مات الزوج وهى حرة، فوجب عليها أربعة أشهر وعشر.
ويحتمل أنه مات الزوج أولا وانقضت عدتها، ثم مات المولى بعد انقضاء العدة فعليها عدة المولى ثلاث حيض فوجب عليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض احتياطا.
وان لم يعلم (١) أيهما مات أولا ولكن علم أن بين موتيهما لا تحيض فيه حيضتين فعليها أربعة أشهر وعشر، فيها حيضتان، لان عدة المولى قد سقطت، سواء مات أولا أو آخرا، اذا كان بين موتيهما ما لا تحيض فيه حيضتين.
ووقع التردد فى عدة الزوج.
لانه ان مات المولى أولا فعتقت نفذ نكاحها بعتقها فوجب عليها عدة الحرائر بالوفاة.
وان مات الزوج أولا وجب عليها حيضتان فيجمع بينهما احتياطا.
ولو حاضت حيضتين بين موتيهما فعليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض.
لانه ان مات المولى أولا فعتقت فنفذ نكاحها فلما مات الزوج وجب عليها عدة الشهور.
وان مات الزوج أولا ثم مات المولى بعد انقضاء العدة فيجب عليها ثلاث حيض فيجمع بين الشهور والحيض احتياطا.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير (٢) واختار المسلم الذى أسلم على أكثر من أربع أربعا منهن ان أسلمن معه أو كن كتابيات تزوجهن فى عقد أو عقود بنى بهن أو ببعضهن أو لا، كانت الأربع هى الأواخر أو لا، واليه أشار بقوله وان كن أواخر.
وان شاء اختار أقل من أربع.
أو لم يختر شيئا منهن.
واختار احدى أختين ونحوهما من كل محرمتى الجمع اذا أسلم عليهما مطلقا من نسب أو رضاع كانا فى عقد أو عقدين دخل بهما أو بأحداهما أو لا.
واختار اما وابنتها لم يمسهما، والواو بمعنى أو أى يختار من شاء منهما سواء جمعهما فى عقد أو عقدين، لان العقد الفاسد لا أثر له والا لحرمت الأم مطلقا.
وان مسهما أى تلذذ بهما حرمتا أبدا، لانه وط ء شبهة وهو ينشر الحرمة.
وان مس احداهما تعينت أى للبقاء ان شاء أى ان أراد ابقاء واحدة تعينت الممسوسة للبقاء وحرمت الأخرى أبدا.
ولا يتزوج ابنه أى ابن من أسلم على أم وابنتها أو أبوه من فارقها.
стр. 3432
ويتبادر من ذكر ذلك عقب مسئلة الام وبنتها أن ذلك خاص بهما.
وعليه فالنهى للكراهة لا للتحريم ان كان الفراق قبل البناء، لانه لم يكن الا العقد وعقد الكفر لا ينشر الحرمة.
وان كان بعده فللتحريم.
ويحتمل أن كلامه فى محرمتى الجمع مطلقا أو فيمن أسلم على أكثر من أربع.
وعليه فالنهى للتحريم ان كانت التى فارقها مسها، لان مسها بمنزلة العقد الصحيح فتحرم على أصله وفرعه.
واختار بطلاق أى يعد مختارا بسبب طلاق اذ لا يكون الطلاق الا فى زوجة.
فان طلق واحدة معينة كان له من البواقى ثلاث.
وان طلق أربعا لم يكن له شئ كأن طلق واحدة مبهمة أو ظهار، لانه يدل على الزوجية أو ايلاء لانه لا يكون الا فى الزوجة، أو وط ء فمتى وطئ بعد اسلامه واحدة، أو تلذذ بها ممن أسلمن، أو كن كتابيات عد مختارا لها.
فان وطئ أكثر من أربع فالعبرة بالأول.
واختار الغير أى غير المفسوخ نكاحها ان فسخ الزوج نكاحها.
أى يختار غير من فسخ نكاحها.
أى اذا قال من أسلم فسخت نكاح فلانة ففسخه يعد فراقا، ويختار أربعا غيرها.
والفرق بين الطلاق والفسخ أن الفسخ يكون فى المجمع على فساده، بخلاف الطلاق فانما يكون فى الزوجة من الصحيح والمختلف فيه.
ولو قال وغير من فسخ نكاحها لكان أخصر وأظهر.
أو اختار الغير ان ظهر أنهن أى المختارات أخوات ونحوهن من محرمتى الجمع فيختار غيرهن.
وكذا له اختيار واحدة منهن خلافا لظاهر المصنف.
فلو قال وواحدة ممن ظهر أنهن أخوات لكان أحسن.
ما لم يتزوجن أى غير المختارات وجمع باعتبار المعنى.
أى ويتلذذ الثانى بهن غير عالم بان من فارقها له اختيارها لظهور أن من اختارهن أخوات قياسا على ذات الوليين.
فان لم يتلذذ أصلا أو تلذذ عالما بما ذكر فلا يفوت اختياره لها.
فلو قال المصنف وواحدة ممن ظهر أنهن كأخوات وباقى الأربع من سواهن ما لم يتلذذ بهن زوج غير عالم لأفاد بلا كلفة.
стр. 3433
ولا شئ من الصداق لغيرهن أى لغير المختارات ان لم يدخل به أى بالغير.
فان دخل فلها صداقها.
فان لم يختر شيئا أصلا من العشرة بأن فارقهن قبل البناء بعد اسلامه لزمه لاربع منهن غير معينات صداقان اذ فى عصمته شرعا أربع واذا قسم اثنان على عشرة ناب كل واحدة منهن خمس صداقها.
كاختياره أى المسلم مطلقا اعم من أن يكون أصليا أو كافرا ثم أسلم واحدة كائنة من أربع رضيعات تزوجهن وبعد عقده عليهن أرضعتهن امرأة تحل له بناتها فصرن اخوة من الرضاع.
فان اختار واحدة فلا شئ لغيرها من الصداق.
فان لم يختر شيئا وطلقهن قبل البناء لزمه نصف صداق لغير معينة.
فلكل ثمن مهرها اذ هو الخارج بقسمة نصف صداق على أربعة.
فان أرضعتهن أمه أو أخته لم يختر منهن شيئا.
ومن أسلم على أكثر من أربع نسوة أربع صداقات تقسم بينهن بنسبة مالهن ان مات ولم يختر شيئا منهن.
فاذا كن عشرة فلكل واحدة خمسا صداقها بنسبة قسم أربع صداقات على عشرة.
واذا كانت ستا كان لكل واحدة ثلثا صداقها.
وهذا اذا لم يكن دخل بهن.
والا فللمدخول بها صداق كامل
ولغيرها خمسا صداقها أو ثلثاه.
ثم قال: ولا ارث لمن أسلمت منهن ان مات مسلما قبل أن يختار وتخلف أربع كتابيات حرائر عن الاسلام، لاحتمال أنه كان يختارهن فوقع الشك فى سبب الارث ولا ارث مع الشك.
فلو تخلف عن الاسلام دونهن فالارث للمسلمات لان الغالب فيمن اعتاد الاربع فأكثر أن لا يقتصر على أقل.
والحاصل كما قاله اللدسوقى أن اللدخول بعد الاسلام اختيار.
فاذا دخل بأربع كان اختيارا لهن فلا صداق لغيرهن.
وان دخل بأقل من أربع كانت المدخول بها مختارة فلها صداق كامل ولغيرها من صداقها بنسبة قسمة باقى الاصدقة الاربعة على عدد من لم يدخل بها.
وأما الدخول قبل الاسلام فليس اختيارا فما زال أربعة شائعة فى العشر مثلا فلكل واحدة من الأربعة الاصدقة بنسبة قسمتها على عددهم ويكمل للمدخول بها صداقها فقط.
стр. 3434
وجاء فى الشرح (١) الكبير وحاشية الدسوقى عليه: أنه لو مات مسلم عن زوجتين مسلمة وكتابية وقد طلق احداهما والتبست المطلقة بائنا أو رجعيا بأن قال لاحداهما: أنت طالق ومات قبل البناء ولم تعلم المطلقة من غيرها أو طلقها بعد البناء طلاقا بائنا أو رجعيا وانقضت العدة قبل موته ثم مات ولم تعلم المطلقة من غيرها.
فلا ارث للمسلمة لثبرت الشك فى زوجيتها.
أما اذا كان الطلاق رجعيا ومات قبل انقضاء العدة فلا التباس والارث كله للمسلمة لانه على احتمال أن تكون المطلقة هى الكتابية فالميراث كله للمسلمة.
وعلى احتمال كون المطلقة هى المسلمة والعدة لم تنقض فلها الميراث أيضا.
قال خليل: أما ان طلق رجل احدى زوجتيه المسلمتين طلاقا غير بائن وجهلت المطلقة منهما ودخل باحداهما وعلمت ولم تنقض العدة فللمدخول بها الصداق كاملا وثلاثة أرباع الميراث، لانها تنازع غير المدخول بها فى الميراث، وتقول:
أنا لم أطلق بائنا فهو لى بتمامه، وغير المدخول بها تدعى أنها فى العصمة وان لها نصف الميراث وللأخرى نصفه، فيقسم النصف بينهما نصفين، لان المنازعة انما وقعت فيه.
وصورة المسألة هى: طلق رجل احدى زوجتيه المسلمتين طلاقا قاصرا عن الغاية وجهلت المطلقة، بأن قال احداكما طالق وادعى أنه قصد واحدة بعينها ولم يعينها للبينة، والحال أنه دخل باحداهما، وعلمت ثم مات المطلق قبل أن تنقضى عدة الطلاق، وقد علمت أن هذا الطلاق رجعى بالنسبة للمدخول بها، وبائن بالنسبة لغيرها، فللمدخول بها الصداق، ولغير المدخول بها ربع الميراث ولها ثلاثة أرباع الصداق أى صداقها، لانها ان كانت هى المطلقة، فليس لها الا نصفه، ونصفه الآخر للورثة، وان كانت المطلقة هى المدخول بها فلهذه جميع صداقها لتكمله بالموت فالنزاع بينهما وبين الورثة فى النصف الثانى فيقسم بينهما نصفين فلها منه الربع مع النصف الذى لا منازع لها فيه فيصير لها ثلاثة أرباع الصداق وللورثة ربعه بعد يمين كل على ما ادعى، ونفى دعوى صاحبه.
أما لو انقضت العدة قبل موته فالصداق على ما سبق ذكره والميراث بينهما نصفين، وكذا لو كان بائنا.
وان لم يدخل بواحدة فلكل واحدة ثلاثة أرباع الصداق، والميراث بينهما سواء.
وان دخل بهما فلكل صداقها والميراث بينهما سواء.
الا أنه اذا كان الطلاق رجعيا لم يكن من صور الالتباس.
стр. 3435
قال الدسوقى تكلم المصنف والشارح على ما اذا جهلت المطلقة وعلم المدخول بها.
وأما لو علمت المطلقة وجهل المدخول بها فللتى لم تطلق الصداق كاملا، وللمطلقة ثلاثة أرباع الصداق للنزاع فى النصف الثانى، لاحتمال عدم دخولها.
وان جهل كل من المطلقة والمدخول بها فلكل واحدة سبعة أثمان صداقها، لانهما يقولان المطلقة من دخلت فيكمل للثانية صداقها ويقول الوارث لكما صداق ونصف والمطلقة لم تدخل فتنازعهما فى نصف فيقسم فلهما صداق وثلاثة أرباع يتنازعان فيهما فيقسمان ذلك بينهما، والميراث بينهما مناصفة فى المسألة الثالثة وثلاثة أرباعه للتى لم تطلق فى المسألة الاولى.
وجاء فى الشرح الكبير (١): ولو شك فى الأيمان التى حلفها أمر بانفاذها اذا التبس عليه الحال من غير قضاء (أى ديانة فيما بينه وبين الله تعالى).
فلو حلف وحنث وشك هل حلف بطلاق أو عتق أو مشى أو صدقة فليطلق نساءه ويعتق رقيقه ويمش لمكة ويتصدق بثلث ماله.
يؤمر بذلك كله من غير قضاء على ما قاله فى المدونة.
ولا يؤمر بالفراق ان شك هل حصل منه ما يوجب الطلاق أم لا.
فيشمل شكه هل قال أنت طالق أم لا.
وشكه هل حلف وحنث أو لا.
وشكه فى حلفه على فعل غيره هل فعله أم لا.
الا أن يستند فى شكه لشئ يدل على فعل المحلوف عليه وهو سالم الخاطر من الوسواس أى غير مستنكح الشك، كرؤية شخص داخلا فى دار، وقد كان حلف على زيد مثلا لا يدخلها، والتبس عليه الحال فى كونه زيدا المحلوف عليه، أو هو غيره، وغاب عنه بحيث يتعذر تحقيقه، فيؤمر بالطلاق اتفاقا.
