ومقتضى العلة أنه يمتنع ذلك عند القدرة على ماء طاهر بيقين، لفقد الضرورة وليس كذلك لأنهم لما لم يوجبوا عليه سلوك الطريق المحصلة للجزم فكذلك لا يجب عليه استعمال الطهور بيقين اذا قدر عليه وان كان محصلا للجزم على أنه يمكن الجزم بالنية كأن يأخذ بكفه من أحدهما وبالأخرى من الآخر ويغسل بهما خديه معا ناويا ثم يعكس ثم يتم وضوءه بأحدهما ثم بالآخر ويلزمه حيث لم يقدر على طهور بيقين التطهر بكل منهما.
ولو زادت قيمة ماء الورد على قيمة ماء الطهارة خلافا لابن المقرى فى روضه.
ويفرق بينه وبين لزوم تكميل الناقص به ان لم تزد قيمته على ثمن ماء الطهارة بأن الخلط ثم يذهب ماليته بالكلية من حيث كونه ماء ورد وهنا استعماله منفردا لا يذهبها بالكلية لامكان تحصيل غسالته وهذا أولى الفروق كما أوضحته فى شرح العباب.
ثم ما تقدم من منع الاجتهاد فى ماء الورد محله بالنسبة للتطهير أما بالنسبة لشربه فيجوز كما قاله الماوردى وله التطهير بالآخر للحكم عليه بأنه ماء والفرق بينه وبين الطهر أنه يستدعى الطهورية وهما مختلفان والشرب يستدعى الطاهرية وهما طاهران.
وذكر (١) صاحب المهذب أنه ان اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس ولما اجتهد فيهما لم يغلب على ظنه شئ أراقهما، أو صب أحدهما فى الآخر ويتيمم فان تيمم وصلى قبل الاراقة أو الصب أعاد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين.
وان غلب على ظنه طهارة أحدهما توضأ به.
والمستحب أن يريق الآخر حتى لا يتغير اجتهاده بعد ذلك.
فان تيقن أن الذى توضأ به كان نجسا غسل ما أصابه منه وأعاد الصلاة لأنه تعين له يقين الخطأ فهو كالحاكم اذا أخطأ النص.
وان لم يتيقن ولكن تغير اجتهاده فظن أن الذى توضأ به كان نجسا قال أبو العباس يتوضأ بالثانى، كما لو صلى الى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده.
والمنصوص فى حرملة أنه لا يتوضأ بالثانى لأنا لو قلنا أنه يتوضأ به ولم يغسل ما أصابه الماء الأول من ثيابه وبدنه أمرناه أن يصلى وعلى بدنه نجاسة بيقين وهذا لا يجوز.
стр. 3222
وان قلنا أنه يغسل ما أصابه من الماء الأول نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد وهذا لا يجوز.
ويخالف القبلة فان هناك لا يؤدى الى الأمر بالصلاة الى غير القبلة ولا الى نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
واذا قلنا بقول أبى العباس توضأ بالثانى وصلى ولا اعادة عليه.
وان قلنا بالمنصوص فانه يتيمم ويصلى، وهل يعيد الصلاة؟ فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا يعيد لأن ما معه من الماء ممنوع من استعماله بالشرع فصار وجوده كعدمه كما لو تيمم ومعه ما يحتاج اليه للعطش.
والثانى: يعيد لأنه تيمم ومعه ماء محكوم بطهارته.
والثالث: وهو قول أبى الطيب بن سلمه ان كان قد بقى من الأول بقية أعاد لأن معه ماء طاهرا بيقين وان لم يكن بقى معه شئ لم يعد، لأنه ليس معه ماء طاهر بيقين.
وان اشتبه عليه ماءان ومعه ماء ثالث يتيقن طهارته ففيه وجهان.
أحدهما لا يتحرى لأنه يقدر على اسقاط الفرض بيقين فلا يؤدى بالاجتهاد كالمكى فى القبلة.
والثانى: أنه يتحرى لأنه يجوز اسقاط الفرض بالطاهر فى الظاهر مع القدرة على الطاهر بيقين ألا ترى أنه يجوز أن يترك ما ينزل من السماء ويتيقن طهارته ويتوضأ بما يجوز نجاسته.
وان اشتبه عليه ماء مطلق وماء مستعمل ففيه وجهان.
أحدهما: لا يتحرى، لأنه يقدر على اسقاط الفرض بيقين بأن يتوضأ بكل واحد منهما.
والثانى: أنه يتحرى، لأنه يجوز أن يسقط الفرض بالطاهر مع القدرة على اليقين.
وان اشتبه الماء الطاهر بالماء النجس على رجلين، فأدى اجتهاد أحدهما الى طهارة أحدهما، واجتهاد الآخر الى طهارة الآخر، توضأ كل واحد منهما بما أداه اليه اجتهاده، ولم يأثم أحدهما بالآخر، لأنه يعتقد أن صلاة امامه باطلة.
وان كثرت الأوانى وكثر المجتهدون فأدى اجتهاد كل واحد منهم الى طهارة اناء وتوضأ به وتقدم أحدهم وصلى بالباقين الصبح، وتقدم آخر وصلى بهم الظهر، وتقدم آخر وصلى بهم العصر، فكل من صلى خلف امام يجوز أن يكون طاهرا فصلاته خلفه صحيحة وكل من صلى خلف امام يعتقد أنه نجس فصلاته خلفه باطلة.
стр. 3223
وجاء فى نهاية (١) المحتاج: أنه لا تنجس قلتا الماء بملاقاة نجس، لحديث اذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أى يدفع النجاسة، كما يقال فلان لا يحمل الظلم أى يدفعه عن نفسه:
وشمل ذلك ما لو شك فى كثرته عملا بأصل الطهارة، ولأنا شككنا فى نجاسة منجسه، ولا يلزم من حصول النجاسة التنجيس سواء أكان ذلك ابتداء أم جمع شيئا فشيئا وشك فى وصوله لهما، كما لو شك المأموم هل تقدم على امامه أم لا فانه لا تبطل صلاته ولو جاء من قدامه عملا بالأصل أيضا.
ويعتبر فى القلتين قوة التراد فلو كان الماء فى حفرتين فى كل حفرة قلة وبينهما اتصال من نهر صغير غير عميق فوقع فى احدى الحفرتين نجاسة قال الامام فلست أرى أن ما فى الحفرة الأخرى دافع للنجاسة.
واقتضى اطلاق النووى النجاسة أنه لا فرق بين كونها جامدة أو مائعة وهو كذلك ولا يجب التباعد عنها حال الاغتراف من الماء بقدر قلتين على الصحيح، بل له أن يغترف من حيث شاء حتى من أقرب موضع الى النجاسة فان غير النجس الملاقى فنجس بالاجماع سواء أكان التغير قليلا أم كثيرا، وسواء المخالط والمجاور ولا فرق بين الحسى والتقديرى.
وبيان التقديرى بأن وقعت فيه نجاسة مائعة توافقه فى الصفات كبول انقطعت رائحته ولو فرض مخالفا له فى أغلظ الصفات. كلون الحبر وطعم الخل وريح المسك لغيره فانه يحكم بنجاسته ولو تغير بعضه فقط فالمتغير نجس وأما الباقى فان كان كثيرا لم ينجس والا تنجس.
ولو بال فى البحر مثلا فارتفعت منه رغوة فهى طاهرة كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى، لأنها بعض الماء الكثير خلافا لما فى العباب.
ويمكن حمل كلام القائل بنجاستها على تحقق كونها من البول.
وان طرحت فى البحر بعرة مثلا فوقعت منه قطرة بسبب سقوطها على شئ لم تنجسه، فان زال تغيره الحسى أو التقديرى بنفسه لا بعين، كطول مكث وهبوب ريح أو بماء ولو نجسا زيد عليه أو نبع منه أو نقص منه والباقى بعده كثير طهر، لزوال سبب النجاسة فعاد كما كان عليه قبل.
والعلة أن القليل لا يطهر بانتفاء تغيره وهو ظاهر.
ويحتمل أن يطهر بذلك فيما اذا كان تغيره بميت لا يسيل دمه أو نحوه مما يعفى عنه.
стр. 3224
ولو زال التغير ثم عاد فان كانت النجاسة جامدة وهى فيه فنجس.
وان كانت مائعة أو جامدة وقد أزيلت قبل التغير الثانى لم ينجس وطهر أو زال التغير أى ظاهرا، ريحه بمسك ولونه بسبب زعفران أو طعمه بخل مثلا فلا يطهر حال كدورته فلا تعود طهوريته بل هو باق على نجاسته للشك فى أن التغير زال أو استتر بل الظاهر الاستتار وكذا تراب وجص فى الأظهر فان صفى ولم يبق به تغير طهر ويحكم بطهورية التراب أيضا.
والحاصل أنه اذا صفى الماء ولم يبق فيه تكدر يحصل به شك فى زوال التغير طهر كل من الماء والتراب سواء أكان الباقى عما رسب فيه التراب قلتين أم لا نعم ان كان عين التراب نجسة لا يمكن تطهيرها كتراب المقابر المنبوشة اذ نجاسته مستحكمة فلا يطهر أبدا لأن التراب حينئذ كنجاسة جامدة فان بقيت كثرة الماء لم يتنجس والا تنجس وغير التراب مثله فى ذلك. والجارى كراكد فى تنجسه بالملاقاة وفيما يستثنى، لكن العبرة فى الجارى بالجرية نفسها، لا مجموع الماء، فان الجريات متفاصلة حكما وان اتصلت فى الحس، لأن كل جرية طالبة لما قبلها هاربة عما بعدها.
فاذا كانت الجرية وهى الدفعة التى بين حافتى النهر فى العرض دون قلتين تنجست بملاقاة النجاسه سواء أتغير أم لا لمفهوم حديث القلتين المار فان لم يفصل فيه بين الجارى والراكد ويكون محل تلك الجرية من النهر نجسا ويطهر بالجرية بعدها وتكون فى حكم غسالة النجاسة حتى لو كانت مغلظة فلا بد من سبع جريات عليها.
هذا فى نجاسة تجرى بجرى الماء.
فان كانت جامدة واقفة فذلك المحل نجس وكل جرية تمر بها نجسة الى أن يجتمع قلتان منه فى حوض أو موضع متراد.
وفى القديم لا ينجس بلا تغير لقوته بوروده على النجاسة فأشبه الماء الذى يطهرها به وعليه فمقتضاه أن يكون طاهرا.
وجاء فى المجموع (١): أنه ان كان معه اناءان فأخبره رجل أن اكلب ولغ فى أحدهما قبل قوله ولم يجتهد، لأن الخبر مقدم على الاجتهاد كما نقوله فى القبلة.
стр. 3225
وان أخبره رجل أنه ولغ فى هذا دون ذاك وقال آخر بل ولغ فى ذاك دون هذا حكم بنجاستهما، لأنه يمكن صدقهما بأن يكون ولغ فيهما فى وقتين.
وان قال أحدهما ولغ فى هذا دون ذاك فى وقت معين وقال الآخر بل ولغ فى ذاك دون هذا فى ذلك الوقت بعينه فهما كالبينتين اذا تعارضتا.
فان قلنا انهما تسقطان سقط خبرهما وجازت الطهارة بهما لأنه لم يثبت نجاسة واحد منهما.
وان قلنا لا تسقطان أراقهما أو صب أحدهما فى الآخر ثم يتيمم.
أما المسألة الأولى وهى اذا أخبره ثقة بولوغ الكلب فى أحد الاناءين بعينه فصورتها أن يكون له اناءان يعلم أن الكلب ولغ فى أحدهما ولا نعلم عينه.
كذا صورها الامام الشافعى فى حرملة.
وكذا نقله عنه المحاملى فى كتابيه.
وكذا صورها الشيخ أبو حامد وآخرون، وهو واضح، فيجب قبول خبره ويحكم بنجاسة ذلك المعين وطهارة الآخر وهذا لا خلاف فيه وحينئذ لا يجوز الاجتهاد.
