لازالة المحتمل من المتنجس، بما قبلها ففعل ذلك وصلى، وهو ظاهر التحرير وصريح الذكرى.
واحتمل الصحة فى نهاية الأحكام، ومال اليه فى المدراك.
وفى الذخيرة يمكن الاستدلال على وجوب هذا من الآية.
واحتمل المصنف فى النهاية وجوب ازالة النجاسة بواحد منهما مع عدم الانتشار، لأن شك النجاسة أولى من يقينها.
قال: ومع الانتشار اشكال وقوى أنه يجب عليه الاجتهاد وحينئذ فلا يجوز له أخذ أحدهما الا بعلامة تقتضى ظن طهارته ثم احتمل العدم.
ثم قال (١) ولو اشتبه المطلق بالمضاف تطهر بكل منهما طهارة على ما ذهب اليه الأصحاب كما فى المدارك.
وفى الذخيرة قطعوا بوجوب الطهارة بكل منهما وعليه نص فى المبسوط على ما نقل عنه وغيره.
ونقل فى المختلف عن القاضى: أنه قال لو اشتبه الماء المطلق بالمستعمل فى الكبرى فالأحوط ترك استعمالهما معا، والمستعمل فى الكبرى كالمضاف.
وفى نهاية الأحكام أنه لو اشتبه اناء المطلق بالمضاف لم يتطهر بأحدهما عند بعض علمائنا.
وجاء فى شرائع الاسلام (٢): أن المصلى اذا علم موضع النجاسة من الثوب غسل.
وان جهل موضعه غسل كل موضع يحصل فيه الاشتباه.
حكم الاشتباه فى الوضوء أو الغسل
مذهب الحنفية:
ذكر ابن عابدين (٣) أن المتوضئ لو شك فى ترك عضو من أعضاء وضوئه أعاد ما شك فيه، لو كان الشك فى خلال الوضوء، ولم يكن الشك عادة له.
فان لم يكن الشك فى خلال الوضوء، بل كان بعد الفراغ منه، أو كان الشك عادة له، وان كان فى خلاله فلا يعيد شيئا قطعا للوسوسة عنه كما فى التتارخانية وغيرها.
ولو علم أنه لم يغسل عضوا، وشك فى تعيينه غسل رجله اليسرى، لأنه آخر العمل.
стр. 3257
قال فى الفتح: ولا يخفى أن المراد اذا كان الشك بعد الفراغ من الوضوء.
وقياسه أنه لو كان الشك فى أثناء الوضوء فانه يغسل الأخير.
كما اذا علم أنه لم يغسل رجليه عينا وعلم أنه ترك فرضا مما قبلهما وشك فى أنه ما هو فانه يمسح رأسه.
واذا علم سبق (١) الطهارة وشك فى عروض الحدث بعدها، أو علم سبق الحدث وشك فى الطهارة بعده أخذ باليقين، وهو السابق.
قال فى الفتح: الا أن تأبد اللاحق.
فعن محمد أنه أن علم المتوضئ دخول الخلاء للحاجة، وشك فى قضائها قبل خروجه فان عليه الوضوء.
أو علم بأنه جلس للوضوء من اناء وشك فى اقامته قبل قيامه فلا وضوء عليه.
وفى حاشية الحموى عن فتح المدبر للعلامة محمد السمديسى: أن من تيقن بالطهارة والحدث وشك فى السابق، يؤمر بالتذكر فيما قبلهما.
فان كان محدثا فهو الآن متطهر، لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث وشك فى انتقاضها، لأنه لا يدرى هل الحدث الثانى قبلها أو بعدها.
وان كان متطهرا فان كان يعتاد التجديد فهو الآن محدث، لأنه متيقن حدثا بعد تلك الطهارة وشك فى زواله، لأنه لا يدرى هل الطهارة الثانية متأخرة عنه أم لا بأن يكون والى بين الطهارتين.
وجاء فى المبسوط (٢): أن من توضأ وبزق فخرج من بزاقه دم.
فان كان البزاق هو الغالب فلا وضوء عليه، لأن الدم ما خرج بقوة نفسه، وانما أخرجه البزاق والحكم للغالب.
وان كان الدم هو الغالب فعليه الوضوء، لأنه خارج بقوة نفسه.
وان كانا سواء ففى القياس لا وضوء عليه، لأنه تيقن بصفة الطهارة وهو فى شك من الحدث.
ولكنه استحسن فقال: البزاق سائل بقوة نفسه، فما ساواه يكون سائلا بقوة نفسه أيضا.
ثم اعتبار أحد الجانبين يوجب الوضوء واعتبار الجانب الآخر لا يوجب الوضوء فالأخذ بالاحتياط أولى، لقوله ﷺ : ما اجتمع الحلال
стр. 3258
والحرام فى شئ الا وقد غلب الحرام الحلال.
وقال صاحب بدائع الصنائع: الأخذ بالاحتياط عند الاشتباه واجب فى ذلك
وفى الكتاب قال: أحب الى أن يعيد الوضوء وهو اشارة الى أنه غير واجب وهو اختيار محمد بن ابراهيم الميدانى.
وأكثر المشايخ على أنه يجب الوضوء لما بينا.
وجاء فى الفتاوى الهندية (١): أنه اذا استيقظ الرجل ووجد على فراشه أو فخذه بللا وهو يتذكر احتلاما فان شك فى أنه منى أو مذى فعليه الغسل.
وان استيقظ فرأى بللا، الا أنه لم يتذكر الاحتلام، ثم شك فى أنه منى أو مذى ففى حكمه قولان.
أحدهما: ما قال به أبو يوسف رحمه الله تعالى، وهو أنه لا يجب عليه الغسل حتى يتيقن بالاحتلام، لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب الغسل الا بيقين، وهو القياس.
وثانيهما: ما قال به أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وهو أنه يجب عليه الغسل أخذا بالاحتياط، لأن النائم غافل، والمنى قد يرق بالهواء، فيصير مثل المذى فيجب عليه الغسل احتياطا.
وهكذا ذكره شيخ الاسلام.
وقال القاضى الامام ابو على النسفى ذكر هشام فى نوادره عن محمد أنه اذا استيقظ الرجل فوجد بللا فى احليله ولم يتذكر حلما فان كان ذكره منتشرا قبل النوم فلا غسل عليه الا أن تيقن أنه منى وان كان ذكره ساكنا قبل النوم فعليه الغسل.
واذا وجد فى الفراش منى ويقول الزوج هو من المرأة وتقول المرأة هو من الزوج فالأصح أنه يجب الغسل عليهما احتياطا كذا فى الظهيرية.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج (٢) والاكليل: أن ابن يونس قال من شك فى بعض وضوئه فليغسل ما شك فيه.
ولو أيقن بالوضوء ثم شك فلم يدر أأحدث بعد الوضوء أم لا فليعد
стр. 3259
وضوءه الا أن يكون كثير الشك فلا يلزمه اعادة شئ من وضوء ولا صلاة.
قال ابن حبيب: واذا خيل اليه أن ريحا خرج منه فلا يتوضأ الا أن يوقن به وكذلك ان دخله الشك بالحس وأتى بالحديث.
ثم قال: أما ان شك هل بال أو أحدث أم لا فهذا يعيد الوضوء.
ومن أيقن بالوضوء وشك فى الحدث ابتدأ الوضوء، كأن الشك طرأ عليه فى هذه المسألة بعد دخوله فى الصلاة فوجب أن لا ينصرف. عنها الا بيقين.
أما ان طرأ عليه الشك فى طهارته قبل دخوله فى الصلاة فيجب أن لا يدخل فيها الا بطهارة متيقنة.
وقال أبو عمر فى حديث: اذا شك أحدكم فى صلاته فلم يدركم صلى أثلاثا أم أربعا، فليصل ركعة ويسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، فان كانت الركعة التى صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وان كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان.
قال: فى هذا الحديث أصل عظيم يطرد فى أكثر الأحكام، وهو أن اليقين لا يزيله شك، وان الشئ مبنى على أصله المعروف حتى يزيله بيقين لا شك معه، والأصل فى الظهر أربع ركعات فلا يبرئه الا يقين مثله.
وقد غلط بعضهم فظن أن الشك أوجب الاتيان بالركعة.
وهذا غلط، بل اليقين أنها أربع أوجب عليه اتمامها.
يرجحه حديث: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، فلم ينقله ﷺ عن أصل طهارته المتيقنة بشك عرض له حتى يستيقن الحدث.
الا أن مالكا قال: من أيقن بالوضوء وشك فى الحدث ابتدأ الوضوء ولم يتابعه على هذا غيره.
وخالف ابن نافع وقال: لا وضوء عليه.
وهو قول سائر الفقهاء.
وأجمعوا أيضا على أنه اذا أيقن بالحدث وشك فى الوضوء فان شكه لا يفيد فائدة وعليه الوضوء.
وقال أبو الفرج الوضوء عند مالك فى ذلك انما هو استحباب واحتياط.
وقال فى موطئه فيمن وجد فى ثوبه احتلاما وقد بات فيه ليالى وأياما أنه لا يعيد صلاة ولا يغتسل الا من آخر نوم نامه.
قال أبو عمر وهذا يرد قوله فيمن أيقن بالوضوء وشك فى الحدث أنه يتوضأ.
стр. 3260
وعبارة الباجى ما صلى قبل تلك النومة هو فيها شاك، وهذا الشك انما طرأ بعد اكمال الصلاة وبراءة الذمة منها. فيه قولان.
أحدهما: أنه غير مؤثر فيها، كما لو سلم من الصلاة ثم شك هل أحدث بعد طهارته فلا شئ عليه، لأنه شك طرأ بعد تيقن سلامة العبادة.
والثانى: ان الشك يؤثر فيعيد من أول نومة وفى التمهيد نهى عن صوم يوم الشك اطراحا لأعمال الشك.
وهذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الانسان ما هو عليه من الحال المتيقنة الا بيقين فى انتقالها.
وذكر فى الفروق فى الفرق الرابع والأربعين الفرق بين الشك فى السبب والشك فى الشرط وقد أشكل على جمع من الفضلاء قال: شرع الشارع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشك وهو ثلاثة.
مجمع على اعتباره كمن شك فى الشاة المذكاة والميتة وكمن شك فى الأجنبية وأخته من الرضاعة.
ومجمع على الغائه كمن شك هل طلق أم لا وهل سها فى صلاته أم لا فالشك هنا لغو.
وقسم ثالث اختلف العلماء فى نصبه سببا كمن شك هل أحدث أم لا اعتبره مالك دون الشافعى وكمن حلف يمينا وشك ما هى ومن شك هل طلق واحدة أو ثلاثا.
وقال فى الفرق العاشر: بين الشك فى السبب والشك فى الشرط فرق.
الشك فى الطهارة شك فى شرط والشك فى الطلاق شك فى سبب، اذ الطلاق سبب زوال العصمة.
والقاعدة كل مشكوك اجعله كالعدم.
يبقى البحث فيمن أيقن بالوضوء وشك فى الحدث.
وقال ابن العربى لو تيقن طهرا وحدثا وشك فى السابق منهما فلا نص لعلمائنا.
وجاء فى حاشية (١) الدسوقى: أنه ان شك من وجد بفرجه أو ثوبه أو فخذه شيئا من بلل أو أثر، أمذى هو أو منى وكان شكه فيهما مستويا وجب عليه الاغتسال احتياطا.
وان لم يكن الشك فيهما مستويا عمل بمقتضى الراجح منهما، كمن تيقن الطهارة وشك فى الحدث.
ولو وجد هذا الشخص الشئ الذى شك فيه هل هو منى أو مذى فى ثوبه واشتبه عليه
стр. 3261
الأمر، ولم يدر أى نومة حصل فيها هذا اغتسل وأعاد صلاته من آخر نومة نامها فيه سواء كان ينزعه أو لا كتحققه أنه منى ولم يدر وقت حصوله.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (١): أن من تيقن الطهارة وشك فى الحدث بنى على يقين الطهارة، لأن الطهارة يقين فلا يزال ذلك بالشك، لقول النبى ﷺ «إذا وجد أحدكم فى بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا رواه مسلم.
وان تيقن الحدث وشك فى الطهارة بنى على يقين الحدث لأن الحدث يقين فلا يزال بالشك.
وان تيقن الطهارة والحدث وشك فى السابق منهما نظر.
فان كان قبلهما طهارة فهو الآن محدث، لأنه قد تيقن أن الطهارة قبلهما ورد عليها حدث فأزالها وهو يشك هل ارتفع هذا الحدث بطهارة بعده أم لا فلا يزال يقين الحدث بالشك ..
وان كان قبلهما حدث فهو الآن متطهر، لأنه قد تيقن أن الحدث قبلهما قد ورد عليه طهارة فأزالته وهو يشك هل ارتفعت هذه الطهارة بحدث بعدها أم لا فلا يزال يقين الطهارة بالشك
وهذا كما نقول فى رجل أقام بينة بدين وأقام المدعى عليه بينة بالبراءة فانا نقدم بينة البراءة، لأنا تيقنا أن البراءة وردت على دين واجب فازالته ونحن نشك هل اشتغلت ذمته بعد البراءة بدين بعدها فلا نزيل يقين البراءة بالشك.
وجاء فى موضع (٢) آخر: لو شك هل أحدث أولا فتوضا ثم بان أنه كان محدثا لم يصح وضوؤه.