ثم قيل يجبر عليه وينجز.
وقيل يؤمر به بلا جبر.
فان كان غير سالم الخاطر بان استنكحه الشك فلا شئ عليه.
وان طلق احدى زوجتيه بعينها وشك أهند هى أم غيرها، بأن قال: هند طالق، ثم شك هل طلق هندا أو غيرها أو قال ان دخلت الدار فهند طالق ودخل ثم شك هل حلف بطلاق هند أو غيرها طلقتا معا ناجزا.
قال الدسوقى أى من غير امهال.
وقيل يمهل ليتذكر فان ذكرها لم يطلق غيرها، قاله فى الشامل.
стр. 3436
وعلى كل من القولين فلا يحتاج فى طلاقها الى استئناف طلاق، قاله ابن عرفة.
وجاء فى الشرح الكبير وحاشية (١) الدسوقى عليه: أنه لو قال لزوجتيه احداكما طالق ولم ينو معينة، أو نواها ونسيها طلقتا معا.
وكذا ان كن أكثر وقال: احداكن، أو قال: أنت طالق، ثم قال للأخرى: بل أنت، طلقتا معا.
ولو شك بعد تحقق الطلاق أطلق زوجته طلقة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا لم تحل له الا بعد زوج آخر، لاحتمال كونه ثلاثا.
وصدق ان ذكر أن الذى صدر منه أقل من الثلاث، وارتجع فى العدة بلا عقد، وبعدها بعقد بلا يمين فيهما.
ثم ان تزوجها بعد زوج وطلقها طلقة أو اثنتين فكذلك لا تحل له الا بعد زوج، لانه اذا طلقها واحدة يحتمل أن يكون المشكوك فيه اثنتين وهذه ثالثة.
ثم ان تزوجها وطلقها لا تحل له الا بعد زوج، لاحتمال كون المشكوك فيه واحدة وهاتان اثنتان محققتان.
ثم ان طلقها ثالثة بعد زوج لم تحل له الا بعد زوج، لاحتمال كون المشكوك فيه ثلاثا وقد تحقق بعدها ثلاث وهكذا لغير نهاية.
وجاء فى الفروق للقرافى (٢): أن من شك هل طلق ثلاثا أم اثنتين ألزمه مالك الطلقة المشكوك فيها.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٣): أنه اذا شك الرجل هل طلق امرأته أم لا، لم تطلق، لان النكاح ثابت بيقين واليقين لا يزول بالشك.
والدليل عليه ما روى عبد الله ابن زيد رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ سئل عن الرجل يخيل اليه أنه يجد الشئ فى الصلاة فقال:
لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا.
والورع أن يلتزم الطلاق لقول رسول الله ﷺ : «دع ما يريبك الى ما لا يريبك».
فان كان بعد الدخول راجعها.
وان كان قبل الدخول جدد نكاحها.
وان لم يكن له فيها رغبة طلقها لتحل لغيره بيقين.
وان شك فى عدده بنى الأمر على الأقل.
стр. 3437
لما روى عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: اذا شك أحدكم فى صلاته فلم يدر أواحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة، وان لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليبن على اثنتين، وان لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليبن على ثلاث ويسجد سجدتين قبل أن يسلم فرد الى الأقل، ولان الأقل يقين والزيادة مشكوك فيها، فلا يزال اليقين بالشك.
والورع أن يلتزم الاكثر.
فان كان الشك فى الثلاث وما دونها طلقها ثلاثا حتى تحل لغيره بيقين.
وجاء فى مغنى المحتاج (١): أن الشك فى الطلاق على ثلاثة أقسام.
شك فى أصله.
وشك فى عدده.
وشك فى محله.
وهذا كمن طلق معينة ثم نسيها.
فاذا شك، أى تردد برجحان أو غيره فى وقوع طلاق منه، أو فى وجود الصفة المعلق بها كقوله: ان كان هذا الطائر غرابا فأنت طالق، وشك هل كان غرابا أو لا فلا نحكم بوقوعه.
قال المحاملى: بالاجماع، لان الأصل عدم الطلاق، وبقاء النكاح.
أو لم يشك فى طلاق بل تحقق وقوعه، ولكن شك فى عدد منه هل طلق طلقة أو أكثر، فالأقل يأخذ به.
ولا يخفى الورع فى الصورتين وهو الاخذ بالاسوأ لخبر: «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» رواه الترمذى وصححه.
ففى الأولى يرجع ان كان له الرجعة، والا فيجدد نكاحها ان كان له فيها رغبة، والا فلينجز طلاقها لتحل لغيره يقينا.
وفى الثانية ان شك فى أنه طلق ثلاثا أم ثنتين لم ينكحها حتى تنكح زوجا غيره.
فلو شك هل طلق ثلاثا أو لم يطلق شيئا طلقها ثلاثا.
قال الرافعى لتحل لغيره يقينا.
وهذا ليس بظاهر، فانها تحل لغيره يقينا فى الصورة الثانية بأى شئ أوقعه ولو طلقة.
نعم فائدة ايقاع الثلاث أنه لو تزوجها بعد دخول الثانى بها وتطليقه اياها ملك عليها الثلاث بيقين.
ولو علق اثنان بنقيضين، كأن قال شخص ان كان هذا الطائر غرابا مثلا فأنت طالق، وقال آخر ان لم يكنه فامرأتى طالق، وجهل الحال فى الطائر،
стр. 3438
لم يحكم بطلاق أحد، لانه لو انفرد أحدهما بما قال، لم يحكم بوقوع طلاقه، لجواز أنه غير غراب، والأصل بقاء النكاح، فتعليق الآخر لا يغير حكمه.
فان قالهما رجل لزوجتيه، طلقت احداهما لا بعينها، لوجود احدى الصفتين لانه لا بد فيه من أحد الوصفين، اذ ليس بين النفى والاثبات واسطة، ولزمه مع الاعتزال عنهما الى تبين الحال، لاشتباه المباحة بغيرها - البحث عن الطائر والبيان لزوجته ان أمكن واتضح له حال الطائر، ليعلم المطلقة دون غيرها، فان طار ولم يعلم حاله لم يلزمه بحث ولا بيان.
هذا فى الطلاق البائن.
وفى الرجعية اذا انقضت عدتها، لما سيأتى من عدم وجوب البيان فيما لو طلق احدى زوجتيه طلاقا رجعيا، لان الرجعية زوجة.
ولو طلق احداهما بعينها كأن خاطبها بطلاق وحدها أو نواها بقوله احداكما طالق ثم جهلها بعد ذلك بنسيان ونحوه وقف وجوبا أمره عنهما من قربان وغيره.
حتى يتذكر المطلقة بأن يعرفها.
والجهل المقارن للطلاق كما لو طلق فى ظلمة كذلك.
ولا يطالب الزوج ببيان للمطلقة أن صدقتاه أى الزوجتان فى الجهل بها، لان الحق لهما.
فان كذبتاه وبادرت واحدة وقالت أنا المطلقة لم يقنع منه بقوله نسيت أو لا أدرى وان كان قوله محتملا بل يطالب بيمين جازمة أنه لم يطلقها فان نكل حلفت وقضى بطلاقها.
قال الأذرعى: ولو ادعت كل منهما أو احداهما أنه يعلم التى عناها بالطلاق وسألت تحليفه أنه لا يعلم ذلك، ولم تقل فى الدعوى أنه يعلم المطلقة، فالوجه قبول هذه الدعوى وتحليفه على ذلك.
ولو قال لزوجته ولأجنبية احداكما طالق وقال: قصدت بالطلاق الاجنبية قبل قوله بيمينه فى الأصح.
وعبر فى الروضة بالصحيح المنصوص لان الكلمة مترددة بينهما محتملة لهذه ولهذه فاذا قال عنيتها صار كما لو قال للاجنبية أنت طالق.
والثانى لا يقبل وتطلق زوجته، لانها محل الطلاق فلا ينصرف عنها الى الاجنبية بالقصد.
أما اذا لم يكن له قصد فتطلق زوجته وهو ما فى الروضة وأصلها عن فتاوى البغوى وأقراه فى المهمات.
ويتجه أن محل ما قاله البغوى فيما اذا لم يصدر على الاجنبية طلاق منه أو من غيره فان كان قد وقع عليها ذلك لم يحكم بطلاق زوجته بما وقع منه، لان الكلام الذى صدر منه صادق عليهما
стр. 3439
صدقا واحدا والأصل بقاء الزوجية.
ويؤيده ما ذكره الرافعى فى باب العتق أنه اذا أعتق عبدا ثم قال له ولعبد آخر احدكما حر لم يقتض ذلك عتق الآخر.
فان قال لزوجته ولرجل أو دابة وقال أردت الرجل أو الدابة فانه لا يقبل، لان ذلك ليس محلا للطلاق. وأمته مع زوجته وفاسدة النكاح مع صحيحته كالاجنبية مع الزوجة.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١): ان من شك فى طلاقه لم يلزمه حكمه نص عليه أحمد.
والأصل فى هذا حديث عبد الله بن زيد رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ أنه سئل عن الرجل يخيل اليه أنه يجد الشئ فى الصلاة فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا متفق عليه، فأمره بالبناء على اليقين واطراح الشك، ولانه شك طرأ على يقين فوجب اطراحه، كما لو شك المتطهر فى الحديث أو المحدث فى الطهارة فلا يزال يقين النكاح بشك الطلاق.
والورع التزام الطلاق فان كان المشكوك فيه طلاقا رجعيا راجع امرأته ان كانت مدخولا بها أو جدد نكاحها ان كانت غير مدخول بها أو قد انقضت عدتها.
وان شك فى طلاق ثلاث طلقها واحدة وتركها، لانه اذا لم يطلقها فيقين نكاحه باق فلا تحل لغيره.
وحكى عن شريك أنه اذا شك فى طلاقه طلقها واحدة ثم راجعها، لتكون الرجعة عن طلقة فتكون صحيحة فى الحكم.
وليس بشئ لان التلفظ بالرجعة ممكن مع الشك فى الطلاق، ولا يفتقر الى ما تفتقر اليه العبادات من النية، ولانه لو شك فى طلقتين فطلق واحدة لصار شاكا فى تحريمها عليه فلا تفيده الرجعة.
واذا طلق (٢) فلم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا اعتزلها، وعليه نفقتها ما دامت فى العدة.
فان راجعها فى العدة لزمته النفقة ولم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق، لانه متيقن للتحريم شاك فى التحليل.
وجملة ذلك أنه اذا طلق وشك فى عدد الطلاق، فانه يبنى على اليقين.
نص عليه أحمد فى رواية ابن منصور فى رجل لفظ بطلاق امرأته لا يدرى واحدة أم ثلاثا؟
قال: اما الواحدة فقد وجبت عليه وهى عنده حتى يستيقن، لان ما زاد
стр. 3440
على القدر الذى تيقنه طلاق مشكوك فيه، فلم يلزمه، كما لو شك فى أصل الطلاق.
واذا ثبت هذا فانه تبقى أحكام المطلق دون الثلاث من اباحة الرجعة، واذا راجع وجبت النفقة وحقوق الزوجية.
قال الخرقى ويحرم وطؤها، لأنه تيقن وجود التحريم بالطلاق، وشك فى رفعه بالرجعة، فلا يرتفع بالشك، كما لو أصاب ثوبه نجاسة وشك فى موضعها، فانه لا يزول حكم النجاسة بغسل موضع من الثوب، ولا يزول الا بغسل جميعه.
وفارق لزوم النفقة فانها لا تزول بالطلقة الواحدة فهى باقية، لانها كانت باقية، ولم يتيقن زوالها.
وظاهر قول غير الخرقى من أصحابنا أنه اذا راجعها حلت له.
وهو ظاهر كلام أحمد فى رواية ابن منصور، لان التحريم المتعلق بما ينفيه يزول بالرجعة يقينا، فان التحريم أنواع.
تحريم تزيله الرجعة.
وتحريم يزيله نكاح جديد.
وتحريم يزيله نكاح بعد زوج واصابة.
ومن تيقن الأدنى لا يثبت فيه حكم الأعلى، كمن تيقن الحدث الاصغر، لا يثبت فيه حكم الاكبر، ويزول تحريم الصلاة بالطهارة الصغرى.
ويخالف الثوب فان غسل بعضه لا يرفع ما تيقنه من النجاسة.
فنظير مسئلتنا أن يتيقن نجاسة كم الثوب ويشك فى نجاسة سائرة فان حكم النجاسة فيه يزول بغسل الكم وحدها كذا هاهنا.
