمه حكم المتكلم به.
وروى الباجى أن اشارة المتكلم بالطلاق برأسه أو يده كلفظه لقول الله :
قال «آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً» (٢) قلت انما يحسن هذا دليلا للأخرس لأنه آية زكريا ﵇ فكان لا قدرة له على الكلام فى الثلاثة الأيام وقياس السليم عليه فيه نظر.
وقال ابن شاس: الاشارة المفهمة بالطلاق هى من الأخرس كالصريح وهى من القادر كالكتابة وتبعه ابن الحاجب.
وتعقبه ابن عبد السّلام بأنه تقرر فى أصول الفقه أن الفعل لا دلالة له من ذاته الا ما ينضم اليه من القرائن فان أفادت القطع كانت كالصريح سواء كانت من أخرس أو من قادر وان لم تفد القطع فهى كالكتابة من الأخرس والقادر.
وما استدل به ابن عبد السّلام يرد بأن دلاله القرائن مع الاشارة من الأخرس لا يزاحمها امكان ما هو أدل منها من غير نوعها وهو النطق بحال فكانت كالصريح ودلالة القرائن مع الاشارة من القادر يزاحمها امكان ما هو أدل منها من غير نوعها وهو النطق فلم تكن فى حقه كالصريح (٣).
وجاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أن الطلاق يلزم بالاشارة المفهمة بأن انضم اليها من القرائن ما يقطع من عاينها بأنها تدل على الطلاق سواء وقعت من أخرس أو متكلم هذا اذا فهمت المرأة
стр. 3170
تلك الاشارة وعرفت منها أنها يقصد بها الطلاق مع القرائن التى انضمت اليها.
وكذا اذا لم تفهمها المرأة لبلادتها.
أما اذا كانت الاشارة غير مفهمة وهى التى لا قرينة معها أو معها قرينة لكن لا يقطع من عاين تلك الاشارة بأنها تدل على الطلاق فانها لا يقع بها الطلاق ولو قصده لأنها من الافعال لا من الكنايات الخفية خلافا لبعضهم (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى حاشية البجرمى على المنهاج أنه لو أشار ناطق بطلاق كأن قالت له زوجته طلقنى فأشار بيده أن اذهبى فانها لغو، لأن عدوله اليها عن العبارة يفهم أنه غير قاصد للطلاق وان قصده بها فهى لا تقصد للافهام الا نادرا، ولا هى موضوعة له بخلاف الكتابة فانها حروف موضوعة للافهام كالعبارة.
أما اشارة الأخرس فانه يعتد بها فى الطلاق سواء كان الخرس أصليا أو طارئا ومنه من اعتقل لسانه ولم يرج برؤه وأما من رجى برؤه بعد ثلاثة أيام فأكثر فلا يلحق به وأن ألحقوه به فى اللعان لأنه قد يضطر الى اللعان بخلاف غيره وذلك يكون من الاخرس للضرورة لأنه ليس كل أحد يفهم الكتابة والا فقد يقال مع قدرته على الكتابة لا ضرورة للاشارة وذلك جائز من الأخرس بخلاف الحنث فى الكلام كأن حلف لا يتكلم ثم خرس أو أشار بالحلف على عدم الكلام ثم أشار به لا حنث.
وقال شيخنا العزيزى اذا أشار بالحلف ثم أشار بالكلام حنث لأنه حلف بالاشارة أن لا يكلمه بها وقد كلمه بها.
هذا واشارة الاخرس ان فهمها كل أحد فصريحة والا بأن اختص بفهمها فطنون - فكناية تحتاج الى نية.
وتعرف نيته فيما اذا أتى باشارة أو كناية أخرى فكأنهم اغتفروا تعريفه بها مع أنها كناية ولا اطلاع لنا بها على نية ذلك للضرورة (٢).
وجاء فى مغنى المحتاج أنه لو قال رجل لزوجته أنت طالق وأشار بأصبعين أو ثلاث ولم يقل هكذا لم يقع عدد الا بنية له عند قوله طالق لأن الطلاق لا يتعدد الا بلفظ أو نية ولم يوجد واحد منهما ولا اعتبار بالاشارة هنا ولكن يفهم من ذلك أنه تقع طلقة واحدة لأن الواحد ليس بعدد.
فان قال مع ذلك القول أو الاشارة هكذا طلقت فى اشارة أصبع طلقه واحدة وفى اشارة أصبعين طلقتين وفى أشارة ثلاث من الأصابع ثلاث طلقات وان لم ينو.
стр. 3171
لأن الاشارة بالأصابع فى العدد بمنزلة النية وفى الحديث عن النبى ﷺ : «الشهر هكذا هكذا هكذا وأشار بأصابعه الكريمة وخنس ابهامه فى الثالثة وأراد تسعة وعشرين.
فدل على أن اللفظ مع الاشارة يقوم مقام اللفظ بالعدد.
ولكن لا بد من أن تكون الاشارة مفمهة للطلقتين أو الثلاث كالنظر للأصابع أو تحريكها أو ترديدها، والا فقد يعتاد الانسان على أن يشير بأصابعه الثلاثة فى الكلام فلا يظهر الحكم بوقوع العدد، الا بقرينة قاله الامام (امام الحرمين (وأقراه (أى النووى والرافعى) ولو قال بعد ذلك أردت واحدة لم يقبل.
أما لو قال الرجل لزوجه: أنت هكذا وأشار باصابعه الثلاثة ولم يقل طالق فانها لا تطلق، وان نوى الطلاق كما فى زيادة الروضة لأن اللفظ لا يشعر بطلاق
وان بسط ثلاث أصابع ثم قال: أردت بالاشارة بالثلاث الاصبعين المقبوضتين صدق بيمينه ولم يقع أكثر من طلقتين لاحتمال الاشارة بهما.
فان قال: أردت أحدهما لم يصدق، لان الاشارة صريحة فى العدد كما مر فلا يقبل خلافهما.
ولو عكس فأشار بأصبعين ثم قال:
أردت بالاشارة الثلاث المقبوضة صدق بطريق الأولى، لأنه غلظ على نفسه.
ولو كانت الاشارة بيد مجموعة ولم ينو عددا وقع طلقة واحدة كما بحثه الزركشى.
ولو قال: أنت الثلاث ونوى الطلاق لم يكن شيئا ذكره الماوردى وغيره.
ولو قال: أنت طالق وأشار باصبعه ثم قال أردت بها الاصبع دون الزوجة لم يقبل ظاهرا قطعا (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن الطلاق يقع باشارة مفهومة من أخرس فقط لانه يفهم منها الطلاق فأشبهت الكناية فلو لم يفهم الاشارة الا البعض فكناية بالنسبة اليه.