ثم قال (٣): ولو توضأ الشاك بعد وضوئه فى حدثه محتاطا فبان محدثا لم يجزه للتردد فى النية من غير ضرورة كما لو قضى فائتة شاكا فى كونها عليه، ثم تبين أنها عليه حيث لا تكفيه، أما اذا لم يتبين حدثه فانه يجزئه للضرورة.
ولو توضأ من شك فى وضوئه بعد حدثه أجزأه وان كان مترددا لأن الأصل بقاء الحدث، وقد فعل واجبا، بل لو نوى فيها ان كان محدثا فعن حدثه، والا فتجديد صح أيضا وان تذكر كما نقله فى المجموع عن البغوى وأقره.
وجاء فيه (٤) أيضا أنه لا مسح لشاك فى بقاء المدة كأن نسى ابتداءها،
стр. 3262
أو أنه مسح حضرا أو سفر لأن المسح رخصة فاذا شك فيها رجع للأصل وهو الغسل ..
وجاء فى (١) المهذب: أنه ان احتلم الشخص ولم ير المنى أو شك هل خرج المنى لم يلزمه الغسل.
وان رأى المنى ولم يذكر احتلاما لزمه الغسل، لما روت عائشة رضى الله تعالى
عنها أن النبى ﷺ سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل قال: لا غسل عليه.
وان رأى المنى فى فراش نام فيه هو وغيره لم يلزمه الغسل، لأن الغسل لا يجب بالشك ..
والأولى أن يغتسل.
وان كان لا ينام فيه غيره لزمه الغسل وأعاد الصلاة من آخر يوم نام فيه.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): أن من تيقن الطهارة وشك فى الحدث أو تيقن الحدث وشك فى الطهارة بنى على اليقين، ولو عارضه ظن، ولو فى غير صلاة.
فان تيقنهما وجهل أسبقهما فهو على ضد حاله قبلهما فان جهل حاله قبلهما تطهر، وان تيقن فعلهما رفعا لحدث ونقضا لطهارة وجهل أسبقهما فعلى مثل حاله قبلهما، وكذا لو تيقنهما وعين وقتا لا يسعهما سقط اليقين لتعارضه.
وجاء فيه أيضا (٣): أنه لا يضر شك المتوضئ فى النية بعد فراغ الطهارة كسائر العبادات أو شكه فى غسل عضو أو مسحه بعد الفراغ من الطهارة نصا كشكه فى وجود الحدث مع تيقن الطهارة.
وان شك فى النية فى أثناء الطهارة لزمه استئنافها، لأن الأصل أنه لم يأت بها.
وكذا ان شك فى غسل عضو فى أثناء طهارته أو شك فى مسح رأسه فى أثناء الطهارة لزمه أن يأتى بما شك فيه ثم بما بعده لأن الأصل أنه لم يأت به كما لو شك فى ركن فى الصلاة.
وجاء فى المغنى (٤): أنه اذا انتبه الرجل من النوم فوجد بللا لا يعلم هل هو منى أو غيره فقال أحمد اذا وجد بلة اغتسل الا أن يكون به أبردة أو لاعب أهله فانه ربما خرج منه مذى فأرجو أن لا يكون به بأس.
стр. 3263
كذلك ان كان انتشر من أول الليل بتذكر أو رؤية لا غسل عليه.
وهو قول الحسن، لأنه مشكوك فيه يحتمل أنه مذى وقد وجد سببه فلا يوجب الغسل مع الشك.
وان لم يكن وجد ذلك فعليه الغسل، لخبر عائشة رضى الله تعالى عنها لأن الظاهر أنه احتلام وقد توقف أحمد فى هذه المسألة فى مواضع ..
وقال مجاهد وقتادة لا غسل عليه حتى يوقن بالماء الدافق قال قتادة يشمه وهذا هو القياس، لأن اليقين بقاء الطهارة فلا يزول بالشك.
والأولى الاغتسال لموافقة الخبر وازالة الشك.
فان رأى فى ثوبه منيا وكان هذا الثوب مما لا ينام فيه غيره فعليه الغسل، لأن عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه فى ثوبيهما، ولأنه لا يحتمل أن يكون الا منه.
ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها فيه.
الا أن يرى أمارة تدل على أنه قبلها فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها.
وان كان الرائى له غلاما يمكن وجود المنى منه كابن اثنتى عشرة سنة فهو كالرجل، لأنه وجد دليله وهو محتمل للوجود.
وان كان أقل من ذلك فلا غسل عليه، لأنه لا يحتمل فيتعين حمله على أنه من غيره ..
فأما أن وجد الرجل منيا فى ثوب ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم فلا غسل على واحد منهما، لأن كل واحد منهما بالنظر اليه مفردا يحتمل أن لا يكون منه فوجوب الغسل عليه مشكوك فيه، وليس لأحدهما أن يأتم بصاحبه، لأن أحدهما جنب يقينا فلا تصح صلاتهما.
مذهب الظاهرية:
ذكر صاحب (١) المحلى: أن من أيقن بالوضوء والغسل ثم شك هل أحدث أو كان منه ما يوجب الغسل أم لا؟ فهو على طهارته، وليس عليه أن يجدد غسلا ولا وضوءا، فلو اغتسل وتوضأ ثم أيقن أنه كان محدثا أو مجنبا أو انه قد أتى بما يوجب الغسل لم يجزه الغسل ولا الوضوء اللذان أحدثا بالشك، وعليه أن يأتى بغسل آخر، ووضوء آخر ..
ومن أيقن بالحدث وشك فى الوضوء أو الغسل، فعليه أن يأتى بما شك فيه من ذلك، فان لم يفعل وصلى بشكه ثم أيقن أنه لم يكن محدثا ولا كان عليه غسل لم تجزه صلاته تلك أصلا ..
وذلك لقول الله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً»
стр. 3264
«وقال رسول الله ﷺ :
اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث.
قال على: فان توضأ كما ذكرنا وهو شاك فى الحدث ثم أيقن بأنه كان أحدث لم يجزه ذلك الوضوء لأنه لم يتوضأ الوضوء الواجب عليه وانما توضأ وضوءا لم يؤمر به ولا ينوب وضوء لم يأمر الله به عن وضوء أمر الله تعالى به.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح (١) الأزهار: أنه لا يرتفع يقين الطهارة والحدث الا بيقين أو خبر عدل اذ لا فرق بينهما.
وعلى هذا فان من تيقن الطهارة لم ينتقل عن هذا اليقين بما يعرض له من شك أو ظن فيعمل بالطهارة حتى يتيقن ارتفاعها.
أما من تيقن الحدث ثم تعقبه شك فى وقوع الطهارة فانه لا يكفى بل يجب الوضوء.
قال فى الزوائد اجماعا.
ومن تيقن الطهارة والحدث وشك فى السابق توضأ رجوعا الى الأصل، بخلاف ما اذا تيقن موجب الغسل ورافعه فأنه لا يجب الغسل، لأن الأصل الطهارة.
فان تيقن الحدث ثم تعقبه ظن الطهارة فعندنا أنه كالشك فمن لم يتيقن غسل عضو من أعضاء الوضوء قطعى الدليل على وجوب غسله أعاد غسل ذلك العضو وما بعده لأجل الترتيب.
ولو حصل له ظن بأنه قد غسله لم يكتف بذلك الظن بل يعيد فى الوقت المضروب للصلاة التى ذلك الوضوء لأجلها، سواء كان قد صلى أو لم يصل، فانه يعيده، والصلاة مهما بقى الوقت، ويعيد غسله بعد الوقت أيضا، والصلاة قضاء ان ظن تركه فيعيد صلاة يومه والأيام الماضية أيضا، وكذا يعيد غسله بعد الوقت والصلاة قضاء ان ظن فعل الغسل لذلك العضو أو شك هل كان غسله أم لم يغسله الا للأيام الماضية فانه لا يقضى صلاتها اذا غلب فى ظنه أنه كان قد غسل ذلك العضو أو شك، وانما يعيد صلاة يومه أداء وقضاء ..
قيل: ويعيد صلاة ليلته، لأن الليلة تتبع اليوم والعكس للعرف.
وقيل أن الليلة لا تتبع اليوم فلا يقضى من ذلك اليوم الا الفجر فقط ..
وقال البعض: لا حكم للشك بعد انقضاء الوقت فلا يعيد من الصلاة الا ما بقى وقته.
وقيل اذا فرغ من صلاته فلا حكم لشكه فى الوضوء كما لا حكم لشكه فى الصلاة بعد فراغه منها.
стр. 3265
قال مولانا ﵇، وهذا ليس بصحيح، لأن الشاك فى عضو كالشاك فى جملة الصلاة والشاك فى جملتها يعيد مطلقا.
فأما من لم يتيقن غسل عضو ظنى - وهو الذى دليل وجوب غسله ظنى - فلا يعيد غسله الا فى وقت الصلاة التى غسله لأجلها لا بعد خروجه ان ظن المتوضئ تركه فان كان قد فعل الصلاة أعادها أيضا ان كان وقتها باقيا.
وأما من شك فى غسل عضو ظنى أعاد غسله وما بعده لصلاة مستقبلة ليس ذلك المتوضئ داخلا فيها فأما الصلاة المستقبلة التى قد دخل فيها فلا يعيده لها، لأن الدخول فيها كالحكم بصحتها ان شك فى غسل ذلك العضو الظنى.
وقال أبو جعفر يعيد للمستقبلة والتى هو فيها لا للماضية.
وقال أبو الفضل الناصر: وللماضية أيضا ان بقى وقتها.
وجاء فى شرح (١) الأزهار أن من يتوضأ ونسى التسمية ثم ذكرها فى أثناء الوضوء فلو التبس عليه العضو الذى ذكرها عنده فالأقرب أنه يعيد الوضوء من أوله.
وفى الغيث يجب أن يعود الى آخر عضو وهى الرجل اليسرى ..
ثم قال (٢): ولو شك فى وضوء نواه لصلاة الظهر فقط وأعاد بنية مشروطة وقال فى الشرط لصلاة الظهر ان لم تصح الأولى والا فلصلاة العصر لا كلام أنه يجزيه للظهر وهل يجزيه للعصر أم لا؟، التحقيق أنه لا يجزيه.
وقال صاحب البحر الزخار: لا بد من تيقن المنى فى وجوب الغسل ويكفى طن الشهوة اذ سئل النبى ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام فقال يغتسل لا العكس اذ لا دليل، والأصل الطهارة.
أما اذا خرج المنى بعد الغسل فانه لا يوجبه لعدم اقتران الشهوة ..
قال الامام يحيى: خروج المنى يوجبه مطلقا لما مر.
وفى المذهب أن المنى ان خرج قبل البول أوجب الغسل اذ هو من الأول لا بعده.
قال الأكثر ولا شئ فى الشهوة ما لم يمن، لقول النبى ﷺ لمن احتلم ولم يجد بللا لا غسل عليك.
ولا وجه لمن يقول بأن الشهوة دليل الانتقال وتأخره نادر لأن العبرة بالبروز لقوله ﷺ : اذا فضخت الماء فاغتسل، هذا ويجب أن يغتسل
стр. 3266
ان تيقن المنى فى ثوب لم يلبسه غيره ولا اغتسل بعد أقرب نومة عن جنابة ولم يحوزه من غيره، وذلك لقول النبى ﷺ لمن وجد البلل ولم يذكر الاحتلام يغتسل ..
هذا ويغتسل الخنثى ان خرج من فرجيه.
وفى خروجه من أحدهما وجهان.
وخروجه من الدبر لا يوجب، اذ لا شهوة (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة (٢) البهية: أن على الشاك فى الوضوء فى أثنائه أن يستأنف والمراد بالشك فيه نفسه فى الأثناء، الشك فى نيته، لأنه اذا شك فيها فالأصل عدمها، ومع ذلك لا يعتد بما وقع من الأفعال بدونها، وبهذا صدق الشك فيه فى أثنائه.
وأما الشك فى أنه هل توضأ أو هل شرع فيه أم لا، فلا يتصور تحققه فى الأثناء.
والشاك فى الوضوء بالمعنى المذكور بعد الفراغ منه لا يلتفت اليه، كما لو شك فى غيرها من الأفعال.
والشاك فى البعض يأتى بذلك البعض المشكوك فيه اذا وقع الشك حال الوضوء بحيث لم يكن فرغ منه.
وان كان قد تجاوز ذلك البعض الا مع الجفاف للأعضاء السابقة عليه فيعيد لفوات الموالاة.
ولو شك فى بعضه بعد انتقاله عنه وفراغه منه لا يلتفت اليه، والحكم منصوص متفق عليه.
والشاك فى الطهارة مع تيقن الحدث محدث لأصالة عدم الطهارة.
والشاك فى الحدث مع تيقن الطهارة متطهر أخذا بالمتيقن.
والشاك فيهما أى فى المتأخر منهما مع تيقن وقوعهما محدث لتكافؤ الاحتمالين.
ولا فرق بين أن يعلم حاله قبلهما بالطهارة أو بالحدث أو يشك.
وربما قيل بأنه يأخذ مع علمه بحاله ضد ما علمه، لأنه ان كان متطهرا فقد علم نقض تلك الحالة، وشك فى ارتفاع الناقض، لجواز تعاقب الطهارتين، وان كان محدثا فقد علم انتقاله عنه بالطهارة، وشك فى انتقاضها بالحدث، لجواز تعاقب الأحداث.
стр. 3267
ويشكل بأن المتيقن حينئذ ارتفاع الحدث السابق، أما اللاحق المتيقن وقوعه فلا، وجواز تعاقبه لمثله متكافئ لتأخره عن الطهارة ولا مرجح ..