ويمكن منع حصول التحريم ههنا ومنع يقينه، فان الرجعة مباحة لزوجها فى ظاهر المذهب فما هو اذا متيقن للتحريم بل شاك فيه متيقن للاباحة.
واذا رأى (١) رجلان طائرا فحلف أحدهما بالطلاق أنه غراب، وحلف الآخر بالطلاق أنه حمام، فطار ولم يعلما حاله لم يحكم بحنث واحد منهما، لان يقين النكاح ثبت ووقوع الطلاق مشكوك فيه.
فان ادعت امرأة أحدهما حنثه فيها فالقول قوله، لان الأصل معه واليقين فى جانبه.
ولو كان الحالف واحدا فقال: ان كان غرابا فنساؤه طوالق، وان كان حماما فعبيده أحرار، أو قال: ان كان غرابا فزينب طالق، وان كان حماما فهند طالق، ولم يعلم ما هو، لم يحكم بحنثه فى شئ، لانه متيقن للنكاح، شاك فى
стр. 3441
الحنث فلا يزول عن يقين النكاح والملك بالشك.
فاما ان قال أحد الرجلين: ان كان غرابا فامرأته طالق ثلاثا، وقال الآخر:
ان لم يكن غرابا فامرأته طالق ثلاثا فطار ولم يعلما حاله فقد حنث أحدهما لا بعينه، ولا يحكم به فى حق واحد مهما بعينه، بل تبقى فى حقه أحكام النكاح من النفقة والكسوة والسكنى، لأن كل واحد منهما يقين نكاحه باق ووقوع طلاقه مشكوك فيه.
فأما الوط ء فذكر القاضى أنه يحرم عليهما، لان احدهما حانث بيقين، وامرأته محرمة عليه، وقد أشكل، فحرم عليهما جميعا كما لو حنث فى احدى امرأتيه لا بعينها.
وان قال (١): ان كان غرابا فهذه طالق وان لم يكن غرابا فهذه الأخرى طالق، فطار، ولم يعلم حاله فقد طلقت احداهما، فيحرم عليه قربانهما، ويؤخذ بنفقتهما حتى تبين المطلقة منهما، لانهما محبوستان عليه لحقه.
وذهب أصحابنا الى أنه يقرع بينهما فتخرج بالقرعة المطلقة منهما.
والصحيح ان القرعة لا مدخل لها ههنا لما سنذكره فيما اذا طلق واحدة وأنسيها وهو قول أكثر أهل العلم.
فعلى هذا يبقى التحريم فيهما الى أن يعلم المطلقة منهما ويؤخذ بنفقتهما.
فان قال هذه التى حنثت فيها حرمت عليه ويقبل قوله فى حل الأخرى.
فان ادعت التى لم يعترف بطلاقها أنها المطلقة فالقول قوله، لانه المنكر، وهل يحلف؟ يخرج على روايتين.
واذا قال (٢) لزوجاته احداكن طالق ولم ينو واحدة بعينها أقرع بينهن فأخرجت بالقرعة المطلقة منهن.
وجملته أنه اذا طلق امرأة من نسائه لا بعينها فانها تخرج بالقرعة، نص عليه أحمد فى رواية جماعة.
وما ذكرناه مروى عن على وابن عباس رضى الله تعالى عنهما، ولا مخالف لهما فى الصحابة، ولانه ازالة ملك بنى على التغليب والسراية فتدخله القرعة كالعتق.
واذا قال لنسائه احداكن طالق غدا، فجاء غد، طلقت واحدة منهن، وأخرجت بالقرعة، فان مات قبل الغد ورثته كلهن وان ماتت احداهن ورثها لانها ماتت قبل وقوع الطلاق، فاذا جاء غد أقرع بين الميتة والاحياء، فان وقعت القرعة على الميتة لم يطلق شئ من الاحياء وصارت كالمعينة بقوله أنت طالق غدا.
стр. 3442
وقال القاضى قياس المذهب أن يتعين الطلاق فى الاحياء، فلو كانتا اثنتين فماتت احداهما طلقت الاخرى، كما لو قال لامرأته وأجنبية احداكما طالق.
والفرق بينهما ظاهر، فان الأجنبية ليست محلا للطلاق وقت قوله فلا ينصرف قوله اليها، وهذه قد كانت محلا للطلاق، وارادتها بالطلاق ممكنة، وارادتها بالطلاق كارادة الأخرى، وحدوث الموت بها لا يقتضى فى حق الأخرى طلاقا فتبقى على ما كانت عليه.
واذا طلق واحدة من نسائه (١) وأنسيها، فان أكثر أصحابنا على أنها تخرج بالقرعة فيثبت حكم الطلاق فيها ويحل له الباقيات.
وقد روى اسماعيل بن سعيد عن أحمد ما يدل على أن القرعة لا تستعمل ههنا لمعرفة الحل، وانما تستعمل لمعرفة الميراث.
فانه قال سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلق؟ قال أكره أن أقول فى الطلاق بالقرعة.
قلت أرأيت ان مات هذا؟ قال:
أقول بالقرعة، وذلك لانه تصير القرعة على المال.
وجماعة من روى عنه القرعة فى المطلقة المنسية انما هو فى التوريث.
فأما فى الحل فلا ينبغى أن يثبت بالقرعة وهذا قول أكثر أهل العلم، فالكلام اذا فى المسألة فى شيئين أحدهما فى استعمال القرعة فى المنسية للتوريث.
والثانى فى استعمالها فيها للحل.
أما الأول فوجهه ما روى عبد الله بن حميد قال: سألت أبا جعفر عن رجل قدم من خراسان وله أربع نسوة قدم البصرة فطلق احداهن ونكح، ثم مات لا يدرى الشهود أيتهن طلق.
فقد قال على رضى الله عنه اقرع بين الاربع وانذر منهن واحدة وأقسم بينهن الميراث، ولان الحقوق اذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز الا بالقرعة صح استعمالها كالشركاء فى القسمة والعبيد فى الحرية.
وأما القرعة فى الحل فى المنسية فلا يصح استعمالها، لانه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم تحل له احداهما بالقرعة كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن له عليها عقد، ولان القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه، ولاحتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة ولهذا لو ذكر ان المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال الطلاق لما عاد بالذكر فيجب بقاء التحريم بعد القرعة كما كان قبلها.
وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته
стр. 3443
فلم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا؟ ومن حلف بالطلاق ان لا يأكل ثمرة فوقعت فى تمر فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته حتى يعلم انها ليست التى وقعت عليها اليمين فحرمها، مع ان الاصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم، فهنا أولى.
وهكذا الحكم فى كل موضع وقع الطلاق فيه على امرأة بعينها، ثم اشتبهت بغيرها مثل أن يرى امرأة فى روزنة او مولية فيقول: أنت طالق ولا يعلم عينها من نسائه.
وكذلك اذا وقع الطلاق على احدى نسائه فى مسئلة الطائر وشبهها فأنه يحرم جميع نسائه عليه حتى تتبين المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع، لانهن محبوسات عليه.
وأن اقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا.
ولا يحل لمن وقعت عليها القرعة التزوج، لانها يجوز أن تكون غير المطلقة.
ولا يحل للزوج غيرها، لاحتمال أن تكون المطلقة.
وقال اصحابنا أذا اقرع بينهن فخرجت القرعة على احداهن ثبت حكم الطلاق فيها فحل لها النكاح بعد قضاء عدتها، وحل للزوج من سواها، كما لو كان الطلاق فى واحدة غير معينة.
واحتجوا بما ذكرنا من حديث على، ولانها مطلقة لم تعلم بعينها فأشبه ما لو قال احداكن طالق، ولانه ازالة احد الملكين المبنيين على التغليب والسراية اشبه العتق.
والصحيح ان القرعة لا تدخل ههنا لما قدمنا
وفارق ما قاسوا عليه فان الحق لم يثبت لواحد بعينه فجعل الشرع القرعة معينة فانها تصلح للتعيين وفى مسألتنا الطلاق واقع فى معينة لا محالة والقرعة لا ترفعه عنها ولا توقعه على غيرها، ولا يؤمن وقوع القرعة على غيرها، واحتمال وقوع القرعة على غيرها، كاحتمال وقوعها عليها، بل هو أظهر فى غيرها، فانهن اذا كن اربعا، فاحتمال وقوعه فى واحدة منهن بعينها اندر من احتمال وقوعه فى واحدة من ثلاث.
ولذلك لو اشتبهت أخته بأجنبية، او ميتة بمذكاة، أو زوجته بأجنبية او حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت فى تمر، وأشباه ذلك مما يطول ذكره، لا تدخله قرعة فكذا ههنا.
واما حديث على فهو فى الميراث لا فى الحل وما نعلم بالقول بها فى الحل من الصحابة قائلا (١).
فعلى قول اصحابنا اذا ذكر أن المطلقة غير التى وقعت عليها القرعة فقد تبين انها كانت محرمة عليه، ويكون وقوع الطلاق
стр. 3444
من حين طلق لا من حين ذكر، وقوله فى هذا مقبول، لانه يقر على نفسه، وترد اليه التى خرجت عليها القرعة، لاننا تبينا انها غير مطلقة، والقرعة ليست بطلاق لا صريح ولا كناية.
فان لم تكن تزوجت ردت اليه، وقبل قوله فى هذا، لانه أمر من جهته لا يعرف الا من قبله، الا أن تكون قد تزوجت، أو يكون بحكم حاكم، لانها اذا تزوجت تعلق بها حق الزوج الثانى، فلا يقبل قوله فى فسخ نكاحه، والقرعة من جهة الحاكم بالفرقة لا يمكن الزوج رفعها فتقع الفرقة بالزوجين.
قال احمد فى رواية الميمونى: اذا كان له اربع نسوة فطلق واحدة منهن ولم يدر أيتهن طلق يقرع بينهن، فان أقرع بينهن فوقعت القرعة على واحدة، ثم ذكر التى طلق فقال: هذه ترجع اليه، والتى ذكر انه طلق يقع الطلاق عليها، فان تزوجت فهذا شئ قد مر، فان كان الحاكم اقرع بينهن فلا احب أن ترجع اليه، لان الحاكم فى ذلك اكبر منه.
وقال ابو بكر وابن حامد: متى اقرع.
ثم قال بعد ذلك أن المطلقة غيرها وقع الطلاق بهما جميعا ولا ترجع اليه واحدة منهما، لا أن التى عينها بالطلاق تحرم بقوله، وترثه أن مات، ولا يرثها.
ويجئ على قياس قولهما أن تلزمه نفقتها ولا يحل وطؤها.
فان مات قبل ذلك اقرع (١) الورثة وكان الميراث للبواقى منهن، نص احمد على هذا
ووجه قول الخرقى قول على رضى الله عنه، ولانهن قد تساوين، ولا سبيل الى التعيين، فوجب المصير الى القرعة، كمن اعتق عبيدا فى مرضه لا مال له سواهم، وقد ثبت الحكم فيهم بالنص، ولان توريث الجميع توريث لمن لا يستحق يقينا، والوقف لا الى غاية حرمان لمن يستحق يقينا والقرعة يسلم بها من هذين المحذورين، ولها نظير فى الشرع.
فان مات بعضهن أو جميعهن أقرع بين الجميع، فمن خرجت القرعة لها حرمناه ميراثها.
وان مات بعضهن قبله، وبعضهن بعده وخرجت القرعة لميتة قبله حرمناه ميراثها.
وان خرجت لميتة بعده حرمناها ميراثه والباقيات يرثهن ويرثنه.
فان قال الزوج بعد موتها هذه التى طلقتها أو قال فى غير المعينة هذه التى أردتها حرم ميراثها، لانه يقر على نفسه ويرث الباقيات سواء صدقه ورثتهن او كذبوه، لان علم ذلك انما يعرف من جهته، ولان الاصل بقاء النكاح بينهما وهم يدعون طلاقه لها والاصل عدمه.
стр. 3445
وهل يستحلف على ذلك؟ فيه روايتان.
فان قلنا يستحلف فنكل حرمناه ميراثها لنكوله ولم يرث الاخرى، لاقراره بطلاقها.
فان مات فقال ورثته لاحداهن هذه المطلقة فأقرت، او اقر ورثتها بعد موتها حرمناها ميراثه.
وان انكرت او انكر ورثتها فقياس ما ذكرناه أن القول قولها، لانها تدعى بقاء نكاحها وهم يدعون زواله، والاصل معها فلا يقبل قولهم عليها الا ببينة.