وأما المسألة الثانية وهى اذا أخبره ثقة بولوغه فى ذا وثقة بولوغه فى ذاك فيحكم بنجاستهما بلا خلاف أيضا نص عليه الشافعى فى الأم وحرملة واتفق عليه الأصحاب لما ذكره من احتمال الولوغ فى وقتين ومتى أمكن صدق المخبرين الثقتين وجب العمل بخبرهما.
وأما المسألة الثالثة وهى اذا أخبره ثقة بولوغه فى ذا دون ذاك حين بدا حاجب الشمس يوم الخميس مثلا فقال الآخر بل ولغ فى ذاك دون ذا فى ذلك الوقت فقد اختلف الأصحاب فيها.
فقطع الصيدلانى والبغوى بأنه يجتهد فيهما، ويستعمل ما غلب على ظنه طهارته، ولا يجوز أخذ أحدهما بغير اجتهاد، لأن المخبرين اتفقا على نجاسة أحدهما فلا يجوز الغاء قولهما.
وقطع أصحابنا العراقيون وجمهور الخراسانيين بأن المسألة تبنى على القولين المشهورين فى البينتين اذا تعارضتا أصحهما تسقطان.
والثانى: يستعملان وفى الاستعمال ثلاثة أقوال.
أحدها: بالقرعة.
والثانى: بالقسمة.
والثالث: يوقف حتى يصطلح المتنازعان قالوا ان قلنا يسقطان سقط خبر الثقتين وبقى الماء على أصل الطهارة فيتوضأ بأيهما شاء، وله أن يتوضأ بهما جميعا.
стр. 3226
قالوا: لأن تكاذبهما وهن خبرهما ولا يمكن العمل بقولهما للتعارض فسقط
قالوا: وان قلنا تستعملان لم يجئ قول القسمة بلا خلاف وامتناعه واضح
وأما القرعة فقطع الجمهور بأنها لا تجئ أيضا كما قطع به المصنف.
وحكى صاحب المذهب - بضم الميم واسكان الذال - وجها أنه يقرع ويتوضأ بما اقتضت القرعة طهارته وحكى هذا الوجه صاحب البيان وأشار اليه المحاملى فى المجموع فقال ويمكن الاقراع وهو شاذ ضعيف.
وأما الوقف فقد جزم المصنف بأنه لا يجئ فانه جزم بأنه على قول الاستعمال يرفقهما ووافقه على هذا صاحبه الشاشى صاحب المستظهرى وهو شاذ.
والصحيح الذى عليه الجمهور مجئ الوقف وممن صرح به الشيخ أبو حامد وصاحباه القاضى أبو الطيب فى تعليقه والمحاملى فى كتابيه المجموع والتجريد، والبندنيجى، وصاحب الشامل، وآخرون من العراقيين، وصاحبا التتمة والبحر وآخرون من الخراسانيين.
قال القاضى أبو الطيب وصاحب الشامل والتتمة وغيرهم فعلى هذا يتيمم ويصلى ويعيد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء محكوم بطهارته.
ووجه جريان الوقف أنه ليس هنا ما يمنعه بخلاف القسمة والقرعة.
ووجه قول المصنف لا يجئ الوقف القياس على من اشتبه عليه اناءان واجتهد وتحير فيهما فانه يريقهما ويصلى بالتيمم بلا اعادة لأنه معذور فى الاراقة ولم يقولوا بالوقف فكذا هنا فهذا ما ذكره الأصحاب.
واختار الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أنه يجتهد على جميع أقوال الاستعمال لأن قول المخبرين على هذا القول مقبول وقد اتفقا على نجاسة أحد الاناءين دون الآخر فيجب العمل بذلك ويميز بالاجتهاد، لأنه طريق التمييز فى هذا الباب بخلاف البينتين وسلك امام الحرمين طريقة أخرى انفرد بها فقال اذا تعارض خبراهما وكان أحد المخبرين أوثق وأصدق عنده اعتمده كما اذا تعارض خبران وأحد الروايتين أوثق قال فان استويا فلا تعلق بخبرهما هذا كلام الامام، ومقتضاه أنه اذا كان المخبر فى أحد الطرفين أكثر رجح وعمل به، وقد ذكر مثله صاحب البحر وهو الصحيح بل الصواب.
وخالف فى ذلك صاحب البيان فقال لا فرق بين أن يستوى المخبرون وبين أن يكون أحد الطرفين أكثر فالحكم واحد.
وهذا الذى قاله ليس بشئ وليس هذا من باب الشهادات التى لها نصاب لا تأثير للزيادة عليه فلا يقع فيها
стр. 3227
ترجيح بزيادة العدد، بل هو من باب الاخبار التى يترجح فيها بالعدد، ودليله أنه يقبل فى النجاسة قول الثقة الواحد والعبد والمرأة بلا خلاف، بخلاف الشهادة فهذا ما ذكره الأصحاب وحاصله أوجه.
أرجحها عند الأكثرين أنه يحكم بطهارة الاناءين فيتوضأ بهما.
والثانى يحكم بنجاسة أحدهما ويجب الاجتهاد وبه قطع الصيدلانى والبغوى.
والثالث يقرع وهو ضعيف أو غلط.
والرابع يوقف حتى يتبين ويصلى بالتيمم ويعيد.
وهذه الأوجه اذا استوى المخبران فى الثقة فان رجح أحدهما أو زاد العدد عمل به على المذهب.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١): أنه ان شك فى نجاسة ماء أو غيره كثوب أو اناء ولو كان الشك فى نجاسته مع تغير الماء بنى على أصله لحديث دع ما يريبك الى ما لا يريبك.
والتغير يحتمل أن يكون بمكثه أو نحوه أوشك فى طهارته وقد تيقن نجاسته قبل ذلك بنى على أصله الذى كان متيقنا قبل طرو الشك، لأن الشئ اذا كان على حال فانتقاله عنها يفتقر الى عدمها ووجود الأخرى وبقائها بطاهر وبقاء الأولى لا يفتقر الا الى مجرد البقاء فيكون أيسر من الحدوث وأكثر
والأصل الحاق الفرد بالأعم الأغلب ولا يلزمه السؤال عما لم يتيقن نجاسته، لأن الأصل طهارته.
ويلزم من علم النجس اعلام من أراد استعماله فى طهارة أو شرب أو غيره ان شرطت ازالة تلك النجاسة للصلاة من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وان اشتبه (٢) طهور مباح بنجس أو اشتبه طهور مباح بمحرم لم يتحر، ولو زاد عدد الطهور أو المباح، خلافا لأبى على النجاد، لأنه اشتبه المباح بالمحظور فى
стр. 3228
موضع لا تبيحه الضرورة كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات أو كان أحدهما بولا، لأن البول لا مدخل له فى التطهير أو كان النجس غير بول فلا يتحرى.
ووجب الكف عن المشتبهين احتياطا للحظر كميتة اشتبهت بمذكاة لا ميتة فى لحم مصر أو قرية.
قال أحمد أما شاتان لا يجوز التحرى فأما اذا كثرت فهذا غير هذا.
ونقل الأثرم أنه قيل له فثلاثة قال لا أدرى ويتيمم من عدم طهورا غير المشتبه من غير اعدامهما ولا خلطهما خلافا للخرقى، لأنه عادم للماء حكما لكن ان أمكن تطهير أحدهما بالآخر بأن يكون الطهور قلتين فأكثر وعنده اناء يسعهما لزم الخلط ليتمكن به من الطهارة الواجبة.
وان علم النجس بعد تيممه وصلاته فلا اعادة كمن تيمم لعدم الماء ثم وجده بعد أن صلى.
وعلم منه أنه اذا علم فى الصلاة وجب القطع والطهارة والاستئناف وكذا الطواف وان توضأ من أحدهما فبان أنه الطهور لم يصح وضوؤه كما لو صلى قبل أن يعلم دخول الوقت فصادفه، وظاهره سواء تحرى أولا.
خلافا للانصاف حيث قال من غير تحر وعارضه فى شرح المنتهى.
ويلزم التحرى لحاجة أكل وشرب، لأنه حال ضرورة.
ولا يلزمه غسل فمه بعد الأكل والشرب اذا وجد طهورا استصحابا لأصل الطهارة.
وكذا لو تطهر من أحدهما لا يلزمه غسل أعضائه وثيابه استصحابا للأصل.
وقال ابن أحمد أنه يجب.
وعلم منه أنه لا يجوز أن يأكل أو يشرب بلا تحر.
ولا يتحرى من اشتبه عليه طاهر بنجس مع وجود غير مشتبه لعدم الحاجة اليه.
وان اشتبه طاهر بنجس غير الماء كالمائعات من خل ولبن وعسل ونحوها حرم التحرى بلا ضرورة ويجوز معها وحيث جاز التحرى عند الضرورة ولم يظهر له شئ تناول من أحدهما للضرورة.
وان اشتبه طاهر غير مطهر بطهور لم يتحر. أى لم يجتهد فى الطهور منهما كما لو اشتبه الطهور بالنجس وتوضأ منهما وضوءا واحدا من هذا غرفة ومن هذا غرفة تعم كل غرفة المحل من محال الوضوء ليؤدى الفرض بيقين ويجوز
стр. 3229
له هذا ولو كان عنده طهور بيقين، لأنه توضأ من ماء طهور بيقين، وصلى صلاة واحدة، أى فلا يلزمه أن يصلى الفرض مرتين.
قلت: والغسل فيما تقدم كالوضوء، وكذا ازالة النجاسة.
ولو توضأ من واحد منهما فقط ثم بان أنه مصيب أعاد ما صلاه لعدم صحة وضوئه.
ولو احتاج الى شرب تحرى وشرب ما ظهر له أنه الطاهر وتوضأ بالطهور ثم تيمم معه احتياطا ان لم يجد طهورا غير مشتبه ليحصل له اليقين.
وجاء فى المغنى (١) أنه: اذا كان مع الرجل فى السفر اناءان نجس وطاهر واشتبها عليه أراقهما ويتيمم وانما خص حالة السفر بهذه المسألة، لأنها الحالة التى يجوز التيمم فيها ويعدم فيها الماء غالبا، هذا اذا لم يجد ماء غير الاناءين المشتبهين، فانه متى وجد ماء طهورا غيرهما توضأ به ولم يجز التحرى ولا التيمم بغير خلاف.
ولا تخلو الآنية المشتبه فيها من حالين.
أحدهما أن لا يزيد عدد الطاهر على النجس فلا خلاف فى المذهب أنه لا يجوز التحرى فيهما.
والثانى أن يكثر عدد الطاهرات فذهب أبو على النجاد من أصحابنا الى جواز التحرى فيهما لأن الظاهر اصابة الطاهر ولأن وجهة الإباحة قد ترجحت فجاز التحرى.
وظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز التحرى فيها بحال.
وهو قول أكثر أصحابه وهو قول المزنى وأبى ثور.
وقال ابن الماجشون يتوضأ من كل واحد منهما وضوءا ويصلى به.
وبه قال محمد بن مسلمة الا أنه قال: يغسل ما أصابه من الأول، لأنه أمكنه أداء فرضه بيقين فلزمه، كما لو اشتبه طاهر بطهور، وكما لو نسى صلاة من يوم لا يعلم عينها، أو اشتبهت عليه الثياب.
ولنا أنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحرى، كما لو استوى العدد عند أبى حنيفة، وكما لو كان أحدهما بولا عند الشافعى فانه قد سلمه، واعتذر أصحابه بأنه لا أصل له فى الطهارة، قلنا وهذا الماء قد زال عنه أصل الطهارة وصار نجسا
стр. 3230
فلم يبق للأصل الزائل أثر على أن البول قد كان ماء فله أصل فى الطهارة كهذا الماء النجس.
ثم قال: وهل يجوز له التيمم قبل اراقتهما؟ على روايتين.
احداهما لا يجوز، لأن معه ماء طاهرا بيقين فلم يجز له التيمم مع وجوده، فان خلطهما أو أراقهما جاز له التيمم، لأنه لم يبق معه ماء طاهر.
