وان كان لا يموت فشبهة.
ثم قال (١): واذا شك فى المحلل والمحرم فان تعادلا، استصحب السابق، وان كان احدهما أقوى لصدوره عن دلالة معتبرة فى العين فالحكم له.
فلو رمى صيدا فجرحه فوقع فى ماء، او اناء او على سطح، أو على جبل فسقط منه، او على شجرة فضره غصنها، او ارسل كلبا وشاركه فيه كلب آخر، وشك فى قاتله منهما حرم، لان الاصل فى هذه المسائل التحريم، أى لانه شاهد قاتلا محرما وهو الماء او نحوه، فلا يزول الاصل بالشك فى المبيح.
فلو جرح طير الماء وهو على الماء ومات، أو جرحه وهو خارج الماء فوقع فيه حل.
واذا كان الاصل التحريم ثم طرأ عليه ما يقتضى الحل بظن غالب، فان اعتبر سبب الظن شرعا حل والغى النظر لذلك الاصل، والا فلا.
فلو أرسل كلبا على صيد ثم غاب عنه بعد جرحه حل، أن كان الجرح قاتلا، سواء كان فيه أثر غيره أم لا.
وكذا ان كان الجارح غير قاتل ولم يكن فيه أثر غيره.
بخلاف ما لو غاب عنه قبل جرحه ثم وجده مجروحا ميتا فانه يحرم، وأن نضح الكلب بدمه.
ولو وجدت شاة مذبوحة ولم يدر من ذبحها فان كان اهل البلد مسلمين فقط، أو كانوا اغلب، حلت.
وان كان المجوس اكثر، او استويا حرمت، لان الاصل التحريم حينئذ، ولم يعارضه أقوى منه.
وهذا مبنى على أن ذبيحة المجوسى لا تحل
والصحيح الحل أن كانوا يعطون الجزية
ثم قال (٢) وان ذبح متدين بالتسمية على انها شرط لحل اكل الذبيحة، ثم شك واشكل عليه الامر، هل ذكرها ام لا، أكلت.
وان تعمد عدم الذكر لم تؤكل.
وقيل تؤكل.
وقيل اساء، وتؤكل.
وكذا الخلاف أن ذبح على الشك فى الذكر.
ثم قال (٣): ومن أرسل جارحه أو نحو سهم على صيد واحد، فصادف اثنين، أو ثلاثة فصاعدا جاز أكلهما أو أكلها، الا أن عين الوحش بالذكر كما سمى على المرسل وان اشتبه عليه تركهما.
وكذا أن سمى على صيد فصادف آخر لم يؤكل، الا ان كان قد سمى ايضا على المرسل.
قال فى الاثر: أن وجدت مع كلبك او سهمك آخر فلا تأكل.
стр. 3397
حكم الاشتباه فى الزكاة
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): أنه لو شك شخص فيما اذا كان قد أدى جميع ما عليه من الزكاة أم لا بان كان يؤدى متفرقا ولا يضبطه فانه يلزمه الاعادة، حيث لم يغنب على ظنه دفع قدر معين، لأنه ثابت فى ذمته بيقين فلا يخرج عن العهدة بالشك.
وجاء فى الأشباه والنظائر لابن نجيم (٢): مى ن كان له ابل وبقر وغنم سائمة وشك فى أن عليه زكاة كلها أو بعضها ينبغى أن تلزمه زكاة الكل.
وجاء فى الفتاوى الهندية (٣): أن المزكى اذا دفع الزكاة وهو شاك فى أن من دفعت اليه مضرف من مصارف الزكاة ولم يتحر أو تحرى ولم يظهر له أنه مصرف فهو على الفساد الا اذا تبين أنه مصرف هكذا فى التبيين.
ثم قال (٤): وان اشتبه على المزكى حال المدفوع اليه، ثم تحرى، ووقع فى أكبر رأيه أنه فقير، أو أخبره المدفوع اليه أو عدل آخر أنه فقير، أو رآه فى زى الفقراء، أو رآه جالسا فى صف الفقراء أو رآه يسأل الناس، ووقع فى قلبه أنه فقير.
ففى هذه الوجوه كلها ان علم أنه فقير، أو كان أكبر رأيه أنه فقير، أو لم يعلم بشئ، أو كان أكبر رأيه أنه غنى، أو علم انه غنى جاز فى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى:
الجواب كذلك الا فى فصل واحد، وهو ما اذا علم أنه غنى فانه فى هذه الصورة لا يجزئه عن زكاة ماله عنده ..
مذهب المالكية:
جاء فى الفروق للقرافى (٥): أن من شك هل اخرج الزكاة ام لا فانه يجب عليه اخراج الزكاة وينوى التقرب بها وهو كثير فى الشريعة.
وجاء فى الشرح الكبير (٦): ان من التبس عليه الحال فيمن هو مستحق للزكاة او غير مستحق وجب عليه التحرى والاجتهاد.
стр. 3398
فاذا دفعت الزكاة باجتهاد لغير مستحق فى الواقع كغنى وذى رق وكافر مع ظنه انه مستحق وتعذر ردها منه لم تجزه.
فان امكن ردها أخذها او اخذ عوضها منه فان فاتت بغير سماوى أو به وغره لا ان لم يغره الا الامام يدفعها باجتهاد فتبين انه اخذها غير مستحق فتجزئ لان اجتهاده حكم لا يتعقب وظاهره لو أمكن ردها.
قال الدسوقى: وفيه نظر، لان فى كلام ابن عرفة والتوضيح وغيرهما ما يفيد انها تنزع من يد من دفع له الحاكم أذا كان غير مستحق، وهو ظاهر أذ كيف تكون الزكاة بيد الاغنياء ولا تنزع من ايديهم.
ويدل لذلك ما فى المواق عن اللخمى وهو ظاهر كلام خليل لان موضوع كلامه التعذر.
وجاء فى التاج والاكليل (١): ان الزكاة لا تجزئ ان دفعت لغير مستحق.
قال اللخمى ان اعطى الزكاة لغنى او لعبد او لنصرانى وهو عالم لم تجز.
وان لم يعلم او التبس عليه الحال وكانت قائمة بايديهم، انتزعت منهم، وصرفت لمن يستحقها، فان اكلوها غرموها على المستحسن من القول، لانهم صانوا بها اموالهم.
واذا زكى شخص مال يتيمه ثم انكشف أنه اعطاه غنيا وهو يظنه فقيرا لم يكن عليه أكثر مما صنع، لان الذى تعبد به انما هو الاجتهاد فى ذلك.
الا ترى ان من اهل العلم من يقول أنه اذا أعطى زكاته لغنى، وهو لا يعلم اجزأته زكاته.
ولا خلاف فى انه يجب أن تسترد من عنده اذا علم به وقدر عليه.
وان دفعها لشخص يظنه غنيا ثم تبين انه فقير فانها تجزئه الا انه لا ثواب له لأنه آثم.
مذهب الشافعية:
جاء فى اعانة (٢) الطالبين انه لو شك فى نية الزكاة بعد دفعها هل يضر او لا؟ والذى يظهر الثانى.
ولا يشكل بالصلاة، لانها عبادة بدنية بخلاف هذه، وايضا هذه توسع فى نيتها، لجواز تقديمها وتفويضها الى غير المزكى ونحو ذلك فليتأمل.
стр. 3399
ثم قال: ولو كان عليه زكاة وشك فى اخراجها فأخرج شيئا، ونوى ان كان على شئ من الزكاة فهذا عنه، والا فتطوع.
فان بان عليه زكاة اجزأه عنها، والا وقع له تطوعا، كما افتى به شيخنا.
والذى ارتضاه فى التحفة فى نظير هذه المسألة خلافه، وهو أنه ان لم يبن له شئ وقع عما فى ذمته، وان بان لا يقع كوضوء الاحتياط، ونصها: ولو ادى عن مال مورثه بفرض موته وارثه له ووجوب الزكاة فيه، فبان كذلك، لم يجزئه، للتردد فى النية، مع أن الاصل عدم الوجوب عند الاخراج.
وأخذ منه بعضهم ان من شك فى زكاة فى ذمته فاخرج عنها ان كانت والا فمعجل عن زكاة تجارته مثلا لم يجزئه عما فى ذمته بان له الحال أولا ولا عن تجارته لتردده فى النية، وله الاسترداد ان علم القابض الحال، والا فلا،.
وقضية ما مر فى وضوء الاحتياط ان من شك ان فى ذمته زكاة فاخرجها أجزأته ان لم يبن الحال عما فى ذمته للضرورة.
وبه يرد قول ذلك البعض بان الحال اولا.
وجاء فى المهذب (١): ان دفع الامام الزكاة الى من ظاهره الفقر، ثم بان انه غنى لم يجزه ذلك عن الفرض.
فان كان باقيا استرجع منه ودفع الى فقير.
وان كان فائتا اخذ البدل وصرف الى فقير.
فان لم يكن للمدفوع اليه مال لم يجب على رب المال ضمانه، لانه قد سقط الفرض عنه بالدفع الى الامام، ولا يجب على الامام، لانه أمين غير مفرط فهو كالمال الذى يتلف فى يد الوكيل.
وان دفع الزكاة الى رجل ظنه مسلما وكان كافرا، أو الى رجل ظنه حرا فكان عبدا، فالمذهب أن حكمه حكم ما لو دفع الى رجل ظنه فقيرا فكان غنيا.
ومن اصحابنا من قال: يجب الضمان ها هنا قولا واحدا، لان حال الكافر والعبد لا يخفى فكان مفرطا فى الدفع اليهما وحال الغنى قد يخفى فلم يكن مفرطا.
وفى البحر (٢) لو شك هل مات القابض قبل الحول أو بعده أجزأ فى أقرب الوجهين.
وقيل: أن القابض اذا مات وهو
стр. 3400
معسر فى أثناء الحول أنه يلزم المالك دفع الزكاة ثانيا الى المستحقين وهو كذلك.
وقال فى المجموع هو الذى يقتضيه كلام الجمهور.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١): أنه لو كان للمزكى مال غائب فشك فى سلامته جاز له اخراج الزكاة عنه وكانت نية الاخراج صحيحة.
لان الأصل بقاؤه.
فان نوى أن كان مالى سالما فهذه زكاته، وان كان تالفا فهى تطوع فبان سالما أجزأت نيته، لانه اخلص النية للغرض ثم رتب عليها النفل وهذا حكمها كما لو لم يقله فاذا قاله لم يضر.
ولو قال: هذا زكاة مالى الغائب أو الحاضر صح، لان التعيين ليس بشرط، بدليل أن من له أربعون دينارا اذا أخرج نصف دينار عنها صح، وان كان ذلك يقع عن عشرين غير معينة.
وان قال: هذا زكاة مالى الغائب أو تطوع لم يجزئه، ذكره أبو بكر، لانه لم يخلص النية للفرض أشبه ما لو قال: أصلى فرضا أو تطوعا.
وان قال: هذا زكاة مالى الغائب ان كان سالما، والا فهو زكاة مالى الحاضر أجزأه عن السالم منهما، وان كانا سالمين فعن أحدهما، لان التعيين ليس بشرط.
وان قال: زكاة مالى الغائب وأطلق فبان تالفا لم يكن له أن يصرفه الى زكاة غيره، لانه عينه فأشبه ما لو أعتق عبدا عن كفارة عينها فلم يقع عنها، لم يكن له صرفه الى كفارة أخرى.
هذا التفريع فيما اذا كانت الغيبة مما لا تمنع اخراج زكاته فى بلد رب المال اما لقربه أو لكون البلد لا يوجد فيه أهل السهمان، أو على الرواية التى تقول باخراجها فى بلد بعيد من بلد المال.
وان كان له مورث غائب فقال: ان كان مورثى قد مات فهذه زكاة ماله الذى ورثته منه فبان ميتا، لم يجزئه ما أخرج لانه يبنى على غير أصل، فهو كما لو قال وان ليلة الشك ان كان غد من رمضان فهو فرض وان لم يكن فهو نفل.
وجاء فى كشاف القناع (٢): أنه لا زكاة فى مغشوش الذهب والفضة حتى يبلغ قدر ما فيه من الخالص ذهبا كان أو فضة نصابا.
стр. 3401
نقل حنبل فى دراهم مغشوشة فلو خلصت نقصت الثلث أو الربع لا زكاة فيها، لان هذه ليست بمائتين هما فرض رسول الله ﷺ ، فاذا تمت ففيها الزكاة.
فان شك هل ما فى المغشوش من ذهب أو فضة نصاب خالص، خير بين سبكه واخراج قدر زكاة نقده ان بلغ نقده نصابا، وبين أن يحتاط للأمر ويخرج زكاته بيقين.
ومتى ادعى رب المال أنه علم الغش، أو أنه احتاط وأخرج الفرض قبل منه بلا يمين وان وجبت الزكاة فى المغشوش لتيقن بلوغ خالصه نصابا.