وأن شهد اثنان من ورثته أنه طلقها قبلت شهادتهما اذا لم يكونا ممن لا تقبل عليهما ميراثها ولا على من لا تقبل شهادتهما له كأمهما وجدتهما، لان ميراث احدى الزوجات لا يرجع الى ورثة الزوج، وانما يتوفر على ضرائرها.
وان ادعت احدى الزوجات انه طلقها طلاقا تبين به فأنكرها، فالقول قوله.
وان مات لم ترثه لاقرارها بأنها لا تستحق ميراثه فقبلنا قولها فيما عليها دون مالها، وعليها العدة، لاننا لم نقبل قولها فيما عليها.
وهذا التفريع فيما اذا كان الطلاق يبينها.
فاما أن كان رجعيا ومات فى عدتها أو ماتت ورث كل واحد منهما صاحبه.
واذا كان له أربع نسوة فطلق احداهن ثم نكح أخرى بعد قضاء عدتها ثم مات ولم يعلم ايتهن طلق فللتى تزوجها ربع ميراث النسوة، نص عليه احمد، ولا خلاف فيه بين اهل العلم.
ثم يقرع بين الاربع فأيتهن خرجت قرعتها خرجت وورث الباقيات نص عليه احمد ايضا.
وقال احمد فى رواية ابن منصور فى رجل له أربع نسوة طلق واحدة منهن ثلاثا.
وواحدة اثنتين، وواحدة واحدة، ومات على اثر ذلك، ولا يدرى ايتهن طلق ثلاثا، وأيتهن طلق اثنتين، وأيتهن واحدة يقرع بينهن، فالتى ابانها تخرج ولا ميراث لها.
هذا فيما اذا مات فى عدتهن وكان طلاقه فى صحته فانه لا يحرم الميراث الا المطلقة ثلاثا فالباقيتان رجعيتان يرثنه فى العدة.
ويرثهن ومن انقضت عدتها منهن لم ترثه ولم يرثها.
ولو كان طلاقه فى مرضه الذى مات فيه لورثه الجميع فى العدة وفيما بعدها قبل التزويج روايتان.
واذا طلق واحدة من نسائه (١) لا بعينها او بعينها فانسيها فانقضت عدة الجميع فله نكاح خامسة قبل القرعة.
وخرج ابن حامد وجها فى انه لا يصح نكاح الخامسة، لان المطلقة فى حكم نسائه بالنسبة الى وجوب الانفاق عليها، وحرمة النكاح فى حقها.
стр. 3446
ولا يصح، لاننا علمنا ان منهن واحدة بائنا منه ليست فى نكاحه ولا فى عدة من نكاحه فكيف تكون زوجته، وانما الانفاق عليها لاجل حبسها ومنعها من التزوج بغيره لاجل اشتباهها.
ومتى علمناها بعينها اما بتعيينه او قرعة فعدتها من حين طلقها لا من حين عينها.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (١): إذا طلق امرأته طلاقا معلقا على شرط فهى باقية على الزوجية حتى يغلب ظنه أن شرط طلاقها قد وقع فيثبت الطلاق.
ولهذا قال اصحابنا ولو أن رجلا رأى طائرا فقال أن كان هذا غرابا فأمرأته طالق فطار الطائر، ولم يعرف انه كان غرابا، او غيره، لم يقع الطلاق على قياس قول يحيى ﵇، لنصه على أن النكاح المتيقن لا يرتفع بالشك.
لكن يستحب له رفع اللبس، فيقول: وان لم يكن غرابا فهى طالق، ثم يراجعها.
وما أوقع من الطلاق على غير معين، كاحداكن طلق ولم يقصد واحدة معينة، أو طلق واحدة معينة منهن، ثم التبس عليه بعد تعيينه على من أوقعه منهن، أو التبس ما وقع شرطه وقد طلق كل واحدة طلاقا مشروطا، وقد وقع بعض الشروط، لكن التبس أيتهن التى وقع شرط طلاقها كمسألة الطائر حيث قال: ان كان غرابا فأنت يا فلانة طالق، وان لم يكن غرابا فأنت يا فلانة طالق، ثم طار الطائر، والتبس ما هو، فان احداهما قد وقع شرط طلاقها لا محالة، لكن التبس ايهما، فان الحكم فى هذه الصور سواء عندنا.
وقال المؤيد بالله والبعض ان الطلاق فى الصورة الأولى، وهى احداكن يثبت فى الذمة.
وأختلف فقهاء المؤيد بالله فى تفسير قوله يثبت فى الذمة.
فقال على خليل وابو مضر: معناه، أن الطلاق انما يقع بتعيينه لا بالايقاع، وهكذا فى الانتصار عن ابى يحيى.
قيل: وهذا القول فيه نظر، لانهم اثبتوا الرجعة حيث رفع اللبس، ولا رجعة قبل وقوع الطلاق.
وقال الكنى وحكاه فى الانتصار أن الطلاق قد وقع من وقت الايقاع لكن اليه تعيينه.
وفائدة هذين القولين تظهر فى مسائل.
الاولى: أن العدة تكون من وقت الايقاع لا من وقت التعيين عند الكنى.
وعلى القول الاول من وقت التعيين.
الثانية: له أن يتزوج خامسة عند الكنى.
وعلى القول الاول ليس له ذلك حتى يعين
стр. 3447
الثالثة: اذا ماتت احداهن فعينها صح عند الكنى لا على القول الاول.
وقال البعض بل يتفقون انه لا تعيين على ميتة.
الرابعة: اذا تزوج اخت واحدة منهن ثم عين اختها صح نكاح الاخت عند الكنى اذا وقع بعد انقضاء العدة.
وعلى القول الاول لا يصح.
الخامسة: أن التعيين يقع بالوط ء عند الكنى، فاذا وطئ ثلاثا تعينت الاخرة.
وعلى القول الاول له أن يطأهن ولا يكون تعيينا، ذكر ذلك بعض المذاكرين.
وفى شرح ابى مضر أن الوط ء والموت تعيين للطلاق فى غير الموطوءة والميتة.
فمتى وقع الطلاق على أى هذه الصور أوجب على الزوج اعتزال الجميع من الزوجات اللاتى التبس الطلاق بينهن.
فلو وطئ احداهن وظن أنها المطلقة اثم، ولا حد، ولا مهر، لان الاصل براءة الذمة حتى يطأ الجميع فيحد فيلزمه مهر واحدة.
وفى التذكرة لا يحد ولو عالما، لقوة الشبهة ويجب المهر، ولا يخرجن من نكاحه الا بطلاق فلا يجوز لهن أن يتزوجن الا بعد طلاقه وانقضاء العدة فيجبر الزوج الممتنع من طلاقهن او مراجعتهن على ما يقتضيه كلام الازرقى.
وعند الحقينى وأبى مضر يفسخه الحاكم.
والاصح للمذهب قول الازرقى (١) انه يجبر فان تمرد بعد الاجبار فالفسخ.
قال مولانا ﵇ وهو صحيح على المذهب قال: ولا وجه لمن قال ليس بصحيح على المذهب، لانه اذا تمرد وابقيناه على تمرده كان فى ذلك اضرار بالنساء وقد قال الله تعالى: «وَلا تُضآرُّوهُنَّ» (٢).
ولا يصح منه التعيين للطلاق فى احداهن، لان حكمهن فيه على سواء مع اللبس.
ولا خلاف فى ذلك فى الصورتين الاخيرتين.
فأما فى الصورة الاولى فالخلاف فيها للبعض، فانهم يقولون ان التعيين اليه ولا يحتاج الى أن يعين بايقاع طلاق.
ويصح من الزوج رفع اللبس بعد ايقاع الطلاق الملتبس برجعة اذا كان الطلاق الملتبس رجعيا فيقول: من طلقت منكن فقد راجعتها فيرتفع اللبس.
وتستمر الزوجية عند من اجاز الرجعة المبهمة وهى مراجعة امرأة غير معينة وهو المذهب على ما ذكره أبو العباس.
والمؤيد بالله وابو طالب يخالفان فى ذلك وقال أبو مضر والامير على بن الحسين.
стр. 3448
والاولى أن يقول لكل واحدة منهن بعينها راجعتك ان كنت المطلقة يعنى ليكون اخذا بالاجماع، لان هذه الرجعة تصح عند المؤيد بالله وأبى طالب، لان التى راجعها فى هذه الصورة ليست مجهولة.
قال مولانا ﵇ هذا صحيح.
ولا وجه لمن اعترض عليه بأن المراجعة ايضا مجهولة هنا، لانه لا جهالة قطعا مع خطابه لكل واحدة.
وقال الكنى ورجع اليه البعض أن صورة الخلاف اذا طلق نساءه أجمع ثم قال راجعت احداكن.
فأما اذا طلق واحدة ثم قال راجعت من طلقت فهذه ليست مجهولة وهى تصح وفاقا.
او يرفع اللبس بايقاع طلاق نحو أن يقول من لم اكن طلقتها منكن فهى طالق فيصرن كلهن مطلقات ثم يراجع جميعهن ان أحب فيكون اللبس قد ارتفع، فان كان قد طلق واحدة منهن تطليقة قبل هذا القول.
فان لم يرد رفع الالتباس بالطلاق راجعهن كما تقدم، والمطلقة الاولى تبقى عنده بواحدة لجواز أن تكون الثانية وقعت عليها وكل واحدة من البواقى باثنتين لجواز أن تكون كل واحدة هى المطلقة.
فان كانت المطلقة الأولى ملتبسة أيضا كان كل واحدة من الزوجات عنده بواحدة، لجواز أن تكون المطلقة الاولى هى المطلقة الثانية.
فاذا اراد رفع الالتباس قال لهن من لم أكن طلقتها منكن ثانيا فهى طالق، فيصرن كلهن مطلقات، ثم يراجعهن، ثم يقول من لم أكن طلقتها أو لا منكن فهى طالق، ثم يراجعن فيكن كلهن قد بقين عنده بواحدة.
ثم قال (١): ولو كان للزوج امرأتان وقد دخل بهما ثم طلق احداهما طلاقا بائنا فمات ولم تعلم المطلقة، فانه يجب على كل واحدة منهما أن تعتد اربعة أشهر وعشرا، فيها ثلاث حيض من يوم طلقها، فان انقضت ثلاث حيض من يوم طلقها قبل الشهور أكملت الشهور.
وأن انقضت الشهور وليس فيها ثلاث حيض استكملتها بعد الاشهر.
ولهما فى اقصر العدتين لكل واحدة نفقة كاملة لانه يعلم أن كل واحدة منهما باقية فى العدة وأما بعد مضى أقصر العدتين فلا يستحقان الا قدر نفقة واحدة فقط
стр. 3449
تقسم بينهما نصفين لانه يعلم أن احداهما قد انقضت عدتها قطعا.
أما المتوفى عنها او المطلقة فلم تلزم الا نفقة واحدة ولم يعلم أيهما يستحقها فقسمت بينهما نصفين كغير المدخولتين اذا التبس ايهما المطلقة وأيهما المتوفى عنها لم لم يستحقا الا نفقة واحدة فى الكل من العدتين لانا نعلم ان المطلقة لا تستحق نفقة رأسا والمتوفى عنها تستحق النفقة ولم يعلم أيهما فيقسم بينهما.
فان اختلفا فكانت احداهما مدخولة والاخرى غير مدخولة والتبست المطلقة بالمتوفى عنها فقس ما تقدم.
فالمدخولة تعتد بأربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض ولها نفقة كاملة فى أقصر العدتين ونصف نفقة فى الزائد.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (١): أنه لا يلزم الطلاق بالشك فيه لتندفع الشبهة الناشئة من احتمال وقوعه، بل يبقى على حكم الزوجية، لاصالة عدمه وبقاء النكاح، ولكن لا يخفى الورع فى ذلك فيراجع أن كان الشك فى طلاق رجعى، ليكون على يقين من الحل او فى البائن بدون ثلاث جدد النكاح او بثلاث أمسك عنها، وطلقها ثلاثا لتحل لغيره يقينا.
وكذا يبنى على الاقل لو شك فى عدده والورع الاكثر.
وجاء فى شرائع الاسلام (٢): انه لو نسى أن له زوجة فقال: نسائى طوالق أو زوجتى طالق ثم ذكر لم يقع به فرقة.
ولو اوقع وقال اقصد الطلاق قبل منه ظاهرا ودين بنيته باطنا وان تأخر تفسيره ما لم تخرج عن العدة لانه اخبار عن نيته.
وللمطلق تعيين المطلقة وهو أن يقول فلانة طالق أو يشير اليها بما يرفع الاحتمال.
فلو كان له واحدة فقال زوجتى طالق صح لعدم الاحتمال.
ولو كان له زوجتان أو زوجات فقال زوجتى طالق فان نوى معينة صح ويقبل تفسيره، وان لم ينو قيل يبطل الطلاق لعدم التعيين.