والثانية: يجوز التيمم قبل ذلك، اختاره أبو بكر وهو الصحيح، لأنه غير قادر على استعمال الطاهر، فأشبه ما لو كان هذا الماء فى بئر لا يمكنه استقاؤه.
وان احتاج اليهما للشرب لم تجز اراقتهما بغير خلاف، فانه يجوز له التيمم لو كانا طاهرين، فمع الاشتباه أولى.
واذا أراد الشرب تحرى وشرب من الطاهر عنده لأنها ضرورة تبيح الشرب من النجس اذا لم يجد غيره فمن الذى يظن طهارته أولى وان لم يغلب على ظنه طهارة أحدهما شرب من أحدهما، وصار هذا كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة فى حال الاضطرار، ولم يجد غيرهما، فانه اذا جاز استعمال النجس فاستعمال ما يظن طهارته أولى.
واذا شرب من أحدهما أو أكل من المشتبهات ثم وجد ماء طهورا.
فقيل: لا يلزمه غسل فيه لان الأصل طهارة فيه فلا تزول عن ذلك بالشك.
والثانى يلزمه، لأنه محل منع استعماله من أجل النجاسة فلزمه غسل أثره كالمتيقن.
واذا علم عين النجس استحب اراقته ليزول الشك عن نفسه.
وان احتاج الى الشرب شرب من الطاهر ويتيمم اذا لم يجد غير النجس.
وان خاف العطش فى ثانى الحال فقال القاضى: يتوضأ بالماء الطاهر ويحبس النجس، لأنه غير محتاج الى شربه فى الحال، فلم يجز التيمم مع وجوده.
والصحيح ان شاء الله أنه يحبس الطاهر ويتيمم، لأن وجود النجس كعدمه عند الحاجة الى الشرب فى الحال وكذلك فى المآل وخوف العطش فى اباحة التيمم لحقيقته.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١) أن من كان بحضرته ماء وشك أولغ فيه
стр. 3231
الكلب أم لا؟ أم هو فضل امرأة أم لا فله أن يتوضأ به لغير ضرورة وأن يغتسل به كذلك لانه على يقين من طهارته فى أصله وجواز التطهير به ثم شك هل حرم ذلك أم لا والحق اليقين لا يسقطه الظن.
فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي ١ مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾.
فان شك أهو ماء أم هو معتصر من بعض النباتات لم يحل له الوضوء ولا الغسل، لأنه ليس على يقين من أنه جاز به التطهر يوما ما، والوضوء والغسل فرضان فلا يرفع الفرض بالشك.
وان كان بين يديه إناءان فصاعدا فى أحدهما ماء طاهر بيقين، وسائرها مما ولغ فيه الكلب، أو فيها واحد ولغ فيه كلب، وسائرها طاهر، ولا يميز من ذلك شيئا، فله أن يتوضأ بأيها شاء، ما لم يكن على يقين من أنه قد تجاوز عدد الطهارات وتوضأ بما لا يحل الوضوء به، لأن كل ماء منها على أصل طهارته على انفراده فإذا حصل على يقين التطهر فيما لا يحل التطهر به فقد حصل على يقين الحرام، فعليه أن يطهر أعضاءه إن كان ذلك الماء حراما استعماله، فان كان فيها واحد معتصر لا يدرى لم يحل له الوضوء بشئ منها، لأنه ليس على يقين من أنه توضأ بماء، واليقين لا يرتفع بالظن.
مذهب الزيدية:
قال صاحب شرح الازهار (٢):
القليل من الماء فى البئر اذا وقعت فيه النجاسة نزح الى القرار من البئر بالدلاء.
قال أبو مضر ثم بالقصاع حتى يبلغ القرار.
وقال البعض تكفى الدلاء من أعلى البئر ويعفى عن الباقى فان كان قد تغير وجب تكرار النزح بالدلاء ثم بالقصاع حتى يزول التغير.
والملتبس من ماء البئر أقليل هو أم كثير اذا وقعت فيه النجاسة نزح الى القرار كما فى القليل أو الى أن يغلب الماء النازح.
والمراد بالغلبة أن يكون هناك عين نابعة فلا بد من بلوغ القرار أو الغلبة مع زوال التغير فى القليل والملتبس فتطهر الجوانب الداخلة من البئر بعد النزح المذكور وما صاك الماء
стр. 3232
من الأرشية وكذا الدلاء فأما رأس البئر فيجب غسله وكذلك النازح اذا أصابه شئ من ذلك.
ثم قال (١): أما اذا وقعت النجاسة فى الماء القليل فانه ينجس بوقوعها فى جملته ولو لم يباشر كل أجزائه، سواء تغير بها أو لم يتغير والماء القليل هو ما ظن المستعمل للماء استعمال النجاسة الواقعة فيه أى باستعمال الماء - وهذا الحد ذكره الأخوان.
واعترضه البعض باعتراضين ذكرهما فى الغيث.
ثم قال فالأولى ان يزاد فى الحد فيقال هو ما ظن استعمالها باستعماله تحقيقا أو تقديرا لأجل قلته وأطلق البعض فى الشرح أن حد القليل ما يغلب فى الظن أن تستوعبه القوافل الكبار شربا وطهورا وعكس ذلك كثير وحكاه فى شرح الابانة عن الهادى، وقدرت القوافل بقافلة بدر وهم ثلاثمائة وبضع عشرة وفرسان وسبعون راحلة.
قال البعض وفيه غاية اللبس، لأنا لا ندرى كم يغترفون وهل يكون شربهم قبل الاغتراف أو بعده.
وقال البعض ان الكثير قلتان من قلال هجر.
ثم قال البعض ظاهر اطلاقهم أنه يعمل فى الكثرة والقلة بالظن، سواء وافق الماء قبل وقوع النجاسة فيه أم بعده.
قال: والقياس أنه بعد وقوع النجاسة فيه لا يعمل الا بالعلم عند البعض والظن المقارب له عند المؤيد بالله، لأنه بعد وقوع النجاسة فيه انتقال لا تبقيه على الأصل، فأما قبل وقوعها فانه تبقية على الأصل لا انتقال.
ومثل ما ذكره البعض ذكره الفقيه على.
ولو التبس هل تستعمل النجاسة باستعماله ام لا فان هذا لا حق بما لا تلتبس قلته، لأن الأصل القلة واذا التبس حال الشئ رجع الى أصله.
هذا فيما كان أصله القلة ثم زيد عليه والتبس حاله بالكثرة فالأصل القلة والنجاسة.
وان كان الماء كثيرا ثم نقص منه فصار ملتبسا حاله ثم وقعت فيه نجاسة فالأصل الكثرة والطهارة (٢).
стр. 3233
ثم ذكر أنه لكى يرفع الماء الحدث فلا بد من أن يكون مباحا طاهرا، وأن يكون مما لم يشبه أى لم يختلط به مستعمل لقربه - وهو الذى توضأ به متوضئ لفرض أو نفل لا للتبرد.
واختلف فى الماء الذى طهر عنده المحل.
فقال الامام يحيى وعلى خليل أنه مستعمل.
وقل مولانا ﵇ انه ليس بمستعمل.
وقال البعض أخيرا أنه طاهر مطهر.
قال البعض ثم انا بينا أن المستعمل اذا اختلط بغيره لم يضر مهما كان دونه لا مثله ما لم يستعمل فصاعدا فانه يصير بذلك لاحقا بالمستعمل فى أنه طاهر غير مطهر، وهو الذى صحح للمذهب.
وعن الأمير على بن الحسين أنه اذا كان مثله فهو مطهر.
وهذا الخلاف راجع الى ترجيح جنبة الحظر أو الاباحة.
فان التبس الأغلب من المستعمل وغيره اذا اخلتطا غلب الأصل وهو الذى طرأ عليه غيره.
فان كان المستعمل الطارئ والتبس الأغلب الطارئ أو المطروء عليه، غلب المطروء عليه، لأن الأصل فيه التطهير.
وان كان الطارئ غير المستعمل فالعكس
فان أوردا معا أو التبس الطارئ جاء الخلاف فى ترجيح الحظر أو الاباحة.
قال ﵇: والصحيح ترجيح الحظر.
وجاء فى شرح الأزهار (١): أنه اذا وجد شخص ماءا متغيرا ولم يعلم بماذا تغير؟ أبنجس أم بطاهر أم بمكث؟ فإنه يحكم بالأصل، وأصل الماء الطهارة.
ويترك من المياه ماء التبس بغصب أو متنجس، كأن يكون معه آنية فيها ماء فبعضها طاهر وبعضها متنجس أو مغصوب والتبس أيها بالطاهر أو المباح فأنها تترك جميعا ويعدل الى التيمم.
أما حيث التبس المباح بالمغصوب فالترك واجب وان كثرت آنية المباح.
وأما حيث التبس المتنجس بالطاهر، فانما يترك حيث تستوى آنية الطاهر والمتجنس أو تكون آنية المتنجس أكثر.
فأما اذا زادت آنية الطاهر فانه يتحرى حينئذ والى هذا أشار ﵇ بقوله الا أن تزيد آنية الطاهر فيتحرى.
واعلم أنه لا يصح التحرى حيث يجب الا بشروط أربعة.
وهى أن تكون آنية الطاهر أكثر.
стр. 3234
وأن لا يجد ماء محكوما بطهارته.
وخرج على خليل للمؤيد بالله أنه يجوز التحرى وان وجد الطاهر،
والشرط الثالث أن يحصل له ظن الطهارة فى أحدها أو النجاسة.
والشرط الرابع أن يكون الملتبس له أصل فى التطهير لا نجس عين.
وقال البعض بل يجوز التحرى وان كان الملتبس عين النجاسة.
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة (١): أنه ينجس الماء القليل بموت ذى النفس السائلة دون غيره وان كان من حيوان الماء كالتمساح.
ولو اشتبه استناد موت الصيد فى القليل الى الجرح أو الماء احتمل العمل بالأصلين فيحرم الصيد، ويكون الماء طاهرا، كما فى جامع المقاصد والذخيرة والدلائل.
واليه ذهب السيد صدر الدين فى شرح الوافيه وقواه فى التحرير بعد اختيار التنجيس.
وقال فى المنتهى أن الشيخ اختاره فى بعض كتبه.
ثم قال: وليس بجيد لأن العمل بالأصلين مشروط بعدم لزوم التنافى، والتنافى هنا حاصل.
وفى الدلائل أن غير معلوم التذكية هل هو نجس أو غير نجس وانما منع الشارع من استعماله والانتفاع والأقوى الثانى فترجع المسألة الى مسئلة الشك فى نجاسة الواقع والوجه المنع من العمل بهما فيحكم بنجاسة الماء كما فى المنتهى.
وفى المعتبر بعد أن تردد فى تنجيس الماء كما تردد فى نهاية الأحكام قال:
والأحوط التنجيس.
وفى جامع المقاصد بعد أن جعل العمل بالأصلين أقوى جعل هذا أحوط.
واستندوا فى ذلك الى الضرب الأول من الشكل الأول وهو: هذا ماء وقع فيه غير مذكى وكلما كان كذلك فهو نجس.
وجاء فى مفتاح الكرامة (٢) أيضا:
أن المتطهر لو علم بالنجاسة بعد فعل الطهارة وشك فى سبقها عليها فالأصل الصحة كما فى المعتبر والتحرير ونهاية الأحكام وغيرها لأصل تأخر الحادث.
стр. 3235
ولو علم سبقها وشك فى بلوغ الكرية أعاد كما فى المعتبر ونهاية الأحكام والتحرير وغيرها.
واحتمل فى المنتهى عدم الاعادة لأصل طهارة الماء وعموم النص.
والفتوى على أن كل ماء طاهر حتى يعلم.
والأصل براءة الذمة من الاعادة، ولأنه شك بعد الفراغ وقوى الأول الاستاذ لأنه اذا انتفت الكرية ثبتت الاعادة والأصول المذكورة مبنية على الكرية ولو شك فى نجاسة الواقع بنى على الطهارة.