وتأويل الأخرس مع الصريح من الاشارة مثل تأويله مع النطق فيما يقبل أو يرد.
وان أشار الأخرس بأصابعه الثلاثة لم يقع الا واحدة لأن اشارته لا تكفى وفيه نظر اذا نواه وكتابة الأخرس بما يبين طلاقه كالناطق وأولى.
стр. 3172
وأما القادر على الكلام فلا يصح طلاقه باشارة ولو كانت مفهومة لقدرته على النطق (١).
ولو أن الرجل قال لزوجته أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه الثلاثة طلقت ثلاثا لان التفسير يحصل بالاشارة وذلك يحصل للبيان لقول النبى ﷺ : «الشهر هكذا وهكذا وهكذا».
فان قال: أردت أنها طالق بعدد المقبوضتين قبل منه ووقع ثنتان، لأن ما يدعيه محتمل كما لو فسر المجمل بما يحتمله.
وفى الرعاية: ان أشار بالكل فواحدة، وان لم يقل هكذا بل أشار فقط كانت طلقة واحدة لان اشارته لا تكفى وتوقف أحمد قال فى الرعاية ما لم يكن له نية فيعمل بها (٢).
ولو قال لزوجته ان كلمت فلانا فأنت طالق فكلمته فلم يسمع لتشاغله أو غفلته أو خفض صوتها بحيث لو رفعته يسمعها حنث لانها كلمته وانما لم يسمع لشغل قلبه أو غفلته.
وان أشارت اليه بيد أو عين أو غيرهما كرأس وأصبع لم تطلق بذلك لان الاشارة ليست بكلام عند أهل الشرع (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٤): أن من لا يحسن العربية يطلق بلغته باللفظ الذى يترجم عنه فى العربية بالطلاق ويطلق الأبكم والمريض بما يقدر عليه كل منهما من الصوت أو الاشارة التى يوقن بها من سمعهما قطعا أنهما أرادا بها الطلاق وذلك لقول الله : لا يكلف الله نفسا الا وسعها (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن كناية الطلاق على ضربين لفظ وغير لفظ فغير اللفظ هو كالكتابة المرتسمة - ومثل الارتسام خرق مواضع الاحرف من القرطاس أو نحوه اذ هو كالنقر فى الحجر.
قلت: وأما الطابع لو وضعه من لا يعرف الكتابة لم يقع طلاقا اذ ليس بكاتب ولا ناطق ولا مشير فان عرف أن وضعه يؤثر فى كناية الطلاق فوضعه
стр. 3173
بنيته احتمل أن يكون كاشارة الأخرس كما أن اشارة الأخرس ونحوه ممن لا يمكنه الكلام فى الحال اذا كانت مفهمة يقع بها الطلاق، وهى تعتبر كالكتابة بخلاف الاشارة ممن يمكنه الكلام أو الاشارة غير المفهمة له فلا يقع بها الطلاق (١).
مذهب الأمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أن الطلاق لا يقع بالكتابة ولا بغير اللغة العربية مع القدرة على التلفظ باللفظ المخصوص.
وكذا لا يقع بالاشارة الا مع العجز عن النطق ويقع طلاق الأخرس بالاشارة الدالة (٢).
هذا ويشترط أن تكون المطلقة معينة بأن يقول فلانة طالق أو يشير اليها بما يرفع الاحتمال ولو قال هذه طالق أو هذه قال الشيخ يعين للطلاق من شاء وربما قيل بالبطلان لعدم اليقين.
ولو قال: هذه طالق أو هذه أو هذه طلقت الثالثة ويعين من شاء من الأولى أو الثانية (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن الأصم والأبكم اذا نشأ مع قوم يعرفون بالاشارة ما يريدان جاز عليهما ما صنعا من طلاق.
وقيل لا طلاق لهما ولو أفهما باشارة أو كتابة والصحيح الأول (٤).
هذا ومن تزوج ثم خرس لسانه أو قطع فلا يطلق عنه وليه أو خليفته اتفاقا واختلف فى طلاقه بالاشارة فقيل يقع، وقيل لا يقع وقيل ان فهمت اشارته فى طلاقه ونكاحه وتيقنت جاز الطلاق والنكاح. وان شك فيهما بطلت (٥).
حكم الاشارة فى اللعان
مذهب الحنفية:
جاء فى تبيين الحقائق أن اللعان لا يكون بقذف الأخرس وذلك لأنه قائم مقام حد القذف فى حقه وقذفه لا يعرى عن شبهة.
والحدود تدرأ بها ولأنه لا بد من أن يأتى بلفظ الشهادة فى اللعان حتى لو قال: أحلف مكان أشهد فانه لا يجوز واشارته لا تكون شهادة
стр. 3174
وكذلك اذا كانت هى خرساء لأن قذفها لا يوجب الحد لاحتمال أنها تصدقه أو لتعذر الاتيان بلفظ الشهادة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى ان الأخرس يلاعن بما يفهم منه من اشارته أو كتابته وتكرر الاشارة أو الكتابة من الأخرس مثل تكرر اللفظ ولو انطلق لسانه فقال لم أرد ذلك لم يقبل منه (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج: أنه اذا لاعن الشخص بالاشارة أشار بكلمة الشهادة أربع مرات، ثم بكلمة اللعن، وان لاعن بالكتابة كتب كلمة الشهادة أربع مرات ثم كلمة اللعن ولكن لو كتب كلمة الشهادة مرة وأشار اليها أربعا جاز.
قال الرافعى: وهذا جمع بين الاشارة والكتابة وهو جائز لا فرق فى ذلك بين الرجل والمرأة كما صرح به فى الشامل والتتمة وغيرهما وان كان النص على خلاف ذلك.
ولو نطق لسان الأخرس من بعد قذفه ولعانه بالاشارة ثم قال لم أرد القذف. باشارتى لم يقبل منه لأن اشارته أثبتت حقا لغيره أو قال:
لم أرد اللعان بها قبل منه فيما عليه لا فيما له فيلزمه الحد والنسب ولا ترتفع الفرقة والحرمة المؤبدة.
وانما جاز لعان الأخرس باشارة مفهمه أو كتابة بخطه لأنهما فى حقه كالنطق من الناطق وليس كالشهادة منه لضرورته اليه دونها لان الناطقين يقومون بها (٣).
