ان وقع شكه بعد سعيه وان كان فى أثناء الطواف والسعى فليستمر على ما هو عليه، حتى اذا فرغ من سعيه أحرم بالحج.
وان عجل فنوى الحج هل يجزئه ذلك؟
يخرج على الاختلاف فى ارداف الحج فى أثناء الطواف أو السعى، وذلك لانه لا يتعين ما كان احرامه.
فان قدرنا عمرة وصححنا الارداف فقد صح حجه، وان لم نصحح الارداف لم يصح حجه.
فلهذا قلنا يجدد نية الحج بعد السعى ليكون على يقين من صحة حجه وان لم يفعل لم يجزئ بحجه وعليه القضاء لكونه على غير يقين من احرامه.
والمشهور أن الارداف يصح من غير كراهة فى أثناء الطواف وبالكراهة بعد الطواف وقبل الركوع وأما بعد الركوع وأثناء السعى فلا يصح الارداف.
وقوله فى التوضيح ويطوف ويسعى بناء على انه قارن ظاهره أنه لو وقع شكه فى أثناء الطواف ونوى الحج أن يكمل طوافه ويسعى فى هذه الصورة كذلك.
وليس هذا بمنزلة من أردف فى الحرم لان هذا ليس على يقين مما أحرم به لاحتمال أن يكون احرامه الأول قرانا أو افرادا.
وأما لو وقع شكه بعد الركوع أو فى أثناء السعى ونوى الحج لم يصح ويعيد النية بعد السعى كما قال سند.
ومن شك هل أفرد أو قرن تمادى على نية القران وحده قال اللخمى وانظر لو شك هل قرن أو تمتع والظاهر أنه يمضى على القران.
وذكر الحطاب عن ابن عرفة (١): وعن الموطأ أن الشك فى النقص فى عدد الطواف كتحققه.
قال الباجى: يحتمل أن الشك بعد تمامه غير مؤثر.
وسمع ابن القاسم تخفيف مالك للشك قبول خبر رجلين طافا معه، قال الشيخ وفى رواية قبول خبر رجل معه.
قال الباجى عن الأبهرى: القياس الغاء قول غيره وبناؤه على يقينه كالصلاة، وقاله عبد الحق.
وفرق الباجى بين الصلاة والطواف بأن الصلاة عبادة شرعت فيها الجماعة، والطواف عبادة لم يشرع فيها الجماعة، فيعتبر قول من ليس معه فيها كالوضوء والصوم.
стр. 3362
ثم قال الحطاب (١): ومن تذكر أنه نسى حصاة من أول يوم ولا يدرى من أى جمرة فقال مالك: مرة يرمى الأولى بحصاة ثم يرمى الوسطى والعقبة بسبع سبع وبه أقول.
ثم قال مرة أخرى يرمى كل جمرة بسبع سبع.
قال فى النكت وفى كتاب الأبهرى قال:
ومن بقيت بيده حصاة فلم يدر من أى جمرة هى فليرم بها الاولى ثم يرمى الباقيتين بسبع سبع.
وقد قيل انه يستأنفهن.
والأول أحب الينا.
وجه قوله يأتى بحصاة للأولى جواز أن تكون الحصاة منها ولا يصح رمى ما بعدها الا بتمامها، فوجب فى الاحتياط أن يجعلها من الأولى، ليكون على يقين
ووجه قوله أنه يستأنفهن أنه قذ انقطع بناء رمى الأولى للحصاة التى بقيت فوجب أن يبتدئ لرميهن كلهن حتى يوالى الرمى وجاء نحوه فى ابن يونس ونقله أبو الحسن الصغير.
وجاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (٢): أن من رمى الجمار الثلاث ثم تيقن أنه ترك حصاة من واحدة منها ولم يدر من أيها تركها أو شك فى ترك حصاة من واحدة وعدم تركها وعلى تقدير تركها لم يدر من أيها تركها فانه يعتد ست من الجمرة الأولى، لاحتمال كونها منها فيكملها بحصاة، ثم يرمى الثانية والثالثة بسبع سبع ولادم عليه ان كمل الأولى.
وفعل الثانية والثالثة فى يومه فان رمى الجمار الثلاث فى يومين وتحقق ترك واحدة ولم يدر من أى الجمار الثلاث تركت.
وهل هى من اليوم الأول أو الثانى فانه يعتد بست من الأولى فى كلا اليومين ويكمل عليها ويعيد ما بعدها ويلزمه دم لتأخر رمى اليوم الأول لليوم الثانى.
وكذا الحكم اذا لم يدر موضع حصاتين فانه يعتد بخمس من الأولى وهكذا كلما زاد الشك اعتد بغير المشكوك فيه وهذا أيضا مبنى على ندب التتابع وأما على وجوبه فلا يعتد بشئ.
وجاء فى التاج والاكليل (٣): أن ابن بشير قال من ترك حصاة فلا يخلو أن يذكر موضعها أو يشك فان ذكر موضعها فهل يعيد الجمرة من
стр. 3363
أصلها أو يكفيه رمى حصاة واحدة؟ ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه لا يعيد بل يرمى حصاة واحدة وهذا هو المشهور.
والثانى: أنه يعيد الجمرة من أصلها.
والثالث: اذا ذكرها يوم الأداء أعادها خاصة وان ذكرها يوم القضاء أعاد الجمرة من أصلها.
وسبب الخلاف يقوم على الاختلاف فى حكم الموالاة فى الجمرة الواحدة بين الوجوب والاستحباب فمن أوجبها أوجب الاعادة للكل ومن لم يوجبها اجتزأ برمى ما نسى خاصة ومن فرق فلأنه رأى حكم القضاء والأداء مختلفان فلا يجتمعان فى جمرة واحدة.
وان لم يدر موضعها فقولان.
أحدهما: أنه يرمى عن الأولى الحصاة ثم يعيد ما بعدها.
والثانى: أنه يرمى الجميع ولا يعتد بشئ.
وقال فى الطراز أيضا (١): ويستحب أن يتحرى فى ثوبى احرامه حل ملكهما وخلوصية أصلهما، وقد كان سيدنا مالك رحمه الله تعالى يحرم فى ثوب حججا وذلك يدل على أنه كان يرفعه للاحرام ويعده له اذ لو امتهنه لما أقام حججا لا يغسله.
قال مالك رحمه الله تعالى فى الموازية: ومن ابتاع ثوبين من أسود فخاف أن يكونا مسروقين فلا يحرم فيهما ان شك قيل فان باعهما وتصدق بثمنهما؟ قال: قد أصاب.
والذى قاله من باب الورع والفضيلة لا من باب الوجوب ونقل فى النوادر كلام الموازية ولا شك فى أنه ينبغى أن يحتاط فى هذا الباب ويتركهما اذا حصلت له ريبة وان ضعفت بخلاف باب الطهارة فلا يعمل فيه بالاحتمالات البعيدة.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٢): أنه لو جهل الحاج مانع الوجوب من نحو وجود عدو أو عدم زاد استصحب الأصل وعمل به ان وجد، والا وجب الخروج للحج، اذ الأصل عدم المانع ويتبين وجوب الخروج بتبين عدم المانع فلو ظنه فترك الخروج من أجله ثم بان عدمه لزمه النسك.
ثم قال (٣): لو قال معضوب (٤)
стр. 3364
من حج عنى فله مائة درهم.
فمن حج عنه ممن سمعه أو سمع من أخبره عنه استحقها.
وان أحرم عنه اثنان مرتبا استحقها الأول.
فان أحرما معا أو جهل السابق منهما مع جهل سبقه أو بدونه وقع حجمها ولا شئ لهما على القائل اذ ليس أحدهما أولى من الآخر.
ولو علم سبق أحدهما ثم نسى وقف الأمر على قياس نظائره.
ولو كان العوض مجهولا كقوله من حج عنى فله ثوب وقع الحج عنه بأجرة المثل.
وجاء فى المهذب (١): أنه لو استأجر من يريد الحج رجلا ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه انعقد الاحرام عن نفسه، لأنه تعارض التعيينان فسقطا، وبقى مطلق الاحرام فانعقد له.
وان أحرم بنسك معين، ثم نسيه قبل أن يأتى بنسك ففيه قولان.
قال فى الأم: يلزمه أن يقرن، لأنه شك لحقه بعد الدخول فى العبادة فيبنى فيه على اليقين كما لو شك فى عدد ركعات الصلاة.
وقال فى القديم يتحرى لأنه يمكنه أن يدرك بالتحرى فيتحرى فيه كالقبلة فاذا قلنا يقرن لزمه أن ينوى القرآن فاذا قرن أجزأه ذلك عن الحج.
وهل يجزئه عن العمرة.
ان قلنا يجوز ادخال العمرة على الحج أجزأه عن العمرة أيضا.
وان قلنا لا يجوز ففيه وجهان.
أحدهما: لا يجزئه لأنه يجوز أن يكون أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة فلم يصح واذا شك لم يسقط الفرض.
والثانى: أنه يجزئه، لأن العمرة انما لا يجوز ادخالها على الحج من غير حاجة، وهاهنا به حاجة الى ادخال العمرة على الحج.
والمذهب الأول.
وان نسى بعد الوقوف وقبل طواف القدوم، فان نوى القران وعاد قبل طواف القد - وم أجزأه الحج، لأنه ان كان حاجا أو قارنا فقد انعقد احرامه بالحج.
وان كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة فصح حجه ولا يجزئه عن العمرة لأن ادخال العمرة على الحج لا يصح فى أحد القولين، ويصح فى الآخر ما لم يقف بعرفة، فاذا وقف بعرفة لم يصح فلم يجزه.
وان نسى بعد طواف القدوم وقبل
стр. 3365
الوقوف، فان قلنا ان ادخال العمرة على الحج لا يجوز لم يصح له الحج ولا العمرة، لأنه يحتمل أنه كان معتمرا فلا يصح ادخال الحج على العمرة بعد الطواف فلم يسقط فرض الحج مع الشك ولا تصح العمرة لأنه يحتمل أن لا يكون أحرم بها أو أحرم بها على حج فلا يصح.
وجاء فى نهاية المحتاج (١): أنه لو أحرم قبل أشهر الحج، ثم شك هل أحرم بحج أو عمرة فهو عمرة أو أحرم بحج ثم شك هل كان احرامه فى أشهره أم قبلها، قال الصيمرى كان حجا لأنه تيقن احرامه الآن وشك فى تقدمه قاله فى المجموع.
ثم قال (٢): نقل الماوردى عن الأصحاب أنه لو شك هل أحرم بالحج قبل الشروع فى الطواف أو بعده صح احرامه بالحج، ويبرأ بذلك من الحج والعمرة، لأن الأصل جواز ادخال الحج على العمرة حتى يتعين المنع، فصار كمن أحرم وتزوج، ولم يدر هل كان احرامه قبل تزوجه أو بعده، فانه يصح تزوجه.
ولا يجوز عكسه، وهو ادخال العمرة على الحج فى الجديد، لأنه لا يستفيد به شيئا بخلاف الأول يستفيد به الوقوف والرمى والمبيت، ولأنه يمتنع ادخال الضعيف على القوى كفراش النكاح مع فراش الملك لقوته عليه جاز ادخاله عليه دون العكس، حتى لو نكح أخت أمته جاز وطؤها بخلاف العكس والقديم الجواز وصححه الامام كعكسه فيجوز ما لم يشرع فى أسباب تحلله.
ثم قال (٣): ولو وقفوا اليوم العاشر غلطا لظنهم أنه التاسع كأن غم عليهم هلال الحجة فأكملوا القعدة ثلاثين يوما، ثم بان أنه تسعة وعشرون.
