← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

لسانها فجاءها الحسن والحسين ابنا على ﵇ وهى لا تستطيع الكلام فجعلا يقولان لها والمغيرة كاره لذلك أعتقت فلانا وأهله فجعلت تشير برأسها أن لا، وكذا وكذا؟ فجعلت تشير برأسها: أن نعم لا تفصح بالكلام، وأجازا ذلك لها (١). وجاء فى الخلاف أنه اذا قال الرجل أوصيت لفلان بثلث هذا العبد أو بثلث هذه الدار أو هذا الثوب، ثم مات الموصى وخرج ثلثا ذلك العبد أو تلك الدار استحقاقا فان الوصية تصح فى الثلث الباقى اذا خرج من الثلث لأنه اذا قال أوصيت لفلان بثلث هذه الدار فانه أوصى له بما يملكه. ألا ترى أنه اذا قال له: بعت ثلث هذه الدار فان ذلك ينصرف الى الثلث الذى يملكه منها. واذا كان أوصى له بما يملكه وخرج من الثلث وجب أن يصح كما لو أوصى له بعبد يملكه (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أنه اذا اعتجم لسان المريض فدعا بقرطاس فكتب على من الدين كذا، وللأقربين كذا وصية منى فأشهد يا فلان ويا فلان على بهذا فقد أمسك على، اشهدوا على بما فى هذا الذى كتبت بيدى فانه وصيتى جاز ولو لم يقرءوه ان كان يكتب وان لم يكن يكتب فلا يجوز الا أن قرءوه عليه وأقر بفهمه ويشهدهم بذلك ويكون فى أيديهم ويعرفون ما فيه. وان أومأ برأسه أو أشار بيده لما يريده فى وصيته أن يوصى به لم يجز. ولو استدل على مراده لأن الحكم لا يقع الا على صحة العقل وهو هنا لا يعلم مراده باشارته الا بالظن والظن لا يغنى لأنا لا نعلم ثبوت عقله الا بلسانه (٣) ولو أوصى بألف درهم فى داره أو نخلته هذه أو ثوب أو عبد فيها أو بعشرة دراهم فى عبده هذا أو بنخلة فى أرضه هذه فلا تثبت الوصية بهذا الا فى المعين وان تلفت بطلت (٤). حكم الاشارة فى الدعوى مذهب الحنفية: جاء فى تبيين الحقائق أن الدعوى لا تخلو من أحد أمرين فهى اما أن تقع فى الدين أو فى العين ثم هى ان وقعت فى العين لا تخلو من أحد أمرين فالعين اما أن تكون عقارا أو منقولا. والدعوى فى المنقول لا تخلو من أحد أمرين فالمنقول اما أن يكون قائما أو هالكا. فان ادعى منقولا قائما فان أمكن ان يحضره فى مجلس الحكم فالقاضى لا يسمع

стр. 3187

الدعوى من المدعى ولا شهادة شهوده الا بعد احضار ما وقع فيه يشير اليه المدعى والشهود لتنقطع الشركة بين المدعى وغيره. قال شمس الأئمة السرخسى: ومن المنقولات ما لا يمكن احضاره عند القاضى كالصبرة من الطعام والقطيع من الغنم فالقاضى بالخيار ان شاء حضر ذلك الموضع لو تيسر له ذلك وان كان لا يتهيأ له الحضور وكان مأذونا بالاستخلاف يبعث خليفته الى ذلك الموضع. وهو نظير ما اذا كان القاضى فى داره ووقعت الدعوى فى جمل ولا يسع باب داره فانه يخرج الى باب داره أو يأمر نائبه حتى يخرج ليشير اليه الشهود بحضرته. هذا ويتعلق بالدعوى وجوب احضار العين المدعاة الى مجلس القاضى على المدعى عليه اذا كانت منقولة قائمة فى يده حتى يشير المدعى أو الشهود اليها أو يشير اليها المدعى عليه عند الاستحلاف. ولو وقعت الدعوى فى غير محدود لم تصح الدعوى حتى يحضر الحاكم عند الأرض فيسمع الدعوى على عينها ويشير الشهود اليها بالشهادة. هذا واذا كان المدعى دينا لا عينا لا يشترط فيه الاحضار الى مجلس القاضى كما يشترط فى العين القائمة لأن الاحضار انما اشترط ثمة ليمتاز المدعى من غيره بالاشارة التى عند الدعوى والشهادة وعند استحلاف المدعى عليه لأن العين قد تشترك مع عين أخرى فى الوصف والحلية فلا ينقطع الشك ما لم تكن الاشارة اليها فى الحضور. والدين لا يمكن اعلامه بالاشارة اليه فلا يلزم احضاره بل اكتفى فيه بيان الجنس والقدر والوصف بخلاف ما اذا كانت العين مستهلكة حيث تقبل الشهادة عليه من غير اشارة لأن الدعوى فى قيمتها لم تكن من ذوات الأمثال وفى مثلها ان كانت من ذوات الأمثال والمثل والقيمة دين فى الذمة والشهادة على الديون تقبل بلا اشارة اليها بل لا بد من بيان الجنس والقدر (١). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج: أن المدعى عليه اذا أصر على السكوت عن جواب الدعوى لغير دهشة أو غباوة جعل حكمه كمنكر للمدعى به ناكل عن اليمين، وحينئذ فترد اليمين على المدعى بعد أن يقول له القاضى أجب عن دعواه والا جعلتك ناكلا فان كان سكوته لنحو دهشة أو غباوة شرح له ثم حكم بعد ذلك عليه. وسكوت الأخرس عن الاشارة المفهمة الجواب كسكوت الناطق.

стр. 3188

ومن لا اشارة له مفهمة كالغائب والاصم الذى لا يسمع أصلا ان كان يفهم الاشارة فهو كالأخرس وان لم يكن يفهم الاشارة فهو كالمجنون فلا تصح دعواه عليه (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع: أنه ان كان المدعى به عينا حاضرة فى المجلس عينها المدعى بالاشارة اليها لينتفى اللبس وان كانت حاضرة فى البلد لكن لم تحضر مجلس الحكم اعتبر احضارها لتعيين وازالة اللبس (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن من شروط صحة الدعوى تعيين أعواض العقود نحو أن يدعى عوض مبيع أو أجرة أو مهرا فانها لا تصح دعواه فى شئ من تلك الأعواض حتى يعينها بمثل ما عينها للعقد، فان كان أرضا أو دارا فبالحدود. وان كان غير ذلك من العروض فبما يتميز به من اشارة أو وصف. وكذا الغصب والهبة (٣). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام: أن جواب المدعى عليه ان كان به آفة من طرش توصل الى معرفة جوابه بالاشارة المفيدة لليقين ولو استغلقت اشارته بحيث يحتاج الى المترجم لم يكف الواحد وافتقر فى الشهادة باشارته الى مترجمين عدلين (٤). حكم الاشارة فى الشهادة مذهب الحنفية: جاء فى المبسوط أن شهادة الأعمى صحيحة فيما تجوز الشهادة فيه بالتسامع لأن الأعمى فى السماع كالبصير وانما عدم آلة العينين. ولكنا نقول: فى أداء الشهادة هو محتاج الى أن يشير الى المشهود له والمشهود عليه، ولا يتمكن من ذلك الا بدليل مشتبه وهو الصوت والنغمة. وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف رحمه الله تعالى اذا تحمل الشهادة وهو بصير ثم أداها وهو أعمى تقبل شهادته لأن تحمله قد صح بطريق ثبت له العلم به، وبعد صحة العلم انما يحتاج الى الحفظ

стр. 3189

والأعمى فى ذلك كالبصير ويحتاج الى الأداء باللسان والأعمى فى ذلك كالبصير فتعريف المشهود له والمشهود عليه بذكر الاسم والنسب والاشارة اليهما بالطريق الذى يعلم أنه مصيب فى ذلك يكفى لأداء الشهادة. ألا ترى أن الأعمى يباح له وط ء زوجته وجاريته ولا يميزهما من غيرهما الا بالصوت والنغمة، وأن البصير اذا شهد على ميت أو غائب يقام ذكر الاسم والنسب مقام الاشارة الى العين فى صحة أداء الشهادة فهذا مثله. أما الامام أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فيقولان: لا يقبل شهادته لما روى عن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه أنه شهد عنده أعمى فقالت أخت المشهود عليه أنه أعمى فذكر ذلك لعلى رضى الله تعالى عنه فرد شهادته. وذلك فيما هو خاص بالشهادة فى الأموال والمعنى فيه ان فى شهادة الأعمى تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود وذلك يمنع قبول الشهادة كما فى شهادة الأب لولده. وبيان الوصف أنه يحتاج عند أداء الشهادة الى التمييز بين المشهود له والمشهود عليه والاشارة اليهما والى المشهود به فيما يجب احضاره وآلة هذا التمييز البصر وقد عدم الأعمى ذلك المعنى. هذا وان الشهادة فى الوط ء يجوز ان يعتمد فيه على خبر الواحد اذا أخبره أن هذه امرأته وقد زفت اليه وهذا لأن الضرورة تتحقق فيه فالأعمى يحتاج الى قضاء الشهوة والنسل كالبصير ولا ضرورة هنا ففى الشهود كثرة وهذا بخلاف الموت فان ذلك لا يمكن التحرز عنه بجنس الشهود فالمدعى وان استكثر من الشهود يحتاج الى اقامة الاسم والنسبة مقام الاشارة عند موت المشهود عليه أو غيبته على أن هناك الاشارة تقع الى وكيل الغائب ووصى الميت وهو قائم مقامه. هذا ولا تجوز شهادة الأخرس، لأن أداء الشهادة يختص بلفظ الشهادة حتى اذا قال الشاهد أخبر وأعلم لا يقبل ذلك منه ولفظ الشهادة لا يتحقق من الأخرس ثم شهادة الأخرس مشتبه فانه يستدل باشارته على مراده بطريق غير موجب للعلم فتتمكن فى شهادته تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود ولا تكون اشارته أقوى من عبارة الناطق (١). مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أن شهادة الأخرس جائزة كما قال ابن شعبان ويؤديها

стр. 3190

باشارته المفهمة أو بالكتابة (١). ولا يجوز تعيينه فى القضاء فاذا عين وحكم نفذ قضاؤه ووجب عزله (٢). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج: أن شرط الشاهد ألا يكون أخرس وان فهم اشارته كل أحد، اذ لا يخلو عن احتمال (٣). هذا وتصح الشهادة من الأعمى بما ثبت بالتسامع ان لم يحتج الى تعيين واشارة بأن يكون الرجل مشهورا باسمه وصفته وله أن يطأ زوجته اعتمادا على صوتها للضرورة ولأن الوط ء يجوز بالظن. هذا ومن سمع قول شخص أو رأى فعله فان عرف عينه واسمه ونسبه شهد عليه فى حضوره اشارة لا باسمه ونسبه فقط كما لو لم يعرف بها (٤). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير: أنه لا تقبل شهادة الأخرس نص عليه أحمد لانها شهادة بالاشارة فلم تجز كاشارة الناطق لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفى بايماء الناطق ولا يحصل اليقين بالاشارة وانما اكتفى باشارته فى أحكامه المختصة به للضرورة ولا ضرورة ههنا ولو شهد الناطق بالاشارة والايماء لم تصح شهادته اجماعا فعلم أن الشهادة تفارق غيرها من الأحكام، ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية اذا فهمت اشارته لان اشارته بمنزلة نطقه كما فى سائر أحكامه، والأول أولى لأنا انما قبلنا اشارته فيما يختص به للضرورة ولا ضرورة هاهنا (٥). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أنه لا تصح شهادة الأخرس وكل من تعذر عليه النطق وذلك فى أى نوع من أنواع الشهادات، لأن من حق الشهادة أن يأتى بلفظها لأن شرط الشهادة التلفظ بها (٦). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام: أن الأخرس يصح منه تحمل الشهادة وأداؤها ويبنى على ما يتحقق الحاكم من اشارته فان جهلها اعتمد على ترجمة العارف باشارته نعم يفتقر الى مترجمين ولا يكون