وذكر صاحب نهاية المحتاج: أننا لو افترضنا تغليب الشهادة على اللعان فان من اعتقل لسانه مضطر اليها هنا بخلافه هناك يعنى فى الشهادة لأن الناطقين يقومون بها وما تقرر من التسوية بين الزوجين فى اللعان بالاشارة هو المعتمد وان نقل عن النص أن الزوجة لا تلاعن بالاشارة لانها غير مضطرة ويؤخذ من علته تلك أن محل عدم ملاعنة الزوجة بالاشارة اذا كان لعانها قبل لعان الزوج لا بعده لأنه اذا كان بعد لعان الزوج كانت مضطرة حينئذ الى درء الحد عنها فيكره الاشارة أو الكتابة خمسا، أو يشير للبعض ويكتب البعض.
أما اذا لم تكن له اشارة مفهمة ولا كتابة فلا يصح منه لتعذر معرفة مراده.
стр. 3175
وقال الشبراملسى: بل محل ذلك - يعنى عدم ملاعنتها بالاشارة - اذا كان الزوج يلاعن لنفى الولد أما ان كان يلاعن لدفع الحد عنه فانها تلاعن بالاشارة لانها حينئذ مضطرة اليه (١).
وجاء فى حاشيتى قليوبى وعميرة أنه لو نطق فى أثناء اللعان بنى على ما أشار به أو كتبه ولا بد من كتابة الكلمات الخمس وله كتابة بعضها والاشارة للباقى (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن الزوج يقول فى اللعان - بحضرة حاكم أو نائبه: أشهد بالله انى لمن الصادقين فيما رميت به امرأتى هذه من الزنا مشيرا اليها ان كانت حاضرة.
ولا يحتاج مع حضورها ومع الاشارة اليها الى تسميتها وبيان نسبها كما لا يحتاج الى ذلك فى سائر العقود اكتفاء بالاشارة (٣).
واذا فهمت اشارة الأخرس منهما أو كتابته صح لعانه بها كالطلاق ولدعاء الحاجة وان لم تفهم اشارته ولا كتابته فلا يصح لعانه.
واذا قذف الأخرس ولاعن بالاشارة المفهومة أو الكتابة ثم أطلق لسانه فتكلم فأنكر القذف واللعان لم يقبل انكاره للقذف لأنه تعلق به حق لغيره بحكم الظاهر ويقبل انكاره اللعان فيما عليه فيطالب بالحد ان كانت محصنة والا فالتعزير ويلحقه النسب ولا تعود الزوجية لأنها حرمت باللعان على التأبيد.
كما يصح اللعان ممن اعتقل لسانه وأيس من نطقه باشارة مفهومة كالأخرس الأصلى (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن الأخرسين يتلاعنان كما يقدران بالاشارة لان الله يقول: لا يكلف الله نفسا الا وسعها.
والأخرس ليس فى وسعه الكلام فلا يجوز أن يكلف اياه.
وقال رسول الله ﷺ : اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.
فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله تعالى به ما استطاع
стр. 3176
والأخرس يستطيع أن يفهم الآخرين بالاشارة فعليه أن يأتى بها.
فان كانت المرأة الملاعنة حاملا فبتمام الالتعان منهما جميعا ينتفى عنه الحمل سواء ذكره أو لم يذكره (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٢): ان الأخرس لا يصح لعانه وذكر بعض العلماء أنه يصح اللعان بين الأخرس والخرساء بالاشارة.
وجاء فى البحر الزخار: أن من قذف ثم اعتقل لسانه وقال طبيب عارف:
ان علته لا تزول كان حكمه كحكم الأخرس والا فالاحتمالان كالأخرس لعمل النبى ﷺ باشارة الأمة التى رضخ رأسها، وعمل الصحابة باشارة أمامة.
وقيل: لا يجوز باشارته كالساكت (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب الخلاف: ان الأخرس اذا كانت له اشارة معقولة أو كتابة مفهمة فانه يصح قذفه ولعانه ونكاحه وطلاقه ويمينه وسائر عقوده (٤) وذلك اذا أمكن معرفة اللعان بالاشارة المعقولة.
وقيل: يمنع من اللعان بالاشارة لأن اللعان مشروط بالألفاظ الخاصة دون الاشارة بخلاف الاقرار والشهادة فانهما يقعان بأى عبارة اتفقت، ولأن الأصل ان اللعان لا يثبت الا مع تيقنه وهو منتف هاهنا. ولكن الأول أصح، لأن الالفاظ الخاصة انما تعتبر مع الامكان.
واشارة الأخرس قائمة مقام تلك الألفاظ كما قامت فى الطلاق وغيره من الأحكام المعتبرة بالألفاظ الخاصة (٥).
حكم الاشارة فى البيع
مذهب الحنفية:
جاء فى حاشية ابن عابدين ان البيع ينعقد بلفظى الايجاب والقبول،
стр. 3177
وظاهر ذلك أنه لا ينعقد بالاشارة بالرأس، ويدل عليه ما فى الحاوى من أنه لو باع فضولى مال غيره فبلغه فسكت متأملا فقال ثالث: هل أذنت لى فى الاجازة؟ فقال نعم فأجازه فان بيعه ينفذ، أما لو حرك رأسه - بنعم فلا ينفذ لأن تحريك الرأس فى حق الناطق لا يعتبر، لكن قد يقال: اذا قال له، بعنى كذا بكذا فأشار برأسه أن نعم، فقال الآخر: اشتريت وحصل التسليم بالتراضى فانه يكون بيعا بالتعاطى بخلاف ما اذا لم يحصل التسليم من أحد الجانبين كما فى بيع التعاطى أنه لا بد من وجوده ولو من أحدهما.
وفى الأشباه والنظائر لابن نجيم من أحكام الاشارة: وان لم يكن معتقل اللسان لم تعتبر اشارته الا فى أربع هى: الكفر والاسلام والنسب والافتاء (١).
وحكى ابن عابدين عن حاوى الزاهدى أنه لو باع شخص حنطة قدرا معلوما ولم يعينها لا بالاشارة ولا بالوصف فانه لا يصح وذلك لأن المراد بمعرفة القدر والوصف ما ينفى الجهالة الفاحشة وذلك بما يخصص المبيع عن أنظاره وذلك بالاشارة اليه لو كان حاضرا فى مجلس العقد. والا فبيان مقداره مع بيان وصفه.
هذا واذا كان الثمن من غير النقود كالحنطة كان لا بد من بيان قدرها ووصفها مثل كر حنطة بحيرية أو صعيدية كما أفاده الكمال وحققه النهر وذلك لأن المشار اليه فيهما لا يحتاج الى معرفة قدره ووصفه (٢).