ولو شك فى زيادة المغشوش على نصاب احتاط ليبرأ بيقين.
فان كان له ألف ذهب وفضة مختلطة ستمائة من أحدهما وأربعمائة من الآخر.
واشتبه عليه من أيهما الستمائة وتعذر المتميز زكى على اعتبار أن ماله ستمائة ذهبا وأربعمائة فضة لانه يبرأ بذلك بيقين.
وجاء فى المغنى (١): أنه اذا أعطى من يظنه فقيرا فبان غنيا فعن أحمد فيه روايتان.
احداهما: يجزئه اختارها أبو بكر.
وهذا قول الحسن وأبى عبيدة: لان النبى ﷺ «أعطى الرجلين الجلدين» وقال ان شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب.
وقال للرجل الذى سأله الصدقة «ان كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم.
وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: قال رجل لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها فى يد غنى فأصبحوا يتحدثون تصدق على غنى فأتى فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت لعل الغنى أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله» متفق عليه.
والرواية الثانية لا يجزئه لانه دفع الواجب الى غير مستحقه فلم يخرج من عهدته كما لو دفعها الى كافر أو ذى قرابة كديون الآدميين وهذا قول الثورى والحسن بن صالح.
وجاء فى كشاف القناع (٢): لا يجوز دفع الزكاة الا لمن يعلم أنه من أهلها أو يظنه من أهلها، لانه لا يبرأ بالدفع الى من ليس من أهلها فاحتاج الى العلم به لتحصل البراءة، والظن يقوم مقام العلم، لتعذر أو عسر الوصول اليه.
فلو لم يظنه من أهلها فدفعها اليه، ثم بان من أهلها لم يجزئه الدفع.
стр. 3402
فان دفع الزكاة الى من لا يستحقها لكفر أو شرف، كأن يكون هاشميا، أو لكونه عبدا غير مكاتب ولا عامل أو لكونه قريبا من عمودى النسب. أى نسب المزكى أو تلزمه مؤنته، لكونه يرثه بفرض أو تعصيب، وهو لا يعلم عدم استحقاقه، ثم علم ذلك، لم يجزئه، لانه ليس بمستحق، ولا يخفى حاله غالبا، فلم يعذر بجهالته، كدين الآدمى.
ويستردها ربها بزيادتها مطلقا، أى سواء كانت متصلة كالسمن أو منفصلة، كالولد، لانه نماء ملكه.
وان تلفت الزكاة فى يد القابض لها مع عدم أهليته لما سبق ضمنها، لعدم ملكه لها بهذا القبض، وهو قبض باطل، لا يجوز له قبضه لعدم أهليته.
وان كان الدافع للزكاة الى من لا يستحقها هو الامام أو الساعى ضمن، لتفريطه، الا اذا بان المدفوع اليه غنيا، فلا ضمان على الامام، ولا على نائبه، لان ذلك يخفى غالبا بخلاف الكفر ونحوه.
والكفارة كالزكاة، فلا يجوز دفعها الا لمن يعلمه أو يظنه من أهلها.
وان دفعها الى من لا يستحقها لم تجزئه الا الغنى اذا ظنه فقيرا.
ولو دفع صدقة التطوع الى غنى وهو لا يعلم غناه لم يرجع.
وجاء فى المغنى (١): أنه انما فرق فى الحكم بين ما اذا دفعت الزكاة الى من بان غنيا وبين ما اذا دفعت الزكاة الى من لا يستحقها لكفر أو شرف أو نحو ذلك، لان الفقر والغنى مما يعسر الاطلاع عليه والمعرفة بحقيقته. قال الله تعالى:
«يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ» (٢) فاكتفى بظهور الفقر ودعواه بخلاف غيره.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وهامشه (٣): أن الحول يعتبر للزيادة الحاصلة فى المال حول جنسها، نحو أن يستفيد غنما الى غنمه أو بقرا أو ابلا أو ذهبا أو فضة.
فكل ما حصل له من جنس قد كان معه نصاب كان حول الزيادة حول ذلك النصاب وان لم يمض عليه يعنى على المال الذى هو الزيادة الا يوم أو ساعة.
فلو التبس متى استفاد هل قبل تمام الحول أو بعده فلا زكاة لان الأصل براءة الذمة.
ثم قال (٤): واذا كان لرجل مال غائب
стр. 3403
فأخرج قدر الزكاة بنية كونه زكاة ان كان المال سالما، وان كان غير سالم فهو تطوع، أجزأ ذلك عن الزكاة، ان كان المال باقيا، وان لم يكن باقيا فهو تطوع.
قال المهدى: ولا بد فى الشرط الذى يقيد به أن يكون حاليا - وذلك بأن يقول ان كان المال باقيا - لا مستقبلا.
فلو قال: صرفت: اليك هذا عن زكاتى ان جاء زيد، أو ان دخلت دارى، لم يصح قوله، فلا يسقط بها المتيقن.
وذلك نحو أن يشك هل عليه دين لفقير فأعطاه مالا عن الدين ان كان، والا فعن الزكاة والزكاة متيقن لزومها، فهذه النية تصح.
لكن ان انكشف لزوم الدين أخرج عن الزكاة مالا آخر.
وان انكشف عدمه فقد أجزأه عن الزكاة.
وان التبس عليه أمر الدين هل ثم شئ أم لا، ولم ينكشف، لم يسقط عنه المتيقن، وهو الزكاة فيلزمه أن يخرج عن الزكاة مالا آخر بنية مشروطة.
ولا يلزم أن يردها الفقير الى المخرج مع الاشكال فى أمر الدين.
قال على بن يحيى: لان الفقير قد ملكه بيقين أما عن الدين ان كان والا فعن الزكاة.
وهكذا الحكم فى العكس، وهو أن يكون المشكوك فيه هو الزكاة، والمتيقن هو الدين.
فاذا أعطى الفقير مالا عن الزكاة ان كانت والا فعن الدين، فان انكشف الحال عمل بحسبه، وان التبس وجب على المالك أن يسلم دين الفقير لانه متيقن لزومه.
واذا أخذ الفقير أو المسكين (١) شيئا من الزكاة فانه لا يجوز لهما أن يستكملا نصابا من جنس واحد فى دفعة واحدة ولا فى دفعات، فيجب عليهما الاقتصار على ما دون النصاب من الجنس، نص عليه الامام يحيى.
وان لم يقتصرا بل أخذا نصابا حرم النصاب كله، حيث أخذه دفعة واحدة أو بعضه، وذلك حيث أخذ الدفعات، فانه يحرم بعضه، وهو الذى يكون موفيه نصابا فصاعدا.
فلو التبس عليه اللدفعة الأخيرة فقبل الخلط يعمل بظنه فى تعيينها، وبعد الخلط هى مثلية يرد قدرها من جملة المخلوط للصارف ان كان معلوما، وان كان ملتبسا فبين محصورين قسم قدر الدفعة.
ويلزم كل واحد أن يعيد قدر الدفعة الأخيرة ان كان كل واحد منهم صرف
стр. 3404
فيه قدرها، وبغير محصورين صرف قدرها فى مصرف المظالم.
فان التبس عليه قدر الدفعة الأخيرة بعد خلطها عمل فى قدرها بالظن كما مر.
وان كانت قيمته فقبل الخلط يرد للصارف ان كان معلوما، وان كان ملتبسا فكما مر.
وبعد الخلط على وجه لا يتميز يملكها بذلك وضمن قيمتها للصارف.
فان التبس بمحصورين قسمت القيمة بينهم وبغير محصورين فكالمظلمة.
وقيل يحرم الكل كما لو التبست الخامسة.
ثم قال (١): هذا والاصناف التى تدفع اليهم الزكاة يقبل قولهم فى دعواهم الفقر لاخذ الزكاة، فلا يحتاجون الى اقامة بينة على على أنهم فقراء ما لم يحصل ظن الغنى فيهم فان كانت فيهم قرينة الغنى طولبوا بالبينة.
وقال أبو جعفر: أنه لا بد من البيان عند اللبس.
ثم قال (٢): ولا تحل الزكاة للغنى والفاسق ولا يجوز صرفها اليهما الا فى حالين.
وهما: حيث يكون الغنى أو الفاسق عاملا على الزكاة، أو مؤلفا، فانه يجوز صرف الزكاة اليهما لهذين الوجهين، لا سواهما عندنا.
وقال المؤيد بالله: انه يجوز صرف الزكاة للفاسق، ويكره اذا كان فسقه بأمر غير مضارة المسلمين من قطع سبيل ونحوه، فان كان فسقه لذلك لم يجز عند الجميع، لعموم قول الله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٣».
أما اذا التبس الفسق والايمان، فانه يجب الرجوع الى ظاهر الاسلام، ولا يجب البحث الا أن يكون قد بدت عليه قرائن الفسق، فينبغى البحث.
فأما اذا كان ظاهره الفسق وأظهر التوبة عند اعطائه ولم يكن قد أظهرها من قبل فيحتمل أن يقال ان المعطى يعمل بظنه على حسب ما يظهر له من القرائن.
فان التبس فالأولى المنع رجوعا الى الأصل.
ثم قال (٤): واذا أقر رب المال بوجوب الزكاة لكن ادعى أنه قد فرقها قبل
стр. 3405
مطالبة الامام فى مستحقها ولم يتحقق المصدق ذلك فانه يبين مدعى التفريق.
(أى يقيم البينة)، لان الأصل عدم الاخراج، ويبين أيضا أنه وقع التفريق قبل الطلب من الامام.
فان التبس هل التفريق قبل الطلب أو بعده.
قيل: أعاد الاخراج، لان الأصل عدم التفريق حتى وقع الطلب.
ويحتمل صحة الاخراج عند الهادوية، لان الاصل عدم الطلب حتى وقع الاخراج.
وكان مقتضى القياس عدم الاجزاء، لانه لا يسقط المتيقن بالظن أو الشك.
ثم قال (١): ولا يجوز للزارع أن يعتد بخمس اذا أخرجه زكاة وظنه الفرض الذى فرضه الله تعالى فى المال، بل يلزمه اخراج العشر، ولا يحتسب بذلك الخمس، وليس له ارتجاعه حيث دفعه الى الفقير فان كان الى المصدق جاز الارتجاع، فان لم يظنه الفرض، بل التبس عليه فنواه عن الفريضة أجزأه لصحة النية المجملة عند الهادوية.
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى (٢): أنه اذا علم بتعلق الزكاة بماله وشك فى أنه أخرجها أم لا وجب عليه الاخراج، للاستصحاب، الا اذا كان الشك بالنسبة الى السنين الماضية فان الظاهر جريان قاعدة الشك بعد الوقت أو بعد تجاوز المحل.
هذا ولو شك فى أنه أخرج الزكاة عن مال الصبى فى مورد يستحب اخراجها كمال التجارة له بعد العلم بتعلقها به، فالظاهر جواز العمل بالاستصحاب، لانه دليل شرعى والمفروض أن المناط فيه شكه ويقينه، لانه المكلف لا شك الصبى ويقينه وبعبارة أخرى ليس نائبا عنه.
واذا باع الزرع أو الثمر وشك فى أوان البيع بعد زمان تعلق الوجوب حتى تكون الزكاة عليه أو قبله حتى يكون على المشترى ليس عليه شئ، الا اذا كان زمان التعلق معلوما، وزمان البيع مجهولا، فان الأحوط حينئذ الاخراج على أشكال فى وجوبه.
وكذا الحال بالنسبة الى المشترى اذا شك فى ذلك، فانه لا يجب عليه شئ الا اذا علم زمان البيع، وشك فى تقدم
стр. 3406
التعلق وتأخره، فان الاحوط حينئذ اخراجه على اشكال فى وجوبه.
واذا مات المالك بعد تعلق الزكاة وجب الاخراج من تركته.
وان مات قبله وجب على من بلغ سهمه النصاب من الورثة.
واذا لم يعلم أن الموت كان قبل التعلق أو بعده لم يجب الاخراج من تركته ولا على الورثة اذا لم يبلغ نصيب واحد منهم النصاب الا مع العلم بزمان التعلق والشك فى زمان الموت فان الاحوط حينئذ الاخراج.
وأما اذا بلغ نصيب كل منهم النصاب أو نصيب بعضهم فيجب على من بلغ نصيبه منهم للعلم الاجمالى بالتعلق به اما بتكليف الميت فى حياته أو بتكليفه هو بعد موت مورثه، بشرط أن يكون بالغا عاقلا، والا فلا يجب عليه، لعدم العلم الاجمالى بالتعلق حينئذ.
واذا علم أن مورثه كان مكلفا باخراج الزكاة، وشك فى أنه أداها أم لا.