стр. 3191

المترجمان شاهدين على شهادته بل يثبت الحكم بشهادته أصلا لا بشهادة المترجمين فرعا (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أن الشهادة تقبل من الأخرس بايماء أو اشارة (٢). حكم الاشارة فى الاقرار مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع: أن الاقرار بالاشارة من غير الأخرس لا يعتبر اقرارا، فلو قرئ على انسان كتاب وقيل له أهو كما كتب فيه فأشار برأسه أى نعم لا يصير مقرا، وكل اقرار اخبار وكذا لو حلف لا يقر لفلان بمال فقيل له: الفلان عليك ألف درهم فأشار برأسه أى نعم لا يكون ذلك منه اقرارا، وكذا اذا قرأ على انسان كتاب الأخبار فقيل له: أهو كما قرأت عليك فأومأ برأسه أى نعم، فليس له أن يروى عنه بحدثنا ولا بأخبرنا فدل أن الايماء ليس باخبار (٣). أما ان كانت الاشارة بالاقرار صادرة من الأخرس فانه يكون اقرارا معتبرا فلو أن الأخرس أومأ بما يعرف أنه اقرار بهذه الاشياء فانه يجوز بخلاف الذى اعتقل لسانه لأن للأخرس اشارة معهودة فاذا أتى بها يحصل العلم بالمشار اليه وليس ذلك لمن اعتقل لسانه ولان اقامة الاشارة مقام العبارة أمر ضرورى والخرس ضرورة لأنه أصلى فأما اعتقال اللسان فليس من باب الضرورة لكونه على شرف الزوال (٤). مذهب المالكية: جاء فى شرح الخرشى: أن الاقرار يصح أن يكون باللفظ أو بالاشارة المفهمة سواء كانت تلك الاشارة المفهمة من ناطق أو أخرس (٥). مذهب الشافعية: يذهب الشافعية الى أن الاشارة من الأخرس فى الحدود تعتبر اقرارا منه بثبوت الحد عليه وأن الاشارة من الأخرس تشعر بالالتزام بالحق. وقد جاء فى نهاية المحتاج ومغنى المحتاج أنه يكفى فى ثبوت الحد فى الزنا الاشارة من الأخرس ان فهمها كل أحد، وكذلك يعتد باشارته المفهمة أو كتابته فى القذف (٦).

стр. 3192

وجاء فى نهاية المحتاج: ان اشارة الأخرس التى تشعر بأنه يلتزم بحق تصح أن تكون صيغة من صيغ الاقرار المستوفية للشروط. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (١) أن الاقرار يصح من الأخرس باشارة معلومة لأن اشارته تقوم مقام نطقه ولا يصح الاقرار بالاشارة من الناطق كما لا يصح الاقرار بالاشارة ممن اعتقل لسانه لانه غير مأيوس من نطقه ولذا أشبه الناطق. هذا اذا كان الاقرار بالاشارة فقط. أما اذا لفظ بالاقرار مصحوبا بالاشارة كما لو قال المقر: هذه الدار لفلان ولى نصفها. أو قال هذه الدار لفلان الا نصفها، أو قال: الا هذا البيت أو قال هذه الدار له وهذا البيت لى فان ذلك الاقرار يقبل منه حيث لا بينة بما يخالف ولو كان البيت أكثرها - يعنى الدار - لأن الاشارة جعلت الاقرار فيما عدا الاستثناء فالمقر به معين فوجب أن يصح (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن الاقرار يصح من الأخرس باشارته ما دامت تلك الاشارة مفهومة. واذا جنى الأخرس فانه يقتص منه اما بالبينة أو بالاشارة وقيل لا يقتص منه. أما بالنسبة لحد الزنا والسرقة والقذف والشرب فلا يعتد باقراره لأن هذه الأشياء لا يصح منه الاقرار بها (٣). على ما جاء فى شرح الأزهار من أن الاخرس الأصلى يسقط عنه الحد عندنا بلا أشكال. وأما الذى طرأ عليه الخرس فان كان الخرس قد طرأ قبل أن يصدر منه اقرار وقبل أن يشهد الشهود نانه يسقط عنه الحد أيضا وان كان قد طرأ عليه الخرس بعد أن أقر على نفسه بالزنا أو بعد أن شهد الشهود فقد قال ﵇ يحتمل أن يسقط عنه الحد لجواز أن يقر بعد الشهادة أو يرجع عن الأقرار (٤). وقال صاحب شرح (٥) الأزهار فى حد السرقة: يقطع الأخرس اذا سرق سواء كان الخرس أصليا أو كان طارئا قيل: كان القياس أن يسقط القطع عن الأخرس لجواز دعوى الشبهة لكن

стр. 3193

خصه بالاجماع مع أن لقائل أن يقول دعوى الشبهة مع الأخرس ممكن (١). وقال صاحب شرح الأزهار فى حد القذف: يثبت القذف باقرار القاذف بشرط أن يكون بالغا عاقلا غير أخرس. ثم قال (٢) فى حد الشرب: يشترط فى حد الشرب أن لا يكون الشارب أخرس (٣). مذهب الإمامية: يعتبر الإمامية اشارة الأخرس المفهمة اقرارا منه كاللفظ ويثبت بها الحد على ما جاء فى الروضة البهية وشرائع الاسلام من أنه يثبت الزنا بالاقرار أربع مرات ويكفى فى الاقرار به اشارة الأخرس المفهمة يقينا كغيره ويعتبر تعددها أربعا كاللفظ بطريق أولى ولو لم يفهمها الحاكم اعتبر المترجم العارف باشارته (٤). مذهب الإباضية: يرى الإباضية أن اشارة الأخرس فى الاقرار غير معتبرة ولا يعتد بها على ما جاء فى جوهر النظام من أن الاقرار لا يثبت من الأخرس (٥). حكم اشارة الحالف مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع: أن من حلف لا أظهر سرك لفلان أو لا أفشى. أو حلف ليكتمن سره. أو ليسترنة أو ليخفينه. فسأله فلان عن ذلك وقال: أكان من الأمر كذا؟ فأشار الحالف برأسه أى نعم فهو حانث. لوجود شرط الحنث وهو اظهار السر، اذ الاظهار اثبات الظهور وذلك لا يقف على العبارة بل يحصل بالدلالة والاشارة. ألا ترى أنه يقال: ظهر لى اعتقاد فلان اذا فعل ما يدل على اعتقاده. وكذا الاشارة بالرأس عقيب السؤال يثبت به ظهور المشار اليه فكان اظهارا، فان نوى به الكلام أو الكتاب دون الايماء دين فى ذلك لأنه نوى تخصيص ما فى لفظه فيدين فيما بينه وبين الله . وكذلك لو حلف لا يعلم فلانا بمكان فلان فسأله المحلوف عليه أفلان فى

стр. 3194

موضع كذا وكذا فأومأ برأسه أى نعم يحنث لوجود شرط الحنث وهو الاعلام. اذ هو اثبات العلم الذى يحد بأنه صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هى به فان نوى به الاخبار بالكلام أو بالكتاب يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى تخصيص العموم وأنه جائز. وان كان خلاف الظاهر فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق فى القضاء لمخالفته الظاهر. ولو كان مكان الاعلام اخبار، بأن حلف لا يخبر فلانا بمكان فلان فانه لا يحنث الا بالكلام أو بالكتاب أو بالرسالة. ولو أومأ برأسه لا يحنث. لأن شرط الحنث هو الاخبار والاشارة ليست بخبر، اذ الخبر من أقسام الكلام. ألا ترى أنهم قالوا: أقسام الكلام أربعة، أمر ونهى وخبر واستخبار ويحد بأنه كلام عرى عن معنى التكليف والاشارة ليست بكلام فلم تكن خبرا. ولو نوى بالاخبار الاظهار أو الاعلام يحنث اذا أومأ لأنه جعله مجازا عن الاظهار لمناسبة بينهما. ولو حلف على أن لا يدلهم فأومأ اليهم برأسه أو أشار اليهم كان ذلك منه دلالة الا أن يعنى بالدلالة الخبر باللسان أو بالكتاب فيكون على ما عنى لأن اسم الدلالة يقع على الفعل والقول لوجود معناها فيهما (١). ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه ولم تكن له نية حنث لأن الدقيق هكذا يؤكل عادة ولا يستف الا نادرا والنادر ملحق بالعدم، فلم يكن له حقيقة مستعملة وله مجاز مستعمل وهو كل ما يتخذ منه فحمل عليه. ولو حلف لا يأكل من هذا الكفرى شيئا فصار بسرا. أو حلف لا يأكل من هذا البسر شيئا فصار رطبا. أو لا يأكل من هذا الرطب شيئا فصار تمرا. أو لا يأكل من هذا العنب شيئا فصار زبيبا فأكله. أو حلف لا يأكل من هذا اللبن شيئا فأكل من جبن صنع منه أو مصل أو أقط أو شيراز.

стр. 3195

أو حلف لا يأكل من هذه البيضة فصارت فرخا فأكل من فرخ خرج منها. أو حلف لا يذوق من هذه الخمر شيئا فصارت خلا لم يحنث فى جميع ذلك. والأصل أن اليمين متى تعلقت بعين تبقى ببقاء العين وتزول بزوالها والصفة فى العين المشار اليه غير معتبرة لأن الصفة لتمييز الموصوف من غيره. والاشارة تكفى للتعريف فوقعت الغنية عن ذكر الصفة وغير المعين لا يحتمل الاشارة فيكون تعريفه بالوصف. واذا عرف هذا نقول العين بدلت فى هذه المواضع فلا تبقى اليمين التى عقدت على الأول. والعين فى الرطب وان لم تبدل لكن زال بعضها وهو الماء بالجفاف، لأن اسم الرطب يستعمل على العين والماء الذى فيها فاذا جف فقد زال عنها الماء فصار أكلا بعض العين المشار اليها فلا يحنث. كما لو حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه. بخلاف ما اذا حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخا فانه يحنث لأن هناك العين قائمة وانما الفائت هو الوصف لا بعض الشخص فيبقى كل المحلوف عليه فبقيت اليمين. وهناك فرق آخر هو أن الصفات التى فى هذه الأعيان مما تقصد باليمين منعا وحملا كالرطوبة التى هى فى التمر والعنب فان المرطوب تضربه الرطوبات فتعلقت اليمين بها. والصبا والشباب مما لا يقصد بالمنع بل الذات هى التى تقصد فتعلقت اليمين بالذات دون هاتين الصفتين. كما اذا حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه فانه يكون حانثا لما قلنا كذا هذا. وكذا اذا حلف لا يأكل من لحم هذا الحولى فأكله بعد ما صار كبشا أو من لحم هذا الجدى فأكله بعد ما صار تيسا فانه يحنث لما قلنا. وكذا لو حلف لا يجامع هذه الصبية فجامعها بعد ما صارت امرأة فانه يحنث لما قلنا. ولو نوى فى الفصول المتقدمة ما يكون من ذلك حنث. لأنه شدد على نفسه ولو حلف لا يأكل من هذه الحبة فأكلها بعد ما صارت بطيخا فهذا لا رواية فيه. واختلف المشايخ فيه قال بشر عن أبى يوسف: لو أن رجلا حلف لا يذوق من هذا اللبن شيئا. أو لا يشرب فصب فيه ماء فذاقه أو شربه فان كان اللبن غالبا حنث لأنه اذا كان غالبا يسمى لبنا.