وقيل يصح وتستخرج بالقرعة وهو اشبه.
ولو قال هذا طالق أو هذه قال الشيخ يعين للطلاق من شاء.
وربما قيل بالبطلان لعدم اليقين.
ولو نظر الى زوجته وأجنبيه فقال: احداكما طالق ثم قال: أردت الأجنبية قبل.
стр. 3450
ولو كانت له زوجة وجارة كل منهما سعدى فقال سعدى طالق ثم قال أردت الجارة لم يقبل، لان احداهما يصلح لهما وايقاع الطلاق على الاسم يصرف الى الزوجة وفى الفرق نظر.
ولو ظن اجنبية زوجته فقال انت طالق لم تطلق زوجته لانه قصد المخاطبة.
ولو كان له زوجتان زينب وعمرة فقال يا زينب فقالت عمرة لبيك فقال انت طالق طلقت المنوية لا المجيبة.
ولو قصد المجيبة ظنا انها زينب قال الشيخ تطلق زينب.
وفيه اشكال لانه وجه الطلاق الى المجيبة لظنها زينب فلم تطلق المجيبة لعدم القصد ولا زينب لتوجه الخطاب الى غيرها.
ثم قال (١): ولو شك المطلق فى ايقاع الطلاق لم يلزمه الطلاق لرفع الشك وكان النكاح باقيا.
وجاء فى الروضة (٢) البهية: انه لو طلق ذو الاربع احدى الاربع وتزوج بخامسة ومات قبل تعيين المطلقة او بعده ثم اشتبهت المطلقة من الاربع فللمعلومة بالزوجية وهى التى تزوج بها أخيرا ربع النصيب الثابت للزوجات وهو الربع او الثمن وثلاثة ارباعه بين الاربع الباقيات التى اشتبهت المطلقة فيهن بحيث احتمل أن يكون كل واحدة هى المطلقة بالسوية هذا هو المشهور بين الاصحاب لا نعلم فيه مخالفا غير أبن ادريس، ومستنده رواية ابى بصير عن الباقر ﵇، ومحصولها ما ذكرناه وفى طريق الرواية على ابن فضال وحاله مشهور.
ومع ذلك فى الحكم مخالفة للاصل من توريث من يعلم عدم ارثه للقطع بأن احدى الاربع غير وارثة.
ومن ثم قيل والقائل ابن ادريس بالقرعة لانها لكل امر مشتبه أو مشتبه فى الظاهر مع تعيينه فى نفسه الامر وهو هنا كذلك لان احدى الاربع فى نفس الامر ليست وارثة.
فمن اخرجتها القرعة بالطلاق منعت من الارث وحكم بالنصيب للباقيات بالسوية وسقط عنها الاعتداد لان المفروض انقضاء عدتها قبل الموت من حيث انه تزوج بالخامسة
وعلى المشهور هل يتعدى الحكم الى غير المنصوص كما لو اشتبهت المطلقة فى اثنين او ثلاث خاصة او فى جملة الخمس او كان للمطلق دون اربع زوجات فطلق واحدة وتزوج بأخرى وحصل الاشتباه بواحدة أو بأكثر، أو لم يتزوج واشتبهت المطلقة بالباقيات، أو بعضهن، أو طلق أزيد من واحدة وتزوج كذلك، حتى لو طلق الاربع وتزوج بأربع واشتبهن، أو فسخ نكاح واحدة لعيب أو غيره أو ازيد، وتزوج غيرها أو لم يتزوج وجهان.
стр. 3451
القرعة كما ذهب اليه ابن ادريس فى المنصوص، لانه غير منصوص مع عموم انها لكل امر مشتبه.
وانسحاب الحكم السابق فى كل هذه الفروع لمشاركتها للمنصوص فى المقتضى، وهو اشتباه المطلقة بغيرها من الزوجات وتساوى الكل فى الاستحقاق، فلا ترجيح ولانه لا خصوصية ظاهرة فى قلة الاشتباه وكثرته، فالنص على عين لا يفيد التخصيص بالحكم، بل التنبيه على مأخذ الحكم، والحاقه بكل ما حصل فيه الاشتباه.
فعلى الاول اذا استخرجت القرعة المطلقة قسم النصيب بين الاربع او ما الحق بها بالسوية.
وعلى الثانى يقسم نصيب المشتبهة وهو ربع النصيب أن اشتبهت بواحدة.
ونصفه أن اشتبهت باثنين بين الاثنين أو الثلاث بالسوية ويمكن للمعينتين نصف النصيب وللثلاث ثلاثة أرباعه وهكذا ولا يخفى أن القول بالقرعة فى غير موضع النص هو الاقوى، بل فيه أن لم يحصل الاجماع والصلح خير.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه ان طلق الرجل واحدة لا بعينها أو ظاهر منها لا بعينها أو عين فى ذلك واحدة ونسيها حقق لكل منهن أو لمن أراد منهن الرجوع اليها طلقة أو ظهارا فيكون كل واحدة منهن على تطليقة واحدة فى الحكم.
وقال ان لم تكن هى المطلقة أو لا.
ثم يراجعهن بتفريق ان كان فى صورة الطلاق حقق لهن التطليق على تفريق، والا فله المراجعة بمرة.
قال الشارح: والذى عندى أن له المراجعة بمرة مطلقا.
وان كانت واحدة منهن مطلقة مثلا ثم طلق لا بتعيين أو طلق واحدة فنسيها.
فان حقق بعد بتطليقة لم تجز له مراجعة واحدة، لأن كلا منهن يمكن أن تكون اياها.
ثم قال الشارح والذى عندى أن من طلق واحدة لا بعينها مثل أن يقول واحدة أو امرأتى طالق يقع طلاقه عليهن جميعا بلا تحقيق طلاق آخر اذ لا خيار فى الطلاق (١).
ومن له زوجات ثلاث فقال، ان كلمت فلانا فامرأتى فلانة طالق، أو فلانة أو فلانة طلقت زوجة واحدة فى ذلك كله، وليختر من شاء فيوقعه عليها قبل أن يكلمه أو بعده.
وان ماتت احداهما قبل أن يختار واحدة أو يعينها، فان قال: عنيت الحية أو اختارها بالطلاق فارقها وورث الميتة ويحلف ان اتهم.
وان ماتتا ولم يتبين أمرهما فالقول
стр. 3452
قوله مع يمينه ان اتهم ولا ترثانه ان مات، وذلك ان طلق ثلاثا أو بائنا أو تقدمت قبل اثنتان أو طلق تطليقتين وتقدمت قبل واحدة أو كانت احداهما أو كلتاهما غير مدخول بها، ولو كان الطلاق واحدا.
وان قصد بالطلاق معينة فاشتبهت أخذ بطلاقهما.
وان ماتتا قبل أن يطلق ورث واحدة.
وترثانه ان مات قبله ميراث واحدة فتقتسمانه وتتحالفان ان تنازعتا.
وان مس احداهما فارقها أبدا.
وان تبين بعد المس أن الممسوسة هى المطلقة امسك الأخرى.
وان قال لواحدة من زوجتيه ان لم أبت عندك فصاحبتك طالق فاشتبهت اختار احداهما وطلق الأخرى، كذا قيل.
قلت: بل يطلقهما معا فتكونان بعد على واحدة.
وان قال لزوجته عائشة يا عائشة فأجابته زوجته فاطمة فقال لها أنت طالق يظنها عائشة طلقتا معا باللفظ وبالنية عند الأكثر
وقيل: تطلق المنوية وهى عائشة فقط.
وقيل: تطلق المجيبة باللفظ وهى فاطمة فقط.
قال ابن وصاف واحسب أن أبا على الحسن بن أحمد قال: عن بعض لا يقع الطلاق على أحداهما فى الحكم.
والذى عندى أنه تطلق عائشة فقط، لأنها المنوية فى قلبه وبلفظه ولو كان بأثر جواب فاطمة.
وكذا الخلاف فيما اذا خرجت احدى الزوجتين من البيت فقال لها يا فلانة ظنا أنها التى لم تخرج - أنت طالق (١).
ثم قال (٢): وعدة المرأة الحامل وضع الحمل لقول الله ﵎:
«وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (٣)
واذا حصل شك وريبة فى كونها حاملا فان كان سبب الريبة تأخير الحيض عن وقته تربصت تسعة أشهر استبراء، ثم ثلاثة أشهر كالعدة فى قول بعض.
وان كان لمرض أو ارضاع انتظرت الاقراء والاياس على المشهور.
فاذا أيست اعتدت ثلاثة أشهر.
وقيل تحل بمضى السنة وان كان بسبب الريبة حبس البطن.
قال والمرتابة بحبس البطن لا تنكح الا بعد أقصى أمد الوضع وهو خمسة أعوام على المشهور.
стр. 3453
وروى أربعة.
وروى سبعة.
فاذا مضت المدة تزوجت ولو بقيت الريبة وان زالت قبل المدة تزوجت أيضا.
وسواء فى ذلك كله فارقت الزوج بطلاق أو موت أو غير ذلك أو كان ذلك من زنا.
قال العاصمى وخمسة الأعوام أقصى الحمل وستة الأشهر فى الاقل، وهذا اذا كانت الريبة، هل حركة بطنها بريح أو حمل أو نحو ذلك.
وأما ان تحقق وجود الولد فلا تحل أبدا حتى تضع.
وقال الشيخ اسماعيل وغيره من أصحابنا: أقصى مدة الحمل سنتان، وكأنه أراد أنه يلحق بالزوج الذى فارقته ما لم تتم سنتان ان لم يتحقق انه منه بتحركه عنده.
فلو مضت السنتان وتحرك بعدهما فهو ابن أمه ان لم تتزوج ولم يكن بحيث يلحق بالثانى.
وقيل يلحق بالأول ما لم يحكم الحاكم بالطلاق.
حكم الاشتباه فى الرضاع
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): انه لو أدخلت امرأة حلمة ثديها فى فم رضيع ولا يدرى أدخل اللبن فى حلقه أم لا، لا يحرم النكاح لان فى المانع شكا كذا فى الولوالجية، وفى الخانية لو أن صبية أرضعها قوم كثير من أهل قرية أقلهم أو أكثرهم، ولا يدرى من أرضعها، وأراد واحد من أهل تلك القرية أن يتزوجها.
قال أبو القاسم الصغار. اذا لم يظهر له علامة ولا يشهد له بذلك يجوز نكاحها.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه (٢): أنه لو خلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى صار الرضيع ابنا لهما مطلقا، سواء تساويا أم لا.
فيؤخذ من ذلك أنه لا يحل لاحدهما النكاح من الآخر.
أما لو خلط لبن المرأة بغيره من طعام أو شراب وكان غالبا أو مساويا لغيره بأن لم يبق له طعم فلا يحرم.
وجاء فى التاج والاكليل (٣) - أن ابن
стр. 3454
عرفة قال: اللبن المخلوط بطعام أو بدواء وكان اللبن غالبا محرم، وعكسه مذهب المدونة لغو.
وجاء فى الفروق للقرافى (١): ومن التبست عليه الأجنبية بأخته بأن شك فى الأجنبية وأخته من الرضاع حرمتا معا، وسبب التحريم هو الشك.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٢): أنه لو شك هل رضع خمسا، أم أقل، أو هل رضع فى حولين، أم بعد الحولين فلا تحريم، لأن الأصل عدمه.
ولا يخفى الورع حيث وقع الشك للكراهة حينئذ، كما هو ظاهر أنه حيث وجد خلاف يعتد به فى التحريم وجدت الكراهة ومعلوم انها أغلظ لأن الاحتياط هنا لنفى الريبة فى الايضاع المختصة بمزيد احتياط ففى المحارم المختصة باحتياط أولى.
وجاء فى البجرمى (٣): أنه يشترط فى الرضيع كونه حيا حياة مستقرة فلا أثر لوصول اللبن الى جوف غيره، لخروجه عن التغذى، وكونه لم يبلغ حولين فى ابتداء الخامسة، وان بلغهما فى أثنائها يقينا، فلا أثر لذلك بعدهما، ولا مع الشك فى ذلك، لخبر لا رضاع الا ما فتق الأمعاء وكان قبل الحولين رواه الترمذى وحسنه، ولخبر لا رضاع الا ما كان فى الحولين رواه البيهقى وغيره وللآية «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» وللشك فى سبب التحريم فى صورة الشك.
وما ورد مما يخالفه فى قصة سالم مخصوص به أو يقال منسوخ.
ويقيدان بالأهلة فان انكسر الشهر الأول كمل بالعدد من الخامس والعشرين.
وابتداؤهما من وقت انفصال الولد بتمامه.