وان كان وقوفهم بعد تبين أنه العاشر كما اذا ثبت ليلا ولم يتمكنوا من الوقوف فيه فيصح للاجماع، ولأنهم لو كلفوا بالقضاء لم يأمنوا وقوع مثله فيه، ولأن فيه مشقة عامة.
واذا وقفوا العاشر غلطا لم يصح وقوفهم فيه قبل الزوال كما بحثه الأذرعى بل بعده.
قال المتولى ان وقوفهم فى العاشر يقع أداء لا قضاء، لأنه لا يدخله القضاء أصلا.
وقد قالوا ليس يوم الفطر أول
стр. 3366
شوال مطلقا بل يوم يفطر الناس، وكذا يوم النحر يوم يضحى الناس، ويوم عرفة اليوم الذى يظهر لهم أنه يوم عرفة سواء التاسع والعاشر، لخبر: «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحى الناس رواه الترمذى وصححه وفى رواية للشافعى» وعرفة يوم يعرف الناس.
ولو وقفوا ليلة الحادى عشر لا يجزئ، وهو ما صححه القاضى حسين.
لكن بحث السبكى الاجزاء كالعاشر، لأنه من تتمته.
وهو مقتضى كلام الحاوى الصغير وفروعه وافتاء الوالد وهو الأقرب.
وان وقفوا فى اليوم الثامن غلطا بأن شهد شاهدان برؤية هلال ذى الحجة ليلة الثلاثين من القعدة، ثم بانا كافرين أو فاسقين وعلموا قبل فوت الوقوف وجب الوقوف فى الوقت تداركا له.
وان علموا بعده أى فوات وقت الوقوف وجب القضاء لهذه الحجة فى عام آخر فى الأصح لندرة الغلط.
وفارق العاشر بأن تأخير العبادة عن وقتها أقرب الى الحساب من تقديمها عليه، وبأن الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه، لأنه انما يقع لغلط فى الحساب أو خلل فى الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلال والغلط بالتأخير قد يكون بالغيم الذى لا حيلة فى دفعه.
والثانى: لا يجب القضاء عليهم قياسا على ما اذا غلطوا بالتأخير وفرق الأول بما مر ولو غلطوا بيومين فأكثر أو فى المكان لم يصح جزما لندرة ذلك.
ثم قال (١): ولو جرح الصيد فغاب فوجده ميتا وشك أمات بجرحه أم بحادث لم يجب عليه غير الأرش لأن الاصل براءة ذمته عما زاد.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (٢): أنه اذا أخطأ الناس العدد فوقفوا فى غير ليلة عرفة أجزأهم ذلك.
لما روى الدار قطنى باسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ «يوم عرفة الذى يعرف فيه الناس.
«فان اختلفوا فأصاب بعضهم وأخطأ بعض وقت الوقوف لم يجزئهم، لأنهم غير معذورين فى هذا.
وروى أبو هريرة أن رسول الله
стр. 3367
صلّى الله عليه وسلم: قال:
«فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون رواه الدار قطنى وغيره.
ثم قال (١): ومن لم يكن طريقه على ميقات فاذا حاذى أقرب المواقيت اليه أحرم.
وجملة ذلك أن من سلك طريقا بين ميقاتين، فانه يجتهد حتى يكون احرامه بحذو الميقات الذى هو الى طريقه أقرب.
لما روينا أن أهل العراق قالوا لعمر رضى الله عنه ان قرنا جور عن طريقنا، فقال: انظروا حذوها من طريقكم فوقت لهم ذات عرق، ولأن هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير، فاذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة.
فان لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات الا محرما لأن الاحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه لا يجوز فالاحتياط فعل ما لا شك فيه.
ولا يلزمه الاحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه، لأن الأصل عدم وجوبه فلا يجب بالشك.
فان أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز ما يحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم.
وان شك فى أقرب الميقاتين اليه فالحكم فى ذلك على ما ذكرنا وان كانا متساويين فى القرب اليه أحرم من حذو أبعدهما.
ثم قال (٢): واذا أحرم بنسك ثم نسيه قبل الطواف فله صرفه الى أى الأنساك شاء.
فانه ان صرفه الى عمرة وكان المنسى عمرة فقد أصاب وان كان حجا مفردا أو قرانا فله فسخهما الى العمرة.
وان صرفه الى القران وكان المنسى قرانا فقد أصاب، وان كان عمرة فادخال الحج على العمرة جائز قبل الطواف فيصير قارنا، وان كان مفردا لغا احرامه بالعمرة وصح بالحج وسقط فرضه.
وان صرفه الى الافراد وكان مفردا فقد أصاب وان كان متمتعا فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارنا فى الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى وهو يظن أنه مفرد، وان كان قارنا فكذلك.
والمنصوص عن أحمد رحمه الله تعالى أنه يجعله عمرة.
قال القاضى هذا على سبيل الاستحباب.
لأنه اذا استحب ذلك فى حال العلم فمع عدمه أولى.
стр. 3368
وقال أبو حنيفة يصرفه الى القران وهو قول الشافعى فى الجديد.
وقال فى القديم يتحرى فيبنى على غالب ظنه، لأنه من شرائط العبادة فيدخله التحرى كالقبلة.
ومنشأ الخلاف على فسخ الحج الى العمرة، فانه جائز عندنا، وغير جائز عندهم.
فعلى هذا ان صرفه الى المتعة فهو متمتع عليه دم المتعة ويجزئه عن الحج والعمرة جميعا.
وان صرفه الى افراد أو قران لم يجزئه عن العمرة اذ من المحتمل أن يكون المنسى حجا مفردا، وليس له ادخال العمرة على الحج، فتكون صحة العمرة مشكوكا فيها، فلا تسقط من ذمته بالشك، ولا دم عليه لذلك فانه لم يثبت حكم القران يقينا، ولا يجب الدم مع الشك فى سببه، ويحتمل أن يجب.
فاما ان شك بعد الطواف لم يجز صرفه الا الى العمرة، لأن ادخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز.
فان صرفه الى حج أو قران فانه يتحلل بفعل الحج ولا يجزئه عن واحد من النسكين، لأنه يحتمل أن يكون المنسى عمرة فلم يصح ادخال الحج عليها بعد طوافها.
ويحتمل أن يكون حجا وادخال العمرة عليه غير جائز فلم يجزئه واحد منهما مع الشك، ولا دم عليه للشك فيما يوجب الدم، ولا قضاء عليه للشك فيما يوجبه.
وان شك وهو فى الوقوف بعد أن طاف وسعى جعله عمرة فقصر ثم أحرم بالحج، فانه ان كان المنسى عمرة فقد أصاب وكان متمتعا، وان كان افرادا أو قرانا لم ينفسخ بتقصيره وعليه دم بكل حال، فانه لا يخلو من أن يكون متمتعا عليه دم المتعة أو غير متمتع فيلزمه دم لتقصيره.
وان شك ولم يكن طاف وسعى جعله قرانا، لأنه ان كان قارنا فقد أصاب، وان كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارنا، وان كان مفردا لغا احرامه بالعمرة وصح احرامه بالحج.
وان صرفه الى الحج جاز أيضا.
ولا يجزئه عن العمرة فى هذه المواضع لاحتمال أن يكون مفردا وادخال العمرة على الحج غير جائز ولا دم عليه للشك فى وجود سببه.
ثم قال (١): واذا شك فى الطهارة وهو فى الطواف لم يصح طوافه ذلك، لأنه شك فى شرط العبادة قبل
стр. 3369
الفراغ منها فأشبه ما لو شك فى الطهارة فى الصلاة وهو فيها.
وان شك بعد الفراغ منه لم يلزمه شئ لأن الشك فى شرط العبادة بعد فراغها لا يؤثر فيها وان شك فى عدد الطواف بنى على اليقين.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك، ولأنها عبادة فمتى شك فيها وهو فيها بنى على اليقين كالصلاة.
ولو أخبره ثقة عن عدد طوافه رجع اليه اذا كان عدلا.
وان شك فى ذلك بعد فراغه من الطواف لم يلتفت اليه كما لو شك فى عدد الركعات بعد فراغ الصلاة.
قال أحمد اذا كان رجلان يطوفان فاختلفا فى الطواف بنيا على اليقين وهذا محمول على أنهما شكا فأما ان كان أحدهما تيقن حال نفسه لم يلتفت الى قول غيره.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): أن من أخطأ فى رؤية الهلال لذى الحجة فوقف بعرفة اليوم العاشر وهو يظنه التاسع ووقف بمزدلفة الليلة الحادية عشرة وهو يظنها العاشرة فحجه تام ولا شئ عليه.
لأن رسول الله ﷺ لم يقل: ان الوقوف بعرفة لا يكون الا فى اليوم التاسع من ذى الحجة أو الليلة العاشرة منها.
وانما أوجب ﷺ الوقوف بها ليلا أو نهارا.
فصح أن كل من وقف بها أجزأه ما لم يقف فى وقت لا يختلف اثنان فى انه لا يجزيه فيه.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وهامشه (٢):
أن قطع شجر الحرمين المكى والمدنى انما يكون محظورا اذا كان الشجر ثابتا فى الحرمين وكذا لو كان بعض عروق أصله فى الحرم كان محرما.
فان التبس هل هو فى الحل أو فى الحرم فالأصل براءة الذمة فيجوز قطعه.
ثم قال (٣): وعلى كل من ورد بين
стр. 3370
المواقيت المضروبة بلا احرام أن يحرم اذا حاذى أدناها اليه منه فان التبس عليه ذلك تحرى.
قال (١): واذا نوى الحج وعين ما نواه، ثم التبس عليه ما قد كان عين أو نوى انه محرم كاحرام فلان، أى بما أحرم به فلان من حج، أو عمرة، أو تمتع، أو قران وجهله، أى لم يعلم ما أحرم له فلان، بل التبس عليه صحت تلك النية، ولم يفسد بعروض اللبس
لكن اذا اتفق له ذلك طاف وسعى وجوبا مثنيا ندبا.
وانما يندب له تثنية الطواف والسعى لجواز كونه قارنا فى الصورتين، لأنه يستحب للقارن تقديم طواف القدوم والسعى.
نعم ويكون فى طوافه الأول وسعيه ناويا ما أحرم له على سبيل الجملة، هكذا أطلق أبو طالب للمذهب.
ولا يتحلل عقب السعى أى لا يحلق ولا يقصر، لجواز كونه قارنا أو مفردا،
ثم اذا فرغ من السعى لزمه أن يستأنف نية معينة للحج كأنه مبتدئ للاحرام بالحج، ويكون ذلك الابتداء من أى مكة.
وتكون تلك النية مشروطة بأن لم يكن أحرم له فيقول فى نيته اللهم انى محرم بالحج ان لم أكن محرما به لئلا يدخل حجة على حجة، ثم يستكمل المناسك المشروعة فى الحج كالمتمتع أى يفعل بعد استئناف النية للحج كما يفعل المتمتع حين يحرم للحج من مكة فأنه يستكمل أعمال الحج مؤخرا لطواف القدوم.
ويلزمه أيضا دمان ونحوهما من يكون قارنا وشاة لترك السوق أن كان قارنا أو لترك الحلق أو التقصير بين النسكين ان كان متمتعا.
ويلزمه أيضا دمان ونحوهما من الصيام والصدقات يلزم ذلك لما ارتكب من محظورات احرامه فما فعله مما يوجب دما لزمه دمان، وما يوجب صيام يوم يلزمه صيام يومين، وما يوجب صدقة يلزمه صدقتان، اذا ارتكب شيئا من ذلك قبل كمال السعى الأول.
فأما بعده فلا يتثنى عليه شئ من ذلك وانما يثنى عليه ذلك قبل كمال السعى الأول، لجواز كونه قارنا.