وجاء فى تبيين الحقائق للزيلعى:
أنه لا بد من معرفة قدر ووصف ثمن مبيع غير مشار اليه، لأن جهالتهما تفضى الى النزاع المانع من التسليم والتسلم فيخلو العقد عن الفائدة وكل جهالة تفضى الى هذا النزاع يكون مفسدا.
هذا ولا يحتاج الى معرفة القدر والوصف فى المشار اليه من الثمن أو المبيع لأن الاشارة أبلغ أسباب التعريف وجهالة وصفه وقدره بعد ذلك لا تفضى الى المنازعة فلا يمنع الجواز لأن العوضين حاضران.
هذا وشرط فى جواز بيع الجزاف أن يكون مميزا مشارا اليه ولو كاله بعد ذلك ورضى المشترى به جاز، لأنه صار مميزا مشارا اليه وان باعه بعد ذلك قبل أن يعيد الكيل جاز لأنه اشتراه مجازفة فكان المستحق هو المشار اليه.
стр. 3178
هذا ومن باع صبرة كل صاع بدرهم صح فى صاع عند أبى حنيفة.
أما صاحباه فقالا يجوز فى الكل لان المبيع معلوم بالاشارة لأن المشار اليه لا يحتاج الى معرفة مقداره لجواز البيع وجهالة الثمن بايديهما رفعهما فيجوز كما لو باع عبدا من عبدين على أن يأخذ أيهما شاء بخلاف ما اذا آجر داره كل شهر بدرهم حيث لا يجوز الا فى شهر واحد، لأن الشهور لا نهاية لها فلا يمكن ازالة الجهالة فيها فيصرف الى الأقل (١).
واذا كان المبيع مختلف الجنس فان العقد يتعلق بالمسمى اذا اختلف فيه المسمى والمشار اليه لأن التسمية أبلغ فى التعريف من الاشارة لأن الاشارة لتعريف الذات، فانه اذا قال هذا صار الذات معينا ولا يشاركه فيه غيره والتسمية لاعلام الماهية وهو أمر زائد على أصل الذات فكان أبلغ فى التعريف.
ويحتاج فى مقام التعريف الى ما هو أبلغ فيه فكانت الاشارة أولى بالاعتبار فى متحدى الجنس لأن المسمى موجود فى المشار اليه ذاتا والوصف يتبعه فأمكن الجمع بينهما بأن تجعل الاشارة للتعريف، والتسمية للترغيب فيثبت له الخيار عند فوات الوصف المرغوب فيه بخلاف مختلفى الجنس لان المسمى فيه مثل المشار اليه وليس بتابع له فلا يمكن أى يجعل أحدهما تبعا للآخر فيعتبر الأعرف عند تعذر الجمع بينهما، وهذا هو الأصل فى العقود كلها (٢).
وجاء فى بدائع الصنائع: أنه اذا كان البيع سلما فانه لا يكفى الاشارة الى رأس ماله وانما يشترط بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره، هذا اذا كان رأس المال مما يتعلق العقد بقدره من المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة وهذا قول الامام أبى حنيفة وسفيان الثورى رحمهما الله تعالى.
وقال أبو يوسف ومحمد: ان هذا ليس بشرط والتعيين بالاشارة كاف لأن الحاجة الى تعيين رأس المال وذلك حصل بالاشارة اليه فلا حاجة الى اعلام قدره.
أما اذا كان رأس المال مما لا يتعلق العقد بقدره من الذرعيات والعدديات المتفاوتة فانه لا يشترط أعلام قدره ويكتفى فيه بالاشارة بالاجماع وكذا أعلام قدر الثمن فى بيع العين ليس بشرط والاشارة كافية بالاجماع.
стр. 3179
فلو قال شخص لآخر: أسلمت اليك هذه الدراهم أو هذه الدنانير ولا يعرف وزنها، أو هذه الصبرة ولم يعرف كيلها فانه لا يجوز عند أبى حنيفة ويجوز عند صاحبيه.
ولو قال: أسلمت اليه هذا الثوب ولم يعرف ذرعه، أو هذا القطيع من الغنم ولم يعرف عدده جاز بالاجماع (١).
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير: أن البيع ينعقد بما يدل على الرضا من العاقدين، وذلك يكون بأى شئ كبعت واشتريت وغيره من الأقوال، أو بالكتابة والاشارة والمعاطاة من الجانبين أو يكون بالكتابة منهما أو بقول من أحدهما وكتابة من الآخر أو اشارة منهما أو من جانب وقول أو كتابة من الجانب الآخر (٢).
هذا والاشارة أولى من المعاطاة لأنها يطلق عليها أنها كلام قال الله تعالى «آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً ٣».
والرمز الاشارة، وعلى ذلك فان كل اشارة يفهم منها الايجاب والقبول يلزم بها البيع.
وغير الأخرس كالاخرس قاله أبو الحسن فى شرح مسئلة المدونة المذكور ونصه: وكذا غير الأخرس اذا فهم عنه بالاشارة (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى حاشية البجرمى على المنهج أن البيع لا بد فيه من التراضى بين البائع والمشترى والتراضى يكون باللفظ أو ما فى معناه من الكتابة واشارة الأخرس (٥).
وذكر صاحب نهاية المحتاج: أنه يشترط أن لا يطول الفصل بين لفظى المتعاقدين أو اشارتيهما أو لفظ أحدهما وكتابته أو اشارة الآخر (٦).
ولا بد من قصد اللفظ لمعناه، فلو سبق لسانه اليه، أو قصده لا لمعناه - كتلفظ أعجمى به من غير معرفة مدلوله - لم ينعقد.
стр. 3180
وكذلك اشارة الأخرس وكتابته هذا ان فهمها - يعنى الاشارة - من الأخرس كل أحد، فتكون صريحة.
أما ان فهمها الفطن وحده فتكون كناية وحينئذ فيحتاج الى اشارة أخرى لأنه يتعذر بيعه بالكناية باعتبار الحكم عليه به ظاهرا كما هو ظاهر، اذ لا علم بنيته وتوفر القرائن لا يفيد (١).