ففى وجوب اخراجه من تركته، لاستصحاب بقاء تكليفه، أو عدم وجوبه للشك فى ثبوت التكليف بالنسبة الى الوارث، واستصحاب بقاء تكليف الميت لا ينفع فى تكليف الوارث وجهان.
أوجههما الثانى، لان تكليف الوارث بالاخراج فرع تكليف الميت حتى يتعلق الحق بتركته وثبوته فرع شك الميت واجرائه لاستصحاب لا شك الوارث وحال الميت غير معلوم أنه متيقن بأحد الطرفين أو شاك.
وفرق بين ما نحن فيه وما اذا علم نجاسة يد شخص أو ثوبه سابقا وهو نائم وشك فى أنه طهرهما أم لا، حيث ان مقتضى الاستصحاب بقاء النجاسة، مع أن حال النائم غير معلوم أنه شاك أو متيقن.
اذ فى هذا المثال لا حاجة الى اثبات التكليف بالاجتناب بالنسبة الى ذلك الشخص النائم، بل يقال ان يده كانت نجسة، والأصل بقاء نجاستها، فيجب الاجتناب عنها.
بخلاف المقام حيث أن وجوب الاخراج من التركة فرع ثبوت تكليف الميت واشتغال ذمته بالنسبة اليه من حيث هو.
نعم لو كان المال الذى تعلق به الزكاة موجودا أمكن أن يقال: الأصل بقاء الزكاة فيه.
ففرق بين صورة الشك فى تعلق الزكاة بذمته وعدمه والشك فى أن هذا المال الذى كان فيه الزكاة أخرجت زكاته أم لا.
وهذا كله اذا كان الشك فى مورد لو كان حيا وكان شاكا وجب عليه الاخراج.
стр. 3407
وأما اذا كان الشك بالنسبة الى الاشتغال بزكاة السنة السابقة أو نحوها مما يجرى فيه قاعدة التجاوز والمضى وحمل فعله على الصحة فلا اشكال.
وكذا الحال اذا علم اشتغاله بدين أو كفارة أو نذر أو خمس أو نحو ذلك.
ثم قال (١): واذا شك فى اشتغال ذمته بالزكاة فأعطى شيئا للفقير، ونوى أنه ان كان عليه الزكاة كان زكاة، والا فان كان عليه مظالم كان منها، والا فان كان على أبيه زكاة كان زكاة له، والا فمظالم له، وان لم يكن على أبيه شئ فلجده ان كان عليه، وهكذا فالظاهر الصحة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): أن من أمره رجلان بأن يدفع زكاتهما لفلان، فبين له كل واحد من الرجلين ما يدفعه، فتشاكل عليه ما لكل منهما، سواء أشكل عليه عينه أو عدده - ان تخالف العدد - ولا يخلصهما الا ان أذنا له.
فقيل يرد ما أعطاه لهما، لانه انما يدفع على نية ما قالا، وقد نسيها، فلم يجز له أن يدفع على غير علم، والا فقد خالف ما عزما له فتبطل امارته، وأيضا قد يظهر زيف فيه، وأيضا قد يرجع الى حساب ما وصله من فلان دينا أو هدية فلا يهتدى الى الجزاء، وقضاء الكمية.
وقيل يدفعه له كما فى الديوان.
وعليه فاذا أراد الدفع نوى أنه يدفع على حد ما ذكرا له أولا الله يعلم ما لكل منهما.
وكذا ان كان ما أعطاه أحدهما زكاة أو انتصالا (أى خروجا من شئ لزمه شرعا) أو غيرهما والآخر غير ذلك.
وكذا ان أمره واحد أن يدفع عنه هذا فى الزكاة، وهذا فى التنصل، أو هذا فى الكفارة، وهذا فى الاحتياط، أو غير ذلك فتشاكل عليه ما لكل نوع ففيه الخلاف
وعلى جواز الدفع يقول خذ هذا عن فلان بعضه كذا، وبعضه كذا.
وان أمره رجل أن يدفع هذا لفلان، وهذا لفلان فتشاكل عليه ما يدفع لكل درهما لصاحبها.
وان أمره رجلان كل منهما أمره أن يدفع ما أمره به لرجل سماه فتشاكل عليه ما لكل منهما أو اختلط عليه أو تشاكل من يدفع له ما أمر به فليرده.
وكذا ان نسى أيدفعه زكاة أو غير ذلك.
ومن أرسل زكاته أو غيرها لمعين أو
стр. 3408
غيره مع أمين أو غيره لزمه أن يسأل رسوله ويتحرى هل وصلت أم لا ليتيقن ببراءة ذمته.
فان قال له غير الامين قد وصلت وصدقه أجزأه.
فعلى هذا ان لم يجد رسوله احتاط.
وقيل لا يلزمه السؤال والتحرى مع الأمين.
ثم قال (١): ومن شك هل أخرج الزكاة لزمه اخراجها وقيل ان اعتاد الاعطاء فى وقت فخرج ذلك الوقت وشك هل أعطى فلا يشتغل بالشك.
وجاء فى شرح النيل (٢): ومن رأى عناء غلته (أى تكاليفها) بعد ادراكها يعنى ما يلزمه عليها فى الزكاة وكان ذلك أكثر من قيمتها أو مثلها أو دونها لكنه استقل الفائدة فيها أو استرابها، مثل أن يستريب البذر، بأن يكون متهما بحرام أو بربا أو الأرض بذلك أو الماء بعد ما دخل غافلا عن ذلك لم يذكر له أو لم ينتبه له وأما ان دخل على الريبة فكالحرام فلا تلزمه زكاتها ان تركها أو لم يتركها الا على قول من قال ان الحرام تلزمه زكاته من بيده ويجب عليه تركها حينئذ كما يجب ترك ما تيقن أنه حرام.
وقيل ان الربية العارضة والمدخول عليها من أول مرة سواء لا تلحق احداهما بالحرام.
وهذا صريح فى أن من بيده حرام لا تلزمه زكاته.
وان لم يعلم أنه حرام فقيل يؤاخذه الله عليها ان لم يؤدها.
وقيل لا.
أو خاف تباعة دينية أو دنيوية.
فالدينية أن يخاف اختلاطها بمال اليتيم أو غيره وأن يكون شريكه فيخاف أن لا يفى بحقه، وان يخاف من خطر الزكاة.
والدنيوية أن يخاف من جائر أن يضره ان لم يتركها ونحو ذلك تلزمه بها فتركها مدركة أو غير مدركة هل يلزمه عشره أو نصفه، ولا يعط مما استراب، بل يعطى عنه من غير ما استراب، لانه لا يتقرب الى الله بريبة ولا يتصرف فيها أو لا يلزمه قولان.
والصحيح لزوم الزكاة عليه، لوجوبها قيل عليه الا فى الريبة فالصحيح أن لا زكاة عليه فيها.
وظاهر الديوان اختيار الثانى.
стр. 3409
الاشتباه
فى النّكاح
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): أنه لو تزوج الرجل اختين فى عقدين ولم يدر الاول منهما فرق بينه وبينهما، لان نكاح احداهما باطل بيقين.
ولا وجه الى التعيين، لعدم الاولوية.
ولا الى التنفيذ مع التجهيل لعدم الفائدة أو للضرر.
فتعين التفريق.
وطولب بالفرق بين هذا وبين ما اذا طلق احدى نسائه بعينها ونسيها حيث يؤمر بالتعيين ولا يفارق الكل.
وأجيب بامكانه هناك لا هنا، لأن نكاحهن كان متيقن الثبوت، فله أن يدعى نكاح من شاء بعينه منهن تمسكا بما كان متيقنا، ولم يثبت هنا نكاح واحدة منهما، فدعواه حينئذ تمسك بما لم يتحقق ثبوته.
ومعنى فرق بينه وبينهما، أنه يفترض عليه مفارقتهما.
ولو علم القاضى بذلك وجب عليه أن يفرق بينهما دفعا للمعصية بقدر الامكان كما فى المحيط.
ولم يذكر فى المختصر أن هذا التفريق طلاق أو فسخ.
وفى فتح القدير: والظاهر أنه طلاق حتى ينقص من طلاق كل منهما طلقة لو تزوجها بعد ذلك.
فان وقع قبل الدخول فله أن يتزوج أيتهما شاء للحال.
ولو وقع بعد الدخول فليس له التزوج بواحدة منهما حتى تنقضى عدتهما.
وان انقضت عدة احداهما دون الأخرى فله تزوج التى لم تنقض عدتها دون الأخرى، كيلا يصير جامعا.
وان وقع بعده باحداهما فله أن يتزوجها فى الحال دون الأخرى، فان عدتها تمنع من تزوج أختها.
وقيد بكونهما فى عقدين، اذ لو كانا فى عقد واحد بطلا يقينا.
وقيده فى المحيط بأن لا تكون احداهما مشغولة بنكاح الغير أو عدته.
فان كانت كذلك صح نكاح الفارغة لعدم تحقق الجمع بينهما.
كما لو تزوجت امرأة زوجين فى عقد واحد وأحدهما متزوج بأربع نسوة فانها تكون زوجة للآخر، لانه لم يتحقق الجمع بين رجلين اذا كانت هى لا تحل لاحدهما.
واذا كانا فى عقد واحد فرق بينه وبينهما أيضا.
стр. 3410
فان كان قبل الدخول فلا مهر لهما ولا عدة عليهما.
وان دخل بهما وجب لكل الأقل من المسمى ومن مهر المثل، كما هو حكم النكاح الفاسد، وعليهما العدة.
وقيده بعدم علم العقد الأول، اذ لو علم فهو الصحيح، والثانى باطل.
وفى تزوج أختين فى عقدين ولم يدر الأول والتفريق بينه وبينهما لهما نصف المهر، لانه وجب للأولى منهما وانعدمت الأولوية للجهل بالأولية فيصرف اليهما.
قال صاحب البحر وهو مقيد بأربعة قيود كما قالوا.
الأول: أن يكون المهر مسمى فى العقد فلو لم يكن مسمى وجبت متعة واحدة لهما بدل نصف المهر.
الثانى: أن يكون مهراهما متساويين اذ لو كانا مختلفين يقضى لكل واحدة منهما بربع مهرها.
الثالث: أن يكون بالفرقة قبل الدخول اذ لو كانت الفرقة بعد الدخول يجب لكل واحدة المهر كاملا لانه استقر بالدخول فلا يسقط منه شئ.
الرابع: ان تدعى كل واحدة منهما أنها الأولى ولا بينة لهما، أما اذا قالتا لا ندرى أن النكاحين أول لا يقضى لهما بشئ لان المقضى له مجهول وهو يمنع صحة القضاء.
ثم قال (١): واذا اجتمع فى الصغير والصغيرة وليان فى الدرجة على السواء فزوج كل واحد من الوليين رجلا على حدة ولا يدرى السابق من اللاحق فلا يجوز، لانه لو جاز جاز بالتحرى والتحرى فى الفروج حرام.
وجاء فى حاشية الشلبى (٢): قال الاتقانى والشبهة على نوعين:
شبهة اشتباه وهو أن يشتبه عليه الحال بأن يظن أنها تحل له وهذه الشبهة تسمى شبهة فى الفعل.
والنوع الثانى شبهة فى المحل: وهى أن تكون الشبهة ناشئة فى المحل بأن يكون فى المحل شبهة الملك أى ملك الرقبة أو ملك البضع، وهذه الشبهة تسمى شبهة حكمية باعتبار أن المحل أعطى له حكم الملك فى اسقاط الحد وأن لم يكن الملك ثابتا حقيقة.
ثم كل واحد من الشبهتين يسقط بها الحد لاطلاق الحديث الا أن فى كل موضع تثبت فيه شبهة الاشتباه اذا قال علمت انها على حرام وجب الحد لارتفاع الشبهة بارتفاع الاشتباه، وفى شبهة المحل لا يجب الحد وان قال علمت أنها على حرام لقيام الشبهة بقيام المحل.
стр. 3411
وقال الكمال: وأصحابنا قسموا الشبهة قسمين شبهة فى الفعل، وتسمى شبهة اشتباه، وشبهة مشابهة أى شبهة فى حق من اشتبه عليه دون من لم يشتبه عليه، وشبهة فى المحل وتسمى شبهة حكمية وشبهة ملك أى الثابت شبهة حكم الشرع بحل المحل.
ثم قال الكمال عند قوله فى الهداية:
ثم الشبهة عند أبى حنيفة تثبت بالعقد، وان كان العقد متفقا على تحريمه وهو عالم به، وعند الباقين لا تثبت هذه الشبهة اذا علم بتحريمه ويظهر أثر ذلك فى نكاح المحارم فصارت الشبهة على قول أبى حنيفة ثلاثة: شبهة فى الفعل، وشبهة فى المحل، وشبهة فى العقد وكذا قسمها فى المحيط.