ويجزيه للفرض ما التبس نوعه أى
اذا تيقن أنه نوى حجة الاسلام لكن التبس عليه هل جعله قارنا
стр. 3371
أو متمتعا أو مفردا فالتبس نوعه لا عينه فانه يفعل فى أعمال الحج ما تقدم فيمن نسى ما أحرم له.
ويجزيه ذلك عن حجة الاسلام.
ولا يجزيه عن حجة الاسلام ما التبس بالنذر والنفل.
أما الالتباس بالنذر فذلك يكون حيث ينذر بحجة فلما أحرم التبس عليه هل نوى النذر أم حجة الاسلام.
وأما الالتباس بالنفل فهو أن ينسى ما عقد أحرامه عليه هل بفريضة أم نافلة فان حجه فى هاتين الصورتين لا يجزيه عن فريضة الاسلام.
ثم قال (١): وان التبس عليه يوم عرفة تحرى وعمل على غالب ظنه، والأحوط أن يقف يومين.
وتحصيل هذه المسألة أنه لا يخلو من أحد أمرين.
اما أن يتحرى أولا.
فان لم يتحر ووقف من غير تحر فلا يخلو اما أن تنكشف له الاصابة أو عدم الاصابة.
فان انكشفت له الاصابة أجزأه الوقوف.
وان انكشف الخطأ لم يجزه.
وان بقى اللبس قال المهدى: فالأقرب أنه لا يجزيه.
هذا اذا لم يتحر.
أما اذا تحرى فلا يخلو أما أن يحصل اللبس بين التاسع والعاشر أو بين التاسع والثامن فان وقع اللبس بين التاسع والثامن فلا يخلو اما أن يحصل له ظن أولا.
فان لم يحصل له ظن فقد قال كثير من المذاكرين ان هنا يجب عليه أن يقف مرتين ويفيض فى اليوم الأول ويعمل بموجبه ثم يعود فى اليوم الثانى فيعمل بموجبه.
قال المهدى وفى هذا نظر.
والقياس هنا أن يرجع الى الأصل كما قال أهل المذهب فيمن شك فى آخر رمضان أنه يجب عليه الرجوع الى الأصل والأصل بقاء رمضان فيصوم حتى يتيقن الكمال.
وهنا الأصل أنه قد مضى الأقل من الشهر لا الاكثر فيبنى على أن الذى قد مضى هو الثمان فلا يجب أن يقف فى اليوم الذى يشك أنه ثامن بل يبنى على أنه الثامن بقاء على الاصل وهو أنه لم يمض الا الأقل، كما قالوا فى رمضان الا أن يريد الاحتياط فعلى ما ذكره المذاكرون لا على جهة الوجوب عندى.
стр. 3372
وأما اذا حصل له ظن فالواجب عليه أن يعمل بظنه ويستحب له
أن يقف يومين ليأخذ باليقين.
ثم فى هذه الصورة لا يخلو اما ان يقف يوما أو يومين.
فان وقف يوما واحدا فلا يخلو اما أن ينكشف له الخطأ أولا.
فأن لم ينكشف له الخطأ أجزأه، لأنه قد تحرى.
وان انكشف له الخطأ وهو أنه وقف الثامن وكان ظنه تاسعا فان علم ذلك يوم عرفة لزمه الاعادة، وان علم بعد مضيه فقد أجزأه وقوف الثامن على ما دل عليه كلام أبى طالب.
وأما اذا وقف يومين فهذا هو الاحتياط.
ولا أشكال فى أن الوقوف قد أجزأه لأنه قد وافق فى نفس الأمر يوم عرفة.
وأما اذا كان اللبس بين التاسع والعاشر فانه يتحرى.
ثم لا يخلو اما أن يحصل له ظن أولا.
فان لم يحصل له ظن فظاهر كلام الاصحاب أنه يقف يومين أيضا.
قال المهدى: ولكن هذا غير صحيح ولا أظنهم يقولون به.
فان قالوا، فهو سهو وغلط، لأنه لا وجه لوقوف يومين فى هذه الصورة رأسا، لكن الواجب عليه أن يقف فى هذا اليوم الذى وقع فيه اللبس هل هو تاسع أم عاشر، فان انكشف أنه تاسع أجزأه، وان انكشف أنه العاشر ولم يكن حصل له الظن قال المهدى فلم أقف فيه على نص.
والأقرب أنه يجزيه اذ لا يقف فيه الا لظن أو بناء منه على الأصل وهو مضى الأقل.
وأما اذا حصل له ظن عمل بظنه ومتى عمل بظنه أجزأه ما لم يتيقن الخطأ.
فان تيقن الخطأ من بعد أنه وقف العاشر فحكى فى الياقوتة عن البعض أنه قد أجزأه.
وقال البعض لا يجزيه.
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى (١):
أنه اذا شك فى مقدار ماله وأنه وصل الى حد الاستطاعة أو لا هل
стр. 3373
يجب عليه الفحص أو لا؟ وجهان أحوطهما ذلك.
وكذا اذا علم مقداره وشك فى مقدار مصرف الحج وأنه يكفيه أو لا.
فلو كان بيده مقدار نفقة الذهاب والاياب وكان له مال غائب لو كان باقيا يكفيه فى رواج أمره بعد العود، لكن لا يعلم بقاءه أو عدم بقائه فالظاهر وجوب الحج بهذا الذى بيده استصحابا لبقاء الغائب فهو كما لو شك فى أن أمواله الحاضرة تبقى الى ما بعد العود أو لا فلا يعد من الأصل المثبت (١).
وجاء فى شرائع الاسلام (٢): أن من نسى الوقوف بعرفة رجع فوقف بها ولو الى طلوع الفجر اذا عرف أنه يدرك المشعر قبل طلوع الشمس.
فلو غلب على ظنه الفوات اقتصر على ادراك المشعر قبل طلوع الشمس وقد تم حجه.
وكذا لو نسى الوقوف بعرفات ولم يذكر الا بعد الوقوف بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس.
ثم قال (٣): ولو وقعت الجمرة على شئ وانحدرت على الجمرة جاز ولو قصرت فتممها حركة غيره من حيوان أو انسان لم يجز وكذا لو شك فلم يعلم وصلت الجمرة أم لا.
ولو طرحها على الجمرة من غير رمى لم يجز.
ثم قال (٤): ومن شك فى عدد الطواف بعد انصرافه لم يلتفت اليه.
وان كان الشك فى أثنائه.
فان كان شك فى الزيادة قطع ولا شئ عليه.
وان كان الشك فى النقصان استأنف فى الفريضة وبنى على الأقل فى النافلة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٥): أن من خرج من الطواف ثم شك فيه ثم تيقن أنه طاف ستة ركع ركعتين ثم يرجع فيطوف ثمانية ثم يركع ثم يطوف طواف الفريضة لا زيادة ولا نقصان فيه.
وان شك قبل الخروج من الطواف بنى على يقينه حتى يتم السبعة ثم يركع ويطوف سبعة تامة.
стр. 3374
وقيل كل من طاف أقل من سبعة رجع وأتم ما بقى وعليه لتأخيره دم.
وجاء فى موضع آخر (١): أنه لو امتشط المحرم فرأى شعرا وشك هل نتفه أو انتتف فلا فدية عليه لأن النتف لم يتحقق والأصل براءة الذمة.
ثم قال (٢): ومن أخذ احدى وعشرين حصاة فرمى الجمار وبقيت بيده حصاة والتبس عليه الأمر فلم يدر من أيهن؟ رمى بها الأولى وأعاد على الباقيتين سبعا سبعا.
وقال أهل مكة يجزيه أن يرمى كلا بحصاة وكذا ان بقيت بيده حصاتان أو ثلاث وان بقى أربع حصيات أو أكثر أعاد الرمى لكل سبع.
ومن رأى هلال (٣) ذى الحجة وحده ورد قوله فليقف يوم عرفات ويقض المناسك فى أوقاتها بحسب رؤيته ويستر ان خاف وان ألغى رؤيته واتبع الناس فلا حج له.
وزعم قوم أنه يجوز له اتهام نفسه فى الرؤية وتكذيبها واذا نادى منادى السلطان أن الحج يوم كذا جاز اتباعه ولو كان جائرا ان اعتيد صدقه.
وان شهد قوم بالهلال وكذبوا أنفسهم أو قالوا اشتبه لنا أعاد الناس ما فعلوا وأدركوا وذلك بأن يتموا وقوفهم الى الغروب ويفيضوا للمزدلفة واذا صلوا الفجر وذكروا الله عندها دفعوا الى منى للرمى عند الطلوع ثم يرجعون الى عرفات ويعيدون ذلك.
ومن شهدا بالهلال زورا فحج الناس بهما وتابا لم يلزمهما اظهار ذلك، لأنه لا يقبل قولهما.
واعتبرت رؤية الحاج لا أهل بلادهم أو غيرهم ان قالوا عند الرجوع سبق الهلال أو تأخر.
وقيل ان ثبتت رؤيتهم قبل رؤية الحجاج وصحت بعدول أعادوا حجهم والصحيح الأول.
وجاء فى شرح النيل (٤): وان شك هل أفرد أو قرن فليكن على القران.
стр. 3375
حكم الاشتباه فى الاضحية
مذهب الحنفية:
جاء فى الهداية وشروحها (١): أن وقت الاضحية يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر.
الا انه لا يجوز لأهل الامصار الذبح حتى يصلى الامام العيد.
فأما اهل السواد فيذبحون بعد الفجر
والأصل فيه قول النبى ﷺ ، من ذبح شاة قبل الصلاة فليعد ذبيحته، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين.
وقوله ﷺ ، أن اول نسكنا فى هذا اليوم الصلاة ثم الاضحية.
وجاء فى بدائع الصنائع (٢): انه ان كانت الصلاة فى المصر فى موضعين، بأن كان الامام قد خلف من يصلى بضعفة الناس فى الجامع، وخرج هو الى المصلى وهو الجبانة.
ذكر الكرخى رحمه الله تعالى: انه اذا صلى اهل احد المسجدين ايهما كان جاز ذبح الاضاحى.
وذكر فى الاصل أنه اذا صلى اهل المسجد فالقياس أن لا يجوز ذبح الاضحية.
وفى الاستحسان يجوز.
ووجه القياس أن صلاة العيد لما كانت شرطا لجواز الاضحية فى حق اهل المصر فاعتبار صلاة اهل احد الموضعين يقتضى أن يجوز، واعتبار صلاة اهل الموضع الاخر يقتضى ان لا يجوز، فوقع الشك، وفى العبادات يؤخذ بالاحتياط، فلا يحكم بالجواز بالشك، بل يحكم بعدم الجواز احتياطا.
ووجه الاستحسان ان الشرط صلاة العيد والصلاة فى المسجد الجامع تجزى عن صلاة العيد، بدليل أنهم لو اقتصروا عليها جاز، ويقع الاكتفاء بذلك، فقد وجد الشرط فجاز.
وجاء فى نتائج الافكار (٣): أن قاضى زاده قال تعليقا على الوجهين: أقول هنا بحث وهو أن ما ذكر من وجه الاستحسان لا يدفع وجه القياس الذى ذكروه، لأن كون صلاة أهل المسجد صلاة معتبرة لا ينافى كون صلاة أهل الجبانة أيضا صلاة معتبرة، فاذا كانت كلتا الصلاتين معتبرة وقع الشك فى جواز التضحية بعد احدى الصلاتين
стр. 3376
قبل الأخرى، واقتضى الأخذ بالاحتياط فى العبادات عدم جوازها، فلم يتم وجه الاستحسان الذى ذكروه، فى مقابلة وجه القياس، فكيف يترك به القياس.