ثم (١) قال: وفى نهاية الأحكام لو اشتبه اناء المطلق بالمضاف لم يتطهر بأحدهما عند بعض علمائنا.
وفى المبسوط والمنتهى والروض أنه اذا تمكن من الطهارة بالمزج والتكرير فالأحوط المزج لمساواة الممزوج المطلق، ومع وجود المطلق لا يجوز الترديد.
واحتمل المصنف فى النهاية التخيير بينه وبين التكرير.
قال الأستاذ والمسألة مبنية على أن الاحتياط طريق فى الاختيار وأنه انما يسوغ عند الاضطرار، ومع انقلاب أحدهما فالأقرب وجوب الوضوء والتيمم كما فى الذكرى وجامع المقاصد والروض، وهو الوجه كما فى الايضاح وهو ظاهر الدلائل، لأنه رد ما استدلوا به من أنه كان المطلق موجودا بيقين فلا يجوز له التيمم.
وفى نهاية الأحكام احتمل وجوب التيمم خاصة.
وعلى قول ابن ادريس والقاضى فى المشتبه يتعين التيمم لعدم جريان الأصل بل هو جار على العكس ويقين الفراغ حاصل بالتيمم على هذا الرأى.
قال فى جامع المقاصد ولا يخفى أنه يجب تقديم الوضوء على التيمم ووجهه بأنه اذا توضأ أولا صار فاقدا للماء بيقين.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح (٢) النيل: ويحكم بطهارة الماء ان كان كثيرا خلط بنجس لم يغير النجس وصفا منه.
أما ان غيره فانه يكون نجسا على الصحيح.
وقيل لا ينجس حتى يغير جميع الأوصاف من اللون والطعم والريح.
стр. 3236
وقيل ماء غير المطر ينجس بتغير وصف وماء المطر لا ينجس الا بتغيرها جميعا.
ومن شك فى وقوع مغيره فيه أو هل غيره أولا أو هو نجس فينجس الماء ان غيره أو لا فهو طاهر رافع للحدث ما لم يتيقن.
ثم قال (١): واذا علم الحل وغلب على الظن طرو محرم فان لم تستند غلبته لعلامة تتعلق بعينه لم تعتبر.
ومن ثم حكمنا بطهارة ثياب الخمارين أو الجزارين والكفار والمتدينين باستعمال النجس وان استندت لعلامة متعلقة بعينه اعتبر وألغى أصل الحل، لأنها أقوى منه.
فلو وجد ظبية تبول فى ماء كثير فوجده عقب البول متغيرا فشك هل تغير به أو بمكث مثلا وأمكن تغيره به فهو نجس.
بخلاف ما لو وجده متغيرا بعد مدة أو وجده عقب البول غير متغير ثم ظهر التغير أو لم يمكن التغير به لقلته وأنه طاهر عملا بالأصل الذى لم يعارضه حينئذ ما هو أقوى منه.
والماء (٢) المشكوك فى نجسه يجوز استعماله استصحابا للأصل، ويجوز التيمم الا ان قويت الشبهة فلا يستعمله، لأن قلب الانسان حينئذ يفتيه بالمنع وقد أمر الانسان باستفتاء القلب.
وجاء فى شرح (٣) النيل: أنه لا يصح الاستنجاء بماء انائين تنجس أحدهما واشتبه عليه الحال هذا هو الصحيح.
ومنهم من قال يستنجى بأحدهما بعد التحرى.
والحق أنه ان لم يبق ما يتحرى به أن لا يجيز له أحد الاستنجاء به اذ لا يجوز التقدم على شبهة ولا التعبد بشئ على شك، ولأنه قد يوافق النجس فيكون قد التطخ بالنجس والالتطاخ بالنجس لا يجوز مع امكان التحرز عنه، ولأنه يصير باشتباههما غير واجد للماء المعلوم طهارته.
وقيل أنه يستعمل أحدهما ويمكث حتى ييبس فيلبس ثوبه، ثم يصلى، ثم يستعمل الآخر ويمكث حتى ييبس، ثم يلبسه، ثم يصلى بعد ما غسل كل ما وصله الأول، وفيه البحث السابق كله، الا أن هذا قد وافق الطاهر والصلاة به قطعا وهو أحوط، وفيه كلفة وليس حوطة الا لتلك الصلاة أو ما جمع من الصلوات، لامكان أن يكون الأخير هو النجس.
وأما قول السدويكشى على قول فكذلك أيضا للدلالة على أن هناك قولا
стр. 3237
واقتصر عليه، لأنه هو بمعرض تعداد ما لا يستنجى به وكذا الكلام فى الآنية المتعددة اذا اشتبه طاهرها بنجسها، وكذا اناء اختلط بآنية، وكذا الاناءان والاناءات اختلطت بآنية طفل أو مجنون أو بالغ غائب.
وقيل أن نوى الحل جاز له التقدم أو الغرم للطفل والمجنون أو كان له حق على أحد هؤلاء أو باشره أى مسه مجذوم أو مجدور ان خيف منهم ضرر وليتيمم من لم يجد غير ما ذكر.
حكم اشتباه الثياب والأماكن
الطاهرة بغيرها
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى (١) الهندية: أن طهارة الثوب شرط من شروط صحة الصلاة فاذا اشتبه عليه ثوب طاهر بثوب نجس تحرى وصلى، وان كانت الغلبة للثياب النجسة كذا فى السراجية.
وجاء فى حاشية الطحطاوى (٢): أنه اذا وجدت ثياب مختلطة فانه يتحرى مطلقا، أى سواء كان أكثرها طاهرا أو كان أكثرها نجسا، لأنه لا خلف للثوب فى ستر العورة أما الماء فيخلفه التراب.
وان صلى فى أحد ثوبين متحريا لنجاسة أحدهما، ثم أراد صلاة أخرى، فوقع تحريه على غير الذى صلى فيه ام يصح، لأن امضاء الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله، الا فى القبلة، لأنها تحتمل الانتقال الى جهة أخرى بالتحرى لأنه أمر شرعى، والنجاسة أمر حسى لا يصيرها طاهرة بالتحرى، للزوم الاعادة بظهور النجاسة بعد التحرى فى الثياب والأوانى.
فمتى جعلنا الثوب طاهرا بالاجتهاد للضرورة لا يجوز جعله نجسا باجتهاد مثله.
فتفسد كل صلاة يصليها بالذى تحرى نجاسته أو لا.
وتصح بالذى تحرى طهارته.
وجاء فى الفتاوى الهندية أيضا (٣): أنه اذا كان مع الرجل ثوبان أو ثياب والبعض نجس والبعض طاهر، فان أمكن التمييز بالعلامة يميز.
وان تعذر التمييز بالعلامة، فاما أن تكون الحالة حالة الاضطرار، أو تكون الحالة حالة الاختيار.
стр. 3238
فان كانت الحالة حالة الاضطرار، بأن لا يجد ثوبا طاهرا بيقين، واحتاج الى الصلاة وليس معه ما يغسل به أحد الثوبين أو أحد الثياب، فانه يتحرى.
وان كانت الحالة حالة الاختيار فان كانت الغلبة للطاهر يتحرى.
وان كانت الغلبة للنجس أو كانا على السواء لا يتحرى، كذا فى الذخيرة.
وان وقع تحريه فى الثوبين على أحدهما أنه هو الطاهر فصلى فيه الظهر، ثم وقع أكبر رأيه على أن الآخر هو الطاهر، فصلى فيه العصر لا يجوز لأنا حين حكمنا بجواز الظهر فيه فان الطاهر ذلك الثوب ومن ضرورته الحكم بنجاسة الثوب الآخر فلا يعتبر أكبر رأيه بعد ما جرى الحكم بخلافه.
فان استيقن أن الذى صلى فيه الظهر هو النجس أعاد صلاة الظهر، وكذلك لو لم يحضره تحر ولكنه أخذ أحد الثوبين فصلى فيه الظهر فهذا وما لو فعله بالتحرى سواء، لأن فعل المسلم محمول على الصحة ما لم يتبين الفساد فيه فيجعل كأن الطاهر هذا الثوب ويحكم بجواز صلاته ان لم يتبين خلافه.
ولو كان له ثلاثة أثواب فتحرى وصلى الظهر فى أحدها، وصلى العصر فى الثانى، وصلى المغرب فى الثالث، ثم صلى العشاء فى الأول فصلاة الظهر والعصر جائزة وصلاة المغرب والعشاء فاسدة، لأنه لما صلى الظهر والعصر فى الأول والثانى، وقد حكم بطهارتهما فتعين الثالث للنجاسة، فلم تجز المغرب فيه وحين صلى العشاء فى الثوب الطاهر فقد صلى وعليه قضاء المغرب فلم تجز أيضا لمراعاة الترتيب.
وفى رواية أخرى صلاة العشاء جائزة كذا فى محيط السرخسى.
وفى النوادر أنه اذا كان أحد الثوبين نجسا فصلى فى أحدهما الظهر من غير تحر، وصلى فى الآخر العصر، ثم وقع تحريه على أن الأول طاهر.
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: هذا لم يصل به شيئا.
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى:
صلاة الظهر جائزة كذا فى المحيط.
وفى النوادر لو كان رجلان فى السفر معهما ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس، وصلى أحدهما فى ثوب بالتحرى، وصلى الآخر فى الثوب الآخر بالتحرى، تجوز صلاة كل واحد منهما منفردا.
стр. 3239
ولو أم أحدهما واقتدى به الآخر فصلاة الامام جائزة دون صلاة المقتدى كذا فى الذخيرة.
وجاء فى بدائع الصنائع (١) أنه اذا أصابت النجاسة ثوبا وهى كثيرة فجفت وذهب أثرها وخفى مكانها غسل جميع الثوب، وكذا لو أصابت أحد الكمين ولا يدرى أيهما هو غسلهما جميعا وكذا اذا راثت البقرة أو بالت فى الكديس (٢) ولا يدرى مكانه غسل الكل احتياطا.
وقيل اذا غسل موضعا من الثوب كالدخريص (٣) ونحوه وأحد الكمين وبعضا من الكديس يحكم بطهارة الباقى.
وهذا غير سديد، لأن موضع النجاسة غير معلوم وليس البعض أولى من البعض.
ولو كان الثوب طاهرا فشك فى نجاسته جاز له أن يصلى فيه، لأن الشك لا يرفع اليقين.
وكذا اذا كان عنده ماء طاهر فشك فى وقوع النجاسة فيه.
ثم قال فى موضع (٤) آخر: ولا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة فيها الا الازار والسراويل، فانها تكره الصلاة فيها وتجوز.
أما الجواز فلأن الأصل فى الثياب هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالشك، ولأن التوارث جار فيما بين المسلمين بالصلاة فى الثياب المغنومة من الكفرة قبل الغسل.
وأما الكراهة فى الازار والسراويل فلقربهما من موضع الحدث وعسى لا يستنزهون من البول فصار شبيه يد المستيقظ ومنقار الدجاجة المخلاة.
وجاء فى المبسوط (٥): أن من رأى فى «ثوبه» نجاسة لا يدرى متى أصابته لا يلزمه اعادة شى من الصلاة عند صاحبى أبى حنيفة رحمهم الله تعالى.
وقال أبو حنيفة: ان كانت النجاسة بالية يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها وان كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة.
стр. 3240
وحكى صاحب البحر (١) الرائق عن أبى حنيفة خلافا فى هذه المسألة.
فقال فى الظهيرية: المصلى اذا رأى على ثوبه نجاسة ولا يدرى متى أصابته ففيه تقاسيم واختلافات.
والمختار عند أبى حنيفة أنه لا يعيد الا الصلاة التى هو فيها.
وحكى الزيلعى (٢): عن ابن رستم أنه ذكر أن من وجد فى ثوبه منيا أعاد الصلاة من آخر نومة نامها للشك فيما قبله.
وفى البدائع يعيد من آخر ما احتلم فيه.
وقيل فى البول يعتبر من آخر ما بال وفى الدم من آخر ما رعف.