стр. 3196

وكذلك لو حلف على نبيذ فصبه فى خل أو على ماء ملح فصب على ماء عذب. والأصل فى هذا أن المحلوف عليه اذا اختلط بغير جنسه فان الغلبة تعتبر فيه بلا خلاف بين أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، غير أن أبا يوسف اعتبر الغلبة فى اللون أو الطعم لا فى الأجزاء. فقال ان كان المحلوف عليه يستبين لونه أو طعمه حنث وان كان لا يستبين له لون ولا طعم لا يحنث سواء كانت أجزاؤه أكثر أو لم تكن لأن اللون والطعم اذا كانا باقيين كان الاسم باقيا. ألا ترى أنه يقال لبن مغشوش، وخل مغشوش واذا لم يبق له لون ولا طعم لا يبقى الاسم، ويقال ماء فيه لبن وماء فيه خل فلا حنث. أما محمد فانه يعتبر غلبة الأجزاء فقد قال: ان كانت أجزاء المحلوف عليه غالبا يحنث وان كانت مغلوبة لا يحنث لأن الحكم يتعلق بالأكثر والأقل يكون تبعا للأكثر فلا عبرة به (١). ولو حلف لا يتكلم بسر فلان ولا بمكانه فكتب أو أشار لا يحنث لأن الكتابة والاشارة ليست بكلام وانما تقوم مقامه ألا ترى أن الله تعالى أنزل الينا كتابه ولا يقال ان الله تعالى فى العرف كلمنا. فان سئل عنه فقال نعم فقد تكلم لأن قوله نعم لا يستقل بنفسه ويضمر فيه السؤال كما فى قوله تعالى: «فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ» أى وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فقد أتى بكلام دال على المراد. ولو حلف لا يستخدم فلانة ثم أشار اليها بالخدمة فقد استخدمها فهو حانث لأن الاستخدام طلب الخدمة وقد وجد ولو كانت هذه الأيمان كلها وهو صحيح ثم خرس فصار لا يقدر على الكلام كانت ايمانه فى هذا كله على الاشارة والكتاب فى جميع ما وصفنا الا فى خصلة واحدة. وهى أن يحلف أن لا يتكلم بسر فلان فلا يحنث الا بالتكلم لأن الكلام العرفى اسم لحروف منظومة تدل على معنى مفهوم، وذلك لا يوجد فى الاشارة والخبر والافشاء والاظهار من الأخرس انما يكون بالاشارة فيحنث بهما وكل شئ حنث فيه من هذه الأشياء بالاشارة فقال: أشرت وأنا لا أريد الذى حلفت عليه فان كان فعل ذلك جوابا لشئ مما سئل عنه لم يصدق فى القضاء لأن الاشارة فيها احتمال فان كان هناك دلالة حال زال الاحتمال وان لم يكن يرجع الى نيته (٢).

стр. 3197

واذا جمع الحالف فى المحلوف عليه بين اضافة الملك والاشارة بأن قال لا أكلم عبد فلان هذا أو لا أدخل دار فلان هذه أو لا أركب دابة فلان هذه أو لا ألبس ثوب فلان هذا فباع المالك عبده أو داره أو دابته أو ثوبه، ثم كلم الحالف هذا العبد بعد بيعه. أو دخل الدار، أو ركب الدابة، أو لبس الثوب لم يحنث فى قول أبى حنيفة الا أن يعنى غير ذلك الشئ خاصة وعند محمد يحنث الا أن يعنى ما دامت ملكا لفلان. فهما يعتبران الاشارة والاضافة جميعا وقت الفعل للحنث فما لم يوجدا لا يحنث لأن الحالف لما جمع بين الاضافة والاشارة لزم اعتبارهما ما أمكن لأن تصرف العاقل واجب الاعتبار ما أمكن وأمكن اعتبار الاضافة ههنا مع وجود الاشارة. لأنه باليمين منع نفسه عن مباشرته المحلوف والظاهر أن العاقل لا يمنع نفسه عن شئ منعا مؤكدا باليمين لا لداع يدعوه اليه. وهذه الأعيان لا تقصد بالمنع لذاتها بل لمعنى فى المالك أما الدار ونحوها فلا شك فيه وكذا العبد لأنه لا يقصد بالمنع لخسته وانما يقصد به مولاه وقد زال بزوال الملك عن المالك وصار كأنه قال مهما دامت لفلان ملكا. ومحمد يعتبر الاشارة دون الاضافة. وأما فى اضافة السبة فلا يشترط قيام الاضافة وقت الفعل للحنث بالاجماع حتى لو حلف لا يكلم زوجة فلان هذا أو صديق فلان هذا فبانت زوجته منه أو عادى صديقه فكلم يحنث لأن الاضافة والاشارة كل واحد منهما للتعريف والاشارة أبلغ فى التعريف لأنها تخصص العين وتقطع الشركة فتلغو الاضافة كما فى اضافة النسبة (١). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل: أنه لو حلف أن لا يكلمه فأشار اليه فلا يحنث وقيل يحنث. وذكر مالك وابن القاسم وابن حبيب وغيرهم أنه لو حلف لا يكلمه، فأشار اليه يحنث. وسواء كان المحلوف عليه أصم أو سميعا ونص ما فى العتبية قال فى رجل حلف أن لا يكلم رجلا فأشار اليه بالسلام أو غيره فقال ما أرى الاشارة وأحب الى أن يترك ذلك وكأنه لم ير عليه حنثا ان فعل. وقال ابن الماجشون انه حانث احتج بقوله تعالى: «أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً ٢» فجعل الرمز كلاما لأنه استثناء من الكلام.

стр. 3198

وليس ذلك بحجة قاطعة لاحتمال أن يكون الاستثناء منفصلا غير متصل مقدر بلكن. ومثل قول ابن الماجشون لأصبغ فى سماعه من هذا الكلام. وجه القول الأول أن الكلام عند الناس فيما يعرفون انما هو الافهام بالنطق باللسان فعمل يمين الحالف على ذلك ان عريت من نية أو بساط يدل على ما سواه. ووجه القول الثانى: أن حقيقة الكلام والقول هو المعنى القائم بالنفس قال تعالى «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). وقال: «وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ٢». فاذا أفهم الرجل ما فى نفسه بلفظ أو اشارة فقد كلمه حقيقة لأنه أفهمه ما فى نفسه من كلامه بذاته دون واسطة من رسول أو كتاب. والقول الأول أظهر لأن التكليم وان كان يقع على ما سوى الافهام باللسان فقد تعورف بالنطق بالافهام باللسان دون ما سواه فوجب أن يحمل الكلام على ذلك وأن لا يحنث الحلف على ترك تكليم الرجل بما سواه الا أن ينوى به (٣). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج: أنه لو حلف لا يدخل دار زيد أو لا يكلم عبده أو زوجته فباع الدار والعبد أو بعضهما أو طلق زوجته طلاقا بائنا أو رجعيا وانقضت عدتها، فدخل الدار وكلم العبد أو الزوجة لم يحنث تغليبا للحقيقة. وذلك بخلاف ما لو قال الحالف، أى حلف بأن لا يدخل دار زيد هذه أو زوجته هذه أو عبده هذا فيحنث تغليبا للاشارة اللهم الا أن يريد الحالف بما ذكر ما دام ملكه عليه فلا يحنث مع الاشارة اذا دخل الدار أو كلم العبد بعد زوال الملك أو الزوجية بعد الطلاق البائن عملا بارادته (٤). هذا ولو حلف لا يدخل الدار من هذا الباب فنزع من محله ونصب موضع آخر منها أى الدار لم يحنث بالدخول من المنفذ الثانى ويحنث بالأول فى الأصح

стр. 3199

المنصوص فيها حملا لليمين على المنفذ لأنه المحتاج اليه فى الدخول دون المنصوب الخشب ونحوه. والثانى عكسه حملا على المنصوب. والثالث لا يحنث بدخول واحد منهما حملا على المنفذ والمنصوب معا (١). ولو قال فى حلفه مشيرا الى حنطة مثلا، لا آكل هذه حنث بأكلها على هيئتها وبطحنها وخبزها تغليبا للاشارة هذا عند الاطلاق فان نوى شيئا حمل عليه. ولو صرح فى حلفه بالاشارة مع الاسم كأن قال: لا آكل هذه الحنطة حنث بها مطبوخة مع بقاء حياتها ونيئة ومقلية لأن الاسم لم يزل فان هرست فى طبخها لم يحنث لزوال اسم الحنطة (٢). ولو حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه حنث ولو كاتبه أو راسله أو أشار اليه بيد أو غيرها بعين أو رأس فلا حنث عليه بذلك فى الجديد حملا للكلام على الحقيقة بدليل صحة النفس عن ذلك فيقال ما كلمه ولكن كاتبه أو راسله وفى التنزيل «فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ﴿، فَأَشارَتْ إِلَيْهِ ٣» وفى القديم يحنث حملا للكلام على الحقيقة فى المجاز ويدل له قول الله تعالى: «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ (٤) فاستثنى الوحى والرسالة من التكلم فدل على أنها منه وقوله تعالى: «أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً ٥» فاستثنى الرمز من الكلام فدل على أنه منه ومنهم من قطع بالجديد وحمل ما نقل عن القديم على ما اذا نوى فى يمينه المكاتبة والمراسلة. قال الرافعى: وهو صريح فى أنه عند النية يحنث قطعا وهو واضح. وانما أقيمت اشارة الأخرس فى المعاملات مقام النطق للضرورة كذا ذكره الرافعى. وتعقب بما فى فتاوى القاضى من أن الأخرس لو حلف لا يقرأ القرآن فقرأه بالاشارة حنث (٦). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أن حلف أن لا يكلم زيدا فان أشار اليه حنث. قال القاضى: لأن الاشارة فى معنى المكاتبة والمراسلة فى الافهام.

стр. 3200

وقال أبو الخطاب: لا يحنث لأنه ليس بكلام قال الله تعالى لمريم ﵍: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» (١). وأما قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ: آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ٢». فهو استثناء منقطع (٣). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن يمين الأبكم واستثناءه لازمان على حسب طاقته من صوت يصوته أو اشارة ان كان مصمتا لا يقدر على أكثر لما ذكر من أن الايمان اخبار من الحالف عن نفسه والأبكم والمصمت مخاطبان بشرائع الاسلام كغيرهما. وقد قال الله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (٤). وقال رسول الله ﷺ : «اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فوجب عليهما من هذه الشريعة ما استطاعاه وان يسقط عنهما ما ليس فى وسعهما وأن يقبل منهما ما يخبران به عن أنفسهما حسب ما يطيقان ويلزمهما ما التزماه (٥). ولو حلف لا يكلم فلانا فأوصى اليه أو كتب اليه لم يحنث لأنه لا يسمى الكتاب ولا الوصية كلاما. وكذلك لو أشار اليه قال الله : «آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» «فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» الى قوله تعالى: «فَأَشارَتْ إِلَيْهِ». فصح أن الاشارة والايماء ليسا كلاما (٦).

стр. 3201

مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أنه لو حلف لا أكلم زيدا لم يحنث باشارة ولا بكتابة ولا برسالة اليه (١). مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف: أنه اذا حلف شخص بأن قال لا أكلت هذه الحنطة وأشار الى حنطة بعينها ثم طحنها دقيقا أو سويقا فأكلها لم يحنث (٢). واذا حلف بأن قال: لا أكلت هذا الدقيق فخبزه وأكله (٣) لم يحنث. واذا حلف لا كلمت فلانا فكتب اليه كتابا أو أرسل اليه رسولا أو أومأ اليه برأسه أو غمز بعينه أو أشار بعينه لم يحنث. وبه قال أهل العراق لأن الأصل براءة الذمة وشغلها يحتاج الى دليل. وأيضا فلا يسمى شئ مما عددناه كلاما على الحقيقة فيجب أن لا يحنث به. وقال الله تعالى: «فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» ثم قال: فأشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا». فوجه الدلالة أنها نذرت أن لا تكلم أحدا ثم أشارت اليه فثبت أن الاشارة ليست بكلام (٤). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أنه لا يكون الكتاب ولا الاشارة بجارحة - كحاجب ورأس ويد وعين وغير ذلك - كلاما وان فهم فلا يحنث من حلف أن لا يكلم فلانا ثم أشار اليه. وقيل: ان فهمت اشارته تكون كلاما وعليه فيكون حانثا - والراجح أن لا يحنث بالايماء - أى الاشارة - أى نوى الكلام باللسان (٥).