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب (١): انه اذا اختلطت الأضحيتان قبل الذبح، اما أن يتساويا، أولا، فان تساويا فواضح، وان لم يتساويا فمن أخذ الأفضل ذبحه، ومن أخذ المفضول فان ترك الأفضل لصاحبه من غير حكم عد كأنه أبدل الأعلى بالادنى فيكره له ذلك، واما ان كان بحكم القرعة، فالظاهر أنه لا كراهة عليه، ولكن اقتصر على الأدنى، والحاصل له بالقرعة.
وقيل كره له ذلك.
ويستحب له أن يبدله بمثل الأعلى.
وقال خليل: ان ذلك مكروه، سواء ترك الأفضل بالحكم بالقرعة أو اختيارا.
وفى التاج والاكليل: وسئل سحنون عن رفيقين اشتركا فى شراء شاتين للأضحية فيقتسمانهما، فان استويا فى السمانة فلا بأس، وان لم يستويا كرهت ذلك، لآخذ الدنية الا أنها تجزئه.
وقال خليل (٢): وجاز أخذ العوض ان اختلطت بعد الذبح على الأحسن.
قال الحطاب: ظاهره سواء كان المختلط الجزء أو الكل، وهو كذلك على ما استحسنه ابن عبد السّلام.
وظاهره سواء كان العوض من الجنس أو من غير الجنس، وهو كذلك على ما قاله فى التوضيح.
وتجزئ عن صاحبها على ما قاله ابن عرفة.
وقال ابن يونس: اذا اختلطت أضحيتا رجلين بعد ذبحهما فانهما يجزئانهما، ولا يأكلان لحمهما، وليتصدقا به.
وقال ابن يونس انما أجزأتاهما، لأنهما بالذبح وجبتا أضحية، فلا يقدح اختلاطهما فى الاجزاء.
وانما لم يأكلا لحمهما، لأن كل واحد قد يأكل لحم شاة صاحبه، فيصير بيعا للحم أضحيته بلحم أضحية صاحبه.
قال ابن بشير: لو اختلطت أضحية أو جزء منها بغيرها ففى اباحة أخذ العوض قولان.
стр. 3377
وقال مالك: (١): واذا اختلطت الرءوس فى الفرن كرهت لك أن تأكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك، أو لعل متاعه خير من متاعك.
وانما كره مالك للرجل اذا اختلطت رءوس الضحايا فى الأفران ان يأكل متاع غيره، ولم يحرم ذلك، لأن حكمه حكم لقطة ما لا يبقى من الطعام حيث لا يوجد له ثمن اذ لا يجوز بيعه فأكله جائز اذا لم يعلم صاحبه وخشى عليه الفساد، لقول النبى ﷺ فى الشاة هى لك، أو لأخيك أو للذئب، والتصدق بذلك أفضل.
بخلاف الخبز واللحم من غير الأضاحى تختلط فى الفرن فلا يعلم الرجل لمن هذا الذى سيق اليه، ولا عند من صار متاعه، لأنه يجب عليه أن يبتاعه ويوقف ثمنه على حكم اللقطة اذا لم تبق، ووجد لها ثمن
والحاصل أن أخذ العوض يجوز على البعض وعلى الكل من غير الجنس.
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع (٢): أنه لا يجزئ فى الأضحية الا الأنعام، وهى الابل والبقر والغنم، لقول الله ﵎ «لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ٣».
ولا يجزئ فيها الا الجذعة من الضأن، والثنية من المعز والابل والبقر، لما روى جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تذبحوا الا مسنة الا أن تعسر عليكم فاذبحوا جذعة من الضأن، وعن على رضى الله عنه قال «لا يجوز فى الضحايا الا الثنى من المعز والجذعة من الضأن، وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال «لا تضحوا بالجذع من المعز والابل والبقر».
ويجوز فيها الذكر والانثى، لما روت أم كرز عن النبى ﷺ أنه قال: «على الغلام شاتان، وعلى الجارية شاة لا يضركم ذكرانا كن أو اناثا واذا جاز ذلك فى العقيقة بهذا الخبر، دل على جوازه فى الأضحية، ولأن لحم الذكر أطيب، ولحم الانثى أرطب.
قال فى المجموع فشرط المجزئ فى الأضحية أن يكون من الانعام، وهى الابل والبقر والغنم سواء فى ذلك جميع أنواع الابل من البخاتى والعراب، وجميع أنواع البقر من الجواميس والعراب والدربانية، وجميع أنواع الغنم من الضأن والمعز وأنواعهما.
ولا تجزئ غير الانعام من بقر الوحش وحميره والضبا وغيرها بلا
стр. 3378
خلاف، وسواء الذكر والانثى من جميع ذلك، ولا خلاف فى شئ من هذا عندنا.
ولا تجزئ من الضأن الا الجذع والجذعة فصاعدا.
ولا من الابل والبقر والمعز الا الثنى أو الثنية فصاعدا هكذا نص عليه الشافعى وقطع به الأصحاب.
وحكى الرافعى وجها أنه يجزئ الجذع من المعز.
وهو شاذ ضعيف بل غلط ففى الصحيحين عن البراء بن عازب أن النبى ﷺ قال لأبى بردة بن دينار خال البراء بن عازب «تجزئك يعنى الجذع من المعز ولا تجزئ أحدا بعدك» والله أعلم.
ثم الجذع ما استكمل سنة فى أصح الأوجه.
والوجه الثانى: ما استكمل ستة أشهر.
والثالث: ثمانية أشهر.
والرابع: ان كان متولدا بين شابين فستة أشهر، والا فثمانية.
قال أبو الحسن العبادى وغيره اذا قلنا بالمذهب أن الجذع ماله سنة كاملة فلو أجذع قبل تمام السنة أى سقطت سنة أجزأ فى الأضحية، كما لو تمت السنة قبل أن يذبح.
ويكن ذلك كالبلوغ بالسن أو الاحتلام فانه يكفى فيه أسبقهما.
وهكذا صرح البغوى به فقال:
الجذع ما استمكلت سنة أو أجذعت قبلها وأما الثنى من الابل فما استكملت خمس سنين ودخل فى السادسة.
وروى حرملة عن الشافعى أنه الذى استكمل ست سنين ودخل فى السابعة.
قال الرويانى وليس هذا قولا آخر للشافعى، وان توهمه بعض أصحابنا، ولكنه اخبار عن نهاية سن الثنى.
وما ذكره الجمهور هو بيان لابتداء سنه والله أعلم.
وأما الثنى من البقر فهو ما استكمل سنتين ودخل فى الثالثة.
وروى حرملة عن الشافعى أنه ما استكمل ثلاث سنين ودخل فى الرابعة.
والمشهور من نصوص الشافعى الأول، وبه قطع الأصحاب وغيرهم من أهل اللغة وغيرهم.
وأما الثنى من المعز ففيه وجهان.
أصحهما ما استكمل سنتين.
والثانى: ما استكمل سنة.
ولا تجزى بالمتولد من الظباء والغنم، لأنه ليس من الانعام.
стр. 3379
ونقل جماعة اجماع العلماء عن التضحية لا تصح الا بالابل أو البقر أو الغنم فلا يجزئ شئ من الحيوان غير ذلك.
وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه يجوز أن يضحى ببقر الوحش عن سبعة وبالضبا عن واحد.
وبه قال داود فى بقرة الوحش.
وأجمعت الأمة على أنه لا يجزئ من الابل والبقر والمعز الا الثنى ولا من الضأن الا الجذع وأنه يجزئ هذه المذكورات.
الا ما حكاه العبدرى وجماعة من أصحابنا عن الزهرى أنه قال: لا يجزئ الجذع من الضأن.
وعن الأوزاعى أنه يجزى الجذع من الابل والبقر والمعز والضأن.
وحكى صاحب البيان عن ابن عمر كالزهرى وعن عطاء كالأوزاعى هكذا نقل هؤلاء.
ونقل القاضى عياض الاجماع على أنه يجزئ الجذع من الضأن وأنه لا يجزئ جذع المعز.
دليلنا على الأوزاعى حديث البراء بن عازب السابق قريبا عن الصحيحين، واحتج له بحديث عقبة بن عامر أن النبى ﷺ أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا قبقى عتود فذكره للنبى ﷺ فقال: ضح أنت بها رواه البخارى ومسلم.
قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغه العتود من أولاد المعز ما رعى وقوى.
قال الجوهرى وغيره وهو ما بلغ سنة.
قال البيهقى كانت هذه رخصة لعقبة ابن عامر قال.
وقد روينا ذلك من رواية الليث بن سعد، ثم ذكره باسناده الصحيح عن عقبة قال «أعطانى رسول الله ﷺ غنما أقسمها ضحايا بين أصحابى فبقى عتود فقال:
ضح بها أنت ولا رخصة لاحد فيها بعدك.
وجاء فى حاشية الشبراملسى على نهاية المحتاج (١): أنه لا يضر فى الأضحية فقد الية خلقة، اذ المعز لا الية له ولا فقد ضرع اذ الذكر لا ضرع له.
وظاهره أنه لا فرق فى ذلك بين كون الالية صغيرة فى ذاتها كما هو مشاهد فى بعض الغنم، وكونها كبيرة.
ولا ينافيه قوله لا يضر فقد فلقة يسيرة من عضو كبير لان المراد الكبر النسبى
стр. 3380
فالالية وان صغرت فهى من حيث هى كبيرة بالنسبة للأذن.
هذا ويبقى النظر فيما لو وجدت ألية قطع جزء منها وشك فى أن المقطوع كان كبيرا فى الأصل فلا يجزئ ما قطعت منه الآن أو صغيرا فيجزئ فيه نظر والأقرب الاجزاء، لأنه الاصل فيما قطعت منه والموافق للغالب فى أن الذى يقطع لكبر الالية صغير.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١) أنه لو ضحى اثنان كل بأضحية الآخر عن نفسه غلطا كفتهما ولا ضمان استحسانا.
والقياس ضمانهما ذكره القاضى وغيره.
ونقل الأثرم وغيره فى الاثنين ضحى هذا بأضحية هذا يترادان اللحم ويجزئ ولو فرق كل منهما لحم ما ذبحه لاذن الشرع فى ذلك.
وان ذبح المعينة هديا أو أضحية ذابح فى وقتها بغير اذن ربها أو وليه ونواها عن ربها أو أطلق أجزأت عن ربها، ولا ضمان على الذابح، لان الذبح فعل لا يفتقر الى النية.
فاذا فعله غير صاحبه أجزأ عن صاحبه كغسل ثوبه من النجاسة، ولأنها وقعت موقعها بذبحها فى وقتها فلم يضمن ذابحها حيث لم يكن متعديا، ولان الذبح اراقة دم تعين اراقته لحق الله تعالى، فلم يضمن مريقه كقاتل المرتد بغير اذن الامام.
وان نوى الذابح الأضحية عن نفسه مع علمه أنها أضحية الغير، لم تجز عن مالكها، سواء فرق الذابح اللحم أولا.
ويضمن الذابح قيمتها ان فرق لحمها.
وارش الذبح ان لم يفرقه لغصبه واستيلائه على مال الغير واتلافه أو تنقيصه عدوانا.
وان ذبحها عن نفسه ولم يعلم أنها أضحية الغير لاشتباهها عليه مثلا أجزأت عن ربها ان لم يفرق الذابح لحمها، لما تقدم من أن الذبح لا يفتقر الى نية كازالة النجاسة.
فان فرق اللحم اذن ضمن لأن الاتلاف يستوى فيه العمد وغيره.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم (٢): من أخطأ فذبح أضحية غيره بغير أمره فهى ميتة لا تؤكل وعليه ضمانها.