ونقل الشلبى عن المحيط أنه قال فى الدم لا يعيد حتى يستيقن لأن الدم قد يصيبه فى الطريق، بخلاف المنى، فان كان الثوب يلبسه هو وغيره فهو كالدم.
وقال الزيلعى: ولو فتق جبة فوجد فيها فأرة ميتة ولم يعلم متى دخلت فيها فان لم يكن لها ثقب يعيد الصلاة منذ يوم وضع القطن فيها وان كان فيها ثقب يعيدها منذ ثلاثة أيام عنده.
مذهب المالكية:
حكى الحطاب (٣) عن ابن رشد قوله: اذا اختلط نجس بأشياء طاهرة كثيرة غير مائعة ولم يعلم النجس فانه لا يكلف بطرح الجميع لأجل الشك، وذلك كما لو اختلطت تفاحة نجسة أو رطبة أو نحوها بكوم تفاح أو رطب.
وقال خليل (٤) ان عرف موضع النجاسة من الثوب النجس غسله والا فجميع المشكوك فيه ككمية بخلاف ثوبه فيتحرى.
قال الحطاب: ان من تحقق من اصابة النجاسة لمحل فان عرف موضعها منه غسله، وان لم يعرف موضع النجاسة مع تحققه الاصابة فانه يغسل جميع ما شك فى اصابة النجاسة له، لأنه لما تحقق اصابة النجاسة وجب غسلها، ولما لم يتميز موضعها تعين غسل الجميع، لأنه لا يتحقق زوالها الا بذاك.
стр. 3241
قال فى المدونة ومن أيقن أن نجاسة أصابت ثوبه لا يدرى موضعها غسله كله وان علم تلك الناحية غسلها.
قال ابن ناجى رحمه الله تعالى هذا متفق عليه.
قال فى التوضيح الا أن لا يجد من الماء ما يعم به الثوب ويضيق الوقت فانه يتحرى موضعها نص عليه فى الذخيرة.
قال الحطاب وأصله لصاحب الطراز وهو ظاهر.
والثوب المتصل اذا تحققت اصابة النجاسة له وشك فى محلها فلا بد من غسل جميع المشكوك فيه ولو وقع الشك فى جهتين متميزتين كالكمين ولا يجتهد فى أحد الجهتين وهذا هو المذهب قاله سند.
وقال ابن العربى يجتهد فما أداه اجتهاده أنه النجس غسله كما سيأتى فى الثوبين.
ووجه المذهب أن الكمين متصلان بالثوب والثوبين منفصلان.
وقول خليل بخلاف ثوبيه فيتحرى يعنى أنه اذا تحقق من اصابة النجاسة لأحد ثوبيه وطهارة الآخر فاشتبه الطاهر بالنجس فانه يتحرى أى يجتهد بعلامة تميز الطاهر منهما من النجس فما أداه اجتهاده الى أنه طاهر صلى به وما أداه اجتهاده الى أنه نجس تركه حتى يغسله وهذا هو المشهور.
وقال ابن الماجشون يصلى بعدد النجس وزيادة ثوب كالأوانى.
وقال ابن مسلمة كذلك ما لم يكثر، هذا تحصيل ابن عرفة.
وحكى ابن الحاجب القولين الأولين فقط.
قال فى التوضيح ظاهر كلام ابن الحاجب يتحرى فى الثياب عدم اشتراط الضرورة وكلامه فى الجواهر قريب منه.
ونص سند على أنه انما يتحرى فى الثوبين عند الضرورة وعدم وجود ما يغسل به الثوبين.
قال الحطاب وهكذا نقل صاحب الجمع عن ابن هارون أنه انما يتحرى اذا لم يجد ثوبا طاهرا أو ما يطهر به ما اشتبه عليه من الثياب ونقله عن سند أيضا.
قال وظاهر كلام ابن شاس وغيره الاطلاق من غير تقييد بضرورة وهو غير صحيح، لأنه اذا لم يكن
стр. 3242
مضطرا فقد أدخل احتمال الخلل فى صلاته بغير ضرورة وهو ظاهر.
قال (١): وعلى هذا فلا فرق بين الشك فى الثوبين أو فى الثوب الواحد فى وجوب الغسل مع عدم الضرورة وأما مع الضرورة فيتحرى فى الثوبين.
وأما الثوب الواحد فلا فائدة للتحرى فيه الا فى الصورة التى تقدمت عن التوضيح.
وهى ما اذا لم يجد من الماء ما يغمر به الثوب وضاق الوقت وهكذا قال سند بعد أن ذكر الفرق بين الثوبين والثوب الواحد بأنه اذا تحرى فى الثوبين صلى بأحدهما من غير غسل.
وأما الثوب الواحد فلا بد من الغسل والشك فى جميع الثوب فيغسل جميعه.
قال وفى التحقيق لا فرق بينهما وذكر ما تقدم.
واذا قلنا: لا يتحرى الا مع الضرورة فقيل حكمه حكم المتيمم.
فالآيس من زوال السبب يصلى فى أول الوقت.
والراجى زواله يصلى فى آخره.
والمتردد بين هذا أو ذاك يصلى فى وسطه.
وقيل لا يصلى بالتحرى الا فى آخر الوقت المختار.
وقد تردد فى ذلك صاحب الجمع وفى كلامه ميل الى الثانى.
قال والفرق بينه وبين المتيمم أن التيمم طهارة بدل عن طهارة وازالة النجاسة لا بدل لها فيؤخر الى آخر الوقت المختار.
ثم قال ويمكن أن يجاب بأنه غير مصل بالنجاسة بل يحتمل احتمالا مرجوحا.
قال الحطاب الظاهر انه لا يتحرى الا مع الضرورة كما قال سند وغيره وأنه يفصل فيه كالتيمم وأنه ان وجد ثوبا طاهرا أو ما يغسل به يعيد فى الوقت كما قال فى العتبية.
واذا قلنا بالتحرى مع عدم الضرورة فلا يلزمه الا غسل أحدهما وهو ما حكم اجتهاده بأنه نجس وهذا اختيار ابن العربى، وفرع عليه ما اذا لبسهما وصلى بهما قال فتجوز صلاته لأن أحد الثوبين طاهر بيقين وهو الذى غسله والآخر طاهر بالاجتهاد.
стр. 3243
وجاء فى الحطاب (١): قال البرزلى عن ابن أبى زيد لو أن مسلما اشترى ثوبا ملبوسا من السوق وفى البلد يهود ونصارى مختلطين مع المسلمين فى لباسهم فان له أن يصلى به الا أن يستريب أمرا فيغسله، أو يكون الغالب فى البلد النصارى، أو أن يبيعه من يكثر شرب الخمر، وقد لبسه فليغسله.
ومن اشترى من أهل الدين صدقه.
وان شك فى خبر التاجر وشك فى الحوائج غسلها بخلاف العمامة.
قال اللخمى وهذا فى القميص وما أشبهها.
وأما ما يستعمل للرأس من منديل أو عمامة فالأمر فيه أخف، لأن الغالب سلامته سواء كان البائع ممن يصلى أولا، الا أن يكون ممن يشرب الخمر فلا يصلى به حتى يغسله.
وأما ما يلبس فى الوسط فلا أرى أن يصلى فيه حتى يغسله سواء كان البائع ممن يصلى أم لا، لأن كثيرا من الناس لا يحسن الاستبراء من البول، وان كان لا يتعمد الصلاة بالنجاسة.
قال اللخمى ان علم أن بائعه ممن يصلى، فلا بأس بالصلاة فيه، وان كان ممن لا يصلى لم يصل حتى يغسل وان لم يعلم بائعه فينظر الى الأشبه ممن يلبس ذلك فالاحتياط بالغسل أفضل.
ونص سند على ان ما اشترى من مسلم مجهول الحال محمول على السلامة قال وان شك فيه نضحه بالماء.
ولا مخالفة بين كلام سند واللخمى لأن اللخمى قال الغسل أفضل وسند قال: ينضح والنضح هو الواجب فيما شك فيه.
وجاء فى الشرح الكبير (٢): أنه لا يصح أن يصلى بثياب غير مصل أصلا أو غالبا كالنساء والصبيان سواء أعدها للنوم أو لا لعدم توقيه النجاسة غالبا.
стр. 3244
قال الدسوقى وتحرم الصلاة فيها، وهذا اذا تحققت نجاستها أو ظنت أو شك فيها أما اذا تحققت طهارتها أو ظنت جازت الصلاة فيها.
وظاهر قول خليل أنه يمنع الصلاة بثياب غير المصلى ولو أخبر بطهارتها ودخل فى الثياب الخف وهو ظاهر ما قاله شيخنا.
فلو شك فى طهارة ثوب للشك فى صلاة صاحبها وعدم صلاته صلى فى ثياب الرجال فقط، لأن الغالب صلاتهم دون النساء لأن الغالب عدم صلاتهن.
وهل ثياب الصبيان محمولة على الطهارة حتى يتيقن النجاسة أو محمولة على النجاسة حتى يتيقن الطهارة؟ قولان المعتمد منهما الثانى.
ثم استثنى من ثياب غير المصلى ثياب رأسه من عمامة وعرقية ومنديل فمحمولة على الطهارة اذ الغالب عليه عدم وصول النجاسة اليها.
وفى الدسوقى قال البنانى بحث فى هذا ابن مرزوق فقال: لا يخفى أنهم منعوا الصلاة بما ينام فيه مصل آخر من أجل الشك فى نجاسته والشك فى نجاسة ثوب رأس غير المصلى أقوى بكثير، لأن من لا يتحفظ من النجاسة لا يبالى أين تصل النجاسة.
وقد يقال: انا لا نسلم أن الشك فى نجاسة ثوب رأس غير المصلى أقوى لأنه وان كان لا يبالى أين تصل النجاسة الا ان الغالب عدم وصول النجاسة لثوب الرأس كذا قرر شيخنا.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (١): أن طهارة الثوب الذى يصلى فيه شرط فى صحة الصلاة.
والدليل عليه قول الله تعالى «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ٢».
وان كان على ثوبه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ما يغسل به صلى عريانا، ولا يصلى فى الثوب النجس.
وقال البويطى وقد قيل يصلى فيه ويعيد.
والمذهب الأول، لأن الصلاة مع العرى يسقط بها الفرض ومع النجاسة لا يسقط، لأنه تجب
стр. 3245
اعادتها فلا يجوز أن يترك صلاة يسقط بها الفرض الى صلاة لا يسقط بها الفرض وان اضطر الى لبس الثوب النجس لحر أو برد.
صلى فيه وأعاد اذا قدر، لأنه صلى بنجس نادر غير متصل فلا يسقط معه الفرض كما لو صلى بنجاسة نسيها.
وان قدر على غسله وخفى عليه موضع النجاسة لزمه أن يغسل الثوب كله ولا يتحرى فيه، لأن التحرى انما يكون فى عينين.
فاذا أداه اجتهاده الى طهارة أحدهما رده الى أصله وأنه طاهر بيقين وهذا لا يوجد فى الثوب الواحد.
وان شقه نصفين لم يتحر فيه، لأنه يجوز أن يكون الشق فى موضع النجاسة فتكون القطعتان نجستين.
وان كان معه ثوبان وأحدهما طاهر والآخر نجس واشتبها عليه تحرى وصلى فى الطاهر على الأغلب عنده، لأنه شرط من شروط الصلاة يمكنه التوصل اليه بالاجتهاد فيه فجاز التحرى فيه كالقبلة.
وان اجتهد ولم يؤد اجتهاده الى طهارة أحدهما صلى عريانا واعاد، لأنه صلى عريانا ومعه ثوب طاهر بيقين.
وان أداه اجتهاده الى طهارة أحدهما ونجاسة الآخر فغسل النجس عنده جاز أن يصلى فى كل واحد منهما فان لبسهما معا وصلى فيهما ففيه وجهان.
قال أبو اسحاق تلزمه الاعادة لأنهما صارا كالثوب الواحد وقد تيقن حصول النجاسة وشك فى زوالها، لأنه يحتمل أن يكون الذى غسله هو الطاهر فلم تصح صلاته كالثوب الواحد اذا أصابته نجاسة وخفى عليه موضعها فتحرى وغسل موضع النجاسة بالتحرى وصلى فيه.