وذكر الزيلعى أن (١): الشبهة ثلاثة أنواع: شبهة فى الفعل، وشبهة فى المحل، وشبهة فى العقد.
فالاول يسمى شبهة اشتباه، وهو أن يظن غير الدليل دليلا فيتحقق فى حق من اشتبه عليه فقط، لان المحل خال عن الملك والحق، ويكون الوط ء زنا حقيقة، غير أنه يسقط الحد لمعنى راجع اليه وهو الظن، ولهذا لو جاءت بولد لا يثبت نسبه وان ادعاه.
والنوعان الآخران الشبهة فى كل واحد منهما حكمية فيثبت النسب مطلقا، لان الشبهة فيه لدليل قائم به يقتضى الحل.
ولا يجب الحد بشبهة المحل وان علم حرمته كوط ء أمة ولده وولد ولده ومعتدة الكنايات، وذلك لاجل شبهة وجدت فى المحل وان علم حرمته، لان الشبهة اذا كانت فى الموطوءة يثبت فيها الملك من وجه فلم يبق معه اسم الزنا فامتنع الحد على التقارير كلها.
وهذا لان الدليل المثبت للحل قائم وان تخلف عن اثباته حقيقة لمانع فأورث شبهة فلهذا سمى هذا النوع شبهة فى المحل لانها نشأت عن دليل موجب للحل فى المحل.
وبيانه أن قوله ﵊ أنت ومالك لابيك يقتضى الملك لان اللام فيه للملك، وكذا أمة ولد الولد.
والمعتدة التى طلقها بالكنايات فيها اختلاف الصحابة.
فمذهب عمر رضى الله عنه أنها رجعية فأورثت شبهة وان كان المختار قول على رضى الله عنه ولهذه المسائل أخوات.
منها الجارية المبيعة فى حق البائع قبل التسليم، لانها فى ضمانه ويده وتعود الى ملكه بالهلاك قبل التسليم وكان مسلطا على الوط ء بالملك واليد وقد بقيت اليد فتبقى الشبهة.
стр. 3412
ومنها الجارية المشتركة بينه وبين غيره لان ملكه فى البعض ثابت حقيقة فتكون الشبهة فيها أظهر.
ويسقط الحد لاجل الشبهة فى الفعل أن ظن أن وطأها حلال له كمعتدة الثلاث وأمة أبويه وزوجته وسيده، ويسمى هذا النوع من الشبهة شبهة فى الفعل، لان الملك والحق غير ثابت فى هؤلاء، لان حرمة المطلقة ثلاثا مقطوع بها، فلم يبق له فيها ملك ولا حق، غير أنه بقى فيها بعض الأحكام كالنفقة والسكنى والمنع من الخروج وثبوت النسب وحرمة أختها وأربع سواها وعدم قبول شهادة كل واحد منهما لصاحبه فحصل الاشتباه لذلك فأورث شبهة أن ظن حله لانه فى موضع الاشتباه فيعذر.
ولا فرق فى ذلك بين أن يوقع الثلاث جملة أو متفرقا، ولا اعتبار بخلاف من أنكر وقوع الجملة لكونه مخالفا للقطعى.
وكذا الاملاك متباينة بينه وبين أبويه وكذا بينه وبين زوجته فلا ملك له ولا حق فى مالهم وكذا العبد فى مال مولاه غير أن البسوطة تجرى بينهم فى الانتفاع بالأموال والرضا بذلك عادة وهى تجوز الانتفاع بماله شرعا فاذا ظن الوط ء من هذا القبيل حلالا يعذر لان وط ء الجوارى من قبيل الاستخدام فيشتبه عليه الحال والاشتباه فى محله معذور فيه، ولهذه المسائل أيضا أخوات.
منها المطلقة على مال لان حرمتها ثابتة بالاجماع فصارت كالمطلقة ثلاثا.
ومنها أم الولد اذا أعتقها مولاها لثبوت حرمتها بالاجماع وتثبت الشبهة عند الاشتباه لبقاء أثر الفراش وهى العدة.
ومنها الجارية المرهونة فى حق المرتهن فى رواية كتاب الحدود وهو المختار، لان الاستيفاء من عينها لا يتصور، وانما يتصور من معناها، فلم يكن الوط ء حاصلا فى محل الاستيفاء، وهذا لان الرهن لا يفيد ملك العين حقيقة، ولهذا لو مات العبد المرهون يكون كفنه على الراهن والوط ء يصادف العين ولئن أفاد ملك العين لا يتصور أن يفيد ملك المتعة بحال، لأنه يصير مستوفيا لها بعد الهلاك، وفى ذلك الوقت لا يتصور ملك المتعة فيها فصارت كالجارية المستأجرة للخدمة وكجارية الميت فى حق الغريم بخلاف المشتراه بشرط الخيار للبائع لأن الملك فيها يثبت حقيقة فى حال قيامها عند نفوذ البيع وذلك سبب لملك المتعة.
فان قيل: فعلى هذا وجب أن يجب الحد على المرتهن مطلقا اشتبه عليه أو لم يشتبه كما فى الجارية المستأجرة للخدمة وكجارية الميت فى حق الغريم.
قلنا: الاستيفاء سبب لملك المال فى الجملة وملك المال سبب لملك المتعة فى الجملة فحصل الاشتباه بخلاف المستأجرة وجارية الميت، لأن الاجارة لا تفيد المتعة بحال والغريم لا يملك عين التركة وانما يستوفى حقه من الثمن، ولو ملك
стр. 3413
العين أو تعلق حقه بها لما جاز بيعها الا باذنه كالرهن.
ثم كما يسقط الحد عنهما بدعوى الفحل يسقط عنهما بدعوى الجارية.
وعن أبى حنيفة ﵀ أنه لا يسقط عنه، لانها تبع فسقوطه عن التبع لا يوجب السقوط عن الأصل، كالبالغ اذا زنى بصبية.
والظاهر الأول لأن سقوط الحد عن الجارية باعتبار الشبهة فيتعدى اليه، لأن الفعل واحد بخلاف الصبية لان عدم الوجوب عليها باعتبار عدم الأهلية فلا يمكن تعديته اليها فاقتصر عليها.
ثم قال فى الزيلعى: والنسب يثبت فى شبهة المحل ولا يثبت فى شبهة الفعل وأن ادعاه، لأن النسب يعتمد قيام الملك أو الحق فى المحل، لأنه لا يثبت بدون الفراش والفراش أو شبهته توجد بأحدهما، وفى شبهة المحل يوجد أحدهما، فلم يتمحض زنا، ولم يتحقق فى شبهة الفعل فتمحض زنا.
وانما سقط الحد لمعنى راجع اليه وهو اشتباه الأمر عليه، والمحل خال عن الملك وعن الحق ولهذا يجب عليه الحد اذا لم يدع الاشتباه.
ويحد بوط ء أمة أخيه وعمه وان ظن حله وامرأة وجدت فى فراشه يعنى وان ظن أنها تحل له، لأنه لا بسوطة فى مال هؤلاء عادة، فلم يستند ظنه الى دليل، فلم يعتبر.
وكذا فى سائر المحارم سوى الولاء.
بخلاف السرقة منهم حيث لا تقطع بها يده، لأن حد السرقة يجب بهتك الحرز، ولم يوجد الحرز فى حقه، لأن المحارم يدخل بعضهم على بعض بغير استئذان ولا حشمة لوجود الأذن بالدخول عادة فيدرأ به الحد.
وأما هنا يجب الحد بالزنا وقد وجد ويدرأ بالحل أو بشبهته ولم يوجد.
ويحد بوط ء امرأة أجنبية وجدت فى فراشه، وان قال ظننت أنها امرأتى، لأنه بعد طول الصحبة لا تشتبه عليه امرأته، وقد ينام فى فراشها غيرها من المحارم والمعارف والجيران، فلم يستند الظن الى دليل فلا يعتبر.
وكذا اذا كان أعمى، لأن امرأته لا تخفى عليه بعد طول الصحبة يعرفها بالحس والنفس والرائحة والصوت فلا يعذر بترك التفحص عنها الا اذا دعاها فأجابته أجنبية فقالت أنا امرأتك فوطئها، فانه لا حد عليه، لأن ظنه استند الى دليل شرعى، وهو الاخبار.
وكذا لو قالت أنا فلانة باسم
стр. 3414
امرأته فواقعها لا يحد لما قلنا ولو جاءت بولد يثبت نسبه منه.
وان أجابته ولم تقل أنا امرأتك ولا أنا فلانة يحد، لعدم ما يوجب السقوط ولو أكرهها يجب عليه الحد دونها ولا يجب عليه المهر عندنا خلافا للشافعى وهو نظير الاختلاف فى ضمان المسروق مع القطع.
ولا يجب الحد بوط ء أجنبية زفت اليه، وقيل له: هى زوجتك فيما اذا تزوج امرأة ولم يدخل بها بعد، لأنه اعتمد دليلا شرعيا فى موضع الاشتباه وهو الاخبار فيطلق له العمل اذ المرء لا يميز بين زوجته وغيرها فى أول الوهلة، ولا دليل يقف عليه سوى هذا ولهذا قلنا يثبت نسبه وان كانت شبهة اشتباه لعدم الملك وشبهته، لأن الشارع جعل الأخبار بالملك، كالتحقق دفعا لضرر الغرور عنه فى الأمة التى اشتراها، ثم استحقت بعد ما وطئها واستولدها.
ولا يحد قاذفه لأنه وط ء حرام فى غير الملك فيسقط به احصانه.
وعن أبى يوسف ﵀ انه لا يسقط احصانه، لأن هذا الوط ء حلال له ظاهرا والحكم يبنى على الظاهر.
قلنا: ليس له فيها ملك ولا شبهته فكان زنا حقيقة فيبطل به احصانه، واستناده الى دليل شرعى لا يمنع من ذلك كمن وطئ جارية ابنه فانه يسقط احصانه بذلك علقت أو لم تعلق ادعاه أو لم يدع، وعليه مهر.
لأن عليا رضى الله عنه قضى بذلك ولأن الوط ء فى دار الاسلام لا يخلو عن الحد أو المهر وقد سقط الحد عنه فتعين المهر وهو مهر المثل والشبهة فى العقد تكون فى وط ء محرم تزوجها سواء كان عالما بالحرمة أو لم يكن عالما بها.
ولا يجب عليه الحد عند أبى حنيفة ﵀ لكن أن كان عالما يوجع بالضرب تعزيرا له.
وقال أبو يوسف ومحمد: ان كان عالما يحد فى كل امرأة محرمة عليه على التأبيد أو ذات زوج، لأن حرمتهن ثبتت بدليل قطعى، واضافة العقد اليهن كاضافته الى الذكور، لكونه صادف غير المحل فيلغو، لأن محل التصرف ما يكون محلا لحكمه، وهو الحل هنا.
وهى من المحرمات، فيكون وطؤها زنا حقيقة، لعدم الملك فيها والحق
ومن الشبهة فى العقد وط ء المتزوجة بغير شهود، أو بغير اذن المولى، أو وط ء أمة تزوجها على حرة أو تزوج خمسا فى عقدة فوطئهن أو وطئ مجوسية أو مشركة تزوجها، أو جمع بين أختين فى عقدة فوطئهما.
стр. 3415
وفى جميع ذلك لا يجب الحد عند أبى حنيفة كيفما كان.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (١): أنه اذا عقد شخص على أم وابنتها مترتبين ولم يدخل بواحدة ولم تعلم السابقة فى العقد، فالارث بينهما، لثبوت سببه وجهل مستحقه، ولكل منهما نصف صداقها المسمى لها، لأن بالموت تكمل عليه الصداق، وكل تدعيه، والوارث يناكرها، فيقسم بينهما.
ومثل ذلك من تزوج خمسا فى عقود أو أربعة فى عقد وأفرد الخامسة، ولم تعلم الخامسة، فالارث بينهن أخماسا، ولمن مسها منهن صداقها.
فان دخل بالجميع فلهن خمسة أصدقة.
وان دخل بأربع فلكل صداقها، وللتى لم يدخل بها نصف صداقها لأنها تدعى انها ليست بخامسة والوارث يكذبها فيقسم بينهما.
وان دخل بثلاث فلكل صداقها، وللباقى صداق ونصف يكون لكل منهما ثلاثة أرباع صداقها بنسبة قسم صداق ونصف عليهما وان دخل باثنتين فللباقى صداقان ونصف.
قال الدسوقى: لان لاثنتين منهن صداقهن قطعا وصداق الثالثة ينازع فيه الوارث، لأنه يقول واحدة من اللاتى لم يدخلن خامسة فلا شئ لها، وهن يقلن الخامسة ليست واحدة منا بل من اللتين دخل بهما قلنا ثلاثة أصدقة كوامل، فيقسم ذلك الصداق الذى وقع فيه التنازع بين الوارث وبينهن فيصير صداقان ونصف، واذا قسم ذلك على ثلاثة خص كل واحدة ثلاثة أرباع صداقها وثلث ربعه.