стр. 3202

اشتباه التعريف فى اللغة: (اشتباه) مصدر فعله اشتبه المزيد بالهمزة والتاء فأصل مادته: شبه. جاء فى لسان العرب (١): الشبه والشبه والشبيه: المثل والجمع أشباه، وأشبه الشئ الشئ ماثله. وفى المثل: من أشبه أباه فما ظلم. وبينهما شبه بالتحريك، والجمع مشابه على غير قياس، وأشبهت فلانا وشابهته واشتبه على وتشابه الشيئان واشتبها: أشبه كل واحد منهما صاحبه، وفى التنزيل: «مشتبها وغير متشابه» وشبه اياه وشبه به مثله والمشتبهات من الأمور: المشكلات، والمتشابهات المتماثلات، وتشبه فلان بكذا، والتشبيه التمثيل. وفى حديث حذيفة - وذكر فتنة - فقال تشبه مقبلة وتبين مدبرة. قال عمر: معناه أن الفتنة اذا أقبلت شبهت على القوم وأرتهم انهم على الحق حتى يدخلوا فيها ويركبوا منها ما لا يحل، فاذا أدبرت وانقضت بان أمرها فعلم من دخل فيها أنه كان على الخطأ. والشبهة الالتباس، وأمور مشتبهة ومشبهة مشكلة يشبه بعضها بعضا. قال الشاعر: واعلم بأنك فى زمان مشبهات هن هنه. ويقال: شبه عليه: خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره. وروى أبو العباس عن ابن الاعرابى: يقال شبه الشئ اذا أشكل وشبه اذا ساوى بين شئ وشئ. قال: وسألته عن قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً﴾. فقال: ليس من الاشتباه المشكل انما هو من التشابه الذى هو بمعنى الاستواء. وقال الليث: المشتبهات من الأمور: المشكلات. وتقول: شبهت على يا فلان اذا خلط عليك. واشتبه الأمر اذا اختلط واشتبه على الشئ.

стр. 3203

وجمع الشبهة شبه، وهو اسم من الاشتباه. وروى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه قال: اللبن يشبه عليه ومعناه أن المرضعة اذا أرضعت غلاما فانه ينزع الى أخلاقها فيشبهها. وقد جاء فى لسان العرب وغيره من كتب اللغة أن الشك ضد اليقين. وفى اصطلاح العلماء هو ادراك الطرفين على سواء على خلاف الظن الذى هو ادراك الطرف الراجح والوهم الذى هو ادراك الطرف المرجوح. ولما كان الشك بهذا المعنى يؤدى حتما الى اشتباه الأمر فيما وقع فيه الشك على الشخص، وفرع الفقهاء الأحكام فى المسائل والفروع على هذا الأساس، فسيتناول الكلام فى مصطلح اشتباه حكم المسائل التى وقع فيها الاشتباه نتيجة حصول الالتباس والاختلاط أول الأمر، وعجز الشخص عن التمييز. كما يتناول حكم المسائل والفروع التى وقع فيها الالتباس والاشتباه نتيجة شك الشخص فى فعله وتصرفاته كالشك فى الصلاة مثلا، لأن الأمر فى الحالتين أمر اشتباه والتباس أما أولا وأما أخيرا. وسيكون من نتيجة ذلك ألا يبقى ما يكتب بصفة مستقلة ومغايرة فى مصطلح (شك). ولذلك يقتصر الأمر فى هذا المصطلح «شك» على تعريفه لغة واصطلاحا والفرق بينه وبين الظن والوهم - ثم يحال بأحكام المسائل والفروع التى يتناولها على مصطلح (اشتباه) التعريف فى اصطلاح الفقهاء لا يكاد الائمة الفقهاء يخرجون فى استعمالهم لكلمة اشتباه عن معناها اللغوى فهى حين ترد على ألسنتهم يعنون بها الالتباس والاختلاط. الاشتباه فى الطّهارة حكم اشتباه الماء الطاهر بغيره مذهب الحنفية: ذكر صاحب البحر الرائق (١) أن الاصل فى الماء الطهارة. فلو أخبر عدل بنجاسة الماء، وأخبر عدل آخر بطهارته، فانه يحكم بطهارته.

стр. 3204

والأصل فيه أن الخبرين اذا تعارضا تساقطا، ويبقى ما كان ثابتا قبل الخبر على ما كان ففى الماء قبل الخبر الثابت اباحة شربه وطهارته. فلما تعارض الدليلان تساقطا، فبقى ما كان من الاباحة والطهارة. ولكن ذكر الامام جلال الدين الخبازى فى حاشية الهداية تفصيلا حسنا فى مسألة الماء تسكن اليه النفس ويميل اليه القلب. فقال: فان قيل اذا أخبر عدل بنجاسة الماء وأخبر عدل آخر بطهارته لم لا يصير الماء مشكوكا مع وقوع التعارض بين الخبرين؟ قلنا: لا تعارض ثمة لأنه أمكن ترجيح أحدهما، فان المخبر عن الطهارة لو استقصى فى ذلك بأن قال: أخذت هذا الماء من النهر وسددت فم هذا الاناء ولم يخالطه شئ أصلا رجحنا خبره، لتأيده بالأصلى. وان بنى خبره على الاستصحاب وقال: كان طاهرا فيبقى كذلك رجحنا خبر النجاسة، لأنه أخبر عن محسوس مشاهد وأنه راجح على الاستصحاب. قال صاحب البحر: والذى ظهر لى أنه يحمل كلام المشايخ على ما اذا لم يبين مستند أخباره، فاذا لم يبين يعمل بالأصل وهو الطهارة، وان بين فالعبرة بهذا التفصيل. وروى صاحب البدائع (١) عن أبى حنيفة أنه لو بال رجل فى الماء الجارى وهناك رجل أسفل منه يتوضأ به فانه لا بأس به. وهذا لأن الماء الجارى مما لا يخلص بعضه الى بعض فالماء الذى يتوضأ به يحتمل أنه نجس، ويحتمل أنه طاهر، والماء طاهر فى الأصل، فلا نحكم بنجاسته بالشك. وان وقعت نجاسة فى الماء وكانت مرئية كالجيفة ونحوها، وكان الماء يجرى عليها النصف، أو دون النصف، فالقياس أن يجوز التوضؤ به، وفى الاستحسان لا يجوز احتياطا. ثم قال (٢) أما اذا تنجست البئر فغار ماؤها وجف أسفلها، ثم عاودها الماء. فقال محمد بن سلمة: هو نجس. ووجهه أن ما نبع يحتمل أنه ماء جديد ويحتمل أنه الماء النجس فلا يحكم بطهارته بالشك.

стр. 3205

وقد روى هذا القول عن أبى يوسف. وقال نصير بن يحيى هو طاهر. ووجهه أن تحت الأرض ماء جاريا فيختلط الغائر به، فلا يحكم بكون العائد نجسا بالشك. وقول نصير أوسع. وقول محمد بن سلمة أحوط (١). وجاء فى المبسوط (٢) أنه ان ماتت فأرة فى بئر وتوضأ رجل منها بعد ما ماتت الفأرة فيها فعليه اعادة الوضوء والصلاة جميعا، لأنه تبين أنه توضأ بالماء النجس. وان كان لا يدرى متى وقع فيها. وقد كان وضوؤه من ذلك البئر. فان كانت منتفخة أعاد صلاة ثلاثة أيام ولياليها فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى احتياطا. وان كانت غير منتفخة يعيد صلاة يوم وليلة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: ليس عليه أن يعيد شيئا من صلاته ما لم يعلم أنه توضأ منها وهو فيها. والقياس ما قالا، لأنه على يقين من طهارة البئر فيما مضى وفى شك من نجاسته واليقين لا يزال بالشك. وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى يقول أولا بقول أبى حنيفة حتى رأى طائرا فى منقاره فأرة ميتة وألقاها فى بئر فرجع الى هذا القول، وقال: لا يعيد شيئا من الصلاة بالشك. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: ظهر لموت الفأرة سبب وهو وقوعها فى البئر فيحال موتها عليه، كمن جرح انسانا فلم يزل صاحب فراش حتى مات يحال موته على تلك الحالة، لأنه هو الظاهر من السبب. ثم الانتفاخ دليل تقادم للعهد، وأدنى حد التقادم ثلاثة أيام. ألا ترى أن من دفن قبل أن يصلى عليه يصلى على قبره الى ثلاثة أيام، ولا يصلى عليه بعد ذلك، لأنه لا يتفسخ فى هذه المدة. وقولهما: ان فى نجاسة البئر فيما مضى شكا، قلنا يؤيد هذا الشك تيقن النجاسة فى الحال فوجب اعتباره والقول به للاحتياط فيه.

стр. 3206

وجاء فى البدائع (١): اذا وقع الحيوان فى البئر فان علم بيقين أن على بدنه نجاسة أو على مخرجها نجاسة تنجس الماء لاختلاط النجس به، سواء وصل فمه الى الماء أولا. وان لم يعلم ذلك اختلف المشايخ فيه. قال بعضهم العبرة لاباحة الأكل وحرمته. فان كان مأكول اللحم لا ينجس، ولا ينزح شئ، وسواء وصل لعابه الى الماء أولا. وان لم يكن مأكول اللحم ينجس، سواء كان على بدنه أو مخرجه نجاسة أولا. وقال بعضهم المعتبر هو السؤر. فان كان لم يصل فمه الى الماء لا ينزح شئ. وان وصل فان كان سؤره طاهرا فالماء طاهر ولا ينزح منه شئ، وان كان نجسا فالماء نجس، وينزح كله، وان كان مكروها يستحب أن ينزح عشر دلاء، وان كان مشكوكا فيه فالماء كذلك وينزح كله كذا ذكر فى الفتاوى الهندية. وجاء فى البحر الرائق (٢): ان سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه وهذه عبارة أكثر مشايخنا. وأبو طاهر الدباسى أنكر أن يكون شئ من أحكام الله تعالى مشكوكا فيه وقال: سؤر الحمار طاهر لو غمس فيه الثوب جازت الصلاة معه الا أنه محتاط فيه فأمر بالجمع بينه وبين التيمم ومنع منه حالة القدرة. والمشايخ قالوا: المراد بالشك التوقف، لتعارض الأدلة لا أن يعنى بكونه مشكوكا الجهل بحكم الشرع لأن حكمه معلوم وهو وجوب الاستعمال وانتفاء النجاسة وضم التيمم اليه، والقول بالتوقف عند تعارض الأدلة دليل العلم وغاية الورع. وبيان التعارض على ما فى المبسوط تعارض الأخبار فى أكل لحمه. فانه روى أن النبى ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. وروى غالب بن أبحر قال لم يبق لى مال الا حميرات فقال ﵊: كل من سمين مالك.