نعم لو كان المتحقق طهارة رافعة وقلنا بأن المجدد لا يرفع أو قطع بعدمه توجه الحكم بالطهارة فى الأول.
كما أنه لو علم عدم تعاقب الحدثين بحسب عادته أو فى هذه الصورة تحقق الحكم بالحدث فى الثانى الا أنه خارج عن موضع النزاع بل ليس من حقيقة الشك فى شئ الا بحسب ابتدائه وبهذا يظهر ضعف القول باستصحاب الحالة السابقة بل بطلانه.
وجاء فى شرائع الاسلام (١) أن المغتسل اذا رأى بللا مشتبها هو بعد الغسل فان كان قد بال أو استبرأ لم يعد والا كان عليه الاعادة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): أن من وجد بللا فى ذكره ليلا ولم يغتسل انهدم صومه ان كان صائما.
وقيل: لا ان لم تكن فيه رائحة النطفة ..
وان وجد نطفة فى فخذه أو حرزه أو طرف ثوبه الذى يليه احتاط بالغسل وان لم يحتط رخص بعض أن لا ينهدم صومه ان لم يعلم بالجنابة، ولا غسل عليه ان وجدها فى ثوبه من خارج، أو فى جسده حيث لا يتوهمها منه.
ومن اغتسل ثم وجد أثر النطفة فى ثوبه فان رقد بعد الاغتسال فعليه اغتسال آخر ان لم يتبين أنها من الجنابة الأولى.
وان وجدت المرأة أثرها وقال زوجها جامعتك وصدقته ولم تغتسل انهدم صومها وان كان أمينا فلا بد من تصديقه، وكذلك ان لم تجد أثرها، وكذا المجنونة والمريضة التى كانت لا تعقل.
ولا غسل على من لم يكن لها بعل ولو وجدتها فى جسدها ولا على طفلة بلغت بعد الجماع ولا على طفل بلغ بعده.
ومن رأى (٣) جنابة فى ثوبه ولم يدر من أى وقت فاغتسل من حينه فلا عليه، والا قضى ما مضى من صلاته وصومه ومن نام على جنابة يظن أن أصحابه يوقظونه لسحور فلم يوقظوه قضى يومه فقط.
стр. 3268
ثم قال (١): ومن نزل فى الماء لنية الاغتسال وخرج وشك هل اغتسل؟ لم يلزمه الا أن أيقن أنه لم يتوضأ ..
وان نام اثنان فى موضع فوجدت نطفة فاعترف أحدهما بالاحتلام لم يلزم الاخر اغتسال ان لم يجد احتلاما.
ثم قال (٢) ويكره تكرير المغسول أكثر من ثلاث فان شك فى غسل الثلاث أمسك عن بعض لئلا يزيد عليها.
وقيل يزيد مرة لعدم اليقين وهو الراجح استصحابا للأصل وان شك فى الواحدة فليأت بها ..
ثم قال (٣): ومن شك أتيمم أم لا واشتبه عليه الأمر وجب أن يتيمم.
ولا يجب أن شك فى انتقاضه بحدث ولو بريح فى غير الصلاة.
ولا يجوز له أن يقطع الصلاة بالشك فى خروج الريح.
ومن بالغ فى (٤) الاستجمار فمحله طاهر والاستنجاء بعد ذلك تعبد.
وقيل غير طاهر.
وفى الأثر يجوز الاستجمار بالأرض.
ومن كان تارة يحس اذا شك فيجد النجس وتارة يشك ويحس فلا يجد وشك تارة ولم يحس حكم بأنه طاهر ولو كان الغالب الوجود ..
والاحوط أن يغسل اذا كان الغالب انه يجد.
اشتباه الحائض فى وقت حيضها
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر (٥) الرائق: أن الحائض اذا نسيت عدد أيام حيضها أو نسيت مكانه أو نسيتهما معا فان الأصل أنها متى تيقنت بالطهر فى وقت صلت فيه بالوضوء لوقت كل صلاة وصامت.
ومتى تيقنت بالحيض فى وقت تركتهما فيه.
ومتى شكت فى وقت أنه وقت حيض أو طهر تحرت، فان لم يكن لها رأى تصلى فيه بالوضوء لوقت كل صلاة وتصوم وتقضيه دونها ..
ومتى شكت فى وقت أنه حيض، أو طهر أو خروج عن الحيض، تصلى فيه
стр. 3269
بالغسل لكل صلاة، لجواز أنه وقت الخروج من الحيض، ولا يأتيها زوجها بحال.
لاحتمال الحيض.
فاذا نسيت الحائض عدد أيامها بعد ما انقطع الدم عنها أشهرا واستمر وعلمت أن حيضها فى كل شهر مرة، فانها تدع الصلاة ثلاثة أيام من أول الاستمرار، لتيقنها بالحيض فيها. ثم تغتسل سبعة أيام لكل صلاة، لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ثم تتوضأ عشرين يوما لوقت كل صلاة لتيقنها فيها بالطهر ويأتيها زوجها.
وأما اذا لم تعلم أنه فى كل شهر مرة فهو على ثلاثة أوجه.
أحدها: ما اذا لم تعلم عدد حيضها وطهرها فانها تدع الصلاة ثلاثة أيام من أول الاستمرار، ثم تصلى سبعة بالاغتسال لوقت كل صلاة، ثم تصلى ثمانية بالوضوء لوقت كل صلاة، لتيقنها بالطهر فيها، ويأتيها زوجها فيها، ثم تصلى ثلاثة بالوضوء لوقت كل صلاة، للتردد بين الطهر والحيض، ثم تصلى بالاغتسال لكل صلاة.
وثانيها: اذا علمت أن طهرها خمسة عشر ولم تعلم عدد حيضها فانها تدع الصلاة ثلاثة أيام، ثم تصلى سبعة بالغسل، ثم تصلى ثمانية بالوضوء باليقين، ثم تصلى ثلاثة أيام بالوضوء بالشك فبلغ ذلك أحدا وعشرين يوما.
فان كان حيضها ثلاثة فابتداء طهرها الثانى بعد أحد وعشرين يوما وان كان حيضها عشرة فابتداء طهرها الثانى بعد خمسة وثلاثين، فتصلى فى هذه الأربعة عشر التى بعد الأحد والعشرين بالاغتسال لكل صلاة، للتردد بين الثلاثة، ثم تصلى يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين، لتيقنها بالطهر، لأنه اليوم الخامس عشر منه الذى هو السادس والثلاثون، ثم تصلى ثلاثة بالوضوء لوقت كل صلاة، للتردد فيها بين الحيض والطهر، ثم تغتسل لكل صلاة أبدا، لأنه ما من ساعة الا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض.
وثالثها: اذا علمت أن حيضها ثلاثة ولا تعلم عدد طهرها فانها تدع الصلاة ثلاثة أيام من أول الاستمرار، ثم تصلى خمسة عشر يوما بالوضوء لوقت كل صلاة، لتيقنها بالطهر فيه، ثم تصلى ثلاثة بالوضوء للتردد بين الحيض والطهر، ثم تغتسل لكل صلاة أبدا، لتوهم خروجها عن الحيض كل ساعة.
وان علمت أنها كانت تحيض فى كل شهر مرة من أوله أو آخره، ولا تدرى العدد، تتوضأ ثلاثة أيام فى أول الشهر، لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر، ثم تغتسل سبعة أيام، للتردد بين الثلاثة، ثم تتوضأ الى آخر الشهر، وتغتسل مرة واحدة لتمام الشهر، لجواز خروجها من الحيض، لأن الشك فى العشرة الأولى والاخيرة لا فى الوسطى.
стр. 3270
وأما اذا نسيت مكان حيضها - وهو ما يسمى بالاضلال بالمكان - فأصله أنها متى أضلت أيامها فى ضعفها من العدد أو أكثر من الضعف فلا تتيقن بالحيض فى شئ منه، كما لو أضلت ثلاثة فى ستة أو أكثر.
ومتى أضلت أيامها فى دون ضعفها من العدد فانها تتيقن بالحيض فى شئ منه كما لو أضلت ثلاثة فى خمسة فانها تتيقن بالحيض فى اليوم الثالث فانه أول الحيض أو آخره.
فان علمت أن أيامها كانت ثلاثة ولا تعلم موضعها من الشهر تصلى ثلاثة أيام من أول الشهر بالوضوء لوقت كل صلاة، للتردد بين الحيض والطهر، ثم تغتسل سبعة وعشرين لكل صلاة لتوهم خروجها من الحيض فى كل ساعة.
وان علمت أن أيامها أربعة توضأت فى الأربعة، ثم اغتسلت لكل صلاة الى آخر العشر، وكذا لو علمت أن أيامها خمسة توضأت خمسة ثم اغتسلت الى آخر العشر.
ولو علمت أن أيامها ستة توضأت أربعة من أول العشر، وتدع الصلاة والصوم يومين لتيقنها بالحيض فيهما لما قدمناه من الأصل، ثم تغتسل أربعة لكل صلاة، لتوهم خروجها من الحيض فى كل ساعة.
وان علمت أن أيامها سبعة صلت بالوضوء ثلاثة أيام من أولها وتدع أربعة أيام، لتيقنها بالحيض فيها، ثم تغتسل لكل صلاة ثلاثة أيام، وعلى هذا القياس الثمانية والتسعة.
وأما الاضلال بالزمان والمكان كما اذا استحيضت ونسيت عدد أيامها ومكانها.
فقد قال فى المبسوط (١): اذا كانت المرأة تحيض ونسيت عدد أيامها وموضعها فانها تبنى على أكبر رأيها، لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة كاستقبال القبلة فكما أنه عند اشتباه أمر القبلة تجب عليها أن تتحرى، فكذا اشتباه حالها فى الحيض والطهر، يجب عليها أن تتحرى.
فكل زمان يكون أكبر رأيها أنها حائض فيه تترك الصلاة.
وكل زمان أكثر رأيها على أنها فيه طاهرة تصلى فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك.
وكل زمان لم يستقر رأيها فيه على شئ بل تتردد بين الحيض والطهر والدخول فى الحيض، فانها تصلى فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك.
وكل زمان لم يستقر رأيها فيه على شئ بل تردد رأيها فيه بين الحيض والطهر والخروج عن الحيض فانها تصلى فيه بالغسل لكل صلاة بالشك.
стр. 3271
والقياس فيما اذا لم يكن لها رأى أن تغتسل فى كل ساعة، لأنه ما من ساعة الا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض.
ولكن لو أخذنا بهذا كان فيه حرج بين فانها لا تتفرغ عن الاغتسال لشغل آخر دينى أو دنيوى فأمرناها بالاغتسال لكل صلاة لهذا.
وكان أبو على الدقاق رحمه الله تعالى يقول: هذا قياس أيضا.
والاستحسان أنها تغتسل لوقت كل صلاة، وزعم أن هذا هو قول محمد رحمه الله تعالى، لأن فى أمرنا أياها بالاغتسال لكل صلاة من الحرج ما لا يخفى.
فكما أن فى المستحاضة التى تعرف أيامها يقام الوقت مقام الصلاة حتى يكفيها فى كل وقت وضوء واحد.
فكذلك فى الاغتسال.
ولكن الأصح ما ذكر فى الكتاب من أنها تغتسل لكل صلاة، لأن اعتبار الحرج فيما لا نص فيه بخلافه.
والأثر هنا جاء بالاغتسال لكل صلاة، فان حمنة بنت جحش رضى الله تعالى عنها لما استحيضت سبع سنين أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل لكل صلاة فان كانت فيه قد نسيت أيامها فهو نص.
وان كانت تحفظ أيامها فلما أمرنا بالاغتسال لكل صلاة من حفظت أيامها فلمن نسيت أولى، وبه أمر حمنة بنت جحش، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه، وبه أمر سهلة بنت سهيل وكانت تحت أبى حذيفة رضى الله تعالى عنه فشق عليها ذلك، فأمرها أن تؤخر الصلاة الى آخر الوقت، ثم تصلى الظهر فى آخر الوقت والعصر فى أول الوقت بغسل واحد، ثم تؤخر المغرب الى آخر الوقت فتغتسل وتصلى المغرب فى آخر الوقت والعشاء فى أول الوقت بغسل واحد، ثم تغتسل للفجر، وبه أخذ ابراهيم النخعى رحمه الله تعالى.
وتأويله عندنا أنها تذكرت أن خروجها من الحيض كان يكون فى آخر هذه الأوقات.
وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: رفعت فتوى الى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما بعد ما كف بصره فدفعه الى فقرأته عليه فاذا فيه: انى امرأة من المسلمين ابتليت بالدم وقد سألت عليا رضى الله تعالى عنه فأمرنى أن أغتسل لكل صلاة، فقال: وأنا أرى مثل ما رأى على رضى الله تعالى عنه، فلهذه الآثار أمرناها بالاغتسال لكل صلاة.
стр. 3272
وكان أبو سهل رحمه الله تعالى يقول تغتسل فى وقت وتصلى ثم تغتسل فى الوقت الثانى لأداء صلاة الوقت وتعيد ما صلت قبل هذا الوقت لتتيقن أداء أحدهما بصفة الطهارة لأن الاحتياط فى باب العبادات واجب وانما تصلى المكتوبات والسنن المشهورة، لأنها تبع للمكتوبات شرعت لجبر النقصان المتمكن فيها، وكذلك تصلى الوتر لأنها واجبة أو سنة مؤكدة ولا تصلى شيئا من التطوعات سوى هذا، لأن أداء التطوع فى حالة الطهر مباح وفى حالة الحيض حرام.