قال خليل: وان دخل بواحدة فللباقى ثلاثة أصدقه ونصف، لكل واحدة ثلاثة أرباع صداقها، وثمن صداقها.
وان لم يدخل بواحدة فأربعة أصدقة لكل منهن أربعة أخماس صداقها.
ثم قال (٢): ويجب مهر المثل فى النكاح الفاسد وفى وط ء الشبهة.
وتعتبر فيه الأوصاف المذكورة فيه يوم الوط ء بخلاف النكاح الصحيح ولو تفويضا فتعتبر فيه الأوصاف المذكورة فيه يوم العقد.
стр. 3416
ويتحد المهر فى تعدد الوط ء فى واحدة أن اتحدت الشبهة سواء كانت الشبهة بسبب اتحاد النوع.
كما لو غلط مرارا بغير عالمة بأنه أجنبى - بأن كانت نائمة أو اعتقدت أنه زوجها - حيث يظنها فى المرة الأولى زوجته هند، وفى الثانية زوجته دعد، وفى الثالثة يظنها زوجته زينب
أو كانت الشبهة بسبب اتحاد الشخص كما لو كان فى المرات الثلاث يظنها زوجته هند.
أما لو علمت الزوجة بانه أجنبى فانها تكون زانية تحد ولا شئ لها.
هذا ان اتحدت الشبهة.
فان لم تتحد الشبهة، بل تعددت - كان يطأ امرأة لا تعلم بانه أجنبى وهو يظن أنها زوجته، ثم يطأ أخرى يظن انها امته - تعدد المهر عليه بتعدد الظنون كالزنا بالحرة غير العالمة - أما لنومها أو لظنها انه زوج - فيتعدد عليه المهر بتعدد الوط ء لعذرها مع تجرئه، وسمى ذلك زنا باعتباره لا باعتبارها فانه شبهة (١).
وجاء فى التاج والاكليل ان ابن عرفة قال: لا يجب على الزوج فى المغلوط بها الا مهر واحد ولو تعددت وطآته اياها، كما هو ظاهر المدونة.
ونص عبارة المدونة أنه ان تزوج اخوان أختين فادخلت زوجة كل منهما على الآخر.
قال مالك ترد كل واحدة منهما الى زوجها، ولا يطؤها الا بعد ثلاث حيض استبراء لكل منهما صداقها على من وطئها ان ظنته زوجها وان علمت أنه غيره حدت ولا صداق لها، ورجع الواطئ بالصداق على من ادخلها عليه ان غره منها.
قال ابن القاسم: وكذا من تزوج امرأة فادخلت عليه غيرها.
وقال ابن حبيب: وان لم يغره أحد لم يرجع به على أحد (٢).
وجاء فى حاشية الدسوقى أن الموطوءة وط ء شبهة أما أن تكون لا زوج لها واما أن تكون لها زوج.
فان كان لها زوج فتارة تكون مدخولا بها وتارة لا تكون مدخولا بها.
فان لم تكن ذات زوج فان حملت فالنفقة والسكنى على الغالط وان لم تحمل فالسكنى عليه والنفقة عليها.
وان كانت ذات زوج ولم يدخل بها فان حملت من الغالط فسكناها ونفقتها على الغالط.
стр. 3417
وان لم تحمل فالسكنى على الغالط والنفقة عليها لا على الغالط على الراجح.
واما لو بنى بها زوجها فنفقتها وسكناها على زوجها سواء حملت أم لم تحمل الا ان ينفى الزوج حملها بلعان فلا نفقة لها عليه.
ولها السكنى على الزوج ما لم يلتحق بالغالط فان لحق به فالنفقة والسكنى حينئذ على الغالط (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٢): لو اختلطت محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة أو محرمة بسبب آخر كلعان أو تمجس بنسوة قرية كبيرة بأن كن غير محصورات نكح ان أراد منهن ولو قدر بسهولة على متيقنة الحل خلافا للسبكى رخصة منه تعالى.
وحكمة ذلك أنه لو لم بيح له ذلك ربما انسد عليه باب النكاح فانه وان سافر لبلد لا يأمن مسافرتها اليه وينكح الى أن يبقى عدد محصور كما رجحه الرويانى.
ولا يخالفه ترجيحهم فى الأوانى الأخذ الى أن يبقى واحد، اذ النكاح يحتاط له فوق غيره وما فرق به من أن ذلك يكفى قيه الظن فيباح المظنون مع القدرة على المتيقن بخلافه هنا مردود بما تقرر من حل المشكوك فيها مع وجود متيقنة الحل.
نعم لو تيقن صفة بمحرمة كسواد نكح غير ذات السواد مطلقا كما هو ظاهر واجتنبها ان انحصرن ثم ما عسر عده بمجرد النظر كألف غير محصور وما سهل عده كمائة كما صرحوا به فى باب الأمان وذكره فى الأنوار هنا محصور وبينهما أوساط تلحق بأحدهما بالظن وما شك فيه يستفتى فيه القلب قاله الغزالى.
والذى رجحه الأذرعى التحريم عند الشك، لأن من الشروط العلم بحلها.
واعترض بما لو زوج أمة مورثة ظانا حياته فبان ميتا أو تزوجت زوجة المفقود فبان ميتا فانه يصح.
ولو اختلطت زوجته بأجنبيات امتنع وط ء واحدة منهن مطلقا، لأن الوط ء انما يباح بالعقد دون الاجتهاد.
لو طرأ مؤبد تحريم بفتح الباء - على نكاح قطعه كوط ء زوجة أبيه بشبهة وكوط ء الزوج أم أو بنت زوجته بشبهة فينفسخ النكاح الحاقا للدوام بالابتداء، لأنه معنى يوجب تحريما مؤبدا فاذا طرأ قطع كالرضاع.
وبهذا يتضح أنه لا فرق بين كون
стр. 3418
الموطوءة محرما للواطئ كبنت أخيه وغيرها خلافا لمن قيد بالثانية.
وخرج بنكاح ما لو طرأ على ملك اليمين كوط ء الأصل أمة فرعه، فانها وان حرمت به على الفرع أبدا لا ينقطع به ملكه، حيث لا احبال ولا شئ عليه بمجرد تحريمها لبقاء المالية ومجرد الحل هنا غير متقوم.
ولو عقد أب على امرأة وابنه على ابنتها وزفت كل لغير زوجها ووطئها غلطا انفسخ النكاحان، ولزم كلا لموطوءته مهر المثل، وعلى السابق منهما بالوط ء لزوجته نصف المسمى، وفيما يلزم الثانى منهما وجوه
أوجهها كما أفاده الشيخ يجب لصغيرة لا تعقل ومكرهة ونائمة، لأن الانفساخ حينئذ غير منسوب اليها.
فكان كما لو أرضعت زوجته الكبيرة الصغيرة ينفسخ نكاحها، وللصغيرة نصف المسمى على الزوج، ويرجع على السابق بنصف مهر المثل، لا بمهر المثل، ولا بما غرم، ولا يجب لعاقلة مطاوعة فى الوط ء ولو غلطا.
وان وطئا معا فعلى كل لزوجته نصف المسمى، ويرجع كل على الآخر فى أحد وجهين يظهر الله تعالى ترجيحه بنصف ما كان يرجع به لو انفرد ويهدر نصفه.
ولو أشكل الحال ولم يعلم سبق ولا معية وجب للموطوءة مهر المثل، وانفسخ النكاحان، ولا رجوع لأحدهما على الآخر ولزوجة كل نصف المسمى، ولا يسقط بالشك كما قاله ابن الصباغ.
ولو نكح امرأة وبنتها جاهلا مرتبا فالثانى باطل.
فان وطئ الثانية فقط عالما بالتحريم فنكاح الأولى بحاله أو جاهلا به بطل نكاح الأولى ولزمه لها نصف المسمى وتحرم عليه أبدا.
وللموطوءة مهر المثل وحرمت عليه أبدا ان كانت هى الأم وان كانت البنت لم تحرم أبدا الا ان كان قد وطئ الأم.
ثم قال (١): ولو أسلم وتحته أم وبنتها نكحهما معا أو لا وهما كتابيتان أم غير كتابيتين - ولكن أسلمتا فان دخل بهما أو شك فى عين المدخول بها حرمتا أبدا ولو قلنا بفساد أنكحتهم - لأن وط ء كل بشبهة يحرم الأخرى، ولكل المسمى ان صح والا فمهر المثل.
وان لم يدخل بواحدة منهما أو شك هل دخل بواحدة منهما أو لا تعينت البنت واندفعت الأم لحرمتها
стр. 3419
أبدا بالعقد على البنت بناء على صحة انكحتهم.
وفى قول: يتخير بناء على فسادهما.
وان دخل بالبنت فقط تعينت البنت أيضا لحرمة الأم أبدا بالعقد على البنت أو بوطئها.
وان دخل بالأم حرمتا أبدا الأم بالعقد على البنت بناء على صحة انكحتهم وهى (أى البنت) بوط ء الأم، وللأم مهر المثل بالدخول على ما نقله الرافعى عن البغوى - وجزم به فى الروضة، وهو محمول على ما اذا كان المسمى فاسدا والا فالواجب المسمى.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١): أنه أن اشتبهت أخته أو نحوها من محارمه بأجنبية أو أجنبيات لم يجز له أن يتحرى للنكاح منهن وكف عنهن احتياطا للحظر.
ان اشتبهت أخته أو نحوها فى قبيلة كبيرة وفى بلدة كبيرة فله النكاح منهن ولم يلزمه أن يتحرى ولا مدخل للتحرى فى العتق والطلاق.
فاذا طلق واحدة من نسائه أو أعتق واحدة من امائه ثم نسيها أو كانت ابتداء مبهمة أقرع بينهن.
وجاء فى قواعد ابن رجب (٢): أنه لو اشتبهت زوجته بأجانب فطلقها فله اخراجها بالقرعة ونكاح البواقى على قياس ما ذكره الأصحاب فيمن أسلم على أكثر من أربع فطلق الجميع ثلاثا أنه يخرج أربعا بالقرعة ثم ينكح البواقى.
ولو اشتبهت أخته بأجنبيات فقال القاضى فى خلافه لا يمتنع التميز بالقرعة كما لو زوج احدى بناته برجل واشتبهت فيهن فانها تميز بالقرعة على المنصوص.
وجاء فى كشاف القناع (٣): أن المهر يتعدد بتعدد الشبهة.
مثل أن تشتبه الموطوءة بزوجته، ثم يتبين له الحال، ويعرف أنها ليست زوجته، ثم تشتبه الموطوءة عليه مرة أخرى.
أو ان تشتبه عليه بزوجته فاطمة ثم تشتبه بزوجته الأخرى أو بأمته ونحو ذلك.
ويتعدد المهر بوط ء الزنا اذا كانت
стр. 3420
مكرهة أو أمة مطاوعة بغير اذن سيدها لا بتعدد وط ء شبهة.
مثل ان اشتبهت عليه بزوجته ودامت تلك الشبهة حتى وطئ مرارا ولا بتعدده فى نكاح فاسد.
ولا يجب أرش بكارة مع وجوب المهر للحرة الموطؤة بشبهة أو زنا.
ومن طلق امرأته قبل الدخول والخلوة طلقة وظن أنها لا تبين بها فوطئها لزمه مهر المثل بالوط ء، لأنه وط ء شبهة ولزمه أيضا نصف المسمى بالطلاق قبل الدخول.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج (١): المذهب: أنه مما يحرم الزواج بهن لأجل صفة وليس من أجل النسب أو الرضاع أو المصاهرة الملتبسات بالمحرم اذا كن منحصرات.
كما اذا علم أن رضيعة له دخلت بين نساء منحصرات كنسوة قرية صغيرة والتبست أيتهن رضيعته لم يجز له أن يتزوج واحدة من أولئك النساء الملتبسات بالمحرم حتى يعلم أن تلك المنكوحة غير المحرم ولا يكفى فى ذلك الظن.
وجاء فى شرح (٢) الأزهار: أنه متى اتفق عقدا وليين مأذونين مستويين لشخصين فى وقت واحد، أو أشكل وقتهما بأن لم يعرف هل وقعا فى وقت واحد، أو فى وقتين بطل العقدان جميعا بهذه الشروط.
فمتى اتفق عقدان لم يبطلا الا بهذه الشروط فيبطلان مطلقا، أى سواء أقرت بسبق أحدهما أم لم تقر، وسواء دخل بها أحدهما برضاها أم لم يدخل.
قال المهدى: وهكذا حكم الصغيرة اذا اتفق عقدا ولييها بطل العقدان بالشروط المذكورة الا قولنا مأذونين فانه لا معنى لاذن الصغيرة على الصحيح من المذهب.