стр. 3207

قال شيخ الاسلام خواهر زاده فى مبسوطه: وهذا لا يقوى، لأن لحمه حرام بلا أشكال، لأنه اجتمع المحرم والمبيح فغلب المحرم على المبيح. كما لو أخبر عدل بأن هذا اللحم ذبيحة مجوسى، وأخبر الآخر أنه ذبيحة مسلم، لا يحل أكله، لغلبة الحرمة، فكان لحمه حراما بلا اشكال، ولعابه مولد منه، فيكون نجسا بلا أشكال. وقيل سبب الاشكال اختلاف الصحابة. فانه روى عن ابن عمر أنه كان يكره التوضؤ بسؤر البغل. وعن ابن عباس أنه قال: الحمار يعلف القت والتبن فسؤره طاهر قال شيخ الاسلام: وهذا لا يقوى أيضا، لأن الاختلاف فى طهارة الماء ونجاسته لا يوجب الاشكال، كما فى اناء أخبر عدل أنه طاهر، وأخبر آخر أنه نجس، فالماء لا يصير مشكلا، وقد استوى الخبران، وبقى العبرة للأصل، فكذا هاهنا. ولكن الأصح فى التمسك أن دليل الشك هو التردد فى الضرورة، فان الحمار يربط فى الدور والأفنية فيشرب من الأوانى. وللضرورة أثر فى اسقاط النجاسة، كما فى الهرة والفأرة، الا أن الضرورة فى الحمار دون الضرورة فيهما، لدخولهما مضايق البيت، بخلاف الحمار. ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلا كما فى الكلب والسباع لوجب الحكم بالنجاسة بلا أشكال. ولو كانت الضرورة مثل الضرورة فيهما لوجب الحكم باسقاط النجاسة. فلما ثبتت الضرورة من وجه دون وجه واستوى ما يوجب الطهارة والنجاسة تساقطا للتعارض، فوجب المصير الى الأصل. والأصل هاهنا شيئان: الطهارة فى جانب الماء، والنجاسة فى جانب اللعاب، لأن لعابه نجس كما بينا، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فبقى الأمر مشكلا، لأنه نجس من وجه، وطاهر من وجه، فكان الاشكال عند علمائنا بهذا الطريق، لا للاشكال فى لحمه، ولا لاختلاف الصحابة فى سؤره. وبهذا التقرير يندفع كثير من الأسئلة. منها: أن المحرم والمبيح اذا اجتمعا يغلب المحرم احتياطا.

стр. 3208

وجوابه أن القول بالاحتياط انما يكون فى ترجيح الحرمة فى غير هذا الموضع. أما هاهنا فالاحتياط فى اثبات الشك، لأنا ان رجحنا الحرمة للاحتياط يلزم ترك العمل بالاحتياط، لأنه حينئذ لا يجوز استعمال سؤر الحمار مع احتمال كونه مطهرا باعتبار الشك، فكان متيمما عند وجود الماء فى أحد الوجهين، وذلك حرام فلا يكون عملا بالاحتياط ولا بالمباح. وما قيل ان فى تغليب الحرمة تقليل النسخ، فذلك فى تعارض النصين، لا فى الضرورة. ومنها أن يقال لما وقع التعارض فى سؤر وجب المصير الى الخلف وهو التيمم، كمن له اناءان أحدهما طاهر والآخر نجس فاشتبه عليه فانه يسقط استعمال الماء ويجب التيمم، فكذا هاهنا؟ قلنا: الماء هاهنا طاهر لما ذكرنا أن قضية الشك أن يبقى كل واحد على حاله ولم يزل الحدث، لأنه لما كان ثابتا بيقين فيبقى الى أن يوجد المزيل بيقين، والماء طاهر، ووقع الشك فى طهوريته، فلا يسقط استعماله بالشك، بخلاف الاناءين، فان أحدهما نجس يقينا، والآخر طاهر يقينا، لكنه عجز عن استعماله لعدم علمه، فيصار الى الخلف. ومنها أن التعارض لا يوجب الشك كما فى اخبار عدلين بالطهارة والنجاسة حيث يتوضأ بلا تيمم. قلنا فى تعارض الخبرين وجب تساقطهما، فرجحنا كون الماء مطهرا باستصحاب الحال، والماء كان مطهرا قبله، وهاهنا تعارض جهتا الضرورة فتساقطتا، فأبقينا ما كان على ما كان أيضا. الا أن ها هنا ما كان ثابتا على حاله قبل التعارض شيئان جانب الماء وجانب اللعاب، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فوجب الشك. ومنها ما قيل فى استعمال الماء ترك العمل بالاحتياط من وجه آخر، لأنه ان كان نجسا فقد تنجس العضو؟ قلنا: أما على القول بأن الشك فى الطهورية فظاهر، وأما على القول المرجوح من أن الشك فى كونه طاهرا. فالجواب: أن العضو طاهر بيقين فلا يتنجس بالشك والحدث ثابت بيقين فلا يزول بالشك فيجب ضم التيمم اليه، كذا فى معراج الدراية وغيره. وقال صاحب البحر (١): ثم اختلف مشايخنا.

стр. 3209

فقيل الشك فى طهارته. وقيل فى طهوريته. وقيل فيهما جميعا. والأصح أنه فى طهوريته وهو قول الجمهور، كذا فى الكافى. وهذا مع اتفاقهم أنه على ظاهر الرواية لا ينجس الثوب والبدن والماء، ولا يرفع الحدث. ولهذا قال فى كشف الأسرار شرح أصول فخر الاسلام ان الاختلاف لفظى، لأن من قال الشك فى طهوريته لا فى طهارته أراد أن الطاهر لا يتنجس به ووجب الجمع بينه وبين التراب لا أن ليس فى طهارته شك أصلا، لأن الشك فى طهوريته انما نشأ من الشك فى طهارته، لتعارض الأدلة فى طهارته ونجاسته. وبهذا التقرير علم ضعف ما استدل به فى الهداية لقول من قال الشك فى طهوريته بأنه لو وجد الماء المطلق لا يجب عليه غسل رأسه، فان وجوب غسله انما يثبت بتيقن النجاسة، والثابت الشك فيها، فلا يتنجس الرأس بالشك فلا يجب. وعلم أيضا ضعف ما فى فتاوى قاضيخان تفريعا على كون الشك فى طهارته: أنه لو وقع فى الماء القليل أفسده لأنه لا افساد بالشك. وقال صاحب البحر (١): وفرع فى المحيط على كون سؤر الحمار مشكوكا: ما لو اغتسلت المرأة بسؤر الحمار تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج، لأنه مشكوك فيه، فان كان طاهرا فلا رجعة، وان كان نجسا لم يكن مطهرا فله الرجعة، فاذا احتمل انقطعت احتياطا، ولا تحل لغيره احتياطا، ثم قال صاحب البحر: واذا لم يجد الشخص ماء مطلقا توضأ بسؤرهما وتيمم، يعنى يجمع بين الوضوء والتيمم. والمراد بالجمع أن لا تخلو الصلاة الواحدة عنهما. وان لم يوجد الجمع فى حالة واحدة حتى لو توضأ بسؤر الحمار وصلى ثم أحدث وتيمم وصلى تلك الصلاة جاز، لأنه جمع بين الوضوء والتيمم فى حق صلاة واحدة وهو الصحيح. كذا فى فتاوى قاضيخان، فأفاد أن فيها اختلافا. وفى الجامع الصغير للمحبوبى وعن نصير بن يحيى فى رجل لم يجد الا سؤر الحمار قال: يهريق ذلك

стр. 3210

السؤر حتى يصير عادما للماء، ثم يتيمم. فعرض قوله هذا على القاسم الصغار فقال: هو قول جيد. وذكر محمد فى نوادر الصلاة لو توضأ بسؤر الحمار وتيمم ثم أصاب ماء نظيفا ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء ومعه سؤر الحمار فعليه اعادة التيمم، وليس عليه اعادة الوضوء بسؤر الحمار، لأنه اذا كان طاهرا فقد توضأ به وان كان نجسا فليس عليه الوضوء لا فى المرة الأولى ولا فى المرة الثانية كذا فى النهاية. وفى الخلاصة ولو تيمم وصلى ثم أراق سؤر الحمار يلزمه اعادة التيمم والصلاة لأنه يحتمل أن سؤر الحمار كان طهورا. فان قيل: هذا الطريق يستلزم أداء الصلاة بغير طهارة فى احدى المرتين لا محالة وهو مستلزم للكفر لتأديه الى الاستخفاف بالدين، فينبغى أن لا يجوز ويجب الجمع فى أداء واحد. قلنا: ذلك فيما أدى بغير طهارة بيقين، فأما اذا كان أداؤه بطهارة من وجه فلا، لانتفاء الاستخفاف، لأنه عمل بالشرع من وجه وهاهنا كذلك، لأن كل واحد من السؤر والتراب مطهر من وجه دون وجه، فلا يكون الأداء بغير طهارة من كل وجه، فلا يلزم منه الكفر. ثم قال صاحب البحر: ولو قدم الوضوء على التيمم أو قدم التيمم على الوضوء جاز حتى لو توضأ ثم تيمم جاز بالاتفاق وان عكس جاز عندنا خلافا لزفر، لأنه لا يجوز المصير الى التيمم مع وجود ماء هو واجب الاستعمال فصار كالماء المطلق. ودليلنا وهو الأصح: أن الماء ان كان طهورا فلا معنى للتيمم، سواء تقدم أو تأخر، وان لم يكن طهورا فالمطهر هو التيمم سواء تقدم أو تأخر ووجود هذا الماء وعدمه بمنزلة واحدة، وانما يجمع بينهما لعدم العلم بالمطهر منهما عينا فكان الاحتياط فى الجمع دون الترتيب. وكذا الاختلاف فى الاغتسال به فعندنا لا يشترط تقديمه خلافا له لكن الأفضل تقديم الوضوء والاغتسال به عندنا. وجاء فى شرح نور الايضاح على حاشية الطحاوى (١): أنه لو اختلطت الأوانى اختلاط مجاورة لا ممازجة وكان أكثرها طاهرا وأقلها نجسا فانه يتحرى للتوضؤ والاغتسال. وقال الطحاوى: الأفضل ان يمزجها.

стр. 3211

وعند عامة العلماء الأفضل ان يريقها ويتيمم لفقد المطهر قطعا. وكذلك يتيمم ان كانت الأوانى الطاهرة مساوية للأوانى النجسة. وان وجد ثلاثة رجال ثلاث أوان أحدهما نجس وتحرى كل أناء جازت صلاتهم وحدانا، ولا يصح اقتداء بعضهم ببعض، لأن كلا لا يجوز الوضوء بما تحراه الآخر، لكونه نجسا فى حقه بحسب تحريه، فكان الامام غير متطهر فى حق المأموم. ولو اختلطت الأوانى الطاهرة بالنجسة وكثر الطاهر، فانه يتحرى لارادة الشرب، لأن المغلوب كالمعدوم. وإن اختلط إناءان ولم يتحر وتوضأ بكل وصلى صحت إن مسح موضعين من رأسه كل موضع قدر الربع. وهذا التفصيل فى الرأس، لأن باقى الاعضاء يغسل. فاذا كان قد توضأ بالنجس فبالغسل ثانيا بالطاهر تطهر ويرتفع به الحدث. وان كان قد توضأ بالطاهر ارتفع الحدث من أول الأمر فتصح صلاته، ولا يضره تنجس الأعضاء بالغسل ثانيا بالنجس، لأنه حينئذ فاقد لما يزيل به النجاسة وفاقده يصلى بالنجاسة ولا يعيد. وان مسح محلا من رأسه بالماءين دار الأمر بين الجواز لو قدم الطاهر وعدم الجواز لتنجس البلل بأول ملاقاة لو أخر الطاهر فلا يجوز للشك احتياطا، وينتقل للتيمم لفقده المطهر. وان كان أكثر الأوانى المختلطة بالمجاورة نجسا فلا يتحرى الا للشرب لنجاسة كلها حكما للغالب، ويريقها عند عامة المشايخ. ويمزجها لسقى الدواب عند الطحاوى ثم يتيمم. ولو اختلطت أوانيه بأوانى أصحابه فى السفر وهم غيب أو اختلط رغيفه بأرغفتهم قال بعضهم يتحرى. وقال بعضهم ينتظر حتى يجئ أصحابه. وهذا فى حال الاختيار. أما فى حال الاضطرار فانه يتحرى مطلقا. ولو تحرى اناء ثم تبدل اجتهاده الى طهارة غيره فالعبرة لاجتهاده الأول ولا يعتبر الثانى. مذهب المالكية: جاء فى الحطاب (١): ان الماء اذا تغير وشك فى الذى غيره هل هو