стр. 3381
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (١): أنه اذا اتفق قارنان أو متمتعان أو غير ذلك، أو التبس على قارنين أو متمتعين هدايا بعضهم ببعض وكل كل واحد منهم صاحبه فى أن يذبح عنه بنية مشروطة عما لزمه ان كان حقه، والا فعن فلان، وأجزأهم الجميع.
مذهب الإمامية:
جاء فى وسائل الشيعة (٢): أنه روى محمد بن الحسن باسناده عن سعد عن أبى جعفر عن أبى قتادة محمد بن حفص القمى، وموسى بن القاسم اليمانى عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ﵉ قال سألته:
عن الأضحية يخطئ الذى يذبحها فيسمى غير صاحبها أتجزئ عن صاحب الأضحية؟ فقال نعم: انما له ما نوى.
ورواه الصدوق باسناده عن على بن جعفر.
وروى أحمد بن على بن أبى طالب الطوسى فى الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى عن صاحب الزمان ﵇ أنه كتب اليه يسأله عن رجل اشترى هديا لرجل غائب عنه وسأله أن ينحر عنه هديا بمنى، فلما أراد نحر الهدى نسى اسم الرجل، ونحر الهدى، ثم ذكره بعد ذلك أيجزى عن الرجل أم لا؟ الجواب: لا بأس بذلك وقد أجزأ عن صاحبه.
وجاء فى الفروع من الكافى (٣): انه روى عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن حماد عن الحلبى قال سألت أبا عبد الله ﵇ عن الابل والبقر أيهما أفضل أن يصحى بها؟ قال: ذوات الارحام.
فسألته عن أسنانها فقال: أما البقر فلا يضرك بأى أسنانها ضحيت،
وأما الابل فلا يصلح الا الثنى فما فوق.
وعن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى نجران عن محمد بن حمران عن أبى عبد الله ﵇ قال:
أسنان البقر تبيعها ومسنها فى الذبح سواء - التبيع ما دخل فى الثانية والمسن ما دخل فى الثالثة.
وجاء فى الروضة البهية (٤): أنه
стр. 3382
يجب فى الذبح لهدى التمتع جذع من الضأن قد كمل سنه سبعة أشهر.
وقيل ستة.
أو ثنى من غيره، وهو من البقر والمعز ما دخل فى الثانية، ومن الابل فى السادسة تام الخلقة غير مهزول، بأن يكون ذا شحم على الكليتين، وان قل.
ويكفى فيه الظن المستند الى نظر أهل الخبرة لتعذر العلم غالبا.
فمتى ظنه كذلك أجزأ وان ظهر مهزولا لتعبده بظنه.
بخلاف ما لو ظهر ناقصا فانه لا يجزئ لأن تمام الخلقة أمر ظاهر فتبين خلافه مستندا الى تقصيره.
وظاهر العبارة أن المراد ظهور المخالفة فيها بعد الذبح اذ لو ظهر التمام قبله أجزأ قطعا.
ولو ظهر الهزال قبله مع ظن سمنه عند الشراء ففى اجزائه قولان.
أجودهما الاجزاء للنص.
وان كان عدمه أحوط.
ولو اشتراه من غير اعتبار أو مع ظن نقصه أو هزاله لم تجزئ الا أن تظهر الموافقة قبل الذبح.
ويحتمل قويا الاجزاء ولو ظهر سمينا بعده.
والأضحية فانها يطلق عليها الهدى وشرائطها وسننها كالهدى.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): ولا بدل على مصرى اشترى ضحية ونواها ان ماتت بآفة، وكذا من لم تلزمه من باد أو حاج أو معتمر لم يمتع، أو متمتع اذا زاد ضحية غير ما لزمه من هدى ونحو ذلك.
وأراد بالمصرى ما يشمل القروى وذلك اذا ماتت بلا تعمد منه.
وكذا سائر المتالف بلا عمد.
وجاز ابدال أضحيته بأفضل منها أو مثلها.
ومراده بابدالها ابدالها بأخرى واحدة بواحدة، أو مع زيادة، أو بيعها بثمن وشراء أخرى به، أو تجديد غيرها، وتركها لا ذبحها قبل يوم النحر أو بيعها، لا لبدل، أما لبدل فيجوز أن يشترى بثمنها وحده أو بزيادة عليه أخرى، أو ما هو أفضل منها.
وعندى أن الأحوط أن لا يبدلها بمثلها، ولان الأصل بقاؤه على نيته فيها فلا يحسن له ابدالها.
стр. 3383
وترك نيته الأولى فيها الا بأرجح منها الا بأمر اعتراه كاحتياج لأكل، ولا يجد فى حينه مثلها، أو ضيافة أو نحو ذلك فلا كراهة ولو كان الابدال بمثلها فقط، وتلزم، حتى انه ان ضاعت بوجه لزمه مثلها أو أفضل.
والذى عندى أنه لا بدل عليه أن ضاعت بلا تضييع، لأنه قد عينها ان سماها بلسانه ضحية ونواها مطلقا فى العشر أو قبلها.
وقيل تلزم: ان سماها فى العشر لا قبلها.
وله ابدالها وبيعها لشراء بثمنها.
حكم الاشتباه فى الذبائح
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى الهندية (١): أنه اذا كان للرجل مساليخ بعضها ذبيحة، وبعضها ميتة، فان أمكن التمييز بالعلامة يميز، ويباح التناول.
وان تعذر التمييز بالعلامة.
فان كانت الحالة حالة الاضطرار بأن اضطر الى الأكل فانه يباح التناول بالتحرى.
وان كانت الحالة حالة الاختيار.
فان كانت الغلبة للحرام أو كانا سواء لم يجز التناول بالتحرى.
وان كانت الغلبة للحلال جاز التناول بالتحرى.
وجاء فى حاشية الطحاوى (٢) أنه لو تعارض عدلان فى الحل والحرمة، بأن أخبر عدل بأن هذا اللحم ذبحه مجوسى، وأخبر عدل آخر بأنه ذكاة مسلم، فلا يحل أكله لبقاء اللحم على الحرمة التى هى الأصل، اذ حل الأكل متوقف على تحقق الذكاة الشرعية، وبتعارض الخبرين لم يتحقق الحل فبقيت الذبيحة على الحرمة، وقد تساقط الخبران لاستوائهما فى الصدق.
وقد قالوا ان الشك على ثلاثة أضرب.
شك طرأ على أصل حرام.
وشك طرأ على أصل مباح.
وشك لا يعرف أصله.
فالأول مثل أن يجد شاة مذبوحة فى بلد فيها مسلمون ومجوس، فلا تحل حتى يعلم انها ذكاة مسلم، لأن الأصل فيها الحرمة اذ حل الاكل يتوقف على تحقق الذكاة الشرعية، فصار حل الاكل مشكوكا فيه.
فلو كان الغالب فيها المسلمين جاز الأكل عملا بالغالب المفيد للحل.
стр. 3384
وجاء فى بدائع الصنائع (١): أنه يشترط فى اباحة أكل الصيد كون الكلب معلما.
واختلف فى حد تعليم الكلب على أقاويل.
فروى بشر بن الوليد رحمه الله تعالى عن أبى يوسف قال: سألت أبا حنيفة رحمه الله تعالى: ما حد تعليم الكلب قال:
ان يقول أهل العلم بذلك أنه معلم.
وذكر الحسن بن زياد فى المجرد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى: انه قال:
لا يأكل ما يصيد أولا ولا الثانى ولو أكل الثالث وما بعده.
وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى قدراه بالثلاث فقالا: اذا أخذ صيدا فلم يأكل ثم صاد ثانيا فلم يأكل ثم صاد ثالثا فلم يأكل فهذا معلم.
قال صاحب البدائع (٢): ثم اذا صار الكلب معلما فى الظاهر على اختلاف الأقاويل وصاد به صاحبه ثم أكل بعد ذلك، فما صاد قبل ذلك لا يؤكل شئ منه ان كان باقيا فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وذلك لأن علامة التعلم لما كانت ترك الأكل، فاذا أكل بعد ذلك علم أنه لم يكن معلما، وان امساكه لم يكن لصيرورته معاما بل لشبعه فى الحال اذ غير المعلم قد يمسكه بشبعه للحال الى وقت الحاجة، فاستدللنا بأكله بعد ذلك على أن امساكه فى الوقت الذى قبله كان على غير حقيقة التعليم، أو يحتمل ذلك فلا تحل مع الاحتمال احتياطا.
وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: يؤكل كله، وذلك لأن أكل الكلب يحتمل أن يكون لعدم التعلم.
ويحتمل أن يكون مع التعلم لفرط الجوع.
ويحتمل أن يكون للنسيان، لأن المعلم قد ينسى فلا يحرم ما تقدم من القيود بالشك والاحتمال.
ومن شروط (٣): اباحة أكل الصيد أن يعلم أن تلف الصيد بارسال أو رمى هو سبب الحل من حيث الظاهر.
فان شاركهما معنى أو سبب يحتمل حصول التلف به والتلف به مما لا يفيد الحل لا يؤكل الا اذا كان ذلك المعنى مما لا يمكن الاحتراز عنه.
لأنه اذا احتمل حصول التلف بما لا يثبت به الحل فقد احتمل الحل والحرمة فيرجح جانب الحرمة احتياطا لانه أن أكل عسى أنه أكل الحرام ويأثم وان لم يأكل فلا شئ عليه والتحرز عن الضرر واجب عقلا وشرعا.
стр. 3385
والاصل فيه ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لوابصة ابن معبد رضى الله تعالى عنه: الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات فدع ما يريبك الى ما لا يريبك.
وقال عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنهما: ما اجتمع الحلال والحرام فى شئ الا وقد غلب الحرام الحلال.
وعلى هذا يخرج ما اذا رمى صيدا وهو يطير فأصابه فسقط على جبل ثم سقط منه على الأرض فمات أنه لا يؤكل وهذا تفسير المتردى، لأنه يحتمل أنه مات من الرمى.
ويحتمل أنه مات بسقوطه عن الجبل وكذلك لو كان على جبل فأصابه فسقط منه شئ على الجبل ثم سقط على الأرض فمات.
أو كان على سطح فأصابه فهوى فأصاب حائط السطح، ثم سقط على الأرض فمات.
أو كان على نخلة أو شجرة فسقط منها على جذع النخلة.
أو ند من الشجرة ثم سقط على الأرض فمات أو وقع على رمح مركوز فى الأرض وفيه سنان فوقع على السنان ثم وقع على الارض فمات.
أو نشب فيه السنان فمات عليه.
أو أصاب سهمه صيدا فوقع فى الماء فمات فيه فانه لا يحل، لأنه يحتمل أنه مات بالرمى.
ويحتمل أنه مات بهذه الأسباب الموجودة بعده.
وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ان وقع فى الماء فلا تأكله فلعل الماء قتله فقد بين النبى ﷺ الحكم وعلل بما ذكرنا من احتمال موته بسبب آخر وهو وقوعه فى الماء والحكم المعلل بعلة يتعمم بعموم العلة.
ولو اجتمع على الصيد (١) معلم وغير معلم أو مسمى عليه وغير مسمى فانه لا يؤكل، لاجتماع سببى الحظر والاباحة ولم يعلم أيهما قتله.
ولو أرسل مسلم كلبه فاتبع الكلب كلب آخر غير معلم لكنه لم يرسله أحد، ولم يذكره بعد انبعاثه أو سبع من السباع أو ذو مخلب من الطير مما يجوز أن يعلم فيصاد به فرد الصيد عليه ونهشه أو فعل ما يكون معونة للكلب المرسل فأخذه الكلب المرسل وقتله فانه لا يؤكل - لأن رد الكلب ونهشه مشاركة فى الصيد فأشبه مشاركة المعلم والمسمى عليه غير المسمى عليه.