وكذا ان علم أن العقدين وقعا فى وقتين وعلم الثانى - أى المتأخر - ثم التبس أيهما هو فانه يبطل العقدان جميعا كالمسألة الأولى الا أن هذه الصورة تخالف المسألة الأولى بحكم واحد، وهو أنه يصح من المرأة تصحيح أحد العقدين فى هذه الصورة، لاقرارها بسبق أحدهما، أو دخول برضاها.
стр. 3421
فانها اذا أقرت لأحد الشخصين أن عقده هو السابق فانه يصح عقده، ويبطل عقد الثانى.
وهكذا اذا كان أحدهما قد دخل بها برضاها فانه يصح عقده دون الآخر لأن رضاها بدخوله بمنزلة الاقرار بسبقه.
قال المهدى: وما ذكرناه للمذهب من أنه يبطل العقدان حيث علم تقدم أحدهما، ثم التبس المتقدم الا لاقرارها بسبق أحدهما أو دخول برضاها هو قول السادة القاسمية والناصرية.
وقال أبو مضر والحقينى والأزرقى أن العقدين لا يبطلان بل يبقيان موقوفين.
ثم قال (١): ومن أسلم من الكفار أو دخل فى الذمة عن عشر زوجات أو أكثر أو أقل، والمراد أكثر من أربع وأسلمن معه عقد بأربع منهن ان جمعهن عقد بأن كان تزوج العشر فى عقد واحد.
وان لم يجمعهن عقد بل تزوجهن فى عقود بطل منها ما كان من العقود داخلة فيه المرأة الخامسة، سواء كان متقدما أم متأخرا وصح ما سواه من العقود.
فلو تزوج امرأتين فى عقد وثلاثا فى عقد صح نكاح الثنتين وبطل نكاح الثلاث، لأن فيه الخامسة.
فلو كان نكاح الثلاث أو لا صح نكاحهن وبطل نكاح الثنتين فان تزوج واحدة ثم ستا ثم ثنتين ثم واحدة بطل نكاح الست وصح نكاح البواقى.
وحاصله أنه يبقى معه نكاح ولا يحتاج الى تجديده ان وافق الاسلام قطعا أو اجتهادا.
وما خالف لم يبق عليه ووجب تجديده على الوجه الذى يصح فى الاسلام.
فان التبس العقد الذى فيه الخامسة صح من العقود ما قد وطئ فيه وبطل ما لم يطأ فيه، وهذا حيث تصادقوا فى ذلك.
فأما مع المناكرة فمن أقر الزوج بتأخرها فقد أقر ببطلان نكاحها فاذا ادعت عليه أنها المتقدمة على غيرها فعليها البينة فاذا بينت استحقت ما وجب لها وعليه اليمين اذا لم تبين وتسقط الحقوق ان حلف.
فان التبس العقد الذى وطئ فيه أو لم يدخل بواحدة من العشر رأسا وقد التبس عليه العقد الذى فيه الخامسة أو دخل بهن جميعا والتبس المتقدم بطل نكاح العشر كلهن فى الصور الثلاثة مع استمرار الجهل والاياس من
стр. 3422
معرفة المتقدم منهن واذا بطل نكاحهن فيعقد بأربع منهن ان شاء.
وقال القاضى زيد: وهو خلاف المذهب أنه يطلق العشر ويعقد بأربع منهن فيختلف عند القاضى زيد حكمهن حينئذ فى المهر والميراث.
أما اختلافهن فى المهر فان كن مدخولا بهن ومهرهن مسمى فلكل واحدة نصف المسمى ونصف الأقل من المسمى ومهر المثل.
وذلك لأنك تجوز فى كل واحدة أن نكاحها صحيح فتستحق المسمى.
وتجوز أنه باطل فتستحق الأقل من المسمى ومهر المثل فأعطيت نصف ما تستحقه فى كل حال بالتحويل (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٢): أنه يشترط تعيين الزوجة والزوج بالاشارة أو بالاسم أو الوصف الرافعين للاشتراك.
فلو كان له بنات وزوجه واحدة منهن ولم يسمها فان أبهم ولم يعين شيئا فى نفسه بطل العقد لامتناع استحقاق الاستمتاع بغير معين.
وان عين فى نفسه من غير أن يسميها لفظا فاختلفا فى المعقود عليها حلف الأب اذا كان الزوج رآهن والا بطل العقد.
ومستند الحكم رواية أبى عبيدة الحذاء عن الباقر ﵇، وفيها على تقدير قبول قول الأب أن عليه فيما بينه وبين الله تعالى أن يدفع الى الزوج الجارية التى نوى أن يزوجها اياه عند عقد النكاح.
ويشكل بأنه اذا لم يسم للزوج واحدة منهن فالعقد باطل سواء رآهن أم لا لما تقدم.
وأن رؤية الزوجة غير شرط فى صحة النكاح فلا مدخل لها فى الصحة والبطلان.
ونزلها الفاضلان على أن الزوج اذا كان قد رآهن فقد رضى بما يعقد عليه الأب منهن ووكل الأمر اليه فكان كوكيله وقد نوى الأب واحدة معينة فصرف العقد اليها.
وان لم يكن رآهن بطل لعدم رضاء الزوج بما يسميه الأب.
ويشكل بأن رؤيته لهن أعم من تفويض التعيين الى الأب وعدمها أعم من عدمه والرواية مطلقة والرؤية غير شرط فى الصحة فتخصيصها بما ذكر، والحكم به لا دليل عليه، فالعمل
стр. 3423
باطلاق الرواية كما صنع جماعة أو ردها مطلقا نظرا الى مخالفتها لأصول المذهب كما صنع ابن ادريس وهو الأولى أولى.
ولو فرض تفويضه اليه التعيين ينبغى الحكم بالصحة وقبول قول الأب مطلقا نظرا الى أن الاختلاف فى فعله وأن نظر الزوجة ليس بشرط فى صحة النكاح وان لم يفوض اليه التعيين بطل مطلقا.
وجاء فى الخلاف (١): أنه اذا اشترك اثنان فى وط ء امرأة فى طهر واحد وكان وطئا يصح أن يلحق به النسب وأتت به لمدة يمكن أن يكون من كل واحد منهما أقرعنا بينهما فمن خرجت قرعته الحقناه به، وبه قال على ﵇.
وجاء فى العروة الوثقى (٢): اذا زوجها أحد الوكيلين من رجل وزوجها الوكيل الآخر من آخر.
فان علم السابق من العقدين فهو الصحيح.
وان علم الاقتران بطلا معا.
وان شك فى السبق والاقتران فكذلك لعدم العلم بتحقق عقد صحيح والأصل عدم تأثير واحد منهما.
وان علم السبق واللحوق ولم يعلم السابق من اللاحق، فان علم تاريخ أحدهما حكم بصحته دون الآخر.
وان جهل التاريخان ففى المسألة وجوه.
أحدها: التوقيف حتى يحصل العلم.
الثانى: خيار الفسخ للزوجة.
الثالث: ان الحاكم يفسخ.
الرابع: القرعة، والأوفق بالقواعد هو الوجه الأخير.
وكذا الكلام اذا زوجه أحد الوكيلين برابعة والآخر بأخرى أو زوجه أحدهما بامرأة والآخر ببنتها أو أمها أو أختها.
وكذا الحال اذا زوجت نفسها من رجل وزوجها وكيلها من آخر أو تزوج بامرأة وزوجه وكيله بأخرى لا يمكن الجمع بينهما.
ولو ادعى أحد الرجلين المعقود لهما السبق وقال الآخر لا أدرى من السابق وصدقت المرأة المدعى للسبق حكم بالزوجية بينهما لتصادقهما عليها.
стр. 3424
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): أنه ان اشتبه زوجتان فصاعدا بغيرهما أو بنساء على زوج أو بنساء أخريات ولا بيان فادعت كل أنها هى زوجته لم يجبر على انفاق الزوجة فلا تدرك عليه واحدة منهن الانفاق، ولأنه لا يعرف أنها زوجته، ولا بيان لها، ولا سبيل الى انفاقهن كلهن، لأن الزوجة واحدة.
وليس المراد بالتشابه تشابه الصور والالوان فقط.
بل اما تشابه ذلك ولا بيان.
واما الشك أهى هذه أو هذه ولا بيان.
أو اتفاق الأسماء وأسماء الآباء ولا بيان.
وأما بنسيان أيهن أو أيهما زوجها من بناته ولا بيان واما غير ذلك.
وكذا لا نفقة فى الحكم على أحد متعدد لم يتبين زوجها منهم وأشكل عليها الأمر.
وكذا الولى اذا اشتبه عليه الحال أهذا المحتاج هو ولى فلان أو هذا المحتاج بأى وجه اشتبه.
أما الولى الذى يلزمه الانفاق اذا اشتبه بغيره لا نفقة عليه حيث قال:
ولا يدرك ولى نفقته على ولى تشاكل عليه بغيره حتى يتبين وذلك أن يقول مثلا كل منهما أو منهم أن ابن أخيك هو أنا لا هذا.
أما ان صدق الولى أحدهما لزمته نفقته.
حكم الاشتباه فى الطلاق
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٢): أن شرط الحكم بوقوع الطلاق عدم الشك من الزوج فى الطلاق.
فلو شك فيه فانه لا يحكم بوقوعه حتى لا يجب عليه أن يعتزل امرأته، لأن النكاح كان ثابتا بيقين، ووقع الشك فى زواله بالطلاق فلا يحكم بزواله بالشك كحياة المفقود، فانها لما كانت ثابتة ووقع الشك فى زوالها لا يحكم بزوالها بالشك حتى لا يورث ما له ولا يرث هو أيضا من أقاربه.
والأصل فى نفى اتباع الشك قول الله ﵎ «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ٣» وقول النبى ﷺ لما سئل عن الرجل يخيل اليه أنه يجد الشئ فى الصلاة: لا ينصرف
стр. 3425
حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، اعتبر اليقين وألغى الشك.
ثم شك الزوج لا يخلو اما أن يقع فى أصل التطليق أطلقها أم لا.
وأما أن يقع فى عدد الطلاق وقدره أنه طلقها واحدة أو ثنتين أو ثلاثا.
أو ان يقع فى صفة الطلاق: هل طلقها رجعية أو بائنة.
فان وقع الشك فى اصل الطلاق لا يحكم بوقوعه لما قلنا.
وان وقع فى القدر يحكم بالأقل لأنه متيقن به وفى الزيادة شك.
وان وقع فى صفة يحكم بالرجعية لأنها أضعف الطلاقين فكانت متيقنا بها.
ثم قال (١): فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق أقبح الطلاق فهو طلاق رجعى عند أبى يوسف رحمه الله تعالى، لأن قوله أقبح الطلاق يحتمل القبح الشرعى، وهو الكراهية الشرعية، ويحتمل القبح الطبعى وهو الكراهية الطبيعية، وهو أن يطلقها فى وقت يكره الطلاق فيه طبعا، فلا تثبت البينونة فيه بالشك، وكذا قوله أقبح الطلاق يحتمل القبح بجهة الابانة ويحتمل القبح بايقاعه فى زمن الحيض أو فى طهر جامعها فيه فلا تثبت البينونة بالشك.
ولو قال أنت طالق للبدعة فهى واحدة رجعية، لأن البدعة قد تكون فى البائن، وقد تكون فى الطلاق حالة الحيض، فوقع الشك فى ثبوت البينونة فلا تثبت البينونة بالشك.
وكذا لو قال لها أنت طالق طلاق الشيطان فهو كقوله - أنت طالق للبدعة.
وقال محمد رحمه الله تعالى فيمن قال لزوجته أنت طالق أقبح الطلاق هو طلاق بائن، لأنه وصف الطلاق بالقبح والطلاق القبيح هو الطلاق المنهى عنه وهو البائن، فيقع بائنا.
خلافا لأبى يوسف رحمه الله تعالى على ما تقدم.
ولو قال لزوجته أنت طالق مثل الجبل أو مثل حبة الخردل فهى واحدة بائنة فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى
وعند أبى يوسف هى واحدة يملك الرجعة.
ووجه قول أبى يوسف أن قوله مثل الجبل أو مثل حبة الخردل يحتمل التشبيه فى التوحد، لأن الجبل بجميع أجزائه شئ واحد غير متعدد فلا تثبت البينونة بالشك.
стр. 3426
ثم قال (١): ولو قال لزوجته أنت طالق وطالق وطالق لا يقع الا الأول عند عامة العلماء، لأن الواو للجمع المطلق، والجمع المطلق فى الوجود لا يتصور بل يكون وجوده على أحد الوضعين عينا اما القران واما الترتيب فان كان الوقوع بصفة الترتيب لا يقع الا الأول وان كان بصفة القران يقع الثانى والثالث فيقع الشك فى وقوع الثانى والثالث فلا يقع للشك.