стр. 3212

مما يسلبه الطهورية أو مما لا يسلبه الطهورية فالأصل بقاؤه على الطهورية. وعزا الشارح والمصنف فى التوضيح هذا الفرع للمازرى، وهو فى المدونة. لكنه أخل به البراذعى، بل كلامه فيه يوهم غير المقصود، وهى من المسائل التى تعقبها عليه عبد الحق، واختصرها ابن يونس بلفظ قال مالك: لا بأس بماء البئر تنتن من الحمأة وغيرها. قال ابن القاسم، وكذلك ما وجد فى الفلوات من بئر أو غدير قد أنتنا ولا أدرى لم ذلك ولا بأس بالوضوء منها، قاله مالك فى الواضحة. وقال فى الطراز هذا هو القياس أن الشئ متى شك فى حكمه رد الى أصله، والأصل فى الماء الطهارة والتطهير. وقال فى سماع موسى أن ابن القاسم قال فى الحوض يتغير ريحه ولم ير فيه أثر ميتة ولا جيفة والدواب والسباع تشرب منه، قال ابن القاسم: لا بأس به اذا لم ير فيه شئ يعلم أن فساد الماء منه. قال ابن رشد هو معنى ما فى المدونة، لأن المياه محمولة على الطهارة. وفهم من قول خليل: (شك) أن هذا الحكم حيث يتساوى الاحتمالان. وأحرى اذا ترجح جانب الطهارة. وأما اذا ترجح جانب النجاسة أو سلب الطهورية فيعمل عليه. قال الباجى واذا لم يدر من أى شئ تغير الماء نظر لظاهر أمره فيقضى به. فان لم يكن له ظاهر ولم يدر من أى شئ هو حمل على الطهارة. قال ابن ناجى فى شرح المدونة وأما آبار المدن اذا أنتنت فقال المازرى ان كانت هنا حالة تريب كالآبار القريبة من المراحيض فان مالكا قال: تترك اليومين فان طابت، والا لم يتوضأ منها، ولو علم أن نتنها ليس من ذلك ما رأيت بأسا أن يتوضأ منها. قال ابن رشد حمل الماء على أنه انما أنتن من نجاسة قنوات المراحيض التى تتخلل الدور فى القرى، بخلاف البئر فى الصحراء اذا أنتن ولم يدر بماذا، فانه يحمل على الطهارة، وأنه انما أنتن من ركوده وسكونه فى موضعه اذا لم يعلم لنجاسته سبب. ولو علم أن نتن البئر ليس من قنوات المراحيض التى بجانبها لم يكن به بأس. ثم قال (١): واذا خالط الماء شئ أجنبى

стр. 3213

ينفك عنه غالبا ولكنه موافق لأوصاف الماء الثلاثة، أعنى اللون والطعم والريح فلم يغيره فهل يجعل ذلك المخالط الموافق لأوصاف الماء كأنه مخالف للماء فيسلبه الطهورية لأن الاوصاف الموجودة والحالة هذه انما هى أوصاف للماء والمخالط وأدنى الأمور فى ذلك الشك فيه أو لا يجعله مخالفا، لأنه يصدق على الماء أنه باق على أوصاف خلقته وذلك يقتضى استعماله؟ فى ذلك نظر. قال ابن عبد السّلام: واعلم أن الأصل التمسك ببقاء أوصاف الماء حتى يتحقق زوالها، أو يظن، كما لو كان المخالط للماء هو الأكثر. قال: ولا تقدر الأوصاف الموافقة مخالفة لعدم الانضباط مع التقدير، اذ يلزم اذا وقعت نقطة أو نقطتان من ماء الزهر أن لا تؤثر، لأنها لا تغير الماء. ولو كانت من ماء الورد لأثرت لأنها تغيره وكذلك ربما غيره مقدار من ماء الورد ولم يغيره ذلك المقدار من ماء آخر من مياه الورد لرداءته فلو روعى مثل هذا الماء لما انضبط والشريعة السمحة تقتضى طرح ذلك. وذكر عن الشيخ أبى على ناصر الدين أن المخالط اذا كان نجسا فالماء نجس مطلقا قال الحطاب: وظاهر هذا أن النظر فى جعل المخالط الموافق كالمخالف ولو غلب على الظن أن ذلك المخالط لو كان باقيا على أوصافه لغير الماء، وهذا مشكل. والذى يظهر لى أنه يفصل فى المسألة فان حصل الشك فى ذلك المخالط هل يسلب الطهورية لو كان باقيا على أوصافه. فيمكن أن يقال كما قال ابن عطاء الله أنه ان وجد غيره لم يستعمله، وان لم يجد استعمله وتيمم، وهذا على وجه الاحتياط. وقد يقال الأصل فى الماء الطهورية حتى يغلب على الظن حصول ما يسلبها. وأما حيث يغلب على الظن شئ فى أمر المخالط فينبغى أن يعمل عليه. فان كان الماء كثيرا والمخالط يسيرا بحيث يغلب على الظن أنه لو كان باقيا على صفاته لم يغير الماء. فان كان طاهرا فلا شك فى جواز استعماله ولو كان غيره موجودا. وان كان نجسا فينظر الى كثرة الماء وقلته. فان كان الماء كثيرا أكثر من آنية الوضوء والغسل فهو طهور بلا كراهة والا فهو مكروه، لأنه ماء يسير حلته نجاسة ولم تغيره وان كان الماء قليلا والمخالط كثيرا بحيث

стр. 3214

يغلب على الظن أنه لو كان باقيا على أوصافه لغير الماء. فان كان المخالط طاهرا كان الماء طاهرا غير مطهر. وان كان نجسا كان الماء نجسا. وجاء فى شرح الحطاب (١): أن هناك صورتين للاشتباه فى الأوانى. الصورة الأولى أن يشتبه الطهور بالمتنجس وذلك على أوجه. فاما أن يكون أحد الأوانى وقعت فيه نجاسة كثيرة تغيره ولم يعلم تغير الماء الذى فى الأوانى جميعها بقراره أو بما يتولد منه. أو تكون الأوانى متغيرة تغيرا واحدا بعضها بشئ طاهر لم يسلبه التطهير وبعضها بشئ نجس كأن يتغير أحدهما بتراب طاهر طرح فيه ويتغير الآخر بتراب نجس طرح فيه. أو يكون الماء يسيرا حلته نجاسة لم تغيره على القول بنجاسته. والصورة الثانية: أن يشتبه الطهور بالنجس كما اذا اشتبه الماء بالبول المقطوع الرائحة الموافق لصفة الماء. واعلم أن الخلاف منصوص فى الصورة الأولى. وأما الصورة الثانية فخرجها القاضى عبد الوهاب على الأولى، ورأى أنه لا فرق بينهما. وقال ابن العربى هو الذى تقتضيه أصولنا وبه أقول. وروى ابن عرفه عن المذهب أن اشتباه اناء بول كمتنجس. وذكر خليل ان الحكم فى الصورتين أنه يتوضأ ويصلى بعدد النجس وزيادة اناء. يعنى أنه يتوضأ من احدهما، ثم يصلى، ثم يتوضأ من آخر، ثم يصلى، يفعل ذلك بعدد النجس وزيادة واحد. فاذا كانت الاوانى خمسة والنجس منها اثنان، فيتوضأ من ثلاثة منها، ويصلى بكل وضوء صلاة، وان كان النجس ثلاثة توضأ من أربعة منها وصلى بكل وضوء صلاة، وان كان النجس أربعة توضأ منها جميعا وصلى كذلك، قال فى التوضيح وهذا هو القول الصحيح. وحاصل ما ذكروه من الخلاف فى هذه المسألة خمسة أقوال فيما علمت.

стр. 3215

الأول: ما ذكره خليل وهو الصحيح وعزاه ابن عرفه لسحنون فى أحد قوليه وابن الماجشون. الثانى: كالأول بزيادة ويغسل ما أصابه من الماء الأول بالماء الثانى ثم يتوضأ منه، وهو قول ابن مسلمة. قال فى الجواهر قال الأصحاب: وهو الأشبه بقول مالك، واختاره القاضى أبو محمد. وزاد فى التوضيح فى نقله لهذا القول، فان لم يغسل فلا شئ عليه لأن النجاسة غير محققة. الثالث: يتحرى أحدهما ويتوضأ به ويصلى وتحريه كما يتحرى فى القبلة، وهو قول لمحمد بن المواز وابن سحنون. قال فى التوضيح قال ابن العربى وهو الصحيح. الرابع: كقول ابن مسلمة ان قلت الأوانى وكقول ابن المواز وابن سحنون ان كثرت وهو قول القاضى أبى الحسن بن القصار. الخامس: بترك الجميع ويتيمم وهو قول سحنون الثانى. وظاهر كلامهم أنه لا يحتاج الى أن يريقها قبل تيممه. قال صاحب الجمع ظاهر كلام الشافعية أنه يريقها ويتيمم لتحقق عدم الماء. وسحنون جعل وجودها كالعدم والأعمى، كالبصير على المشهور، وعلى غيره من الأقوال، الا على القول بالاجتهاد فاختلف فيه، هل هو كالبصير أو لا؟ قولان ذكرهما فى الذخيرة بناء على أنه يتأتى منه الاجتهاد. واذا أهريقت الأوانى ولم يبق منها غير واحد قال ابن عرفة عن المازرى: لا نص. ويتيمم على قول سحنون. ويجمع بينه وبين التيمم على قول ابن الماجشون وعلى قول ابن مسلمة زاد عنه صاحب الجمع. ويجرى الخلاف فى البداءة به على الخلاف فى الماء المشكوك. وعلى القول بالتحرى يعمل على ما غلب على ظنه. فان غلب على ظنه نجاسته تركه أو جمع بينه وبين التيمم. وقال ابن عرفه: وعلى القول بالتحرى فى تحديد قول المازرى ونقله ابن شاس. وقال ابن عبد السّلام الاشتباه الالتباس.

стр. 3216

وعلى القول بالتحرى فلا بد هناك من امارة أو دليل، فليس الالتباس بحقيقى، لأنه انما يكون عند تعارض الأمارات. قال الحطاب ولذلك قال ابن شاس عن ابن المواز وابن سحنون القائلين بالتحرى ولا يجوز له أخذ أحد الأوانى الا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب على الظن الطهارة فان لم تظهر له علامة فالظاهر على مذهبهما أنه يترك الجميع ويتيمم. ونقل ذلك صاحب الجمع عن الغزالى متمما به هذا القول وقول ابن القصار. واذا اشتبهت الأوانى على رجلين فأكثر. فعلى القول الاول الذى مشى عليه خليل وما أشبهه من الأقوال لا أشكال فى ذلك، فيتوضؤن من الأوانى بعدد النجس، ويصلون، ويجوز أن يؤمهم أحدهم. وعلى القول بالتحرى فان اتفق تحريهم على اناء فلا أشكال. وان اختلف اجتهادهم فتحرى كل واحد خلاف ما تحراه الآخر قال المازرى لم يأتم أحدهم بصاحبه فى الصلاة التى تطهر لها بالماء الذى خالفه فيه. قال: وكذلك لو كثرت الأوانى وكثر المجتهدون واختلفوا فكل من ائتم منهم بمن يعتقد أنه تطهر بالماء النجس فلا تصح صلاته. ونقل صاحب الجمع عن ابن هارون بعد ذكر كلام المازرى ما نصه: عدم الائتمام عندى مقيد بأن يكون الطاهر منها واحدا. وأما لو كان الطاهر منها أكثر من واحد لجاز أن يأتم به اذ لا يجزم بخطأ امامه. هذا ان كان مذهبه تصويب المجتهد. وان كان ممن يرى الصواب فى طريق واحد ففيه نظر. قال الحطاب فى كلام المازرى ايماء الى أنه ان كثرت الأوانى فلا يمتنع الائتمام الا بمن يعتقد أنه تطهر بالنجس. وقد بحث صاحب الجمع فى هذه المسألة. وأطال. قال ابن عبد السّلام ذكر فى الجواهر فرعا مرتبا على قول ابن مسلمة قال: لو كان معه اناءان فتوضأ منهما وصلى على ما تقدم ثم حضرت صلاة أخرى. فان كانت طهارته باقية، وهو يعلم الاناء الذى توضأ به آخرا صلى