ومن الشروط أيضا أن يلحق المرسل أو الرامى الصيد أو من يقوم مقامه قبل التوارى عن عينه أو قبل انقطاع الكلب منه اذا لم يدرك ذبحه.
فان توارى عن عينه وقعد عن
стр. 3386
طلبه ثم وجده لم يؤكل.
فأما اذا لم يتوار عنه أو توارى لكنه
لم يقعد عن الطلب حتى وجده فانه يؤكل استحسانا.
والقياس أنه لا يؤكل.
ووجه القياس أنه يحتمل أن الصيد مات من جراحة كلبه أو من سهمه، ويحتمل أنه مات بسبب آخر فلا يحل أكله بالشك.
ووجه الاستحسان ما روى أن رسول الله ﷺ مر بالروحاء على حمار وحش عقير فتبادر أصحابه اليه فقال: دعوه فسيأتى صاحبه فجاء رجل من فهر فقال: هذه رميتى يا رسول الله، وأنا فى طلبها وقد جعلتها لك، فأمر رسول الله ﷺ سيدنا أبا بكر رضى الله تعالى عنه فقسمه بين الرفاق، ولأن الضرورة توجب ذلك لأن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه فى الصيد.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه (١): أنه ان التبس المذكى بغيره فان كان كل بيد شخص وجزم كل واحد بذكاة ما بيده أكلاهما.
وجاء فى الفروق للقرافى (٢): ان من التبست عليه المذكاة بالميتة حرمتا فجاء الجزم بالتحريم لوجود سببه الذى هو الشك.
وجاء فى الحطاب (٣): أنه قال فى آخر كتاب الصيد من المدونة: من رمى صيدا فى الجو فسقط أو رماه فى الجبل فتردى منه فأدركه ميتا لم يؤكل، اذ لعله من السقطة مات الا ان يكون أنفذ مقاتله بالرمية.
قال ابن ناجى وجه قولها أنه لا يؤكل اذا لم تنفذ مقاتله، لأنه حينئذ من باب الشك فى المقتضى بخلاف اذا أنفذت المقاتل، لأنه تحقق المقتضى وشك فى المانع.
فان قيل: يحتمل أن يكون هذا الانفاذ بالسقوط على السهم.
أجيب بسبقية الرمية والآخر مشكوك فيه فوجب الاستناد الى المحقق.
وقال أبو الحسن (٤): لو أرسل الصائد كلبه المعلم ونوى واحدا غير معين فأخذ الكلب واحدا أكله فان أخذ اثنين أكل الأول، ولا يأكل الثانى.
فان التبس عليه الحال وشك فى الأول منهما لم يأكل منهما شيئا.
стр. 3387
وجاء فى الشرح الصغير للدردير (١):
انه لا يحل أكل الصيد ان تردد فى المبيح لأكله بأن شاركه أى الجارح المبيح غيره فى قتله ككلب كافر أرسله به الكافر على الصيد فشارك كلب المسلم فى قتله فلم يعلم والتبس عليه الحال هل الذى قتله كلب المسلم أو الكافر.
وكذا لو رمى المسلم سهمه ورمى الكافر سهمه فأصاباه ومات من ذلك فلا يؤكل للتردد فى المبيح.
أو شارك فى قتله كلب غير معلم كلب المسلم المعلم فلا يؤكل للشك فى المبيح.
وكذا لو رماه المسلم المميز فسقط فى ماء ومات والتبس عليه الحال، فلا يؤكل، للشك فى المبيح هل مات من السهم، فيؤكل، أو من الماء، فلا يؤكل.
أو رماه بسهم مسموم لاحتمال موته من السم الغير المبيح، لا من السهم المبيح، أو بات الصيد عن الصائد، فوجده بالغد ميتا، لم يؤكل، لاحتمال موته بشئ آخر كالهوام.
ثم قال والمبيت ليس بقيد، بل المراد أنه خفى عليه مدة من الليل فيها طول بحيث يلتبس الحال، ولا يدرى هل مات من الجارح أو بشئ من الهوام التى تظهر فى الليل.
ومفهوم المبيت أنه لو رماه نهارا أو غاب عليه ثم وجده ميتا فانه يؤكل حيث لم يتراخ فى اتباعه ولو غاب عليه يوما كاملا.
والفرق بين الليل والنهار أن الليل تكثر فيه الهوام دون النهار فاذا غاب ليلا احتمل مشاركة الهوام.
وجاء فى الحطاب (٢): أن القرطبى قال: فان وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر فهو محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر، وانه انما انبعث فى طلب الصيد بنفسه.
ولا يختلف فى هذا، لقول رسول الله ﷺ : فان خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل.
وفى رواية: فانما سميت على كلبك ولم تسم على غيره.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٣): أنه لو أخبر فاسق أو كتابى أنه ذكى هذه الشاة قبلناه، لأنه من أهل الذكاة.
стр. 3388
ولو وجدنا شاة مذبوحة ولم ندر أذبحها مسلم أو مجوسى.
فان كان فى البلد مجوس لم تحل ما لم يغلب من تحل ذبيحته.
ولو شك فى كون (١) المخالط لحمامه مملوكا لغيره، أو مباحا جاز له التصرف فيه، لأن الأصل الاباحة.
ولو ادعى انسان تحول حمامه الى برج غيره لم يصدق.
والورع تصديقه ما لم يعلم كذبه.
فان اختلط وعسر التمييز لم يصح ببع أحدهما وهبته شيئا منه لثالث، لأنه لا يتحقق الملك فيه.
ويجوز لصاحبه فى الأصح، للضرورة الداعية لذلك، وقد تدعو الى المسامحة ببعض الشروط.
ولهذا صححوا القراض والجعالة مع ما فيها من الجهالة، وكالبيع غيره من سائر التصرفات.
والثانى المنع للجهالة.
وينبغى تخصيص الخلاف بما اذا جهلا العدد والقيمة، فان علماها اتحه القطع بالصحة، كما قاله ابن الملقن والزركشى.
فان باعاهما أى الحمامتين المختلطتين الثالث، ولا يدرى أحدهما عين ماله، والعدد معلوم، والقيمة سواء، صح، لصحة التوزيع على أعدادهما، ويغتفر الجهالة فى البيع، للضرورة.
فان كان لواحد مائة وللآخر مائتان فالثمن بينهما أثلاث.
والا بأن كان العدد مجهولا، والقيمة متفاوتة، فلا يصح، لانه لم يعرف كل واحد ما يستحقه من الثمن.
والطريق أن يقول كل منهما بعتك الحمام الذى فى هذا البرج بكذا فيكون الثمن معلوما ويحتمل الجهل فى المبيع للضرورة.
ولو اختلطت حمامة مملوكة بحمامات برجه فله الأكل بالاجتهاد الا واحدة كما لو اختلطت ثمرة غيره بثمرته أو حمام مملوك محصور أو غيره بحمام بلد مباح غير محصور، أو انصب ماؤه فى نهر لم يحرم على أحد اصطياد واستقاء من ذلك فان كان المباح محصورا حرم.
ولو اختلطت دراهم أو دهن أو نحوهما حرام بدراهمه أو دهنه فميز قدر الحرام وصرفه لما يجب صرفه له وتصرف فى الباقى جاز للضرورة، ولا يخفى الورع.
وقد قال بعضهم ينبغى للمتقى اجتناب طير البرج وبنائهما.
стр. 3389
وجاء فى المجموع (١) أنه قال: لو وجدنا شاة مذبوحة ولم ندر من ذبحها فان كان فى بلد فيه من لا يحل ذكاته كالمجوس لم تحل سواء تمحضوا او كانوا مختلطين بالمسلمين للشك فى الذكاة المبيحة، والاصل التحريم.
وان لم يكن فيهم احد منهم حلت فان غلب المسلمون تحل والله اعلم.
ثم قال (٢): ولو وقع بعيران فى بئر احدهما فوق الاخر فطعن الأعلى فمات الاسفل بثقله حرم الاسفل، فلو تعدت الطعنة فأصابته ايضا حلا جميعا.
فان شك هل مات بالطعنة النافذة أم بالثقل، وقد علم أن الطعنة اصابته قبل مفارقة الروح، حل.
وأن شك هل اصابته قبل مفارقة الروح أم بعدها، قال البغوى فى الفتاوى يحتمل وجهين، بناء على القولين فى العبد المنقطع خبره هل يجزئ فى الكفارة والاعتبار فى الترتيب.
وجاء فى المهذب (٣) انه أن وجد مع كلبه كلبا آخر لا يعرف حاله، ولا يعلم القاتل منهما، لم يحل.
لما روى عدى بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت ارسلت كلبى ووجدت مع كلبى كلبا آخر لا ادرى أيهما أخذه فقال: لا تأكل، فانما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره، ولان الاصل فيه الحظر، فاذا اشكل بقى على اصله.
وان رمى طائرا فوقع على الارض فمات أو على حائط أو جبل فتردى منه ومات لم يحل.
لما روى عدى بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: اذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه فان وجدته ميتا فكل، الا أن تجده قد وقع فى الماء فمات فانك لا تدرى الماء قتله أو سهمك.
ثم قال (٤): وان رأى صيدا فظنه حجرا او حيوانا غير الصيد فرماه فقتله حل اكله، لانه قتله بفعل قصده، وانما جهل حقيقته والجهل بذلك لا يؤثر، كما
стр. 3390
لو قطع شيئا فظنه غير الحيوان فكان حلق شاة.
وأن أرسل على ذلك كلبا فقتله ففيه وجهان.
احدهما: يحل اذا رماه بسهم.
والثانى: لا يحل، لانه ارسله على غير صيد، فأشبه ما اذا ارسله على غير شئ.
وفى نهاية المحتاج (١): أنه لو حال بينه وبين الصيد سبع فلم يصل اليه حتى مات بالجرح حل.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): انه لو اشتبه مباح ومحرم حرما تغليبا، لجانب الحظر.
وكذا لو اشتبه مالا تعرفه العرب ولا ذكر فى الشرع مباحا ومحرما، فانه يحرم.
ولو اشتبهت (٣) ميتة بمذكاة ولم يجد غيرهما تحرى المضطر فيهما، وأكل مما يغلب على ظنه انها المذكاة للحاجة، وحرمتا على غيره ممن ليس بمضطر، كما لو اشتبهت اخته بأجنبيات.
ومحل (٤) الذكاة الحلق واللبة.
فان ذبحها من قفاها ولو عمدا فأتت السكين على موضع ذبحها وفيها حياة مستقرة أكلت، ويعلم ذلك بوجود الحركة
فان ذبحها من قفاها وشك هل حياته مستقرة قبل قطع الحلقوم والمرئ أو لا، نظر.
فان كان الغالب بقاء ذلك لحدة الالة وسرعة القطع، أبيح.
وان كانت كالة وابطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح.
وجاء فى الكافى (٥): أن ذكاة الجنين المأكول تحصل بتذكية أمه اشعر اولا.
واستحب الامام احمد ذبحه، وعنه لا بأس به، وأن خرج بحياة مستقرة حل بذبحه، كذا نقله عنه الجماعة.
وقد جاء فى المحرر انه بمنزلة المنخنقة ونحوها.
стр. 3391
وعنه لا بد من ذبحه اذا خرج حيا.
وعنه تحل بموته قريبا.
وفى قياس الواضح لابن عقيل مثل ما قاله أبو حنيفة: انه لا يحل بتذكية امه اذا اشتبه امره، لان الاصل فيه الحظر.
ولهذا قال رسول الله ﷺ فى الصيد: اذا وقع فى الماء بعد عقره، لا تأكله، فانك لا تدرى الماء قتله أو سهمك.
وكذا اذا خالط كلبه كلب آخر.
فهذا تنبيه منه ﷺ على عدم الحل ولا يؤثر فى ذكاة امه تحريمه لتحريم أبيه.