وما تردد بين المباح والبدعة لا يؤتى به فان التحرز عن البدعة واجب وفيما تصلى تقرأ فى كل ركعة آية واحدة عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وثلاث آيات عندهما قدر ما يتم به فرض القراءة.
ومن مشايخنا رحمهم الله تعالى من يقول: تقرأ الفاتحة فى الأوليين من المكتوبة وفى السنن فى كل ركعة، لان الفاتحة تعينت واجبة فى حق العمل فلا تترك قراءتها.
ولا تقرأ السورة معها، كما لا تقرأ خارج الصلاة آية تامة، لأن ما تردد بين السنة والبدعة لا يؤتى به.
وكذلك لا تمس المصحف ولا تدخل المسجد، لأنها فى كل وقت على احتمال أنها حائض، وليس للحائض مس المصحف ولا دخول المسجد ولا قراءة آية تامة من القرآن.
فان سمعت سجدة فسجدت كما سمعت سقطت عنها، لأنها ان كانت طاهرة فقد أدت ما لزمها، وان كانت حائضا فلا تجب السجدة على الحائض بالسماع.
وان سجدت بعد ذلك يلزمها أن تعيدها بعد عشرة أيام لجواز أن سماعها كان فى حالة الطهر فلزمتها السجدة ثم أدت فى حالة الحيض فلا تسقط عنها، فاذا أعادت بعد عشرة أيام تيقنت أن احداهما كانت فى حالة الطهر.
وان حجت فلا تأتى بطواف التحية أصلا، لأنه سنة وما تردد بين السنة والبدعة لا يؤتى به.
فأما طواف الزيارة فركن الحج لا بد أن تأتى به، ثم تعيده بعد عشرة أيام، لتتيقن أن أحدهما حصل فى حالة الطهر، فتتحلل به بيقين وتأتى بطواف الصدر ثم لا تعيده، لأن طواف الصدر واجب على الطاهر دون الحائض، فان كانت حائضا فليس عليها ذلك وان كانت طاهرة فقد أتت به.
ولا يطؤها زوجها، لأن الوط ء لا تتحقق فيه الضرورة ولكنه اقتضاء
стр. 3273
للشهوة وهو حرام فى حالة الحيض.
وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى: للزوج أن يتحرى ويطأها بالتحرى، لأنه حقه فى حالة الطهر وزمان الطهر أكثر من زمان الحيض وعند غلبة الحلال يجوز التحرى كالمساليخ (١) اذا اختلطت والحلال غالب على الميتة.
ولكن هذا غير صحيح فان التحرى فى باب الفروج لا يجوز، نص عليه فى كتاب التحرى فى الجوارى.
وانما التحرى فيما يحل تناوله بالاذن دون الملك.
وأما فى الصوم فقد جاء فى البحر (٢) الرائق أنها تصوم كل شهر رمضان لاحتمال طهارتها كل يوم وتعيد بعد رمضان عشرين يوما وهو على ثلاثة أوجه.
الأول: أن علمت ابتداء حيضها كان يكون بالليل فانها تقضى عشرين يوما لجواز أن حيضها فى كل شهر عشرة أيام، فاذا قضت عشرة يجوز حصولها فى الحيض فتقضى عشرة أخرى.
والثانى: أن علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار، فتقضى اثنين وعشرين يوما، لأن أكثر ما فسد من صومها فى الشهر أحد عشر يوما فتقضى ضعفه احتياطا.
والثالث: ان لم تعلم شيئا فقال عامة مشايخنا تقضى عشرين، لأن الحيض لا يزيد على عشرة.
وقال الفقيه أبو جعفر الهندوانى:
تقضى اثنين وعشرين يوما، وهو الأصح احتياطا، لجواز أن يكون بالنهار، وهذا اذا علمت دورها فى كل شهر.
فان لم تعلم ذلك ثم أنها علمت أن ابتداء حيضها كان بالليل، فيجب أن تقضى خمسة وعشرين يوما، لجواز أنها حاضت عشرة فى أوله وخمسة فى آخره، أو على العكس فعليها قضاء خمسة عشر يوما، فاذا قضته موصولا بالشهر فعلى التقدير الاول فخمسة أيام من شوال بقية حيضها الثانى، فلا يجزئ الصوم فيها، ويجزئها فى خمسة عشر بعدها، وعلى العكس فيوم الفطر أول يوم من طهرها لا تصوم فيه، ثم يجزئها الصوم فى أربعة عشر يوما، ثم لا يجزئها فى
стр. 3274
عشرة، ثم يجزئها فى آخر يوم فجملته خمسة وعشرون يوما، وكذلك ان قضته مفصولا، لتوهم أن ابتداء القضاء كان وافق أول يوم من حيضها فلا يجزئها الصوم فى عشر ثم يجزئها فى خمسة عشر.
أما ان لم تعلم دورها كل شهر.
ثم أنها ان علمت أن ابتداء حيضها كان بالنهار، فيجب أن تقضى اثنين وثلاثين يوما ان قضته موصولا برمضان، لأن أكثر ما فسد من صومها من أول الشهر ستة عشر يوما وان قضته مفصولا تقضى ثمانية وثلاثين يوما، لتوهم ان ابتداء القضاء وافق أول يوم من حيضها فلا يجزئها الصوم فى أحد عشر ثم يجزئها فى أربعة عشر، ثم لا يجزئها فى أحد عشر ثم يجزئها فى يومين فجملته ثمانية وثلاثون يوما.
وان كانت لا تعلم شيئا قال عامة مشايخنا تصوم خمسة وعشرين يوما.
وقال الفقيه أبو جعفر: ان قضته موصولا صامت اثنين وثلاثين، وان قضته مفصولا صامت ثمانية وثلاثين يوما وهو الأصح، وهذا كله اذا كان شهر رمضان كاملا.
فان كان ناقصا وعلمت أن ابتداء حيضها كان بالليل، أو لم تعلم، فان وصلت. قضت ثلاثة وثلاثين يوما، وان فصلت صامت سبعة وثلاثين يوما.
هذا اذا كان اشتباه الحائض فى صيام رمضان.
أما ان كان اشتباهها فى صيام كفارة القتل وكفارة الفطر، فقد جاء فى المبسوط (١): أنه لو وجب على المرأة صوم شهرين متتابعين فى كفارة القتل أو فى كفارة الفطر بأن كانت أفطرت قبل هذه الحالة اذ فى هذه الحالة لا تلزمها الكفارة لتمكن الشبهة فى كل يوم بالتردد بين الحيض والطهر.
ثم هذا على وجهين.
وذلك لأنها اما أن تكون على علم بأن حيضها كان يكون فى كل شهر أو لا ..
وكل وجه من هذين على وجهين.
أما ان كانت تعلم أن ابتداء حيضها بالليل أو بالنهار أو لا تعلم ذلك.
فأما الفصل الأول وهو ما اذا كان دورها فى كل شهر فان علمت أن
стр. 3275
ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها أن تصوم تسعين يوما، وان الواجب عليها ستين يوما متتابعة فمن كل ثلاثين يتيقن بجواز صومها فى عشرين، فاذا صامت تسعين يوما تيقنت بجواز صومها فى ستين يوما، فتسقط به الكفارة عنها وان علمت ان ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها أن تصوم مائة يوم وأربعة أيام، لجواز أن يكون ابتداء صومها يوافق ابتداء حيضها فلا يجزئها فى أحد عشر يوما، ثم يجزئها فى تسعة عشر يوما، ثم لا يجزئها فى أحد عشر، ثم يجزئها فى تسعة عشر، ثم فى الشهر الثالث كذلك فيبلغ العدد تسعين يوما.
وان كانت لا تدرى أن حيضها كان يكون بالليل أو بالنهار فعلى قول أكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى تصوم تسعين يوما.
وعلى ما ذكره الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى تأخذ بأحوط الوجهين فتصوم مائة وأربعة أيام.
وأما الفصل الثانى وهى ما اذا كانت لا تدرى أن دورها فى كم يكون فان علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها أن تصوم مائة يوم، لأن من كل خمسة وعشرين تتيقن بجواز صومها فى خمسة عشر بأن كان حيضها عشرة وطهرها خمسة عشر، فاذا صامت مائة يوم جاز صومها فى ستين يوما بيقين فتسقط عنها الكفارة به.
وان كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها أن تصوم مائة وخمسة عشر يوما، لأن من الجائز أن يوافق ابتداء الصوم ابتداء الحيض فلا يجزئها فى أحد عشر، ثم يجزئها فى أربعة عشر، ثم لا يجزئها فى أحد عشر، ثم يجزئها فى أربعة عشر، فيبلغ العدد مائة وانما جاز صومها فى ستة وخمسين يوما، ثم لا يجزئها فى أحد عشر يوما، ثم يجزئها فى أربعة من أربعة عشر يوما تتمة ستين فبلغ مائة وخمسة وعشرين، وانما جاز صومها فيه فى ستين يوما.
وان كانت لا تدرى كيف كان ابتداء حيضها فهو على الاختلاف الذى بينا.
وأما ان تعلق هذا الاشتباه فى صوم كفارة اليمين فقد جاء فى المبسوط (١):
أنه لو وجب عليها صوم ثلاثة أيام فى كفارة اليمين، فان كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل، فعليها أن تصوم خمسة عشر يوما لأنه أن وافق ابتداء صومها ابتداء الحيض لم يجزئها فى عشرة، ثم يجزئها فى ثلاثة بعدها وذلك ثلاثة عشر، فان كانت حين افتتحت الصوم بقى من طهرها
стр. 3276
يوم أو يومان جاز صومها فيهما ثم لم يجز فى عشرة فانقطع به التتابع فان صوم ثلاثة أيام فى كفارة اليمين متتابعة وعذر الحيض فيه لا يكون عفوا، لأنها تجد ثلاثة أيام خالية عن الحيض بخلاف الشهرين فعليها أن تحتاط بصوم خمسة عشر يوما حتى اذا كان الباقى من طهرها يومين حين افتتحت الصوم لم يجزها صومها فيهما عن الكفارة، لانقطاع التتابع فى العشرة بعدهما، لعذر الحيض، وجاز صومها فى ثلاثة بعدها، فكانت الجملة خمسة عشر يوما.
وان شاءت صامت ثلاثة أيام ثم بعد عشرة أيام تصوم ثلاثة أيام أخرى فتيقن أن احدى الثلاثتين وافقت زمان طهرها وجاز صومها فيها عن الكفارة.
وان كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار، فعليها أن تصوم ستة عشر يوما، لان من الجائز أن الباقى من طهرها حين افتتحت الصوم يومان، فلا يجزئها الصوم فيهما عن الكفارة، لانقطاع التتابع، ثم لا يجزئها فى أحد عشر يوما بسبب الحيض، ثم يجزيها فى ثلاثة أيام، فتكون الجملة ستة عشر يوما، صامت ثلاثة أيام، ثم أفطرت أحد عشر، ثم صامت ثلاثة أيام، فتيقن أن احدى الثلاثين فى زمان طهرها فيجزيها.
ولو أن هذه المرأة طلقها زوجها بعد الدخول بها فعلى قول أبى عصمة سعد بن معاذ رضى الله عنه أنه لا تنقضى عدتها فى حكم التزوج بزوج آخر أبدا، لأنه لا يقدر أكثر الطهر بشئ، فان التقدير بالرأى لا يجوز.
وعلى قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى اذا مضى من وقت الطلاق تسعة عشر شهرا وعشرة أيام غير أربع ساعات يجوز لها أن تتزوج، لأنه يقدر أكثر مدة الطهر بستة أشهر غير ساعة، ومن الجائز أن الطلاق كان بعد مضى ساعة من حيضها، فلا تحتسب هذه الحيضة من العدة، وذلك عشرة أيام غير ساعة، ثم بعد ثلاثة أطهار كل طهر ستة أشهر غير ساعة وثلاثة حيض كل حيضة عشرة أيام، فاذا جمعت الكل بلغ تسعة عشر شهرا وعشرة أيام غير أربع ساعات فيحكم بانقضاء عدتها بهذه المدة ولها أن تتزوج بعدها.
وعلى قول من يقدر مدة الطهر فى حقها بتسعة وعشرين يوما تتزوج بعد أربعة أشهر ويوم واحد غير ساعة، لأن من الجائز أن الطلاق كان بعد مضى ساعة من حيضها، فلا تحسب هذه الحيضة من العدة وهو عشرة أيام غير ساعة، ثم بعد ثلاثة أطهار كل طهر سبعة وعشرين يوما وثلاث حيض كل حيضة عشرة فيبلغ عدد الجملة مائة وأحدا
стр. 3277
وعشرين يوما غير ساعة فلهذا كان لها أن تتزوج بعد هذه المدة.
فأما حكم انقطاع الرجعة فاذا مضى تسعة وثلاثون يوما من وقت الطلاق انقطعت الرجعة، لأن بابها مبنى على الاحتياط ومن الجائز أن حيضها كان ثلاثة وطهرها خمسة عشر وكان وقوع الطلاق فى آخر جزء من أجزاء طهرها فتنقضى عدتها بتسع وثلاثين يوما فلهذا حكمنا بانقطاع الرجعة بهذا القدر احتياطا.
ولو أن هذه المبتلاة كانت أمة فاشتراها انسان فمدة استبرائها على قول أبى عصمة رحمه الله تعالى لا تقدر بشئ.