واذا كان البيع سلما فقال المسلم:
أسلمت اليك فى ثوب أو فى صاع بر مثل هذا الثوب أو هذا البر لم يصح لأن المشار اليه قد يتلف وذلك لأن الاشارة الى المعين لم تعتمد الصفة (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير أن البيع يقوم على الايجاب والقبول أو لفظ يدل عليهما فان خرس أحدهما قامت اشارته مقام لفظه، فان لم تفهم اشارته قام وليه من الأب أو وصيه أو الحاكم مقامه (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن البيع والشراء يصحان من الأخرس وذلك بالاشارة التى يفهم بها مراده، فأما الاشارة من الصحيح فلا حكم لها (٤).
هذا ويصح بيع مقدر معلوم نحو مد أو رطل أو رمانة أو ذراع أو نحو ذلك فان كان ذلك فى صبرة مستوية الأجزاء صح البيع مطلقا وان كانت مختلفة لم يصح بيع الجزء المقدر الا اذا ميز فى المختلف قبل البيع أما بعزل أو اشارة فان لم يميز فسد البيع الا أن يشرط الخيار لأحدهما (٥).
وكذلك يجب أن يعين المبيع اذا كان أرضا حال العقد بما يميزه عما يلتبس بما شاء من اشارة اليها وذلك كأن يقول له بعتك هذه الأرض مشيرا اليها (٦).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أن عقد البيع هو اللفظ الدال على نقل الملك من مالك الى آخر بعوض معلوم، ولا يكفى التقابض من غير لفظ وان حصل من الامارات ما يدل على ارادة البيع سواء كان فى الحقير أو الخطير ويقوم مقام اللفظ الاشارة مع العذر (٧).
стр. 3181
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن البيع ينعقد بالألفاظ التى تدل عليه كبعت لك كذا بكذا وكذلك بالاشارة أو كتابة من أخرس وممنوع من كلام ونحو ذلك مما يدل على رضى بالبيع مثل أن يناوله لمريد الشراء.
ولا يجوز البيع باشارة أو كتابة ممن ليس أخرس ولا ممنوعا من كلام على المشهور وجاز أن كان لا يعرف المشترى كلامه ولا يعرف هو كلام المشترى (١).
وكما يجوز البيع بالاشارة يجوز أيضا الشراء باشارة أو كتابة ممن لا يتكلم أو لا يعرف البائع كلامه ولا يعرف لغة البائع لا من غيره على المشهور (٢).
حكم الاشارة فى الوصية
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق أن الوصية تارة تكون بالألفاظ وتارة تكون بالاشارة المفهمة.
قال فى فتاوى أبى الليث لو أن مريضا أوصى وهو لا يقدر على الكلام لضعفه فأشار برأسه يعلم منه أنه يعتمد، قال ابن مقاتل: تجوز وصيته عندى ولا تجوز عند أصحابنا وكان الفقيه ابو الليث يقول اذا فهم منه الاشارة يجوز واذا قرئ صك الوصية على رجل فقيل له: هو كذا فأشار برأسه ان نعم فانه يجوز (٣).
وجاء فى بدائع الصنائع: أن ابن سماعة روى فى نوادره عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أن الرجل اذا أوصى فقال لفلان شاة من غنمى أو نخلة من نخلى أو جارية من جوارى، ولم يقل من غنمى هذه، ولا من جوارى هؤلاء ولا من نخلى هذه فان الوصية فى هذا تقع يوم موت الموصى ولا تقع يوم أوصى حتى لو ماتت غنمه تلك أو باعها فاشترى مكانها أخرى أو ماتت جواريه فاشترى غيرهن أو باع النخل واشترى غيرها فان للموصى له نخلة من نخلة يوم يموت وليس للورثة أن يعطوه غير ذلك.
لأن الوصية عقد مضاف الى الموت فكأنه قال فى تلك الحالة: لفلان شاة من غنمى فيستحق شاة من الموجود دون ما قبله فان ولدت الغنم قبل ان يموت الموصى أو ولدت الجوارى قبل موته، فلحقت الأولاد الأمهات ثم مات الموصى.
стр. 3182
فان للورثة أن يعطوه أن شاءوا من الامهات وان شاءوا من الأولاد لان الاسم يتناول الكل عند الموت فكان المستفاد بالولادة كالمستفاد بالشراء (١)
وان اختار الورثة أن يعطوه شاة من غنمه ولها ولد قد ولدته بعد موت الموصى فان ولدها يتبعها وكذلك صوفها ولبنها.
لأن الوصية وان تعلقت بشاة غير معينة لكن التعيين من الورثة يكون بيانا ان الشاة المعينة هى من الموصى بها كأن الوصية وقعت بهذه المعينة ابتداء فما حدث من نمائها بعد الموت يكون للموصى له.
فأما ما ولدت قبل موت الموصى فلا يستحقه الموصى له لأن الوصية انما تعتبر بما عند الموت فالحادث قبل الموت يحدث على ملك الورثة وكذلك الصوف المنفصل واللبن المنفصل قبل الموت لما قلنا.
فأما ان كان متصلا بها فهو للموصى له وان حدث قبل الموت لأنه لا ينفرد عنها بالتمليك.
ولو قال: أوصيت له بشاة من غنمى هذه، أو بجارية من جوارى هؤلاء.
أو قال: قد أوصيت له باحدى جاريتى هاتين، فهذا على هذه الغنم، وهؤلاء الجوارى لأنه عين الموصى به وهو الشاة من الغنم المشار اليها حتى لو ماتت الغنم أو باعها بطلت الوصية.
كما لو قال: أوصيت بهذه الشاة أو بهذه الجارية فهلكت ولو ولدت الغنم أو الجوارى فى حال حياة الموصى ثم أراد الورثة أن يعطوه من الأولاد لم يكن لهم ذلك.
لأن الوصية تعلقت بعين مشار اليها وان لم يثبت الملك فيها ينزل فى غيرها
فان دفع الورثة اليه جارية من الجوارى لم يستحق ما ولدت قبل الموت، لأن الوصية لم تكن وجبت فيها اذ الملك فى الوصية انما ينتقل بالموت (٢).
وروى بشر عن أبى يوسف رحمه الله تعالى: انه لو أوصى رجل بثلث ماله لرجل مسمى وأخبر الموصى ان ثلث ماله ألف أو قال هو هذا فاذا ثلث ماله أكثر من ألف فان أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال: ان الثلث من جميع ماله والتسمية التى سمى باطلة لا ينقض الوصية خطؤه فى ماله انما غلط فى الحساب. ولا يكون هذا منه رجوعا فى الوصية.