ثم قال: (٢) أن الكلام فى الطلاق المبهم مجمله أن الجهالة فيه اما أن تكون أصلية بأن يضاف الطلاق الى غير معينة كأن يقول لزوجاته احداكن طالق، أو لزوجتيه احداكما طالق.
وأما أن تكون طارئة وهى أن يضاف الطلاق الى امرأة معلومة ثم يجهل كما اذا طلق زوجة معينة من زوجاته أو زوجتيه ثم نسى المطلقة بعد ذلك.
ففى الجهالة الأصلية يجرى الكلام فى الأحكام فى حالتين حالة حياة الزوج وحالة ما بعد وفاته.
ففى الحالة الأولى لو قال: لزوجتيه احداكما طالق ثلاثا وماتتا جميعا قبل البيان، بأن سقط عليهما حائط أو غرقتا فانه يرث من كل واحدة منهما نصف ميراثها، لأنه لا يستحق ميراث كل واحدة منهما فى حال ويستحقه فى حال فيتنصف كما هو أصلنا فى اعتبار الأحوال.
وكذلك اذا ماتتا جميعا أو احداهما بعد الأخرى لكن لا يعرف التقدم والتأخر فهذا بمنزلة موتهما معا.
وفى الحالة الثانية اذا قال لزوجتيه احداكما طالق ثلاثا ومات قبل البيان.
فان كانتا مدخولا بهما فلكل واحدة منهما جميع المهر، لأن كل واحدة منهما تستحق جميع المهر منكوحة كانت أو مطلقة.
أما المنكوحة فلا شك فيها.
وأما المطلقة فلأنها مطلقة بعد الدخول.
وان كانتا غير مدخول بهما فلهما مهر ونصف مهر بينهما، لكل واحدة منهما ثلاثة أرباع المهر، لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون منكوحة، ويحتمل أن تكون مطلقة.
فان كانت منكوحة تستحق جميع المهر، لأن الموت بمنزلة الدخول.
وان كانت مطلقة تستحق النصف لأن
стр. 3427
النصف قد سقط بالطلاق قبل الدخول، فلكل واحدة منهما كل المهر فى حال والنصف فى حال وليست احداهما بأولى من الأخرى فينتصف فيكون لكل واحدة ثلاثة أرباع مهر.
هذا اذا كان قد سمى لهما مهرا.
فان كان لم يسم لهما مهرا فلهما مهر ومتعة بينهما لأن كل واحدة منهما ان كانت منكوحة فلها كمال مهر المثل.
وان كانت مطلقة فلها كمال المتعة فكل واحدة منهما تستحق كمال مهر المثل فى حال ولا تستحق شيئا من مهر المثل فى حال وكذا المتعة فتنتصف كل واحدة منهما فيكون لهما مهر ومتعة بينهما لكل واحدة منهما نصف مهر المثل ونصف متعة.
وان كان سمى لاحداهما مهرا ولم يسم للأخرى فللمسمى لها ثلاثة أرباع المهر وللتى لم يسم لها مهرا نصف مهر المثل لان المسمى لها اذا كانت منكوحة فلها جميع المسمى.
وان كانت مطلقة فلها النصف فينتصف كل ذلك فيكون لها ثلاثة أرباع المهر المسمى.
والتى لم يسم لها ان كانت منكوحة فلها جميع مهر المثل.
وان كانت مطلقة فليس لها من مهر المثل شئ فاستحقت المهر فى حال ولم تستحق شيئا منه فى حال فيكون لها نصف مهر المثل.
والقياس أن يكون لها نصف المتعة أيضا وهو قول زفر رحمه الله تعالى.
وفى الاستحسان ليس لها الا نصف مهر المثل.
ووجه القياس أنها ان كانت منكوحة فلها كمال مهر المثل.
وان كانت مطلقة فلها كمال المتعه فكان لها كمال مهر المثل فى حال، وكمال المتعة فى حال (١) فينتصف كل واحد منهما فيكون لها نصف مهر مثلها ونصف متعتها.
ووجه الاستحسان أن نصف مهر المثل اذا وجب لها امتنع وجوب المتعة، لان المتعة بدل عن نصف مهر المثل والبدل والمبدل منه لا يجتمعان.
هذا اذا كانت المسمى لها مهر المثل معلومة.
فان لم تكن معلومة فلهما مهر وربع مهر اذا كان مهر مثلهما سواء ويكون بينهما، لأن كل واحدة منهما يحتمل أن
стр. 3428
تكون هى المسمى لها المهر فيكون لها ثلاثة أرباع المهر لما ذكرنا.
ويحتمل أن تكون غير المسمى لها المهر فيكون لها نصف مهر المثل، ففى حال يجب ثلاثة أرباع المهر وفى حال يجب نصف المهر فينتصف كل ذلك فيكون لهما مهر وربع مهر بينهما لكل واحدة منهما نصف مهر وثمن مهر. نصف مهر المسمى وثمن مهر المثل.
ولا تجب المتعة استحسانا.
والقياس أن يجب نصف المتعة أيضا ويكون بينهما وهو قول زفر.
وأما حكم الميراث فهو أنهما يرثان منه ميراث امرأة واحدة ويكون بينهما نصفين فى الأحوال كلها، لأن احداهما منكوحة بيقين، وليست احداهما بأولى من الأخرى، فيكون قدر ميراث امرأة واحدة بينهما.
فان كان للزوج امرأة اخرى سواهما لم يدخلها فى الطلاق فلها نصف ميراث النساء ولهما النصف لأنه لا يزاحمها الا واحدة منهما، لأن المنكوحة واحدة منهما، والاخرى مطلقة فكان لها النصف ثم النصف الثانى يكون بين الأخريين نصفين اذ ليست احداهما بأولى من الأخرى.
وأما حكم العدة فعلى كل واحدة منهما عدة الوفاة وعدة الطلاق، لأن احداهما منكوحة والأخرى مطلقة، وعلى المنكوحة عدة الوفاة لا عدة الطلاق، وعلى المطلقة عدة الطلاق لا عدة الوفاة فدارت كل واحدة من العدتين فى حق كل واحدة من المرأتين بين الوجوب وعدم الوجوب، والعدة يحتاط فى ايجابها، ومن الاحتياط القول بوجوبها على كل واحدة منهما.
أما الجهالة الطارئة على الطلاق وهى أن يكون الطلاق مضافا الى معلومة ثم تجهل كما اذا طلق الرجل امرأة بعينها من نسائه ثلاثا ثم نسى المطلقة والكلام فى هذا الفصل فى موضعين.
أحدهما فى كيفية هذا التصرف.
والثانى فى بيان أحكامه.
أما الأول فلا خلاف فى أن الواحدة منهن طالق قبل البيان، لأنه أضاف الطلاق الى معينة وانما طرأت الجهالة بعد ذلك والمعينة محل لوقوع الطلاق فيكون البيان هاهنا اظهارا أو تعيينا لمن وقع عليها الطلاق.
وأما الأحكام المتعلقة به فنوعان نوع يتعلق به حال حياة الزوج ونوع يتعلق به بعد مماته.
أما الذى يتعلق به فى حال حياة الزوج فهو أنه لا يحل له أن يطأ
стр. 3429
واحدة منهن حتى يعلم التى طلقها فيجتنبها لأن احداهن محرمة بيقين.
وكل واحدة منهما يحتمل أن تكون هى المحرمة فلو وطئ واحدة منهما وهو لا يعلم بالمحرمة فربما وطئ المحرمة.
والأصل فيه ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لوابصة ابن معبد الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك الى ما لا يريبك.
ولا يجوز أن تطلق واحدة منهن بالتحرى.
والأصل فيه أن كل ما لا يباح عند الضرورة لا يجوز فيه التحرى والفرج لا يباح عند الضرورة فلا يجوز فيه التحرى.
بخلاف الذكية اذا اختلطت بالميتة فانه يجوز التحرى فى الجملة.
واذا طلق الرجل واحدة من نسائه بعينها فنسيها ولم يتذكر فينبغى فيما بينه وبين الله تعالى أن يطلق كل واحدة منهن تطليقة رجعية ويتركها حتى تنقضى عدتها فتبين لأنه لا يجوز له أن يمسكهن فيقربهن جميعا، لأن احداهن محرمة بيقين.
ولا يجوز له أن يطأ واحدة منهن بالتحرى لأنه لا مدخل للتحرى فى الفروج.
ولا يجوز له أن يتركهن بغير بيان لما فيه من الأضرار بهن بابطال حقوقهن من هذا الزوج ومن غيره بالنكاح، اذ لا يحل لهن النكاح، لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون منكوحة فيوقع على كل واحدة منهن تطليقة رجعية ويتركها حتى تنقضى عدتها فتبين.
واذا انقضت عدتهن وبن فأراد أن يتزوج الكل فى عقدة واحدة قبل أن يتزوجن لم يجز لأن واحدة منهن مطلقة ثلاثا بيقين.
وجاء فى الأشباه والنظائر (١): أنه لو شك هل طلق واحدة أو أكثر بنى على الأقل كما ذكره الاسبيجابى الا أن يتيقن بالأكثر أو يكون أكبر ظنه على خلافه.
وقال ابن نجيم وعن الامام حلف بطلاقها ولا يدرى أثلاث أم أقل يتحرى وان استويا عمل بأشد ذلك عليه.
قال الحموى قيل ينبغى اذا استويا أن يأخذ بالأقل لأنه هو المتيقن ولان الاصل العدم.
وجاء فى بدائع الصنائع (٢): وعدة الحامل أن تضع حملها ومقدارها بقية
стр. 3430
مدة الحمل قلت أو كثرت، حتى لو ولدت بعد وجوب العدة بيوم أو أقل أو أكثر انقضت به العدة، لكن يشترط أن يكون ما وضعت قد استبان خلقه أو بعض خلقه.
فان لم يستبن رأسا بأن أسقطت علقة أو مضغة لم تنقض به العدة، لأنه اذا استبان خلقه أو بعض خلقه فهو ولد، فقد وجد وضع الحمل فتنقضى به العدة، واذا لم يستبن لم يعلم كونه ولدا، بل يحتمل أن يكون، ويحتمل أن لا يكون، فيقع الشك فى وضع الحمل فلا تنقضى العدة بالشك.
ولو مات مولى أم الولد (١) وزوجها ولم يعلم أيهما مات أولا ولم يعلم أيضا كم بين موتيهما فقد اختلف فى مقدار العدة عليها.
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: عليها أربعة أشهر وعشر لا حيض فيها، لقول الله تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ٢».
وهذا تقدير لعدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر، فلا يجوز الزيادة عليه الا بدليل، ولان الأصل فى كل أمرين حادثين لم يعلم تاريخ ما بينهما أن يحكم بوقوعهما معا كالغرقى والحرقى والهدمى.
واذا حكم بموت الزوج مع موت المولى فقد وجبت عليها العدة وهى حرة فكانت عدة الحرائر فلم يكن لايجاب الحيض محل فلا يمكن ايجابها.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: عليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض.
لانه يحتمل أن الزوج مات أولا وانقضت العدة ثم مات المولى بعد انقضاء العدة فيجب عليها ثلاث حيض.
ويحتمل أن يكون المولى مات أولا فعتقت بموته ثم مات الزوج فيجب أربعة أشهر وعشر، فيراعى فيه الاحتياط، فيجمع بين الاربعة الاشهر والعشر والحيض.
وبناء على هذا الأصل قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: اذا تزوج الرجل أم الولد بغير اذن مولاها، ودخل بها الزوج، ثم مات الزوج والمولى، ولا يعلم أيهما مات أولا، ولا كم بين موتيهما فعليها حيضتان فى قياس قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لانه يحكم بموتهما معا.
وفى قول أبى يوسف: يجب عليها ثلاث حيض فى أربعة أشهر وعشر، بناء على أصله فى اعتبار الاحتياط، لانه يحتمل أن المولى مات أولا فنفذ النكاح لموته، لانها عتقت فجاز نكاحها بعتقها، ثم
стр. 3431
مات الزوج وهى حرة، فوجب عليها أربعة أشهر وعشر.
ويحتمل أنه مات الزوج أولا وانقضت عدتها، ثم مات المولى بعد انقضاء العدة فعليها عدة المولى ثلاث حيض فوجب عليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض احتياطا.
وان لم يعلم (١) أيهما مات أولا ولكن علم أن بين موتيهما لا تحيض فيه حيضتين فعليها أربعة أشهر وعشر، فيها حيضتان، لان عدة المولى قد سقطت، سواء مات أولا أو آخرا، اذا كان بين موتيهما ما لا تحيض فيه حيضتين.
ووقع التردد فى عدة الزوج.