وقال أبو العباس لا اعادة عليه، لأنه صلى فى ثوب طاهر بيقين وثوب طاهر فى الظاهر فهو كما لو صلى فى ثوب اشتراه لا يعلم حاله وثوب غسله.
وان كانت النجاسة فى أحد الكمين واشتبها عليه ففيه وجهان.
قال أبو اسحاق لا يتحرى لأنه ثوب واحد.
وقال أبو العباس يتحرى لأنهما عينان متميزتان فهما كالثوبين وان فصل أحد الكمين من القميص جاز التحرى فيه بلا خلاف.
стр. 3246
وجاء فى المهذب (١): أنه ان خفى على المصلى موضع النجاسة فان كانت فى أرض واسعة فصلى فى موضع منها جاز، لأنه غير متحقق لها، ولأن الأصل فيها الطهارة.
وان كانت النجاسة فى بيت وخفى عليه موضعها لم يجز أن يصلى فيه حتى يغسله.
ومن أصحابنا من قال يصلى فيه حيث شاء كالصحراء وليس بشئ، لأن الصحراء لا يمكن حفظها من النجاسة ولا يمكن غسل جميعها والبيت يمكن حفظه من النجاسة فذا نجس أمكن غسله واذا خفى موضع النجاسة منه غسله كله كالثوب.
وان كانت النجاسة فى أحد البيتين واشتبها عليه تحرى كما يتحرى فى الثوبين.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): أنه ان اشتبهت ثياب طاهرة مباحة بثياب نجسة أو بثياب محرمة ولم يكن عنده ثوب طاهر بيقين أو ثوب مباح بيقين لم يتحر، وصلى فى كل ثوب صلاة واحدة يكررها بعدد الثياب النجسة أو المحرمة وزاد على عدد النجسة أو المحرمة صلاة ليصلى فى ثوب طاهر يقينا ينوى بكل صلاة الفرض احتياطا، على معنى أنها صلاة لا تعاد.
والظاهر أنه تكفى نيتها ظهرا مثلا اذ لا تتعين الفرضية كمن نسى صلاة من يوم.
وفرق أحمد بين ما هنا وبين القبلة والأوانى، بأن الماء يلصق ببدنه فيتنجس به وأنه مباح صلاته فيه عند العدم بخلاف الماء النجس.
قال القاضى ولأن القبلة يكثر الاشتباه فيها والتفريط هنا حصل منه بخلافها، ولأن لها ادلة تدل عليها بخلاف الثياب.
وان جهل من اشتبهت عليه الثياب عددها أى عدد النجسة أو المحرمة صلى فرضه فى كل ثوب منها فيصلى فى ثوب بعد آخر حتى يتيقن أنه صلى فى ثوب طاهر أو مباح، ينوى بكل صلاة الفرض ليخرج من الواجب بيقين وظاهره ولو كثرت لانه يندر جدا.
وقال ابن عقيل يتحرى فى أصح الوجهين دفعا للمشقة.
وان اشتبه مباح بمكروه اجتهد ويحتمل أن يصلى فيما شاء بدونه ويحتمل أن
стр. 3247
يصلى بكل ثوب صلاة وان صلى بهما معا كره قاله فى الرعاية الصغرى.
ثم قال (١) ولا تصح امامة من اشتبهت عليه الثياب أو البقعة الضيقة الطاهرة بالنجسة، لأنه عاجز عن شرط الصلاة وهو الطاهر المتيقن وكذا الأمكنة الضيقة اذا تنجس بعضها واشتبهت ولا يوجد بقعة طاهرة بيقين.
فاذا تنجست زاوية من بيت وتعذر خروجه منه وما يفرشه عليه صلى الفرض مرتين فى زاويتين.
وان تنجس زاويتان صلى ثلاث مرات فى ثلاث زوايا وهكذا.
ويصلى فى فضاء واسع كصحراء وحوش كبير تنجس بعضه واشتبه حيث شاء بلا تحر للحرج والمشقة.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار (٢): أن من التبس عليه ثوب متنجس من عشرة طاهرة.
قال البعض فانه يصلى الصلاة فى كل واحد من العشرة، ليعلم أنه قد أداها فى طاهر وفيها سهو فانه يحصل العلم بثوبين.
قال البعض وهذا اذا لم يخش فوت الوقت الاضطرارى فان خشى تحرى ولو فى ثوبين.
قال ومهما كان الوقت موسعا وخشى فوت وقت الاختيار أو وقت التكسب اعتبر غلبة الطاهر كمسألة الآنية والا لم يجز التحرى.
قال البعض لا فرق فى جواز التحرى فى الثياب بين الاختيارى والاضطرارى.
وجاء فى الحواشى تعليقا على قوله فأنه يصلى الصلاة فى كل واحد، من العشرة قوله: قيل أن الرواية شاذة.
وقيل ان المراد تسعة نجسة وواحد طاهر.
وجاء فيها تعليقا على قوله وفيها سهو قوله ليس فيها سهو وأنما مراده أنها فاتته صلاة من خمس والتبس عليه فأراد أن يصلى فى هذه الثياب العشرة فانه يصلى عشر مرات فى كل ثوب صلاة ليخرج بيقين.
ثم قال (٣): واذا التبس الثوب الحرير وكذا المزعفر فى حق المحرم
стр. 3248
ولو امرأة وذلك نحو أن يكون أعمى أو فى ظلمة فانه يتحرى ولو مع اتساع الوقت ولا يصليها فيهما، لأنه يؤدى الى ارتكاب محظور، فان لم يحصل له ظن صلى فى أيهما شاء فيكون كالعادم.
ولو التبس جلد مذكاة وميتة صلاها فيهما بخلاف التباس الماء بالبول.
ولو التبس عليه الثوب الغصب بالمباح، فلا يتحرى، بل يتركهما معا كالماءين، ولو صلاها فيهما أثم وأجزأ.
واذا التبس الثوب الطاهر بغيره صلى فى كل واحد من الثوبين مرة، نحو أن يريد صلاة الظهر ومعه ثوبان أحدهما طاهر والتبس عليه أيهما هو، فانه يصلى الظهر فى هذا مرة وفى هذا مرة ثانية.
فان كان الثياب ثلاثة والمتنجس اثنان صلاها ثلاث مرات ثم كذلك.
فان ضاقت الصلاة بأن لا يبقى من وقتها ما يتسع لفعلها مرتين فى ثوبين أو أكثر حسب الحال.
وكذا فى الماءين اذا لم يبق ما يسعها والوضوء مرتين أو أكثر حسب الحال تحرى المصلى بأن يرجح بين الامارات التى يتعين بها الطاهر والمطهر من غيره ويعمل بما غلب فى ظنه، فان لم يحصل له ظن فى تحريه صلى عاريا فى الخلاء وترك الماءين ويتيمم بعد اراقة الماء.
واذا اشتبه (١) عليه المكان الطاهر بالمتنجس فان القياس يقضى بأن حكمه حكم الثياب فمن تيقن نجاسة فى بعض بقاع المسجد والتبست لزمه أن يصليها مرتين فى بقعتين، كما ذكروا فى الثوبين، ولا يلزم ذلك الا فى المكان المنحصر كالمسجد والمنزل دون ما لا ينحصر أو يشق حصره فلا يلزم كما لا يلزم تحريم نساء غير منحصرات أو يشق انحصارهن.
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة (٢): وفى الدروس لو عدم أحد الثوبين المشتبهين صلى فى الباقى وقيل يصلى عاريا.
وفى جامع المقاصد أن اختيار المصنف هنا ضعيف.
وفى الذكرى وعلى القول بجواز الصلاة فى متيقن النجاسة تكفيه الصلاة فى الباقى.
стр. 3249
وفى حاشية الارشاد أن الصلاة بالثوب النجس أفضل من الصلاة عاريا.
وفى كشف اللثام ان بين تلف أحد الاناءين وتلف أحد الثوبين فرقا واضحا لوجود الساتر والشك فى نجاسته فى الثانى بخلاف الماء للطهارة فالشك فى وجود أصله ولذا قد يتخيل الاكتفاء بالصلاة بالثوب الباقى.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل نقلا عن الديوان أن من شك فى ثوبه أنه نجس فانه لا يتركه بالشك ولكن يصلى (١) به فان شاء بعد ذلك غسله وان شاء تركه بالشك ولم يصل به، ثم لو أراد بعد ذلك أن يصلى به من غير غسل فانه لا يصيب ذلك واما ان صلى به مرة ثم بعد ذلك زال عنه الشك فأراد أن يصلى به فلا بأس عليه.
وذكر فى الدفتر أنه يعيد بالنجس ثم يغسله.
وقيل يترك الشك بعد اثباته وحفظت أن شيخا شك فى ثوب فشرع فى غسله فأطارت الريح اليه ماء الغسل فترك الغسل وصلى به.
ولو اجتمع لديه ثوبان: أحدهما نجس والآخر حرير فان صلاته فى النجس أولى من الصلاة فى الحرير لأن الحرير منهى عنه لذاته والنجس منهى عن الصلاة به لمعنى فى غيره، وقيل: الصلاة فى الحرير أولى من النجس.
وثوب الريبة الطاهر ولو ريبة محققة ان اطمأن قلبه الى أنه لو علم صاحبه لرضى أولى من الصلاة فى ثوب الحرير وثوب مشرك لم يتيقن تنجيسه أولى من نجس، هذا هو الصحيح، لأن العلة النجس وما تيقن بنجاسته يؤخر عما شك فى نجاسته، وانما يستحسن تقديم النجس على ثوب المشرك ان كان ثوبه نجسا بالذات وليس كذلك (٢).
حكم الاشتباه فى اصابة النجاسة
مذهب الحنفية:
جاء فى المبسوط (٣): أن من سال عليه من موضع شئ ولا يدرى ما هو فغسله أحسن، لأن غسله لا يريبه وتركه يريبه، وقد قال النبى ﷺ : دع ما يريبك الى ما لا يريبك، فان تركه جاز، لأنه على يقين من الطهارة فى ثوبه، وفى شك من حقيقة النجاسة.
стр. 3250
فان كان فى أكبر رأيه أنه نجس غسله، لأن أكبر الرأى فيما لا تعلم حقيقته كاليقين.
وكان شيخنا الامام شمس الأئمة الحلوانى رحمه الله تعالى يقول فى بلدتنا لا بد من غسله لأن الظاهر أنه انما يراق البول أو الماء النجس من السطوح.
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الحطاب (١) انه اذا شك انسان فى اصابة النجاسة لثوب فهو على ثلاثة أوجه.
الأول أن يشك فى الاصابة نفسها أى هل اصابته النجاسة أم لا.
والثانى أن يتحقق من الاصابة ويشك فى المصيب هل هو نجس أم لا.
والثالث أن يشك فى الاصابة وفى نجاسة المصيب.
والوجه الأول أن المكلف اذا تحقق من نجاسة شئ وشك هل أصاب ذلك الشئ النجس ثوبه أو لم يصبه فانه يجب عليه أن ينضحه.
قال فى التوضيح وهذا القسم متفق فيه على النضح.
وقال ابن بشير يلزم النضح فيه بلا خلاف.
وحكى ابن رشد فى رسم البز من سماع ابن القاسم ان ابن لبابة ذهب الى غسل ما شك فيه من الابدان والثياب، ولم ير النضح الا مع الغسل فى الموضع الذى ورد فيه الحديث، يعنى قوله اغسل ذكرك وأنثييك وانضح.
وحكى ذلك عن ابن نافع.
قال ابن رشد وهو خروج عن المذهب.
ولعل ابن بشير لم يعتبره، ولهذا جزم بنفى الخلاف، الا أن قوله يلزم النضح بلا خلاف يقتضى وجوب النضح من غير خلاف.
وقد قال سند اختلف فى النضح هل هو واجب أو مستحب.
قال عبد الوهاب مستحب، لأنه لا يزيل شيئا.