وعلى قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى تقدر بستة أشهر وعشرين يوما غير ساعتين هذا اذا كان الاشتباه فى دم الحيض.
فان كان فى النفاس فاذا (١) كان السقط قد ظهر بعض خلقه، فهو كالساقط بعد تمامه فى الأحكام فتصير المرأة به نفساء وتنقضى به العدة.
وان كان لا يدرى أمستبين هو أم لا، بأن أسقطت فى المخرج واستمر بها الدم فان أسقطت أول أيامها تركت الصلاة قدر عادتها بيقين، لأنها أما حائض أو نفساء، ثم تغتسل وتصلى عادتها فى الطهر بالشك، لاحتمال كونها نفساء أو طاهرة، ثم تترك الصلاة قدر عادتها بيقين، لأنها اما نفساء أو حائض ثم تغتسل وتصلى عادتها فى الطهر بيقين ان كانت استوفت أربعين من وقت الاسقاط والا فبالشك فى القدر الداخل فيها وبيقين فى الباقى، ثم تستمر على ذلك.
وان أسقطت بعد أيام حيضها فانها تصلى من ذلك الوقت قدر عادتها فى الطهر بالشك، ثم تترك قدر عادتها فى الحيض بيقين.
مذهب المالكية:
جاء فى الدسوقى (٢): اذا رأت المرأة حيضا فى ثوبها واشتبه عليها الأمر ولم تدر وقت حصوله فان حكمها حكم من رأى منيا فى ثوبه، ولم يدر وقت حصوله فتغتسل وتعيد الصلاة من آخر نومة وتعيد الصوم من أول يوم صامته فيه كذا قال الشيخ سالم والتتائى ففرقا بين الصلاة والصوم.
والمعتمد أنه لا فرق بينهما.
وذكر ابن عرفة أن ابن القاسم قال:
من رأت فى ثوبها حيضا لا تذكر وقت
стр. 3278
اصابته، فان كانت لا تترك ذلك الثوب أعادت الصلاة مدة لبسه لاحتمال طهرها وقت أول صلاة من أول يوم لبسته بأن أتاها الدم دفعة وانقطع، وان كانت تنزعه فى بعض الأوقات فمن آخر لبسة وتعيد صوم ما تعيد صلاته ما لم يجاوز عادتها والا اقتصرت عليها.
أما ابن حبيب فقال: لا تعيد الصوم الا يوما فقط. وظاهره سواء كانت تنزعه فى بعض الأوقات أم لا.
قال ابن يونس ووجه قول ابن القاسم باعادة الصوم مدة عادتها مع أنه يمكن أن الدم أتاها لحظة وانقطع فالذى بطل صومه يوم نزولها فقط امكان تمادى الدم أياما ولم تشعر.
وقول ابن حبيب أبين عندى، لأن الدم انما أتاها لحظة وانقطع اذ لو استمر نزوله عليها لشعرت به ولم يظهر فى ثوبها فقط.
واعترض على ابن حبيب بأن الحيض يقطع التتابع ويرفع النية فقد صامت بلا نية فوجب اعادة الجميع.
وأجيب بأنها حيث لم تعلم فهى على النية الأولى لم ترفعها فلا يبطل التتابع.
وجاء فى موضع (١) آخر: لو شكت امرأة واشتبه عليها الأمر هل طهرت قبل الفجر أو بعده سقطت الصلاة يعنى صلاة العشاءين، وهذا هو الصواب بخلاف ما فى الشراح من أنها الصبح اذ الصبح واجبة قطعا لطهرها فى وقتها.
قال الدسوقى ويمكن تصحيح ما فى الشراح بحمله على ما اذا استيقظت بعد الشمس وشكت هل طهرت قبل الفجر أو بعده أو بعد الشمس فتسقط عنها صلاة الصبح حينئذ كما تسقط العشاءان
ثم قال (٢): ووجب على المرأة الصوم مع القضاء له أيضا ان شكت هل طهرت قبل الفجر أو بعده.
قال الدسوقى: يعنى اذا شكت بعد الفجر - وأراد بالشك مطلق التردد أو ما قابل الجزم - هل طهرت قبل الفجر أو بعده فانه يجب عليها الامساك، لاحتمال طهرها قبله والقضاء لاحتماله بعده.
قال والظاهر أنه لا كفارة عليها ان لم تمسك وليس كيوم الشك لظهور التحقيق فيه.
قال ابن رشد وهذا بخلاف الصلاة فانها لا تؤمر بفعل ما شكت فى وقته هل كان الطهر فيه أم لا فاذا شكت بعد
стр. 3279
الفجر هل طهرت قبل الفجر أو بعده فلا تجب عليها العشاء واستشكل ذلك بأن الحيض مانع من وجوب الأداء فى كل من الصلاة والصوم والشك فيه موجود فى كل منهما فلم وجب الأداء فى الصوم دون الصلاة وأجيب بأن سلطان الصلاة قد ذهب بخروج وقتها فلذا لم تؤد بخلاف الصوم فأنه يستغرق النهار فللزمن فيه حرمة فوجب عليها الامساك كمن شك هل كان أكله قبل الفجر أو بعده.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (١): انه ان كانت المرأة ناسية لوقت الحيض ذاكرة - للعدد فكل زمان تيقنا فيه الحيض ألزمناها اجتناب ما تجتنبه الحائض، وكل زمان تيقنا طهرها أبحنا فيه ما يباح للطاهر وأوجبنا ما يجب على الطاهر، وكل زمان شككنا فى طهرها حرمنا وطأها، وأوجبنا ما يجب على الطاهر احتياطا، وكل زمان جوزنا فيه انقطاع الحيض أوجبنا عليها أن تغتسل فيه للصلاة ويعرف ذلك بتنزيل أحوالها.
وان قالت كان حيضى فى كل شهر عشرة أيام لا أعرفها وكنت فى اليوم السادس طاهرا، فانها من أول الشهر الى آخر السادس فى طهر بيقين، ومن السابع الى آخر الشهر فى طهر مشكوك فيه، فتتوضأ لكل فريضة الى أن يمضى عشرة أيام بعد السادس، ثم تغتسل، لامكان انقطاع الدم فيه، ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة، الا أن تعرف الوقت الذى كان ينقطع فيه الدم فتغتسل كل يوم فيه دون غيره.
وان قالت كان حيضى فى كل شهر خمسة أيام لا أعرف موضعها، وأعلم أنى كنت فى الخمسة الأخيرة طاهرا، وأعلم أن لى طهرا صحيحا غيرها فى كل شهر.
فانه يحتمل أن يكون حيضها فى الخمسة الأولى والباقى طهر.
ويحتمل أن يكون حيضها فى الخمسة الثانية والباقى طهر، ولا يجوز أن يكون فى الخمسة الثالثة، لأن ما قبلها وما بعدها دون أقل الطهر.
ويحتمل أن يكون حيضها فى الخمسة الرابعة ويكون ما قبلها طهرا.
ويحتمل أن يكون حيضها فى الخمسة الخامسة، ويكون ما قبلها طهرا، فيلزمها أن تتوضأ لكل صلاة فى الخمسة الأولى وتصلى، لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لكل فريضة من أول السادس الى آخر العاشر، لأنه طهر مشكوك فيه.
ويحتمل انقطاع الدم فى كل وقت منه، ومن أول الحادى عشر الى آخر
стр. 3280
الخامس عشر تتوضأ لكل فريضة، لأنه طهر بيقين، ومن أول السادس عشر تتوضأ لكل صلاة الى آخر العشرين، لأنه طهر مشكوك فيه لا يحتمل انقطاع الحيض فيه، ثم تغتسل لكل صلاة الى آخر الخامس والعشرين، لأنه طهر مشكوك فيه، وتغتسل لكل صلاة لأنه يحتمل انقطاع الحيض فى كل وقت منها، ومن أول السادس والعشرين الى آخر الشهر تتوضأ لكل فريضة لأنه طهر بيقين.
فان قالت كان حيضى فى كل شهر عشرة أيام ولى فى كل شهر طهر صحيح وكنت فى اليوم الثانى عشر حائضا فانها فى خمسة عشر يوما من آخر الشهر فى طهر بيقين، وفى اليوم الأول والثانى من أول الشهر فى طهر بيقين، وفى الثالث والرابع والخامس فى طهر مشكوك فيه تتوضأ فيه لكل فريضة، وفى السادس الى تمام الثانى عشر فى حيض بيقين، ومن الثالث عشر الى تمام الخامس عشر فى طهر مشكوك فيه، ويحتمل انقطاع الحيض فى كل وقت منها فتغتسل لكل صلاة.
وان قالت كان حيضى خمسة أيام من العشر الأول وكنت فى اليوم الثانى من الشهر طاهر وفى اليوم الخامس حائضا.
فانه يحتمل أن يكون ابتداء حيضها من الثالث وآخره الى تمام السابع.
ويحتمل أن يكون من الرابع وآخره الى تمام الثامن.
ويحتمل أن يكون ابتداؤه من الخامس وآخره الى تمام التاسع، فاليوم الاول والثانى طهر بيقين، والثالث والرابع طهر مشكوك فيه، والخامس والسادس والسابع حيض بيقين ثم تغتسل فى آخر السابع فيكون ما بعده الى تمام التاسع طهرا مشكوكا فيه تغتسل فيه لكل صلاة.
وان قالت كان لى فى كل شهر حيضتان ولا أعلم موضعهما ولا عددهما فان الشيخ أبا حامد الاسفرايينى رحمه الله تعالى ذكر أن أقل ما يحتمل أن يكون حيضها يوما من أول الشهر ويوما من آخره ويكون ما بينهما طهرا وأكثر ما يحتمل أن يكون حيضها أربعة عشر يوما من أول الشهر أو من آخره ويوما وليلة من أول الشهر أو من آخره، ويكون بينهما خمسة عشر يوما طهرا.
ويحتمل ما بين الأقل والأكثر فيلزمها أن تتوضأ وتصلى فى اليوم الأول من الشهر لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لكل صلاة الى آخر الرابع عشر، لاحتمال انقطاع الدم فيه ويكون الخامس عشر والسادس عشر طهرا بيقين، لأنه ان كان ابتداء الطهر فى اليوم الثانى فاليوم السادس عشر
стр. 3281
آخره، وان كان من الخامس عشر فالخامس عشر والسادس عشر داخل فى الطهر، ومن السابع عشر الى آخر الشهر طهر مشكوك فيه.
وقال شيخنا القاضى أبو الطيب الطبرى رحمه الله تعالى: هذا خطأ، لأنا اذا أنزلناها هذا التنزيل لم يجز أن يكون هذا حالها فى الشهر الذى بعده، بل يجب أن تكون فى سائر الشهور كالمتحيرة الناسية لأيام حيضها ووقته، فتغتسل لكل صلاة، ولا يطؤها الزوج، وتصوم رمضان وتقضيه.
فان كانت ذاكرة للوقت ناسية للعدد نظرت.
فان كانت ذاكرة لوقت ابتدائه، بان قالت: كان ابتداء حيضى من أول يوم من الشهر، حيضناها يوما وليلة من أول الشهر، لأنه يقين ثم تغتسل بعده، فتحصل فى طهر مشكوك فيه الى آخر الخامس عشر، وتصلى، وتغتسل لكل صلاة لجواز انقطاع الدم فيه، وما بعده طهر بيقين الى آخر الشهر، فتتوضأ لكل صلاة.
وان كانت ذاكرة لوقت انقطاعه بأن قالت: كان حيضى ينقطع فى آخر الشهر قبل غروب الشمس حيضناها قبل ذلك يوما وليلة وكانت طاهرا من أول الشهر الى آخر الخامس عشر تتوضأ لكل صلاة فريضة، ثم تحصل فى طهر مشكوك فيه الى آخر التاسع والعشرين تتوضأ لكل صلاة، لأنه لا يحتمل انقطاع الدم ولا يجب الغسل الا فى آخر الشهر فى الوقت الذى تيقنا انقطاع الحيض فيه.
وان قالت كان حيضى فى كل شهر خمسة عشر يوما، وكنت أخلط أحد النصفين بالآخر أربعة عشر فى أحد النصفين ويوما فى النصف الآخر، ولا أدرى أن اليوم فى النصف الأول أو الأربعة عشر.
فهذه يحتمل أن يكون اليوم فى النصف الثانى والأربعة عشر فى النصف الأول فيكون ابتداء الحيض من اليوم الثانى من الشهر وآخره تمام السادس عشر.
ويحتمل أن يكون اليوم فى النصف الأول والأربعة عشر فى النصف الثانى فيكون ابتداء الحيض من أول الخامس عشر وآخره التاسع والعشرون، فاليوم الأول والآخر من الشهر طهر بيقين والخامس عشر والسادس عشر حيض بيقين، ومن الثانى الى الخامس عشر طهر مشكوك فيه، ومن أول السابع عشر الى آخر التاسع والعشرين طهر مشكوك فيه فتغتسل فى آخر السادس عشر وفى آخر التاسع والعشرين لأنه يحتمل انقطاع الدم فيهما وعلى هذا التنزيل والقياس.
فان قالت: كان حيضى خمسة عشر يوما وكنت أخلط اليوم وأشك هل كنت أخلط بأكثر من يوم فالحكم فيه كالحكم فى المسألة قبلها الا فى شئ
стр. 3282
واحد وهو أن هاهنا يلزمها أن تغتسل لكل صلاة بعد السادس عشر لجواز أن يكون الخلط بأكثر من يوم فيكون ذلك الوقت وقت انقطاع الحيض الا أن تعلم انقطاع الحيض فى وقت بعينه من اليوم فتغتسل فيه فى مثله.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١) ان المرأة الحائض ان كانت لها أيام أنسيتها فانها تقعد ستا أو سبعا فى كل شهر.