стр. 3183
وهذا قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لانه لما أوصى بثلث ماله فقد أتى بوصية صحيحة، لأن صحة الوصية لا تقف على بيان مقدار الموصى به فوقعت الوصية صحيحة بدونه ثم بين المقدار وغلط فيه والغلط فى قدر الموصى به لا يقدح فى أصل الوصية فبقيت الوصية متعلقة بثلث جميع المال ولأنه يحتمل أن يكون هذا رجوعا عن الزيادة على القدر المذكور ويحتمل أن يكون غلطا فوقع الشك فى بطلان الوصية فلا يبطل مع الشك على الأصل المعهود أن الثابت بيقين لا يزول بالشك.
ولو قال: أوصيت بغنمى كلها وهى مائة شاة فاذا هى أكثر من مائة وهى تخرج من الثلث فالوصية جائزة فى جميعها لما ذكرنا من أنه أوصى بجميع غنمه ثم غلط فى العدد.
ولو قال: أوصيت له بغنمى وهى هذه وله غنم غيرها تخرج من الثلث فان هذا فى القياس مثل ذلك ولكنى أدع القياس فى هذا وأجعل له الغنم التى تسمى من الثلث لأنه جمع بين التسمية والاشارة وكل واحد منهما للتعيين غير أن هذه الاشارة أقوى لأنها تحصر العين وتقطع الشركة فتعلقت الوصية - من أجل ذلك - بالمشار اليه فلا يستحق الموصى له غيره.
بخلاف ما اذا قال: أوصيت له بثلث مالى وهو هذا وله مال آخر غيره، فان الموصى له فى هذه الحالة يستحق ثلث جميع المال لأن الاشارة هنا لم تصح لأنه قال: ثلث مالى والثلث اسم للشائع والمعين غير السائع، فلغت الاشارة فتعلقت الوصية لذلك بالمسمى وهو ثلث المال.
أما فى الحالة الأولى فان الوصية صحت بالاشارة وهى اقوى من التسمية فتعلقت الوصية بالمشار اليه (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل: أن الايجاب فى الوصية يصح بالاشارة المفهمه روى عن أشهب فى الموازية أنهم لو قرؤا الوصية وقالوا نشهد بانها وصيتك فقال برأسه نعم ولم يتكلم جاز ذلك.
قال ابن عبد السّلام وتعقب على ابن الحاجب تفسير الصيغة بالاشارة فان الاشارة من الأفعال، والصيغة من العوارض والأقوال وهو صحيح لو كان المراد بها ما يريده النحويون، أما اذا كان مراده بالصيغة ما يدل على مراد الشخص وجعل ذلك حقيقة عرفية فى هذا الفن ولا يسمى على رأى المالكية فى كثير من أبواب الفقه (٢).
وجاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير: أن الموصى به أن كان معينا وباعه الموصى بطلت وصيته فلو قال: أوصيت له
стр. 3184
بثيابى هذه أو بثوبى هذا فباعها أو باعه واستخلفها بغيرها قبل موته فلا شئ للموصى له.
أما اذا أوصى له بثوب معين فباعه ثم اشتراه أو ملكه ثانية ولو بارث له فلا تبطل الوصية وكان من حق الموصى له أن يأخذه بخلاف ما اذا اشترى مثل المشار اليه فان الوصية تبطل وليس للموصى له ذلك المثل لأنه غير ما عين له (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج: أنه يكفى فى الوصية من الأخرس اشارته المفهمة والناطق اذا اعتقل لسانه وأشار بالوصية برأسه أو بقوله نعم لقراءة كتاب الوصية عليه لأنه عاجز مثل الأخرس (٢).
وجاء فى حاشية البجرمى: أن الموصى لو قال: هذا لوارثى مشيرا الى الموصى به بطلت وصيته، لأنه لا يكون لوارثه الا اذا انقطع تعلق الموصى له عنه.
وفرق بين هذا وبين ما لو أوصى لزيد بمعين ثم أوصى به لعمرو حيث يكون شريكا لاحتمال نسيانه الوصية الأولى مع اتيان ذلك هنا بان الموصى له الثانى ثم صار للأول فى الاستحقاق الطارئ فلم يكن ضمه اليه صريحا فى رفعه فأثر فيه احتمال النسيان وشركنا بينهما اذ لا مرجح بخلاف الوارث فانه مغاير له لأن استحقاقه أصلى فكان ضمه اليه صريحا فى رفعه فلم يؤثر فيه احتمال النسيان لقوته (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أنه لا تصح الوصية ممن اعتقل لسانه باشارة ولو فهمت اذا لم يكن مأيوسا من نطقه فهو كقادر على الكلام.
وفى مصنف ابن أبى شيبة بسند صحيح عن قتادة عن حلاس أن امرأة قيل لها فى مرضها أوصى بكذا فأومأت برأسها فلم يجزه على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه.
ولا تصح الوصية من أخرس لا تفهم اشارته فان فهمت اشارته صحت لأن تعبيره انما يحصل بذلك عرفا فهى كاللفظ من قادر عليه (٤).
ولو أوصى لزيد مثلا بمثل نصيب وارث معين بالتسمية أو الاشارة ونحوها كقوله
стр. 3185
أوصيت لفلان بمثل نصيب ابنى فلان أو ابنى هذا أو أختى أو نحوه أو أوصى له بنصيب الوارث المعين فللموصى له مثل نصيب الوارث المعين (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن الوصية تصح بالاشارة من الأخرس اجماعا.
وأما المصمت فالمذهب أنه كذلك وقيل لا حكم لاشارته.
قال الطحاوى ما لم ييأس من برئه فى سنة كالعنين.
وذلك لما روى أن امامة بنت أبى العاص لما أصمتت قال لها الحسن والحسين ﵉: ألفلان كذا فأشارت أن نعم. فأجاز وصيتها بذلك وهو صريح فى الوصية.
ولما روى من أن جارية رضخ رأسها اليهودى وكان النبى ﵌ يقول لها: خصمك فلان فكانت تشير برأسها أن لا فلما ذكر لها اليهودى أشارت نعم، وأقر اليهودى فقتله النبى ﷺ (٢).
ولو قال أوصيت بهذه الأرض للحج ثم استغل الورثة من هذه الأرض لا يبعد أن تكون الغلة لهم، لأنها لا تكون للحج ولكنها وصية يبيعها.