стр. 3217

صلاة بالطهارة التى هو عليها، ثم غسل أعضاءه من الاناء الذى توضأ به أولا وصلى. وان لم يكن على طهارة أو كان عليها ولم يعلم الاناء الذى توضأ منه آخرا توضأ بالاناءين كما فعل أولا. قال ابن عبد السّلام يعنى والله أعلم بعد أن يغسل أعضاءه من الاناء الذى يبتدئ الآن منه الطهارة. وجاء فى تهذيب الفروق (١) للقرافى: أن من التبست عليه الأوانى أو الثياب يجتهد بنية جازمة بوجوب الاجتهاد عليه بسبب الشك. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٢): أنه اذا تيقن طهارة الماء وشك فى نجاسته توضأ به، لأن الأصل بقاؤه على الطهارة. وان تيقن نجاسته وشك فى طهارته لم يتوضأ به، لأن الاصل بقاؤه على النجاسة. وان لم يتيقن طهارته ولا نجاسته توضأ به، لأن الأصل طهارته. فان وجده متغيرا ولم يعلم بأى شئ تغير توضأ به لأنه يجوز أن يكون تغيره بطول المكث. وان رأى حيوانا يبول فى ماء ثم وجده متغيرا وجوز أن يكون تغيره بالبول لم يتوضأ به، لأن الظاهر أن تغيره من البول. وان رأى هرة أكلت نجاسة ثم وردت على ماء قليل فشربت منه ففيه ثلاثة أوجه. أحدها أنها تنجسه لأنا تيقنا نجاسة فمها. والثانى: أنها ان غابت ثم رجعت لم تنجسه، لأنه يجوز أن تكون قد وردت على ماء فطهر فمها فلا يتنجس ما تيقنا طهارته بالشك. والثالث: لا ينجس بكل حال، لأنه لا يمكن الاحتراز منها فعفى عنها. فلهذا قال النبى ﷺ : انها من الطوافين عليكم والطوافات. وان ورد على ماء فأخبره رجل بنجاسته لم يقبل حتى يبين بأى شئ نجس، لجواز أن يكون قد رأى سبعا ولغ فيه فاعتقد أنه نجس بذلك، فان بين

стр. 3218

النجاسة قبل منه كما يقبل ممن يخبره بالقبلة. ويقبل فى ذلك قول الرجل والمرأة والحر والعبد لأن أخبارهم مقبولة. ويقبل خبر الأعمى فيه، لأن له طريقا الى العلم به بالحس والخبر. ولا يقبل فيه قول صبى ولا فاسق ولا كافر لأن أخبارهم لا تقبل. وجاء فى نهاية (١) المحتاج: أنه لو اشتبه على شخص أهل للاجتهاد ولو صبيا مميزا فيما يظهر ماء طاهر أى طهور بماء نجس أو تراب بضده أو ماء أو تراب مستعمل بطهور، اجتهد أى بذل جهده فى ذلك وان قل عدد الطاهر كاناء من مائة، لأن التطهر شرط من شروط الصلاة يمكن التوصل اليه بالاجتهاد فوجب عند الاشتباه كالقبلة لكل صلاة أرادها بعد حدثه وجوبا إن لم يقدر على طهور بيقين موسعا ان اتسع الوقت ومضيقا ان ضاق الوقت وجوازا ان قدر على طهور بيقين كأن كان على شط نهر أو بلغ الماءان المشتبهان قلتين بخلطهما بلا تغير اذ العدول الى المظنون مع وجود المتيقن جائز، لأن بعض الصحابة رضى الله تعالى عنهم كان يسمع من بعض مع قدرته على المتيقن وهو سماعه من رسول الله ﷺ . وفارق القادر على اليقين فى القبلة من وجوه. أحسنها كما فى المجموع أن القبلة فى جهة واحدة فاذا قدر عليها كان طلبه لها فى غيره عبثا، بخلاف الماء الطهور فانه فى جهات كثيرة. وما تقرر من وجوب الاجتهاد تارة وجوازه أخرى هو ما صرح به فى المجموع. وعبارة العباب: الاجتهاد فى الماء واجب ان اشتبه مطلق بمستعمل أو بمتنجس اذا دخل الوقت ولم يجد غيرهما وتضيق ان ضاق والا فجائز، اذ استعمال أحدهما قبله غير جائز لبطلان طهارته فيكون متلبسا بعبادة فاسدة. وحينئذ فلا تنافى بين من عبر بالجواز والوجوب لأن الجواز من حيث أن له الأعراض عنهما والوجوب من حيث قصده ارادة استعمال أحدهما. لا يقال لابس الخف الأفضل فى حقه الغسل مع أن الواجب عليه أحد الأمرين فلم لم يقل به هنا. لأنا نقول لم يختلف هناك فى جواز المسح مع القدرة على الغسل بخلافه

стр. 3219

هنا والاجتهاد والتحرى والتأخى بذل المجهود فى طلب المقصود وتطهر بما ظن طهارته بأمارة تدل على ذلك كاضطراب أو رشاش أو تغير أو قرب كلب. وللاجتهاد شروط. أحدها بقاء المشتبهين الى تمام الاجتهاد فلو أنصب أحدهما أو تلف امتنع الاجتهاد ويتيمم ويصلى من غير اعادة وان لم يرق ما بقى. وذكر صاحب المهذب (١): أنه أن اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس ثم انقلب أحدهما قبل الاجتهاد ففيه وجهان. أحدهما أنه يتحرى فى الثانى لأنه قد ثبت جواز الاجتهاد فيه فلم يسقط بالانقلاب. والثانى - وهو الأصح - أنه لا يجتهد لأن الاجتهاد يكون بين أمرين. فاذا قلنا لا يجتهد فما الذى يصنع؟ فيه وجهان. قال أبو على الطبرى: يتوضأ به لأن الأصل فيه الطهارة فلا يزال اليقين بالشك. وقال القاضى أبو حامد يتيمم ولا يتحرى، لأن حكم الأصل قد زال بالاشتباه بدليل أنه منع من استعماله من غير تحر فوجب أن يتيمم. وجاء فى نهاية المحتاج (٢): أن الشرط الثانى للاجتهاد فى الماء هو أن يتأيد الاجتهاد بأصل الحل فلا يجتهد فى ماء اشتبه ببول وان كان يتوقع ظهور العلامة اذ لا أصل للبول فى حل المطلوب وهو التطهير هنا. الشرط الثالث: أن يكون للعلامة فيه مجال أى مدخل كالأوانى والثياب بخلاف المحرم بنسوة، وزاد بعضهم سعة الوقت فلو ضاق عن الاجتهاد تيمم وصلى والأوجه خلافه. واشترط بعضهم أيضا أن يكون الاناءان لواحد فان كانا لاثنين لكل واحد توضأ كل بانائه كما لو علق كل من اثنين طلاق زوجته بكون ذا الطائر غرابا وغير غراب فانه لا حنث على واحد منهما. والأوجه كما فى الاحياء خلافه عملا باطلاقهم. وشرط العمل بالاجتهاد ظهور العلامة فان لم يظهر له شئ أراق الماءين أو أحدهما فى الآخر ثم يتيمم وقيل أن قدر على طاهر بيقين أى طهور آخر فلا يجوز له الاجتهاد، بل يستعمل المتيقن، لقوله ﷺ «دع ما يريبك الى ما لا يريبك».

стр. 3220

كمن كان بمكة ولا حائل بينه وبين الكعبة ولكن كان فى ظلمة، أو كان أعمى، أو حال بينه وبينها حائل حادث غير محتاج اليه وكما لو وجد الحاكم النص والأصح الجواز. وحمل قائله الحديث على الاستحباب والأعمى كبصير فى الأظهر لتمكنه من الوقوف على المقصود بالشم والذوق والسمع واللمس. ويفارق ما سيأتى فى القبلة بأن أدلتها بصرية بخلاف الأدلة هنا. نعم لو فقد الأعمى تلك الحواس امتنع عليه الاجتهاد كما قال الأذرعى أنه يجب الجزم به وهو حسن. والثانى: لا يجتهد لفقد البصر الذى هو عمدة الاجتهاد بل يقلد. وما تقرر من جواز الذوق هو ما قاله الجمهور منهم القاضى والماوردى والبغوى والخوارزمى وهو المعتمد. وما نقله فى المجموع عن صاحب البيان من منع الذوق لاحتمال النجاسة ممنوع، اذ محل منع ذوقها عند تحققها ويحصل بذوقها وهنا لم نتحققها. فان تحير الأعمى قلد بصيرا أو أعمى أقوى ادراكا منه فيما يظهر. فان لم يجد من يقلده أو وجده فتحير تيمم، أو اشتبه عليه ماء وبول أى معا لطهارة أو نحوه انقطعت رائحته لم يجتهد فيهما على الصحيح، لأن الاجتهاد يقوى ما فى النفس من الطهارة الأصلية والبول لا أصل له فى الطهارة فامتنع العمل به سواء أكان أعمى أم بصيرا. والثانى: يجتهد كالماءين وفرق الأول بما تقدم. والمراد بقولهم له أصل فى التطهير عدم استحالته عن خلقته الأصلية كالمتنجس والمستعمل فانهما لم يستحيلا عن أصل خلقتهما الى حقيقة أخرى بخلاف نحو البول وماء الورد فان كلا منهما قد استحال الى حقيقة أخرى بل يخلطان أو يراقان أو يراق من أحدهما فى الآخر. ونبه بالخلط على بقية أنواع التلف فلا اعتراض عليه ثم يتيمم ويصلى بلا اعادة. ولو اشتبه عليه (١) ماء وماء ورد انقطعت رائحته توضأ بكل منهما مرة ولا يجتهد فيهما وانما جاز له التوضؤ بكل منهما لتيقن استعمال الطهور ويعذر فى تردده فى النية للضرورة كمن نسى صلاة من الخمس

стр. 3221

ومقتضى العلة أنه يمتنع ذلك عند القدرة على ماء طاهر بيقين، لفقد الضرورة وليس كذلك لأنهم لما لم يوجبوا عليه سلوك الطريق المحصلة للجزم فكذلك لا يجب عليه استعمال الطهور بيقين اذا قدر عليه وان كان محصلا للجزم على أنه يمكن الجزم بالنية كأن يأخذ بكفه من أحدهما وبالأخرى من الآخر ويغسل بهما خديه معا ناويا ثم يعكس ثم يتم وضوءه بأحدهما ثم بالآخر ويلزمه حيث لم يقدر على طهور بيقين التطهر بكل منهما. ولو زادت قيمة ماء الورد على قيمة ماء الطهارة خلافا لابن المقرى فى روضه. ويفرق بينه وبين لزوم تكميل الناقص به ان لم تزد قيمته على ثمن ماء الطهارة بأن الخلط ثم يذهب ماليته بالكلية من حيث كونه ماء ورد وهنا استعماله منفردا لا يذهبها بالكلية لامكان تحصيل غسالته وهذا أولى الفروق كما أوضحته فى شرح العباب. ثم ما تقدم من منع الاجتهاد فى ماء الورد محله بالنسبة للتطهير أما بالنسبة لشربه فيجوز كما قاله الماوردى وله التطهير بالآخر للحكم عليه بأنه ماء والفرق بينه وبين الطهر أنه يستدعى الطهورية وهما مختلفان والشرب يستدعى الطاهرية وهما طاهران. وذكر (١) صاحب المهذب أنه ان اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس ولما اجتهد فيهما لم يغلب على ظنه شئ أراقهما، أو صب أحدهما فى الآخر ويتيمم فان تيمم وصلى قبل الاراقة أو الصب أعاد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين. وان غلب على ظنه طهارة أحدهما توضأ به. والمستحب أن يريق الآخر حتى لا يتغير اجتهاده بعد ذلك. فان تيقن أن الذى توضأ به كان نجسا غسل ما أصابه منه وأعاد الصلاة لأنه تعين له يقين الخطأ فهو كالحاكم اذا أخطأ النص. وان لم يتيقن ولكن تغير اجتهاده فظن أن الذى توضأ به كان نجسا قال أبو العباس يتوضأ بالثانى، كما لو صلى الى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده. والمنصوص فى حرملة أنه لا يتوضأ بالثانى لأنا لو قلنا أنه يتوضأ به ولم يغسل ما أصابه الماء الأول من ثيابه وبدنه أمرناه أن يصلى وعلى بدنه نجاسة بيقين وهذا لا يجوز.