ولو وجأ بطن أمه فأصاب مذبحه تذكى بذلك، والام ميتة، ذكره فى الانتصار عن اصحابنا.
وقال فى الكافى (١) وغيره: اذا اجتمع فى الصيد مبيح ومحرم مثل أن يقتله بمثقل ومحدد، أو بسهم مسموم، أو بسهم مسلم ومجوسى، أو بسهم فيه مسمى عليه، او كلب مسلم ومجوسى، او غير مسمى عليه، او غير معلم، أو اشتركا فى ارسال الجارحة عليه، أو وجد مع كلبه كلبا آخر لا يعرف مرسله، أو لا يعرف حاله، أو وجد مع سمهه سهما كذلك، لم يبح ذلك.
واحتج فى ذلك بالخبر بقوله ﷺ ، وان وجدت معه غيره فلا تأكل، الحديث.
وبأن الاصل فيه الحظر بخلاف الاطعمة، فاذا شككنا هنا فى المبيح رد الى أصله.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢): ان من رمى صيدا فأصابه وغاب عنه يوما، أو أكثر، أو أقل، ثم وجده ميتا.
فان ميز سهمه انه أصاب مقتله حل له أكله.
والا فلا يحل له.
وكذلك لو رماه فأصابه، ثم تردى من جبل، او فى ماء.
فان ميز سمهه وأيقن انه اصاب مقتله حل له أكله.
والا فلا.
ومن (٣) وجد مع جارحه جارحا آخر، أو سبعا لم يدر ايهما قتل الصيد، فهو
стр. 3392
ميتة، لا يحل اكله، الا أن تدرك ذكاته، فيذكى، فيحل.
لما روينا من طريق أحمد بن شعيب .. عن عدى بن حاتم عن النبى ﷺ فذكر الحديث، وفيه فان خالط كلبك كلابا فقتلن فلم يأكلن، فلا تأكل منه شيئا، فانك لا تدرى ايهما قتل.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار (١): انه اذا اختلط الصيد المملوك بالمباح لم يحرم الصيد كرضيعة التبست بنساء غير محصورات.
فان التبس بمحصور حرم المحصور الا على المالك.
فان التبس مملوك غير محصور بمباح غير محصور فوجهان.
يحل أذ فى الامتناع صعوبة.
ولا يحل لاستوائهما فى عدم الحصر.
وجاء فى التاج المذهب (٢): أن الاصل فيما التبس من صيد البحر، هل قذف حيا، أو ميتا، أو جرز عنه الماء أو نضب الحياة.
فلو قذف الماء الصيد فوجده ميتا، ولم يعلم هل قذفه الماء حيا، أم ميتا فانه يرجع الى الأصل وهو الحياة فيحل أكله كشاة مذبوحة شككنا هل ذبحت حية أو ميتة.
وان علم (٣)، أو ظن أو التبس ان موته من الرمية حل وان علم أو ظن أن موته من التردى حرم.
وان لم يحصل شئ من ذلك، فان تردى على ما يقتل كالماء والنار والحجر غير الحاد أو مرتين، حرم، والا حل.
وانما يحل صيد المسلم بارسال الكلب والرمى بالسهم، حيث لم يشاركه كافر فيهما.
فان شاركه فى ذلك حرم.
والاصل فى الملتبس مع الظن هل مات بسهم الكافر او بسهم المسلم، او التبس هل مات بالحد او بالمثقل، او التبس هل قتله كلب المسلم أو كلب الكافر الحظر.
ويغلب على جانب الاباحة.
ولو أن رجلين رميا صيدا فأصاباه وحب أن يقال هو لمن اثر سهمه فيه أو نحوه من آلات الصيد فيصير مستحقا له.
فان اثرا معا أو التبس أيهما المؤثر، أو اثرا فيه بالانضمام فبينهما.
واذا استحقه ثم رماه غيره فالرامى المتأخر جان، يلزمه الارش للرامى الأول.
стр. 3393
فان كانت جناية الثانى فى غير موضع الذكاة بما لا يذكى به كبندق الطين ونحوها، وجب الارش، أو القيمة ان كانت قاتلة.
وان كانت فى موضع الذكاة، كما لو ذبح فيجب الارش فقط، وهو ما بين قيمة الحيوان غير مذكى ومذكى.
ويخير ان نقل بين قيمته وتركه، وبين اخذه.
ولا شئ على الثانى فى الاثم حيث خرجت قبل اصابة الاول ووقعت فى
لا فى الضمان فلا فرق فيضمن حيث خرجت قبل اصابة الاول ووقعت فى الصيد بعد اصابة الاول.
وجاء فى البحر (١) الزخار: أن من ذبح فى ظلمة ولم يعلم حياة المذبوح قبل الذبح حرم، وذلك حيث هى مربضة، أو مسبوعة، أو نحو ذلك، لتعارض الحظر والاباحة، والا، فالاصل الحياة.
وجاء فى هامش الازهار (٢): ان من وجد حيوانا مذكى فى دار الاسلام، ولم تعلم تذكيته، حل، ما لم تكن فيه اثر جراحة تدل على أنه مات منها.
وجاء فى البحر الزخار (٣) إن التحرى مشروع عند لبس الطاهر بالنجس، لوجوب العمل بالظن، عند تعذر اليقين، لقول رسول الله ﷺ «فأتوا منه ما استطعتم» لا كلبس ميتة بمذكاة.
قلنا تركهما احوط.
وجاء فى التاج المذهب (٤): واذا شككنا فى شاه مذبوحة هل ذبحت حية أو ميتة فانه يرجع الى الاصل، وهو الحياة فيحل أكله.
مذهب الإمامية:
جاء فى مفتاح الكرامة (٥): انه لو اشتبه استناد موت الصيد الى الجرح او الماء احتمل العمل بالاصلين، فيحرم الصيد، ويكون الماء طاهرا، كما فى جامع المقاصد، والذخيرة، والدلائل.
واليه ذهب السيد صدر الدين فى شرح الوافية.
وقواه فى التحرير بعد اختيار التنجيس
وقال فى المنتهى ان الشيخ اختاره فى بعض كتبه.
стр. 3394
ثم قال: وليس بجيد. لان العمل بالاصلين مشروط بعدم لزوم التنافى، والتنافى هنا حاصل.
وفى الدلائل أن غير معلوم التذكية هل هو نجس أو غير نجس، وانما منع الشارع من استعماله والانتفاع.
والاقوى الثانى، فترجع المسألة الى مسألة الشك فى نجاسة الواقع.
والوجه المنع من العمل بهما، فيحكم بنجاسة الماء، كما فى المنتهى، والتحرير والايضاح، والذكرى، والبيان، وعليه ثانى الشهيدين والشارح.
وفى المعتبر بعد أن تردد فى تنجس الماء كما تردد فى نهاية الاحكام قال: والاحوط التنجيس.
وفى جامع المقاصد بعد أن جعل العمل بالاصلين اقوى جعل هذا احوط.
وجاء فى شرائع (١) الاسلام: انه لو نصب شبكة فمات بعض ما حصل فيها واشتبه الحى بالميت.
قيل: حل الجميع، حتى يعلم الميت بعينه.
وقيل: يحرم الجميع، تغليبا للحرمة.
والاول حسن.
وجاء فى شرائع الاسلام: انه اذا تيقن بقاء الحياة بعد الذبح، فهو حلال وان تيقن الموت قبله فهو حرام.
وان اشتبه الحال ولم يعلم حركة المذبوح، ولا خروج الدم المعتدل، فالوجه تغليب الحرمة.
ثم قال (٢) ولو أرسل المسلم والوثنى آلتهما فقتلاه، لم يحل، سواء اتفقت آلتهما، مثل أن يرسلا كلبين، أو سهمين، أو اختلفا، كأن يرسل احدهما كلبا، والاخر سهما، سواء اتفقت الاصابة فى وقت واحد، أو وقتين، اذا كان اثر كل واحدة من الآلتين قاتلا.
ولو أثخنه المسلم فلم تعد حياته مستقرة ثم اجهز عليه الاخر حل، لان القاتل المسلم.
ولو انعكس الفرض، لم يحل.
ولو اشتبه الحالان، حرم تغليبا للحرمة
ولو كان مع المسلم كلبان، ارسل احدهما واسترسل الاخر، فقتلا، لم يحل.
ولو رمى سهما فأوصلته الريح الى الصيد، فقتله، حل وان كان لولا الريح لم يصل.
وكذا لو أصاب السهم الارض، ثم وثب فقتل.
والاعتبار فى حل الصيد بالمرسل، لا بالمعلم.
стр. 3395
فان كان المرسل مسلما فقتل حل، ولو كان المعلم مجوسيا أو وثنيا.
ولو كان المرسل غير مسلم لم يحل، ولو كان المعلم مسلما.
ولو أرسل كلبه على صيد، وسمى فقتل غيره حل.
وكذا لو ارسله على صيود كبار فتفرقت عن صغار فقتلها حلت اذا كانت ممتنعة.
وكذا الحكم فى الآلة.
اما لو ارسله ولم يشاهد صيدا فاتفق اصابة الصيد لم يحل ولو سمى، سواء كانت الالة كلبا أو سلاحا، لانه لم يقصد الصيد، فجرى مجرى استرسال الكلب.
والذى يحل بقتل الكلب له أو الآلة فى غير موضع الذكاة هو كل ما كان ممتنعا وحشيا كان أو انسيا.
وكذلك كل ما يصول من البهائم، أو يتردى فى بئر وشبهها، ويتعذر ذبحه، أو نحره، فانه يكفى عقرها فى استباحتها، ولا يختص العقر حينئذ بموضع من جسدها.
ولو رمى فرخا لم ينهض فقتل لم يحل.
وكذا لو رمى طائرا أو فرخا لم ينهض فقتلهما حل الطائر دون الفرخ.
ولو تقاطعت الكلاب الصيد قبل ادراكه لم يحرم.
ولو رمى صيدا فتردى من جبل او وقع فى الماء فمات لم يحل، لاحتمال أن يكون موته من السقطة.
نعم لو صير حياته غير مستقرة حل، لانه يجرى مجرى المذبوح.
ولو قطعت الآلة منه شيئا كان ما قطعته ميتة، ويذكى ما بقى أن كانت حياته مستقرة.
ولو قطعته نصفين فلم يتحركا فهما حلال.
فلو تحرك احدهما فالحلال هو دون الاخر.
وقيل: يؤكلان أن لم يكن فى المتحرك حياة مستقرة، وهو اشبه.
وفى رواية يؤكل ما فيه الرأس.
وفى أخرى يؤكل الاكبر دون الاصغر.
وكلاهما شاذ.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): أنه أن ذبح رجل طائرا فطار، فتبعه، فوجد ميتا.
جاز أكله ما لم يحل عنه الليل بأن خفى عليه مدة من الليل، بحيث يلتبس عليه الحال، ولا يدرى هل مات من الجارح، او بشئ من الهوام التى تظهر فى الليل.
وان غابت ذبيحته أو ذابح قبل موتها جاز أكلها، ما لم يعلم انه حدث فيها ما يحرمها.
وقيل: لا يجوز.
وقيل لا: تؤكل أن واراها ليل.
وان وجد بها اثر يموت مثلها به أن كان حيا لم تؤكل.
стр. 3396
وان كان لا يموت فشبهة.
ثم قال (١): واذا شك فى المحلل والمحرم فان تعادلا، استصحب السابق، وان كان احدهما أقوى لصدوره عن دلالة معتبرة فى العين فالحكم له.
فلو رمى صيدا فجرحه فوقع فى ماء، او اناء او على سطح، أو على جبل فسقط منه، او على شجرة فضره غصنها، او ارسل كلبا وشاركه فيه كلب آخر، وشك فى قاتله منهما حرم، لان الاصل فى هذه المسائل التحريم، أى لانه شاهد قاتلا محرما وهو الماء او نحوه، فلا يزول الاصل بالشك فى المبيح.