وهى المستحاضة وهى من لا عادة لها ولا تمييز وهذا القسم نوعان.
أحدهما: الناسية ولها ثلاثة أحوال.
أحدها: أن تكون ناسية لوقتها وعددها وهذه يسميها الفقهاء المتحيرة.
والثانية: أن تنسى عددها وتذكر وقتها.
والثالثة: أن تذكر عددها وتنسى وقتها.
فالناسية لهما هى التى ذكر الخرقى حكمها، وانها تجلس فى كل شهر ستة أيام أو سبعة يكون ذلك حيضها، ثم تغتسل وهى فيما بعد ذلك مستحاضة تصوم وتصلى وتطوف.
وعن أحمد أنها تجلس أقل الحيض.
ثم ان كانت تعرف شهرها وهو مخالف للشهر المعروف جلست ذلك من شهرها.
وان لم تعرف شهرها جلست من الشهر المعروف، لأنه الغالب.
وذلك لما روت حمنة بنت جحش قالت:
كنت استحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت النبى ﷺ استفتيه فوجدته فى بيت أختى زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله انى أستحاض حيضة كبيرة شديدة فما تأمرنى فيها قد منعتنى الصيام والصلاة قال:
«أنعت لك الكرسف فانه يذهب الدم قلت: هو أكثر من ذلك انما أثج ثجا، فقال النبى ﷺ سآمرك أمرين أيهما صنعت أجزأ عنك فان قويت عليهما فأنت أعلم: فقال انما هى ركضة من الشيطان فتحيضى ستة أيام أو سبعة أيام فى علم الله ثم اغتسلى فاذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلى أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومى، فان ذلك يجزئك، وكذلك فافعلى كما يحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن فان قويت أن تؤخرى الظهر وتعجلى العصر، ثم تغتسلين حتى تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين وتغتسلين للصبح فافعلى وصومى ان قويت على ذلك فقال:
رسول الله ﷺ «وهو
стр. 3283
أعجب الامرين الى «رواه أبو داود والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال: وسألت محمدا عنه فقال:
هو حديث حسن.
وحكى ذلك عن أحمد أيضا.
وهو بظاهرة يثبت الحكم فى حق الناسية، لأن النبى ﷺ لم يستفصلها هل هى مبتدأة أو ناسية، ولو افترق الحال لاستفصل وسأل.
واحتمال أن تكون ناسية أكثر فان حمنة امرأة كبيرة كذلك قال أحمد ولم يسألها النبى ﷺ عن تمييزها، لأنه قد جرى من كلامها من تكثير الدم وصفته ما أغنى عن السؤال عنه ولم يسألها هل لها عادة فيردها اليها، لاستغنائه عن ذلك لعلمه اياه اذ كان مشتهرا وقد أمر به أختها أم حبيبة، فلم يبق الا ان تكون ناسية ولأن لها حيضا لا تعلم قدره فيرد الى غالب عادات النساء كالمبتدأة ولانها لا عادة لها ولا تمييز فأشبهت المبتدأة وقولهم لها أيام معروفة قلنا قد زالت المعرفة فصار وجودها كالعدم وأما أمر أم حبيبة بالغسل لكل صلاة فانما هو ندب كأمره لحمنة فى هذا الخبر فان أم حبيبة كانت معتادة ردها الى عادتها وهى التى استفتت لها أم سلمة.
على أن حديث أم حبيبة انما روى عن الزهرى وأنكره الليث بن سعد فقال:
لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه شئ فعلته هى وقوله ﷺ ستا أو سبعا فالظاهر أنه ردها الى اجتهادها ورأيها فيما يغلب على ظنها أنه أقرب الى عادتها أو عادة نسائها أو ما يكون أشبه بكونه حيضا ذكره القاضى فى بعض المواضع.
وذكر فى موضع آخر: أنه خيرها بين ست وسبع لا على طريق الاجتهاد كما خير واطئ الحائض بين التكفير بدينار أو نصف دينار بدليل أن حرف أو للتخيير والأول ان شاء الله أصح، لأنا لو جعلناها مخيرة أفضى الى تخييرها فى اليوم السابع بين أن تكون الصلاة عليها واجبة وبين كونها محرمة وليس اليها فى ذلك خيرة بحال، أما التكفير ففعل اختيارى يمكن التخيير بين اخراج دينار أو نصف دينار والواجب نصف دينار فى الحالين، لأن الواجب لا يتخير بين فعله وتركه، وقولهم: أن أو للتخيير قلنا: وقد يكون للاجتهاد كقول الله تعالى: «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» واما «كأو» فى وضعها وليس للامام فى الأسرى الا فعل ما يؤديه اليه اجتهاده أنه الأصلح.
стр. 3284
ولا تخلو الناسية من أن تكون جاهلة بشهرها أو عالمة به.
فان كانت جاهلة بشهرها رددناها الى الشهر الهلالى فحيضناها فى كل شهر حيضة، لحديث حمنة، ولأنه الغالب فترد اليه كردها الى الست والسبع.
وان كانت عالمة بشهرها حيضناها فى كل شهر من شهورها حيضة، لأن ذلك عادتها فترد اليها كما ترد المعتادة الى عددها فى عدد الأيام، الا أنها متى كان شهرها أقل من عشرين يوما لم نحيضها منه أكثر من الفاضل عن ثلاثة عشر يوما أو خمسة عشر يوما، لأنها لو حاضت أكثر من ذلك لنقص طهرها عن أقل الطهر ولا سبيل اليه.
وهل تجلس أيام حيضها من أول كل شهر أو بالتحرى والاجتهاد؟ فيه وجهان.
أحدهما: تجلسه من أول كل شهر اذا كان يحتمل، لأن النبى ﷺ قال: لحمنة «تحيضى ستة أيام أو سبعة أيام فى علم الله ثم اغتسلى وصلى أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها» فقدم حيضها على الطهر ثم أمرها بالصلاة والصوم فى بقيته، ولأن المبتدأة تجلس من أول الشهر مع أنه لا عادة لها فكذلك الناسية، ولأن دم الحيض دم جبلة والاستحاضة عارضة فاذا رأت الدم وجب تغليب دم الحيض.
والوجه الثانى: انها تجلس ايامها من الشهر بالتحرى والاجتهاد وهذا قول ابى بكر وابن أبى موسى، لأن النبى ﷺ ردها الى اجتهادها فى القدر بقوله «ستا أو سبعا» فكذلك فى الزمان، ولان للتحرى مدخلا فى الحيض، بدليل أن المميزة ترجع الى صفة الدم. فكذلك فى زمنه.
فان تساوى عندها الزمان كله ولم يغلب على ظنها شئ تعين اجلاسها من اول الشهر لعدم الدليل فيما سواه.
القسم الثانى: الناسية لعددها دون وقتها كالتى تعلم أن حيضها فى العشر الاول من الشهر ولا تعلم عدده، فهى فى قدر ما تجلسه كالمتحيرة تجلس ستا أو سبعا فى أصح الروايتين، الا أنها تجلسها من العشر دون غيرها، وهل تجلسها من اول العشر او بالتحرى؟ على وجهين.
وان قالت اعلم اننى كنت أول الشهر حائضا ولا اعلم آخره أو اننى كنت آخر الشهر حائضا ولا أعلم أوله أو لا أعلم هل كان ذلك اول حيضى أو آخره؟ حيضناها اليوم الذى
стр. 3285
علمته وأتمت بقية حيضها مما بعده فى الصورة الاولى، ومما قبله فى الثانية، وبالتحرى فى الثالثة، او مما يلى أول الشهر على اختلاف الوجهين.
القسم الثالث: الناسية لوقتها دون عددها وهذه تتنوع نوعين.
أحدهما: أن لا تعلم لها وقتا أصلا مثل أن تعلم أن حيضها خمسة أيام فأنها تجلس خمسة من كل شهر اما من أوله أو بالتحرى على اختلاف الوجهين.
الثانى: أن تعلم لها وقتا مثل أن تعلم أنها كانت تحيض أياما معلومة من العشر الاول من كل شهر فانها تجلس عدد أيامها اما أن يكون زائدا على نصف ذلك الوقت أو لا يزيد.
فان كان زائدا على نصفه مثل أن تعلم أن حيضها ستة أيام من العشر الاول من كل شهر أضعفنا الزائد فجعلناه حيضا بيقين وتجلس بقية ايامها بالتحرى فى احد الوجهين.
وفى الآخر من أول العشر، ففى هذه المسألة الزائد يوم وهو السادس فتضعفه ويكون الخامس والسادس حيضا بيقين، لاننا متى عددنا لها ستة أيام من أى موضع كان من العشر دخل فيه الخامس والسادس يبقى لها اربعة أيام.
فان اجلسناها من الاول كان حيضها من اول العشر الى آخر السادس منها يومان حيض بيقين والاربعة حيض مشكوك فيه والاربعة الباقية طهر مشكوك فيه.
وأن اجلسناها بالتحرى فأداها اجتهادها الى انها من اول الشهر فهى كالتى ذكرنا.
وأن جلست الاربعة من آخر الشهر كانت حيضا مشكوكا فيه والاربعة الاولى طهر مشكوك فيه.
وأن قالت حيضى سبعة أيام من العشر الأول فقد زادت يومين على نصف الوقت فتضعفهما فيصير لها اربعة أيام حيضا بيقين وهى من أول الرابع الى آخر السابع، ويبقى لها ثلاثة أيام تجلسها من أول العشر أو بالتحرى، فيكون ذلك حيضا مشكوكا فيه ويبقى لها ثلاثة طهرا مشكوكا فيه وسائر الشهر طهر.
وحكم الحيض المشكوك فيه حكم الحيض المتيقن فى ترك العبادات.
وأن كن حيضها نصف الوقت فما دون فليس لها حيض بيقين، لانها متى كانت تحيض خمسة أيام احتمل أن تكون الخمسة الأولى وأن تكون الثانية، وأن تكون بعضها من الاولى، وباقيها من الثانية فتجلس خمسة بالتحرى او من اول العشر على اختلاف الوجهين.
وجاء فى كشاف القناع (١): أنه ان كان دم المرأة متميزا بعضه أسود أو تخين أو منتن وبعضه رقيق أحمر غير منتن فحيضها زمن الاسود أو زمن الثخين أو زمن المنتن أن صلح أن يكون حيضا بأن لا ينقص عن أقل الحيض يوم وليلة ولا يجاوز اكثره خمسة عشر يوما قال ابن تميم ولا ينقص غيره عن أقل الطهر
стр. 3286
فتجلسه من غير تكرار، لما روت عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت ابى حبيش فقالت:
يا رسول الله انى استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال انما ذلك عرق وليس بالحيضة، فاذا اقبلت الحيضة فدعى الصلاة، وأذا أدبرت فاغسلى عنك الدم وصلى متفق عليه.
وفى لفظ النسائى اذا كان الحيض فأنه اسود يعرف فأمسكى عن الصلاة وأذا كان الآخر فتوضئى وصلى فأنما هو دم عرق ولانه خارج من الفرج يوجب الغسل فيرجع الى صفته عند الاشتباه كالمنى والمذى.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: أن المرأة المتصلة الدم الاسود الذى لا يتميز ولا تعرف أيامها، فأن الغسل فرض عليها أن شاءت لكل صلاة فرض أو تطوع، وأن شاءت اذا كان قرب آخر وقت الظهر اغتسلت وتوضأت وصلت الظهر بقدر ما تسلم منها بعد دخول وقت العصر ثم تتوضأ وتصلى العصر، ثم اذا كان قبل غروب الشفق اغتسلت وتوضأت وصلت المغرب بقدر ما تفرغ منها بعد غروب الشفق، ثم تتوضأ وتصلى العتمة، ثم تغتسل وتتوضأ لصلاة الفجر وأن شاءت حينئذ أن تتنفل عند كل صلاة فرض وتتوضأ بعد الفريضة أو قبلها فلها ذلك (١).
أما أن كانت الجارية مبتدأة بأن رأت الدم اول ما تراه اسود فهو دم حيض، تدع الصلاة والصوم، ولا يطؤها بعلها، أو سيدها.
فان تلون أو انقطع الى سبعة عشر يوما فأقل، فهو طهر صحيح، تغتسل، وتصلى وتصوم، ويأتيها زوجها وان تمادى أسود تمادت على أنها حائض الى سبع عشرة ليلة، فان تمادى أسود فانها تغتسل ثم تصلى وتصوم ويأتيها زوجها، وهى طاهر أبدا لا ترجع الى حكم الحائضة الا أن ينقطع أو يتلون كما ذكرنا فيكون حكمها اذا كان اسود حكم الحيض واذا تلون أو انقطع أو زاد على السبع عشرة حكم الطهر.
فأما التى قد حاضت وطهرت فتمادى بها الدم فكذلك أيضا فى كل شئ، الا فى تمادى الدم الاسود متصلا، فأنها اذا جاءت الايام التى كانت تحيضها أو الوقت الذى كانت تحيضه أما مرارا فى الشهر، أو مرة فى الشهر، أو مرة فى أشهر أو فى عام - فاذا جاء ذلك الامد امسكت عما تمسك به الحائض، فاذا انقضى ذلك الوقت اغتسلت وصارت فى حكم الطاهر فى كل شئ، وهكذا ابدا ما لم يتلون الدم أو ينقطع.