وشرط فى اللبن وصوله أو وصول ما حصل منه من جبن أو غيره جوفا
стр. 3455
من معدة أو دماغ، ولو اختلط بغيره غالبا كان أو مغلوبا، وان تناول بعض المخلوط، أو كان بايجار، بأن يصب اللبن فى الحلق، فيصل الى معدته أو اسعاط بأن يصب اللبن فى الأنف، فيصل الى الدماغ، فانه يحرم لحصول التغذى بذلك.
أو بعد موت المرأة لانفصاله منها وهو محترم لا وصوله بحقنة أو تقطير فى نحو أذن كقبل، لانتفاء التغذى بذلك.
وشرطه أى الرضاع ليحرم كونه خمسا من المرات انفصالا ووصولا للبن يقينا، فلا أثر لدونها ولا مع الشك فيها، كأن تناول من المخلوط ما لا يتحقق كون خالصه خمس مرات للشك فى سبب التحريم.
وقد روى مسلم عن عائشة رضى الله تعالى عنها: كان فيما أنزل الله فى القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله ﷺ ، وهن فيما يقرأ من القرآن، أى يتلى حكمهن أو يقرؤهن من لم يبلغه النسخ، لقربه وقدم مفهوم هذا الخبر على مفهوم خبر مسلم أيضا لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، لاعتضاده بالأصل، وهو عدم التحريم.
والحكمة فى كون التحريم بخمس ان الحواس التى هى سبب الادراك خمس عرفا.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١): أنه اذا شك فى وجود الرضاع أو فى عدده المحرم بنى على اليقين، لأن الأصل عدم الرضاع فى المسألة الاولى، وعدم وجود الرضاع المحرم فى الثانية، لكن تكون من الشبهات وتركها أولى.
قال الشيخ: لحديث من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
وان شكت المرضعة فى الرضاع أو كماله فى الحولين ولا بينة فلا تحريم.
وجاء فى المغنى (٢): انه اذا وطئ رجلان امرأة فأتت بولد فأرضعت بلبنه طفلا صار ابنا لمن ثبت نسب المولود منه سواء ثبت نسبه منه بالقافة أو بغيرها، وان الحقته القافة بهما صار المرتضع ابنا لهما، فالمرتضع فى كل موضع تبع للمناسب، فمتى لحق المناسب بشخص فالمرتضع مثله، وان انتفى المناسب عن أحدهما فالمرتضع مثله، لأنه بلبنه ارتضع، وحرمته فرع على حرمته.
وان لم يثبت نسبه منهما لتعذر القافة أو لاشتباهه عليهم ونحو ذلك،
стр. 3456
حرم عليهما تغليبا للحظر، لأنه يحتمل أن يكون منهما، ويحتمل أن يكون من أحدهما، فيحرم عليه أقاربه دون أقارب الآخر، وقد اختلطت أخته بغيرها فحرم الجميع.
كما لو علم أخته بعينها ثم اختلطت بأجنبيات.
وان انتفى عنهما جميعا بأن تأتى به لدون ستة أشهر من وطئهما أو لأكثر من أربع سنين من وط ء الآخر انتفى المرتضع عنهما أيضا.
فان كان المرتضع جارية حرمت عليهما تحريم المصاهرة.
ويحرم أولادهما عليهما أيضا لأنها ابنة موطوءتهما فهى ربيبة لهما.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (١) أنه اذا شرب الصبى اللبن مع جنسه وهو لبن الآدميات فانه يقتضى التحريم مطلقا - أى سواء كان غالبا أو مغلوبا اذا كان يصل الجوف لو انفصل عن الخلط، أو خلط مع غير جنسه كالماء، ولبن البهائم والمرق، وكان هو الغالب لما خلط به فانه يقتضى التحريم.
ولا بد من أن يقدر أنه او انفصل وصل الجوف.
فان كان اللبن مساويا لما خلط به أو مغلوبا أو التبس الأغلب فلا تحريم.
واذا التبس (٢) دخول المرضعة فى السنة العاشرة فلم يعلم هل لها عشرة أعوام أم أقل، فانه يقتضى التحريم.
وهذا مبنى على أنه قد تحقق دخولها فى العاشرة والتبس هل وقع الرضاع قبلها أم فيها.
فأما لو التبس حين الرضاع هل دخلت فى السنة العاشرة أم هى فى التاسعة فأنه يحكم بالأصل، وهو عدم دخول العاشرة.
بخلاف ما اذا التبس حين رضاع الصبى هل قد زاد عمره على الحولين أم لا بل هو فى الحولين فان الرضاع مع هذا اللبس لا يقتضى التحريم.
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف (٣): انه اذا شبب اللبن بغيره ثم سقى المولود لم ينشر الحرمة غالبا كان اللبن أو مغلوبا، وسواء شيب بجامد كالسويق والدقيق والأرز
стр. 3457
ونحوه، أو بمائع كالماء والخل واللبن، كان مستهلكا أو غير مستهلك.
دليلنا قول الله ﵎ «وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ ١» وهذه ما أرضعت:
ولأن الأصل نفى التحريم واثباته يحتاج الى دليل.
واذا جمد اللبن أو غلى لم ينشر الحرمة
وجاء فى شرائع الاسلام (٢): أنه لا بد من توالى الرضعات، بمعنى أن المرأة الواحدة تنفرد باكمالها، فلو رضع من واحدة بعض العدد، ثم رضع من أخرى بطل حكم الأول.
ولو تناوب عليه عدة نساء لم ينشر الحرمة ما لم يكمل من واحدة خمس عشرة رضعة ولاء.
ولا يصير صاحب اللبن مع اختلاف المرضعات أبا ولا أبوه جدا ولا المرضعة أما.
ولا بد من ارتضاعه من الثدى فى قول مشهور تحقيقا لمسمى الارتضاع.
فلو وجر فى حلقه أو أوصل الى جوفه بحقنه وما شاكلها لم ينشر.
وكذا لو جبن فأكله جبنا.
وكذا يجب أن يكون اللبن بحاله فلو مزج بأن القى فى فم الصبى مائع ورضع فامتزج حتى خرج عن كونه لبنا لم ينشر.
ولو ارتضع ثدى ميتة أو رضع بعض الرضعات وهى حية ثم أكملها وهى ميتة، لم ينشر، لأنها خرجت بالموت عن التحاق الأحكام فهى كالبهيمة المرتضعة، وفيه تردد.
وأن يكون فى الحولين ويراعى فى ذلك المرتضع لقوله ﷺ «لارضاع بعد فطام.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٣): أنه ان اختلط لبن امرأة بأخرى، بأن جعلت نساء ألبانهن، أو امرأتان لبنهما فى اناء واحد، فشرب طفل بعضه فشبهة بينهن، لاحتمال أن يكون البعض المشروب لبن هذه، أو لبن هذه، أو لبنهن.
وأما هو فقد تحقق أنه شرب لبن غير أمه، فلا يتزوج ولا يصافح واحدة منهن.
وان شربه كله فرضاع منهن.
وان شربه أو شرب بعضه فريق متعدد من الأطفال فشبهة فى حق كل واحد مع الآخر وعليهن جميعا.
стр. 3458
وان اختلط (١) لبن امرأة بأن جعلته فى نحو ماء أو لبن شاة أو غيرها، أو بطعام غير يابس فلم يعلم موضع اللبن منه أعنى لبن المرأة أو علم موضعه لكنه رطب كثيرا بحيث يسرى فسقته أو أطعمته الكل أو الأكثر فشمل النصف، لأنه غير قليل، فذلك رضاع.
والأقل أى القليل وهو ما دون النصف سقيه أو اطعامه شبهة.
وان تفرد اللبن فى جانب وتبين ولم يشرب فلا رضاع ولا شبهة.
وقيل: لو قطرت قطرة من لبن امرأة فى بئر فشرب منها صبى لكان رضاعا.
وقيل: لا ان استهلكت عين اللبن ولونه وغلب عليه الماء.
وقيل: لا أيضا ان كان الماء أكثر، ذكره فى التاج ويدل له جواز التوضؤ به.
وان جعلته بأن خلطته بدقيق أو طعام يابس فأطعمته، ولو قليله، فذلك رضاع ان لم يتبين موضعه، أو عجنت به ذلك الطعام.
وقيل: شبهة ان لم تبين، ولم تطعمه الكل، ولا الأكثر.
وان تبين لم يكن رضاعا ما لم تطعمه.
ولا شك ان عجنته كله به وحده فانه رضاع.
وان طبخت لبنها فى أرز، فأكل منه صبى أو شرب من مائة فشبهة، ويكون رضاعا الا ان جف الأرز جفوفا لا تلحقه وطوبة منه وتغير، واحتمله، وذهب عينه.
واختير الاحتياط كذا ذكر المصنف فى بعض مختصراته.
وفى الديوان قولان.
اذا ذهب لونه وطعمه فى نحو ماء أو طعام وان طبخ وحده أو مع غيره حتى غيرته النار لم يكن رضاعا.
قلت: هو رضاع.
واذا وقع لبنها فى طعام وتيبس حتى ذهبت رطوبته، فأكله الصبى، لم يكن رضاعا، لزواله.
ألا ترى أن الموضع النجس يطهر باليبس ومضى المدة وأصل الحكم بطهره زوال رطوبة النجس، ولا يشترط فى اللبن الا زوال رطوبته فى الرضاع.
وان جعلت (٢) امرأة ثديها بفم طفل وشكت أنه تجرع، أى ابتلع لبنها، أو قطرته فى أذنه، أو عينه أو منخره، أو فى جرح بحلقه أو جعلته حيث يصل جوفه بتداو، أو غيره كما يصب اللبن فى عين الصبى لرمد، وخص التداوى، لأن غيره كالعبث، لا ينبغى أن يقع، وشكت فى وصوله جوفه، فذلك شبهة، أى
стр. 3459
موجب شبهة فلا يتزوجها، مخافة أن يكون قد وصل الجوف، ولا يصافحها كما يصافح ذات محرم، مخافة أن يكون لم يصل، وكذا غيره وغيرها ممن يحرم بهما.
وكذا لو فعلت ذلك بطفلة فتحتمل الوصول فهى بنتها، فلا يتزوجها ولدها، ولا تتزوج بنتها ابن الكبيرة.
وان وقع التزويج أو المصافحة لم يحكم بالتحريم ولا يجب التفريق.
وان تغير لبن امرأة (١) بدم أو قيح أو بهما فتجرعه فهو شبهة أى موجب لها ولو كان اللبن مغلوبا فى باب التحرج والتورع لا يتزوج ولا يصافح.
وأما الحكم فيكون للغالب.
فان كان اللبن مغلوبا فلا رضاع.
أو غالبا فرضاع.
وان استوى بغيره رجح الجرم بأنه رضاع.
واختلف فيما حلبته امرأة من ثديها مشوبا أى مخلوطا مكدرا بغيره وكذا فى لبن ثدى الرجل لا خالص لبن هل هو رضاع شرعى أو لا قولان.
ثالثهما: أنه رضاع ان كان ينبت اللحم.
روت أم الفضل عن النبى ﷺ «لا يحرم من الرضاع الا ما فتق».
وان ألقم صبى (٢) الثدى ومصه وقعت شبهة والرضاع أولى، وتركت الشبهة، وذلك ان كان فيه لبن.
والمص دون ظهور اللبن لا يوجب رضاعا، لأنه قد يمص ولا ينحدر له اللبن الا أنه شبهة.
ولا يحكم الا بالصحة، أو بظهور اللبن فى طرفى شفتيه أو باحساسها اللبن يتحلب منها، وبالشهادة على ذلك.
وقيل: اذا رأته يمص وغلب على ظنها أنه وصل جوفه فرضاع.
والطفلة كالطفل بالنسبة الى ابن مرضعتها ومن يحرم برضاعها.
الاشتباه
فى الدّعوى
وما يتعلق بها
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (٣): ويصح دعوى الملك المطلق فى العقار بلا بيان سبب الملك.
стр. 3460
وفى دعوى البزازيه من فصل التناقض:
واعلم أن مشايخ فرغانه ذكروا أن الشرط فى دعوى العقار فى بلاد قدم بناؤها بيان السبب، ولا نسمع فيه دعوى الملك المطلق، لأن دعوى الملك المطلق دعوى الملك من الأصل بسبب الخطة ومعلوم أن صاحب الخطة فى مثل تلك البلاد غير موجود، فيكون كذبا لا محالة، فكيف يقضى به.
واذا تعذر القضاء بالمطلق لذلك فلا بد من أن يقضى بالملك بسبب، وذلك اما سبب مجهول أو معلوم.
فالمجهول لا يمكن القضاء به للجهالة.