فلو جرح طير الماء وهو على الماء ومات، أو جرحه وهو خارج الماء فوقع فيه حل.
واذا كان الاصل التحريم ثم طرأ عليه ما يقتضى الحل بظن غالب، فان اعتبر سبب الظن شرعا حل والغى النظر لذلك الاصل، والا فلا.
فلو أرسل كلبا على صيد ثم غاب عنه بعد جرحه حل، أن كان الجرح قاتلا، سواء كان فيه أثر غيره أم لا.
وكذا ان كان الجارح غير قاتل ولم يكن فيه أثر غيره.
بخلاف ما لو غاب عنه قبل جرحه ثم وجده مجروحا ميتا فانه يحرم، وأن نضح الكلب بدمه.
ولو وجدت شاة مذبوحة ولم يدر من ذبحها فان كان اهل البلد مسلمين فقط، أو كانوا اغلب، حلت.
وان كان المجوس اكثر، او استويا حرمت، لان الاصل التحريم حينئذ، ولم يعارضه أقوى منه.
وهذا مبنى على أن ذبيحة المجوسى لا تحل
والصحيح الحل أن كانوا يعطون الجزية
ثم قال (٢) وان ذبح متدين بالتسمية على انها شرط لحل اكل الذبيحة، ثم شك واشكل عليه الامر، هل ذكرها ام لا، أكلت.
وان تعمد عدم الذكر لم تؤكل.
وقيل تؤكل.
وقيل اساء، وتؤكل.
وكذا الخلاف أن ذبح على الشك فى الذكر.
ثم قال (٣): ومن أرسل جارحه أو نحو سهم على صيد واحد، فصادف اثنين، أو ثلاثة فصاعدا جاز أكلهما أو أكلها، الا أن عين الوحش بالذكر كما سمى على المرسل وان اشتبه عليه تركهما.
وكذا أن سمى على صيد فصادف آخر لم يؤكل، الا ان كان قد سمى ايضا على المرسل.
قال فى الاثر: أن وجدت مع كلبك او سهمك آخر فلا تأكل.
стр. 3397
حكم الاشتباه فى الزكاة
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): أنه لو شك شخص فيما اذا كان قد أدى جميع ما عليه من الزكاة أم لا بان كان يؤدى متفرقا ولا يضبطه فانه يلزمه الاعادة، حيث لم يغنب على ظنه دفع قدر معين، لأنه ثابت فى ذمته بيقين فلا يخرج عن العهدة بالشك.
وجاء فى الأشباه والنظائر لابن نجيم (٢): مى ن كان له ابل وبقر وغنم سائمة وشك فى أن عليه زكاة كلها أو بعضها ينبغى أن تلزمه زكاة الكل.
وجاء فى الفتاوى الهندية (٣): أن المزكى اذا دفع الزكاة وهو شاك فى أن من دفعت اليه مضرف من مصارف الزكاة ولم يتحر أو تحرى ولم يظهر له أنه مصرف فهو على الفساد الا اذا تبين أنه مصرف هكذا فى التبيين.
ثم قال (٤): وان اشتبه على المزكى حال المدفوع اليه، ثم تحرى، ووقع فى أكبر رأيه أنه فقير، أو أخبره المدفوع اليه أو عدل آخر أنه فقير، أو رآه فى زى الفقراء، أو رآه جالسا فى صف الفقراء أو رآه يسأل الناس، ووقع فى قلبه أنه فقير.
ففى هذه الوجوه كلها ان علم أنه فقير، أو كان أكبر رأيه أنه فقير، أو لم يعلم بشئ، أو كان أكبر رأيه أنه غنى، أو علم انه غنى جاز فى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى:
الجواب كذلك الا فى فصل واحد، وهو ما اذا علم أنه غنى فانه فى هذه الصورة لا يجزئه عن زكاة ماله عنده ..
مذهب المالكية:
جاء فى الفروق للقرافى (٥): أن من شك هل اخرج الزكاة ام لا فانه يجب عليه اخراج الزكاة وينوى التقرب بها وهو كثير فى الشريعة.
وجاء فى الشرح الكبير (٦): ان من التبس عليه الحال فيمن هو مستحق للزكاة او غير مستحق وجب عليه التحرى والاجتهاد.
стр. 3398
فاذا دفعت الزكاة باجتهاد لغير مستحق فى الواقع كغنى وذى رق وكافر مع ظنه انه مستحق وتعذر ردها منه لم تجزه.
فان امكن ردها أخذها او اخذ عوضها منه فان فاتت بغير سماوى أو به وغره لا ان لم يغره الا الامام يدفعها باجتهاد فتبين انه اخذها غير مستحق فتجزئ لان اجتهاده حكم لا يتعقب وظاهره لو أمكن ردها.
قال الدسوقى: وفيه نظر، لان فى كلام ابن عرفة والتوضيح وغيرهما ما يفيد انها تنزع من يد من دفع له الحاكم أذا كان غير مستحق، وهو ظاهر أذ كيف تكون الزكاة بيد الاغنياء ولا تنزع من ايديهم.
ويدل لذلك ما فى المواق عن اللخمى وهو ظاهر كلام خليل لان موضوع كلامه التعذر.
وجاء فى التاج والاكليل (١): ان الزكاة لا تجزئ ان دفعت لغير مستحق.
قال اللخمى ان اعطى الزكاة لغنى او لعبد او لنصرانى وهو عالم لم تجز.
وان لم يعلم او التبس عليه الحال وكانت قائمة بايديهم، انتزعت منهم، وصرفت لمن يستحقها، فان اكلوها غرموها على المستحسن من القول، لانهم صانوا بها اموالهم.
واذا زكى شخص مال يتيمه ثم انكشف أنه اعطاه غنيا وهو يظنه فقيرا لم يكن عليه أكثر مما صنع، لان الذى تعبد به انما هو الاجتهاد فى ذلك.
الا ترى ان من اهل العلم من يقول أنه اذا أعطى زكاته لغنى، وهو لا يعلم اجزأته زكاته.
ولا خلاف فى انه يجب أن تسترد من عنده اذا علم به وقدر عليه.
وان دفعها لشخص يظنه غنيا ثم تبين انه فقير فانها تجزئه الا انه لا ثواب له لأنه آثم.
مذهب الشافعية:
جاء فى اعانة (٢) الطالبين انه لو شك فى نية الزكاة بعد دفعها هل يضر او لا؟ والذى يظهر الثانى.
ولا يشكل بالصلاة، لانها عبادة بدنية بخلاف هذه، وايضا هذه توسع فى نيتها، لجواز تقديمها وتفويضها الى غير المزكى ونحو ذلك فليتأمل.
стр. 3399
ثم قال: ولو كان عليه زكاة وشك فى اخراجها فأخرج شيئا، ونوى ان كان على شئ من الزكاة فهذا عنه، والا فتطوع.
فان بان عليه زكاة اجزأه عنها، والا وقع له تطوعا، كما افتى به شيخنا.
والذى ارتضاه فى التحفة فى نظير هذه المسألة خلافه، وهو أنه ان لم يبن له شئ وقع عما فى ذمته، وان بان لا يقع كوضوء الاحتياط، ونصها: ولو ادى عن مال مورثه بفرض موته وارثه له ووجوب الزكاة فيه، فبان كذلك، لم يجزئه، للتردد فى النية، مع أن الاصل عدم الوجوب عند الاخراج.
وأخذ منه بعضهم ان من شك فى زكاة فى ذمته فاخرج عنها ان كانت والا فمعجل عن زكاة تجارته مثلا لم يجزئه عما فى ذمته بان له الحال أولا ولا عن تجارته لتردده فى النية، وله الاسترداد ان علم القابض الحال، والا فلا،.
وقضية ما مر فى وضوء الاحتياط ان من شك ان فى ذمته زكاة فاخرجها أجزأته ان لم يبن الحال عما فى ذمته للضرورة.
وبه يرد قول ذلك البعض بان الحال اولا.
وجاء فى المهذب (١): ان دفع الامام الزكاة الى من ظاهره الفقر، ثم بان انه غنى لم يجزه ذلك عن الفرض.
فان كان باقيا استرجع منه ودفع الى فقير.
وان كان فائتا اخذ البدل وصرف الى فقير.
فان لم يكن للمدفوع اليه مال لم يجب على رب المال ضمانه، لانه قد سقط الفرض عنه بالدفع الى الامام، ولا يجب على الامام، لانه أمين غير مفرط فهو كالمال الذى يتلف فى يد الوكيل.
وان دفع الزكاة الى رجل ظنه مسلما وكان كافرا، أو الى رجل ظنه حرا فكان عبدا، فالمذهب أن حكمه حكم ما لو دفع الى رجل ظنه فقيرا فكان غنيا.
ومن اصحابنا من قال: يجب الضمان ها هنا قولا واحدا، لان حال الكافر والعبد لا يخفى فكان مفرطا فى الدفع اليهما وحال الغنى قد يخفى فلم يكن مفرطا.
وفى البحر (٢) لو شك هل مات القابض قبل الحول أو بعده أجزأ فى أقرب الوجهين.
وقيل: أن القابض اذا مات وهو
стр. 3400
معسر فى أثناء الحول أنه يلزم المالك دفع الزكاة ثانيا الى المستحقين وهو كذلك.
وقال فى المجموع هو الذى يقتضيه كلام الجمهور.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١): أنه لو كان للمزكى مال غائب فشك فى سلامته جاز له اخراج الزكاة عنه وكانت نية الاخراج صحيحة.
لان الأصل بقاؤه.
فان نوى أن كان مالى سالما فهذه زكاته، وان كان تالفا فهى تطوع فبان سالما أجزأت نيته، لانه اخلص النية للغرض ثم رتب عليها النفل وهذا حكمها كما لو لم يقله فاذا قاله لم يضر.
ولو قال: هذا زكاة مالى الغائب أو الحاضر صح، لان التعيين ليس بشرط، بدليل أن من له أربعون دينارا اذا أخرج نصف دينار عنها صح، وان كان ذلك يقع عن عشرين غير معينة.
وان قال: هذا زكاة مالى الغائب أو تطوع لم يجزئه، ذكره أبو بكر، لانه لم يخلص النية للفرض أشبه ما لو قال: أصلى فرضا أو تطوعا.
وان قال: هذا زكاة مالى الغائب ان كان سالما، والا فهو زكاة مالى الحاضر أجزأه عن السالم منهما، وان كانا سالمين فعن أحدهما، لان التعيين ليس بشرط.
وان قال: زكاة مالى الغائب وأطلق فبان تالفا لم يكن له أن يصرفه الى زكاة غيره، لانه عينه فأشبه ما لو أعتق عبدا عن كفارة عينها فلم يقع عنها، لم يكن له صرفه الى كفارة أخرى.
هذا التفريع فيما اذا كانت الغيبة مما لا تمنع اخراج زكاته فى بلد رب المال اما لقربه أو لكون البلد لا يوجد فيه أهل السهمان، أو على الرواية التى تقول باخراجها فى بلد بعيد من بلد المال.
وان كان له مورث غائب فقال: ان كان مورثى قد مات فهذه زكاة ماله الذى ورثته منه فبان ميتا، لم يجزئه ما أخرج لانه يبنى على غير أصل، فهو كما لو قال وان ليلة الشك ان كان غد من رمضان فهو فرض وان لم يكن فهو نفل.
وجاء فى كشاف القناع (٢): أنه لا زكاة فى مغشوش الذهب والفضة حتى يبلغ قدر ما فيه من الخالص ذهبا كان أو فضة نصابا.