فان كانت مختلفة الايام بنت على آخر أيامها قبل أن يتمادى بها الدم.
فان لم تعرف وقت حيضها لزمها فرضا أن تغتسل لكل صلاة، وتتوضأ لكل صلاة، أو تغتسل وتتوضأ وتصلى الظهر فى آخر وقتها، ثم تتوضأ وتصلى العصر فى أول وقتها، ثم
стр. 3287
تغتسل وتتوضأ وتصلى المغرب فى آخر وقتها ثم تتوضأ وتصلى العتمة فى أول وقتها، ثم تغتسل وتتوضأ لصلاة الفجر، وأن شاءت أن تغتسل فى أول وقت الظهر للظهر والعصر فذلك لها، وفى أول وقت المغرب للمغرب والعتمة فذلك لها، وتصلى كل صلاة لوقتها ولا بد، وتتوضأ لكل صلاة فرض ونافلة فى يومها وليلتها.
فان عجزت عن ذلك وكان عليها فيه حرج تيممت.
برهان ذلك قول رسول الله ﷺ عن الزهرى عن عروة عن فاطمة بنت أبى حبيش:، كانت استحيضت فقال لها رسول الله ﷺ : أن دم الحيض اسود يعرف فاذا كان ذلك فأمسكى عن الصلاة واذا كان الآخر فتوضئى وصلى فأنما هو عرق (١).
وقول رسول الله ﷺ :
إذا اقبلت الحيضة فدعى الصلاة فاذا ادبرت فاغتسلى وصلى، وفى بعضها فاذا ادبرت فاغسلى عنك الدم وتوضئى وصلى.
وهكذا رويناه من طريق حماد بن زيد وحماد ابن سلمة، وكلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها عن رسول الله ﷺ .
ففى هذه الاخبار ايجاب مراعاة تلون الدم.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار (٢): أن المرأة التى اشتبه عليها الحيض أما أن تكون مبتدئة أولا
فأن كانت مبتدئة فأنها ترجع الى الصفة عند اللبس.
وأن كانت متحيرة ناسية لوقتها وعددها كمجنونة سنين استحيضت فيها.
فان ذكرت ابتداء الدم قدرت منه والا.
فان ذكرت لها حالة طهر قدرت الابتداء منه.
فان لم تذكر شيئا من ذلك صلت وصامت واحترمت المسجد والمصحف والوط ء والقراءة الا فى الصلاة واغتسلت لكل صلاة، أذ هو الاحوط.
وقيل: تكون من وقتها كالمبتدأة.
قلت: وهو قوى ما لم تتيقن مخالفة لقرائبها
وأن كانت معتادة فأنها تجعل قدر عادتها حيضا والزائد طهرا ان ابتدأها لعادتها أو فى غيرها، وقد مطلها فيه أذ المطل أمارة كون الآتى من بعد حيضا أو لم يمطل وعادتها تنتقل.
قال القاضى زيد: والا فاستحاضة كله لبعده عن أمارات الحيض مع اتصاله بالاستحاضة.
وفى قول للمؤيد بالله: بل قدر عادتها حيض، اذ هى معتادة أتاها وقت امكان.
стр. 3288
وقال أبو طالب بل العشر الاولى حيض والزائد استحاضة كالمبتدأة التى لا قرائب لها.
فان نسيت العدد لا الوقت تحيضت ثلاثا من أول وقتها المعتاد، ثم اغتسلت لكل صلاة الى آخر العشر، ثم توضأت لكل صلاة الى ذلك الوقت، ثم تستمر كذلك والوجه واضح.
فان ذكرت العدد دون الوقت فلها صور.
منها أن لا تعرف فى أى شهر هو فتصلى بالوضوء من أول كل شهر قدر ذلك العدد ثم بالغسل لكل صلاة الى آخر الشهر وتقضى من رمضان قدر ذلك العدد، وتزيد يوما، لجواز الخلط.
وأنما يصح قضاؤها فى شهر واحد بصيام مثلى ذلك العدد، لتجويز احد المثلين حيضا، فمن عددها اربع يتم قضاؤها فى الشهر بصيام عشر والزيادة لجواز الخلط.
ومنها أن تعرف العدد من العشر الاولى فى كل شهر، والتبس هل من أولها أم من آخرها فتصلى بالوضوء من اول العشر فيما جوزته طهرا كالثلاث اول العشر الا ما تيقنته حيضا كأربع من وسط العشر من عددها سبع ثم تغتسل فيما جوزته انتهاء حيض كالثلاث بعد الاربع ويكون قضاء الصيام كما فات.
ومنها أن تعرف أنه فى أول عشر والتبس فى اى اعشار الشهر، فتصلى بالوضوء فى أول كل عشر قدر ذلك العدد، ثم تغتسل مرة واحدة ثم تتوضأ الى كمال العدد من العشر الثانية ثم كذلك الى آخره وقضاء الصيام كما مر.
وأن علمته فى آخر عشر من أعشار الشهر لا بعينها، فأول كل عشر طهر بيقين حتى لا يبقى فيها الا ذلك العدد فتصليه بالوضوء وتغتسل لكمال العشر مرة، ثم كذلك الى آخر الشهر.
فان التبس فى أى العشر هو وفى أى العشرات صلت متوضئة الى كمال عددها، ثم تغتسل الى كمال العشر ثم كذلك فى كل عشر فلو كانت تعلم أنها تخلط عشرا بعشر صلت بالوضوء الى مغرب أول العشر الثانية ثم تغتسل لكل صلاة الى كمال عددها، ثم تصلى بالوضوء الى مغرب أول يوم من العشر الاخرى، ثم تغتسل الى كمال عددها، ثم تصلى متوضئة الى آخر الشهر، تفعل كذلك فى كل شهر.
فأما التى التبس وقتها وعددها وهل تخلط شهرا بشهر أم لا؟
فان عرفت أنها لا تخلط شهرا بشهر تحيضت من ابتداء الدم عشرا لمجيئه وقت امكانه.
فأن جهلت ابتداءه وعرفت تقدمه بعشر فصاعدا، فان كانت فى وسط الشهر صلت بالغسل الى آخر الشهر ثم بالوضوء فى أول كل شهر ثلاثة أيام، ثم بالغسل الى آخر الشهر تفعل كذلك مستمرا فى غير شهر الابتداء وتصوم هذه رمضان، ثم تقضى منه واحدا وعشرين لتجويز العشر الاولى والاخرى منه حيضا والحادى والعشرين لجواز الخلط أذ يجوز ابتداؤه فى وسط اليوم فى اول الشهر فتوفى العشر من الحادى عشر، فيتم قضاؤها لمضى أربعة وأربعين يوما من أول شوال لجواز كون أول شوال طهرا أو آخره
стр. 3289
طهرا، وبطلان صوم يوم العيد منه ويوم آخر لجواز الخلط فى العاشر، وأول القعدة حيض فبطل منه أحد عشر يوما، لجواز الخلط فى الحادى عشر، والثلاث بعده يصح القضاء فيها فيكمل القضاء بمضى أربعة عشر يوما من القعدة ويصح ما ذكرناه. هذا معنى كلام أبى العباس.
قيل: الا أنه مبنى على أن المراد بقولهم أنها لا تخلط شهرا بشهر فى الحيض دون الطهر، أذ لو كانت لا تخلط شهرا بشهر فى طهر ولا حيض لم يستقم هذا التقدير بحال ولو رأت ثلاثة أحمر وثلاثة أسود، وثلاثة أصفر كان الجميع حيضا، أذ لا لبس.
ولو رأت أسود يوما ثم أحمر حتى تعدى العشر فاستحاضة فان لم يتعد العشر رجعت المعتادة الى عادتها والمبتدأة الى نسائها فان رأت شهرا أحمر ثم رأت السواد فى الشهر الثانى ثم أحمر، اغتسلت بعد الثلاثة ان احمر فيها أو عقيبها والا فهو عند التغير استحاضة كالاول المتعدى.
وأن رأت خمسة أسود وطهرت خمسة ثم دميت أحمر عشرا كان النقاء وما قبله حيضا والاحمر طهرا.
وأن رأت فى أربعة أيام اسود نصف اليوم ونصفه أحمر وكل الخامس أسود ثم أحمر وتعدى العشر كانت الخمسة الاول حيضا والاخرى استحاضة لاجل الصفة والتعدى.
وأن رأت ثلاثة أحمر ثم ثلاثة أسود ثم تعدى فالست الأول حيض.
وأن رأت ثلاثة عشر أسود، ومثلها أحمر فالاحمر استحاضة ومن الاسود ما زاد على عاداتها أو عادة نسائها لما مر.
وجاء فى شرح الازهار (١): أنه أن كان فى فرجها جراحة والتبس عليها هل الدم منها أو حيض فأنها ترجع الى التمييز فان لم يتميز لها فلا غسل عليها.
مذهب الإمامية
جاء فى شرائع الاسلام (٢): أن المرأة لو رأت الدم مرة ثم بلغت اليأس أكملت العدة بشهرين.
ولو استمر بالمعتدة الدم مشتبها رجعت الى عادتها فى زمان الاستقامة واعتدت به.
ولو لم تكن لها عادة اعتبرت صفة الدم واعتدت بثلاثة أقراء.
ولو اشتبه رجعت الى عادة أمثالها.
ولو اختلفن اعتدت بالاشهر.
ولو كانت لا تحيض الا فى ستة أشهر أو خمسة أشهر اعتدت بالاشهر.
ومتى طلقت فى أول الهلال اعتدت بثلاثة أشهر أهلة.
стр. 3290
ولو طلقت فى أثنائه اعتدت بهلالين وأخذت من الثالث بقدر الفائت من الشهر الاول وقيل تكمل ثلاثين وهو أشبه.
وجاء فى موضع آخر (١): أن المرأة لو رأت الدم ثلاثة أيام، ثم انقطع ورأت قبل العاشر، كان الكل حيضا، ولو تجاوز العشرة رجعت الى التفصيل الذى نذكره.
ولو تأخر بمقدار عشرة أيام، ثم رأته كان الأول حيضا منفردا، والثانى يمكن أن يكون حيضا مستأنفا.
وأذا انقطع الدم لدون عشرة فعليها الاستبراء بالقطنة، فأن خرجت نقية اغتسلت، وأن كانت متلطخة صبرت المبتدأة حتى تنقى أو تمضى لها عشرة أيام.
وذات العادة تغتسل بعد يوم أو يومين من عادتها، فأن استمر الى العاشر وانقطع قضت ما فعلته من صوم، وأن تجاوز كان ما أتت به مجزيا.
وكل ما تراه المرأة أقل من ثلاثة ولم يكن دم قرح ولا جرح فهو استحاضة.
وكذا كل ما يزيد على العادة ويتجاوز العشرة أو يزيد عن أكثر أيام النفاس أو يكون مع الحمل على الاظهر أو مع اليأس أو قبل البلوغ.
واذا تجاوز الدم عشرة أيام وهى ممن تحيض فقد امتزج حيضها بطهرها فهى اما مبتدئه وأما ذات عادة مستقرة واما مضطربة فالمبتدئة ترجع الى اعتبار الدم.
فما شابه دم الحيض فهو حيض.
وما شابه دم الاستحاضة فهو استحاضة.
والشرط أن يكون ما شابه دم الحيض لا ينقص عن ثلاثة ولا يزيد عن عشرة.
وأما أذا كانت عادتها مستقرة عددا ووقتا فرأت ذلك العدد متقدما على ذلك الوقت أو متأخرا عنه تحيضت بالعدد وألغت الوقت، لأن العادة تتقدم وتتأخر، سواء رأته بصفة دم الحيض أو لم يكن.
والمضطربة العادة ترجع الى التميز فتعمل عليه، ولا تترك هذه الصلاة الا بعد مضى ثلاثة أيام على الاظهر، فان فقدت التميز فهاهنا مسائل ثلاث.
الاولى: لو ذكرت العدد ونسيت الوقت، قيل: تعمل فى الزمان كله ما تعمله المستحاضة، وتغتسل للحيض فى كل وقت يحتمل انقطاع الدم فيه وتقضى صوم عادتها.
الثانية: لو ذكرت الوقت ونسيت العدد، فان ذكرت أول حيضها أكملته ثلاثة أيام، وأن ذكرت آخره جعلته نهاية الثلاثة وعملت فى بقية الزمان ما تعمله المستحاضة وتغتسل للحيض فى كل زمان تفرض فيه الانقطاع، أو تقضى صوم عشرة أيام احتياطا، ما لم يقصر الوقت الذى عرفته عن العشرة.
стр. 3291
الثالثة: لو نسيتهما جميعا، فهذه تتحيض فى كل شهر سبعة أيام أو ستة أو عشرة من شهر وثلاثة من آخر ما دام الاشتباه باقيا
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): أن دماء الشبهة التى تعذر فى ترك العبادة بها بعض عذر لاجل الاشتباه أن جهلت سبعة دماء وهى ما وجدته من الدم فى فخذها أو فى عقبها - وهو مؤخر الرجل - أو فى حجر قميصها - أراد ما يلى فرجها من أى ثوب لها - أو فى مكان قامت منه أو فى حجر مسحها أو بعد حملها أو أياسها، وزيد ما رأت فى جسدها مطلقا وما رأت فى بولها أو غائطها، ومثل السبعة صفرة تؤول الى الدم، فان تركت بها فريضة جاهلة أن حكمها هو عدم اعتبارها، بأن تبقى على حكم الطهر.