قال وليست كأرض يوصى بها للفقراء ووجه الفرق أن العرف جار بأن ما أوصى به للحج المقصود به القدر، لا ما أوصى به للفقراء فان فهم له قصد عمل به فعلى هذا ما أوصى به للحج لا يجب الكراء سواء أوصى ببيع الأرض للحج أم بعينها وهو بالخيار ان شاء استأجر بها أو بدارهم وقضاها أو باعها واستأجر بثمنها (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن الوصية تصح وتكفى بالاشارة الدالة على المراد قطعا فى ايجاب الوصية مع تعذر اللفظ لخرس أو اعتقال لسان بمرض ونحوه وكذا تكفى الكناية مع القرينة الدالة قطعا على قصد الوصية بها لا مطلقا (٤)، لأنها أعم ولا تكفيان مع الاختيار، لما روى أبو عبد الله عن أبيه أن أمامة بنت أبى العاص وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ كانت تحت على بن أبى طالب كرم الله وجهه بعد فاطمة ﵍ فخلف عليها بعد على كرم الله وجهه المغيرة بن نوفل فذكر أنها وجعت وجعا شديدا حتى اعتقل
стр. 3186
لسانها فجاءها الحسن والحسين ابنا على ﵇ وهى لا تستطيع الكلام فجعلا يقولان لها والمغيرة كاره لذلك أعتقت فلانا وأهله فجعلت تشير برأسها أن لا، وكذا وكذا؟ فجعلت تشير برأسها: أن نعم لا تفصح بالكلام، وأجازا ذلك لها (١).
وجاء فى الخلاف أنه اذا قال الرجل أوصيت لفلان بثلث هذا العبد أو بثلث هذه الدار أو هذا الثوب، ثم مات الموصى وخرج ثلثا ذلك العبد أو تلك الدار استحقاقا فان الوصية تصح فى الثلث الباقى اذا خرج من الثلث لأنه اذا قال أوصيت لفلان بثلث هذه الدار فانه أوصى له بما يملكه. ألا ترى أنه اذا قال له: بعت ثلث هذه الدار فان ذلك ينصرف الى الثلث الذى يملكه منها. واذا كان أوصى له بما يملكه وخرج من الثلث وجب أن يصح كما لو أوصى له بعبد يملكه (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه اذا اعتجم لسان المريض فدعا بقرطاس فكتب على من الدين كذا، وللأقربين كذا وصية منى فأشهد يا فلان ويا فلان على بهذا فقد أمسك على، اشهدوا على بما فى هذا الذى كتبت بيدى فانه وصيتى جاز ولو لم يقرءوه ان كان يكتب وان لم يكن يكتب فلا يجوز الا أن قرءوه عليه وأقر بفهمه ويشهدهم بذلك ويكون فى أيديهم ويعرفون ما فيه.
وان أومأ برأسه أو أشار بيده لما يريده فى وصيته أن يوصى به لم يجز.
ولو استدل على مراده لأن الحكم لا يقع الا على صحة العقل وهو هنا لا يعلم مراده باشارته الا بالظن والظن لا يغنى لأنا لا نعلم ثبوت عقله الا بلسانه (٣) ولو أوصى بألف درهم فى داره أو نخلته هذه أو ثوب أو عبد فيها أو بعشرة دراهم فى عبده هذا أو بنخلة فى أرضه هذه فلا تثبت الوصية بهذا الا فى المعين وان تلفت بطلت (٤).
حكم الاشارة فى الدعوى
مذهب الحنفية:
جاء فى تبيين الحقائق أن الدعوى لا تخلو من أحد أمرين فهى اما أن تقع فى الدين أو فى العين ثم هى ان وقعت فى العين لا تخلو من أحد أمرين فالعين اما أن تكون عقارا أو منقولا.
والدعوى فى المنقول لا تخلو من أحد أمرين فالمنقول اما أن يكون قائما أو هالكا.
فان ادعى منقولا قائما فان أمكن ان يحضره فى مجلس الحكم فالقاضى لا يسمع
стр. 3187
الدعوى من المدعى ولا شهادة شهوده الا بعد احضار ما وقع فيه يشير اليه المدعى والشهود لتنقطع الشركة بين المدعى وغيره.
قال شمس الأئمة السرخسى: ومن المنقولات ما لا يمكن احضاره عند القاضى كالصبرة من الطعام والقطيع من الغنم فالقاضى بالخيار ان شاء حضر ذلك الموضع لو تيسر له ذلك وان كان لا يتهيأ له الحضور وكان مأذونا بالاستخلاف يبعث خليفته الى ذلك الموضع.
وهو نظير ما اذا كان القاضى فى داره ووقعت الدعوى فى جمل ولا يسع باب داره فانه يخرج الى باب داره أو يأمر نائبه حتى يخرج ليشير اليه الشهود بحضرته.
هذا ويتعلق بالدعوى وجوب احضار العين المدعاة الى مجلس القاضى على المدعى عليه اذا كانت منقولة قائمة فى يده حتى يشير المدعى أو الشهود اليها أو يشير اليها المدعى عليه عند الاستحلاف.
ولو وقعت الدعوى فى غير محدود لم تصح الدعوى حتى يحضر الحاكم عند الأرض فيسمع الدعوى على عينها ويشير الشهود اليها بالشهادة.
هذا واذا كان المدعى دينا لا عينا لا يشترط فيه الاحضار الى مجلس القاضى كما يشترط فى العين القائمة لأن الاحضار انما اشترط ثمة ليمتاز المدعى من غيره بالاشارة التى عند الدعوى والشهادة وعند استحلاف المدعى عليه لأن العين قد تشترك مع عين أخرى فى الوصف والحلية فلا ينقطع الشك ما لم تكن الاشارة اليها فى الحضور.
والدين لا يمكن اعلامه بالاشارة اليه فلا يلزم احضاره بل اكتفى فيه بيان الجنس والقدر والوصف بخلاف ما اذا كانت العين مستهلكة حيث تقبل الشهادة عليه من غير اشارة لأن الدعوى فى قيمتها لم تكن من ذوات الأمثال وفى مثلها ان كانت من ذوات الأمثال والمثل والقيمة دين فى الذمة والشهادة على الديون تقبل بلا اشارة اليها بل لا بد من بيان الجنس والقدر (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج: أن المدعى عليه اذا أصر على السكوت عن جواب الدعوى لغير دهشة أو غباوة جعل حكمه كمنكر للمدعى به ناكل عن اليمين، وحينئذ فترد اليمين على المدعى بعد أن يقول له القاضى أجب عن دعواه والا جعلتك ناكلا فان كان سكوته لنحو دهشة أو غباوة شرح له ثم حكم بعد ذلك عليه.
وسكوت الأخرس عن الاشارة المفهمة الجواب كسكوت الناطق.