لانه ان مات المولى أولا فعتقت نفذ نكاحها بعتقها فوجب عليها عدة الحرائر بالوفاة.
وان مات الزوج أولا وجب عليها حيضتان فيجمع بينهما احتياطا.
ولو حاضت حيضتين بين موتيهما فعليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض.
لانه ان مات المولى أولا فعتقت فنفذ نكاحها فلما مات الزوج وجب عليها عدة الشهور.
وان مات الزوج أولا ثم مات المولى بعد انقضاء العدة فيجب عليها ثلاث حيض فيجمع بين الشهور والحيض احتياطا.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٢) واختار المسلم الذى أسلم على أكثر من أربع أربعا منهن ان أسلمن معه أو كن كتابيات تزوجهن فى عقد أو عقود بنى بهن أو ببعضهن أو لا، كانت الأربع هى الأواخر أو لا، واليه أشار بقوله وان كن أواخر.
وان شاء اختار أقل من أربع.
أو لم يختر شيئا منهن.
واختار احدى أختين ونحوهما من كل محرمتى الجمع اذا أسلم عليهما مطلقا من نسب أو رضاع كانا فى عقد أو عقدين دخل بهما أو بأحداهما أو لا.
واختار اما وابنتها لم يمسهما، والواو بمعنى أو أى يختار من شاء منهما سواء جمعهما فى عقد أو عقدين، لان العقد الفاسد لا أثر له والا لحرمت الأم مطلقا.
وان مسهما أى تلذذ بهما حرمتا أبدا، لانه وط ء شبهة وهو ينشر الحرمة.
وان مس احداهما تعينت أى للبقاء ان شاء أى ان أراد ابقاء واحدة تعينت الممسوسة للبقاء وحرمت الأخرى أبدا.
ولا يتزوج ابنه أى ابن من أسلم على أم وابنتها أو أبوه من فارقها.
стр. 3432
ويتبادر من ذكر ذلك عقب مسئلة الام وبنتها أن ذلك خاص بهما.
وعليه فالنهى للكراهة لا للتحريم ان كان الفراق قبل البناء، لانه لم يكن الا العقد وعقد الكفر لا ينشر الحرمة.
وان كان بعده فللتحريم.
ويحتمل أن كلامه فى محرمتى الجمع مطلقا أو فيمن أسلم على أكثر من أربع.
وعليه فالنهى للتحريم ان كانت التى فارقها مسها، لان مسها بمنزلة العقد الصحيح فتحرم على أصله وفرعه.
واختار بطلاق أى يعد مختارا بسبب طلاق اذ لا يكون الطلاق الا فى زوجة.
فان طلق واحدة معينة كان له من البواقى ثلاث.
وان طلق أربعا لم يكن له شئ كأن طلق واحدة مبهمة أو ظهار، لانه يدل على الزوجية أو ايلاء لانه لا يكون الا فى الزوجة، أو وط ء فمتى وطئ بعد اسلامه واحدة، أو تلذذ بها ممن أسلمن، أو كن كتابيات عد مختارا لها.
فان وطئ أكثر من أربع فالعبرة بالأول.
واختار الغير أى غير المفسوخ نكاحها ان فسخ الزوج نكاحها.
أى يختار غير من فسخ نكاحها.
أى اذا قال من أسلم فسخت نكاح فلانة ففسخه يعد فراقا، ويختار أربعا غيرها.
والفرق بين الطلاق والفسخ أن الفسخ يكون فى المجمع على فساده، بخلاف الطلاق فانما يكون فى الزوجة من الصحيح والمختلف فيه.
ولو قال وغير من فسخ نكاحها لكان أخصر وأظهر.
أو اختار الغير ان ظهر أنهن أى المختارات أخوات ونحوهن من محرمتى الجمع فيختار غيرهن.
وكذا له اختيار واحدة منهن خلافا لظاهر المصنف.
فلو قال وواحدة ممن ظهر أنهن أخوات لكان أحسن.
ما لم يتزوجن أى غير المختارات وجمع باعتبار المعنى.
أى ويتلذذ الثانى بهن غير عالم بان من فارقها له اختيارها لظهور أن من اختارهن أخوات قياسا على ذات الوليين.
فان لم يتلذذ أصلا أو تلذذ عالما بما ذكر فلا يفوت اختياره لها.
فلو قال المصنف وواحدة ممن ظهر أنهن كأخوات وباقى الأربع من سواهن ما لم يتلذذ بهن زوج غير عالم لأفاد بلا كلفة.
стр. 3433
ولا شئ من الصداق لغيرهن أى لغير المختارات ان لم يدخل به أى بالغير.
فان دخل فلها صداقها.
فان لم يختر شيئا أصلا من العشرة بأن فارقهن قبل البناء بعد اسلامه لزمه لاربع منهن غير معينات صداقان اذ فى عصمته شرعا أربع واذا قسم اثنان على عشرة ناب كل واحدة منهن خمس صداقها.
كاختياره أى المسلم مطلقا اعم من أن يكون أصليا أو كافرا ثم أسلم واحدة كائنة من أربع رضيعات تزوجهن وبعد عقده عليهن أرضعتهن امرأة تحل له بناتها فصرن اخوة من الرضاع.
فان اختار واحدة فلا شئ لغيرها من الصداق.
فان لم يختر شيئا وطلقهن قبل البناء لزمه نصف صداق لغير معينة.
فلكل ثمن مهرها اذ هو الخارج بقسمة نصف صداق على أربعة.
فان أرضعتهن أمه أو أخته لم يختر منهن شيئا.
ومن أسلم على أكثر من أربع نسوة أربع صداقات تقسم بينهن بنسبة مالهن ان مات ولم يختر شيئا منهن.
فاذا كن عشرة فلكل واحدة خمسا صداقها بنسبة قسم أربع صداقات على عشرة.
واذا كانت ستا كان لكل واحدة ثلثا صداقها.
وهذا اذا لم يكن دخل بهن.
والا فللمدخول بها صداق كامل
ولغيرها خمسا صداقها أو ثلثاه.
ثم قال: ولا ارث لمن أسلمت منهن ان مات مسلما قبل أن يختار وتخلف أربع كتابيات حرائر عن الاسلام، لاحتمال أنه كان يختارهن فوقع الشك فى سبب الارث ولا ارث مع الشك.
فلو تخلف عن الاسلام دونهن فالارث للمسلمات لان الغالب فيمن اعتاد الاربع فأكثر أن لا يقتصر على أقل.
والحاصل كما قاله اللدسوقى أن اللدخول بعد الاسلام اختيار.
فاذا دخل بأربع كان اختيارا لهن فلا صداق لغيرهن.
وان دخل بأقل من أربع كانت المدخول بها مختارة فلها صداق كامل ولغيرها من صداقها بنسبة قسمة باقى الاصدقة الاربعة على عدد من لم يدخل بها.
وأما الدخول قبل الاسلام فليس اختيارا فما زال أربعة شائعة فى العشر مثلا فلكل واحدة من الأربعة الاصدقة بنسبة قسمتها على عددهم ويكمل للمدخول بها صداقها فقط.
стр. 3434
وجاء فى الشرح (١) الكبير وحاشية الدسوقى عليه: أنه لو مات مسلم عن زوجتين مسلمة وكتابية وقد طلق احداهما والتبست المطلقة بائنا أو رجعيا بأن قال لاحداهما: أنت طالق ومات قبل البناء ولم تعلم المطلقة من غيرها أو طلقها بعد البناء طلاقا بائنا أو رجعيا وانقضت العدة قبل موته ثم مات ولم تعلم المطلقة من غيرها.
فلا ارث للمسلمة لثبرت الشك فى زوجيتها.
أما اذا كان الطلاق رجعيا ومات قبل انقضاء العدة فلا التباس والارث كله للمسلمة لانه على احتمال أن تكون المطلقة هى الكتابية فالميراث كله للمسلمة.
وعلى احتمال كون المطلقة هى المسلمة والعدة لم تنقض فلها الميراث أيضا.
قال خليل: أما ان طلق رجل احدى زوجتيه المسلمتين طلاقا غير بائن وجهلت المطلقة منهما ودخل باحداهما وعلمت ولم تنقض العدة فللمدخول بها الصداق كاملا وثلاثة أرباع الميراث، لانها تنازع غير المدخول بها فى الميراث، وتقول:
أنا لم أطلق بائنا فهو لى بتمامه، وغير المدخول بها تدعى أنها فى العصمة وان لها نصف الميراث وللأخرى نصفه، فيقسم النصف بينهما نصفين، لان المنازعة انما وقعت فيه.
وصورة المسألة هى: طلق رجل احدى زوجتيه المسلمتين طلاقا قاصرا عن الغاية وجهلت المطلقة، بأن قال احداكما طالق وادعى أنه قصد واحدة بعينها ولم يعينها للبينة، والحال أنه دخل باحداهما، وعلمت ثم مات المطلق قبل أن تنقضى عدة الطلاق، وقد علمت أن هذا الطلاق رجعى بالنسبة للمدخول بها، وبائن بالنسبة لغيرها، فللمدخول بها الصداق، ولغير المدخول بها ربع الميراث ولها ثلاثة أرباع الصداق أى صداقها، لانها ان كانت هى المطلقة، فليس لها الا نصفه، ونصفه الآخر للورثة، وان كانت المطلقة هى المدخول بها فلهذه جميع صداقها لتكمله بالموت فالنزاع بينهما وبين الورثة فى النصف الثانى فيقسم بينهما نصفين فلها منه الربع مع النصف الذى لا منازع لها فيه فيصير لها ثلاثة أرباع الصداق وللورثة ربعه بعد يمين كل على ما ادعى، ونفى دعوى صاحبه.
أما لو انقضت العدة قبل موته فالصداق على ما سبق ذكره والميراث بينهما نصفين، وكذا لو كان بائنا.
وان لم يدخل بواحدة فلكل واحدة ثلاثة أرباع الصداق، والميراث بينهما سواء.
وان دخل بهما فلكل صداقها والميراث بينهما سواء.
الا أنه اذا كان الطلاق رجعيا لم يكن من صور الالتباس.
стр. 3435
قال الدسوقى تكلم المصنف والشارح على ما اذا جهلت المطلقة وعلم المدخول بها.
وأما لو علمت المطلقة وجهل المدخول بها فللتى لم تطلق الصداق كاملا، وللمطلقة ثلاثة أرباع الصداق للنزاع فى النصف الثانى، لاحتمال عدم دخولها.
وان جهل كل من المطلقة والمدخول بها فلكل واحدة سبعة أثمان صداقها، لانهما يقولان المطلقة من دخلت فيكمل للثانية صداقها ويقول الوارث لكما صداق ونصف والمطلقة لم تدخل فتنازعهما فى نصف فيقسم فلهما صداق وثلاثة أرباع يتنازعان فيهما فيقسمان ذلك بينهما، والميراث بينهما مناصفة فى المسألة الثالثة وثلاثة أرباعه للتى لم تطلق فى المسألة الاولى.
وجاء فى الشرح الكبير (١): ولو شك فى الأيمان التى حلفها أمر بانفاذها اذا التبس عليه الحال من غير قضاء (أى ديانة فيما بينه وبين الله تعالى).
فلو حلف وحنث وشك هل حلف بطلاق أو عتق أو مشى أو صدقة فليطلق نساءه ويعتق رقيقه ويمش لمكة ويتصدق بثلث ماله.
يؤمر بذلك كله من غير قضاء على ما قاله فى المدونة.
ولا يؤمر بالفراق ان شك هل حصل منه ما يوجب الطلاق أم لا.
فيشمل شكه هل قال أنت طالق أم لا.
وشكه هل حلف وحنث أو لا.
وشكه فى حلفه على فعل غيره هل فعله أم لا.
الا أن يستند فى شكه لشئ يدل على فعل المحلوف عليه وهو سالم الخاطر من الوسواس أى غير مستنكح الشك، كرؤية شخص داخلا فى دار، وقد كان حلف على زيد مثلا لا يدخلها، والتبس عليه الحال فى كونه زيدا المحلوف عليه، أو هو غيره، وغاب عنه بحيث يتعذر تحقيقه، فيؤمر بالطلاق اتفاقا.
ثم قيل يجبر عليه وينجز.
وقيل يؤمر به بلا جبر.
فان كان غير سالم الخاطر بان استنكحه الشك فلا شئ عليه.
وان طلق احدى زوجتيه بعينها وشك أهند هى أم غيرها، بأن قال: هند طالق، ثم شك هل طلق هندا أو غيرها أو قال ان دخلت الدار فهند طالق ودخل ثم شك هل حلف بطلاق هند أو غيرها طلقتا معا ناجزا.
قال الدسوقى أى من غير امهال.
وقيل يمهل ليتذكر فان ذكرها لم يطلق غيرها، قاله فى الشامل.