فقيل لا تكفر بترك الصلاة أو الصوم ولا ينهدم صومها قضاء ولا أداء بالافطار أو يومها بترك الصلاة، لانه ليس بكبيرة هنا ولتعد ما تركت فى الايام من الصلاة كالصوم
وقيل لا يكون لها ذلك شبهة فينهدم ما صامت وتلزمها المغلظة.
وقيل يكون لها ذلك شبهة الا الثوب والمكان قالوه فى الديوان وطهر الشبهة فى ذلك كله كدم الشبهة فى المحل والحكم.
قالوا: وأما الصفرة فشبهة لان منهم من يقول تكون حيضا ان جاءت حين يجئ الحيض وأما الكدرة والترية والنيبس فلا يكون لها ذلك شبهة.
قال: ومن وقت حيضها وطهرها عشرة ورأت الصفرة أو الكدرة أو الترية فأطرت فشبهة.
وكذا أن تركت الصلاة لدم ثم ايقنت أنه دم علقة قد دخلتها أو مضى من وقت صلاتها اقل من عشرة فرأت دما فأطرت وتركت الصلاة.
وقيل ليس هذا الاخير شبهة وهو الصحيح، ولا يكون ذلك ولا ما خرج من الدبر أو مع بول حيضا، وكذا الطهر اذا رأته فى ذلك أو مع بول أو خرج من الدبر لا يكون طهرا.
ثم قال (٢): وأن تشابه وقت المرأة فى الحيض لخلل فى عقلها أو مرض، أو جنون، أو نسيان، أو تضييع، أو نحو ذلك ما بين سبعة لعشرة أى لم تدر أن وقتها ثمانية، أو تسعة، أو عشرة، فرأت دما، تركت الصلاة الى سبعة تيقنتها، وأنتظرت أى تأخرت عن الصلاة والصوم، وتركتهما ثلاثة أن دام الدم، وتعتقد أنه ان كان وقتها فى نفس الامر سبعة فقد اخذت بقول الانتظار ثلاثة، وأن كانت ثمانية فبقول الاثنين والثامن حيض، وأن كان تسعة فبقول الواحد
стр. 3292
والاثنان حيض، وأن كان عشرة فبقول عدم الانتظار والثلاثة حيض.
فأن كان وقتها الله سبعة فقد أخذت بقول القائل الانتظار فى دم الحيض كالنفاس ثلاثة.
وان كان وقتها ثمانية فقد أخذت بقول يومين فى الانتظار.
وان كان تسعة فقد اخذت بقول يوم واحد فى الانتظار.
وان كان عشرة فقد أخذت بقول عدم الانتظار، ولزمها أن تنوى أنه أن كان كذا فكذا.
وأن تشابه بين خمسة وستة انتظرت بعد الخمسة يومين، فان كان خمسة فقد انتظرت يومين، وان كان ستة فقد انتظرت يوما على قول من قال الانتظار يوم.
الاشتباه
فى العبادات
حكم الاشتباه فى قبلة الصلاة
مذهب الحنفية:
جاء فى تبيين الحقائق (١): أن من اشتبهت عليه القبلة تحرى، لما روى عامر بن ربيعة رضى الله تعالى عنه أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فى ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزل قول الله تعالى: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ٢».
وقال على رضى الله تعالى عنه: قبلة المتحرى جهة قصده، ولان العمل بالدليل الظاهر واجب اقامة للواجب بقدر الوسع.
هذا اذا لم يكن بحضرته من يسأله عن القبلة.
أما اذا كان بحضرته من يسأله عنها وهو من أهل هذا المكان عالم بالقبلة فلا يجوز له التحرى، لان الاستخبار فوق التحرى لكون الخبر ملزما له ولغيره والتحرى ملزم له دون غيره فلا يصار الى الادنى مع امكان الاعلى.
قال فى الشلبى فان كان بحضرته أناس فلم يسألهم حتى تحرى وصلى الى الجهة التى وقع عليها تحريه ثم سألهم عن القبلة فلم يعلموا ايضا جهة القبلة فصلاته جائزة، لانه تبين أنه لا فائدة فى السؤال فترك السؤال لم يغير الحكم.
وان كانوا يعلمون جهة القبلة نظر، فان تبين أنه أصاب تمت صلاته، وأن تبين أنه أخطأ القبلة فى الصلاة أو بعدها يعيد، ولا عبرة بالتحرى لانه حصل لا فى موضعه.
ولو سألهم قبل الشروع فلم يخبروه، فتحرى وصلى الى جهة، جازت صلاته، وان تبين أنه اخطأ القبلة.
стр. 3293
وان تبين له فى اثناء الصلاة أنه اخطأ القبلة يحول وجهه الى القبلة ولا يستقبل الصلاة لانه فعل ما عليه وهو السؤال
وقال الزيلعى (١): ولو تحرى جماعة من الناس فى ليلة مظلمة فصلى امامهم الى جهة وصلى كل واحد من المأمومين الى جهة، ولا يدرون ما صنع الامام، يجزيهم أذا كانوا خلف الامام، لان كل واحد منهم متوجه الى القبلة وهى جهة التحرى وهذه المخالفة لا تمنع كما فى جوف الكعبة ومن علم منهم حال أمامه تفسد صلاته لاعتقاده أن امامه على الخطأ.
وجاء فى الفتاوى الهندية (٢): أنه لو اشتبهت عليه القبلة فى المفازة فوقع اجتهاده الى جهة فأخبره عدلان أن القبلة الى جهة أخرى فان كانا مسافرين لا يلتفت الى قولهما.
أما أذا كانا من أهل ذلك الموضع فأنه لا يجوز له الا أن يأخذ بقولهما كذا فى الخلاصة، فأن تحرى وصلى الى غير جهة التحرى اعاد صلاته وأن اصاب القبلة.
ولو صلى الى جهة من غير أن يشك فى أمر القبلة ثم شك بعد ذلك فهو على الجواز حتى يعلم فساده بيقين فيجب عليه الاعادة فان ظهر فى خلال الصلاة أنه اخطأ يلزمه الاستقبال.
وأن ظهر أنه اصاب القبلة اختلفوا فيه.
والصحيح أنه يتم ولا يستقبل.
ولو شك ولم يتحر وصلى من غير تحر فان زال الشك فى الصلاة بأن اصاب أو اخطأ يستقبل الصلاة والا فان ظهر الخطأ بعد الفراغ أو لم يظهر شئ يعيد.
وأن ظهرت الاصابة مضى الامر.
وأن شك وتحرى فلم يقع تحريه على شئ قيل يؤخر الصلاة وقيل يصلى الى أربع جهات وقيل يخير، والأصوب الاداء.
ومن دخل مسجدا لا محراب له وقبلته مشكلة فصلى بالتحرى، ثم ظهر أنه اخطأ كان عليه الاعادة لانه قادر على السؤال من الأهل، وأن تبين أنه أصاب جازت صلاته:
ولو سألهم فلم يخبروه وتحرى وصلى جاز وأن تبين أنه اخطأ.
ومن صلى فى المسجد فى ليلة مظلمة بالتحرى فتبين أنه صلى الى غير القبلة جازت صلاته، لانه ليس عليه أن يقرع ابواب الناس للسؤال عن القبلة.
ولو صلى ركعة بالتحرى ثم تحول رأيه الى جهة أخرى فصلى الركعة الثانية الى الجهة الثانية ثم تحول رأيه الى الجهة الاولى اختلف فيه المشايخ.
فمنهم من قال يتم صلاته الى الجهة الاولى.
ومنهم من قال يستقبل الصلاة كذا فى فتاوى قاضيخان.
стр. 3294
ومن اشتبهت عليه القبلة فى مفازة فصلى بالتحرى فاقتدى به رجل من غير تحر قال أصاب الامام القبلة جازت صلاتهما وأن اخطأ جازت صلاة الامام دون المقتدى.
ومن اشتبهت عليه القبلة بمكة فان كان محبوسا ولم يكن بحضرته من يسأله فصلى بالتحرى ثم تبين أنه اخطأ روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه لا اعادة عليه وهو أقيس وكذلك الحكم اذا كان بالمدينة هكذا فى الظهيرية.
ولو اشتبهت القبلة على رجل فصلى ركعة بالتحرى فتحول رأيه الى جهة فصلى الثانية الى تلك الجهة هكذا صلى اربع ركعات الى اربع جهات فعن محمد رحمه الله تعالى انه يجوز، ولو صلى ركعة بالتحرى الى جهة، ثم تحول رأيه الى جهة أخرى فصلى الركعة الثانية الى الجهة الثانية ثم تذكر أنه ترك سجدة من الركعة الاولى اختلف المشايخ فيه والصحيح أنه تفسد صلاته.
ولو أن قوما اشتبهت عليهم القبلة فى ليلة مظلمة وهم فى بيت ليس بحضرتهم احد عدل يسألونه وليس ثمة علامة يستدل بها على جهة القبلة، أو كانوا فى المفازة فتحروا جميعا وصلوا، ان صلوا وحدانا جازت صلاتهم اصابوا القبلة او لا، ولو صلوا بجماعة يجزيهم أيضا الا صلاة من تقدم على أمامه أو علم بمخالفة امامه فى الصلاة.
وجاء فى المبسوط (١) أن المريض اذا اشتبهت عليه القبلة فتحرى الى جهة وصلى اليها ثم تبين انه اخطأ القبلة تجوز صلاته وأن تعمد لا تجوز، لحديث على رضى الله تعالى عنه أنه قال: قبلة المتحرى جهة قصده.
فالحاصل أن المريض أنما يفارق الصحيح فيما هو عاجز عنه وأما فيما هو قادر عليه هو والصحيح سواء.
ثم الصحيح أذا اشتبهت عليه القبلة فى المفازة فتحرى الى جهة وصلى اليها، ثم تبين انه اخطأ القبلة تجوز صلاته ولو تعمد لا تجوز وكذلك هذا.
ثم قال فى المبسوط: لو أن قوما مرضى كانوا فى بيت مظلم واشتبهت عليهم جهة القبلة فصلوا بجماعة فتحرى كل واحد منهم الى جهة وصلى اليها جازت صلاة الكل، لانها تجوز من الاصحاء بهذه الصفة فمن المرضى أولى.
قال الحاكم رحمه الله تعالى: انما جازت صلاة المقتدى اذ كان المقتدى لا يعلم أنه خالف أمامه فاذا علم أنه خالف أمامه فانه لا تجوز صلاته، لانه اعتقد فساد صلاة الامام.
والأصل أن المقتدى اذا اعتقد فساد صلاة الامام تفسد صلاته.
ثم قال فى المبسوط (٢): لو أن مريضا اشتبهت عليه القبلة وتحرى أو ان مسافرا اشتبهت عليه القبلة وتحرى ثم تبين له فى خلال الصلاة أنه أخطأ القبلة فان له أن يحول وجهه
стр. 3295
الى القبلة ويبنى على صلاته ولا يجب عليه أن يستقبل، لحديث أهل قباء أخبروا فى خلال الصلاة أن القبلة حولت من بيت المقدس الى الكعبة فاستداروا كهيئتهم وهم ركوع فجوز لهم رسول الله ﷺ ، ولان المؤدى حصل بالاجتهاد، وهذا اجتهاد آخر، والاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله، كالقاضى اذا قضى فى حادثة بالاجتهاد، ثم ظهر أن اجتهاده كان خطأ فى تلك الحادثة باجتهاد آخر لا ينقض قضاؤه فكذلك هاهنا.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (١): أن غير المجتهد اذا لم يجد مجتهدا يقلده ولا محرابا أو أن المجتهد تحير بأن خفيت عليه أدلة القبلة بحبس أو غيم، أو التبست عليه، تخير له جهة من الجهات الأربع، وصلى اليها صلاة واحدة وسقط عنه الطلب لعجزه.
ولو صلى كل منهما أربعا لكل جهة صلاة لحسن عند ابن الحكم.
واختير عند اللخمى.
والمعتمد الأول.
وهذا اذا كان تحيره وشكه فى الجهات الأربع، والا ترك ما يعتقد أنه ليس بقبلة وصلى صلاة واحدة لغيره على الأول، وكررها بقدر ما شك فيه على الثانى.
وكان الظاهر أن يقول وهو المختار لانه قول ابن مسلمة مخالفا به قول الكافة واستحسنه ابن عبد الحكم واختاره اللخمى لا أنه اختاره من نفسه.
قال الدسوقى: ومن التبست عليه الأدلة مع ظهورها أى تعارضت عند الامارات والأولى قصر التحير على هذا أى على من التبست عليه الأدلة لانه هو الذى يختار له جهة من الجهات من أول الأمر ولا يقلد غيره ولا محرابا
وأما من خفيت عليه الأدلة فهذا حكمه كالمقلد كما لسند.
ونقله فى التوضيح عن ابن القصار
وحينئذ فلا يختار له جهة الا اذا لم يجد مجتهدا يقلده ولا محرابا.
وقال الشيخ عليش (٢): واذا اختلف ظن رجلين فى القبلة لم يجز أن يكون أحدهما اماما للآخر، وليس هذا مما يراعى فيه مذهب الامام، بل ذاك فى الأحكام الفقهية، وكون القبلة فى هذه الجهة أو هذه ليس منها كما هو الحال فى شأن التباس الطهور بغيره.
وجاء فى الفروق للقرافى (٣): أن من شك فى جهة الكعبة وقلنا يصلى أربع