والمعلوم لعدم تعيين المدعى اياه.
ثم ان الاستحقاق لو فرض بسبب حادث يجوز أن يكون ذلك السبب شراء ذى اليد من آخر.
ثم يجوز أن يكون السبب سابقا على تملك ذى اليد فيمنع الرجوع.
ويجوز أن يكون لاحقا فلا يمنع الرجوع فيشتبه.
وحكم أداء اليمين فى الدعوى (١) انقطاع الخصومة للحال مؤقتا الى غاية احضار البينة .. الخ.
فلو قال المدعى للمدعى عليه أحلف وأنت برئ من هذا الحق الذى ادعيت، أو أنت برئ من هذا الحق، ثم أقام البينة قبلت، لأن قوله أنت برئ يحتمل البراءة للحال، أى برئ عن دعواه، وخصومته للحال.
ويحتمل البراءة عن الحق فلا يجعل ابراء بالشك كذا فى السراج الوهاج.
وجاء فى الأشباه والنظائر (٢): أنه لو كان على شخص دين وشك فى قدره ينبغى لزوم اخراج القدر المتيقن.
وفى البزازيه من القضاء اذا شك فيما يدعى عليه فينبغى أن يرضى خصمه ولا يحلف احتراز عن الوقوع فى الحرام.
وان أبى خصمه الا حلفه، فان كان أكبر رأيه أن المدعى محق لا يحلف، وان كان أكبر رأيه أنه مبطل ساغ له الحلف.
وذكر صاحب البدائع (٣): فى حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين أن الكلام فى ذلك يقع فى موضعين.
أحدهما فى بيان حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين القائمتين على أصل الملك.
والثانى: فى بيان حكم تعارض البينتين القائمتين على قدر الملك.
стр. 3461
أما الأول: فالأصل أن البينتين اذا تعارضتا فى أصل الملك من حيث الظاهر.
فان أمكن ترجيح احداهما على الأخرى يعمل بالراجح، لأن البينة حجة من حجج الشرع، والراجح ملحق بالمتيقن فى أحكام الشرع.
وان تعذر الترجيح فان أمكن العمل بكل واحدة منهما من كل وجه وجب العمل به، وان تعذر العمل بهما من كل وجه، وأمكن العمل بهما من وجه وجب العمل بهما، لأن العمل بالدليليز واجب بقدر الامكان.
وان تعذر العمل بهما أصلا سقط اعتبارهما والتحقا بالعدم، اذ لا حجة مع المعارضة، كما لا حجة مع المناقضة.
ثم قسم الدعوى بعد ذلك الى دعوى الملك.
ودعوى اليد.
ودعوى الحق.
ثم قال عن دعوى الملك أنها أما أن تكون من الخارج على ذى اليد.
أو من الخارجين على ذى اليد.
أو تكون من صاحبى اليد أحدهما على الآخر.
فان كانت الدعوى (١) من الخارج على ذى اليد دعوى الملك وأقاما البينة.
فاما أن تكون البينتان على ملك مطلق عن الوقت.
واما أن تكونا على ملك مؤقت.
واما أن تكون احداهما على ملك مطلق، والأخرى على ملك مؤقت.
وفى كل ذلك أما أن تكون بسبب.
واما أن تكون بغير سبب.
فان قامت البينتان على ملك مطلق عن الوقت من غير سبب فبينة الخارج أولى، لأن البينة حجة المدعى وذو اليد ليس بمدع فلا تكون البينة حجة.
وان قامت البينتان على ملك مؤقت من غير سبب، فان استوى الوقتان يقضى للخارج، لأنه بطل اعتبار الوقتين للتعارض، فبقى دعوى ملك مطلق.
وان كان أحدهما أسبق من الآخر يقضى للأسبق وقتا أيهما كان فى قول أبو حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى.
وروى ابن سماعة عن محمد أنه رجع عن هذا القول وقال: لا تقبل من صاحب اليد بينة على وقت وغيره الا فى النتاج.
والصحيح جواب ظاهر الرواية.
وان قامت احداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك مؤقت من غير سبب لا عبرة بالوقت عندهما ويقضى للخارج.
وعند أبى يوسف يقضى لصاحب الوقت أيهما كان.
стр. 3462
وروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى مثله.
ووجه قول أبى يوسف أن بينة صاحب الوقت أظهرت الملك له فى وقت خاص لا يعارضها فيه بينة مدعى الملك المطلق بيقين، بل يحتمل المعارضة وعدمها، لأن الملك المطلق لا يتعارض للوقت، فلا تثبت المعارضة بالشك.
ولهذا لو ادعى كل واحد من الخارجين على ثالث وأقام كل واحد منهما البينة أنه اشتراه من رجل واحد، ووقتت بينة أحدهما، وأطلقت الأخرى أنه يقضى لصاحب الوقت كذا هذا.
ولهما أن الملك احتمل السبق والتأخير، لأن الملك المطلق يحتمل التأخير والسبق، لجواز أن صاحب البينة المطلقة لو وقتت بينته كان وقتها أسبق، فوقع الاحتمال فى سبق الملك المؤقت فسقط اعتبار الوقت فبقى دعوى مطلق الملك فيقضى للخارج.
أما اذا كان فى دعوى ذلك سبب، وكان السبب هو النتاج، وهو الولادة فى الملك ففى دعوى النتاج من الخارج على ذى اليد لو أقام أحدهما البينة على النتاج، والآخر على الملك المطلق عن النتاج، فبينة النتاج أولى، لأنها قامت على أولية الملك لصاحبه.
وان وقتت البينتان فان اتفق الوقتان سقط اعتبارهما للتعارض فبقى دعوى الملك المطلق.
وان اختلفا بحكم سن الدابة فتقضى لصاحب الوقت الذى وافقه السن لأنه ظهر أن البينة الأخرى كاذبة بيقين.
أما اذا أشكل سن الدابة سقط اعتبار التاريخ، لأنه يحتمل أن يكون سنها موافقا لهذا الوقت، ويحتمل أن يكون موافقا لذلك الوقت، ويحتمل أن يكون مخالفا لهما جميعا، فيسقط اعتبارهما كأنهما سكتا عن التاريخ أصلا.
وان خالف سنها الوقتين جميعا سقط الوقت.
كذا ذكره فى ظاهر الرواية لأنه ظهر بطلان التوقيت فكأنهما لم يوقتا فبقيت البينتان قائمتين على مطلق الملك من غير توقيت.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه (١): أنه اذا تنازع الخصمان فأراد أحدهما الرفع لقاض وأراد الآخر الرفع لقاض آخر، كان القول للطالب، وهو صاحب الحق، دون المطلوب.
ثم ان لم يكن طالب مع مطلوب بأن كان كل يطالب صاحبه رفع الى قاض سبق رسوله لطلب الاتيان عنده.
والا يسبق رسول قاض بل استويا فى المجئ مع دعوى كل أنه الطالب أقرع
стр. 3463
للقاضى الذى يذهبان اليه، فمن خرج سهمه للذهاب له ذهبا له، كما يقرع بينهما فى الادعاء بعد اتيانهما للقاضى الذى أقرعا فى الذهاب اليه، أو الذى اتفقا على الذهاب له، ثم تنازعا فى تقديم الدعوى اذ الموضوع أن كلا طالب.
وان جهل المدعى (١) بأن قال كل أنا المدعى فالجالب لصاحبه بنفسه أو برسول القاضى، هو الذى يؤمر بالكلام ابتداء.
وان لم يكن أحدهما جالبا أقرع بينهما.
وان ادعى (٢) أخ أسلم أن أباه أسلم ومات مسلما وادعى الاخ النصرانى أنه استمر على النصرانية ومات على نصرانيته فالقول للنصرانى استصحابا للأصل المتفق عليه.
ولو أقام كل منهما بينة على دعواه قدمت بينة المسلم، لأنها ناقلة عن الأصل فقد علمت ما لا تعلمه الأولى.
وهذا اذا كان معلوم النصرانية.
وأما اذا كان مجهولها كأن تشهد لكل بينة على دعواه فشهدت للابن النصرانى بأن أباه تنصر عند الموت أى نطق بالنصرانية، أو بأنه مات على النصرانية، وان لم تقل نطق بها، وشهدت للابن المسلم أنه أسلم، ومات، فلا تقدم بينة المسلم، ليأخذ المال ان جهل أصله، ولم يعلم ذلك الأب هل هو نصرانى أو مسلم.
واذا لم تقدم بينة المسلم صارت البينتان متعارضتين فيقسم المال بينهما نصفين، اذا لم يوجد مرجح كمال نتازعه الاثنان فيقسم بينهما كمجهول الدين، ولا بينة لواحد منهما فيقسم المال بينهما وعبر أو لا بأصله وهنا بالدين تفننا.
واذا كان لمجهول الدين ثلاثة أولاد مثلا، مسلم، ويهودى، ونصرانى، ادعى كل أن أباه كان على دينه، قسم ماله على الجهات بالسوية، لجهة الاسلام الثلث، ولكل من الآخرين الثلث.
واذا أخذت كل جهة ثلثها قسموه على حكم الميراث عند كل ملة.
هذا هو الظاهر.
ويحتمل أن الذكر والانثى سواء.
وظاهر أنا لا نحكم عليهم بشرعنا الا اذا ترافعوا الينا.
فاذا لم يترافعوا الينا سلمنا لهم ما يخصهم يفعلون به ما يقتضيه رأيهم.
стр. 3464
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (١): أنه اذا ادعى اثنان عينا كل واحد منهما يدعيها لنفسه وهى فى يد ثالث لم ينسبها ذو اليد الى أحدهما قبل البينة ولا بعدها، وأقام كل منهما بينة سطقت الدعويان لتعارضهما ولا مرجح، فأشبه الدليلين اذا تعارضا بلا ترجيح، وحينئذ فيحلف كل منهما يمينا.
فان أقر ذو اليد لأحدهما قبل البينة أو بعدها رجحت بينته.
وفى قول تستعملان صيانة لهما عن الالغاء حسب الامكان فتنزع من ذى اليد.
وعليه ففى قول تقسم العين بينهما بالسوية لخبر أبى داود بذلك.
وحمله الأول على أن العين كانت بيدهما.
وفى قول يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة رجح لخبر فيه مرسل وله شاهد.
وأجاب الأول بحمله على أنه كان فى عتق أو قسمة.
وفى قول يوقف الأمر اذا أشكل الأمر حتى يتبين الحال أو يصطلحا لأن احداهما صادقة والاخرى كاذبة فيوقف، كما لو زوج المرأة وليان ونسى السابق.
ولم يرجح واحدا من الأقوال لعدم اعتنائه بها لتفريعها على الضعيف.
وأصحها الأخير.
ومحل تساقط البينتين اذا وقع تعارض حيث لم يتميز أحدهما بمرجح والا قدم.
ولو (٢) أطلقت بينة بأن لم تتعرض لزمن الملك، وأرخت بينة، ولا يد لاحدهما، واستويا فى أن لكل شاهدين مثلا، ولم تبين الثانية سبب الملك.
فالمذهب أنهما سواء فيتعارضان.
ومجرد التاريخ غير مرجح، لاحتمال أن المطلقة لو فسرت فسرت بما هو أكثر من الأول.
نعم لو شهدت احداهما بدين، والأخرى بابراء من قدره رجحت هذه لانه انما يكون بعد الوجوب، والاصل عدم تعدد الدين.
بخلاف ما لو أثبت على زيد اقرارا بدين فأثبت زيد اقرار المدعى بعدم استحقاقه عليه شيئا فانه لا يؤثر فى الاقرار، لاحتمال حدوث الدين بعد، ولأن الثبوت لا يرتفع بالنفى المحتمل.
стр. 3465
وجاء فى المهذب (١): أنه ان ادعى رجل ملك عبد، فأقام عليه بينة، وادعى آخر انه باعه، أو أوقفه، أو أعتقه وأقام عليه بينة، قدم البيع والوقفا والعتق، لأن بينة الملك شهدت بالأصل، وبينة البيع والوقف والعتق شهدت بأمر حادث خفى على بينة الملك، فقدمت على بينة الملك ..
وان كان فى يد رجل عبد فادعى رجل انه ابتاعه، وأقام عليه بينة، وادعى العبد أن مولاه أعتقه وأقام عليه بينة، فان عرف السابق منهما بالتاريخ قضى بأسبق التصرفين، لأن السابق منهما يمنع صحة الثانى، فقدم عليه.
وان لم يعرف السابق منهما تعارضتا وفيهما قولان.
أحدهما: أنهما يسقطان ويرجع الى من فى يده العبد، وان كان كذبهما حلف لكل واحد منهما يمينا على الانفراد، وان صدق أحدهما قضى لمن صدقه.