стр. 3222

وان قلنا أنه يغسل ما أصابه من الماء الأول نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد وهذا لا يجوز. ويخالف القبلة فان هناك لا يؤدى الى الأمر بالصلاة الى غير القبلة ولا الى نقض الاجتهاد بالاجتهاد. واذا قلنا بقول أبى العباس توضأ بالثانى وصلى ولا اعادة عليه. وان قلنا بالمنصوص فانه يتيمم ويصلى، وهل يعيد الصلاة؟ فيه ثلاثة أوجه. أحدها: أنه لا يعيد لأن ما معه من الماء ممنوع من استعماله بالشرع فصار وجوده كعدمه كما لو تيمم ومعه ما يحتاج اليه للعطش. والثانى: يعيد لأنه تيمم ومعه ماء محكوم بطهارته. والثالث: وهو قول أبى الطيب بن سلمه ان كان قد بقى من الأول بقية أعاد لأن معه ماء طاهرا بيقين وان لم يكن بقى معه شئ لم يعد، لأنه ليس معه ماء طاهر بيقين. وان اشتبه عليه ماءان ومعه ماء ثالث يتيقن طهارته ففيه وجهان. أحدهما لا يتحرى لأنه يقدر على اسقاط الفرض بيقين فلا يؤدى بالاجتهاد كالمكى فى القبلة. والثانى: أنه يتحرى لأنه يجوز اسقاط الفرض بالطاهر فى الظاهر مع القدرة على الطاهر بيقين ألا ترى أنه يجوز أن يترك ما ينزل من السماء ويتيقن طهارته ويتوضأ بما يجوز نجاسته. وان اشتبه عليه ماء مطلق وماء مستعمل ففيه وجهان. أحدهما: لا يتحرى، لأنه يقدر على اسقاط الفرض بيقين بأن يتوضأ بكل واحد منهما. والثانى: أنه يتحرى، لأنه يجوز أن يسقط الفرض بالطاهر مع القدرة على اليقين. وان اشتبه الماء الطاهر بالماء النجس على رجلين، فأدى اجتهاد أحدهما الى طهارة أحدهما، واجتهاد الآخر الى طهارة الآخر، توضأ كل واحد منهما بما أداه اليه اجتهاده، ولم يأثم أحدهما بالآخر، لأنه يعتقد أن صلاة امامه باطلة. وان كثرت الأوانى وكثر المجتهدون فأدى اجتهاد كل واحد منهم الى طهارة اناء وتوضأ به وتقدم أحدهم وصلى بالباقين الصبح، وتقدم آخر وصلى بهم الظهر، وتقدم آخر وصلى بهم العصر، فكل من صلى خلف امام يجوز أن يكون طاهرا فصلاته خلفه صحيحة وكل من صلى خلف امام يعتقد أنه نجس فصلاته خلفه باطلة.

стр. 3223

وجاء فى نهاية (١) المحتاج: أنه لا تنجس قلتا الماء بملاقاة نجس، لحديث اذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أى يدفع النجاسة، كما يقال فلان لا يحمل الظلم أى يدفعه عن نفسه: وشمل ذلك ما لو شك فى كثرته عملا بأصل الطهارة، ولأنا شككنا فى نجاسة منجسه، ولا يلزم من حصول النجاسة التنجيس سواء أكان ذلك ابتداء أم جمع شيئا فشيئا وشك فى وصوله لهما، كما لو شك المأموم هل تقدم على امامه أم لا فانه لا تبطل صلاته ولو جاء من قدامه عملا بالأصل أيضا. ويعتبر فى القلتين قوة التراد فلو كان الماء فى حفرتين فى كل حفرة قلة وبينهما اتصال من نهر صغير غير عميق فوقع فى احدى الحفرتين نجاسة قال الامام فلست أرى أن ما فى الحفرة الأخرى دافع للنجاسة. واقتضى اطلاق النووى النجاسة أنه لا فرق بين كونها جامدة أو مائعة وهو كذلك ولا يجب التباعد عنها حال الاغتراف من الماء بقدر قلتين على الصحيح، بل له أن يغترف من حيث شاء حتى من أقرب موضع الى النجاسة فان غير النجس الملاقى فنجس بالاجماع سواء أكان التغير قليلا أم كثيرا، وسواء المخالط والمجاور ولا فرق بين الحسى والتقديرى. وبيان التقديرى بأن وقعت فيه نجاسة مائعة توافقه فى الصفات كبول انقطعت رائحته ولو فرض مخالفا له فى أغلظ الصفات. كلون الحبر وطعم الخل وريح المسك لغيره فانه يحكم بنجاسته ولو تغير بعضه فقط فالمتغير نجس وأما الباقى فان كان كثيرا لم ينجس والا تنجس. ولو بال فى البحر مثلا فارتفعت منه رغوة فهى طاهرة كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى، لأنها بعض الماء الكثير خلافا لما فى العباب. ويمكن حمل كلام القائل بنجاستها على تحقق كونها من البول. وان طرحت فى البحر بعرة مثلا فوقعت منه قطرة بسبب سقوطها على شئ لم تنجسه، فان زال تغيره الحسى أو التقديرى بنفسه لا بعين، كطول مكث وهبوب ريح أو بماء ولو نجسا زيد عليه أو نبع منه أو نقص منه والباقى بعده كثير طهر، لزوال سبب النجاسة فعاد كما كان عليه قبل. والعلة أن القليل لا يطهر بانتفاء تغيره وهو ظاهر. ويحتمل أن يطهر بذلك فيما اذا كان تغيره بميت لا يسيل دمه أو نحوه مما يعفى عنه.

стр. 3224

ولو زال التغير ثم عاد فان كانت النجاسة جامدة وهى فيه فنجس. وان كانت مائعة أو جامدة وقد أزيلت قبل التغير الثانى لم ينجس وطهر أو زال التغير أى ظاهرا، ريحه بمسك ولونه بسبب زعفران أو طعمه بخل مثلا فلا يطهر حال كدورته فلا تعود طهوريته بل هو باق على نجاسته للشك فى أن التغير زال أو استتر بل الظاهر الاستتار وكذا تراب وجص فى الأظهر فان صفى ولم يبق به تغير طهر ويحكم بطهورية التراب أيضا. والحاصل أنه اذا صفى الماء ولم يبق فيه تكدر يحصل به شك فى زوال التغير طهر كل من الماء والتراب سواء أكان الباقى عما رسب فيه التراب قلتين أم لا نعم ان كان عين التراب نجسة لا يمكن تطهيرها كتراب المقابر المنبوشة اذ نجاسته مستحكمة فلا يطهر أبدا لأن التراب حينئذ كنجاسة جامدة فان بقيت كثرة الماء لم يتنجس والا تنجس وغير التراب مثله فى ذلك. والجارى كراكد فى تنجسه بالملاقاة وفيما يستثنى، لكن العبرة فى الجارى بالجرية نفسها، لا مجموع الماء، فان الجريات متفاصلة حكما وان اتصلت فى الحس، لأن كل جرية طالبة لما قبلها هاربة عما بعدها. فاذا كانت الجرية وهى الدفعة التى بين حافتى النهر فى العرض دون قلتين تنجست بملاقاة النجاسه سواء أتغير أم لا لمفهوم حديث القلتين المار فان لم يفصل فيه بين الجارى والراكد ويكون محل تلك الجرية من النهر نجسا ويطهر بالجرية بعدها وتكون فى حكم غسالة النجاسة حتى لو كانت مغلظة فلا بد من سبع جريات عليها. هذا فى نجاسة تجرى بجرى الماء. فان كانت جامدة واقفة فذلك المحل نجس وكل جرية تمر بها نجسة الى أن يجتمع قلتان منه فى حوض أو موضع متراد. وفى القديم لا ينجس بلا تغير لقوته بوروده على النجاسة فأشبه الماء الذى يطهرها به وعليه فمقتضاه أن يكون طاهرا. وجاء فى المجموع (١): أنه ان كان معه اناءان فأخبره رجل أن اكلب ولغ فى أحدهما قبل قوله ولم يجتهد، لأن الخبر مقدم على الاجتهاد كما نقوله فى القبلة.

стр. 3225

وان أخبره رجل أنه ولغ فى هذا دون ذاك وقال آخر بل ولغ فى ذاك دون هذا حكم بنجاستهما، لأنه يمكن صدقهما بأن يكون ولغ فيهما فى وقتين. وان قال أحدهما ولغ فى هذا دون ذاك فى وقت معين وقال الآخر بل ولغ فى ذاك دون هذا فى ذلك الوقت بعينه فهما كالبينتين اذا تعارضتا. فان قلنا انهما تسقطان سقط خبرهما وجازت الطهارة بهما لأنه لم يثبت نجاسة واحد منهما. وان قلنا لا تسقطان أراقهما أو صب أحدهما فى الآخر ثم يتيمم. أما المسألة الأولى وهى اذا أخبره ثقة بولوغ الكلب فى أحد الاناءين بعينه فصورتها أن يكون له اناءان يعلم أن الكلب ولغ فى أحدهما ولا نعلم عينه. كذا صورها الامام الشافعى فى حرملة. وكذا نقله عنه المحاملى فى كتابيه. وكذا صورها الشيخ أبو حامد وآخرون، وهو واضح، فيجب قبول خبره ويحكم بنجاسة ذلك المعين وطهارة الآخر وهذا لا خلاف فيه وحينئذ لا يجوز الاجتهاد. وأما المسألة الثانية وهى اذا أخبره ثقة بولوغه فى ذا وثقة بولوغه فى ذاك فيحكم بنجاستهما بلا خلاف أيضا نص عليه الشافعى فى الأم وحرملة واتفق عليه الأصحاب لما ذكره من احتمال الولوغ فى وقتين ومتى أمكن صدق المخبرين الثقتين وجب العمل بخبرهما. وأما المسألة الثالثة وهى اذا أخبره ثقة بولوغه فى ذا دون ذاك حين بدا حاجب الشمس يوم الخميس مثلا فقال الآخر بل ولغ فى ذاك دون ذا فى ذلك الوقت فقد اختلف الأصحاب فيها. فقطع الصيدلانى والبغوى بأنه يجتهد فيهما، ويستعمل ما غلب على ظنه طهارته، ولا يجوز أخذ أحدهما بغير اجتهاد، لأن المخبرين اتفقا على نجاسة أحدهما فلا يجوز الغاء قولهما. وقطع أصحابنا العراقيون وجمهور الخراسانيين بأن المسألة تبنى على القولين المشهورين فى البينتين اذا تعارضتا أصحهما تسقطان. والثانى: يستعملان وفى الاستعمال ثلاثة أقوال. أحدها: بالقرعة. والثانى: بالقسمة. والثالث: يوقف حتى يصطلح المتنازعان قالوا ان قلنا يسقطان سقط خبر الثقتين وبقى الماء على أصل الطهارة فيتوضأ بأيهما شاء، وله أن يتوضأ بهما جميعا.
следующие страницы →