стр. 3188
ومن لا اشارة له مفهمة كالغائب والاصم الذى لا يسمع أصلا ان كان يفهم الاشارة فهو كالأخرس وان لم يكن يفهم الاشارة فهو كالمجنون فلا تصح دعواه عليه (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أنه ان كان المدعى به عينا حاضرة فى المجلس عينها المدعى بالاشارة اليها لينتفى اللبس وان كانت حاضرة فى البلد لكن لم تحضر مجلس الحكم اعتبر احضارها لتعيين وازالة اللبس (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن من شروط صحة الدعوى تعيين أعواض العقود نحو أن يدعى عوض مبيع أو أجرة أو مهرا فانها لا تصح دعواه فى شئ من تلك الأعواض حتى يعينها بمثل ما عينها للعقد، فان كان أرضا أو دارا فبالحدود.
وان كان غير ذلك من العروض فبما يتميز به من اشارة أو وصف. وكذا الغصب والهبة (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أن جواب المدعى عليه ان كان به آفة من طرش توصل الى معرفة جوابه بالاشارة المفيدة لليقين ولو استغلقت اشارته بحيث يحتاج الى المترجم لم يكف الواحد وافتقر فى الشهادة باشارته الى مترجمين عدلين (٤).
حكم الاشارة فى الشهادة
مذهب الحنفية:
جاء فى المبسوط أن شهادة الأعمى صحيحة فيما تجوز الشهادة فيه بالتسامع لأن الأعمى فى السماع كالبصير وانما عدم آلة العينين.
ولكنا نقول: فى أداء الشهادة هو محتاج الى أن يشير الى المشهود له والمشهود عليه، ولا يتمكن من ذلك الا بدليل مشتبه وهو الصوت والنغمة.
وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف رحمه الله تعالى اذا تحمل الشهادة وهو بصير ثم أداها وهو أعمى تقبل شهادته لأن تحمله قد صح بطريق ثبت له العلم به، وبعد صحة العلم انما يحتاج الى الحفظ
стр. 3189
والأعمى فى ذلك كالبصير ويحتاج الى الأداء باللسان والأعمى فى ذلك كالبصير فتعريف المشهود له والمشهود عليه بذكر الاسم والنسب والاشارة اليهما بالطريق الذى يعلم أنه مصيب فى ذلك يكفى لأداء الشهادة.
ألا ترى أن الأعمى يباح له وط ء زوجته وجاريته ولا يميزهما من غيرهما الا بالصوت والنغمة، وأن البصير اذا شهد على ميت أو غائب يقام ذكر الاسم والنسب مقام الاشارة الى العين فى صحة أداء الشهادة فهذا مثله.
أما الامام أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فيقولان: لا يقبل شهادته لما روى عن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه أنه شهد عنده أعمى فقالت أخت المشهود عليه أنه أعمى فذكر ذلك لعلى رضى الله تعالى عنه فرد شهادته. وذلك فيما هو خاص بالشهادة فى الأموال والمعنى فيه ان فى شهادة الأعمى تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود وذلك يمنع قبول الشهادة كما فى شهادة الأب لولده.
وبيان الوصف أنه يحتاج عند أداء الشهادة الى التمييز بين المشهود له والمشهود عليه والاشارة اليهما والى المشهود به فيما يجب احضاره وآلة هذا التمييز البصر وقد عدم الأعمى ذلك المعنى.
هذا وان الشهادة فى الوط ء يجوز ان يعتمد فيه على خبر الواحد اذا أخبره أن هذه امرأته وقد زفت اليه وهذا لأن الضرورة تتحقق فيه فالأعمى يحتاج الى قضاء الشهوة والنسل كالبصير ولا ضرورة هنا ففى الشهود كثرة وهذا بخلاف الموت فان ذلك لا يمكن التحرز عنه بجنس الشهود فالمدعى وان استكثر من الشهود يحتاج الى اقامة الاسم والنسبة مقام الاشارة عند موت المشهود عليه أو غيبته على أن هناك الاشارة تقع الى وكيل الغائب ووصى الميت وهو قائم مقامه.
هذا ولا تجوز شهادة الأخرس، لأن أداء الشهادة يختص بلفظ الشهادة حتى اذا قال الشاهد أخبر وأعلم لا يقبل ذلك منه ولفظ الشهادة لا يتحقق من الأخرس ثم شهادة الأخرس مشتبه فانه يستدل باشارته على مراده بطريق غير موجب للعلم فتتمكن فى شهادته تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود ولا تكون اشارته أقوى من عبارة الناطق (١).
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أن شهادة الأخرس جائزة كما قال ابن شعبان ويؤديها
стр. 3190
باشارته المفهمة أو بالكتابة (١). ولا يجوز تعيينه فى القضاء فاذا عين وحكم نفذ قضاؤه ووجب عزله (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: أن شرط الشاهد ألا يكون أخرس وان فهم اشارته كل أحد، اذ لا يخلو عن احتمال (٣).
هذا وتصح الشهادة من الأعمى بما ثبت بالتسامع ان لم يحتج الى تعيين واشارة بأن يكون الرجل مشهورا باسمه وصفته وله أن يطأ زوجته اعتمادا على صوتها للضرورة ولأن الوط ء يجوز بالظن.
هذا ومن سمع قول شخص أو رأى فعله فان عرف عينه واسمه ونسبه شهد عليه فى حضوره اشارة لا باسمه ونسبه فقط كما لو لم يعرف بها (٤).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير: أنه لا تقبل شهادة الأخرس نص عليه أحمد لانها شهادة بالاشارة فلم تجز كاشارة الناطق لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفى بايماء الناطق ولا يحصل اليقين بالاشارة وانما اكتفى باشارته فى أحكامه المختصة به للضرورة ولا ضرورة ههنا ولو شهد الناطق بالاشارة والايماء لم تصح شهادته اجماعا فعلم أن الشهادة تفارق غيرها من الأحكام، ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية اذا فهمت اشارته لان اشارته بمنزلة نطقه كما فى سائر أحكامه، والأول أولى لأنا انما قبلنا اشارته فيما يختص به للضرورة ولا ضرورة هاهنا (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أنه لا تصح شهادة الأخرس وكل من تعذر عليه النطق وذلك فى أى نوع من أنواع الشهادات، لأن من حق الشهادة أن يأتى بلفظها لأن شرط الشهادة التلفظ بها (٦).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أن الأخرس يصح منه تحمل الشهادة وأداؤها ويبنى على ما يتحقق الحاكم من اشارته فان جهلها اعتمد على ترجمة العارف باشارته نعم يفتقر الى مترجمين ولا يكون