وظاهر المذهب أنه واجب.
فتحصل من ذلك ثلاثة أقوال.
وجوب النضح.
واستحبابه.
ووجوب الغسل.
стр. 3251
وعلى الأول مشى خليل، لقول سند أنه ظاهر المذهب.
وكذا قال صاحب اللباب أنه ظاهر المذهب.
ودليله أمره ﵊ فى حديث الصحيحين ينضح الحصير الذى اسود من طول ما لبث، وذلك لحصول الشك فيه، وبقول عمر رضى الله تعالى عنه حين شك فى ثوبه هل أصابه منى: اغسل ما رأيت، وانضح ما لم تر.
وقال مالك فى المدونة مستدلا على ثبوت النضح بعمل الصحابة والتابعين: هو من أمر الناس.
فظاهر كلام صاحب الجمع ان ابن لبابة يقول بعدم وجوب الغسل، والنضح فيما شك فيه فانه قال وخالفنا الامام الشافعى وأبو حنيفة ووافقهما ابن لبابة هنا.
الوجه الثانى من أوجه الشك:
وهو ما اذا تحقق الاصابة وشك فى نجاسته.
والمشهور عدم النضح.
وقال الباجى انه المذهب.
وقيل فيه النضح، رواه ابن نافع عن مالك.
وعزاه ابن عرفة لرواية ابن القاسم.
واستظهره بعضهم قياسا على الوجه الأول، بجامع حصول الشك.
وأيضا فهو ظاهر قول مالك وهو طهور لكل ما شك فيه.
واستضعف ابن عبد السّلام النضح فى الوجه الاول بعدم وجوبه هنا.
ثم فرق بينهما بأنه قد يقال:
ان أكثر الموجودات من المائعات وغيرها طاهرة فالحاق هذا المصيب بالاعم الأغلب أولى ولأن هذا المصيب ان رجع فيه الى الأصل فالأصل الطهارة وان رجع الى الغالب فالغالب كذلك ولا كذلك فى القسم الأول فتأمله.
الوجه الثالث: وهو أن يشك فى الاصابة وفى نجاسة المصيب والنضح ساقط هنا اتفاقا، لأن الشك لما تركب من وجهين ضعف وقد ذكر خليل ﵀ هذا الفرع تتميما للمسألة ولو تركه لاستغنى عنه بما قبله.
وذكر الباجى ﵀ من أقسام الشك قسما آخر وهو اذا تحقق اصابة النجاسة وشك فى الازالة قال ولا خلاف فى وجوب الغسل، لأن النجاسة متيقنة فلا يرتفع حكمها: الا بيقين.
واختلف فى الجسد هل هو كالثوب، فاذا شك هل أصابته نجاسة أم لا وجب نضحه، أو ليس هو كالثوب، بل يجب غسله، قولان مشهوران.
стр. 3252
وعن القول الأول قال ابن شاس أنه ظاهر المذهب.
وقال ابن الحاجب انه هو الأصح.
وأخذ من قول مالك فى المدونة وهو طهور لكل ما شك فيه.
وعزاه ابن رشد لابن شعبان وضعفه
وقال ابن ناجى رحمه الله تعالى وهو مقتضى ما فى العتبية واختصار البرادعى
وعزاه عبد الحق لأبى عمران.
قال ابن عرفة ونقله المازرى عن المذهب.
والقول الثانى قال ابن عرفة أنه المشهور.
وجعله ابن رشد المذهب.
وعزا مقابله لابن شعبان، وضعفه.
وأخذ من قوله فى المدونة ولا يغسل أنثييه من المذى الا أن يخشى اصابته اياهما.
وقال فى التوضيح مقتضى كلامه فى البيان أن المذهب وجوب غسل الجسد، لأنه قال: وأصل مالك أن ما شك فى نجاسته من الأبدان لا يجزئ فيه الا الغسل بخلاف الثياب.
ومن الدليل عليه قوله ﷺ : اذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها فى الاناء، فان أحدكم لا يدرى أين باتت يده، فأمر بغسل اليد للشك فى نجاستها.
وفى الشرح الكبير (١): وان شك شخص فى اصابة النجاسة لثوب أو حصير أو خف أو نعل وجب نضحه، فلو غسله أجزاه، ومثله الظن الضعيف، فان قوى فالغسل، لا ان توهم، فلا شئ عليه، وان ترك النضح وصلى أعاد الصلاة كما يعيد الصلاة تارك غسل النجاسة المحققة.
قال الدسوقى والحاصل أنه يجب الغسل فى حالتين.
ما اذا تحقق الاصابة.
أو ظنها ظنا قويا.
ويجب النضح فى حالتين.
ما اذا شك فى الاصابة.
أو ظنها ظنا ضعيفا.
والحالة الخامسة وهى توهم الاصابة فهذه لا يجب فيها شئ.
أما اذا تحقق من الاصابة، ثم شك فى نجاسة المصيب، أو شك فى الاصابة والنجاسة فلا غسل ولا نضح، لأن الأصل الطهارة وعدم الاصابة.
стр. 3253
قال الدسوقى وهذا الحكم باتفاق، لأن الشك لما تركب من وجهين ضعف أمره.
مذهب الشافعية:
ذكر صاحب (١) نهاية المحتاج: أن من سنن الوضوء غسل كفيه الى كوعيه مع التسمية قبل المضمضة وان تيقن طهارتهما أو توضأ من اناء بالصب، فان لم يتيقن طهرهما بأن تردد فيه كره غمسهما فى الاناء الذى فيه مائع وان كثر. أو مأكول رطب أو ماء قليل قبل غسلهما ثلاثا، لخبر اذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الاناء حتى يغسلها ثلاثا، فانه لا يدرى أين باتت يده، رواه الشيخان.
والأمر بذلك انما هو لأجل توهم النجاسة، لأنهم كانوا أصحاب أعمال، ويستنجون بالأحجار، واذا ناموا جالت أيديهم، فربما وقعت على محل النجو، فاذا صادفت ماء قليلا نجسته، فهذا محمل الحديث، لا مجرد النوم كما ذكره المصنف فى شرح مسلم.
ويعلم منه أن من لم ينم واحتمل نجاسة يده فهو فى معنى النائم، وهو مأخوذ من كلامه.
وعلم مما تقرر أنه لو تيقن نجاسة يده كان الحكم بخلاف ذلك فيكون حراما وان قلنا بكراهة تنجس الماء القليل لما فيه من التضمخ بالنجاسة، وهو حرام، والغسلات المذكورة هى المطلوبة أول الوضوء، غير أنه أمر بفعلها خارج الاناء عند الشك، ولا تزول الكراهة الا بالثلاث، وان حصل تيقن الطهر بواحدة، لأن الشارع اذا غيا حكما بغاية، فانما يخرج عن العهدة منه باستيعابها.
ومحل عدم الكراهة عند تيقن طهرهما اذا كان مستندا ليقين غسلهما ثلاثا.
فلو كان غسلهما فيما مضى عن نجاسة متيقنة أو مشكوكة مرة أو مرتين كره غمسهما قبل اكمال الثلاث كما بحثه الأذرعى.
ولو كان الشك فى نجاسة مغلظة فالظاهر كما قاله بعض المتأخرين عدم زوال الكراهة الا بغسل اليد سبعا احداها بالتراب.
والحديث وكلام الأصحاب خرج مخرج الغالب.
مذهب الحنابلة:
قال صاحب (٢) المغنى: اذا سقط على انسان من طريق ماء لم يلزمه السؤال عنه، لأن الأصل طهارته.
стр. 3254
قال صالح سألت أبى عن الرجل يمر بالموضع فيقطر عليه قطرة أو قطرتان فقال: أن كان مخرجا - يعنى خلاء - فاغسله، وان لم يكن مخرجا فلا يسأل عنه، فان عمر رضى الله تعالى عنه مر هو وعمرو بن العاص على حوض فقال عمرو: يا صاحب الحوض أترد على حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فانا نرد عليها وترد علينا، رواه مالك فى الموطأ.
فان سأل فقال ابن عقيل: لا يلزم المسئول رد الجواب، لخبر عمر.
ويحتمل أن يلزمه، لأنه سأل عن شرط الصلاة فلزمه الجواب اذا علم كما لو سأل عن القبلة.
وخبر عمر رضى الله عنه يدل على أن سؤر السباع غير نجس.
وروى صاحب كشاف (١) القناع عن الأزجى أنه يوجب الجواب ان علم نجاسته قال فى الانصاف: وهو الصواب.
مذهب الزيدية:
قال فى شرح الأزهار (٢): متى علمنا طهارة شئ من ماء أو غيره علما يقينا لم ننتقل عن هذا اليقين بما يطرأ من الظنون الصادرة عن الامارة ما لم يحصل علم يقين بنجاسته. أو خبر عدل.
مثاله أن يأخذ الانسان ماء نابعا من الأرض أو نازلا من السماء فيضعه فى اناء ويغفل عنه، وعنده كلاب لا غير، ثم يأتى وقد نقص وترششت جوانب الاناء والكلاب تلمق فيظن أنها ولغت فيه فى غفلته، فانه لا يعمل بظنه، لأنه من طهارة الماء على يقين، فلا ينتقل عنه الا بيقين وكذا فى العكس.
ولو تيقن أن ثوبا أصابته نجاسة فيظن لما يرى فيه من أمارات الغسل أنه قد طهر، لم يعمل بذلك.
وهذا مذهب أبو طالب وتخريجه ليحيى ﵇.
فأما خبر العدل فانه يعمل به فى الطهارة وغيرها وان لم يفد الا الظن.
وقال فى الشرح يعمل بخبر الثقة، ولو لم يفد ظنا.
فان عارضه خبر ثقة آخر رجع الى الأصل من طهارة أو نجاسة.
قال المؤيد بالله أو ظن مقارب للعام
يعنى قال المؤيد بالله: يصح الانتقال عن اليقين فى الطهارة والنجاسة باليقين أو الظن المقارب له فيحكم بنجاسة الماء
стр. 3255
المتقدم ذكره وهذا مذهبه وتخريجه ليحيى ﵇.
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة (١): أن المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس فيمنع من استعماله اجماعا كما فى الخلاف وغيره، ولا يجوز الوضوء به اجماعا كما فى الغنية والتذكرة وغيرهما.
وفى الذخيرة الظاهر أنه لا خلاف فيه.
وفى المنتهى والتذكرة الاجماع صريحا فى الثوبين المشتبهين ويلوح من المستند العموم.
وفى الخلاف وغيرهما التعرض لخصوص الاناءين.
وفى الغنية عدم التفاوت بين الواحد والمتعدد وهو المنقول عن المفيد بل صرح فى المنتهى والتذكرة والتحرير بعدم الفرق بين أكثرية عدد الطاهر وعدمه.
وزاد فى التذكرة والتحرير اشتبه بالمنجس أو النجاسة سفرا وحضرا.
وظاهر المدارك دعوى الاجماع على أنه لا ينجس الماء لو تعلق الشك بوقوع النجاسة فى الماء وخارجه وقال أن الأصحاب معترفون بعدم وجوب الاجتناب فى غير المحصور.
والأمر كما قال، لأنا لم نجد فى ذلك خلافا.
والوجه فيه أن المستفاد من الأخبار بالنسبة الى الاشتباه بالمحصور أن تكون أفراد الاشتباه أمورا معلومة معينة بخلاف غير المحصور وهذا من الثانى.
ولك أن تقول أن القاعدة المذكورة انما تتعلق بالأفراد المندرجة تحت ماهية واحدة والجزئيات التى تحويها حقيقة واحدة لا وقوع الاشتباه كيفما اتفق.
وصرح فى المنتهى بأنه لو اشتبه أحد المشتبهين بعد انقلاب الآخر بطاهر وجب الاجتناب عنهما.
واستشكله بعضهم بأنه خارج عن محل النص.
ونقل الاجماع فى الخلاف والغنية على عدم جواز التحرى.
وبعض العامة قال: اذا زاد عدد الطاهر جاز وآخرون أوجبوا التحرى مطلقا.