والقول الثانى: أنهما يستعملان فيقرع بينهما فى أحد الأقوال.
فمن خرجت له القرعة قضى له.
ويقسم فى القول الثانى فيعتق نصفه ويحكم للمبتاع بنصف الثمن.
ولا يجئ القول بالوقف لأن العقود لا توقف.
واذا مات رجل (٢) وخلف ابنا مسلما وابنا نصرانيا وادعى كل واحد منهما أن أباه مات على دينه وأنه يرثه وأقام على ما يدعيه بينة.
فان عرف أنه كان نصرانيا نظرت.
فان كانت البينتان غير مؤرختين حكم ببينة الاسلام، لأن من شهد بالنصرانية شهد بالأصل، والذى شهد بالاسلام شهد بأمر حادث خفى على من شهد بالنصرانية، فقدمت شهادته، كما تقدم بينة الجرح على بينة التعديل.
فان شهدت احداهما بأنه مات، وآخر كلامه الاسلام، وشهدت الأخرى بأنه مات، وآخر كلامه النصرانية، فهما متعارضتان وفيهما قولان.
أحدهما: أنهما يسقطان فيكون كما لو مات ولا بينة فيكون القول قول النصرانى لأن الظاهر معه.
والثانى: أنهما يستعملان فان قلنا بالقرعة أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة ورث.
وان قلنا بالوقف وقف وان قلنا بالقسمة ففيه وجهان.
أحدهما: انه يقسم كما يقسم فى غير الميراث.
стр. 3466
والثانى: وهو قول أبى اسحاق أنه لا يقسم لأنه اذا قسم بينهما تيقن الخطأ فى توريثهما وفى غير الميراث يجوز أن يكون المال مشتركا بينهما فقسم.
وان لم يعرف أصل دينه تعارضت البينتان سواء كانتا مطلقتين أو مؤرختين وفيهما قولان.
أحدهما: أنهما يسقطان.
فان كان المال فى يد غيرهما فالقول قول من فى يده المال.
وان كان فى يديهما كان بينهما.
وان قلنا أنهما يستعملان، فان قلنا يقرع أقرع بينهما.
وان قلنا يوقف وقف الى أن ينكشف.
وان قلنا يقسم قسم.
وقال أبو اسحاق لا يقسم، لأنه يتيقن الخطأ فى توريثهما.
والمنصوص أنه يقسم.
وما قاله أبو اسحاق خطأ لأنه يجوز أن يموت وهو نصرانى فورثه ابناه وهما نصرانيان ثم أسلم أحدهما وادعى أن أباه مات مسلما ليأخذ الجميع.
ويغسل الميت ويصلى عليه فى المسائل كلها ويدفن فى مقابر المسلمين وينوى بالصلاة عليه ان كان مسلما كما قلنا فى موتى المسلمين اذا اختلطوا بموتى للكفار.
وان مات رجل وخلف ابنين واتفق الابنان أن أباهما مات مسلما وان أحد الابنين أسلم قبل موت الأب واختلفا فى الآخر فقال أسلمت أنا أيضا قبل موت أبى فالميراث بيننا وأنكر الآخر فالقول قول المتفق على اسلامه لأن الأصل بقاؤه على الكفر.
ولو اتفقا على اسلامهما واختلفا فى وقت موت الأب، فقال أحدهما:
مات أبى قبل اسلامك فالميراث لى، وقال الآخر بل مات بعد اسلامى أيضا، فالقول قول الثانى، لأن الأصل حياة الأب.
وان مات رجل وخلف أبوين كافرين وابنين مسلمين فقال الأبوان مات كافرا، وقال الابنان مات مسلما فقد قال أبو العباس يحتمل قولين.
أحدهما: أن القول قول الأبوين، لأنه اذا ثبت أنهما كافران كان الولد محكوما بكفره الى أن يعلم الاسلام.
والثانى: أن الميراث يوقف الى أن يصطلحوا أو ينكشف الأمر، لأن الولد انما يتبع الأبوين فى الكفر قبل البلوغ فأما بعد البلوغ فله حكم نفسه.
ويحتمل أنه كان مسلما.
ويحتمل أنه كان كافرا فوقف الأمر الى أن ينكشف.
وجاء فى نهاية المحتاج (١): انه اذا
стр. 3467
ادعى عينا غائبة عن البلد وان كانت فى غير محل ولايته يؤمن اشتباهها كعقار وعبد وفرس معروفات بالشهرة أو بتحديد الاول سمع القاضى بينته، وحكم بها على حاضر وغائب، وكتب الى قاضى بلد المال ليسلمه للمدعى، كما يسمع البينة ويحكم بها على الغائب وغلب غير العاقل على خلاف القاعدة الاكثرية كقوله تعالى: «يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» (١)، فدعوى أنه خلاف الصواب غير صحيح.
ويعتمد فى معرفة العقار حدوده الاربعة أن لم يعرف الا بها، والا فالمعرفة فيه لا تتقيد بها، فقد يعرف بالشهرة التامة فلا يحتاج لذكر حد ولا غيره، وقد لا يحتاج لذكر حدوده الاربعة بل يكتفى بثلاثة وأقل منها.
ولهذا قال ابن الرفعة: ان تميز بحد كفى.
ويشترط ايضا ذكر بلده وسكنه ومحله منها، لا قيمته، لحصول التمير بدونها.
وان كانت العين لا يؤمن اشتباهها كغير المعروف مما ذكر.
فالاظهر سماع البينة على عينها وهى غائبة ليميزها بالصفة مع دعاء الحاجة الى اقامة الحجة عليها كالعقار والثانى: المنع لكثرة الاشتباه ويبالغ حتما المدعى فى الوصف للمثلى بما يمكن الاستقصاء به، ليحصل التميز به الحاصل غالبا بذلك.
وأشترطت المبالغة هنا دون السلم، لانها تؤدى الى عزة الوجود المنافية لصحته
ويذكر القيمة حتما ايضا فى المتقوم، لانه لا يصير معلوما بدونها.
واعلم أن ذكر القيمة فى المثلى والمبالغة فى وصف المتقوم مندوب كما قالاه هنا.
وأنما يجب وصف العين بصفة السلم دون قيمتها، مثلية كانت أو متقومة اذا كانت عينا حاضرة بالبلد يمكن احضارها مجلس الحكم.
والاظهر انه لا يحكم بما قامت البينة عليه، لان الحكم مع حظر الاشتباه والجهانة بعيد، والحاجة تندفع بسماع البينة اعتمادا على صفاتها والمكاتبة بها.
ومقابلة لا ينظر الى ذلك بل يكتب الى قاضى بلد المال بما شهدت به البينة.
فان ظهر الخصم ثم عينا اخرى مشاركة له بيده أو يد غيره اشكل الحال
وان لم يأت بدافع عمل الحاكم المكتوب اليه به حيث وجد بالصفة التى تضمنها الكتاب وحينئذ فيأخذه ممن هو عنده ويبعثه الى القاضى الكاتب
стр. 3468
ليشهدوا على عينه ليحصل اليقين.
ولكن الاظهر أنه لا يسلمه للمدعى الا بكفيل.
مذهب الحنابلة:
ذكر ابن رجب (١) فى قواعده: أن اشتباه المدعى عليه اذا كتب القاضى الى قاضى بلد آخر أن لفلان على فلان ابن فلان المسمى الموصوف كذا، فأحضره المكتوب اليه بالصفة والنسب، فادعى أن له مشاركا فى ذلك، ولم يثبت حكم عليه.
وان ثبت أن له مشاركا فى الاسم والصفة والنسب وقف حتى يعلم الخصم منهما، ولم يجز القضاء مع عدم العلم.
أما لو كان المدعى المكتوب فيه حيوانا أو عبدا موصوفا ولم يثبت له مشارك ففيه وجهان.
اشهرهما انه يسلم الى المدعى مختوم العنق، ويؤخذ منه كفيل، حتى يأتى القاضى الكاتب، فيشهد الشهود على عينه ويقضى له به، وان لم يشهدوا على عينه، وجب رده الى الحاكم الدى سلمه ويكون فى ضمان الذى اخذه، لانه اخذه بغير استحقاق.
والوجه الثانى لا يسلم الا بالشهادة على عينه.
والفرق بينهما وبين التى قبلها أن الحر قد طابق قول المدعى اسمه ونسبه وصفته فيبعد الاشتراك فى ذلك والعبد والحيوان انما حصل الاتفاق فى صفته او فى وصفه واسمه والوصف كثير الاشتباه وكذلك الاسم.
ونظير هذا ما ذكروه فى شهادة الاعمى أنه أن عرف المشهود عليه باسمه ونسبه قبلت شهادته.
وأن عرفه برؤيته قبل عماه فوصفه ففى قبولها وجهان، لان الوصف المجرد يحصل فيه الاشتراك.
وجاء فى كشاف (٢) القناع: أنه أن كان المدعى به عينا حاضرة فى المجلس عينها المدعى بالاشارة اليها لينتفى اللبس.
وان كانت حاضرة فى البلد لكن لم تحضر
стр. 3469
مجلس الحكم اعتبر احضارها للتعيين وازالة اللبس.
ويجب احضارها على المدعى عليه أن أقر أن بيده مثلها فيوكل به حتى يحضرها.
فمن ادعى عليه بغصب عبد وأقر أن بيده عبدا امره الحاكم باحضاره لتكون الدعوى على عينه.
وروى صاحب المغنى (١) عن أحمد انه لو اخذ رجل من رجلين ثوبين احدهما بعشرة، والاخر بعشرين، ثم لم يدر أيهما ثوب هذا، فادعى احدهما ثوبا من هذين الثوبين، وادعاه الاخر أقرع بينهما، فأيهما اصابته القرعة حلف، وكان الثوب الجيد له، والاخر للاخر.
وانما قال ذلك لانهما تنازعا عينا فى يد غيرهما.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢): انه لو تداعى رجلان شيئا وليس فى ايديهما ولا بينة لهما اقرع بينهما على اليمين.
فأيهما خرج سهمه حلف وقضى له به
وهكذا كل ما تداعيا فيه مما يوقن بلا شك انه ليس لهما جميعا.
كدابة يوقن انها نتاج احدى دابتيهما.
لما روينا أن رجلين ادعيا بعيرا أو دابة فأتيا به النبى ﷺ ليس لواحد منهما بينة فجعله رسول الله ﷺ بينهما.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج (٣) المذهب: القول لمنكر اعواض المنافع، وهو المستعمل، لاتفاقهما ان تفويت المنافع كان بأذن المالك وهو يدعى اثبات العوض، لان الظاهر فى المنافع عدم العوض فيبين المالك.
والمراد بالمسئلة اذا لم يكن لصاحب الدابة ونحوها عادة بالاجارة، أو بالاعارة، بل ذلك اول ما فعل، او كان يعتاد الامرين على سواء، او التبس
فان بينا معا حكم ببينة العوض
стр. 3470
لانه يحتمل انه وقع عقد اجارة وعقد اعارة.
فأما لو اعتاد احدهما، أو كان احدهما هو الغالب فالقول من ادعى المعتاد والغالب.
أما لو اختلفا قبل الركوب هل ذلك اعارة او اجارة؟ فعلى مدعى الاجارة البينة ولو معتادا.
وكذلك العتق والطلاق، نحو ان يعتق عبده، أو يطلق زوجته او يعفو عن القصاص، واختلفوا هل بعوض ام بغير عوض.
فالقول لمنكر العوض ما لم تكن عادته او عادة اهل الناحية.
فان حلفت الزوجة فلا شئ عليها.
وهو بائن فى حقه فلا يرثها أن ماتت معتدة.
وان مات ورثته.
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف (١): انه اذا تعارضت البينتان على وجه لا ترجيح لاحداهما على الاخرى اقرع بينهما.
فمن خرج اسمه حلف واعطى الحق.
هذا هو المعول عليه عند اصحابنا.
وقد روى انه يقسم بينهما نصفين، وذلك لاجماع الفرقة على أن القرعة تستعمل فى كل امر مجهول مشتبه، وهذا داخل فيه.
والاخبار فى عين المسألة كثيرة اوردناها فى كتب الاخبار.
وروى سعيد بن المسيب رضى الله تعالى عنه أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فى أمر، وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم النبى ﷺ بينهما، وقال اللهم انت تقضى بينهما، وهذا نص.
وقد روى أنه قسم بينهما نصفين.
وروى ابو موسى الاشعرى قال: رجلان ادعيا بعيرا على عهد رسول الله ﷺ وبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسمه النبى ﷺ بينهما نصفين.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل وشفاء العليل (٢):