وفى الخلاف وجوب التيمم مع فقد غيرهما وعمل الأصحاب كما فى الذخيرة والمدارك على بطلان صلاة من تمكن من تكرير الطهارة والصلاة أزيد من عدد النجس بواحد مع صب الماء على أعضاء الوضوء فى كل طهارة سوى الأولى،
стр. 3256
لازالة المحتمل من المتنجس، بما قبلها ففعل ذلك وصلى، وهو ظاهر التحرير وصريح الذكرى.
واحتمل الصحة فى نهاية الأحكام، ومال اليه فى المدراك.
وفى الذخيرة يمكن الاستدلال على وجوب هذا من الآية.
واحتمل المصنف فى النهاية وجوب ازالة النجاسة بواحد منهما مع عدم الانتشار، لأن شك النجاسة أولى من يقينها.
قال: ومع الانتشار اشكال وقوى أنه يجب عليه الاجتهاد وحينئذ فلا يجوز له أخذ أحدهما الا بعلامة تقتضى ظن طهارته ثم احتمل العدم.
ثم قال (١) ولو اشتبه المطلق بالمضاف تطهر بكل منهما طهارة على ما ذهب اليه الأصحاب كما فى المدارك.
وفى الذخيرة قطعوا بوجوب الطهارة بكل منهما وعليه نص فى المبسوط على ما نقل عنه وغيره.
ونقل فى المختلف عن القاضى: أنه قال لو اشتبه الماء المطلق بالمستعمل فى الكبرى فالأحوط ترك استعمالهما معا، والمستعمل فى الكبرى كالمضاف.
وفى نهاية الأحكام أنه لو اشتبه اناء المطلق بالمضاف لم يتطهر بأحدهما عند بعض علمائنا.
وجاء فى شرائع الاسلام (٢): أن المصلى اذا علم موضع النجاسة من الثوب غسل.
وان جهل موضعه غسل كل موضع يحصل فيه الاشتباه.
حكم الاشتباه فى الوضوء أو الغسل
مذهب الحنفية:
ذكر ابن عابدين (٣) أن المتوضئ لو شك فى ترك عضو من أعضاء وضوئه أعاد ما شك فيه، لو كان الشك فى خلال الوضوء، ولم يكن الشك عادة له.
فان لم يكن الشك فى خلال الوضوء، بل كان بعد الفراغ منه، أو كان الشك عادة له، وان كان فى خلاله فلا يعيد شيئا قطعا للوسوسة عنه كما فى التتارخانية وغيرها.
ولو علم أنه لم يغسل عضوا، وشك فى تعيينه غسل رجله اليسرى، لأنه آخر العمل.
стр. 3257
قال فى الفتح: ولا يخفى أن المراد اذا كان الشك بعد الفراغ من الوضوء.
وقياسه أنه لو كان الشك فى أثناء الوضوء فانه يغسل الأخير.
كما اذا علم أنه لم يغسل رجليه عينا وعلم أنه ترك فرضا مما قبلهما وشك فى أنه ما هو فانه يمسح رأسه.
واذا علم سبق (١) الطهارة وشك فى عروض الحدث بعدها، أو علم سبق الحدث وشك فى الطهارة بعده أخذ باليقين، وهو السابق.
قال فى الفتح: الا أن تأبد اللاحق.
فعن محمد أنه أن علم المتوضئ دخول الخلاء للحاجة، وشك فى قضائها قبل خروجه فان عليه الوضوء.
أو علم بأنه جلس للوضوء من اناء وشك فى اقامته قبل قيامه فلا وضوء عليه.
وفى حاشية الحموى عن فتح المدبر للعلامة محمد السمديسى: أن من تيقن بالطهارة والحدث وشك فى السابق، يؤمر بالتذكر فيما قبلهما.
فان كان محدثا فهو الآن متطهر، لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث وشك فى انتقاضها، لأنه لا يدرى هل الحدث الثانى قبلها أو بعدها.
وان كان متطهرا فان كان يعتاد التجديد فهو الآن محدث، لأنه متيقن حدثا بعد تلك الطهارة وشك فى زواله، لأنه لا يدرى هل الطهارة الثانية متأخرة عنه أم لا بأن يكون والى بين الطهارتين.
وجاء فى المبسوط (٢): أن من توضأ وبزق فخرج من بزاقه دم.
فان كان البزاق هو الغالب فلا وضوء عليه، لأن الدم ما خرج بقوة نفسه، وانما أخرجه البزاق والحكم للغالب.
وان كان الدم هو الغالب فعليه الوضوء، لأنه خارج بقوة نفسه.
وان كانا سواء ففى القياس لا وضوء عليه، لأنه تيقن بصفة الطهارة وهو فى شك من الحدث.
ولكنه استحسن فقال: البزاق سائل بقوة نفسه، فما ساواه يكون سائلا بقوة نفسه أيضا.
ثم اعتبار أحد الجانبين يوجب الوضوء واعتبار الجانب الآخر لا يوجب الوضوء فالأخذ بالاحتياط أولى، لقوله ﷺ : ما اجتمع الحلال
стр. 3258
والحرام فى شئ الا وقد غلب الحرام الحلال.
وقال صاحب بدائع الصنائع: الأخذ بالاحتياط عند الاشتباه واجب فى ذلك
وفى الكتاب قال: أحب الى أن يعيد الوضوء وهو اشارة الى أنه غير واجب وهو اختيار محمد بن ابراهيم الميدانى.
وأكثر المشايخ على أنه يجب الوضوء لما بينا.
وجاء فى الفتاوى الهندية (١): أنه اذا استيقظ الرجل ووجد على فراشه أو فخذه بللا وهو يتذكر احتلاما فان شك فى أنه منى أو مذى فعليه الغسل.
وان استيقظ فرأى بللا، الا أنه لم يتذكر الاحتلام، ثم شك فى أنه منى أو مذى ففى حكمه قولان.
أحدهما: ما قال به أبو يوسف رحمه الله تعالى، وهو أنه لا يجب عليه الغسل حتى يتيقن بالاحتلام، لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب الغسل الا بيقين، وهو القياس.
وثانيهما: ما قال به أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وهو أنه يجب عليه الغسل أخذا بالاحتياط، لأن النائم غافل، والمنى قد يرق بالهواء، فيصير مثل المذى فيجب عليه الغسل احتياطا.
وهكذا ذكره شيخ الاسلام.
وقال القاضى الامام ابو على النسفى ذكر هشام فى نوادره عن محمد أنه اذا استيقظ الرجل فوجد بللا فى احليله ولم يتذكر حلما فان كان ذكره منتشرا قبل النوم فلا غسل عليه الا أن تيقن أنه منى وان كان ذكره ساكنا قبل النوم فعليه الغسل.
واذا وجد فى الفراش منى ويقول الزوج هو من المرأة وتقول المرأة هو من الزوج فالأصح أنه يجب الغسل عليهما احتياطا كذا فى الظهيرية.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج (٢) والاكليل: أن ابن يونس قال من شك فى بعض وضوئه فليغسل ما شك فيه.
ولو أيقن بالوضوء ثم شك فلم يدر أأحدث بعد الوضوء أم لا فليعد
стр. 3259
وضوءه الا أن يكون كثير الشك فلا يلزمه اعادة شئ من وضوء ولا صلاة.
قال ابن حبيب: واذا خيل اليه أن ريحا خرج منه فلا يتوضأ الا أن يوقن به وكذلك ان دخله الشك بالحس وأتى بالحديث.
ثم قال: أما ان شك هل بال أو أحدث أم لا فهذا يعيد الوضوء.
ومن أيقن بالوضوء وشك فى الحدث ابتدأ الوضوء، كأن الشك طرأ عليه فى هذه المسألة بعد دخوله فى الصلاة فوجب أن لا ينصرف. عنها الا بيقين.
أما ان طرأ عليه الشك فى طهارته قبل دخوله فى الصلاة فيجب أن لا يدخل فيها الا بطهارة متيقنة.
وقال أبو عمر فى حديث: اذا شك أحدكم فى صلاته فلم يدركم صلى أثلاثا أم أربعا، فليصل ركعة ويسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، فان كانت الركعة التى صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وان كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان.
قال: فى هذا الحديث أصل عظيم يطرد فى أكثر الأحكام، وهو أن اليقين لا يزيله شك، وان الشئ مبنى على أصله المعروف حتى يزيله بيقين لا شك معه، والأصل فى الظهر أربع ركعات فلا يبرئه الا يقين مثله.
وقد غلط بعضهم فظن أن الشك أوجب الاتيان بالركعة.
وهذا غلط، بل اليقين أنها أربع أوجب عليه اتمامها.
يرجحه حديث: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، فلم ينقله ﷺ عن أصل طهارته المتيقنة بشك عرض له حتى يستيقن الحدث.
الا أن مالكا قال: من أيقن بالوضوء وشك فى الحدث ابتدأ الوضوء ولم يتابعه على هذا غيره.
وخالف ابن نافع وقال: لا وضوء عليه.
وهو قول سائر الفقهاء.
وأجمعوا أيضا على أنه اذا أيقن بالحدث وشك فى الوضوء فان شكه لا يفيد فائدة وعليه الوضوء.
وقال أبو الفرج الوضوء عند مالك فى ذلك انما هو استحباب واحتياط.
وقال فى موطئه فيمن وجد فى ثوبه احتلاما وقد بات فيه ليالى وأياما أنه لا يعيد صلاة ولا يغتسل الا من آخر نوم نامه.
قال أبو عمر وهذا يرد قوله فيمن أيقن بالوضوء وشك فى الحدث أنه يتوضأ.
стр. 3260
وعبارة الباجى ما صلى قبل تلك النومة هو فيها شاك، وهذا الشك انما طرأ بعد اكمال الصلاة وبراءة الذمة منها. فيه قولان.
أحدهما: أنه غير مؤثر فيها، كما لو سلم من الصلاة ثم شك هل أحدث بعد طهارته فلا شئ عليه، لأنه شك طرأ بعد تيقن سلامة العبادة.
والثانى: ان الشك يؤثر فيعيد من أول نومة وفى التمهيد نهى عن صوم يوم الشك اطراحا لأعمال الشك.
وهذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الانسان ما هو عليه من الحال المتيقنة الا بيقين فى انتقالها.
وذكر فى الفروق فى الفرق الرابع والأربعين الفرق بين الشك فى السبب والشك فى الشرط وقد أشكل على جمع من الفضلاء قال: شرع الشارع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشك وهو ثلاثة.
مجمع على اعتباره كمن شك فى الشاة المذكاة والميتة وكمن شك فى الأجنبية وأخته من الرضاعة.
ومجمع على الغائه كمن شك هل طلق أم لا وهل سها فى صلاته أم لا فالشك هنا لغو.
وقسم ثالث اختلف العلماء فى نصبه سببا كمن شك هل أحدث أم لا اعتبره مالك دون الشافعى وكمن حلف يمينا وشك ما هى ومن شك هل طلق واحدة أو ثلاثا.
وقال فى الفرق العاشر: بين الشك فى السبب والشك فى الشرط فرق.
الشك فى الطهارة شك فى شرط والشك فى الطلاق شك فى سبب، اذ الطلاق سبب زوال العصمة.
والقاعدة كل مشكوك اجعله كالعدم.
يبقى البحث فيمن أيقن بالوضوء وشك فى الحدث.
وقال ابن العربى لو تيقن طهرا وحدثا وشك فى السابق منهما فلا نص لعلمائنا.
وجاء فى حاشية (١) الدسوقى: أنه ان شك من وجد بفرجه أو ثوبه أو فخذه شيئا من بلل أو أثر، أمذى هو أو منى وكان شكه فيهما مستويا وجب عليه الاغتسال احتياطا.
وان لم يكن الشك فيهما مستويا عمل بمقتضى الراجح منهما، كمن تيقن الطهارة وشك فى الحدث.
ولو وجد هذا الشخص الشئ الذى شك فيه هل هو منى أو مذى فى ثوبه واشتبه عليه